|
نناضل من اجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية
التحديث متواصل - 05 / حزيران / 2010)
العدد <75> 23/02/2010 -// يختتم العدد 75 سلسلة الاعداد اليومية |
|
اليسار العراقي |

عبد الحسين شعبان
تحطـيم المرايــا
في الماركسية والاختلاف
حوار وتقديم
خضيــر ميـــري
2009
المحتويات
مقدمة- بقلم خضير ميري
القسم الأول- حوارات القاهرة: انطولوجيا الحوار
1- حوار المعنى والدلالة
· نظائر الحوار
· الحوار ذو البعد الواحد
· تمثّلات الحوار
· الحوار والدلالات الكامنة
2- ماركسية القرن الحادي والعشرين
· التجربة والنقد والثقافة
· ماركس وأزمة الماركسية
· "متحفية " الماركسية
· النقد الماركسي لماركس
· الدولة وطوباوية ماركس
· حزب شيوعي من طراز " عتيق"
3- المنهج النقدي : الوضعية النقدية بديلاً عن الراديكالية الانقلابية
· المتمركسون
· ماركس وألتوسير
· الماركسية والأممية الرابعة
· ثلاثية ماركس الأثيرة
· كيف نقرأ ماركس والماركسية!؟
· " التخالق" والمعرفة
القسم الثاني – حوارات بيروت: أصوات الحوار وديناميته
1- ما بعد الحداثة
· التاريخانية
· ماركسية جديدة
· تفكيك الماركسية
· السياسة والفكر
· التفكيكية
· الماركسية والقانون
2-الثقافة واصلاح الفكر الماركسي
· المثقف الوضعي
· " أسلمة" الماركسية
· فكرة المثقف الكوني
· هاجس الحرية
· نموذج المثقف
· المثقف والسلطات الثلاث
· التحدّي الأكبر للمثقف
· نكبة المثقف الماركسي
3- الدين والهوية
· الدين والتنوير
· فيورباخ ونقد الدين
· الدين والتجربة الماركسية العربية
· فتوى الحكيم: الشيوعية كفر وإلحاد
· النقد الذاتي
· هوية أم هويات؟
4- المرأة والجنس والحب
· الثورة الجنسية
· جيني وماركس: حب دائم
· الحب والتعليمات البيروقراطية
· مفارقات الحب
· فهد والزواج وأمثلة طريفة!
· انجلز والنساء وزواج الفلاسفة
القسم الثالث– مقاربات الحوار: الذات والتاريخ-الماركسية والقومية
1- الماركسية وفلسطين
· رؤية استهلالية: نزوع إنساني أم نقص في الفكر الماركسي
· الوعي النقدي الماركسي
· القومي اللاماركسي اللاعروبي
· بعض الروافد الروحية
· الشيوعية العربية الرسمية والموقف اللاماركسي
· ماركسية " حذرة ": لماذا؟
· خطوط المقاومة ماركسياً
· التنظير الماركسي عربياً وأممياً
· أصوات ماركسية
· من يغرّد خارج السرب ؟
2- الماركسية والمسألة الكردية
أ- حدود الموقف الماركسي
· انشغالات كردية- عراقية
· مسافة واحدة بين الفرقاء
· حق تقرير المصير بدون رتوش
ب- التداخل الاقليمي والدولي
· الورقة الكردية
· الكرد والحركة الشيوعية
ج- المسألة الكردية ما بعد الاحتلال
· ضمانات قانونية أم ألغام ؟
· من هم أصدقاء الكرد؟
· تحديات العلاقات العربية- الكردية
· الماركسية والفيدرالية
· الفيدرالية والديمقراطية
· مواقف متميّزة
ما ليس بخاتمة: اشكاليات النقد الماركسي للماركسية
خضير ميري في سطور
الدكتور عبد الحسين شعبان – نبذة عن سيرة فكرية وثقافية
فهرست الاعلام والأماكن
مقدمة
لا يستريح المفكر أبداً ،لا يهدأ ولاينام، ولا يدع أصابعه ترتخي إلاّ لينسج ضوءاً آخر، جديداً ،داخل منظوته وأحلامه ورؤاه الفكرية. ولعل صدَقَ من قال ان أصل الفلسفة حوار وجدل وبحث وتوليد سواءًا كان سقراطياً فطرياً أو جدلياً قصدياً قائماً على الفكرة ونقيضها، واستحلال ما ندّ عنها أو اندّس فيها أو تماهى معها، ومن النقائض تستوي الاشياء وتنمو وترتع في فضاء التيه داخل عوالم ليس كلها من صنع الكينونة، بل الكثير منها من صنعنا ومن أخطائنا، وأحيانا من جنوننا المحبب السعيد، وما يجعل الجنون ممكنا هو أننا نراه في اصرار العقل على الفهم، وطلب الخوض بالسؤال الاشكالي الحارق لكل ما عداه.
وأصل هذه الحوارات علاقة قديمة بيني وبين عبد الحسين شعبان تمتد لعشرات السنين وهي علاقة الغياب بالغياب والترحال والعمل من بعيد. لم أتعرّف عليه شخصياً إلاّ بعد ان استنفذت المنافي نفسها وضاقت على قدمي الرجل وعقله وفكره الذي لا يعرف حدوداً، فالتقيته مشاركاً في مؤتمر داخل أروقة جامعة الدول العربية في القاهرة.
عرفت بوجوده فحضرت سريعاً ليقع بصري عليه من مسافة كافية لأن أبصر قامته المتوسطة وشعرة الابيض الفضي، وكان يرتدي سترة مخالفة للون بنطاله وهو يجلس في طاولة حوار مستديرة، ممثلاً لتاريخ طويل وعويص من قضايا اليسار العربي ومطارحات الماركسية، وهموم السلام والديمقراطية وحقوق الانسان.
لم يكن رسمياً كماهي العادة في المؤتمرات المنضبطة الرسمية . وعندما تقدمت منه كان بشوشاً وهادئاً، وقد كان اللقاء حاراً والاشواق تكبر على اللحظة وتستطيل على الزمان والمكان وتتماهى مع تاريخ الفكر في العراق وكمية الدماء التي تكحّل حروفه وتغتال معناه ومبناه.
وكنت قد فكّرت من قبل بأن أضع كتاباً عنه وعن تجربته الحياتية وأعماله في الفكر والنقد السياسي وحقول الانسانيات والقانون الدولي والمجتمع المدني، لاسيما في منهجه الماركسي النقدي، وكان ما ينقصني هو مكتبة وارشيف نظامي ومرجعيات ناجعة، كان يتعذّر الحصول عليها أو الوصول اليها في العراق حيث كانت كتبه ممنوعة، باستثناء ما كان يهرّب منها حيث تصل بعض النسخ "مصورة" الى شارع المتنبي، وكانت بعض المكتبات التي تختص بتلك "الثروات الدفينة" تعرضها على بعض الزبائن من زوارها الدائمين، كما لم يكن ممكناً تحقيق فكرتي، لاسيما في مناطق الترحال والشتات وهدم مكتباتنا بعد الاحتلال، ثم اعادة بناء ما تيسّر منها، هنا وهناك في القاهرة وعمان ودمشق وغيرها.
الاّ أن مصر وفّرت لي فرصة لقاء طال انتظاره، فرحتُ أنتهز الفرصة لفتح حوار مع الدكتور شعبان، وكان عليّ أن أغتنم وقت اقامته القصيرة في القاهرة ، فكان اللقاء مزيجاً من مراجعات وتنظيرات وقراءات نقدية تأملية ورؤى، هي أقرب الى خلاصات العمل منها الى شطحات أو شذرات ارتجالية، يغلب عليها طابع سجالي بعض الشيء، فشعبان مازال مخلصا لنقديته الماركسية، وهو يرى ان ماركس لم يُقرأ بعد قراءة ماركسية صحيحة، وان مفاهيم ماركسية قابلة للعمل في ضوء كشوفات الفكر الحديث وتقلباته وتسارعاته اللسانية والنقدية والانثروبولوجية وغيرها، من ممارسات انسانية وأخرى أدبية، شريطة أن ننقد الماركسية السائدة بمنهج ماركس، لا أن نتوقف عند القوانين التي اكتشفها ماركس، بل نحن نعيد اكتشاف قوانينا.
لا يحجم فكر شعبان من الانهمام بتلك الاشكاليات و" التخالق" معها واستخراجها ضمن عملية "وضعية نقدية تحليلية" أقلّ ما يُقال عنها أنها تتمتع بالجرأة الذاتية والشجاعة الموضوعية والضرورات العملية والمعرفة العلمية والخبرة الوفيرة، ولا يهمّ شعبان إنْ اعتبرها مغامرة وتراه يردد: ألسنا نغامر حين نبحث عن الحقيقة؟ وهو ما رحنا نفتقده في كتب الفكر الرائجة ضمن تشابكات الخطاب العربي وضعضتعة بين الفكر الترجمي والاجتهاد الشخصي المحدود .
اعترف بالمتعة والفائدة في ضوء تجربتي مع شعبان في الحوارات القاهرية ولياليها الساهرة العنيدة، الأمر الذي دعاني لمواصلتها حين ذهبت شخصياً الى بيروت لاستكمال عمل هذه الحوارات والحرص على استحلاب ما تبقى من استكمال وتعميق واستخراج المزيد من فكر شعبان وفرادته في النقد الموضوعي والذاتي للآخر ولنفسه، أو معارضته للمنهج الفكري السائد دون تردد ودون مجاملة، فالحوار اليوم نص ادبي ومنجز فكري قائم بذاته، وهو غالباً ما يكون مخزوناً ثرياً لايمكن ان يستهان به.
والحوارات بطبعها نوع من الاستبطان الذاتي والتخارج الموضوعي الذي يستثيره فكر القراءة بالدرجة الاولى، وهي نوع من الجذب والصد والأخذ والرد، وغالباً ما يفسح الطريق للمجذاف أن ينطلق عكس اتجاه القارب في بحر لا يكون له شاطئ نهائي.
الحوارات أيضاً، نوع من السباحة التي لايمكن حسمها أو تثبيتها في حركة تيارات الأعماق أو تقاطعات الأمواج مع نفسها، وهو ما حاولت استكماله في قسم مستقل وخاص اطلقت عليه حوارات بيروت، بعد أن شكلت حوارات القاهرة لديّ خزيناً أساسياً حاولت البناء عليه.
وكان شعبان ومازال مثيراً للجدل في تجربته الفكرية العراقية والعربية، عصيٌّ على التصنيف أحياناً، لاسيما في الاصطفافات والاستقطابات السائدة، ولعل هذا ما حاولت إضاءته بحيث نصغي اليه مفكراً وناقداً وانساناً، استثمر الفكر بالعمل وغامر وجاهر وانقلب وتمرّد لأكثر من مرة، وما زال متمسكاً بصميميته وهاجسه الاول والأخير هو الوصول الى الحقيقة!
ولعل هذه الحقيقة هي أول الاشياء والمعتقدات التي لا يحتملها شعبان، أو لنتحدث بشكل أدق، أنه لا يأخذها على علاّتها. ولا يمكن الحديث بالطبع عن حقائق أو حقيقة واحدة في فكر متعدد ومتنوع، بل وشاسع، وهو فكرٌ ناضل وجاهد واختلف وتمرّد وتمرّس حتى تعددت وجوهه وأشكاله، وتقلّبت همومه ومشاغله، وصار جمعه نوعاً من العناء الذي لابدّ منه والذي كنت قد مررت به وأنا أسجل وأساجل وأحاور وأحاول وأشاكس، على طول جلسات غذّتها سماء في القاهرة واخرى في بيروت، وعليّ أن أعترف بأن الكثير مما قيل هنا هو استعادة لما كان عبد الحسين شعبان قد فعله في قراءاته وبحوثه واطروحاته التى لا تعدُّ ولا تُحصى بسهولة، ولكنها استعادات تنظيرية تقع في مجال المنهج الوضعي النقدي الذي كان شعبان يمارسه على مراحل ودفعات ليست كلها مشفوعة بتنظيرات كافية، لهذا المنهج الذي مازال قابضاً على جمرة الماركسية الحيّة، وهو يريد ان يستخرج الاخطاء الثمينة من داخلها غير مكترث بنقد ذاته، بل والاسراف في نقدها نظرية وتطبيقا، مثلما لا يتوانى من نقد الآخر فكراً وممارسة، حتى وإنْ كان من داخل الماركسية، بل إنه يفعل ذلك على نحو "متطهّر" من "إثم" الماضي!
قد يستغرب القارئ عدد المحاور واختلافها في متن هذه الحوارات وغزارة الاسئلة والموّجهات النظرية التي حرصت على تفجيرها مع شعبان، وذلك عملاً بروح الفائدة العامة التي توخّيت من خلالها نوعاً من التداعيات الفكرية لشخصية شعبان المعرفية، ومحاولة أن أجلب من تجربته الطويلة والعريضة ما يقدّم من خلالها توازياً بين العيش والمشاهدة والقراءة والكتابة والفكرة والنظرة، دون أن أحجم السؤال البحثي أو أقطع التسلسل القولي والمنطقي.
ولابدّ لي أن أنوه بأن معظم هذه الحوارات، جاءت في بداية الامر لدعم جهدي النظري الخاص للكتاب الذي مازلت أعمل عليه والذي يتناول "عبد الحسين شعبان: في النقد الماركسي للماركسية- من الراديكالية الانقلابية الى الوضعية النقدية " وهو ماكنت عازماً على انجازه أولا، لولا إن فرصة الحوارات المباشرة ومانجم عنها من إطروحات خصبة ومهمة، وفرّت لي فكرة اصدار هذه الحوارات في كتاب مستقل يُيَسر للقارئ أن يطلع على شعبان، بل يواجهه وجهاً لوجه، من خلال مشغل حواري يجمل الكثير من آرائه وأفكاره بأحوال الثقافة وأهوال الفكر ومتغيّرات الخطاب والآيدولوجيا والتاريخ الماركسي ونظريات القمع وفكر مابعد الحداثة وصولاً الى المرأة والجنس والدين والهوية والاختلاف والمسألة القومية بشقيها العربي والكردي، وغيرها من هموم المشهد الثقافي العراقي والعربي والعالمي. وذلك من خلال انطولوجيا الحوار: معناه ودلالاته، ونظائره وتمثّلاته، ثم عبر أصواته وديناميته، وصولاً الى الذات والتاريخ من خلال مقارباته، وهي الأقسام الثلاث التي تضمنها حواري مع شعبان في القاهرة وبيروت واستكملتها من خلال مراسلات واتصالات استمرت على مدى ثلاث أشهر.
ولابدّ لي من الاشارة الى أن الحوار مع شعبان لا يكاد ينضب أو يتحدد أو يجفّ معينه، وما هذه الحصيلة الاّ ما سمح به الوقت وما ساعدتني به الظروف المكانية والزمانية على استحصاله، وكنت قد حملت حقيبتي راحلاً عائداً الى القاهرة، وحين مرقت السيارة التي تقلّني الى مطار بيروت بمحاذاة شقته الكائنة في الدور السادس من بناية جانبية تلحظ من شرفتها الصغيرة الأنيقة بحر بيروت وألوانه المتميّزة، فشعرت بدقات قلبي تتسارع، فهذا الرجل الذي تجاوز الستين وعانى ما عانى، ما يزال يكتب كل صباح حيث يجلس على طاولة عمله منشغلاً كلياً بكلماته وحروفه ومعانيه، غير مبال بالتعب والسهر والانشغالات الكثيرة التي اختارته، لأن يكون واحداً من المفكرين القلائل الذين لا يصدّقون بالفكر على حساب الحياة، ولا يريدون للوهم ان يكون لهم صديقاً!!
خضير ميري
8 تشرين الثاني (نوفمبر )2008
الدقي /شارع سليمان جوهر
القاهرة
القسم الأول
حــــوارات القاهـــرة
انطولوجيا الحوار
1- حوار المعنى والدلالة
* نظائر الحوار
· د. شعبان قبل أن نبدأ بانطلوجيا الحوار وأصواته دعنا نفحص معك معنى الحوار ودلالاته من خلال الذات والتجربة التاريخية والحياتية، فكيف تجد الحوار وتستعيده مع نفسك ومع الآخر؟
هذا زمن " تتقدم فيه الاسئلة وينهزم الجواب" على حد تعبير الشاعر والمفكر أدونيس، ففي الحوار أحيانا تتسع الحيرة، وتتباعد أو تتقارب حدودك مع الآخر أو تتداخل، بل تنشبك فيه أحيانا، والحوار ثلاثة أصناف، الأول بين الانسان ونفسه والثاني بين الأنا والآخر، والثالث بين الفردي والجمعي، أحياناً تتضح الرؤية وتتقلّص المسافة، وفي أحيان أخرى تغيم الهوية أو تتأرجح.
قد تجد نفسك جزءًا من كيان أو تكون فيه فعلاً دون أن تكون منه، تختلف وتتصارع، تتقدم وتتراجع، تخطأ وتصحح، ولكنك تشعر باللااستقرار أو اللايقينية، ولعل هذا القلق الانساني هو في الوقت نفسه وعلى درجة أكبر هو هاجس المبدع والمفكر، فقد كان الشاعر الفرنسي أراغون يعكس معاناته الفردية الفائقة من الحزب الشيوعي بالقول: أغادره كل يوم في المساء لكي أعودَ اليه في الصباح، وكان المسرحي الالماني بريخت يتساءل ولكن من هو الحزب؟ ويخاطبه: لا تذهب بدوننا في الطريق الصحيحة، فقد نكون مخطئين وتكونَ مصيباً، لذلك لا تبعد عنّا!! ولم تكن تلك الارهاصات الانسانية الفردية والجماعية لفئة من المثقفين الماركسيين بعيدة عن هموم الفترة الجدانوفية الشديدة الصرامة، حيث بدأت التململات بعدها تأخذ طابعاً أكثر احتجاجاً وتمرداً.
الحوار مع الذات ومع التاريخ، هو استعادة ومراجعة لمنولوجات داخلية ونقدية ووقفات تأملية لفحص الأخطاء الصغرى والكبرى، التي مرّت علينا وعشنا بعضاً منها، بل وساهمنا فيها، وكان قلقي يكبر، لدرجة أنني قلت في إحدى مطارحاتي، كنت كثيراً ما أجد نفسي خارج المؤسسة أو أغني بإيقاع مختلف عنها، حتى وإن كنت في داخلها، لكنني لا أريد أحياناً أن أحسب نفسي عليها لأنني أختلف معها كثيراً أو أشعر في أحيان كثيرة أنني لست منها!
كان شعوري أن المؤسسة تُفقد الانسان خصوصيته الفكرية وتحدد أو تقنن حريته النقدية، لدرجة يشعر أنه داخل سور أو كيان مغلق تتصل حلقاته ببعضها البعض على نحو مُحكم، ويسود فيها جو من النفاق العالي والقدر الكبير من التزلف، أما الآخرون الذين خارج السور حسب من في داخله، فهم أشرار أو فاسدون أو مخطئون على أقل تقدير، وعلى حد تعبير سارتر " الجحيم هم الآخرون" !!
كنت أشعر أنني أسبح في بحر لا نهاية له أو أحفر في أرض لا حدود لعمقها، ولا أدري ان كان ثمة بحث عن شيء محدد، الأمر الذي جعلني لمرات ومرّات أسأل نفسي الى أين أنت ذاهبٌ؟ وأتذكر هنا قولاً أثيراً لعزيز شريف حين كان يردد: الشيوعي مثل راكب الدرّاجة، عليه أن يسير دون توقّف وإذا توقف سقط على الأرض، هكذا كان علينا أن نمضي دون مراجعة جادة أو سؤال محدد إلى أين!؟ ثم أين " أناي" من هذا " الجمع" الحاشد، ولماذا عليّ التماهي فيه لحد الذوبان، والاّ سأكون مارقاً ومرتداً وبرجوازياً صغيراً أو كبيراً لا فرق!؟
لعل الفكر المتعاظم أو المتطامن لا يشعر بالحاجة الى الحوار، فلديه "براهين" تجسيدية وادعاءات " تأكيدية" على احتكار الحقيقة، بل وحق النطق باسمها، في إطار نسقي وشمولي من الأفكار والتراتبيات، وإذا ما انتقلت الآيديولوجيا الشمولية من الفكر المجرد الى الدولة التي تحكمها، فستضطر الى طرح عالميتها كشيء حي وتعبير مقدس عن شموليتها، والأمر لا يشمل التجارب الاشتراكية الفاشلة حسب، بل ان نموذج ايران التوتاليتاري الديني والعراق القوموي كان يجد شرعيته وادعاء صوابه المطلق من خلال شموليته ، الاسلاموي حسب الموديل الايراني للشعوب الاسلامية، والقوموي بالنسبة للشعوب العربية حسب التنظير البعثي، مثلما هو الدزاين الاممي الاشتراكوي بالنسبة للتجارب الاشتراكية، لاسيما السوفيتية.
الآيديولوجيا مثل الدين أو بعض تأويلاته لا ترتضي ولا تقبل بقسط من الحقيقة أو بجزء منها، إنها تدّعي امتلاكها كاملة أو الحق في الاستحواذ عليها، وحتى النطق باسمها، وما عداها ليس سوى بطلان وزيف. ففي النص الديني تجد الحقيقة تأويلاتها حيث لا مكان للفرد أو للرأي، وكان " الفقهاء" يبررون ذلك بالقول "من قال في الدين برأيه، فهو مخطئ وإنْ أصاب"، ومثل هذا القول إنما هو حجب للحقيقة التي هي ليست سوى انبثاق ولقاء متواصل بين الفكر والواقع حسب أدونيس في كتابه " رأس اللغة جسم الصحراء"، وهو كتاب يبحث في الهوية والمواطنة وجدل الفردانية والجماعية وعلاقة الانسان بالمكان، من خلال استهلال للماضي الفردي والماضي الجمعي، ينطلق من علاقة البيت بالمنفى عبر سؤال وجهه آرا غوزليميان الى كل من ادوارد سعيد وصديقه الموسيقي دانيال بارينوبيم، والسؤال بقدر بساطته فهو في غاية التعقيد: هل تشعر أصلاً، أن لك بيتاً!؟ أما الجواب فقد انطوى على كيانية الانسان وانتمائه ومواطنته وحريته ومنفاه، والمهم "أناه" وعلاقته بالآخر!
* الحوار ذو البعد الواحد!
· إذاً كيف تنظر أنت الى الحوار ذاتياً وموضوعياً؟
الحوار بشقيه الذاتي والموضوعي، هو بحث عقلي مفتوح في إطار عقل الباحث والمفكر، من خلال الكائن والموجود، لا المصطنع والمصنوع، بالاسم والمسمّى، بالخطاب والدلالة والمعنى، وهو محايثة كثيفة للأنا والأنت ، للداخل والخارج إذا جاز التعبير، والحوار هو جزء من التحقيب المعرفي لسياقات ومراجعة لأساسيات، وتبديد لأوهام التشبث بالأنا والتخندق ضد الأنت أو الغير أو الآخر، ولعل تبديد أوهام الوعي حسب اسبينوزا، هو شرط كل استعادة لذات حقيقي عند نفسه بدئياً، أي انطلاقاً من الذات وعبوراً من التاريخ واليه في فضاء الحياة ذاتها.
ان مثل هذا التقاطب في الحوار يطرح اشكالية الاختلاف والتواصل، أي الغير والتغاير والمغايرة مقابل الاتصال والتواصل والمواصلة، وقد تردد خلال عقود من الزمان جدل معلن ومستتر، خفي وظاهر، بين السياسة والثقافة، وبين الثقافة والمثاقفة، وبين النقد والاجراء، وبين النقد الثقافي والنقد المرجعي، كل ذلك في إطار الفكر الفلسفي. وللأسف فقد تراجع الخطاب الفلسفي كثيراً، كما تراجعت خطابات الدلالة، بحيث أصبح الالتباس واللامعنى يحظى برصيد "معنوي" بتبرير الزوغان عن الدلالة في إطار فاعليات فكرية فردية وجماعية أحياناً.
لقد وجد النموذج الكافكوي ضالّته عند البعض، بحيث سادت فكرة الانخراط في ذلك السديم من البقع السوداء، حيث لا شيء، الاّ الالتباس والعتمة وتفاهة المَلْمَح، في تحوّل واستصغار القيم الجمالية الوجودية للانسان، وبهذا التقييم يصبح لا معنى للفعل ولا جدوى لمبادرة التغيير، وقد عادت فكرة اللاجدوى فترة ما بعد الاستقطابات الثنائية بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وتصدّرت بعض الأطروحات: فكرة انهيار الخطاب الماركسي بعد الخطاب الفرويدي، ومن ثم انهيار الخطاب البنيوي وموت الفلسفة وموت التاريخ، مقابل تمجيد المقاولة وقيم السوق وانتصار الليبرالية المطلق. هكذا هيمنت صفة السمسار أو رجل الأعمال أو التاجر، التي تقدمت صفته السلك السياسي والثقافي على حساب المفكر والباحث والمثقف، وأخذ "الصانع" يقلّد الاستاذ أو "الأسطة"، بحيث يصبح برمشة عين "أسطة ونص" في عهد العولمة وانتهاء الحرب الباردة، بعد فترة البترودولار السبعينية، خصوصاً وأن التبشير " بالصفقة" أو " المساومة" الخاصة على حساب العام أصبحت في السر والعلن مدعاة للاعجاب والشطارة.
إذا كان التواصل يعني ضرورة وجود، فاللاتواصل هو الاستثناء الذي تفرضه وقائع حاصلة، بحيث يصبح هدف الحوار هو الخروج من أنساق التفكير الجاهزة والأنماط المستعادة، وتأثيرات التجميع والنقل الى فكر المقاربة والاختلاف الثقافي والكياني، ولعل هذا هو ما قصده هاربرت ماركوز في كتابه "الانسان ذو البعد الواحد" ، الذي ترجمه المفكر السوري جورج طرابيشي.
وإذا أردنا أن نحيل ذلك الى التواصل والتفاعل الحضاري والثقافي العالمي، فيمكن الاتفاق تماماً مع المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد حول تنسيب الشرق والغرب بالتشارك، " إذْ أن كلاًّ من هذين الكيانين الجغرافيين (الشرق والغرب) يدعم الآخر، والى حد ما يعكسه". التوالف يتم أحياناً بصورة داخلية، فتجد في صوت المحاور: الواحد والمتعدد، وانعكاس الذات في الآخر، وانعكاس الأنت (الآخر) في الذات، كيانياً ووجودياً، بالمعنى والدلالة. وحسب الشاعر الالماني غوته " الفن رحلةٌ الى الآخر".
* تمثّلات الحوار
· هل يفرز الحوار ديناميته الخاصة ولغته الخاصة وكيف؟
يمكنني القول ان هناك ثلاثة تمثلات يفرزها الحوار: حالة الامتلاء وحالة التحقق وحالة الدلالة، ومن خلال المعنى الامتلائي، التحققي، نصل الى الدلالي مقابلة أو مقارنة أو مقاربة، لكنها بدون أدنى شك مواصلة ومعانقة ومؤانسة. الامتلاء هو تعبير عن كثافة الحضور، والحضور هو " تموقع" في الهُنا والهُناك، في الأنا وفي الأنت، في الذات والآخر. والامتلاء هو نقيض الفراغ وهو استحقاق مترتبٌ عن وعي الذات بماهيتها كسياق قائم وحضور متحقق في التاريخ والكون ومجريات الزمن، وبهذا المعنى سيكون الامتلاء شرطاً وتعييناً واقعيين.
اما التحقق فهو شرط الدلالة الوجودية، وهو تعبير ثقافي عن ابتداع واستيداع ومواكبة للوجود. وتصبح عندها الدلالة محصلةٌ ثقافية، وهي منجاة عن اللامعنى، في حين أن الغياب هو فناء أو انتهاء أو محض عابر.
ولعل الانسان هو من يصنع دلالة الحضور والغياب، وهو الذي ينتج مثل هذه الدلالة، التي تقوم بترتيب نظامها أو فوضاها، وتحدد موقعها في مجرى الحياة أو في سير التاريخ، اللذان لا يلتفتان لما يعتقده الفرد أو تؤمن به المجتمعات من دلالات، لاسيما وأن لهما قوانينهما.
الدلالة إذاً رهان حول الوجود الانساني، وهي التي تقود الى تحويل الاشياء مصيّرة الى لغة وحين يتحوّل الشيء الى لغة، يصبح وجوده حضوراً وتمثّلاً، وبقدرة تلك اللغة " السحرية" تكتسب الاشياء هويتها، وتكون هي ملاذ الكائن ومثواه حسب تعبير هيدغر، لكن الاقامة في اللغة ليس شرط حضور، بل قد يكون مقام غفلة أو تعبير طارئ.
واللغة التي تمثل ثنائية الشكل والمضمون، هي الاخرى كثافة، أي سديم من الدلالات والاستدلالات والتعارضات، وحسب جورج لوكاش: الدلالة حاضرة في الغياب، وهي تعددية وتراتبية وتأويلية، ولعل مثل هذا التشامخ المدفوع بالدلالة جعل بعض المثقفين، لاسيما في عصر العولمة ينأون عن الدلالة بالمواقف المفرغة منها، وبمعادلات مبتسرة أحياناً أو سقيمة أحياناً أخرى، ومقلوبة في مرة ثالثة.
ان البعض ممن يدعو الى غياب الحدود، يعتبره في الحين ذاته التعيين الوحيد، وهكذا فان مقابل الدلالة هناك اغراء بالموديل المعولم، لاسيما بثقافة اللادلالة، فاغتيال الدلالة سيعني اغتيال الحياة أو تحويلها الى لا معنى، وإقصاء الانسان، الذي لا يمكن أن يُعرف الاّ بدلالاته وأشكاله، التي بها يحيا وبدونها لا يمكن أن يكون. وقد عبّر هيرمان هيسه عن ذلك بقوله: ان الحياة لا تبلغ أقصى اكتمالها الاّ في اللحظة التي تبدو فيها كل الأشياء قد فقدت قدرتها.
الحوار إذاً يحدد الاطار المفاهيمي ويتناول الوقائع الملموسة والمحسوسة، وهو بحد ذاته ظاهرة انطلوجية، له وظيفة تداولية ذات مستلزمات وسياقات حادثة وممكنة وخلفية نظرية فكرية، مثلما هي لأي عمل نقدي. وقد يكون الحوار من وجهة نظري متعدد الأصوات داخل الفرد الواحد.
