اليسار الوطني العراقي، قوة رئيسية وحقيقية في الحركة السياسية والثقافية والاجتماعية والنقابية في بلادنا، وقوة رئيسية وراسخة في المجتمع العراقي. ساهم بفعالية ونشاط  في رسم ملامح الحركة السياسية منذ بداية القرن العشرين الى الآن، بما يملك من برامج وشعارات وتجارب وتاريخ وطني ومواقف وطنية هامة ومعروفة. وهو حاجة اجتماعية وسياسية، في دفاعه عن الوطن وفقراءه وكادحيه، ضد الدكتاتورية والاستبداد، وفي حالة الاحتلال والأزمات والكوارث الوطنية الكبرى، مثل التي مررنا ونمر بها اليوم، من خلال برنامجه السياسي الوطني الديمقراطي، ومواقفه الوطنية الثابتة، التي يدافع فيها عن الاستقلال والتحرر والديمقراطية والحريات الأساسية، والموقف من طبيعة السلطة، وتبني قضايا الحريات والتنمية والتقدم، كذلك في البرامج والحلول الاقتصادية ومسائل الصناعة والزراعة وأزمة المياه الخطيرة ومشكلة البطالة، وحل المسائل القومية، وفي قضايا تحرر ومساواة المرأة، وحماية ورعاية الطفل، وعموم حقوق الإنسان، وقضايا البيئة وشروط حياة الإنسان الصحية والطبيعية، والاهتمام بالثقافة والتعليم، وتوفير الخدمات الأساسية.

 

الوثيقة الأساسية للتيار اليساري الوطني العراقي

 

 

موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

نناضل من أجل عراق حر

واقامة دولة القانون

والعدالة الاجتماعية 

 

 

 

 

 

 

يستعيد هذا العنوان ما كان طرحه الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون قبل قرون من الزمان حين وصف المعرفة بأنها “قوة” أو “سلطة”. وبهذا المعنى، فالمعرفة تمتلك نفوذاً معنوياً ومادياً، وفي الوقت نفسه، فهي حق وواجب أيضاً، حين تتحدد المسؤولية على الدولة والمجتمع بوحداته المختلفة، ابتداءً من العائلة والمدرسة والمحيط، ووصولاً إلى الرهان على المستقبل، وخصوصاً إذا ما تم غرس المعرفة في الطفولة، فيمكن لها أن تزدهر وتتفتح في الكِبَر، لأن الطفولة لا تعني الحاضر فحسب، بقدر ما لها من ارتباط وثيق بالمستقبل، الأمر الذي يقع أيضاً في صلب مهمات الدولة، إضافة إلى النخب الفكرية والسياسية.

 

يمكن القول إن مسألة البيانات وقاعدة المعلومات مهمة لأي بحث أكاديمي، ولا يصحّ من دونها تعميق المعرفة وتطوير البحث، فالوثيقة في البحث العلمي هي خبر لأنها تُغني عن الكثير من التفاصيل والشروح أحياناً، مثلما نقول في الإعلام الصورة خبر، والإعلامي أو الصحافي حسب ألبير كامو هو مؤرخ اللحظة، والصحافة.. ويمكننا القول إن الإعلام، في ظل الثورة العلمية - التقنية وثورة الاتصالات والثورة الرقمية، هو صاحب الجلالة، وهو بموازاة السلطات الثلاث، خصوصاً وهو يملك صفتين أساسيتين، هما سلطة الكلمة وسلطة الحق، لاسيما إذا ما أُحسن استخدامه، وإذا ما استطاع التأثير في المجتمع، وأصبح جزءاً مهماً من الرأي العام، فإنه سيكون ذا تأثير كبير في عملية التنمية والإصلاح الديمقراطي، وبخاصة إذا توفرت له بيئة حاضنة، تتيح تعزيز وتعميق الثقافة والوعي.

 

إن الوعي بالحقوق وتبنيها يتحوّل بالتدريج إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها، إذا جاءت بالتراكم وعبر قناعات لقطاعات ونخب المجتمع والدولة، الأمر الذي يطرح مسألة دور المجتمع المدني، باعتباره قوة اقتراح وشراكة وليس قوة احتجاج واعتراض فحسب، خصوصاً إذا كان ما يقوم به مهنياً ومستقلاً، نائياً بنفسه عن الانخراط بالصراع الإيديولوجي الدائر في المجتمع، وإذا ما اتّبع طريقاً سلمياً للمطالبة بتحقيق أهدافه، بصورة تتّسم بالعلانية والشفافية والقانونية، فسيكون له تأثير كبير في مجرى التحوّل الاجتماعي.

 

ولعل الشراكة تتطلب حرية التعبير، وتأكيد حق الاعتقاد، وحق التنظيم الحزبي والنقابي، وحق تولّي جميع الوظائف بما فيها العليا من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللغة أو اللون أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو غيرها.