دعني أقارب المسألة من زاوية أخرى بالقول: الماركسية التي وصلتنا كانت معلبة ضمن قوالب جاهزة، لاسيما طريقتها المدرسية التي تستبطن الاصطفافات الجاهزة حيث تذوب كيانية الفرد وخصوصيته في إطار الجماعة، التي تعبر عن الرأي الواحد الموحد المركزي، الذي ينبغي أن يخضع له الجميع وفق تراتبية نمطية مفروضة عمودياً، فالحقيقة معها وما عداها ليست سوى بطلان وشرور. ولعل ذلك هو الوجه الآخر للدولة الدينية التي تمنح نفسها " العصمة" وتصادر أي رأي آخر مخالف، بل انها تنظر الى الفردانية بوصفها مرضاً أو وباءًا، فالأنا والذات المستقلة لا يمكن قبول مخالفتها لرأي الأمة والجماعة، التي تملك الحقيقة وحدها، والفرد لا ينبغي أن يتحدث عن" أناه"، بل ينطق بدينه كما تنقله الجماعة أو الطائفة،وهكذا تصبح حياة الفرد ليست حياته وانما تعبيراً عن رأي الجماعة بطريقة نسقية جاهزية للافكار والمعاني، وقد عبّر الكثير من المثقفين في وقت لاحق عن منفاهم الحقيقي وغربتهم واغترابهم عن الكيان الجمعي، في الوطن أو من داخل الجماعة، وفي المنفى عندما يكون خارجاً. هكذا يتم حجب الفردانية بالجماعية وباسمها يدحض كل نزوع الى التميّز خارج نسق تفكيرها.
لقد رفعت الماركسية السائدة الآيديولوجيا الى مسلّمات ميتافيزيقية، حين جعلتها لاهوتاً جديداً، وما عداها لم يكن سوى شر وفساد مطلق، واقتفى أثر ذلك التيارات البعثية- القومية، التي رفعت من منزلة القومية الاستعلائية الى الدرجة الميتافيزيقية نفسها، أما الآخر رغم الحديث عن نزوعات انسانية، فلم يكن سوى اضطرار يفرضه الواقع أحياناً. ومثل هذا الفكر الانغلاقي الطغياني تجسّد في التيار الفكري الديني، الذي لم يكن الحوار الحقيقي بالنسبة له سوى ضرب من التخلي عن المبادئ والقيم الدينية، باستثناءات سياسية فرضها الأمر الواقع.
· وكيف تزوغ عن هذه الاصطفافات ؟
لم يكن الأمر سهلاً أو يسيراً أو من دون معاناة وألم وتحديات وعداوات مبررة وغير مبررة، لكن لكل موقف ثمنه، ولعل الثمن الباهظ الذي دفعته باطمئنان كبير يستحق مثل ذلك التحدي والعناء والتجاسر على السائد والممل والنمطي، وأنا سعيد به أيّما سعادة! وكنت في حوارات خلال الثمانينات مع ادارات في المؤسسة الماركسية الرسمية، ممن شعرت بالغبن والحيف ولحقها الأذى، أحاول تحريضها لبلورة موقف متكامل من نقد التجربة، لكنني كنت أشعر أنها غارقة في التاريخ وفي الماضي، أما المستقبل فهو شيء آخر وكان أحدهم يردد: أريد أن أموت شيوعياً، وكنت أعلّق، إذا كان الأمر ولا بدّ فعلى المرء أن يحيا " شيوعياً ". صحيح ان التاريخ لا يمكن نزعه مثل معطف أو التخلّص من أثقاله، لكن السكن فيه يحجب عنك رؤية الحاضر واستشراف المستقبل.
وكان فيكتور هوغو يقول" إنه لثناء باطل أن يقال عن رجل إن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ أربعين عاماً، فهذا يعني ان حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث. انه كمثل الثناء على الماء لرجوده وعلى الشجرة لموتها ".
ان الذين لا يتغيرون لا يفعلون شيئاً، انهم يتحولون الى أصنام ولا يتأثرون أو يؤثرون في الحياة المتحركة، والانسان الذي لا تغيّره التجارب ولا تترك الاحداث تأثيراتها عليه يُصاب بالصدأ ويتآكل، والسياسة تجارب، وقد تخطأ وقد تصيب، ولكن عليك أن تجرّب باستمرار، لاسيما إذا كانت بوصلتك دقيقة وحساسيتك الانسانية عالية، ولا يهم إن غيّرت رأيك وأعدت النظر في الكثير من مواقفك وتراجعت عنها وانتقدت نفسك، فالحياة فيها الكثير من المنعرجات والتضاريس وهي لا تسير بخط مستقيم، وتحتاج اليه للتواصل والاستمرارية، وعكسه يكون الجمود والتحجّر.
يقول نيتشه على المرء أن يغيّر أفكاره مثلما تنزع الحية جلدها، وعلينا حسب انجلز اعادة النظر بستراتيجيتنا عند كل اكتشاف لسلاح حربي. أما التشبث بالمواقف أو ادعاء امتلاك الحقيقة، فهذا رأي من لا يريد التفاعل مع الحياة وهو دليل عجز وتقهقر!
" أنا " مع هنا و"أنت " مع هناك، رغبت أم لم ترغب، هكذا هي الاصطفافات المسبقة الصنع، لا يمكنك أن تكون كما يعتقد البعض خارج إطار البلوكات القائمة، وكأنها سرمديات لا يمكن الافلات منها، وذلك في إطار القراءة السطحية المبسطة للماركسية.
في الحوار قد تجد الصوت والصمت، الأنا والآخر، وهما في حالة اشتباك وجدل وتواصل وتفاعل، لكن ذلك ليس بدون بوصلة. أنا شخصياً ضد الاصطفافات المسبقة، أو هكذا أصبحت منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، وليس دون ضغط وأخطاء ونقد ذاتي، ولكن بلا أدنى شك سعي مؤكد وحر للتخلّص من أسر الآيديولوجيا، ولهذا تراني لا أستطيع الاّ أن اعترف وأقرأ الآخر، لأتحدث عمّا هو في الأنا، أو لتأكيد هذه الأنا من خلال اختبار واختيار ما لدى الآخر، الأنت، والحوار هو أحد المجسّات المهمة في ذلك. إن نفي الحوار يعني رفض وجود الآخر، وقد عبّرت عن تفسير ذلك من خلال كتابي " فقه التسامح"، الذي هو حصيلة جهد وتطوّر ومراجعة نقدية .
* الحوار والدلالات الكامنة
· ما هي دلالة الحوار إذاً؟
أستطيع أن أقول: أنا موجود بوجود الآخر (أنا وأنت)، والانسان أشبه بالكائن الملتبس، لأنه في حالة حوار يومي، بل لحظي، مع نفسه، وهو حوار ذاتي، بينه وبين هواجسه، وبينه وبين الآخر، المختلف، المتعارض، المتباين، فالحوار الذاتي هو تواصل مع الأنا والأنت، الماثل في الأنا، أما الحوار مع الأخر فهو تواصل وانفتاح صوب الخارج بضرورات وحاجات الداخل.
ولعل من صفات الحوار الاساسية هي القدرة على الاستماع، وهي ثقافة حسيّة تأتي من خلال الاذن، وكل شيء يبدأ منها على ما ذهب اليه فيورباخ، والانصات يتعلق بفعل يقترن بالداخل والخارج، من الأنت الى الأنا وبالعكس، وهو مقرون بهذه العلاقة التواصلية انطولوجياً وتداولياً، فالانسان كائن حواري، يتكلم بواسطة السمع ويعي ذلك ويفكّر ويتخيّل ويحلم ويحس.
وبالحوار تنتفي سكونية الذات وتتحقق مشروعية الأنا بمثول الآخر (الأنت) وهو يقضي وجود مشروعية وقيمة مرجعية، أي أنه لا يقتضي التغالب أو المشاطرة، وكل محاور بتجاوز ذاته سيعني بالضرورة نشدان قيم مختلفة، ومع وجود قيم " ثابتة"، فهناك الكثير من المتغيّرات المفترضة.
وإذا استحال الحوار أو تعطّل، سيعني ذلك التلاشي أو التغالب، والاقصاء والالغاء، ولكن الحوار بحاجة الى "مفهمة" بحيث تحدد مفاهيمه وآلياته وتميّز ألوانه من خلال تعدد أصواته، أو تعددها داخل الشخص الواحد أحياناً، مهما تغيّرت النبرات، فذلك أحد أسرار الحوار الكامنة، في شمولية التواصل مقابل حوار اللاتواصل، فالانسان ذو البعد الواحد يشكل عقبة أمام الحوار الغيري (أي مع الغير)، ولعل نسبة ونسبوية ومشكلة واشكالية المفاهيم تطرح ضرورات الحوار مع الذات ومع الغير في إطارها التاريخي والحياتي الوجودي.
هناك حوار الائتلاف (الذاتي) مثلما هو حوار الاختلاف (الآخر)، وكلّما صعدت هستيريا القوة واستفحل الرأي الواحد، كلما تحوّل الحوار الممكن الى حوار خائب وغائب، وهو من الأمراض العضال الانفصامية، التي عرفتها الحركات والانظمة الشمولية.
الحوار هو خروج عن النص، بل هو حوار خارج النص، أو لنقل نص خارج السائد أو خروج عليه، ولعل تفكيك الخطاب سيسهم في معرفة المتعدد النصوصي " التنّاص" بجهد تحليلي وصفي، من خلال التناظم لا التهادم، ولكل الاحوال لا يمكن الفرار من الحوار الاّ الى الحوار، سواءًا كان حواراً مع الأنا، فسينكفئ الى حوار خاص داخلي، بل منولوغ ذاتي ويتدثر به، في حين إن الحوار مع الانت الغيري، سيجد فضاءًا رحبا وشاسعاً يمكن التحليق فيه والانطلاق منه!
الحوار من صميمية الحياة وزهرتها، هكذا كانت الاسئلة: كيف نفكّر وكيف نحيا وكيف نعمل ونحبّ وكيف نموت!؟ أي ان الحوار الفعلي هو الأساس في العقل الحواري، وهو بهذا المعنى ليس حواراً فائضاً أو باذخاً أو سائباً، بل هو حوار ناقد ومسؤول وبالصميم، لاسيما على صعيد الفكر والواقع، وضدّه انكار وتنكّر وتفريط وحسب جان جاك روسو: ان الانسان الذي يفرّط في التفكير هو حيوان فاسد!!
2- ماركسية القرن الحادي والعشرين !
· عندما نعود الى واقع تجربتك الماركسية وما ينجم عنها من انتقادات لاحقة، هل كان ذلك بسبب تحوّل منهجي في قراءة الماركسية أم لمجرد إخفاقات وأخطاء في التجربة الشيوعية العراقية؟
الماركسية التي وصلت الى السلطة لا تشبه ماركسية ماركس، كما أن ماركسية ما بعد المنظومة الاشتراكية السابقة لا تشبه ما قبلها، ستكون ماركسية القرن الحادي والعشرين مختلفة عن ماركسية القرن العشرين، وربما ستكون أقرب الى ماركسية القرن التاسع عشر مع الأخذ بنظر الاعتبار الثورة العلمية- التقنية الهائلة وتكنولوجيا الاعلام والاتصالات، فقد "ابتدعت" ماركسية القرن العشرين لاسيما الحاكمة، شكلاً أو موديلاً واحداً محدداً، هو النموذج الذي يوائمها ويحافظ على بقائها واستمرارها، في حين ظلّت ماركسية القرن التاسع عشر طليقة وحرّة وتتحرك في فضاء شاسع، وهو ما قد تؤول اليه ماركسية القرن الحادي والعشرين.
وإذا كانت ماركسية ماركس قد عممت معارف القرن التاسع عشر وسعت لاستنباط حلول ومعالجات للتنمية والتطور تنسجم معها، فذلك لانها كانت في صراع بينها وبين ذاتها من جهة وبينها وبين حركة التطور التاريخي من جهة أخرى، فهي ليست فلسفة خالصة أو منهجاً للتحليل أو رؤية للتاريخ حسب، أو مشروعاً سياسياً وحركة ثورية للتحرر والتغيير فقط، انها كل ذلك، وبذلك اختلفت وتمايزت الماركسية عن سواها من النظريات الفكرية التي سبقتها وعايشتها، من الكانطية الى الديكارتية الى الهيغلية.
ولم تقف الماركسية عند حدود اوروبا أو تخومها بل شقت طريقها الى العالم، فامتزجت اهدافها البعيدة بحاجاتها الآنية، وتداخل فيها الجوهري والموضوعي، بالعابر والمؤقت، النظري بالعملي، والفكري بالسياسي، والمبدئي بالمصلحي، وهي كذات ووعي اكتسبت فرادة لم تصلها النظريات والفلسفات التي سبقتها واشتركت معها في البحث في إطار الحقل التاريخي السسيولوجي.
وإذا أردنا الالمام بإجابة تفصيلية لمثل هذا السؤال فلا بد من التوقف عند حقول: الفلسفة، المنهج، السياسة، الاجتماع والاقتصاد والادارة وبالتالي نظام العلاقات الدولية.
* التجربة والنقد والثقافة
أعتقد أن المسألة أعم وأشمل بكثير من إخفاق تجربة أو فشل ممارسة أو تعثّر مسار، لأن الماركسية بحكم طبيعتها الحيوية الديناميكية كمنهج وأداة للتحليل، كان بامكانها تجاوز أخطاء التطبيق أو اخفاقات الممارسة، لكنها هي وليس غيرها تحوّلت على يد أصحابها وليس الاعداء الى نوع من العقيدة أو اللاهوت، وبفعل "السكونية " انتقلت من حراكها الداخلي الديناميكي الى شيء أقرب الى الجمود، لاسيما وقد انقطع الاجتهاد على مدى نحو (ثمانية أو تسعة عقود من الزمان)، باستثناءاتٍ محدودة كانت تعتبر "مارقة" في الكثير من الأحيان أو دليلاً على "الانحراف" وظلّت تلك مجرد محاولات لم تستكمل، كما أنها لم تستمر، وهناك الكثير من النماذج من تجربة لوكاش الى غرامشي وتولياتي الى إرهاصات حركة براغ ودوبشك تحديداً ودعوته للاشتراكية ذات الوجه الانساني الى غارودي وقبلهما (حركة المجر) العام 1956، ويمكن اعتبار جوزيف بروز تيتو الذي شقّ عصا الطاعة على الستالينية، جزءًا من مسار رفض الجمود وعدم التسليم بقبول تعليمات المركز الاممي، فضلاً عن محاولة فرض أو تحديد " موديل" أو نموذج واحد لبناء الاشتراكية ( النموذج الستاليني السوفيتي – البيروقراطي) ... أو "الماركسية السوفيتية"، حتى وإنْ اتخذت التجربة اليوغسلافية وفيما بعد الصينية والألبانية مساراً لا يختلف عن التجربة السوفيتية.
وقد انعكس هذا الأمر على الثقافة بوجه خاص- فالسلطة الحزبية التي تتبع قيادة باسم اللجنة المركزية وفوقها المكتب السياسي ويتربّع عليها الأمين العام والمدعومة من أجهزة المخابرات والأجهزة السرية الأخرى، والتي يتم الترويج لها عبر جهاز دعائي وآيديولوجي موازياً لجهاز القمع، والتي تعلن بفرح غامر أحياناً عن نجاحات ومكتسبات كبرى حتى وإن كانت بسيطة قياساً لما حصل من تطورات في الغرب، تخفي النواقص والعيوب والاخفاقات، لاسيما في مجال هدر حقوق الانسان والحريات السياسية والمدنية.
وكان مثل هذا الامر يسير في التجارب الحزبية خارج السلطة وإنْ كان بدرجة أدنى، لاسيما في ظروف العمل السري. وقد أنجبت الثقافة الواحدية الاطلاقية، حقوقاً مكتسبة للادارات الحزبية منها: احتكار الحقيقة واحتكار المعرفة والمعلومة، وهكذا تم احتكار السلطة والاعلام والمال في التجارب الحاكمة، التي لعبت دوراً خطيراً بالتسويغ لترويض الماركسية، لاسيما في الميدان الثقافي تارة باسم الواقعية الاشتراكية، واخرى لضرورات السياسة وثالثة بزعم الاقتراب من الجماهير ورابعة مخالفة المدارس الغربية، وقد ساهمت المدرسة (الجدانوفية) بدورها في فرض النموذج الاستبدادي في العمل الثقافي والابداعي بعيداً عن روح الماركسية.
لقد مات مكسيم غوركي متدثّراً بالصمت (عام 1933) بعد أن رفضت السلطات الستالينية منحه موافقة للحصول على فيزا الى إيطاليا للاستشفاء، كما اعتاد في الحصول عليها لعدة مرات، ولأنه لم يستطع أن ينقذ رقبة أحد من المثقفين الذين سيقوا الواحد بعد الآخر في حياته وبعد مماته الى المقصلة، رغم أنهم كانوا من أعمدة التجربة الاشتراكية الأولى وشهدت محاكمات عام (1936) إعدام بوخارين الذي كان يسميه لينين أبو الشيوعية السوفيتية ومحبوب الحزب وكاميينيف وزينوفييف، اللذان كانا من أبرز قادة الحزب، وهو ما دفع لينين للصفح عنهما رغم تسريبهما خبر انطلاقة ثورة اكتوبر ومعارضتهما لها، وأعادهما الى اللجنة المركزية لدورهما وكفاءتهما، كما لاحق جهاز الـ KGB تروتسكي الى المنفى وتم اغتياله بفأس كان قد خبأه أحد عملاء النظام الستاليني.
وقد شهدت فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية أخطاءًا، بل خطايا كبيرة بإعدام وعزل عدد من كبار الضباط السوفيات عشية الهجوم على الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي تسبب حسب بعض الخبراء العسكريين بخسائر فادحة كان يمكن إدخارها ليوم المعركة القادمة التي استبسل فيها الشعب السوفيتي ضد الغزو النازي.
وكان السبب هو تصرفات قيادة ستالين الدكتاتورية المستبدّة وقراراتها الارتجالية، خصوصاً وقد هيمنت عبادة الفرد على كل مفاصل الدولة والمجتمع، ولعل مثل هذا الأمر شاع في إطار الحركة الشيوعية، وخلق نوعاً من الريبة والشك والتصفيات الداخلية، بحجة تنظيف الصفوف الداخلية من العدو الطبقي، لاسيما في فترة الخمسينات، وتم التعبير عنها من جانب الصينيين في الستينات باسم الثورة الثقافية.
لقد ساهم بيريه المقرّب من ستالين وصاحب السطوة الأمنية بلا حدود، بارسال أعداد كبيرة من القيادات والكوادر بما فيهم مثقفون الى الموت أو الى سجون سيبيريا والمعتقلات الأخرى، لكنه هو الآخر اتهم بالخيانة وأعدم لاحقاً.
عندما كان القائد الشيوعي كليمنت غودوالد منهمكاً بإلقاء خطاب في ساحة ستارا ميستسكا ناميستي (ساحة المدينة القديمة) لم يكن ملتفتاً لهطول الثلج حينها، فبادر كليمانس (أحد كبار القادة الشيك ووزير الخارجية آنذاك) الى رفع قبعته ووضعها على رأس الرفيق (غودوالد)، وضجّت أجهزة الدعاية بطبع عشرات الالاف بل مئات الالاف من صيغة الخبر وصورته، للتدليل على حميمية العلاقات الرفاقية، لكنه بعد أربع سنوات سيق كليمانس الى المشنقة بتهمة الخيانة والعمل لصالح العدو، وهكذا ضجّت أجهزة الدعاية مرة أخرى بحملة آيديولوجية ودعائية حول خطر العدو باختراق الصفوف، وحذرت من الموت الذي ينتظر الخونة والمثقفين، الذين يعتبرون سريعو العطب وهشوّن حسب المصطلحات السائدة آنذاك.
أتذكر حواراً كنت قد قرأته منذ وقت طويل دار بين ستالين وشولوخوف، مؤلف رواية الدون الهادئ وهي رواية متميزة من أربعة أجزاء وذاع صيتها كثيراً، وكان شولوخوف حينها نفسه رئيساً لاتحاد الكتاب السوفيت. يومها سأل الرفيق " الأعلى " ستالين مؤلف الرواية ولكن لماذا لم يدخل غريغوري بطل الرواية الى الحزب ؟ حيث كان يريد الزعيم نهاية سعيدة للرواية بانتصار البولشفية وهزيمة أعدائها، الأمر الذي سيقود الى النتيجة المنطقية وهي انضمام غريغوري الى الحزب والانخراط في صفوفه والالتزام بمعايير الطاعة، هنا ارتبك شولوخوف، وأجاب: ولكن لم أقرر يا سيادة الرفيق انا ذلك، بل هو الذي قرر بحكم قلّة وعيه وقلقه. وقد كانت شخصية غريغوري مغرية، لاسيما وهو باسل وشجاع ومحبوب من النساء ولديه عشيقة جميلة ومثيرة هي اكسينيا، الأمر الذي يكون من باب الترويج الآيديولوجي ضمّه الى صفوف الحزب فيما لو قرر المؤلف، لاسيما وهو شاب ضاج بالفحولة والإقدام، لكنه في الوقت نفسه (قلِقٌ وغير ثابت).
صحيح انه كان في الجيش الأبيض، لكنه انتقل الى الجيش الأحمر، ورغم تنقّله بين الجيش الابيض والجيش الأحمر لأكثر من مرة، ولكنه حين كتب شولوخوف نهاية الرواية كان قد استقر مع المنتصر، وهكذا كان الى جانب الجيش الأحمر، لكن ذلك ليس مقبولاً من جانب ستالين الذي أراده عضواً في الحزب، وملتزماً بقواعد وشروط النظام الداخلي ومراتبية العلاقات الحزبية الوظيفية.
كان جواب شولوخوف المحاذِر لدرجة الذعر، وكأنه يكتب تقريراً عن مستقبله الحزبي والثقافي، حيث يبرر كل ذلك حفاظاً على حياته بعيداً عن قيم الجمال ومعايير الأدب والحبكة الدرامية وبناء شخصيات الرواية.
لعل ايليا اهرنبورغ استدرك ذلك مسبقاً عندما كتب سقوط باريس والعاصفة، الامر نفسه حدث في التجارب الشيوعية المختلفة من الاتحاد السوفياتي الى تشيكوسلوفاكيا وبولونيا وهنغاريا وبلغاريا وألبانيا ويوغسلافيا والصين وكوريا ومن هافانا حتى عدن كان الصوت الواحد طاغياً.
هكذا تحوّلت الماركسية الى تعليمات بيروقراطية أوامرية يصدرها الحزب باعتباره ممثلا عن الطبقة العاملة، وفوق الحزب تجلس اللجنة المركزية، وعلى رأسها المكتب السياسي ويتربّع عليها الأمين العام، واضعاً العرش على رأسه فوق الجميع بصفته الأمين العام، الفيلسوف، الاديب الذي لا يخطئ والذي تزكي الحياة صحة وصواب سياساته باستمرار.
* ماركس وأزمة الماركسية
أعتقد أن الماركسية، لاسيما المطبّقة منها، عانت من أزمة فكرية عميقة على صعيد الفكر والممارسة، ولست هنا أريد نشر الغسيل (الوسخ) كما يعتقد البعض أو أريد أن أهيل التراب عليها لدفنها، كما يتصور البعض أيضا، كما لا أريد أن أقدسها أو أمجدها باعتبارها مجموعة تعاليم سرمدية غير قابلة للنقد، أو لمجرد الأخذ بها سيتم شفاء أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الرفاه الانساني، لكنني أتعامل معهما كإحدى أهم وأبرز نظريات علم الاجتماع السياسي، التي شغلت العالم ووجدت طريقها الى تطبيقات لنحو (ثلث أو ربع سكان) البشرية، ولم يتحقق ذلك لأية نظرية غير الماركسية.
أعتقد أن قيمة ماركس تكمن في مسألتين رئيسيتين:
الاولى- أنه استطاع قراءة التاريخ على أساس المراحل التاريخية مكتشفا أن الصراع الطبقي هو الذي يحكمها.
الثانية - أنه اكتشف قانون فائض القيمة مستنداً في ذلك على ثلاثة مصادر اساسية: أولا- الاساس الفلسفي النابع من الفلسفة الالمانية لاسيما الهيغيلية التي كانت في ذروتها، ثانيا- الاقتصاد الانكليزي لاسيما مذهب (آدم سميث)، وثالثا- على الاشتراكية الفرنسية متمثلة بسان سيمون وبرودون، لدرجة انه واصلها في إطار هارموني وبجدلية فكرية راسخة، وأعاد ترتيب مثلثها بجعل قاعدتها عريضة وواسعة، لاسيما وقد أبدى اهتماماً شخصياً بنظرية المعرفة وفلسفة الحق.
لقد استطاع ماركس بعبقرية استلهام أهم التيارات الفكرية في عصره، فلم تكن الماركسية تياراً خارج الثقافة السائدة آنذاك، رغم اختلافها الشديد، لدرجة يمكن أن يُطلق عليها " ملتقى تيارات وآيديولوجيات"، لاسيما وقد أخضع ماركس هذه التيارات لنقد وضعي شديد وصارم وخاض معارك قلمية أتاحت له أن يبرز مفهومه الخاص وفكره " المستقل" فالماركسية لا ترتبط بفكر فرقة متعصبة ومنغلقة متآمرة أو انقلابية، لأن مثل هذه الافكار تنشأ على هامش التاريخ وليس في صلبه.
لقد أجاب ماركس على أسئلة ذلك العصر، واصبحت " الماركسية" مذهباً الى جوار الكثير من النظريات والمذاهب التي كانت منتشرة، فقد اطلّع ماركس ودرس جميع تلك المذاهب، منذ أن كان تلميذاً لهيغل ومكملاً لفلسفته، وهو الأمر ذاته للاشتراكيين الفرنسيين، خصوصاً سان سيمون وبرودون والاقتصاديين الانكليز وبخاصة آدم سميث وريكاردو.
أعود وأقول واستناداً الى المنهج الماركسي الذي ما زال بعمومياته يحتفظ بجوانب صحيحة ومؤثرة، بل أن بعض أعداء الماركسية استفادوا من منهج ماركس كما يفعل كبار الفلاسفة والمفكرين الغربيين حالياً.
لعل ماركس والحركة التي شارك في تأسيسها: الأممية الشيوعية الاولى والاممية الثانية، وفيما بعد وفاته أممية فيينا- الثانية والنصف، المختلف عليها، ومن ثم الاممية الثالثة " الكومنترن" باشراف لينين، كان برومثيوس عصره، ناهيكم عن امتداد هيمنته على القرن العشرين كله : فهو حامل شعلة الفكر الحقيقة التي تتواصل اليها حسب ألتوسير، وليس الفكرة التي نطلّع عليها حسب، وهنا الفارق بين الماركسية التي ولدت في ظروفها الطبيعية (الأوروبية) وبين الماركسية (الآسيوية) أو (الأفريقية) التي لم تستطع التكيّف فبدت نشازاً أحياناً وبين الماركسية المدنية والماركسية الريفية.
هناك من يريد لماركس أن يأتي حاملاً مشعل الثورة، بسترته المتسخة وخلفه "رعاع" يريدون تحطيم كل شيء، ليبنوا العالم الجديد، في حين يريده البعض أن يأتي بكامل أناقته والى جانبه أنجلز وخلفهما جوقة البروفسورية وكبار الادباء وأجمل النساء والمتعلمين، ليبنوا عالماً جديداً خال من الفوارق (بالغاء استغلال الانسان للانسان على أساس المساواة والحرية الكاملة، والانتماء الى الآدمية).
* " متحفية" الماركسية!
نظر بعض الماركسيين الى الماركسية باعتبارها " نهاية مطاف" أو حلقة ذهبية أخيرة في الفكر الانساني، يمكن اقتناؤها أو الاحتفاظ بها كما هي، أي "متحفيتها "، في حين أن الماركسية بالنسبة لي نسق فكري ومنهج جدلي، لا يشكّل فيها ماركس الاّ حلقة من سلسلة حلقاتها المتصلة والمستمرة وبلا نهايات، ومن سوء الفهم التاريخي هذا ما زالت الماركسية غير مقروءة بعد، لاسيما بسبب اختصار الماركسية على ماركس وحصرها به، وليس قراءة الماركسية بمنهج ماركسي جدلي.
هناك جوانب نقص لم تعالجها الماركسية، ففي حين أولت اهتماماً كبيراً وطاغياًً بالجانب الاقتصادي، ولكنها لم تولِ الجانب النفسي الاهتمام الذي يستحقه، ولعل الماركسية ظلّت تعاني من شحّة كبيرة بالدراسات النفسية، حيث أن علم النفس و"المدرسة النفسية" اعتبرت من ذيول المدرسة (البرجوازية)، وكانت تمتنع جامعات اشتراكية عن تدريسها حتى اواسط الستينات.
لم تولِ المدرسة الماركسية اهتماماً كبيراً بالدين رغم معالجة ماركس المبكرة للمسألة اليهودية، وذلك حين أشار الى أن اليهودية ليست ديناً أو آيديولوجية فحسب، ولها أسسها الاجتماعية والاقتصادية، إنه دين جماعة معينة أو فرقة هي أشلاء قومية مشتتة، نذرت نفسها للتجارة، وعلينا حسب ماركس الا نبحث عن سر اليهودي في دينه، وإنما عن سر هذا الدين في الانسان اليهودي.
وللأسف فإن الدراسات والتطبيقات الماركسية، لم تلامس هذه المسألة لا من الناحية النظرية ولا من حيث تطبيقاتها في فلسطين التي تم اغتصابها من الصهيونية، لاسيما بعد الخطيئة التي ارتكبتها الستالينية بتأييدها قرار التقسيم، والأنكى من ذلك محاولة تفسيرها مواقفها تلك، في ضوء الماركسية وهو الأمر الذي عالجته بالنقد في دراسة لي ومحاضرات ألقيتها في دمشق وبيروت قبل نحو ربع قرن، لكي "أقرر" إذا جاز لي التعبير ماركسياً عدم ماركسية الموقف السوفياتي، الأمر الذي أثار نقمة عليّ في إطار المواقف المتزمتة للشيوعية الرسمية.
وهناك استخفاف بالدين، علماً بأن الدين رسم حياة البشر منذ الخليقة حتى أن مصطلح " الدين أفيون الشعوب" تم تفسيره تفسيرات خاطئة لا من قبل الأعداء حسب، بل من قبل الماركسيين أنفسهم، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الحديث عن الدين والظاهرة الدينية بالطريقة السطحية التي تناولها بعض الماركسيين والشيوعيين منذ الثلاثينات وحتى يومنا هذا.
كما أغفلت الماركسية حقول انسانية أخرى مهمة مثل الميثولوجيا (الاسطورة) والانثربولوجيا( علم الانسان) والنقد الأدبي والجماليات، وقد توقفت طويلاً عند كتابات ماركس عن بلزاك وكتابات لينين عن تولستوي، فلم يكن ماركس قادراً على إيفاء ماركسيته حقها بسبب عامل الزمن والبيولوجيا (العمر).
ولعل ألتوسير في اعتراضه على " نقد العقل الجدلي" كان يؤكد أن سارتر كان يقرأ ماركسية ماركس (الحصرية) وليس "ماركسية الماركسية"، ذلك أن ألتوسير كان يعتقد بأن البنيوية نفسها نتاج للماركسية، مما دفع سارتر الى الايمان بذلك بمحاضرته الشهيرة " الوجودية مذهب انساني" عام 1943، وأعاد هذا التأكيد في مقالته عن المنهج عام 1964، حين أفصح: ان الوجودية انما هي نظرية طفيلية على الماركسية.
وفي آخر مقال لألتوسير قبل " إتهامه" بالجنون وإيداعه مصحّة الامراض العقلية، كان يردد: ان فهم التاريخ هو قراءة الوعي بضده، وكان ماركس محقاً في فهم العالم من حاجاته، فلو اكتمل العالم حسبما أراد هيغل لكنّا موتى وغائبين كما هو الاله!!، وعندما ألقت عليه الشرطة الباريسية القبض لإيداعه في مصحّة الأمراض العقلية، كان يردد " الحمدلله لقد جعلني ماركس غير إلهي" وقد مكث فيها حتى أعلن عن وفاته أو انتحاره في ظروف غامضة. وفي زيارة ميشيل فوكو لألتوسير في مصحّته بسانت آن الشهيرة، جلس قبالته وسأله مازحاً: هل ما زلت ماركسياً، فأجابه التوسير، ومن تكون أنت بغيرها!؟
الماركسية بهذا المعنى هي فلسفة حضور، أي أنها صالحة للعمل لطالما هناك وعي يتناقض ويتصارع ويختلف، فالحضور اختلاف عن الغياب، وتعال معي لنبحث مقولة " الاختلاف" عند جاك ديردا لنجدها مقلوبة عن نسق التراكم الكمي والتغيير النوعي عند منهجية ماركس الجدلية، الأمر الذي توضحه كلمة ماركس المثبوتة بالآيديولوجيا الالمانيةالقائلة: إن القوى المنتجة هي نتيجة الطاقة العملية التطبيقية للكائنات البشرية.
وفي مناسبة أخرى في رده على برودون، كان ماركس يشدد على أن الأفكار المجردة هي حاجات مادية مخفية، وبالتالي فلا ينبغي أن يكون بؤس الوجود مشروعاً لفلسفة البؤس، وقد قصد ماركس بذلك ألاّ تتبنى الأفكار واقع الحال وإنما تختلف معها.
كان جاك ديردا يقول في كتابه " أطياف ماركس" بأن نصيّة ماركس يمكن تجاوزها بكتابة تؤمن بأن الاختلاف أعلى من الواقع، وهذا انقلاب على مقولة ماركس في رده على برودون الاّ نتبنى بؤس ما هو واقع.
انني انطلق من الفهم الماركسي للاختلاف وليس من اختلاف ماركس نفسه، بمعنى الاّ يكون التاريخ هو عمل الفكر، وبالتالي إلغاء مفهوم المفكر والمبدع، بينما التاريخ هو تبنّي الاختلاف، والعكس أيضاً صحيح، فالاختلاف يمكنه أن يتبنى التاريخ.
لقد كان ماركس معبراً أو جسراً للحداثة وما بعدها، وما التطبيقات الآيديولوجية والصيغ السياسية الاّ تمرينات على طريق الحقيقة الماركسية الكبرى، فقد انتهى ماركس الى الأممية كسبيل لتغيير ما هو سائد وليس الاكتفاء بتفسيره.
ان فلاسفة الحداثة وما بعدها في الغرب اليوم، أمثال لوتيار، كلود ليفي هنري، جان بول بارو، بورديارد وغيرهم، إنما يفلسفون بؤس ما هو سائد حسب الماركسية، ولا يقدّمون الاختلاف عليه، كمن يفحص جميع الأطعمة، ثم يدفع الحساب دون تناولها.
لم يكن ماركس " مادياً" الاّ بقدر ما كان فوكو " بنيوياً"، فالمادة عند ماركس عملية انتاجية وليس عنصراً آحادياً، فالمادة بفهمها والاختلاف بخوضه، وليس صحيحاً التفسير الاغراضي للماركسية الذي روّج له أعداؤها، باختصار ماركس الى مقولة ساذجة " المادة تسبق الوعي"، بينما هذه المقولة تدل على أن الوعي بوجود المادة سابق على فهمها.
لقد عاب الكثير من الفلاسفة على مارتن هايدغر عدم تناوله ماركس أو التطرّق اليه رغم انه شغل العالم في ردّ على سارتر، وفي مقابلة معه قبل أن يموت (1970) رداً على هذا السؤال، لقد كنت أتجنّب ماركس، لكي أكتب شيئاً ما بعده!! وهناك من نفى أصالة الماركسية عند دراسة أصولها، كما فعل أندلر حين وصف الماركسية بالتفاهة وإنها إنشاءًا لفظياً مفككاً في تعقيبه على كتاب بؤس الفلسفة، أما براييه وبرانشفيغ فقد اهملا ماركس وكانا يريان فيه كاتباً مشاكساً.
وفي واقع الحال فإن فينومينولوجيا هايدغر الانطلوجية، هي تعقيب صغير وممر جانبي بين فينوميلوجيا الروح عند هيغل وفينوميلوجيا الوعي الانعكاسي عند ماركس.
وإذا كان جيل دولوز قد قال بنظرية " المسطحات المعرفية"، وإن لا عمق في العالم ولا اتجاه، فإن ماركس كان قد قال بقوانين فهم الظاهرات وأن العالم يتسارع بالفهم والوعي الزائف.
وحسب شبنغلير فإن الحضارة الغربية أفلست وتدهورت، وأن ذلك إنما يأتي بصورة حتمية، لكن تلك الاطروحات لم تؤدِ الى سخط أو امتعاض منه، في حين ان القول " بالحتمية التاريخية" عند ماركس بقي مثار جدل وهجوم حتى يومنا هنا، ولعل حتمية عالم ما بعد التاريخ لدى فوكوياما، انما تصب في الحتميات ذاتها، وإن كان فوكوياما قد استعار نظّارة ماركس، الآّ انه وصل الى نتائج مختلفة، مثله مثل شبنغلير.
لقد أصبح هابرماز منبوذاً في المدرسة الفلسفية الفرنسية بمجرد قوله بـ "التواصلية" أو " التداولية" في المعرفة، وهي نظرية طوّرت مفهوم " القيمة التبادلية" عند ماركس الى أبعد من الاقتصاد بحيث تشمل المعرفة برمتها، بينما تقبّلت المدرسة الفرنسية مفهوم بيار بورديو القائل " بالرأسمال الرمزي" وهو توظيف الطرح الماركسي في الاقتصاد السياسي وتطبيقه على المعرفة ككل.
هذه الأمثلة عمدت اليها لكي أبيّن الإزدواجية التي تتعامل بها المدارس الفكرية الحديثة وما بعدها مع ماركس، فمقولة " العالم مجموعة تمثّلات أو تصوّرات" هي وجه آخر لمقولة ماركس بالوعي الزائف وجملته الشهيرة القائلة "ليست الأجوبة وحدها زائفة بل الأسئلة كذلك"، وعندما يكون السؤال زائفاً فإن الأجوبة كلها تكون لا أجوبة أو لا إجابات...
لقد تم الاجهاز على الماركسية – بنظر الغرب- لمجرد تجنّب مقولاتها الاساسية، ولكنها ولدت لها ماركسيات مجزأة عن ماركس أو مشوشة أو أشباه ماركسية في أكثر أفكارها تطرفاً وأكثرها تعقيداً!
كان ماركس " وضعياً نقدياً و" جدلياً علمياً" و" باحثاً حداثوياً في التفسير والتغيير"، ولم يكن ماركس مفكراً فردياً، فهو مجموع كل أجزائه، وهو حصيلة عملية إنتاجية فكرية كبرى، ولكننا لا نستطيع قراءة عصرنا ماركسياً، لأننا لا نعرف بعد كيف نقرأ ماركس.
* النقد الماركسي لماركس !
لم يكن ماركس يثق بالحقيقة كثيراً، وكان يثق بالتوصل اليها، فالحقيقة التي لا طريق لها لن تكون سوى نوعاً من الوهم المتاح لكل من لا يعرف طريقه.
كما لم تولِ الماركسية الاهتمام الذي تستحقه بالمسألة القومية، رغم أنها متقدمة على جميع المدارس الأخرى في موضوع (حق الامم والشعوب في تقرير مصيرها الذي تبنّاه لينين)، لكن دور العامل القومي في بلورة وعي الشعوب وتكوينها لم يأخذ حقه في الدراسة (عند ماركس وللأسف الشديد فقد تم ازدراء المسألة القومية ونظر بعض أصحابنا اليها بتعالي شديد انطلاقا من فكرة خاطئة أساسها أوروبي، في حين أن بلداننا المجزأة وأمتنا العربية تسعى لتحقيق تحررها ووحدتها وتلمس طريقها للتنمية وضمن ظروفها وأوضاعها، فهي لا تشبه الأوضاع الاوروبية لا من قريب ولا من بعيد). وكان البعض يردد " ليس للعمال من وطن" بطريقة مشوّهة وبعيدة عن الانتماء الوطني والقومي الطبيعي.
هناك أخطاء فاضحة في الماركسية منها أن ماركس اعتبر ان هناك شعوباً رجعية بكاملها كما هو الشعب التشيكي، استناداً الى بعض المواقف، وهذه مسألة خاطئة، ودليل على أن ماركس لم يكن لديه الوقت الكافي لتدقيقها أو مراجعتها أو تقديم نقد ذاتي بخصوصها.
ولم تعرف الماركسية اهتماماً كافياً بالحريات الفردية وأخضعت الفردانية الى حكم المجموع بالرغم من الماركسية الاولى (الأصلية حسب لوكاش) أولت اهتماما وأعطت حيزاً لا يستهان به في موضوع الحريات، وأعتقد أن فلسفة الحق لدى ماركس استندت بمناسبات غير قليلة على هذه المسألة تأثراً بالثورة الفرنسية وما تبعها.
لكن علينا الاعتراف بأن الماركسية حتى في عهد ماركس كانت تعلي من شأن الجماعية باعتبارها تمثل الموضوعية الخالصة للتطور وفقا للحتمية التاريخية، مبررة تقليص الذات البشرية بكبواتها وتوهماتها على حساب المجموع، لكنها تحوّلت في الماركسية المطبّقة الى استصغار لدور الفرد والفردانية، لدرجة الذوبان أو الانصهار.
واستطيع القول أن الماركسية قبل استلام السلطة كانت مدرسة مدافعة عن الحريات والحقوق العامة والخاصة، وأعتقد أن تعاليم ماركس كانت بحاجة الى أن تُختبر عملياً بالتجربة، لاسيما وأنها ذهبت بعيداً في التجارب المطبقة، عن جوهرها وروحها، وأكثر بكثير مما قصده ماركس أو الماركسية الجدلية.
* الدولة وطوباويات ماركس!
لا بدّ أن نعترف بخطأ فكرة الدولة بالمعنى الماركسي فنظرية الدولة هي جوهر النظرية الماركسية للتغيير، إذ أن تدميرها بالثورة الاجتماعية يفتح الباب على مصراعيه لإحداث التطور النوعي بالارتقاء من تشكيلة اجتماعية الى أخرى. والدولة هي جزء من البناء الفوقي. ولم يتمكن ماركس من دراسة موضوع الدولة رغم مساهماته المبكرة في نقدها عبر " نقد فلسفة الدولة" لدى هيغل وكذلك " نقد فلسفة الحق" عند هيغل أو تحليلاته في " الآيديولوجيا الألمانية"، لكن ذلك لا يعني أن ماركس لم يقدم تصوّراً واضحاً عن الدولة، لاسيما الدولة الرأسمالية، خصوصاً في مراسلاته وخطاباته الى لاسال وكيبلنلغ وهيرننغ وانجلز وتعقيباته على نظرية مورغان، التي كانت وراء كتاب انجلز" أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة". والتي كانت بذور دراسته فكرة الدولة، وبودي الاشارة الى أن هذه المراسلات لم تأخذ نصيبها من الدراسة والنقد.
وحين انتقل ماركس من التركيز على المجتمع بدلاً من السياسة ومن التركيز على الاقتصاد بدلاً من الفلسفة، فقد سعى لبلورة مفهومه باعتباره عدواً لدوداً للدولة وداعية لزوالها، كما ورد في الآيديولوجيا الألمانية وكذلك في البيان الشيوعي ومساهمته في نقد الاقتصاد السياسي وفي نقد برنامج غوتا، وفي الوقت نفسه فالدولة مؤسسة مستقلة عن المجتمع المدني وسيّدة له، وهي قوة مهيمنة عليه كما ورد في الثامن عشر من برومير، وأكد ماركس على خصوصية وتاريخانية الدولة بفعل اختلاف الثقافات كما ورد في خطابه في مؤتمر لاهاي 1872، وقد اعترف ماركس في هذا المؤتمر، بمحدودية دراساته عن الدولة.
ولم يدرس ماركس دور الدولة في بناء الأمة ودورها الثقافي وكذلك باعتبارها " مالك ومنتج" ودورها في إدارة العنف وتنظيم الجيوش ودورها كعنصر فاعل ومستقل في التاريخ البشري، وما زالت هذه الحقول فارغة في الفكر الماركسي لما بعد ماركس، باستثناء مساهمات انجلز المحدودة في حينها، لاسيما في كتابه: "أصل العائلة: الملكية الخاصة والدولة"، وهو كتاب حاول لينين تلخيصه وتلخيص أطروحات ماركس بصدد الدولة في كتابه " الدولة والثورة " الذي صدر عشية ثورة اكتوبر 1917، وهو واحد من أهم كتبه الكلاسيكية ، وقد ركّز فيه لينين على وظيفة الدولة كأداة قمع، وقد كانت الظروف السياسية في روسيا تمور بحراك ونقاش حول طبيعة الثورة القادمة، هل هي سياسية "بورجوازية – ديمقراطية" أم ثورة اشتراكية – عمالية (بروليتارية )؟ وشهد هذا المفصل صراعاً بين لينين والبلاشفة أو قسماً منهم وبين بليخانوف والمناشفة، رغم أن لينين كان يعتبر بليخانوف أبو الماركسية الروسية، فلا يمكن ان تكون ماركسياً دون قراءة بليخانوف"!.
خلاصة هذا القول: إن الماركسية ابتداءًا من ماركس ومروراً بانجلز ووصولاً الى لينين ظلّت تعاني من غياب نظري أو لنقل بصراحة من فقر فكري في موضوع الدولة، الامر الذي بحاجة الى معالجة من جانب الماركسيين المعاصرين، لاسيما بعد التخلص من محرّمات الوضعية النقدية، وخصوصاً بانهيار جدار برلين، باعادة النظر بالمقولات الماركسية " المبسّطة " حول الدولة ودراسة نشوئها وتطورها وميكانزمات عملها ووظائفها ومؤسساتها، لاسيما بعد دراسات مقارنة وملموسة، خصوصاً في ظل ما بعد الحداثة وفي إطار العولمة وما أفرزته من إيجابيات غير قليلة، وسلبيات كبيرة جداً، لاسيما وجهها المتوحش واللاانساني.
وقد تحوّلت الدولة في ظل التطبيقات الماركسية الى أوامرية بيروقراطية إستبدادية وأداة قمع، ليس فقط للخصم الطبقي كما قيل، وإنما لعموم الشعب، كما أن " دكتاتورية البروليتاريا" التي قال عنها لينين دكتاتورية الـ 9% ضد 1% أثبتت فشلها وتحوّلت في جميع البلدان الاشتراكية الى دكتاتوريات سافرة، وتضخم جهاز الدولة على نحو مريع، الأمر الذي لم تكن المسافة قد قصُرت بينه وبين فكرة ذبول الدولة أو ذوبانها بتحقيق المجتمع الشيوعي، بل إنها تباعدت كثيراً.
وبدت الدولة وكأنها جبروت أزلي، لاسيما باتساع وظائفها ودورها على جميع الصُعد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي جميع مناحي الحياة، لدرجة أن الأزمة المالية والاقتصادية في الولايات المتحدة والعالم الراسمالي، بسبب الرهن العقاري وانحفاض سعر الدولار وانهيار مؤسسات بنكية وتأمينية، قاد الى تدخلات الدولة على نحو حاسم، الأمر الذي يعيد طرح دور الدولة ووظيفتها التاريخية، بما يتطلب اعادة النظر ببعض منطلقات الراسمالية ذاتها، لا في مرحلتها الأدسمثية أو الريكادية أو الكينزية، بل في مرحلة ما بعد الحداثة أيضاً، حيث ظلّت أطياف ماركس تحوم حولها وليس أشباحه حسب.
أعتقد أن الدولة هي أعظم منجز بشري، إذ أن وظيفتها الاساسية هي حماية أرواح وممتلكات المواطنين (الناس، البشر وما يملكون) وثانيا " الحفاظ على النظام والأمن العام"، إذ أن غيابها يؤدي الى الفوضى والاحتراب، كما أن تقديسها يؤدي الى الطغيان، ولا أظن أن الدولة ستختفي أو تضمحل، وإنما بالامكان الحد من تغوّلها وسلوكيتها العدوانية، بزيادة دور المجتمع المدني، بصفته رقيباً وشريكاً لها، كقوة اقتراح ورصد من جهة وقوة احتجاج واعتراض من جهة أخرى.
وأعتقد ان ما ذهب اليه ماركس إنما يصب في هذا الاتجاه لاسيما بتخصيص دور المجتمع المدني، في حين انه كان " حالماً" أو طوباوياً، عندما تحدث عن ذبول الدولة في مجتمع شيوعي متكامل. لقد استكملت الدولة وظيفتها لاحقاً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وبالطبع فإن وظيفتها المدنية والسياسية تشكل ركناً أساسياً لها ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الاستغناء عنه.
واثبتت الحياة خطأ أطروحة لينين من أن الماركسي لا يصبح ماركسياً إم لم يؤمن بصراع الطبقات وبدكتاتورية البروليتاريا، وذلك في ردّه على كاوتسكي، ولعل ذلك خلافاً للوضعية النقدية التي تسعى لإلغاء الاستغلال وإقامة مجتمع الرفاه والعدل، وعبر قناعات الناس وليس بالاكراه أو بوسائل العنف.
وإذا كان العنف أحياناً علامة فارقة لبعض المحطات التاريخية، لاسيما مرحلة الانتقال والتحوّل والتراكم الذي قد ينفجر في لحظة تاريخية عبر طفرة تقود الى كيفية جديدة او نوع جديد، وهو أمر ينطبق على العلوم الطبيعية وأراده ماركس أن ينطبق على العلوم الاجتماعية، فإن العنف لا مبرر له لاسيما إذا أصبح نهجاً لتصفية الحساب والرأي ومصادرة الموقف والنقد.
وقد أعلنت الكثير من التيارات الماركسية لاسيما الاوروبية شطب موضوع دكتاتورية البروليتاريا من برامجها وسكتت عنها تيارات أخرى، كما أعادت هذه التيارات النظر في موضوع العنف وسبل الوصول الى الاشتراكية، لاسيما باختيار التطور التدريجي التأريخي، إضافة الى الطريق السلمي البرلماني، ولعل هذا بحاجة الى دراسة مستفيضة ووقفة أطول ونقد أشمل.
العنف لم يعد هو " قاطرة التاريخ" كما ذهب اليه ماركس الاّ عندما يتم التراكم الكمي، ليؤدي الى تغيير نوعي باشتراطية عنف مغاير يهدده ويوقظ عدوانيته، عند ذلك ينبغي أن يكفّ، بعد أن أدى وظيفته التي ستصبح قمعية لا ضد الخصم والعدو حسب، بل ضد من يُعتقد أنه سيكون خصماً حتى وأن كان من صميم معكسر الاصدقاء وربما من أحد أركانه الاساسية .
ان الدولة هي إطار لتنظيم العلاقات بين الأفراد من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى في ظل قوانين وأنظمة تفرض جزاءات في حالة مخالفتها أو عدم الامتثال لها، وإن كانت هذه القوانين والأنظمة تعبّر عن مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية المهيمنة، الاّ أن وظيفة الدولة أخذت تتطور بالتدريج، وأخذت تتسع لاسيما في ضوء تحقيق الرفاه المادي في الصحة والتعليم والضمان والبيئة وغيرها.
ولعل النظام الديمقراطي، كميكانزم حديث ومعمول به في تداول السلطة بصورة سلمية قائمة على إقرار التعددية والتنوّع ومبادئ المساواة والمواطنة الكاملة وفصل السلطات والقضاء المستقل، تحدّ من تغوّل السلطة وتراثها العنفي عبر التاريخ وتقدّم تربية جديدة عن مفهوم الرئيس " الموظف" مقابل الدكتاتور الأوحد، و" الحاكم المشارك" على اساس قيم العدل بدلاً من " المستبد العادل" الذي يتصرف دون رقابة.
إن قوة الرأي العام تضعف من دور العنف الموّجه، وذلك باحترام دولة القانون والمؤسسات والمجتمع المدني في إطار عقد اجتماعي- سياسي- دستوري، كما سبق وأن أشار اليه جان جاك روسو وغيره من الفلاسفة المبدعين في القرن الثامن عشر.
أعتقد أن الماركسية المطبّقة فشلت في نظرية " التأميم الشامل" بالتجاوز على حاجات الفرد وطموحه" وقد تحوّل مبدأ "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته الى " نوع من المساواة السلبية المتعسفة بين الأكفاء وغير الاكفاء وبين المبدعين وبين البشر العاديين، وأدى الى قتل الطموح أو اجهاضه، وهذه مسألة ترتبط بالنظرة القاصرة الى الفرد والفردانية.
* حزب شيوعي من طراز " عتيق"!
أما مسألة " الأداة " (الحزب) التي تحدث عنها ماركس، فقد تحوّلت على يد لينين الى حدود معينة وفيما بعد على يد ستالين والقيادات اللاحقة من "طليعة " مقدامة ومتفانية الى جهاز قمع بيروقراطي في الغالب، مع أجهزة الدولة الأمنية التي تقرر السياسات العامة، وهكذا أصبح الولاء للحزب لا يعني سوى الولاء للقيادة وبالتالي للأمين العام، وبمخالفتها قد يتهم المرء بالخيانة للوطن وللشعب، ويرسل الى دائرة النسيان او الى المقصلة أو بجرة قلم واحدة راح ما بعد ثورة اكتوبر نحو (2000) من المثقفين والثوريين الروس الى ساحات الموت في فترة اتسمت " بنوع" من التسامح والحوار، لكنها انتهت الى إلغاء الآخر وإقصائه.
ان نظامية الحزب التي اسسها لينين وفقا لكتاب " ما العمل؟" العام 1903 والحزب من طراز جديد الذي تحدث عنه، أصبح عتيقاً وأعتقد أن الحياة تجاوزت ما كان دائراً بين مارتوف ولينين حول مفهوم الحزب وشروط الانتماء اليه، لاسيما ونحن الآن في مرحلة جديدة من تاريخ البشرية، حيث العولمة بكل ما لها من سلبيات، وبخاصة الوجه المتوحش منها، وما لها من إيجابيات، خصوصاً عولمة الثقافة وحقوق الانسان ومنجزات العلم والتكنولوجيا، التي يمكن أن تؤثر في فهم وتقييم دور الحزب والطبقة وأدائهما معاً، في ظل ثورة الاتصالات والثورة العلمية- التقنية وثورة المعلومات وتكنولوجيا الاعلام، الأمر الذي يحتاج الى دراسة معمقة في ضوء المنهج وليس تحويل المنهج الى تعاليم سرمدية والتوقف عند منجزات ما بعد الثورة الصناعية، بل مرحلة ما بعد انشطار الذرة، خصوصاً وأننا في مرحلة ما بعد الحداثة.
ولمعالجة الجديد، لا يمكن القبول بأدوات قديمة، لأنها ببساطة سوف لا تكون صالحة أو جديرة بذلك، الأمر الذي يحتاج الى تقنيات وآليات جديدة بعد دراسة الظواهر المستجدّة في ضوء وضعية نقدية تنطلق من الواقع ذاته لا أن تفرض عليه استنتاجاتها مسبقاً، حتى وإن كانت صحيحة، فهي لعصر آخر وليس لعصرنا.
لقد مضى أكثر من قرن على كتاب (لينين)، لكن بعض أصحابنا ما زال يتشبث به باعتباره مرجعا لاهوتياً مقدساً أو قرآنا كريماً لا يمكن المساس به أو مخالفة تعاليمه، بل إنهم يتهمون خصومهم بالمارتوفية والليبرالية، دليلا على الضعف والميوعة أو عدم الثورية!!
لم يدرك الكثير من أصحابنا أن العالم قد تغيّر وان كتاب ما العمل المهم جداً في فترة ما بعد الثورة الصناعية، أصبح في فترة ما بعد الحداثة جزءًا من التراث، وعلينا أن نقرأه كذلك لا أن نتعاطى مع مفرداته باعتبارها وصفة جاهزة لا يأتيها الباطل لا من أمامها أو من خلفها، وهي تصلح لكل مكان وزمان، بتخطّي التاريخ أو تجميده أو وضع سرير بروست مقاساً للخطأ والصواب، فتقطع أرجل أو رأس من كان أطول، ويسحب القصير ويُمط حتى ليكاد تخلع اعضاءه بحجة المسطرة التي ينبغي الامتثال لمقاساتها، حسبما تقول الاسطورة اليونانية القديمة!
3- المنهج النقدي: الوضعية النقدية بديلاً عن الراديكالية الانقلابية
* المتمركسون
· هل لديك تحديداً معيناً لمنهج نظري خاص بك بعد كل هذه الملاحظات التي أبديتها الآن، وبعض أطروحاتك قريبة من أعداء الماركسية لاسيما الوجوديين والحداثويين والبنيويين الجدد وما بعدهم؟
أعتقد أنني أمارس دوري ضمن منهج نقدي، وهو ليس بعيداً عن الماركسية، بل إنه في صلبها، وقد اعتبر ماركس أن المثقف هو ناقد اجتماعي، وبالتالي فإنني أحلل الظواهر في ضوء المنهج الجدلي وأنقدها استناداً الى الواقع.
يمكن اعتباري في تناقض شديد مع الماركسية إذا أخذتها بمعناها ارثاً، فقد يكون الأمر صحيحاً، إذ ستكون الماركسية حسب وجهة النظر هذه، مجموعة تعاليم أقرب الى الأدعية والتعاويذ، لا يمكن الاقتراب منها الاّ بالتسبيح والتبجيل، وبالتالي فإن نقدها أو اعادة النظر ببعض جوانبها بما تجاوزته الحياة يعتبر من وجهة نظر البعض، ارتداداً أو تخلّياً أو انحرافاً أو ما شابه ذلك.
لعلهم بذلك قرأوا لينين، إن كانوا يقرأونه، عشية ثورة اكتوبر، لاسيما سجالاته مع "المرتد كاوتسكي"، ولكنهم حتى وإن كانوا قرأوه، فقد قرأوه بالمقلوب، فالاطروحات الماركسية ليست سرمدية صالحة أو جاهزة لكل زمان ومكان. لا يوجد فهم موحد أو اتفاق على من تطلق عليهم مصطلح " الماركسيون".
ويمكنني أن اقسّمهم الى عدة أقسام :
- هناك " الماركسيون الطقوسيون" وهؤلاء قد لا تجد في بعضهم شيء من الماركسية، سوى مشاركتهم بالاحتفالات وإحياء بعض المناسبات، وبالطبع فالبعض منهم لديه أجندة لهذه المناسبات من عيد العمال الى ذكرى ثورة اكتوبر، إلى ميلاد لينين، مثلما يفعل بعض المتدينين الشكليين أو الطقوسيين، وبالطبع فالشعائر وحدها ليست دليلاً على ماركسية "الماركسي" حتى وإن ملأ الدنيا بالصراخ.
- هناك الماركسيون المدرسيون الذين يعرفون بعض عناوين الاشتراكية بطبعتها السوفيتية ومفردات علم الاقتصاد السياسي وفقاً لما كتبه نيكيتين في الخمسينات والذي تم تعميمه على المدارس الحزبية، لا كما كتبه ماركس قبل وبعد كتاب رأس المال، ولا كما يتطلب الأمر فهم الظواهر والتطورات الجديدة، بل إنهم فرحون بما لديهم ويعتبرون أنفسهم في صميم أرقى نظرية علمية في التاريخ، كما يرددون بزهو يستحق الشفقة أحياناً.
- هناك "الماركسيون المسلكيون" وهم جزء من الماكنة السياسية والحزبية،(الادارة الحزبية) وهم غير معنيين بالماركسية الا وفقاً لوظيفتهم الادارية والدعائية- الترويجية.
- وهناك "الماركسيون الذرائعيون" الذين يبررون كل خطوة يتخذها الحزب، باعتبار النظرية لا تخطئ، وهي " أرقى نظرية" حسبما يرددون، وبالتالي فإن القدح المعلاّ يبقى بيدهم في الجاهلية والاسلام!وحيث ما مال الحزب تميل الدنيا والحياة والحقيقة، وحتى وإن أخطأ فلا ينبغي مواجهته بالخطأ، لكي لا يستفيد العدو من نشر الغسيل الوسخ بافتراض حسن النية، والاّ فقد تكون متهماً لمجرد توجيه النقد، أما لضعفٍ في صلابتك أو لاختراق فكري أو غيره في منظومة أفكارك، وإن اعترف الحزب بعد مضي عشر سنوات أو أكثر على خطئه، فسيبالغون بذلك، وكأنك انت المُخطئ، وهم من كان على صواب، في حين أنهم كانوا يستقتلون في الدفاع عن الخطأ أو تبريره في حينها. ولعل هؤلاء من أدركتهم شهوة السلطة، حتى وإن كانوا من خدمها أو من حواشيها.
- هناك " الماركسيون العولميون" وهم من روّج للمشروع الامريكي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لاسيما في التسعينات حيث استبدلوا الولاء من موسكو الى واشنطن، بل أن بعض المثقفين الماركسيين ساهم في مشروع تدمير العراق، بالافتراءات أو بالعمل في إطار عقود ومؤسسات أمريكية، أو مدعومة من جانب أجهزتها، لتبرير وتسويغ الخطاب الجديد لليبرالية، باعتبار ان المعركة هي بين العلمانية والاسلامية، وبين الحداثة والتخلف.
أما موضوع احتلال الاراضي والمقاومة، فهذه أمور مؤجلة ولا توجد تقديرات مؤهلة للاقتراب منها، ناهيكم للمشاركة فيها أصلاً، ولعل البعض تجرأ أكثر من ذلك بأن اعتبر أي حديث عن المقاومة يعني الارهاب، متبنياً وجهة نظر لا علاقة لها بالماركسية، رغم استمرار اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني والعدوان الاسرائيلي المتكرر على لبنان وتهديد سوريا وايران وبعض دول امريكا اللاتينية التي شقت عصا الطاعة على واشنطن، فضلاً عن احتلال العراق وأفغانستان.