 

لا شك في أن هناك تحدّيات تقف في مواجهة المعرفة، داخلية وخارجية، سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وهي تعرقل الوصول إلى الحق، بل تضع كوابح وعقبات في طريقه، ولعل من أهمها عدم توفّر بيئة تشريعية مناسبة تنسجم مع المعايير والاتفاقيات الدولية.

 

وما زالت المنظومة القضائية وأطرافها (القضاة وأجهزة التحقيق) وسلك التنفيذ: جهاز الشرطة والأمن والسجون، وغيرها قاصرة، ناهيكم عن النقص الفادح في ميدان التربية والتعليم، لاسيما تعارض أو عدم انسجام المناهج التربوية مع المعايير الدولية، الأمر الذي يحول دون بناء مواطنة متوازنة وحرّة وواثقة بنفسها.. وإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرار تفشي ظاهرة الأمية، حيث يوجد أكثر من 71 مليون أميّ في الوطن العربي، وهي نسبة تعتبر من أكبر النسب العالمية، فإن المسألة ستكون في غاية الخطورة، خصوصاً في ظل عدم التوزيع العادل للثروة. وإذا ما عرفنا الموارد الهائلة التي تمتلكها هذه المنطقة، فإن مثل هذا التفاوت الذي يؤدي إلى هضم حقوق فئات واسعة من السكان تعاني من شظف العيش أو الفقر وما دونه أحياناً، سيترك انعكاساته السلبية، بزيادة حدة توتر المجتمعات التي تعاني منه وارتفاع منسوب العنف وسياسات الإقصاء والتهميش.

والأمر ينسحب أيضاً على الإعلام والثقافة، خصوصاً بضعف الوعي والنقص الفادح في ثقافة المواطنة والمساواة واحترام حقوق الأقليات وحقوق المرأة وحقوق الطفل، لاسيما الحق في التعبير والنظرة غير المتوازنة، بل والتمييزية، بين الذكور والإناث، ناهيكم عن الموقف من الأقليات القومية والدينية والمعاقين والمهاجرين والمهجرين والمهمشين والأيتام وغير ذلك.

لعل الحق في التعليم والحق في الصحة والحق في السكن وفي ضمان مستقبل للطفولة يشكل أساساً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الحقوق المدنية والسياسية، وهذه جميعها حقوق غير قابلة للتجزئة ولا يمكن التعامل معها بانتقائية، كما لا يمكن تأجيل بعضها أو استبعاد بعضها الآخر، بحجة الأولويات، لأن غياب أي جزء سيؤثر في الأجزاء الأخرى، فمسألة الحقوق مثل السبيكة الذهبية، لا يمكن اقتطاع جزء منها وإلاّ ستكون ناقصة أو مبتورة أو مشوّهة.

وتلعب العادات والتقاليد الاجتماعية البالية واستخدام الموروث واستغلال الدين بالضد من تعاليمه السمحاء، لاسيما بالتطرف والتعصب والغلو، دوراً معرقلاً لاحترام الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من المعرفة والثقافة لمواجهة مثل هذا النقص، وهو ما يتطلب نشر الوعي الحقوقي لدى خطباء المساجد والجوامع وقيادات الأحزاب والمنظمات الاجتماعية والمهنية، وبخاصة تأكيد وحدانية القانون وسيادته وخضوع الجميع له، حكاماً ومحكومين، ولعل ذلك سيكون عاملاً مساعداً في نشر الثقافة الحقوقية والمعرفية في المجتمع بخصوص احترام جميع الحقوق، وباتجاه تجسير الفجوة بين الحكومات والمجتمع المدني من جهة، وبين مجتمع الكبار ومجتمع الصغار من جهة أخرى، فضلاً عن تجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق، لا من خلال التطابق بينهما، بل لجعل الأولى تسير بخط متواز مع الواقع المتغيّر، وهذا يحتاج إلى الرصد والمراجعة، مثلما يتطلب تجسير الفجوة بين ما هو قانوني وما هو عملي وواقعي.

ستكون المعرفة قوة حقيقية إذا ما اتّسمت بالحق وصولاً إلى العدالة المنشودة. وحسناً فعل المجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية وجامعة الدول العربية وشركاؤهم عندما وضعوا عنواناً لمنتداهم الثالث للطفولة المنعقد في القاهرة “المعرفة من أجل الحق”، ولعل هذا العنوان البليغ يختصر الكثير من الدلالات، لاسيما وأنه جمع في دفتيه: المعرفة والحق اللذين لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم من دون الطيران بهذين الجناحين، خصوصاً بمساهمة جدية من المجتمع المدني المكمّل والشريك مع الدولة في فضاء من الحرية، ليس بعيداً عن فضاء الوعي والثقافة.

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية 10/3/2010