- قلة من الماركسيين العرب هم " ماركسيون نقديون ومجتهدون" رغم أن بعضهم يحاذر من إبداء المعارضة أو الاختلاف طالما يخشى العقاب! وإن لم تتمكن نواة صلبة فكرياً وسياسياً من ممارسة النقد وبصوت عال، فإن جيلاً جديداً من الماركسيين سيدفع الثمن أيضاً.
هكذا ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون حقيقيون في ضوء منظومة البيروقراطية أو اعتبروا خارجها. أنا لا اعتقد أن مثقفاً مثل الياس مرقص الذي سبقنا بعقود لم يكن ماركسيا، وأعتقد أنه قرأ الماركسية لا بطريقتها الطقوسية أو المدرسية أو المسلكية أو الذرائعية، بل باعتبارها منهجاً حياً وقابلا للنقد. لقد قرأ مرقص الماركسية بعقل منهجي- نقدي للوضعية السائدة، ولعله كان أكثر ماركسية من الماركسيين الرسميين الذين حملوا صولجان الماركسية ولبسوا قبعاتها، لكنهم ظلوا خارج صومعتها، وبعيدون عن روحها وجوهرها وملكوتها!
ورغم اعتذار الحزب الشيوعي السوري للياس مرقص وإنْ كان بعد عقود من الزمان، فإن ذلك ليس مساوياً لهدر طاقة مفكر ومبدع وماركسي نقدي مجدد لايمكن إغفال أفكاره الجريئة في حينها، ومن المفارقة أن أعماله الكاملة لم تطبع في مجلد، وهي بحاجة الى قراءة نقدية جديدة وملّحة.
الماركسية الحية كأداة ومنهج تختلف عن الماركسية التلقينية الطقوسية، والماركسية لا يمكن أن تدجّن أو تروّض أو تخضع لطقوس وتأثيرات ريفية بما يخالف جوهرها، في محاولة للتوليف بينها وبين ما هو سائد وقد جرت في عالمنا العربي بعض المحاولات لإيجاد مواءمة بين الدين وبين الماركسية وبين الماركسية وبين الفكر القومي التقليدي.
الماركسية من حيث الجوهر فكرة مدنية حداثية تعنى بدراسة الظواهر وتحليل الأوضاع ونقدها على حد تعبير ماركس: المثقف الماركسي هو مثقف نقدي بامتياز، فالنقد هو وظيفته في القراءة والبحث والعمل والتطبيق، وهو أقرب الى مفهوم المثقف العضوي عند غرامشي، الذي شعر منذ وقت مبكر بأهمية البحث في سسيولوجيا الثقافة، محاولاً تأسيس نقد ثقافي لنظريات البرجوازية القائلة بالمثقف المتعالي الذي جسدته النزعات الفردية، في الفلسفات النفعية، كالبراغماتية والاداتية وبعض أطروحات جون ديوي (عالم التربية الامريكي الكبير) وبرتراند راسل ووليم جيمس .
وعلى هذا الأساس يلتقي أصحاب الجمود العقائدي الذين حولوا الماركسية الى قوالب متحجرة ووصفات جاهزة ومبتذلة مع أصحاب الانزياح عن الماركسية وتحويلها الى مجرد شعار يتفيؤون بظله، لكن دون منهج أو أدوات للتحليل ويحوّلون الماركسية(الى FREAM اي إطار بلا لوحة) وهناك من يحمل البطاقة لكن لا علاقة له بالهوية الشيوعية أو بالمنهج الشيوعي أو بالفكر الماركسي.
هناك صلة وثيقة بين الطرفين وأعني بذلك: بين الجمود العقائدي وبين الانزياحيين (التحريفيون) أي بين الماركسيين الذين اعتبروا الماركسية نسقاً كاملاً ونهائياً، مكتفين بما جاء به ماركس ومتوقفين عند محرابه، وبين من يريدون تطويع الماركسية لتقبل منهج العولمة (بزعم التجديد والمتغيّرات الدولية) وبالتالي تتخلى عن أركانها الانسانية بتحويلها وتذويبها لتكون واحدة من مصنّعات العولمة أو من المساحيق التي يتم استخدامها لإخفاء ما شاخ وهرم، وإظهاره بمظهر الشباب حتى ولو ملأ الدنيا خرفاً.
لا أدعي أنني ماركسي فوق العادة، مثلما يبالغ أصحابنا الذين ابتعدوا عن الماركسية أو تطرفوا فيها، لكنني أجد نفسي قريبا الى حد كبير من الماركسية النقدية أو الوضعية النقدية الماركسية، وهكذا استخدم وأوظف المنهج ضمن اجتهاداتي وضمن دراستي للظروف والأوضاع الاجتماعية- الاقتصادية والثقافية للمجتمع العربي، بالاشتباك مع العلاقات الدولية.
لعلي في ذلك أجد كيانية خاصة بي للماركسية المنفتحة على حاضرها وما يتساوق معها من أطروحات وأفكار ورؤى، حتى تلك التي لا تتفق معها بالضرورة، ويكفي المرء حتى وإن أخطأ أنه يمارس الاجتهاد، فإن أصاب فله حسب الامام الشافعي حسنتان، وإنْ أخطأ فله حسنة واحدة فقد حاول وفشل وعليه الإقرار بذلك.
* ماركس وألتوسير
· هل تجد في الماركسية وضعية نقدية؟
أنا أجد في الماركسية وضعية نقدية بمعنى أنها عند تفكيك الظواهر، تتجه لنقدها، لأن التفكيك نوع من النقد أيضاً، فاختيار ما نقع عليه بالتفكيك والعمل هو شكل من الممارسة القصدية. ولم يكن ماركس الاّ وضعياً نقدياً في نهاية المطاف فوسيلة التفكير لديه عقلية نقدية، بالرغم من ماديته فإنه كان عقلانياً جدلياً في مقابل هيغل الذي كان عقلانياً سكونياً.
كان ماركس يؤمن بالحركة والتطور وهو بالتالي يؤمن بأن الفكر نتاج الحركة، وأن فهم العالم يعني فهم التغيير، والتفسير هو تغيير ما نفهم أو ما نقع عليه... ولا يوجد فهم نهائي الاّ على المستوى الإجرائي. إننا نثبت المعارف- قليلاً في حافظة علمية لكي نقوم بتجاوزها وبالتالي فإن " الوعي" هو غير الفهم، فالوعي علاقة مباشرة بالمعرفة، بينما الفهم هو علاقة مباشرة بالوعي لأن الفهم هو تقليب الوعي، بينما هذا الأخير هو صلة لا بد منها لكل معرفة ، والتجربة هي مظهر من مظاهر التلاقي بين الوعي والفهم، لأن غالباً ما نعي أموراً كثيرة دون أن يتوفر لنا آوان فهمها.
إن هذا يفسر غياب أو انحسار الفلسفة في العالم المعاصر، وذلك لأن المعلوماتية المتطورة قد تقود الى " أمية " بالفهم، وهي مقولة أستعيرها من كاتب عراقي مغمور لكنه يحمل ملامح فكرته وومضات نافذة وذكية، وبقدر ما تكون المعرفة متاحة فإن الفهم يصبح نادراً وغير مسموح به كثيراً.
إن الوضعية النقدية هي طموح نظري نحو تحقيق الفهم الماركسي لوعي العالم ووعي المعرفة، لا من خلال ما هو سائد، بل من خلال ما هو نقيض له، أو مخالف له، أو معارض داخله. إن الماركسية هي فهم العالم دون الاسراف بتصديق الوعي أو السجن داخله، لأن الوعي يمكن أن يكون "زائفاً " أو "مغشوشاً"، وهو غالباً ما يحمل مخلفات الآيديولوجية السائدة، وهذه الأخيرة تقابل مفهوم النسق أو البنيات اللاشعورية عند فوكو!
وهذا السؤال سيقودنا الى ألتوسير والى الانتقال من " صراع الطبقات الى حوار الطبقات"، فالعالم قائم على التواصل، بينما يفهم البعض أن الصراعات انقطاعات والعكس هو الصحيح، فالصراع يفترض حضور الأطراف، والمعرفة هي حلبة الصراع، وذلك ليس هدفاً بحد ذاته.
وقد أطلق ألتوسير رسالته " ضد استغلال الانسان للانسان" ودعا الى تحقيق المساواة واطلاق الحريات بما فيها حرية الابداع والجمال عبر القراءة الماركسية الحرّة والمتحررة لماركس من ماركسيته، وهذا الأمر قريب مما أفكر شخصياً به عندما استخدم الماركسية كمزيج للنقد والنقد الضدي، حيث تتم عملية كشف للواقع بكل عيوبه ومثالبه، بهدف تقويمه وإعادة بنائه وفق منظومة فكرية سداها ولحمتها تحقيق المساواة وقيم الجمال والحق، وهي ضرورية للحقوق المدنية والسياسية وهي جزء من المنظومة الكونية والتي ما زالت ملتقى للبشرية باتجاه خير الانسان وسعادته وإذا ما راجعت ماركس فإنه بحث في الجانب القانوني والحقوق الانسانية وتلبية الحاجات الروحية للبشر، واعتقد أن هذا جوهر كل فلسفة سواءًا كانت مادية أو مثالية، وجوهر كل دين وجوهر كل نظرية " تسعى لاسعاد البشر" وهو هاجس البشرية حتى الآن.
وهذا الهدف الأسمى لم يصل بعد الى ما تطمح اليه هذه النظريات وسيبقى نضال البشرية الى الأبد هو تحقيق المثل والقيم للفلسفات والأديان، وبالرغم من الاختلافات والتباينات والتقاطعات، هناك مشتركات بينها، لكونها تطورت تطوراً كبيراً عن ما قبلها، الاّ أن هوة سحيقة ما تزال تعطّل البشرية عن تحقيق هذه الطموحات، وهنا يتشكّل وعي الانسان ودوره وحضوره بهذه المساهمة، وقد سبق لي أن وضعت كتاباً عن " فقه التسامح في الفكر العربي-الاسلامي" لكي أبني من خلاله وحدة التفكير البشري، وكيف أنه قائم على المقاربة والحسّ المشترك للانسانية في وضعها التاريخي.
* الماركسية والأممية " الرابعة"!
· بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تبلورت نظريات وأطروحات تقول بنهاية الماركسية، بل وتذهب الى القول بأن الماركسية مجرد تجربة قرائية تعتمد على ظروف قارئها ومؤلفها ماركس، هل ما زالت الماركسية بنظرك صالحة للعمل؟
انا اعتقد إن الماركسية " الرثة" أو " المبتذلة" أو " الجامدة" قد انتهت، ولم تعد تصلح كأداة مثلما استخدمت في القرن العشرين وإن الظروف قد تغيّرت كثيراً.
كان القرن التاسع عشر هو قرن صراع القوميات والقرن العشرين هو قرن صراع الآيديولوجيات، أما القرن الحادي والعشرين فإنه يراد له أن يشهد صراع الحضارات، كما يشير بذلك " فرانسوا فوكوياما" و " صموئيل هنتنغتون" حيث بشّر الأول بنهاية التاريخ وإن على الشعوب والأمم إذا ما أرادت العبور الى العالم (الما بعد تاريخي) عليها ان تتخلى عن قيمها ومنظومة أفكارها وآيديولوجيتها، لكي تلتحق بالحضارة السائدة والغالبة والمنتصرة والتي أساسها المنظومة السياسية والاقتصادية الليبرالية، وبذلك جعل فوكوياما الشعوب والأمم (العرب والمسلمون والكونفوشيوسيون والتاويون أصحاب الحضارات العريقة العربية والاسلامية والهندية والصينية) وغيرها من الأمم والأديان والحضارات الطرفية أو الهامشية البعيدة عن (اللوغوسية) المركزية والعقلانية الغربية، عرضة للوهم والإكراه على التغيير طبقاً لما يريد أو يشتهي!. بمعنى أن تكون هذه الشعوب والحضارات (خارج التاريخ) وإذا ما أرادت الإلتحاق بمرحلة ما (ما بعد- التاريخ) لا بد لها أن تنضم تحت لواء الحضارة (المسيحية- اليهودية) وإلاّ سوف لا يكون لهم مكاناً في التطور التاريخي.
أما هنتنغتون فقد بشّر بصدام الحضارات وصراع الثقافات، لاسيما بعد انهيار الشيوعية الدولية وباعتبار الاسلام عدواً جاهزاً، وإن لم يوجد الاسلام (العدو) فلا بدّ من صناعته في ضوء حتمية صراع الحضارات، هذا الذي طبّل له الاعلام الغربي كثيراً وإذا كانت الصراعات والنزاعات، تُخلق في العقول وتنطلق الى الواقع وتتحرك عليه، فإن السلام والتفاهم والتسامح يخلق في العقول أيضاً، وقد ذهب دستور "اليونسكو" بهذا الاتجاه وأكد عليه في مقدمته!
ومن هنا فأنا أعتقد إن ماركسية جديدة تتبلور في ضوء المنهج الماركسي، وإن أممية رابعة غير أممية "البوسادسية" المتأثرة " بالتروتسكية" ستنضج ظروف ولادتها، وستكون أممية تضامنية إنفتاحية،لاسيما بوجود المشتركات الانسانية، وقد شهدت بعض التيارات الماركسية مراجعات جدية وأحرز بعضها انتصارات ليست قليلة على صعيد المنهج وعلى صعيد الممارسة، خصوصاً دول أمريكا اللاتينية، إذ أن خمسة دول منها اخذت تعلن على أقل تقدير إيمانها بالاشتراكية، وهي الآن في موقع السلطة في حين أنها على بعد عشرات أو مئات الأميال من واشنطن مركز العداء الأول للشيوعية والماركسية، وكذلك في بعض دول آسيا بما فيها الصين رغم التقاليد الصارمة، فهناك بعض المراجعات والعديد من المتغيرات بعضها إيجابي وهو ليس بالقليل وقسم منها سلبي.
وهناك مراجعات لدى دول أوروبا الشرقية السابقة وقد استعاد البعض مكانته بمنهجه الجديد، كما أن الآورو-شيوعية، التي كنّا ننظر اليها بازدراء قد اثبتت حيويتها، لاسيما إزاء معرفة أوضاع بلدانها وتقديراتها العامة مثل ايطاليا وفرنسا واسبانيا!!.وهو ما يستحق تقديم نقد ذاتي بخصوصه: لاسيما قراءتنا المغلوطة لأفكار كاريلو والاوروشيوعية.
وقد لفت انتباهي الصديق صلاح عمر العلي الى الدور المتميّز لقيادات الحزب الشيوعي الاسباني في بلورة رؤية الاوروشيوعية، فبعد موت فرانكو وقيام نظام ديمقراطي جديد على أعقاب النظام الدكتاتوري السابق، لاسيما بدستور جديد، عاد المنفيّون الى اسبانيا، وفي مقدمتهم أمين عام الحزب كاريلو، وكان قد إلتقى به حين كان يومها سفيراً للعراق في مدريد، والغريب ان الزعيم الاسباني الشيوعي الذي قضى نحو 40 سنة في المنفى، لم يزر الاتحاد السوفيتي ولا مرّة واحدة(كما نقل لي العلي)، في حين كانت بعض قيادات الأحزاب العالمثالثية تقضي أشهراً أو اسابيعاً كل عام في منتجعاته، إضافة الى زيارات شبه دورية بحجة أو بسبب أو بدنهما! وهو الموضوع الذي له علاقة بالاستقلالية والولاء وتحمل المسؤولية.
وأعتقد أن تعامل السوفييت مع القياديين العالمثالثيين في أحزاب تعتمد على دعمهم شيء ومع القياديين الماركسيين الاوروبيين شيء آخر. جدير بالذكر أن كاريلو أبلغ صلاح عمر العلي بأنه أول سفير من دول العالم الثالث يزوره في مكتبه بعد عودته من المنفى.
أعتقد أن أممية جديدة في طورها الى التأسيس بعيدة عن مفاهيم التابع والمتبوع وصيغ الإذعان و"الرفيق الأكبر" و"الأصغر" والتدخل بالشؤون الداخلية، بل أساسها الاستقلالية والاحترام المتبادل والتضامن الاممي والاجتهاد والتنوع في تطبيق الماركسية النقدية، غير الأرثوذكسية أو الماركسية المحنّطة، والتي تحوّل بعضها الى مجرد محفوظات أو شعارات.
وإذا كانت الأممية الاشتراكية قد حلّت محل الأممية القائمة، لاسيما بعد نشوء كتلة البلدان الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية، متخذة من التضامن والتعاون والتكامل أساساً فيما بينهما، ومع حركة التحرر الوطني، أنظمة ناشئة أو حركات وتيارات متطلعة الى الاستقلال وبالضد من المنظومة الرأسمالية، الاّ انها في الواقع العملي خصصت لسلطة المركز الأممي وأصبحت تدور في فلكه على حساب شعوب وتطلعات الدول الاشتراكية ودول التحرر الوطني، وهو ما ساعد على خلق ظروف جديدة أسهمت في تفككها، لا سيما شحة فرص الحريات والاخفاقات الاقتصادية من مواكبة التقدم العالمي وبيروقراطية الدولة وإداريتها المركزية الصارمة وأخطاء التطبيقات الاشتراكية وغيرها.
· ولكن ماذا قدمت الأمميات السابقة، لتستشرف أممية رابعة جديدة؟
تأسست الأممية الأولى عام 1864 ولم تكن هذه الأممية من صنع ماركس، وقد انضم اليها وأصبح عضواً في مجلسها العام. وكانت هذه تركيبة الاممية الأولى تتنازع عدد من التيارات:
1- البرودونية- الاصلاحية
2- البلانكية- الثورية
3- الباكونينية – الفوضوية
4- الماركسية- الجدلية
وقد حصل الانقسام في صفوفها عام 1873، بعدها تولى ماركس قيادة الحركية التنظيمية، المستندة الى المنهج الجدلي والاشتراكية العلمية.
وانتقل (المركز) الى نيويورك، ثم أعلنت عن حل نفسها عام 1876.
أما الأممية الثانية- فقد تأسست عام 1889 على أساس فيدرالي، أي حفاظ الأحزاب على استقلاليتها، وتنسيق جهودها، وعبأت عشرات الملايين من العمال، وكوّنت مكتباً لها عام 1891، وأصبحت اكثر حيوية في مطلع القرن العشرين، خصوصاً بعد تخلّصها من الاتجاهات الفوضوية داخل صفوفها والالتزام بالمنهج الماركسي- الجدلي.
وقدمت عدداً من الأطروحات أهمها:
1- الإعداد للثورات الاشتراكية (لاسيما وأن الجدل كان يدور حول البلدان الصناعية المتقدمة). واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن ظروف الحرب لتعبئة العمال للثورة من جهة، ومن جهة أخرى مواصلة النضال في الوقت نفسه لدرء نشوب الحرب (صيغة قرار أعدّه لينين ومارتوف وروزا لكسمبورغ عام 1907 في مؤتمر الأممية شتوتغارت- ألمانيا) .
2- الدعوة الى انشاء محاكم دولية لحل النزاعات بين الأمم.
3- تخفيض السلاح تمهيداً لنزعه.
4- تحريم الدبلوماسية السرية.
5- تأمين مسؤولية برلمانية في سائر قضايا السياسة الخارجية.
لكن الأممية الثانية انفجرت من داخلها بعد بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914، واشتد الخلاف في أوساطها عام 1915 (مؤتمر زمرفالد) بين مجموعة مناهضي الحرب وفي مقدمتهم لينين الذين يدعون الى وقفها فوراً، ويطالبون بمفاوضات سلمية دون ضم أو إلحاق أو فرض تعويضات، والسعي لوضع مبادئ الأممية وتكتيكاتها موضع التطبيق، لاسيما تحويل الحرب الامبريالية الى حرب ضد الحكومات من أجل الثورة الاشتراكية، وبين مجموعة أيّدت حكوماتها من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وهو الذي أدى الى الطلاق بينها وبين الاتجاه الأول.
وقد قاد ذلك الى الانشقاق، لتأسيس الأممية الثالثة " الكومنترن" عام 1919 بقيادة لينين بعد ثورة اكتوبر، واستمرت هذه حتى العام 1943 وعقدت عدداً من المؤتمرات، وزادت من التباعد الحاصل مع الاشتراكيين الديمقراطيين، لاسيما نزعتهم القومية بتأييد حكوماتهم في الحرب. وكان لينين قد كتب عشية الثورة وخلال الحرب كتابه الشهير " الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي" الذي ردّ فيه على كاوتسكي مثلما ردّ على مارتوف حول "عدم نضج روسيا للثورة الاشتراكية " ووصفهم بأقذع الأوصاف بالقول " مملكة الأممية قولاً، ومملكة الانتهازية فعلاً" معتبراً هذا الاتجاه استنفذ مرحلته 1871-1914 ( من كومونة باريس وحتى الحرب العالمية الاولى) داعياً الى القطيعة معه، مستبدلاً اسم الحزب من الاشتراكي الديمقراطي الى الحزب الشيوعي، لاسيما وقد شوّه هؤلاء مقولة ماركس الواردة في البيان الشيوعي " ليس للعمال وطن" من خلال دفاعهم عن حكوماتهم الرجعية تحت شعار " الدفاع عن الوطن" وكان حينها يردد: "آن لنا أن نخلع قميصنا الوسخ"! داعياً الى استثمار ظروف الحرب وإعلان الحرب الأهلية الطبقية ضد الحكومات البرجوازية.
لكن الأممية الثالثة التي بشّر بها لينين تحولت الى أوامرية بيروقراطية مركزية، لاسيما بإخضاع مصالح الطبقة العاملة العالمية لمصالح الدولة السوفيتية، التي تحكّمت فيها قيادة مستبدة قدّمت مصالحها الأنانية على مصالح الجميع من خلال تعظيمها المفرط لنفسها، واضطرار " القيادات" الأخرى الى تقديم الولاء والطاعة لها أو النبذ والاتهام، وبدلاً من أن تصبح " الأممية الاشتراكية" نموذجاً يتم التطلع اليه للعلاقات الأممية، لاسيما بعد انشاء المنظومة الاشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا بها تضع مصالح الدولة العظمى قبل مصالح الكادحين وشعوبهم، في علاقات غير متكافئة وتقوم على التسلط والهيمنة.
* ثلاثية ماركس الأثيرة!
· هل تعد نفسك امتداداً لماركسية ما قبل ثورة اكتوبر أم انقطاعاً مع ماركسية الانهيار السوفيتي؟
أجد نفسي أميل الى ماركسية ماركس ما بعد البيان الشيوعي عام (1848)، ويتراءى لي أن ماركس كان أقرب الى الماركسية في ثلاثيته الأثيرة: الصراع الطبقي في فرنسا 1850 الثامن عشر من برومير " لويس بونابرت "1952 والحرب الأهلية في فرنسا، وهذه الثلاثية من المؤلفات كتبت ما بعد عام 1848، ولعلها من أكثر كتب ماركس نفاذاً وتأثيراً، أسلوباً ومضموناً، في إثراء مضمون الماركسية ما بعد المانفيستو" البيان الشيوعي"، وما قبل ماركسية رأس المال 1867.
لهذا اعتبر ماركسية ما بعد ثورة اكتوبر هي نوع من تقنين وقولبة للماركسية، حيث تحوّلت بسرعة غير عادية الى شيء أقرب الى اللاهوت، انفصلت عن الماركسية الرحبة، التي تضم بين جنباتها عوالم متنوعة وأطروحات غزيرة (معرفية وفلسفية وانسانية) بتحويلها الى ماركسية مقننة سائرة ومأسورة بأجهزة الدولة وتميل مع سياطها ومتطلباتها.
كان متوقعاً أن تنتهي الماركسية الرسمية ويجف معينها، لأنها ابتعدت عن الماركسية الفلسفية وروحها النقدية وأطروحاتها الوضعية الجدلية، وتحوّلت الى ماركسية بيروقراطية غير مبالية بمنهج النقد الوضعي أو الماركسية الوضعية، الأمر الذي لم يعد بالإمكان الابقاء عليها دون جهاز الدولة القمعي وذيوله في التجارب غير الماركسية.
ولا يمكن تصور استمرار الماركسية الرسمية دون محاصرة ودحر للاتجاهات النقدية الوضعية، وادعاء تحقيق انتصارات ستكون "أشد عاراً من الهزائم" ذاتها على حد تعبير ماركس، ولهذا كلما تعمقت في قراءة تلك الماركسية، كلما شعرت باغتراب عنها، لاسيما مقارنتها بـ " الماركسية الفلسفية النقدية على الصعيد الفكري"، الأمر يستوجب مراجعة مسيرة ما سمي بـ "الانتصار الثوري" للماركسية على الصعيد السياسي، لكشف تجربتها المشوّهة الخدّجية ومباهاتها بسلاحها الخلّبي.
لقد اتاح انهيار التجربة السوفياتية لبعض الماركسيين أن يستعيدوا عقولهم، فقد كانت " العقول معتقلة " على حد تعبير الشاعر أدونيس، وأعتقد أنها فرصة مناسبة لأن ينفض بعض الماركسيين الذين يتمنون الوصول الى الحقيقة غبار الزمن عن أكتافهم، ويسمحوا للعقل أن يتحرر وأن ينطلق، لا لكي يعود بهم للماركسية السلفية " النقية"، كما يعتقدون، بل لينطلقوا نحو ماركسية جديدة، هي ماركسية ما بعد الحداثة وقدراتها على استشراف الدروس المعرفية الجديدة، والانساق والتحوّلات والتسارعات الحادثة في قلب العالم والمتحركة في خطاباته وتطلعاته ورؤاه .
* كيف نقرأ ماركس والماركسية!؟
· هل الوضعية التي تنادي بها تشبه القول بأن الوضع الإنساني في تجربته الحياتية، هو الموقف المباشر من العالم، بغض النظر عن حتميات مقررة أو جهويات مسبقة، إذا ما استعرنا مفردة ميشيل سير؟ وهل الوضعية هي الجانب المتحرك من الماركسية الثابتة أم هي استنباط (ميثودولوجي –علم المناهج) مما أهمله الماركسيون من ماركسيتهم؟
أنا اعتقد أن الماركسية " ثابتة" ليس بمعناها السكوني، بل في الأداة والوسيلة و"متغيرة" في الغاية، لأنها تحلل وتفسّر التطورات التي تجري في العالم، وبالطبع فإن هدفها كفلسفة هو ان تسعى الى تغيير ما هو ثابت، ولكن ثباتها ليس "مطلقاً " وإنما نسبياً وهو " تثبيت " المفاهيم القائمة على التغيير، مستفيدة من قدرات المنهج وأدوات التحليل ومن نظريات العلوم وحتى من الاحصاءات والاستبيانات والارقام وغيرها، من بنيات وأنساق وأبيستومولوجيات المعرفة المتحركة الحدثية والراهنة.
إن الوضعية النقدية لا تؤمن بالوجود التاريخي للحقيقة الواحدة او الحضور المُسبق لما صار معلوماً، فإذا كان ماركس قد قرأ وحلل وفكر واستنتج، فذلك داخل وضعية تاريخية معينة، وإن ما وصل اليه من كشوفات معرفية اسفرت عن اشتراكيته العلمية، سيكون قابلاً للإثراء ضمن قراءات وضعية جديدة بشرط أن تكون قراءات نقدية فاعلة ومجدية وقابلة للنقد من الداخل هي الأخرى.
أنا أؤمن بالحقيقة العلمية بمساعدة الماركسية، ولن يكون ماركس مهماً لأنه امتلك النظرية، بل لأنه توصل اليها، ولعل ما توصل اليه ماركس لن يكون هو الحقيقة الوحيدة أو الفكرة النهائية لما توصل اليه هو، وذلك لأننا اكتفينا بالقراءة الماركسية التي توصل اليها ماركس، ولم نستمر نحن بدورنا تطبيق قراءة ماركسية على ماركس، وهكذا كان الأجدر بنا قراءة المنهج الذي قرأ في ضوئه ماركس ماركسيته، وليس الاكتفاء بماركس وتحنيطه وترك ماركسيته جانباً.
كانت الماركسية ثورة على الآيديولوجية فتحولت لدينا الى معتقد آيديولوجي محدد ومغلق.
* " التخالق" والمعرفة
· وأنا أصغي اليك أرى بأنك تريد توليد الماركسية باستمرار من داخل ماركس أولاً، وبمعيته ثانياً، والآن ما هي العناصر الأساسية للنقدية الماركسية الجديدة هذا من جهة؟ هل تريد اقتراح سوسيولوجيا ثقافية للفهم الماركسي النقدي؟ ثم هل ترغب بماركسية غير قابلة للتحقيق من أجل ديمومتها المعرفية؟
إن نجاح أي نظرية حسب أنجلز يكمن في مدى سيرها في خط متوازي وليس متطابق مع تطبيقاتها، لذلك كلما اقترب سقف النظرية من قاعدتها، كلما كان هناك مؤشراُ على نجاحها أو على صواب أو صحة استنتاجاتها، أما التطابق بين التعاليم النظرية وبين التطبيق، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً! وكان الأحرى بنا أن نتحدث عن " تخالق" بين النظرية والتطبيق، فلا يوجد حد نهائي يفصل بين تمثّلات النظرية ومعطيات التجربة.
والتخالق هو ممارسة معرفية تعتمد على التجربة (Praxis) واحتواء فوضاها، وهذا يعني تأمل العمل في لحظة صيرورته وشروعه وحدوثه وتطوره فيما بعد. والبراكسيس هو الفعل الخلاّق، هو بدوره تخالق، باعتماده على نفسه وعلى النفي (النقض)، وهو ما يماثل فكرة التوسط في نظرية المعرفة.
بما أنني أنظر للماركسية كمنهج للتحليل النقدي (السوسيو – ثقافي) فإني أخالفها في أن تكون آيدلوجية(أي مجموعة نسقية مغلقة من الأفكار)، أي أني لا أريد أن تكون عقيدة، لأن هناك من سيتعبّد في محرابها، وتنتهي عنده الى أن تكون قشوراً، مثلما وصف ماركس " الايديولوجية الالمانية " في كتابه المهم المعروف بهذا الاسم (1845) بأنها "الوعي الزائف" في معارضة لمفهوم هيغل الموسوم "بالوعي الشقي" عندما تكون الايديولوجية متسقة جداً، فإنها تصبح وعياً زائفاً لا يعكس الصراع الداخلي ولا يعرض لنا الأضداد.
وإذا ما عدنا الى الدكتور عبدالله العروي لنستعير منه مصطلح " الآدلوجة"، وهي مختصر للمحفوظة الايديولوجية أو الشعار الآيديولوجي، ولكن إذا ما أردنا أن نتحدث عن علم الأفكار فالأمر سيتخذ شكلاً آخر، وهو لا يتوقف على آيديولوجيا دون سواها، فالمعرفة هي تاريخ الافكار بمجملها وما يميّز المعرفة المعاصرة عن سواها، هو الوقوف في وضعية تاريخية معيّنة، وهو وقوف ثقافي سسيولوجي أكثر منه تاريخياً! وقد عملت على استعراض المدارس الفكرية المختلفة بشأن الآيديولوجيا والصراع الآيديولوجي الدولي، في كتاب صدر في اللاذقية قبل ربع قرن.
إن الوضعية النقدية هي ليست مفهوماً تجريبياً كما هو الحال في النقدية التجريبية القديمة، التي تعرّض لها لينين في كتابه " المادية ومذهب النقد التجريبي"، وهو أكثر كتبه إثارة للجدل، لأنه ببساطة قدمت هذه النقدية نظرات خادعة وساذجة في استخدام الفيزياء وتطبيقها عسفاً على الفلسفة، كما نجدها عند ماخ وايفاناريوس وغيره من النقديين مطلع القرن العشرين.
البداية من الواقع، فماذا يتطلب الواقع؟ انه يتطلب المعرفة من خلال المشاهدة والمعاينة وتحليل الظواهر المعقدة، والمركبة، وفي ضوء ذلك نستنبط مجموعة أحكام نظرية في ضوء المنهج، لا كما يفعل البعض حين يحوّل المقولات الى بعد سرمدي أو تاريخاني لا جدال فيه ، بينما المطلوب تفكيك ما هو مركب وتجزئة ما هو مكوّن، وعلينا ألاّ نستهين بهذه المدوّنة المكوّنة من اللغة والتجربة والتأمل باعتباره انعكاساً شرطياً لبعضها البعض، وهناك تداخل – رابوط شرطي" (اللغة ¬ التجربة ¬ التأمل).
الموضوعانية: هي التي تخلق العلائق المذكورة في أعلاه، وتتخلق بها ومن خلالها يكون هناك مثلا: موضوع لغة، موضوع تجربة وموضوع تأمل، فالموضوعانية هي مجموعة من العلاقات التي تتوسطنا ونتوسطها ولا يوجد عالم قبلي أو بعدي، ماهية أولى أو وجود يسبقها أو يخلّفها، فهناك موضوع ماهية، موضوع نسق، موضوع قبلي، موضوع بعدي، فحيثما يكون الوعي النقدي تصحح الوضعية موضوعاتها، الاّ أن الآيديولوجية بهذا المنظور الجديد هي خلاصة "ازدواجيات" و"عثرات" و"علاقات" سائبة، ولن تكون الافكار ممكنة دونما نقص جوهري في إدامتها.
ماذا يحدث لو كان ماركس مَفهَمَ (أي قدّمه كمفهوم) كل شيء أو قال فيه، فلن يحدث شيء بعد ذلك مثلما اختلف الناس بعد موت النبي محمد، حينها خرج ابو بكر على الناس ليقول قولته الشهيرة " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" وهكذا فإن من كان "يعبد" ماركساً فإن ماركساً قد مات، إلاّ أن الماركسية قابلة وقادرة على التجديد والتطور، وبالتالي تملك قدرة على الانفتاح على ما هو جديد ومختلف ومغاير، كما هي قادرة على نبذ ما علق بها من ترهات حوّلتها الى قوالب جامدة.
إن الوعي الزائف يتصوّر الفهم (مقدرة كلية)، بينما الفهم هو محاولة انسانية ناقصة ومشبعة بالمحاولة .
إن الوضعانية قائمة على نظام تقابلات وتوترات وتناقضات وهي خلاصات ومشروعات لخلاصات تقيمها (عمليه معرفية انتاجية) تتحرك وفقاً لعناصر :
1- اللغة- كوسيلة للتعبير
2- التجربة- كوسيلة للفهم
3- التأمل – كوسيلة للإجراء النقدي.
ولا يقوم العالم على مفاهيم جاهزة، بل على إجراءات ضمنية والوضعية- النقدية هي تطبيق للإجراء وخوض بالتجريبية المتنامية في " العلم والعمل"، والعلم هو عملية الفهم نفسها متبلورة في قوانين بينما العمل هو تجريب الفهم وهو قائم على " الخطأ" و"الصواب".
ويساعد القانون الوضعي الفهم أثناء العمل، وهي نظرية تقول بأن العالم هو "إنتاج انساني" وأن عملية الانتاج تتطلب منهجاً علمياً، في مقابل ما هو عشوائي أو " كايوس"Chaos فالوضعية النقدية هي الجزء المغيّب من الماركسية.
لقد اختصرت الماركسية " كآيديولوجيا " الى الجانب الثوري منها، واعتبرت ان مجرد الصراع الطبقي والبيان الشيوعي – وذوبان الدولة وتحقيق المجتمع العادل حسب تصوّرات من رسموا الماركسية بطبيعتها الرسمية(المطبقة)، وباختصار لقد ارتدّت الماركسية بعد ماركس وتحوّلت من وضعية نقدية الى مفهومية نسقية متعالية، وصارت بدورها دوغما- بينما كانت على عهد ماركس – نقدية خلاقة وبراكسيس فعال.
كان ماركس وضعياً في الثالوث العبقري " الصراع الطبقي في فرنسا " و "18 من برومير لويس بونابرت" و" الحرب الأهلية في فرنسا" وكان وضعياً نقدياً في " نقد الاقتصاد السياسي " و" نقد برنامج غوتا " و" نقد الدين" في المسألة اليهودية، وكان الأخير واحد من بحوثه ودراساته المبكرة، وكان أنجلز وضعياً نقدياً في (أنتي دوهرنغ ) وفي ديالكتيك الطبيعة وكان وضعياً نقدياً في كتابه " أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة"، وكذلك في بحوثه عن الفلاحين، وكان لينين وضعياً نقدياً في كتابه " المادية والنقد التجريبي" وكذلك في " الدفاتر الفلسفية"، لأن كل هذه المؤلفات المهمة كانت قائمة على القراءة الإجرائية والمعالجات التحليلية والنقودات المتقابلة والتحليل والتأويل والتعليل.
ولم تكن النظرية تسبق الإجراء كما لو كانت العربة تجري امام الحصان، وكان الوعي الجدلي مادياً بقدر عنايته بالأفكار والاشتباك معها، ولم تكن المادية مجردة من العملية الفكرية الانتاجية، وكان الفكر مادياً لأنه كان نقدياً ووضعياً، وليس صحيحاً أن نتصور ماركس بلا هيغل ولا هيغل بلا كانت. إن (الترابطية) مفهوم أساسي في التعامل مع معيار المعرفة، والتقدم مقولة تعني التعمق بالفهم والذهاب به نحو غاياته الانسانية.
كان ماركس يقول "إن البشرية تضع الأسئلة القادرة على الإجابة عليها" ونحن بدورنا نضع الفهم الذي يمكن لنا أن نسلكه، ونقيم الأسس التي نستطيع البناء عليها، وإذا ما أردنا فهم ماركس فعلينا أن نفهم " أسئلته" آنذاك، ونتعرف على إجراءاته الخاصة، ولا يمكن للغة أن تكون صحيحة في وضعيتين والموضوعانية ستساعدنا على فهم العالم كبنية ذات بعدين بنية فوقية، وأخرى تحتية، وقد ظلم هذا المفهوم وأهدر طويلاً، وصودر لصالح البنيوية، كما لو كان من كشوفاتها واختراعاتها الخاصة.
مثلما لا يمكن الجلوس على كرسيين أو ركب حصانين في آن واحد، فقد كان ماركس أول من أشار الى نهاية الفلسفة في كتابه "بؤس الفلسفة" في الرد على برودون وأول من قال "بالبُنية"، والبُنية نفسها عند ماركس تنشطر الى بنية فوقية هي: الايديولوجيا السائدة وبنية تحتية تتمحور حول الواقع الاقتصادي والعلاقات الانتاجية، وكان ماركس أول من قال بنهاية مفهوم الانسان بالمعنى الطبقي للمفردة وتحوّله في المستقبل الى أثمن راسمال، وهو أول من قال بـ"التقنية" و " العلم" ولفت انتباه العالم الى "العولمة" نفسها بمقولته عن "الترابطية" و" التداول الرأسمالي العالمي" في كتابه " رأس المال – الجزء الثالث"، وتحدث ماركس عن صراع الانسان المستمر ضد الطبيعة، أما الصراع الذي أكده ماركس كقانون فقد جاء "الماركسيون" ليثبتونه كقانون معلب ونهائي، لا ليكتشفوه كل مرة.
أحاول عبر الوضعية النقدية البحث عن القوانين مجدداً، فقد كان أدمون هيرسل يقول بالابوخيا (وضع العالم والمعرفة بين قوسين)، وأنا بدوري أريد "وضعنة" ما نعرفه ونختبره بعد وقبل فهمه كما أشرت في كتابي (الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية 1985)حيث درست الصراع الآيديولوجي في ضوء المصالح الدولية من أجل توضيح ما خلف ذلك، من أبعاد سياسية وفكرية وانسانية.
إن الوضعية النقدية تستثمر مفهوم " الصراع" داخل الانسان نفسه بوصف الانسان وجوداً- أنتاجياً-، فالانسان عملية انتاجية مستمرة وليس صورة ثابتة أو طبيعة انسانية. ورغم ان الكثير من المعطيات قد تغيّرت والكثير من المياه قد سارت تحت الجسور، بل ان الكثير من الاستنتاجات التي توصّلت اليها في حينها تجاوزها الزمن، الاّ أن المنهج الذي استخدمته في معالجة الظاهرة كان منهجاً وضعياً في ضوء الماركسية النقدية.
وقد أجريت النقد الذاتي على تجربتي الخاصة الفكرية منها والسياسية والتنظيمية، فبدأت بمراجعات بعض أطروحاتي وتدقيقها وتقليبها في ضوء المنهج الوضعي النقدي (الجدلي)، وتوقفت عند الكثير من محطات تجربتي السياسية بقراءتها نقدياً، لاسيما استمرار وجودي في الحزب الشيوعي دون قناعتي لفترة غير قصيرة، خصوصاً عدم انسجامي مع العديد من أطروحاته، كما توقفت عند تجربتي في قيادة الانشقاق عنه وتشكيل حركة المنبر وإصدار جريدة المنبر في حينها، ورغم أنها سعت لتقديم أطروحات ومساهمات جديدة انتقادية جريئة، لاسيما في القضايا السياسية المطروحة آنذاك، وبعض الارهاصات الاولية فكرياً، إلاّ انني لو استعدت التاريخ لقلت أن إحداث تغيير داخل الحركة الشيوعية لن يتم بأدوات عتيقة وبالية وقسم منها لا يقل سوءًا بما فيها ذبول الضمير مثل بعض الأوساط المتنفذة داخل القيادة الرسمية حينها، الأمر الذي اقتضى قوله علناً فالنقد شيء والاصطفاف شيء آخر.
كما أنني وإن كنت على قناعة تامة بضرورة الاطاحة بالنظام الدكتاتوري السابق، لاسيما توحيد المعارضة أو تجميعها في إطار موحد، لكن الاداة التي انبثقت عن مؤتمر فيينا- صلاح الدين (1992) لم تكن هي المؤهلة لذلك، وكان عليّ عدم خوض الصراع من داخلها كما اعتقدت خطأ، لعدم توازن القوى، فضلاً عن أساليبها الجهنمية وعلاقاتها بالاجهزة والقوى الخارجية، الأمر الذي دفعني لاعلان وجهات نظري علناً وتقديم مطالعات متعارضة مع ما هو سائد، لاسيما فيما يتعلق بالحصار الدولي وقرارات مجلس الأمن المجحفة والمذلة، وترسيم الحدود والرهان على العنصر الأجنبي وغيرها (طيلة العام 1993) ومن ثم إعلان انسحابي بعد أن تأكد لي عدم جدوى الاستمرار في الصراع، الامر سبب إحراجاً للقوى والشخصيات التي ظلّت تعمل معه، وإن كانت قد انسحبت الواحدة بعد الأخرى خلال العامين التاليين لكنها بصوت خافت وأحياناً بلا صوت مسموع، وعادت والتقت بعد سنوات ولكن هذه المرّة على قاعدة الاحتلال.
وإذا كنت أريد قراءة هذه الفترة فيمكنني القول أن حفاظي على استقلاليتي وحقي في التعبير هما أمران ضروريان، تمسكت بخيارهما الى النهاية، وهما دليلان ومؤشران مهمان سعيت وأسعى للتمسك بهما، خصوصاً منذ حسمي مسألة الصراع داخل الحركة الشيوعية، وفي أي إطار فكري أو سياسي أو ثقافي أو اعلامي تعاطيت معه.
ولعل هذا المفصل من التجربة يحتاج الى نقد خاص وهو ما سيجد طريقه بأقرب فرصة قادمة، لاسيما في سياقاته التاريخية وجوانبه المعرفية وعناصره المعلوماتية، فضلاً عن إعادة قراءته موضوعياً في ضوء المنهج الوضعي النقدي.
كان فرويد قد أجرى تحليلاً لأحلامه الشخصية، بقصد معرفة صلاحية نظريته الخاصة عن الاحلام عبر ذاته أولاً، أي أنه اختبر ذاته وقام بنقدها لاكتشاف ما وراء أحلامه، وكانت قراءتي الانتقادية – قد عرّضتني للنقد الشديد من قبل آخرين، لا يريدون أن يصدقوا أن الماركسية بحاجة الى فهم ذاتي، كما هي صالحة للقراءة الموضوعية،وكذلك لأسباب تتعلق بعدم قدرتهم على تقديم مثل هذه القراءة، أما لعجز فكري أو عدم تأهيل أو افتقاد الى الجرأة أو سعي لاخفاء العيوب والمثالب أو رغبة في تمجيد الذات أو تكون قد أخذتهم العزّة بالاثم!!
إن الآيديولوجيا البرجوازية تقدم مفاهيم " للنهايات" من أجل ديمومتها، فنهاية الفلسفة ونهاية الآيديولوجيا ونهاية التاريخ ونهاية الانسان، ونهاية الكون، لكنها لا تتحدث عن نهاية الرأسمالية أو نهاية المجتمع الطبقي أو نهاية الازمات الانسانية، وهذه هي صورة " الوعي الزائف في العالم المعاصر"!!
إن القول بالوضعية النقدية هو إعادة اكتشاف عناصر الصراع داخل العالم الراهن، وذلك في ضوء فحص آليات تجريبية أو افتراضية وتقديم مفاهيم جديدة كتجسير العلاقات، ونظرية التآكل الاشتراكي من الداخل، ونظرية التلاقي، ونظرية تساوي البعد بين " المعسكرين" ونظرية النمو الاقتصادي لروستو، وهي مفاهيم تناولتها في كتاب الصراع الآيديولوجي وغيرها.
لا يقبل البعض الفهم النقدي للماركسية، أي نقد الماركسية بالماركسية، كما لو أنك تكتب عن نقد القرآن بقرآن جديد، ولا يمكن " للماركسيين"، لاسيما من أصيب بالتكلس أن يتصوروا أن النقد الجدلي الماركسي ما زال حياً بعد ماركس.
الوضعية النقدية تؤمن بأن ماركس ساهم بمحاولة اجرائية مرهونة بظروف ماركس الشخصية من جهة، ومدى محاولاته في القراءة والتنقيب من جهة أخرى، ولم يكن ماركس ملقناً أو مرّوجاً دعائياً، بل باحثاً ومفكراً انسانياً كبيراً، لكنه يخطئ ويصيب أيضاً مثل كل البشر، وإن كان قد تمتع بقدرات فكرية هائلة وموهبة متميّزة ونادرة!!
القسم الثاني
حـــــوارات بيــــروت
أصوات الحوار وديناميته
بقي مشروع الحوارات التي أجريتها مع عبد الحسين شعبان في القاهرة في واقع الحال متعطشاً ويحتاج الى المزيد، لسد فضولي وربما فضول القرّاء حول " النقد الماركسي للماركسية" الذي طرحه، ولاملاء بعض الفراغات المهمة وفحص وتدقيق بعض المفاهيم والاشكاليات من جهة أخرى، فما كان مني سوى أن أقرر السفر الى بيروت جاداً في استكمال ما بدأت به معه في القاهرة وكان لي ما أردت.
وفي بيروت فتحت اوراق حواراتي واسئلتي الضاجة المتطلعة لمعرفة المزيد والراغبة في التفتيش عن ثنايا منهج فكري يعتمده شعبان ويشتغل على أساسه، وهو ما أراه على صعيد المراجعة والنقد والفهم.
وكان لحوارات بيروت نكهة أخرى رغم انها استكمال وإضافات الى حوارات القاهرة ولياليها الساهرة العنيدة، حيث كان الوقت يمرّ سريعاً، والاسئلة تمتد وتتكثر، ولا يكاد الوقت الراكض يكفي في الاجابات او في الردود التي تهدف الى تصحيح وجهات نظر أو فك إلتباس أو الرجوع الى مصدريات بعينها، وكان شعبان في كل ذلك متسامحاً ومنفتحاً على غيره، غير ميّال الى الضغينة أو الاختلاف السلبي، وإن بدا عنيداً ومدافعاً صلباً عن وجهات نظره وأطروحاته.
بسطت أوراقي على طاولة انيقة في الشرفة الصغيرة المتواضعة، في الطابق السادس حيث تتطلع الى البحر الرائع في بيروت، وتستمد من صفائه وهدوئه أعصاباً هادئة، كم كنت بحاجة اليها؟ الحوارات جرت في مكتب شعبان وهو في الوقت نفسه بيته ومستقره المهجري، وبعضها الاخر توّزع على جلسات متفرقة في مقهى (ستي كافيه) ومقهى (براغ ) ومقاهي (زحلة ) وغيرها، ولعلني كنت راغباً في استثارته من خلال بعض جوانب الارتباط والاختلاف مع وضد تيارات فكر مابعد الحداثة، فكان السؤال أولاً عن :
1- ما بعد الحداثة !
· هل يمكن لنا اعتبار الوضعية النقدية تصدّياً لأفكار الحداثة وما بعدها، الرامية الى التنصل عن التاريخ ومفعوله الكلاسيكي في احتواء الوجود الانساني والتدليل عليه ؟
- لا بدّ من معرفة ان الفكر هو نفسه تاريخ، انه قبل كل شئ ما نفكّر فيه ومن خلاله وحوله، ولعل ما يشكّل التاريخ هو الفكر بنوعيه الأول هو ما أطلق عليه ماركس الوعي الزائف الذي يصدر هو بدوره عن اسئلة زائفة، وباستنتاجات غير جديرة بالثقة، والفكر الاخر أو النوع الاخر من الفكر الذي نطلق عليه بالفكر النقدي، وهو ما جاءت بعض الفلسفات الكلاسيكية والمعاصرة، لإستكماله ضمن منظومة من الادوات المتفاوتة، منذ نقدية كانت المحافظة، مروراً بنقدية نيتشة الهدّامة، ونقدية هيرسل وهيدجر الخاليتان من العمق السببي أو الاتجاه التاريخي، وكذلك نقدية سارتر " الطفولية" عن الماركسية، وما نجم عنها من نقد العقل الجدلي، ثم نقدية فلاسفة التحليل مثل كارناب وماير وبعدهما البنيويون، في نقديتهم التراجعية السكونية، الى يومنا هذا .
الان ما نود الاجابة عنه بدقة، هو أن التاريخ ليس هو الحقيقة، حتى وان دلّ عليها هنا وهناك، أو في حادثات متفرقة، وذلك لأن التاريخ ليس هو خطاب المؤرخ أو مجموع كتاباته كما يذهب البعض الى ذلك خطأًً، بل التاريخ هو ما يشكّل وضعيتنا الانسانية برمتها، وهو حركة الافعال البشرية المادية منها والرمزية، انه فعل انساني داخل تشكيلة من عملية انتاجية لايوجد فيها ما يمكن اهماله أو التغاضي عنه.
لعل ما يحسب على التاريخ هو الشاغل الجدلي الذي ينطوي عليه، وهو الشاغل الذي يشدّ عملياته باستمرار ويكوّن الجدل، وهو " تاريخ التاريخ " وغالبا ما يكون مخفياً أو مندساً داخل علاقات فوضوية غير جهوية بعد، وهو التاريخ المظلل والوعي الزائف الذي أكد علية ماركس وانجلز في "الايدولوجية الالمانية".
وفي نقد ماركس لفلسفة هيغل المثالية التأملية المجردة وفلسفة فيورباخ المادية " الناقصة" أشار الى أن غاية التاريخ هي تحقيق الانساني، تحقيقاً كاملاً، ولن يتم ذلك الاّ بالشيوعية، التي اعتبرها الأعلى والأكمل من أشكال الحياة البشرية، المشتركة، المؤسسة على قدرة بشرية عظيمة، يكون الانسان قد بلغها، وعلى ثروة وغنى ماديين ومعنويين. وبهذا المعنى قصد ماركس، وإن كان بطوباوية: عودة الانسان الى ذاته، بوصفه انساناً اجتماعياً، عودة كاملة وتامة وواعية، وكل ذلك عشية اكتمال ماركسية ماركس " المادية التاريخية " التي احتواها عمل ماركس وانجلز المشترك انطلاقاً من مخطوطة عام 1844.
ورغم حلم ماركس الكبير، فالطبيعة البشرية على مرّ العصور والتاريخ منذ بدء الخليقة سارت باتجاه آخر، وإن ظلّت الافكار الحالمة " مطمحاً " يُؤثر البشر وجوده، ولكنهم لا يصلون اليه البتة، وان اقتربوا منه "بأنسنة الانسان" وإلغاء الاستغلال وتوزيع الثروة على نحو عادل في فضاء الحرية الرحب، لكن في النهاية تتوالد وتتخالق، أنواع جديدة من التمييز أو الاستغلال، ويستمر الصراع الأزلي بين الخير والشر، وإن كان الأمر بشكل نسبي!!
* التاريخانية
· هل الفكر هو استجلاء للتاريخ؟ ألا تبدو تاريخانياً هنا حسبما يقول فوكو؟ هل الجدلية تاريخية أصلاً ؟
ان كلام فوكو لن يكون صحيحاً دونما منطلق تاريخي يعززه ويتحرك عليه، من نحن وأين نقف ولماذا لم نعد نحن كما نحن ؟
تلك أسئلة إتصالية أو هي انقطاعات على متون تاريخية طويلة او قصيرة الامد ،كان فوكو مؤرخاً مشوشاً وهو يمشي بمعية النسق ويدع النسق يقوده الى مايشاء النسق لا ما يشاء فوكو، بينما ماركس كان يقرأ على الانساق والبنى الفكرية بحثا عن الارادة الانسانية والموجّه التاريخي.
ترى كيف نفرق بين نسق فوكو ونسق سارتر او نسق هيغل او كانت ؟ ان التاريخ هو نسق الفكر.
· كل الفكر حتى ذلك المضاد –للتاريخية ؟
لا يوجد فكر مضاد للتاريخية، الاّ بتاريخية اخرى ،او اذا كنت تقصد مذهب اللاتاريخية في الفكر المابعد حداثي، وهو مذهب شبه كانتي (نسبة الى عمانوئيل كانت) فانه يؤمن بان العالم في تظاهراته وتمظهراته، هو نوع من التبادل التصوّري القائم على اتحاد التصوّرات أو تجاذبها عن بعد أو عن قرب، ولعليّ كنت استغرب كيف تعود الكانتية الى الظهور مرة أخرى بهذه الصيغة الهزلية، واتذكر مقولة كارل ماركس الشهيرة " لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه، وإذا ما حصل ذلك، ففي المرة الأولى سيكون على شكل مأساة وفي المرة الثانية على شكل ملهاة أو مهزلة".
لقد اعتبر ماركس بإقتفاء اثر حضور فيورباخ ان الانسان هو جوهر كل نشاط انساني، وكل علاقة انسانية وقاعدتهما، وهو بالتالي جوهر كل نظرية، ولكون الانسان يملك تاريخاً، فإن تاريخ الانحراف عن الجوهر البشري، هو أيضاً تاريخ، لذلك يمكنني الإضافة هنا: " أن الانسان هو المقياس لكل شيء" حسب الفيلسوف الاغريقي بروتوغراس.
· وهل فكر ما بعد الحداثة بهذا السوء ؟
لست ميّالا الى الاحكام الجازمة لاسيما القطعية منها، ولا أتعامل مع الأفكار والفلسفات بهذه الطريقة، بل أميل الى الاستفهام بطرح الاسئلة، وهو ما أرمي اليه، ومع "اللا التاريخية" يصبح العالم بنظر البعض نوعا من الكايوس (الفوضى)، وهو ما كان يعتقد من قبل عند الفوضويين الاوائل، الذين لم يكن الوعي التاريخي عندهم شرطاً لكل معرفة، بل هو نوع من كل نوع متاح أو قادر على تناوله بتلقائية أو بكسل معرفي؟!
كانت المعرفة هي العالم وما كتاب " الايدولوجية الالمانية" عند ماركس وانجلز سوى محاولة لفهم الافكار في ضوء قانون معين أو موجّه معين، وكان الجدل أو الديالكتيك هو اكتشاف انتظام معين في هذا الكل من فوضى الافكار الظاهرة للعيان.
ان الجدل هو نقد الانساق والغوص حتى الأعماق لمعرفة ما في داخلها من شوائب ومن قصورات ذهنية، بل وحتى من ألمعيات ومن ثراء ومن أصالة .
ان عدداً كبيراً من الماركسين لمابعد ماركس يعتقدون بأن نقد ماركس لهيغل وريكاردو وآدم سميث ونقد الاقتصاد السياسي ونقد فويرباخ ونقد ويتلنغ ونقد برنامج غوتا وغيرهم، هو نقد نهائي، أو ذلك النقد الذي يكون قد وضع (حداً) او فاصلاً عالياً وسوراً مانعاً وشرعياً لإبطال العودة اليهم، وإن اعادة قراءة هيغل بحجة ان ذلك سيكون ارتداداً أو نوعاً من القراءة التراجعية، وهذا باعتقادي هو السبب في النضوب الفلسفي للماركسية السائدة. لقد ابتدأت الماركسية مع ماركس حيوية، لكنها حين تنتهي اليه ستكون مستكينة، لاسيما إذا توقفت عنده.
وقد حاول سارتر وهو المعروف بنقده الدائم للماركسية ان يكرّس فائض وقته ويتبرع بنقد العقل الجدلي، وهو كتاب مهم لم يُقرأ جيدا في العالم العربي، ولا أذكر بأنه ترجم أسوة بنصوص سارتر الاخرى ذات الطابع الاخلاقي-او الدعائي، ان يقوم سارتر وهو مفكر اشكالي، ولعل من سوء حظه، انه أُختصر الى مجرد مفكر وجودي، ولكنه تدارك نفسه وعرف بان ماركسية جديدة معاصرة ممكنة جداً، بل وضرورية جداً، وهذا ما جعله يضيق ذرعا بوجوديته البسيطة الشائعة ويثور عليها، وهو الذي قال " ان الوجودية مجرد نظرية طفيلية على الماركسية ".
* ماركسية جديدة!
· هل تريد أنت شخصياً ان تصنع ماركسية اخرى مغايرة لماركس ؟ هل تريد القول بأن ماركسية القرن العشرين كانت متطفلة على الماركسية ؟!
أتمنى أن نصل الى ماركسية جديدة تنسجم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، لاسيما ما بعد العولمة وفي ظل ثورة الاتصالات والمعلومات والانفجار العلمي والتقني، وأعترف بأنك تقرأ بعض افكاري أو ما أفكر في أن نصل اليه أو ما أتمناه! لو كان ماركس حياً لصار ماركسيا ضد ماركسيته السائدة او بالتعديل عليها، فماركس هو القائل " كل ما اعرفه هو انني لست ماركسياً "، عندما خاطبه برودون: انتم الماركسيون في محاولة لتأطير نسق التفكير الماركسي آنذاك، فما كان من ماركس الاّ أن ينفي ذلك بشدّة، ونحن نفهم اليوم ذلك، لا باعتباره مجرد كلام عابر او غير مقصود كفاية، وانما كان جواباً جدّياً، ما يكفي مفكر مثل ماركس لان يعيش حياة التشرد كلها من اجل فكرة، واذا كنت ماركسيا في المنهج لحد الان، فذلك فقط لأنني ما زلت أعرف بأن الماركسية لم تمارس بعد؟!
انها ماركسية من تأثر بالماركسية، دون الشك الضروري بها، وهي ماركسية أقرب الى روجيه غارودي وليست ماركسية ألتوسير .
· الى أي حد يمكن لنا اجتراح ماركسية متحوّلة وناشطة في ظل العصر النووي والتجزيئي العامل اليوم بمعية أوهام لا تقول بالمشروعية الفلسفية ولاتطيق النظر فيها؟
ليس بالضرورة ان العصر النووي سيكون معارضاً للمنهج الماركسي أو بمعزل عن الماركسية، وذلك لأن مساحة الافكار في النظم المعرفية تأتي عموماً ضمن دفقات انشائية يجمعها ويبعثرها أفق الخطاب المعرفي السائد، إلاّ أن الاسس الوضعية للخطاب هي التي تتغلب في الغالب، لأن المفاهيم تتعايش وتتجاذب وتتخالق وتختلف وفقا لحاجات وتطلعات معينة.
وكان ميشيل فوكو يؤمن بالاضافة الى الفلسفة وليس حذفها من الوجود، وهو ما جعله يحدّث الموضوعات الفلسفية ويخالقها بسواها من النظريات الابستمولوجية أو الوضعية الانسانية أو التحليلية التفسيرية، انه يحترم الوثائق ويبحث وينقب ويرافع مثل محامي مسؤول عن الهامشيات والعشوائيات المقصية، عن المتن الرسمي للمعرفة التاريخية، وقد جاء ذلك بثماره الآنية بالرغم من الخلاف التاريخي المعروف بينه وبين سارتر، وكان سارتر قد عاب على كتاب فوكو الاول "الكلمات والاشياء" حال صدوره واصفاً اياه بأنه كتاب كان ينتظر الناس صدوره، بينما الفلسفة في نظر سارتر تأتي بما لا ينتظره الناس أو يجبرونه على المجيء!!
· وهل الوضعية النقدية هو ما تنتظر الناس مجيئه ؟
كلاّ الوضعية النقدية أمر آخر، انها " ماركسية من داخل الماركسية"، انها عملية منهجية انتاجية، وأنا لم أبتدعها أو أجترحها، على العكس كان الكثير من الماركسين يمارسون الوضعية النقدية في الفهم والتامل الراهني احيانا دون تسميتها او تثبيتها مفهوميا.
وكان جورج لوكاش على رأس هؤلاء، فماذا نسمي كتابه المهم "تحطيم العقل " ان لم يكن نوعاً من الممارسة الوضعية النقدية، فالعمل الوضعي يتطلب الحفاظ على التناقض في وحدة وصراع الاضداد، داخل كل اطروحة، وهو ما كانت الماركسية ترمي اليه.
ان الفكر الوضعي النقدي هو فكر تعايشي وتسامحي، انه فكر يبحث عن نقيضه، بل ويضطر احيانا الى تربيته في داخله كمن يربي ابناً له على تخطّيه والوصول الى مرحلة رجولته الخاصة.
كان لوكاش قد وجد خصومه ووضع سارتر نصب عينيه، وحاول ان يؤسس نقدية أدبية هي غير بعيدة عن نقدية غولدمان البنيوية التكوينية، وهو ما ترمي الية الماركسية في عراكها واشتباكها النقدي، الذي كان مثيراً للجدل في مسيرة ماركس الفكرية الكبرى.
الوضعية النقدية تقوم على استلهام فكر الاضداد أو نسق الصراعات وهو ما يتطلب الكثير من المتابعة والمراقبة والمفاكرة والجهد التحليلي.
ان فهماً وضعياً للعالم لن يكون ممكناً بلا نقدية عالية تجري عليه ذاتياً، وتختبر بنيانه الموضوعي، وهو ما جعل بعض الافكار الوضعية مجردة جداً أو على العكس واقعية جداً وبراغماتية جداً، ولا تكاد تفي بالغرض النظري المطلوب لاية معرفة!!
· من البديهي ان تتعرض الوضعية النقدية الى سؤال المقارنة مع الوضعية المنطقية التي شاعت في منتصف القرن الماضي، كيف والى أي حد يكون مسموحا المقارنة بين الوضعيتين ؟
بلا شك ان الوضعية المنطقية الكانتية الاصل، كانت قد ولدت كتدرّج طبيعي لمفاهيم العقلانية والعلم، وهي نظرية انبساطية تهدف الى تطوير ادوات الفهم لذاتها ولا تأخذ من تاريخ الافكار أية وحدات جدلية قارّة، وكل فلسفة علم، وفيها الكثير من الوضعية المنطقية، وبالتالي فهي لاتشكّل نظرية تحليلية بمعزل عن الخطاب العلمي الذي تندّ عنه وتزيّفه قليلاً، ثم تعود اليه.
وكانت الوضعية المنطقية وكذلك فلاسفة التحليل والبنيوية المعدّلة عن لسانيان دو سوسور والوجودية التي ترعرعت في أحضان الفينومينولوجيا والتأويلية الهيدغرية الانطولوجية، كل هذه النظريات كانت تروم بشكل أو بآخر التخلص من الفكر الماركسي، أو إضعاف دوره في الخطاب الفكري العالمي، وهي محاولات كان بعضها يرغب بلوي عنق التاريخ أو الجلوس على كرسي أمامه ووضع ظهره اليه، كما نرى ذلك في استبدال " المادة" بـ "اللغة" وجعل العالم كليانية لغوية لا مكان فيها لما هو خارجها، وهو نوع من التصوّر الهيغلي للفكرة "المطلقة" مسحوباً على ورقة كارتون مستبدلة بعض المفردات باخرى أقرب الى الموضة او التداول الاستهلاكي.
الوضعية النقدية لا تؤمن بان الفكر هو كل واحد، أو هو نوع من الشمولية المتعالية على حركة الناس وسيرورة التاريخ، ولعل الكثير من افكار" تيري أيغلتون" في كتابه " اوهام مابعد الحداثة" تجد صوابيتها هنا لأننا من ناحية الفكر كالحلقة في سلسلة مفتوحة من البدايات ولانهاية لها، إلاّ أن ما يجعلها مشدودة هي المتوالية الواعية وكذلك الاسس المادية لواقعية ما هو معاش .
وسوف يصبح ممكنا الحديث عن وضعية تطبيقية، فقط عندما نكّف عن تصوّر خطورة الافكار أو نحاول حسم العالم علميا، وهو جانب لا يستهان به على صعيد الممارسة التقنية المتطورة. كان مارتن هيدجر يومياً يرغب بالحديث عن "نسيان الكينونة" او "نسيان الوجود" وهو نسيان صنعته بوعي او بلا وعي الحركة العامة للافكار الفلسفية، وكذلك " الوعي الزائف" عند ماركس و" سؤ النية" عند سارتر، كل هذه الافكار تشتغل في الحياة اليومية وتؤثر عن طريق النخب المنفعلة بجزء كبير من الاستعمال اليومي للفكر الفلسفي أو سواه من الافكار الجمالية.
من اللافت للنظر ان الفكر يحسّن اللغة وهو يوسّعها ويراكبها اذا جاز التعبير، ولكن الافكار هي نتاجات أو طبعات مشتركة لعدد كبير من المفكرين (القدامى والمعاصرين )، انها جزء من عملية انتاجية عظمى قد لا يشعر بها المرء بصورة مباشرة، إلاّ أنها موجودة ومحسوسة، ويمكن التوصل اليها عبر التاملات والاسئلة والالحاح العقلي.
· وهل يمكن لنا عد الوضعية النقدية تطعيماً بأفكار قابلة للعمل ؟ ألم تكن ماركسية ماركس نظرية ثورية بالدرجة الاولى ؟هل كان ماركس مجرد مفكر تصادف أن أصبح ثورياً ؟
قبل كل شيء كان ماركس قارئاً كبيراً، ولا يمكن للمرء أن يستيقظ من النوم فيجد نفسه قد أصبح ماركسياً، انه بالاحرى يصير ماركسيا عبر عملية طويلة للفهم عبر استيقاظ مفهوم ادراك الصراعي والتاريخي والوعي الطبقي وحركة المادة في قوانينها الكبرى. باختصار كان ماركس قد توصل للماركسية عبر قراءة وضعية نقدية لتاريخ الافكار ولعلاقات الناس وفهم دقيق للمفهوم المادي للتاريخ، فهل يمكن ان نفصل الاكتشاف المادي النظري عن البيان الشيوعي أو تأسيس الأممية الأولى أو ما حصل في فرنسا؟
بالطبع كلا! ولكن أليست نظرية ماركس في المعرفة هي بحد ذاتها ثورة كبرى؟ والغريب ان هناك من يختصر ماركس على كونه مفكراً سياسياً فحسب، وهذه بقدر ما هي حقيقة فانها يراد بها باطل، فماركس كان يتمتع بحس سياسي عالي وهو قبل كل شيء كان رجل قانون، وكان هذا قد وفّر له الاطلاع على اكثر من نشاط فكري، اضافة الى بداياته الشعرية والمسرحية واهتمامه بالعلوم الطبيعية، فلماذا هذا الاختصار المجحف لماركس في بعد واحد ؟
إن ماركس نفسه لم يصبح ماركسياً إذا جاز لنا التعبير دون معاناة،وقد انصرف الى دراسة علم الاقتصاد في باريس، وبعد اطلاعه على محاولات انجلز وجدها " عملاً عبقرياً "، وهكذا كانت هذه المحاولات تمهيدات للوصول الى الاشتراكية العلمية، التي تبلورت لاحقاً، لاسيما اكتشافه التفاوت والصراع بين الطبقات وأزمة الفيض الانتاجي، ودور الملكية الخاصة لوسائل الانتاج.
وقد كتب انجلز يقول: عندما كنت في مانشستر أدركت بصدمة قاسية المنازعات بين الطبقات التي حملتها الصناعة الكبرى الى قمة تطورها. ورغم أن انجلز ينفي ( بتواضعه الجم واللا محدود) أثره في ماركس، وهو ما أغفلته الكثير من الدراسات، بل اننا لم نقرأ دراسة ذات وزن كبير تفحص وتدقق اثر انجلز في ماركس، حيث اختار دائماً الموقع الثاني بصداقته الحميمة التي قلّ نظيرها في التاريخ وبنكران ذات لا حدود له، ولكنه بلا أدنى شك ساهم في بلورة الفكر الماركسي وفي تطوره ونضجه.
يمكنني القول ان الماركسية تكوّنت في ضدية مع ما سبقها وما عاصرها: فكانت ضد فلسفة فيورباخ المادية الناقصة وضد جدلية هيغل المثالية وضد أفكار ويتلنغ. ولعل ماركس كان قد عمم استنتاجات انجلز الاقتصادية وعمق المبادئ التي ترتكز عليها.
علينا أن ننظر الى الماركسية باعتبارها جهد ماركس وانجلز، فقبل اللقاء التاريخي بينهما في باريس، لم تكن الماركسية قد تبلورت، وربما لولا هذا اللقاء لما كانت أو أصبحت على ما هي عليه لمنهجها الجدلي، لاسيما بتلاقح أفكار ماركس مع أفكار انجلز، وهو الأمر الذي أسهم في خلق النظرية المعروفة بالماركسية.
لقد شرع ماركس وانجلز منذ لقائهما واختيارهما المنهج النقدي، لاسيما نظرتهما الى التاريخ باعتباره وعي الذات، أي نشأة وعيهم لذواتهم، بعمل تاريخي.
لقد كان هيغل حسب ماركس ينظر الى الكون بمنظار خاطئ، لدرجة ان فكرته تنقلب عليه انقلاباً، لأنه ينظر الى العالم الموجود بذهنه بوصفه عالماً يفوق الى ما لا نهاية له، العالم المادي الواقعي. وعبر الوعي وحده والتأمل ينصرف عن هذا العالم، ويخلفه في أوضاعه المؤلمة!
لا يبدو فهم ماركس ممكناً عبر ممارساته السياسية لوحدها، التي قد تصيب وقد تخطأ، ولايمكن فصل كتاب الرأسمال عن الايدولوجية الالمانية ،الموضوع الذي أريد الاشارة اليه هو المنهج في التفكير الماركسي، هو الطريقة العلمية الجديدة بالنظر الى الواقع والى حركة الافكار وحياة الناس ومشكلاتهم الاجتماعية، ولا يمكن الاكتفاء بتجزيء الماركسيات أو العمل على وضع تراتبية مزاجية للماركسية التي نريد او التي يريدون.
* تفكيك الماركسية
· أليس هو مشروع التفكيك الذي حاول جاك دريدا اجراءه على ماركس في كتابه "اطياف ماركس "؟ ألا ينبغي ان نفكك الماركسية قليلاً اسوة بالنظريات الكبرى أو السرديات الكبرى بلغة ما بعد الحداثة ؟
الخطورة ليست في الممارسة الاجرائية –النظرية، ليس في أن يكون ماركس نصاً واحداً طويلاً، أو نصوص متعددة اجتمعت وكتبت بقلم واحد، بل هو في فهم لحظة ماركس التاريخية، لم يكن ثمة تجزيء مشابه لهيغل أو كانت أو حتى نيتشه، بالرغم من أن خطاب هذا الاخير المليء بالشذرات والمقطعيات والنصوص الصغيرة، نجد ان الفكر " الغربي" يميل الى تجميعه واعادة تعليبة بكل متماسك من التنظيرات التي تتحرك فوقه وتحاول أن تسد عيوبه وتعالج ثغراته، فلماذا لايتم التعامل مع ماركس كمفكر على نفس الدرجة ؟
ببساطة لأن ماركس في وضعيته النقدية لا يترك مساحة متوفرة لإسترداد الفكر الآخر النقيض راحته الفكرية، التي كان هيغل يسعى لأن يوفّرها له بسهولة، بحيث يكون العالم قابلاً للعيش فيه دون مسؤولية العمل على تغييره.
كان ماركس يريد للفلسفة ان تجمع التفسير والتغيير في يد واحدة، وهو بذلك لا يستبعد ان يكون حالماً كبيراً ، ولا أشك في أن هناك طوباوية عالية في الماركسية الاصيلة ولدى ماركس تحديداً، وهي طوباوية لابدّ منها، لكل فكر يريد أن يكون انسانياً، والاّ كيف يمكن فصل العمل عن الامل، وكيف يمكن لنا أن نمشي قدما الى الامام دونما امتداداً للطريق أمامنا ؟
ولكن بدلاً من أن نرى ماركس مفكراً حالماً غير صالح للتطبيق مثلا "على اعتبار ان فشل تجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تؤكد نهاية الماركسية، كما يريد البعض أن يقول، بينما فشل التجربة النازية والفاشية وهزيمة امريكا في فيتنام وفشل الغزو الامريكي للعراق وغيرها من الامثلة" لا يمسّ جوهر الراسمالية العالمية ولا يعرّض الامبريالية الى النهاية أو يضع أمامها تلك الأسئلة الحارة التي تبحث عن إجابات في إطار الوضعية النقدية؟!
ان هذه القراءة –الإغراضية –للتاريخ لم تعد صالحة للعمل ،ولكن ما يجعل ذلك ممكناً أو قابلاً للتداول بعد، هو ضعف المبحث الماركسي ووقوفه عند نفسه وعدم المغامرة بالمشهد النظري العريض للعالم والاكتفاء بماركسية ماركس، وبقوانينه التي اكتشفها لا بمنهجه الذي يمكن بموجبه اكتشاف قوانين عالم ما بعد الحداثة، أو قوانين القرن الحادي والعشرين، لا قوانين القرن التاسع عشر، وهذا ما جعل الماركسية تتعرض الى التحنيط والجمود في القرن العشرين، حين تم التوقف عن اكتشافات ماركس، لا الاستعانة بمنهجه لاكتشاف القوانين الجديدة.
الماركسية بحاجة ماسة الى عمليات تحديث جدلية مستمرة، وكل فكرة جديدة يطلقها العالم لابدّ من ان تكون الماركسية مسؤولة عن فهمها ومتابعتها ونقدها وتصويبها، مهما كانت تلك الفكرة أو الاطروحة أو النظرية بعيدة في ظاهرها عن الهم الماركسي.
· هل تحوّلت الماركسية بنظرك الى مجرد مبحث فكري نظري ليس إلاّ؟
وهل كانت ماركسية ماركس نتاج " كسل" فكري أو مبحث نظري معزول؟
بالطبع كلاّ، فقد كان ماركس وكذلك انجلز يعملان بالفكر أولاً، وكان ماركس عالم أفكار، وهو منظّر نقدي من طراز فريد، وليس عيباً ان تكون " ماركسية" لينين وتطبيقاته " الراهنية " الوضعية التطبيقية، لم تصل الى ماركسية ماركس ومنهجيته، وهو الجزء الذي أنوي الخوض فيه في المستقبل القريب!
كانت الماركسية نتاج عمل فكري متواصل ومتصل، لاسيما منهجها الجدلي، وكونها أداة للعمل، الأمر الذي أعطاها طابع الاستمرارية والكونية والتي يمكن الاسترشاد بها لتحليل الظواهر واكتشاف القوانين العامة والخاصة في كل مجتمع.
ولعل ما يجعل الفلسفة الماركسية صالحة للعمل وغير قابلة للنضوب هو قدراتها الذاتية على التفاعل الجدلي مع العالم، وكان ماركس مهتماً بنسق الفكر وتحوّلات المعرفة، كما كان انجلز يضيف لكتاب راس المال لماركس في كل طبعة جديدة، وكان الأجدر بنا كماركسين جدلين ان نضيف الى الماركسية أيضاً ونتقبل الإضافات الأخرى، وأن لا نبقى في حدود ما تم اكتشافه من قوانين، لاسيما في مرحلة الكشف والممارسة الاولى.
* السياسة والفكر
· ما الذي جعل من عبد الحسين شعبان يستقيل أو يبتعد عن العمل السياسي الشيوعي ؟ هل آثرت أن تقدم مشغلاً فكرياً في الماركسية بعيداً عن الواقع أم انك اكتشفت عجزاً نظرياً في العمل السياسي المطلوب ؟
لا هذا ولا ذاك ،ان واقع عمل الاحزاب الشيوعية في العالم العربي غارق في التذبذب بين فهم ايدولوجي جاهزي ورثته هذه الاحزاب، ولم يعد مقبولاً أو مبرهناً على صحته في العمل، وبين مستجدات أو نزوعات انسانوية ديمقراطية غير قادرة على مجاراتها، وبالتالي فهي تراوح بين الجمود والانحلال، وإذا كان هناك نجاحاً نسبياً في العالم العربي المجبول على الدكتاتوريات الصغيرة والكبيرة، وأعني بذلك النهضة الخاصة بالمجتمع المدني، والسعي الى إحداث نوع من التراكم الديمقراطي، عبر ممارسات رغم نقاط ضعفها، الاّ أنها تبقى ايجابية، وبما تحدثه من تراكم، ولا سيما بطرح أسئلة مهمة، الاّ أن الامر تواجهه الكثير من العقبات والمعوّقات، خصوصاً إذا نظرت اليه ضمن المنهج النقدي.
ولا أشك في أن أي تقدم في مجال التعليم والصحة وتحسين حياة الناس المادية مع فسحة من الحريات، سيؤثر على المشهد السياسي لاحقاً، لاسيما إذا ضََمَنَ تعددية للاحزاب السياسية وانفتاح الاعلام العربي وعودته الى دوره النقدي المفقود، وغيرها من الممارسات التي قد تولد منعطفاً سياسياً في مستقبل المجتمعات العربية.
وللأسف فإن بعض اليساريين من الماركسين العرب لا يرغب بالنظر الى هذه المستجدات على أنها حقيقة واقعة، ويحاول ان يبقي على نظرته "الثورية " الجاهزة، بمعزل عن الواقع، ويردد فهمه الخاص للكراسات الماركسية في القرن التاسع عشر، أو بعض المحفوظات اللينينية وحتى الستالينية، التي لم يعد يقبلها العقل ولا يؤدي اليها الواقع ! أو أنه يريد التماهي مع المتغيّرات لدرجة الابتعاد عن أصول الماركسية وجوهرها، وهو ما يؤدي الى انحلالها حتى وان رفعها البعض كيافطة أو شماعة يعلّق عليها استمراره في العمل السياسي، رغم أنه استنفذ كل ما لديه.
إنني شخصيا أدركت ان دوري سيكون أفضل وأهم إذا ما تجنبت الخوض في إطار صراعات حزبية ضيقة أو صراعات معارضاتية سمجة، خصوصاً وقد انزلق الكثير منها الى حدود غير قليلة في مصالح ومكاسب، بعيدة عن الهم الوطني، وسادت بعض الآراء السطحية والساذجة عن العمل السياسي، لاسيما في المنافي، في حين تطلّب الأمر رد الاعتبار للعلم السياسي وتحليل الظواهر والمتغيّرات في ضوئه، ولهذا وضعت مسافة بيني وبين العمل الحزبي والسياسي، رغم عدم ابتعادي عنهما، لكنني إخترت النقد المنهجي للظواهر ومنها الظاهرة الحزبية والسياسية لدى الحكومات والمعارضات على حد سواء، ولدى الاحزاب الماركسية وخصومها اذا ما اختزلت قليلا واقع العمل الحزبي.
ونحن في التجربة العراقية للعمل الماركسي وقعنا باخطاء كثيرة على صعيد القيادات السياسية للحزب او على مستوى الاستراتيج أو التكتيك والمبادرة الثورية، ولكن ما يمنحني الحق في نقد الممارسة السياسية هو تنبيهاتي المبكرة ومواقفي النقدية، لاسيما المعلنة منها، وبالتالي متابعاتي التي لم أتوقف عنها لحظة واحدة في مراقبة ورصد ونقد ما يحدث في المشهد العراقي كل يوم، وذلك باعتبار ان المتغيرات التي تحدث على الساحة العراقية، هي من وجهة نظري تعبّر عن أقصى ما يمكن فهمه للتجربة الكولونيالية الجديدة، وهو ما يسهّل التحليل لواقع وسياقات الافكار الجديدة التي يطرحها الواقع او تقترحها الاحداث .
ويمكن القول أن لكل مرحلة ولكل عمر ظروفهما، وبالتالي ما كنّا نقوم به في الستينات أو حتى في الثمانينات لا يمكننا القيام به اليوم أو تكراره، وعلينا أن نكون واقعيين، وأنت على دراية بحجم الجهود التي أبذلها كل يوم سواءًا في عملي البحثي والفكري والاعلامي أو في دوري في العمل القانوني والميداني، رغم أن ذلك ليس من باب الرضا عن النفس، فقد كنت من أشدّ المنتقدين لنفسي وتجربتي باستمرار سواءًا الحزبية منها أو السياسية أو الفكرية.
انني من أكثر المؤمنين بوحدة وتفاعل النظرية والتطبيق، وهي وحدة التعدد واستجلاء فعل التخالق التاريخي بين الاضداد على مستويات مختلفة، ولم يكن دأبي أن أسبق أو أستبق النظرية على واقعها الوضعي التكويني، وعندما كنت اتحسس طريقي باتجاه منهج قرائي معين، فانني كنت أتلّفت كثيراً لما هو حول المنهج وبالضد منه، وغالبا ما كنت أنهمك بقراءة الوقائع المباشرة للافكار المراد العمل عليها وهو ما يمكن تسميته العمل بقوة التعارض، أو ما يطلق عليه جاك دريدا بـ (التفكيك او التفكيكية).
* التفكيكية
· على ذكر التفكيكية كيف تنظر الى حركة الافكار اليوم، هل انت ميّال الى ماركسية بنيوية ؟ أليس الأجدر أن تبدأ من حيث انتهى نقّاد الماركسية، لا سيما ألتوسير وآلان تورين وهابرماز ؟
ما ذكرت هم نقّاد من طراز رفيع ولكن من قال بأن الوضعية النقدية تعمل بمعزل عن روح العصر وعن منطق التفاعل المعرفي القائم او السابق عليها؟ ان في ذلك تبسيطية للفكر، إذ أن عمل أي مثقف ماركسي أو صاحب فكر لا ينبغي أن يقتصر على الابقاء على الاصول الماركسية حسب، وحتى هذه نفسها فهي قيد المراجعة والنقد، وهو ما أسميه المنطلقات الماركسية للوضعية النقدية الجديدة، وهو الجزء الذي لابد منه في كل انطلاقة للمعرفة تريد ان تكون معاصرة وفاعلة وغير مشوشة.
وأنا شخصياً كنت معجباً بالنقد اللاماركسي للماركسية أو النقد من مواقعها ولكن بما يؤدي الى خارجها مهما كانت المآخذ والملاحظات عليه. كان روجيه غارودي قد بدأ بداية طيبة لولا التحولات الصادمة التي داهمت تفكيره وجعلته ينأى عن ما بدأ فيه وكذلك هربرت ماروكزة وروجيه دوبريه وكذلك سارتر الذي تحدثنا عنه في اكثر من موضع.
لعلي لا أبالغ إذا قلت أن الماركسية تشكل عقبة معرفية لكل فكر راهن او قادم، وذلك لانها تمتلك تصوّراً معيناً للعالم مازالت شروطه قائمة حتى اليوم. لم تكن الحداثة ممكنة بدون المرور بماركس ولا فكرة العولمة نفسها والبنيات المتخطية للذاتية الانسانية وغيرها من أفكار حداثوية أو ما بعدها، ولكن هل كانت الانتقادات الموجهة للماركسية أو المنطلقة منها كافية لتثوير الفكر الماركسي من الداخل وتنشيطه وتفعيله ؟ هل هناك حدوداً للنقد ؟ هل يمكن المواءمة والاتفاق على حركة الفكر وانزلاقه مع الاشياء والافكار؟
أتساءل: هل كان ماركس هو نهاية مطاف الماركسية ؟ كل هذه الاسئلة تعطي ضرورات بحثية جديدة، وتلفت الانتباه الى مسألة خلق (مواضعات ) مفهومية لكل سلسة نقدية تفرض نفسها بسبب التحوّلات الفكرية أو التغيّر الديموغرافي الذي يحدث في العالم .
لنضرب مثلاً بتداولية هابرماز او التواصلية التفكيرية عنده، لقد شكلّت نظريته الخاصة استهجاناً من قبل مجايلية من دعاة البنيوية الفرنسية او المعرفيين الجدد، بسبب كونه يصدر من واقعية ماركسية واضحة المعالم، وهو يقول بأن التواصل هو الحقل الانساني الاول في خلق بنية مجتمعية اشتراطية، وان الدوال قسمات اجتماعية لا يمكن ان تكون فردية، أو أن اللغة هي حقل من الكلام الفردي يتكرر بين اكثر من واحد، لكنها هي حقل تواصل موّزع على آخرين يلوكون الكلام وينتجون اللغة كما تنتجهم هي بدورها.
ومع ذلك فأن الموّجه العام للفكر الغربي لم يكن قادراً على الاصغاء للمفهوم الموضوعي عن الفكر واللغة والتداول الانساني، وهذا لا يعني بان المفاهيم تفرض نفسها بنفسها او تُقحم اقحاماً، فهناك نضوج وضعي ملازم لكل سياق وغالبا ما يتوّفر وضع معين لفكرة في غير آوانها أو بعيداً من الناحية الزمنية عن، من فكر بها، أو انشأها .
وهكذا هو الامر في تناول مفاهيم (البنية) و (النسق ) و(نظريات القراءة وغيرها)، إذ لا يتكتّف الفكر ولا يقف ساكناً من اجل منظورات فردية محدودة، ولم تكن الجدلية الماركسية في واقعها التحليلي، الاّ نوعا من البحث عن ما يؤسس فكر الثبوت النسبي من أجل التحوّل والتغيير، وبالتالي تحقيق شرط المعرفة، بكونها سيرورة مستمرة، انما نحن علائق وممارسات تمرّ عليها وتثمر وتتغير .
ان المفاهيم كما رأيتها أنا في الدرس الماركسي وتربيّنا عليها، تستطيع ان تقدّم حزمة من الاضاءات الذاتية لطبيعة الخلل في داخلها، وما من قارئ جيد لا يستطيع تلقي مساوئ مفهوم ما، أو الشعور بعدم كفايته المنطقية.
كان ماركس معجباً كثيرا بلودفيغ فيورباخ وماديته التي لا تخلو من شوائب، وكان اعجاب ماركس به دليلاً على أن الافكار لا تعامل معاملة الشئ بصلاحيته او عدم صلاحيته للاستعمال، فالمرء لا يتناول شرابه بكاس مشروخ ولكنه ممكن ان يستعين بمفهوم ما، ما زال غير ناضج كفاية او في طور التكوين والنشوء، ليكون بعد ذلك ركناً أساسياً في تفكيره وبحثه المعرفي، وهكذا قرأ ماركس أفكار الآخرين وأدمجهم في مشغله النقدي، وولّد ماركسيته الخاصة ومذهبه المعرفي الرائع.
يقول جورج لوكاش: لا يزال فيورباخ طاقة دفينة مجهولة، وهو مثال للرائد العظيم الذي يتجاوز تأثيره مؤلفاته.
وحسب فيورباخ فالفلسفة توقط الفكر لا تقيّده في أنساق مذهبية، وعليها أن تجعلنا نتأمل الحياة والطبيعة بدلاً من الغوص في الكتب والمقولات الجامدة. كان فيورباخ وهو صاحب الانثربولوجيا الفلسفية التي تهتم بالانسان بطريقة حسية، يريد اعادة الفلسفة الى مملكة النفوس الحيّة وليس مملكة النفوس الميتة، حسب الروائي الروسي غوغول.
ورغم ان ماركس انتقد فلسفة فيورباخ الحسّية، بقوله ان فيورباخ لا يرضيه الفكر المجرد، بل يلجأ الى التأمل الحسّي، فالانسان حسب فيورباخ كائن حسّي وهو يمتاز عن الحيوان بوعيه، مثلما بيّن ذلك في أحد أهم كتبه الموسوم " جوهر المسيحية" يمكنني القول ان فيورباخ سبق الوجودية المعاصرة بأكثر من قرن ونصف من الزمان، وقد اشتبك فيورباخ مع هيغل، وكان ضده ومعه في الآن، رغم أنه اتخذ منهجاً آخر بعد تأثره الأول بهيغل مثل الكثير من أقرانه ومجايليه آنذاك.
لا يزال فيورباخ غير مقروء لدينا كماركسيين، لاسيما في العالم العربي والعالم الثالث بشكل خاص، خصوصاً بالنسبة لماركسيتنا المدرسية المسطّحة، التي تم تلقينها عبر كتب وكراريس ونصوص ومقولات " معلبة" بعضها انتهت صلاحيته أو فسد بحكم التقادم.
وكلما كانت تواجهنا مسألة مستعصية أو مشكلة عويصة، كان البعض على طريقة ستالين يفتش في الدفاتر المدرسية، لعله يجد نصاً يعود الى لينين، ليثبت الحياة " صحة وصواب" التشخيص، وذلك من خلال الاقتباس وليس الواقع، أي تقديم النص على الحياة ذاتها.
يقول عامر عبدالله القائد الشيوعي المخضرم، الذي مات وحيداً ومعزولاً في لندن في كتاب أصدره قبيل وفاته في عام 1997، بأننا كنا مثل سائر الشيوعيين في العالم، قد اعتمدنا طريقة ستالين في " استشارة" لينين، مثلما كان لينين هو الآخر "يستشير" ماركس، وكنّا نبرر بالاقتباس صحة وصدقية الرأي والموقف، بل كنّا نسعى لتكييف وتطويع الواقع أحياناً، لنصوص وأحكام النظرية التي وصفها لينين: انها " كليّة الجبروت".. وانها قدّت من سبيكة واحدة من الفولاذ، وهو ما لم يقله مؤسسا الماركسية، أي ماركس وانجلز.
لم يلق كتاب عامر عبدالله الاهتمام المطلوب، علماً بأنه حسب وجهة نظري من أهم الكتب التي تعرضت لـ " مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي" حيث وضع كل خبرته وتجربته ونقده في قراءة استرجاعية للماضي بروح منفتحة، مع اشارات مهمة للنقد الذاتي، ولم ترغب دار نشر في دمشق هي دار المدى يديرها فخري كريم في طبع الكتاب، وتوّلت مكتبة رمضان في لندن طبع الكتاب على نفقتها، في حين اكتفت الاولى بالتوزيع، كما أخبرني بمرارة عامر عبدالله في حينها.
وبالمناسبة فعامر عبدالله يعتبر أحد أهم المثقفين الماركسيين على الصعيد العراقي والعربي وكان شخصية اشكالية تركت بصماتها على مجمل سياسات الحزب طيلة ثلاث عقود من الزمان، سواءًا كان في القيادة أم بعيداً عنها، وقد استوزر عام 1972-1978 خلال فترة التحالف مع حزب البعث، وعاش في المنفى منذ أواخر السبعينات في ظروف قاسية وصعبة واهمال وإساءات من المجموعة المتنفذة في الحزب الشيوعي.
* الماركسية والقانون
· انت اشتغلت في القوانين الدستورية والسياسية او القانون الدولي والاقتصاد السياسي فهل اعطاك هذا الحقل مساندة في الماركسية، خصوصاً وانت خبير في القانون الدولي الى اي مدى يحتمل القانون التجديد والتطوير ؟
الشرائع والقوانين هي خير نموذج للوضعية الانسانية في تاريخها الطويل الأمد، ونحن نعرف في المنهجية الماركسية الكلاسيكية ان القوانين هي جزء من البنية الفوقية التي تفرضها مواضعات طبقة معينة (رغم النقاش الدائر بعلاقتها بالبنية التحتية)، والقانون بهذا المعنى هو تعبير عن درجة تطور المجتمع في مرحلة معينة من تاريخه، وهو انعكاس للواقع الاجتماعي والاقتصادي والفلسفي والديني والحقوقي، ارتباطاً بقوى وعلاقات الانتاج والقوى القابضة على مقاليد الحكم وشؤونه، والتي هي بلا أدنى شك، تريد فرض هيمنتها وحماية مصالحها وتأمين سيادتها واستمرارها، لضمان ذلك لا سيما بواسطة القانون، وهذه تستخدم القمع ضد أية محاولة تريد قلب هذه المعادلة أو تغييرها، لاسيما للطبقات والفئات المستضعفة والمستغلة.
· من ناحية اخرى هل تؤمن بان نصرة القانون الدولي كفيل، بأن يحد من الطغيان ومصادرة حقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ؟
يمكن القول أن القانون الدولي هو مجموعة القواعد الناظمة للعلاقات الدولية، لاسيما بين الدول وبدرجة أخرى المنظمات الدولية وبشكل أقل الأفراد، باعتبارهم أشخاصاً في القانون الدولي، فإنه في الوقت نفسه يعبّر عن توازن القوى على المستوى الدولي، ففي فترة الصراع الآيديولوجي ووجود معسكر مناوئ للغرب (الكتلة الاشتراكية ودول التحرر الوطني) اغتنى القانون الدولي بمضامين تقدمية وديمقراطية، رغم انها في الكثير من الأحيان لم تأخذ طريقها الى التطبيق، لكنه بعد تفككها انتكس القانون الدولي كثيراً، وسأضرب لك مثالين مهمين عشتهما شخصياً ومثل ثالث إيجابي يتعلق بالمجتمع المدني كنت شاهداً عليه أيضاً:
الاول هو القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975، القاضي باعتبار الصهيونية " شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري" وقد صدر القرار في فترة تقدّم القضية الفلسطينية وم. ت.ف، لكنه بسبب تراجعها وسيادة نهج التسوية، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية والاحتلال العراقي للكويت في 2 آب (اغسطس) 1990 وحرب قوات التحالف ضده لاحقاً (كانون الثاني /يناير)1991 ونكوص وتراجع العديد من دول التحرر الوطني، عادت اسرائيل بقوة الى الميدان، وأعادت علاقاتها مع 30 دولة افريقية كانت قد قطعتها معها بسبب سياساتها العدوانية بين 1967 و1973، وكذلك أعادت علاقاتها وعززتها مع الدول الاشتراكية، الأمر الذي أدى الى اختلال كبير في ميزان القوى، فنكصت الشرعية الدولية وتراجعت، وقامت الأمم المتحدة بإلغاء القرار 3379 في كانون الاول (ديسمبر) 1991 في خطوة غير مسبوقة، وتشكل سابقة خطيرة في تاريخ الامم المتحدة، إذ لم يحدث ذلك منذ تأسيسها حتى إلغائها هذا القرار التاريخي.
والغريب ان هذا القرار الذي حصل على أغلبية عند صدوره حاز على أغلبية أكبر يوم تم التصويت على إلغائه، الأمر الذي يعتبر فضيحة أخلاقية وسياسية وقانونية. ولاحظ هنا كيف ان القانون الدولي تأثر بفعل اختلال توازن القوى، وهيمنة قطب واحد على العلاقات الدولية.
الثاني هو دعوة حوالي 20 خبيراً دولياً من المجتمع المدني من قبل وزير الخارجية السويسري الى جنيف بمناسبة مرور 50 عاماً على توقيع اتفاقيات جنيف (1999) باعتبار سويسرا هي الدولة المعتمدة، ولكن بسبب ضغط اسرائيل وثقل الولايات المتحدة ، إنفضّ الاجتماع الدولي (الحكومي) بعد عشرة دقائق فقط، واضطرت حكومة سويسرا الى الاعتذار إلينا بسبب عدم ملاءمة الظروف، الأمر الذي وضع القانون الدولي والعدالة الدولية في جانب، والقوة والغطرسة في جانب آخر.
وهذا المثال الآخر يفصح اختلال الموازين الذي أسهم بدوره في الانتقائية والازدواجية في السلوك والتصرف، لاسيما لصالح طرف في النزاع وهو اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، التي لم تلتزم بأحكام اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 والقواعد العامة الآمرة في القانون الدولي Jus Cogens أو قواعد القانون الدولي الانساني التعاهدية أو العرفية.
أما المثال الثالث فيمكنني أن أعتبره مثالاً " معاكساً " جاء من المجتمع المدني الدولي، يوم أجمع ممثلو نحو 3000 منظمة دولية على دمغ اسرائيل بالعنصرية، وذلك في مؤتمر ديربن (جنوب افريقيا) عام 2001، لكن حدوث جريمة 11 أيلول (سبتمبر) بعد أيام سرق الأضواء من هذا الحدث المهم.
وقد حدثت تحضيرات مهمة لإحراز هذا النجاح، بانعقاد مؤتمر في عمان ومن ثم في طهران وفي القاهرة، إضافة الى نشاط مكثف على صعيد دولي، كان للمتحدث دور فيه، إضافة الى نخبة متميزة من المجتمع المدني ونشطاء حقوق الانسان، وقد تناولت هذه المسألة في عدد من الدراسات والمحاضرات في لندن وصنعاء ودمشق والقاهرة والرباط، إضافة الى ما نشرته في حينها في مجلة المستقبل العربي:" نصف انتصار.. نصف هزيمة" وكذلك في كتابي "المدينة المفتوحة: مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية" وفيما بعد في كتابي " الاسلام والارهاب الدولي- ثلاثية الثلاثاء الدامي".
لعل ما يقوم به الفكر القانوني الانساني أو ما يرغب باجرائه من تعديلات كان ومازال مكفولاً ببعض التوازنات السياسية الدولية والاقليمية، التي كانت وما زالت تؤثر في اتجاهات الحق والعدالة سلباً أو ايجاباً، رغم التغييرات في موازين القوى، التي تطبع المشهد الدولي، لاسيما هيمنة جهات متنفذة ومتسيّدة فيه، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تحاول فرض هيمنتها على الأمم المتحدة أيضاً، ومع ذلك فإن حركة المجتمع المدني الدولي والجهات الحقوقية والانسانية الدولية والجماعات المناهضة للعولمة والحركات النسوية والتيارات البيئية والديمقراطية سائرة باتجاه توسيع دائرة الضغط رغم عوامل الكبح والاحباط، لاسيما بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية- الاجرامية التي دفعت الوضع الدولي الى اتخاذ اجراءات وممارسات أقرب الى أحكام الطوارئ والأحكام العرفية بالضد من حقوق الانسان المدنية والسياسية.
والى وقت قريب كانت الاحزاب "الثورية" تسلك طريق القوة لمواجهة القوة المضادة، وكان بعض السلفيين قد اتخذوا من الارهاب وسيلة للثأر، فعمّت الفوضى وأقصي القانون وصار العالم المعاصر اليوم، يضرب أرقاماً قياسية في انتهاك حقوق الانسان، مما يستوجب جهوداً كبيرة من قبل المجتمع المدني العالمي والمؤسسات الثقافية المدنية والدولية، لتطويق ذلك ووضع حد لهذه الانتهاكات، خصوصاً وأن القوى المتسيّدة والمتنفّذة وفي مقدمتها الولايات المتحدة تتصرف باستخفاف وغطرسة في المجتمع الدولي، وتمارس أشكالاً من العنف والقوة لإملاء إرادتها، بما فيها فرض الحصارات والقيام بالعدوان والاحتلال، وممارسة التعذيب كما يحصل في سجن غوانتانامو منذ العام 2002 وكما حصل في سجن أبو غريب بعد احتلال العراق 2003 وكذلك في السجون السرية الطائرة والسجون العائمة، بما يتعارض مع الشرعة الدولية لحقوق الانسان ولقواعد القانون الدولي.
وكنت قد أوليت (التسامح ) اهتماماً كبيراً وأفردت له أكثر من كتاب وبحث، والتسامح هو مساند للقانون الدولي الانساني بشقيه التعاقدي (المعاهدات والاتفاقيات الدولية) والعرفي (الأعراف والتقاليد الدولية) يتساوى في ذلك جان جاك روسو وفولتير وغاندي ومانديلا، والعالم المتقدم مع العالم الثالث، ولعله هو الغائب الكبير في حياتنا الخاصة والعامة، فحق الإنسان في الاختلاف والتمايز الطبيعي وتعدد الهويات الثقافية، هو حق مشروع ولا ينبغي ان نقدّم تراتبية سياسية لصنع ودعم أي نوع من الاضطهاد العرقي أو الطبقي أو الاثني، أو غير ذلك، وهو ما يشكّل جوهر فكرة التسامح وما ترنو اليه.
ولعل ذلك ما ينبغي ان نوليه العناية الاساسية في تهذيب وتشذيب سلوكنا وتصرفنا الذي يتسم بشكل عام بالتعصب، الذي هو بدوره نتاج مزارع أفكار ضيقة وأنانية وغسل للعقول، لاسيما للناشئة إزاء حق الاختلاف وحريتنا وحرية الغير في الرأي والتعبير والمعتقد والحق في المشاركة والعيش والسلام.
ونحن نعاني في الثقافة العربية من عزلات المثقفين الذين لا يفكرون في مدّ الثقافة أو تبسيطها قليلا، لكي تكون بين يدي عامة الناس، ولعل ما نحتاج اليه هو فكر تنويري تسامحي تعددي، كما ان المعرفة القانونية هي الاخرى تكاد تكون معدومة أو ملغاة من عقول المثقفين، وليس فقط من أذهان عامة الناس.
وما زال المجتمع العربي لا يدرك حقوقه، وإن أدرك البعض هذه الحقوق، فليس لديه الاستعداد للعمل من أجلها، فالحق إذا ما أدركته وعملت من أجله سيصبح قوة مادية يصعب اقتلاعها. لا يمكنك في الغرب الآن إلغاء الحقوق المكتسبة تاريخياً بقرار أو بقانون أو بانقلاب عسكري كما يحدث في بعض البلدان النامية. ان الحقوق هناك هي جزء لا يتجزأ من حياة الناس، وبالتالي لا يمكن إلغاء هذا الجزء " الحق" الاّ بحق آخر متطور ومستند اليه وليس العكس.
2- الثقافة وإصلاح الفكر الماركسي
* المثقف الوضعي
· كيف تنظر من زاوية وضعية الى المثقف وهل يمكن لنا الحديث عن صورة جديدة للمثقف الملتزم اليوم ؟هل من الضروري للمثقف ان يكون صاحب موقف معين ؟
بالطبع ان عمل الثقافة هو مجموع آليات خطابها وتوصلاتها الذاتية، وأحياناً هي تعبير عن أزمة ايدولوجية معينة، وليس صحيحاً ان الثقافة كما تريد بعض الاطروحات المابعد حداثية أن تقول، هي ممارسة فوقية جداً لا ترغب بان تنزل الى حركة ماهو سائد أو مُعاش، وكأن المثقف هو صورة نفسه أو هو تاريخ ما يعتقده هو شخصيا عن الثقافة، وان هناك هوّة شاسعة بين الثقافة والطبيعة وبالتالي فان ثقافوية ما بعد حداثوية أصبحت مثاراً للاستهجان، لأنها تريد أن تكون الثقافة خزيناً من الدلالات المستقلة عن مدلولها، وهذا ظهر على السطح بفعل بعض نظريات النقد الادبي الجديدة التي كانت تقرأ النص بعيداً عن الشخص، وتقول بتعالي اللغة عن صانعها، وتقول بموت المؤلف، وان الكتابة هي مجموعة تناصّات تؤدي الى بعضها البعض بمعزل عن طبيعة كاتبها وهمومه الشخصية وشرطه الوضعي ؟!
ان المثقف هو تعبير عن حالة الوعي الانساني في ظرف تاريخي محدد، ولكن الشكل الادبي أو الشكل التعبيري الذي يختاره المثقف على اختلاف ميوله وافكاره، هو قائم على نوع من الانزياح او التمثل (السلبي ) الذي قد يجعل خطابه يقول أبعد مما يقصد هو شخصيا أن يقوله، وهذا لا يعني بأن الثقافة هي حقل معلق أو متعالي على شروط معينة مثل نظام التعليم المدرسي ونوعية الكتب الرائجة والمكسب الاجتماعي او المادي لمدخولات المثقف.
أنا أميل شخصيا الى اعتبار المثقف هو القطب الاكثر فاعلية في العملية الانتاجية الفكرية، لأنه ينتمي الى خطاب ثالث غير الانتماء التقليدي السياسي والاجتماعي والتخصصي، رغم انه يتأثر ويؤثر فيها الى حدود كبيرة وليس فوقها ولعل فئة المثقفين هي "هجينة " إذا جاز لي التعبير لا تندرج ضمن مشروط نهائي، ومن هنا فان المثقف الوضعي هو ذلك النوع من المثقف، الذي يرفض أن يكون هامشياً ويتطلع الى التغيير والتاثير، ولا يتردد من الالتزام السياسي حين يقتضي عمله ذلك، او نقد ماقام به وتصويبه وتصحيحه أكثر من مرة.
لقد كان الجواهري بالنسبة لي نموذجاً لهذا المثقف الوضعي النقدي، وذلك في كون الجواهري كان قد انسلخ من وضعه الاجتماعي ومن بيئته أو انتمائه الذاتي اكثر من مرة، من الفقه والعمامة الى الشعر والحانة، ومن الجاه في البلاط الملكي الى الصعلكة والصحافة، ومن الاستقرار الى الهجرة والسفر، كان الجواهري مندفعاً نحو الخيار الثقافي النقدي، وليس غريباً انني توقفت طويلاً ازاء تناقضات الجواهري وجمعه بين الاضداد، وعدم تردده حتى من ان " يغالط " نفسه أو يقف بالضد منها بطريقة محببة وجميلة!
بالطبع هناك فرق كبير بين الموقف النقدي والعمل العشوائي الانتقادي، فبالنسبة لمثقف مثل الجواهري كانت التناقضات تنضجه وينضجها هو بدوره، ولايعني هذا افتعال السقوط بالتناقضات أو تبنّي مواقف عشوائية بحجة ان ذلك الامر سيكون نقديا ووضعيا.
|
عجيبٌ أمرك الرجرا |
|
ج لا جنفاً ولا صددا |
ولعلي وضعت أكثر من كتاب ودراسة وبحث عن الجواهري ووضعت كتاباً عن أبو كاطع (شمران الياسري) بعنوان: على ضفاف السخرية الحزينة، وهناك فرق كبير بين الشخصيتين، مع أن هذا ينّم عن اختيار نوعين من المثقفين والمبدعين الكبار، أحداهما قمة في البلاغة والارث الكلاسيكي والتعبير الشعري الرفيع، والآخر كاتب شعبي، هو الفريد في مجاله وله قدرة على التاثير والتحفيز، بكتابة شعبية يستطيع قراءتها حتى الفلاح البسيط، ومن هنا فان الثقافة لا تتطلب أن تكون إغلاقاً أو تعالياً، وليست هي بالضرورة مضطرة للتعبير ببساطة وانسيابية بل وشعبية أحيانا.
ان عمل المثقف هو تمثّل ثقافة وطنه أولاً ومعرفة خصائص لغته وتراث أمته والتمرّس والسؤال والبحث وطلب المعرفة، وهي عناصر اذا ما أُتقنت جيداً، فانها ستوّفر الكثير من العالمية للكاتب في مؤلفاته أو للمثقف في آرائه وافكاره وقراراته الواعية. كان الجواهري إبناً باراً للتراث العربي وهو هاظم كبير للثقافات المتنوّعة والمختلفة، ولم يكن أحداً آخر غيره يستطيع ان يكون متسيّداً لساحة الشعر لمدة قرن كامل دون وجود عناصر أصيلة في داخله، فالبناء الاصيل يعمر طويلاً، ويصمد أمام الرياح والأعاصير.
· كيف يمكن لنا الجمع بين الالتزام بموقف معين ونقده والتنصل منه بعد ذلك ؟
أريد لك أن تعرف إن فكرة الالتزام الثقافي هي غيرها في الالتزام السياسي، وليس صدفة أنني كنت أصدر أحكامي إذا جاز التعبير من نقد الثقافي للسياسي، على الأقل بالنسبة لتجربتي الذاتية أو مراجعاتي النقدية لواقع الالتزام والعمل السياسي، واليوم قد ينظر البعض نظرة مشوشة قليلاً لمثل هذه الأطروحات طالما تنقصه المعرفة، لأن من المتعارف عليه أن هناك تربية حزبية حازمة يتطلبها العمل الحزبي، وهذه التربية تولد نزعة شمولية تقديسية "دكتاتورية" عند من يتلقاها بجدية عالية أو يتقبّلها بعماء ،لست مع هذا النوع من التربية التي تدعى عادة بالعقائدية او الإيمانية التقديسية، لأنها توّفر نوعاً من السياسين الذين كرر التاريخ نماذجهم وعفى عليهم الزمن، والأمر لا يتعلق بنظرتهم المشوشة للآخر بقدر تشوّش منطلقاتهم وإلتباس رؤيتهم للحقيقة.
لقد كنت وما أزال في حالة قلق انسانية مستمرة، ولا تستكين روحي لموقف متكامل سرمدي نهائي، الاّ ووجدت ذلك ضرباً من الوهم أو الوعي الزائف، لذلك سرعان ما أبادر وأجتهد وقد أُخطئ أو لا أصيب، ولكن ما أن تتوفر لديّ معلومات جديدة ومعطيات حديثة، أراجع نفسي وأتخذ الموقف المناسب. وإذا كنت تتحدث في السياسة، فالسياسة تجارب وفرز واستقطاب وتواصل وتقدم وتراجع بين الخطأ والصواب، ولا أحد يستطيع أن يدعي العصمة لنفسه ولآرائه على مدى عقود من الزمان، الاّ إذا كان مصاباً بالعته أو الجنون أو العزلة أو النرجسية المفرطة، فالحياة متغيّرة وهي تكشف لنا يومياً بعض أوهامنا، مثل نهر متدفق لا يعرف التوقف. وعلى حد وصف نيتشه أن على المرء أن يغيّر منظومة أفكاره مع تغيّر الحياة، مثلما تنزع الحيّة جلدها، فذلك سمة من سمات التطور، وهو الأمر الذي اعتبره انجلز ضروري، بالقول: أن علينا تبديل استراتيجيتنا عند أي اكتشاف حربي، وذلك لمواكبة التطور.
ولعلّي وغيري كثيرون أشبعوا الستالينية نقداً وتتبعوا ذيولها البيروقراطية حتى في قيادات الحركة الشيوعية العربية، واذا كنت أريد أن أجمع الثقافي والسياسي بيد واحدة، فذلك فقط لأن هذا هو المنطق الماركسي نفسه، وهو منطق قائم على قراءة الأجزاء والتوصل إليها شيئا فشيئا، وعندما وجدت اننا ننطلق غالباً من عقائد فكرية " مقدسة"، كنت أضيق ذرعا بذلك، وأعمد الى النقد بقصد التطهير لا بقصد التبرير، وهو النقد الوضعي القائم على معاينة ماهو ممكن ضمن ماهو متاح، والقبول بما هو " مستحيل" ضمن حدود الممكن !
لا توجد قاعدة ذهبية للعمل الحزبي، بدليل أن الاخطاء تتناسل وتتوالد، وغالباً ما نرثها من أخلاق العدو ومن عيوبه دون علم منّا، فالثقافة مفهوم تكاملي لا ينبغي أن تُجمل نفسها بما ليس فيها. لاحظ كيف انتقلت أخلاق الجلاد الى الضحية أحياناً، وكيف تم تطبيق ذات المعايير والمنطلقات على بعضنا البعض، مثلما طبقها علينا " العدو"!! كالتحريم والتجريم بعد التأثيم والعزل الاجتماعي والاتهام الشخصي والإساءات المغرضة، التي تطلقها الأجهزة السرية سواءًا كانت مخابراتية أو حزبية، تعمل لحسابات خاصة، ويتحكّم فيها أحياناً أشخاص أصيبوا بذبول الضمير أو حتى موته، ونعرف من التجربة الكثير ممن تم استخدامهم من المثقفين الذين طوّعوا وسيلتهم الابداعية ، لحسابات سياسية أو حزبية ضيقة، فروّجوا وبرروا للبيروقراطية الحزبية، وكانوا جزءًا من دعايتها السوداء. ولا يمكن لمثقف مُذلٍّ ومُهانٍ وخنوعٍ أن يتصدى لقضية التغيير وحرية الابداع والرأي الآخر.
أليس الأمر شيئاً مُحزناً، وفي الوقت نفسه كوميدياً أو أنها كوموتراجيديا، لاسيما إذا نظرت اليه من بعيد ووجدت كيف تتصارع القطط والفئران، وكيف تتم المؤامرات والدسائس في تلك الكتل الحجرية الصخرية المتكلسة ذات اللغة الخشبية، والتي نطلق عليها تخفيفاً ومجاملة اسم الأحزاب الشمولية؟ والأمر لا ينطبق على الأحزاب الشيوعية الستالينية وحدها، فهناك أحزاب دينية ستالينية وأحزاب قومية وبعثية ستالينية وهكذا!!
· أنت الآن تقف بالضد مِنْ مَنْ ومع مَنْ ؟
هذا هو السؤال الايدولوجي الذي أمقته ، فلا توّفر الثقافة الأنسانية وصفات سعيدة أو حلبات للمصارعة الرومانية، والثقافة بطبيعتها ظاهرة معقدة ومركبة ومتداخلة، وبالتالي لا يمكن تبسيطها أو تسطيحها أو نمذجتها أو تنميطها لدرجة أنك مع مَنْ أو ضد مَنْ، فقد تكون مع هنا وضد هناك في هذه القضية، والعكس صحيح في قضية أخرى، وهكذا لا يمكن أخذ الامور باتجاه قالب أو بلوك أو كتلة صخرية، في حين ان الثقافة جزئيات وثنايا وهواجس وقلق وإبداع، وقبل كل شيء أحاسيس انسانية، ولكن ما عليك الحفاظ عليه هو البوصلة واتجاهها.
ان الفهم يتطلب التنوّع والتكامل بالتنوّع والائتلاف بالاختلاف، ووحدة وصراع الاضداد، وبالتالي فان المعالجات الثقافية الجديدة تتطلب عملا مضنياً لتطهير النفس من ماضيها الارثي "المتخلف" نسبياً، وكذلك تطعيم الذات بالعمل الوضعي التخالقي" وفتح الافاق باتجاه دراسات انسانية تهدف الى توسيع أفق العمل الانساني المشترك وضمان حقوق الانسان المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
ان توسيع نطاق الصراع الى درجة العنف لم يعد خياراً حضارياً سليماً، وقد برهن التاريخ على خطل هذه الافكار وعقمها وانتهاء صلاحيتها، وبالتالي فإن المفهوم الانساني للمعرفة يحمل في طياته افتراض الاختلاف، بإعتباره ضرورة حتمية، وليس مجرد وسيلة لتعميق العدائية أو كبح الراي الآخر بالقوة .
· صار ممكناً الآن أن نعيد النظر بما يمكن فهمه عن موقف الوضعية النقدية من عقبات معرفية تواجهها، فهل انت متفائل بدور الوضعية النقدية في اصلاح الفكر الماركسي؟
ليس ثمة شك في أن الماركسية تمثل اجتهاداً فكرياً ونزوعاً انسانياً في حل مشكلة الوجود البشري، لاسيما موضوع إلغاء استغلال الانسان للإنسان وتحقيق العدالة وتوزيع الثروة وتحقيق الرفاه والوفرة المادية والروحية للبشر، وليس صحيحاً ان الفكر الماركسي فكراً منغلقاً على تاريخه الشخصي، ولا أدري من قال بأن للماركسية حدوداً أو نهايات؟ والعكس صحيح: انها تأسيس في تاريخ الافكار، ولعل معظم المعضلات الجديدة، انما تدخل أو تندرج في باب التفعيل والتشغيل المعرفي.
وكنت ومازلت أرى في الماركسية نقدية منفتحة، لا الاكتفاء بـ " الوضعية الاولى" التي تساوقت مع الماركسية وسبقتها قليلاً، وأقصد هنا وضعية أوغست كونت، الذي توفي في عام 1857. فقد كانت فلسفة كونت رد فعل مبكر على الاسراف في الميتافيزيقيا وانبهار متوقع لبزوغ عصر العلم، ولم يكن كونت وضعياً نقدياً بالمعنى الذي نقصده اليوم، وهذا يعني بلغة الحاضر: سعى الى اعادة النظر بروابط الفكر مع الوضعية التاريخية التي تحتوية وتشترطه بشروط انسانية وعلمية وموضوعية.
كانت الوضعية الكونتية تخلياً متطرفاً عن الفلسفة، لاسيما بظهور عبادة جديدة للعلم وإحلاله محل الميتافيزيقيا، بينما لا تغفل الوضعية النقدية السيرورة التاريخية للمعارف الانسانية وتخالقها الوضعي المعرفي، وهي بذلك تفترض في الماركسية مكتسباً معرفياً شاملاً، وليس مجرد آيدولوجيا للطبقة العاملة وصراعها الطبقي.
واذا كان علينا ان نستعين بالعلمية في أفكارنا، فإن ذلك يأتي من باب التفاعل مع روح العصر ومنطق الجدل والاكتشاف في العالم، فلا يمكن لأي عقل وضعي نقدي جدلي ماركسي أن يقف في طريق العلم، والعلمية هي معرفة تراكمية تبتلع أخطائها وتصححها أولاً بأول، بينما تقدّم الافكار الفلسفية ما كان يسميه ماركس، الرؤية الشاملة الى العالم او رؤية العالم في سيرورته التكاملية، التي تقدمها لنا مجهودات فكرية متنوّعة، مثل علوم الطبيعة والآيدولوجيات والفن والموسيقى والادبية الجمالية والمسرح والفنون الشعبية، وحتى التسليات وطرق الترفيه.
وكل هذا يتطلب من الفكر تشريحه وتأمله وتحليله وفهم موّجهاته التاريخية واحتمالاته في الحضور والتاثير والعمل والتغيير، وهو ما يقدّم بحد ذاته نظرة علمية الى الواقع اذا ما فهمنا بأن العلم هو الفهم المتقدم للظواهر بمعرفة أسبابها والنظر في عملياتها الانتاجية، فان الفلسفة هي التي تتحرك في مجال الانزياح او التمأسف (من المسافة حسب كارل ماركس )، وهو البعد التأملي في ماهو حادث أو كائن.
ليس صحيحاً إن على الفكر أن يتماهى كلياً مع ماهو مطروح من نظم أو أنساق معرفية، وذلك لأن التماهي هو نقيض الانزياح وهو مايجعل الانفعال بديلاً عن التأويل الهادئ أو المراجعة النقدية، وأنا أعتقد ان فهماً معيناً للتاريخ او للوقائع أو الأحداث يتطلب مقاربات وانزياحات في الرؤية والفهم، وليس بالبحث التجريبي أو الميداني، فهذا يتطلب شروعاً تطبيقياً ملازماً لموضوعه ولايجوز الانزياح عنه أو وضعه على مسافة مهما كان العذر اكاديمياً أو بحثياً.
* " أسلمة " الماركسية
· لقد قدمت ذات مرة في مجلة (الإغتراب الادبي ) عرضاً موضوعيا لفكر هادي العلوي، وكنت غير ميّال لنقده أو التعرض له كما ينبغي، فهل انت مع نظريته القائلة في أسلمة الماركسية او اقلمتها؟
للأسف الشديد توقفت مجلة الاغتراب الادبي منذ سنوات، بعد أن كان قد أصدرها لمدة عقدين من الزمان المفكر والشاعر الصديق صلاح نيازي، وساهمت مساهمة جليلة في أدب الاغتراب العراقي وترجمت عدداً من الأعمال الى العربية، كما قدمت بعض الشعراء والأدباء الشباب، لاسيما من داخل العراق.
وبودي أن أقول أولاً أنا لم أقدم دراسة وافية عن فكر هادي العلوي، وهو مشروع أكبر من أن تنطوي عليه مقالة في مجلة، أو دراسة أخرى مقارنة أجريتها بين هادي العلوي ومحمد السيد سعيد بشأن مفهوم " المثقف الكوني " وألقيتها محاضرة في لندن، ونشرت في كتاب صدر عن "الجمعية الثقافية العربية" التي يرأسها الناقد والمثقف العراقي الصديق الدكتور عبد جاسم ، وثانياً ان هادي العلوي نفسه وهو مفكر قدير وباحث جليل لم يستكمل ما بدأه أو يستوفي شروط مشروعه الى درجة رفع ماعنده الى مصاف الاطروحة النقدية المتكاملة أو النظرية التحليلية، وكانت له سياحات أو حراثات هنا وهناك في مجالات لا يبدو انها تمتلك مشتركات كافية كالمشتركات أو المقاربات الاسلامية –الصينية، او عندما أراد تكييف الاسلام للماركسية أو العكس، ولكن ما كان يعجبني فيه هو الروح البحثية الحرة، والتخلص من العقد الوراثية في قراءة تراثنا.
كانت محاولة هادي العلوي تقع بما أسميّه قراءة التاريخ بلا تاريخانية، وهو الاسلوب الذي طبّقه خير تطبيق ميشيل فوكو في كتبه الثلاث الكبرى (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ) و(تاريخ العيادة) و(تاريخ السجن ).
· وماذا بشأن تاريخ الجنسانية أو تاريخ المتع ؟
نعم وهو ما انتهى اليه أخيراً وفارقنا بكل أسف، أقول كان المنهج النظري عند فوكو يمشي متساوقاً مع الوثيقة نفسها بكامل خطابها، وإذا كنّا في الاعلام نقول " الصورة خبر"، ففي عملنا الأكاديمي نقول " الوثيقة خبر"، بمعنى انها تُغنيك عن الكثير من التحليلات والتفسيرات والتبريرات، ولهذا نحن نأخذها كما هي في الاصل والحقيقة، ولم يكن الفكر الذي يرمي اليه فوكو، يهمل الوقائع المُعاشة أو المدوّنة بالفعل، وبالتالي فإن هناك فحص فوكوي للمعطيات اللاشعورية للوضعيات الانسانية التي غالباً ما تكون نائمة أو مهملة أو مغيبة أو منسية أو مقصية، وهو ما استوجب جهداً استنائياً كبيراً لفوكو أثمر عن كتب مهمة غيّرت أو سعت الى تغيير واقع الفلسفة وفلسفة التاريخ اليوم كما يراها البعض، بينما لم يقدم هادي العلوي مشروعة باتساق نظري كبير او باشباع وضعي متكافئ مع الأطروحة المراد تبيانها، وهو من هنا كان يطرح فكرة عابرة مؤسسة على مقولة فقهية أو شذرة تراثية ويحاول أن يصنع منها قانوناً جدلياً عاماً.
لم يكن هادي العلوي أول من نادى بفكرة مزاوجة الماركسية بالاسلام أو العكس، بل سبقته محاولات كثيرة، وقد أفردت مجلة الكاتب المصرية ومجلة الطليعة المصرية(منذ أواسط الستينات) محاور وملفات موسعة شارك فيها نخبة من الباحثين والمهتمين لخلق تقارب بين ماركس "كمصلح" انساني كبير ونصير الفقراء والمظلومين مع شخصيات دينية أو نبوئية رسالية أو رموزاً كبرى، مثل لاوتسه وبوذا والمسيح ومحمد وعمر وعلي وأبو ذر الغفاري وغيرهم، وهو ما يقدّم استسهالاً، لعمل الفكر وقفزاً على الوضعيات الشرطية العاملة لكل معرفة، فلا يمكن أن نستعيد الوضعيات التاريخية بالسهولة التي نستعيد بها الافكار والكلمات.
لا احد اليوم يعرف مسرحية هاملت، فماذا كانت تعني في زمن شكسبير ؟ وكذلك فاوست غوته ودون كيخوتة سرفانتس، ولكن النص الذي بين أيدينا اليوم هو نص الفكر أو " نص الكتابة"، وهو مايحوي صورة فهمنا له، أو اسقاطنا عليه، فهل يمكن لنا ان نستعيد التاريخ في نص أو اسطورة أو فكرة معينة ؟
ربما نستطيع ذلك فقط، إذا ما امتلكنا ناصية التحليل الداخلي لما هو مطروح بين ايدينا أو عثرنا على المنهج التحليلي المناسب، وهو ما توفّر لبعض الفلاسفة الكبار الذين نعرف من هم، فقد كان هادي العلوي مشروع فيلسوف عربي مهم، وهو بالتالي باحث ومنقّب وكاشف عن تفاصيل لم ترتقِ الى مستوى التأليف الفلسفي المطلوب، وهو نقص ناجم من سرعة القراءة قياساً الى بطء الكتابة المطلوب في مثل هذه الابحاث الخطيرة والأطروحات المهمة، حيث كان يأخذ غالباً من فقه الاسلام ما يرغب في اعتماده تفسيراً تاريخياً، متناسياً أن الفقه نفسه هو "نص الكتابة"، وهو صورة التفسير لا دليل أو برهان موثوق على تاريخيته، الأمر يكون بعيداً عن النقد الوضعي، كما نجد ذلك ماثلاً في كتابه " تاريخ التعذيب في الاسلام"، وكتابه " شخصيات غير قلقة في الاسلام". وإذا أردنا مراجعة كتاب تاريخ التعذيب في الاسلام فقد كان بالامكان توسيعه وتأرخته وتدقيق مراجعه، لاسيما إذا انطلق من وضعية نقدية وليس من خلفية تحليلية تفسيرية مباشرة.
رحل هادي العلوي وهو في أوج عطائه وذروة تألقه، وكان يسعى لبلورة منهجه الخاص واستكمال أدواته المعرفية، لكن الموت داهمه وظل مشروعه يحتاج الى من يواصله ويبني عليه.
* فكرة المثقف الكوني
· هل يمكن لنا عدّ المثقف الكوني فكرة مهمة او تلقي التأييد من قبل شعبان؟ وهل هناك مثقف كوني في اعتقادك ؟
لا اريد ان اكرّس نقداً طويلاً لمفكر مهم وعزيز هو هادي العلوي ،ان المثقف الكوني هو فكرة متعالية على واقع الحال ، لا يمكن لنا استعادة التاريخ الصوفي اليوم او انتاج طبقة صوفية جديدة. إننا لا نصنع التاريخ على هوانا، ولا يمكن اختراع ما كان أو تكرار ماقد يكون وعلى ضوء مقولة ماركس المهمة فان التاريخ (عندما يعاد فانه يعاد على شكل مهزلة ).
وبالطبع إن الصوفية مثلها مثل الفروسية والرومانسية والسوريالية اذا ما استذكرنا كتاب ادونيس المهم " الصوفية والسريالية"، لا يمكن أن تُعاد أو تُستعاد، ولكن هذا لايعني انقطاعها أو تلاشيها كلياً، فهناك ظاهرات فردية صوفية تظهر على أرض الواقع وقد تقتحم الفكر أو تعيقه أو تشاغبه قليلاً، مثل ارتداد غارودي عن الماركسية الى الاسلام، أو عودة عبد الرحمن بدوي الى طريق الاسلام والهداية المثالية، وغيرها من الأمثلة، ولكنها في النهاية تنحسر وتتنائى في ضوء حركة أنساق الفكر وارادة المعرفة أو سلطتها حسبما يقول فوكو.
فالخطاب الفكري يختلف عن خطاب الادب أو الرواية والشعر، وهذا الاخير يمكنه أن يصول ويجول بأي موضوع يشاء بشرط ان يكون ضمن أشكال الكتابة السائدة اليوم أو المعلنة، بينما في الفكر والفلسفة انمّا هي انتاج مفاهيم وهذه مهمة أصعب وأكثر تعقيداً، لأن الفكر يهضم كل ما عداه وهو مسؤول حتى عن ذلك الشئ الذي لم يطلع عليه او يهضمه كفاية.
خذ الاشتراكية مثلاً... إنها مرحلة لها شروطها وقوانينها مثل الرأسمالية، ولا يمكن بأي حال أن أنسب حركة أو تياراً أو شخصاً الى مرحلة لم تتكون بعد، أو أنه عاش في مرحلة سابقة، فأحاول أن استخدمه الآن باعتباره يمثّل هذه المرحلة، في حين أنه عاش قبل قرون أو آلاف السنين في ظروف وشروط أخرى.
لا يمكن الحديث عن الاشتراكية قبل المرحلة الرأسمالية، كما أن الأخيرة نشأت في رحم المجتمع الاقطاعي، وهكذا، فإن الماركسية التي هي نتاج مرحلة معينة تبلور فيها الفكر الاشتراكي والمنهج الجدلي، ولا يمكن الحديث عن قوانينها في المرحلة الاقطاعية مثلا، لأن شروطها لم تُخلق بعد، ولأنها نشأت وتكونت في إطار التصدي للنظام الرأسمالي.
لكن ذلك لا يعني عدم وجود تيارات اجتماعية وحركات سياسية وشخصيات كارزمية مؤثرة على مرّ التاريخ تدعو للعدالة الاجتماعية وترفض الاستغلال وتقف ضد الظلم وتنتصر للفقراء وهكذا، لكن هذا الأمر شيء والماركسية في مرحلتها التاريخية شيء آخر، ولا ينفع الماركسية أو الاسلام بشيء إن نَسبتَ أحدهما الى الآخر، وستبوء بالفشل هذه المحاولة مثل محاولات أخرى سبقتها، وإن كان بعض الاسلاميين المتنورين من سعوا أيضاً لأسلمة الماركسية، مثلما سعى بعض الماركسيين لمركسة الاسلام، ولكن الاسلام ظل اسلاماً والماركسية ظلّت مُثلاً مختلفةً عن الاسلام.
أعود الى فكرة المثقف الكوني، الذي هو حسب هادي العلوي: المتصوّف أو التاوي الذي يتميّز بالتجرد الكامل واللا تشخّص واللا محدود واللامتناهي، ويقوم مثل هذا المثقف على الوحدة المطلقة بين الخلق والخالق ويتوحد فيهما ومعهما، لاسيما بإلغاء المسافة بينهما!.
يفترض العلوي بالمثقف الكوني عمق الوعي المعرفي والاجتماعي معاً وعمق الروحانية في الوقت نفسه، أي أن يكون قوياً أمام مطالب الجسد ومترفّعاً عن الخساسات الثلاث. ويحاول العلوي تقديم نموذج لهذا المثقف من خلال التماهي مع أهل الحق في الاسلام والتاويين في الصين والرهبنة في المسيحية، كما جاء في كتابه " مدارات صوفية".
ويقصد العلوي بفكرته الطوباوية عن التماهي مع روح الخالق، بعيداً عن السلطة والتعفف عن المال والزهد في الجنس، وغالباً ما يردد العلوي قول السيد المسيح بالدعوة الى اخراج الاغنياء من ملكوت الجنة.
ان هوية المثقف الكوني هي هوية لقاحية أي معارضة ضد مركزية الدولة والدين الممأسس وطبقة الأغنياء، وهو بالتالي يتعالى عن اللذائذ فيأخذ من الحياة ما يفرضه دوامها، فيأكل عند الحاجة وينام عندما يغلبه النوم ولا يملك شيئاً لئلا يملكه شيء.
ويوجه العلوي نقداً للمثقفين المعاصرين العرب، فلا يستثني أحداً، وذلك وفقاً لمقاساته المسطرية، حين يقول: المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاث وينسب عدائه للمثقفين الى شيخ الاشتراكيين لينين الذي اتهمهم بالرخاوة والروح البرجوازية ويقول العلوي: قلّما أجد مثقفاً يرضى بالكفاف في العيش أو يقتنع بإمرأة واحدة هي زوجته أو يتعالى عن الشهرة والجاه.
أما أعداء المثقف الكوني فوضعهم العلوي تحت دوائر أربعة أسماها "الأغيار الأربعة" وهم: السلطة والمثقفون والرأسمالية والاستعمار. ولعل هذه هي صورة العلوي نفسه ولا أحد سواه.
ولأننا نتحدث عن مثقف وضعي وهو ذلك المثقف الذي يرى في السياق المعرفي وضعيات شرطية ذوات جوانب تكوينية معينة، ولها بالطبع أسبابها الظاهرة والباطنة، فان مثقفاً كهذا سوف يقرأ فكرة المثقف الكوني في ضوء خطاب التضليل، أو في ضوء الرغبة الجامحة لسد النقص الفعلي بالاكتمال النظري وفق مواصفات مثالية.
ان ذلك أحد مؤشرات وبيانات فكر التعالي في العقلية العربية والانسانية بشكل عام، وهو فكر يرفض المحايثة ويريد القفز على ذاته على الدوام، وبالتالي فان المثقف الكوني سيكون هو مثقف ما مطروح، كمشروع طموح او متخيّل في قسمه الاكبر، فلم يعد الوجود الانساني يميل اليوم الى المساحات الكبيرة في التفكير المتخيّل أو المخيال النظري.
وهناك تقنيات محدودة للحداثة وما بعدها اليوم، وأكاد أكون جازما إن اللغة نفسها بدأت تضيق على الكائن، بعد أن سبق الكلام سبيل الفكر، وقال الادب اكثر مما كانت الفلسفة لتقوله، ولكن هذا موضوع آخر .
ان المثقف اليوم وباستعارة رمزية هو " كائن طارئ "، بالكاد يجد له جذوراً في المسطّح الصناعي وانفجارات الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا المعلومات والاعلام والاتصالات لعالم اليوم، وبالتالي فان افتراض مثقف منزّه عن الغرض كليا وفقا لشروط هادي العلوي، انما لا يمكنه ان يكون شيئا آخر غير هادي العلوي نفسه ؟! ولهذا أستطيع القول لا يوجد مثقف كوني بمواصفات هادي العلوي إنْ لم يكن متخيّلاً أو افتراضياً يوتوبياً!!
· هل تجيز الوضعية المنطقية وجود مثقف أقل براءة واكثر واقعية ؟
ليس تماما ولكنني أرى إنّ صورة المثقف تفهم من صورة الوضع الانساني والشرط التاريخي الذي يعانيه المثقف اليوم، وليس صحيحاً أن هناك صورة واحدة للمثقف، أي صورة ذات علامة أو ماركة محددة ومعلبة جيداً، وبالاحرى علينا أن نتحدث عن صور مثقفين وهناك صراع في الفهم والقراءة والتمثيل والتأويل تطرق اليها كثيراً ادوارد سعيد، وليس لي الاّ أن أقول إن المثقف الوضعي يستعيد صورة المثقف الماركسي في جدلياته الكبرى، باحثاً عن الفهم والتخالق بين الاحداث والافكار والوقائع.
ان مثقفا كاملا يشبة آلة أو إلهاً أو لا يمكن ان نستخدمها أو نستخدمه الاّ لأغراض محددة، كيف يمكن لنا ان نفرض على مثقف حر، صورة محددة له ونحن الذين نرغب بان نحرر المثقف ولو جزئيا من أيدولوجيته التامة او الملقّنة، عندها سيكون المثقف البريء "أميا وجاهلاً " في عالم اليوم !
· أنت كتبت عن صورة المثقف بحماسة عالية عن الشاعر الحصيري في حين كانت حماستك أقل لهادي العلوي!
بالعكس أنا معجب ومتحمس جداً لهادي العلوي، فهو نموذج طُهري نادر، رغم قناعاتي بطوباوية أفكاره ومثاليتها، لاسيما فكرة المثقف الكوني التي تحدثنا عنها. وموضوع الخساسات الثلاث، وحتى " موضوعية المال" فقد ناقشتها من زاوية حقوق الانسان و" الحق في التملك"، كما وردت في الاعلان العالمي لحقوق الانسان وعدم نزع الملكية أو مصادرتها تعسفاً، إضافة الى الطبيعة البشرية الحساسة إزاء هذه القضية، التي وقفت عندها الاديان جميعها باحترام حد التقديس.
وقد كانت انشغالات العلوي المبكرة في التراث والبحث التاريخي مهمة جداً، واستطاع أن يرفد المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات والأبحاث والدراسات، ذات الطبيعة الاشكالية، كما قدّم آراءًا واجتهادات أثارت جدلاً كبيراً بدأ في حياته، لكنه لم ينقطع وربما ستواصل أكثر في المستقبل.
نحن حتى الآن بحاجة الى قراءة هادي العلوي لاستخلاص فكرته الجوهرية والمنهج الذي اشتغل عليه، لاسيما بعقله المفتوح وشجاعته التي يفتقد اليها الكثير من الباحثين.
وقد لامس هادي العلوي موضوعات "محرّمة"، كما تميّز بشرقانيته على صعيد الفكر والممارسة،خصوصاً بمعرفته العميقة للحضارتين العربية-الاسلامية، والصينية، وكان آخر أيام حياته يطلق على نفسه " سليل الحضارتين"، والعلوي يعتبر تراث المسيح شرقياً وليس غربياً، مضيفاً الى ذلك أن المسيح متصوف اجتماعي كبير قبل أن يكون مبشراً دينياً، وكان فضاء العلوي يهيم بلاوتسه مثلما يهيم بالحلاج (نموذج التصوف الاجتماعي) ومن المعرّي الى ابن عربي (نموذج التصوف المعرفي) ومنهما الى ماركس.
اما الحصيري فإنه متمرد في حياته الاجتماعية والشخصية، ونموذج للصعلوك الرافض لكل الرتابة والزيف الاجتماعي والنمطية. فالحصيري هو سليل الصعلكة في تراث الثقافة العربية، وهو نموذج لتداخل التراثي والحداثي، رغم قصيدته ذات البناء الكلاسيكي.وكان نؤاسياً في نكهته الشعرية والحياتية، زاهداً بكل ما أشار اليه هادي العلوي من خساسات، دون أن يكون ذلك هروباً دينياً له.
وهو بالطبع ليس مثقفاً كونياً، بل كان أقرب الى المثقف الوجودي- العدمي الذي سارع إلى إنفاق أو تبديد حياته سريعاً، إيماناً منه بحياة الشعر، وهو لم يعط حقه من القراءة أيضاً، كما لو كان رامبوياً آخر ظهر واختفى سريعاً مثل البرق.
ولعله يكفينا أن نتذكر موقف الجواهري الكبير منه في حوار لي شخصياً معه، سبق أن أشرت اليه أكثر من مرّة، حيث أشاد بشعريته وبجرأته الكبيرة، متنبئاً بالمكانة الشعرية التي كان من الممكن أن يحتلها، خصوصاً بعد نضج واكتمال أدواته الفنية.
والحصيري شاعر راح ضحية ارتباك فهم الشاعر لشرطه التاريخي، وذلك بكون الشعر لديه هو كل منطق الحياة الذي يطمح اليه، وإذا لا يمكن تحويل الحياة الى شعر، فإن الشاعر هو أول الخاسرين في هذه المعادلة الصعبة، لاسيما إذا عاش الحياة شعراً وأصرّ عليها، كما هو الحال عند صديقنا الحُصيري.
ولا يمكن انكار أن جزءًا كبيراً من فكر وشعر الحصيري، كان حلاّجياً تصوّفياً، مؤمناً بالشعر تعبيراً كينونياً إلهياً، لكنه في الحياة والسلوك، كان نؤاسياً حسيّاً مُتعياً، لاسيما في الخمرة والسمر والعبث والتصعلك.
وإذا ما صحّت المقارنة بين نموذجين هما: العلوي والحصيري، فإن المشترك الجامع بينها هو: النزاهة والزهد حد التطّهر، ولكن ما يفرّق بينهما، هو أن الحصيري، كان يعيش الشعر كقضية وجود انساني محسوس، بينما كان العلوي يعيش الفكر لماورائه، باحثاً عن ملكوت آخر، هو بالنسبة للحصيري لا يكون أبعد من الحانة كما أجملها في بيته المشهور:
أنا الإله وندماني ملائكةٌٌ والحانةُ الكون، والجلاّس من خلقوا
ولعل في ذلك اختصار مكثف لفهم نمط حياة الحصيري نفسه واختزال لكينونة الخلق بالمخلوق، في لحظته الراهنة وبصيرته الوجودية، بينما لا يذهب العلوي الى هذا النمط من الاطلاق الشعري، ويكتفي بانتقاء مفردات بعض المذاهب والبحث عن رابطة لصنع ما هو مقدس، أكثر مما ينبغي بما أسماه أو أطلق عليه " المشاعية".
* هاجس الحرية
· كيف تجمل مفهوم المثقف المسؤول في الدولة أو المؤسسة الثقافية السائدة؟
تظل الحرية هي الهاجس الأول لكل شيء، لاسيما للمثقف وبدونها تغدو كل الأشياء باهتة. لعل مدخل قصيدة لوركا " كيف لي أن أحبك إذا لم أمتلك قلبي" يختصر الحاجة الى الحرية، بمعناها الانساني الواسع ، الذي لا تستقيم حياة البشر بدونه ، ولأن "المثقف" كثير الهموم وكبير التطلعات وشديد الحساسية ، فإن إحساسه بضرورتها أمرٌ أساسي، خصوصاً وأن الفراغ الذي يتركه غيابها أو تقليص مساحتها ، يلقي عليه أعباءًا جديدة وضغوطاً ثقيلة تختلف عمّا يتعرض له غيره.
وبالتالي فللحرية أو غيابها أثره وانعكاساته على المثقف وفعله الثقافي ونشاطه الابداعي. إذا تحوّلت الثقافة الى وظيفة ستفقد الكثير من مدلولاتها، لاسيما الرقابة عليها، سواءًا كانت حكومية أو حزبية أو دينية أو اجتماعية أو غير ذلك.
ونحن نعرف نماذج من مثقفين طوّعوا وسيلتهم الابداعية، لصالح هذه السلطة أو تلك، أو لصالح هذه القيادة الحزبية أو غيرها، وأحياناً لصالح هذا الجهاز الأمني أو ذاك، وفي بعض المرات لصالح هذا الشخص المتنفذ في القيادة أو سواه، لاسيما إذا كان يمتلك كيس النقود، وترى حاسة الشم لديهم عالية جداً، فهم دائماً يصطفون مع القوي ومع السائد ومع المالك، ويبررون كل شيء.
لقد خسرنا مثقفين كباراً سواءًا لأسباب تتعلق بسيف القمع أو سيف الاغراء والاغواء بالمال أو بالحصول على امتيازات، بعضها لا يساوي شروى نقير.
على المثقف باستمرار أن يحافظ على أدواته ولا يسعى لتطويعها لحساب سلطة أو حزب أو مجموعة دينية أو طائفية، كأن يُمنح وسام الجواهري الكبير الى رئيس وزراء العراق مؤخراً، هو لا يجمعه شيء بالجواهري لا من قريب ولا من بعيد، من قبل اتحاد الادباء والكتاب في العراق، جرياً على العادة بتحويل رموز الثقافة الى عربونات صداقة أو مجاملات للسياسيين.
إن حفاظ المثقف على ثقافته وعلى نفسه وعدم التفريط بهما، لأنهما ثروة وطنية نفيسة لا يمكن الاستهانة بها، وهذه المسألة ليست فتوى وعظية أو توجيهاً ادارياً، إنها خلاصة صميمية وجدانية لتجربة سنوات طويلة، وعلينا باستمرار وضع مثل هذا الأمر كمثقفين نصب أعيننا ومراجعة ذواتنا. ليس المهم إذا أخطأنا في الاجتهاد أو في التقدير أو في الممارسة، فذلك أمر طبيعي يرافق كل عمل، لكن المبادرة لتصحيح أخطائنا مسألة ضرورية، خصوصاً إذا ما اتسمت بالنقد الذاتي الجريء، وعلينا في القضايا الجوهرية ذات العلاقة بالكيانية الوطنية أو بالصيرورة الابداعية والجمالية أن نفكّر كثيراً ونقلّب الأمور، بحيث لا تذهب نتاجاتنا أو إبداعنا لحساب سلطة أو حزب أو جماعة أو لصالح ممول لهذا المشروع أو ذاك.
للأسف فإن بعض المثقفين تحولوا الى "جلادين" إن كانوا قريبين من السلطة أو حتى في المعارضة، مثلما تحوّل قسم آخر منهم الى كتاب تقارير رخيصة ضد زملائهم، وكانوا جسراً لعبور السياسيين، لاسيما أصحاب "الطموحات" الكبيرة الذين لم يتورعوا حتى من الصعود على الجماجم في السلطة أو خارجها لتحقيق مآربهم، وذلك حين اندفعوا بتزويق خطابهم أو تبرير أعمال القمع الفكرية أو البوليسية، أما لمصالح أنانية أو خوفاً وتجنباً للاتهام بالمعارضة، أو حتى الذين سكتوا أو داهنوا، فقد كان الحكام وذيولهم يحتاجون الى هؤلاء جميعاً لكي يبرروا مشروعهم ومشروعيتهم.
ولنستذكر الجواهري حين يقول:
أأبا مهند شرُّ من حكمُـــوا مَا كان لولا ذُلُّ من حُكموا
ماذا على الراعي إذا اغتصبت عنـزٌ ولم تتمرد الغنــم
الى أن يقول بمرارة:
يا أيها الطاعون حلّ بنا وبمثل وجهك تكشف الغممُ
فاللوم لا يقع على من يقبض على مقاليد السلطة أو الجماعة السياسية أو كيس النقود حسب، بل على بعض المثقفين الذين يعملون لحسابه بتابعية أقرب الى الحواشي والذيول، التي يستطيع رميها لدى أول تململ أو اعتراض، وستظل ساكتة الى النهاية وإن تحدثت، فسوف لا يُسمع طنينها، لاسيما بعد انحناء وخفوت وتشوّهات طويلة.
· ما هو دور المثقف إذا؟
أثار كتاب ادوارد سعيد "صور المثقف" جدلاً كبيراً لم ينقطع بالاساس حول معنى ودور ووظيفة "المثقف" بشكل عام والمثقف العربي بشكل خاص ، خصوصاً في ظل التطورات العاصفة التي شهدها العقد ونيّف المنصرم، في ظل "العولمة" وثورة المعلومات والاتصالات والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل ، ذلك أن مصطلح "المثقف" يعتبر مستحدثاً في اللغة العربية من أصل كلمة "Intellectual" حيث كانت العرب لوقت قريب تستخدم مصطلح "الاديب" أو تطلق لفظ "الكاتب" على ما تقصده بالمثقف اليوم أو ما يقع في دائرته.
ارتكزت السلطة المعرفية تاريخياً على ثلاثة أطراف هي: أولاً الحاكم الذي بيده المُلك، والعالِم ثانياً الذي يمثل سلطة الفقيه الديني أو رجل الدين (الوسيط، والمؤدلج لما يريده الحاكم وحلقة الوصل مع الرعية)، والعامة ثالثاً وهم المتلقون، الذين يمثلون الرعية أو المواطنين أو الشعب بالمفهوم الحديث.
أما اليوم فقد اختلف الامر كلّياً فلم تعد سلطة "الكاتب" (المثقف) "الجديد" الكاتب "القديم" تستمد قوتها من الدين (وان كان له قوامه الخاص)، لكنه أخذ تدريجياً يؤثر في الرأي العام ويساهم في تنمية العقل والوجدان وفي تجسيد الاخلاق ونشر الافكار ، مع ان هذه المكانة تصطدم في أحيان كثيرة بدور السياسي وموقعه في سلطة القرار وبخاصة في البلدان النامية.
واذا كان للسلطة السياسية ادواتها ووسائلها لبسط نفوذها وفرض هيبتها، فالمعرفة على تعبير المفكر والفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون هي سلطة، أي ان سلطة المثقف هي معرفته ووسيلته الابداعية لنشر ثقافته وبسط سلطانه، وكما يقال المعرفة: قوة أو سلطة Knowledge is power، الاّ ان سلطة المعرفة تختلف عن السلطة السياسية والعسكرية من حيث التأثير والسلطان والجبروت، إذ أنها تمتلك أدوات القمع وبإمكانها أيضاً استخدام أدوات المعرفة والثقافة لفرض سلطتها القمعية، وقد استخدمت الكثير من الانظمة على نحو مترابط القمع السياسي البوليسي مرافقاً للقمع الايديولوجي الثقافي ، وهو ما يتطلب من المثقف أن يحترم وسيلته الابداعية وينأى بنفسه عن الاستخدام التوظيفي لثقافته من جانب السلطات لاضفاء مشروعية على القمع السياسي ، والمثقف الذي لا يحترم معرفته وثقافته فانه بالتالي لا يحترم سلطته ، أو يتنازل عنها.
لقد سلّطت ضوءًا كاشفاً على العلاقة المركّبة والمعقّدة بين السياسي والثقافي، من خلال علاقة الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء العراقي 1958-1963 مع شاعر العرب الأكبر الجواهري، وذلك في كتابي " الجواهري: جدل الشعر والحياة "، حيث كانت تلك المنافسة المحمومة بين زعيم السلطة السياسية والعسكرية وقائد الثورة وبين رئيس اتحاد الادباء ونقيب الصحفيين، فقد أراد الأول تطويع الثاني، في حين أراد الثاني (المثقف) أن يغرّد بحرية غير عابئ بحسابات (السياسي)، ولعل المعركة بين الزعيم قاسم والجواهري، هي نموذج للصراع بين السياسي والمثقف! وهو صراع غير متكافئ بالطبع.
يمكن القول باختصار ان المثقف الحالي حسب ميشيل فوكو يجسد ضمير الانسان ويوقظ فيه الوعي ويبشر المجتمع بالحقيقة، وهو ما أطلق عليه اصطلاح "المثقف الشمولي" حامل رسالة التغيير.
أما جان بول سارتر الذي مثّل نموذج "المثقف الشمولي" بمواصفات فوكو ، فقد دعا الى الالتزام من جانب المثقف، وأصبح مفهوم "المثقف الملتزم" منذ الخمسينات شائعاً ، حسب تعبيرات سارتر والادب الاشتراكي بشكل عام ، خصوصاً ما سمي "بالمدرسة الواقعية الاشتراكية ".
وكان كارل ماركس قد أعتبر المثقف ناقداً اجتماعياً ، يعبّر عن ضمير المجتمع في البحث عن الحقيقة، وحددّ وظيفته التي اعتبرها " نقد صارم لكل ما هو موجود ، صرامة تحول دون تراجع النقد ، لا أمام النتائج التي يقود اليها ، ولا أمام الصراع مع السلطة أياً كانت ".
ودعا انطونيو غرامشي 1891 – 1937 الى " المثقف العضوي " الذي يتماهى مع الطبقة (العاملة)، ويصبح عقلها المفكر وقلبها النابض، رغم أنه تحول في الواقع الفعلي الى نوع من الاستلاب للأغلبية وشكلٌ من أشكال البيروقراطية ونمط صارخ من الاستبداد، خصوصاً في ظل أنظمة شمولية توتاليتارية وهيمنة أقلية. وقد أخذت تلك التجارب أنظمة "العالم الثالث" وما اطلقنا عليه "أنظمة التحرر الوطني" ومنها في بعض بلداننا العربية ، لتضيف عليها مزيداًً من القسوة والوحشية والتخلف.
قضى غرامشي أكثر من 20 سنة من عمره القصير في السجون ، ومن هناك كتب أهم رسائله ودراساته، وخرج منها بآراء واستنتاجات اعتبرت من جانب مدرسته الفكرية التقليدية خروجاً عن النصوص " المقدسة " ، بل مروقاً ، حيث دعا الى "وحدة المثقفين في كل مجتمع من مجتمعات العالم "، خصوصاً وأنه قسّمهم الى قسمين : الاول – المثقفون التقليديون . اما القسم الآخر فهم المثقفون العضويون الذين يقع عليهم العبء والمسؤولية الكاملة في تحقيق أهداف المجتمع. وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم النخبة أو الصفوة " Elite " .
ويعتبر البعض ومنهم الناقد طراد الكبيسي ان نظرية غرامشي حول النخبة تقترب من نظرية ميكافيلي في كتابه " الامير " والمثقف العضوي هو "الأمير الحديث" ، الذي يمكن ان يصنع القيم الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة عن طريق الممارسة ، لا الافتراضات النظرية. ومثل هذا المثقف هو الذي أطلق عليه هادي العلوي " المثقف الكوني" المتطهّر من خساسة المال والسلطة والجنس، بأطروحته الطوباوية تلك.
لقد حدد غرامشي بذلك وظيفة المثقف العضوي ، الذي اعتبره ألتوسير حامل المعرفة بوصفها عملية تمثيل نظري للموضوعات الخارجية ، أي منتج الوعي. وركز ماركوز على ان مهمة الفكر هي الرفض ، أي كسر حدة الواقع والسيطرة عليه.
* نموذج المثقف!
نتساءل إذاً من من هو المثقف بعد هذه التوصيفات وما هي حدود حريته الفكرية ؟
أذكر نموذجين من المثقفين ، الاول حسب توصيف غرامشي فهو " كل انسان في النهاية يمارس خارج مهنته فعالية ثقافية ما ، فهو فيلسوف ، فنان ، صاحب رأي، انه يشارك في تقديم تصوّر عن العالم ، له سلوك اخلاقي واعي ... انه اذن يساهم في دعم تصوّر ما عن العالم أو تعديله ، أي أنه يساهم في ميلاد انماط جديدة للتفكير".
أما النموذج الثاني ، فهو الذي أخذ به سارتر ، الذي لا يميل الى اضفاء صفة المثقف على العالِم (من العلِم)" ... لن يُسمّى بالمثقف ، العلماء الذين يشتغلون على تشطير الذرة لتحسين أسلحة الحرب الذرية ، فهولاء علماء ... ولكن اذا اجتمع العلماء أنفسهم ووقعوا بياناً يحذر الرأي العام من استعمال القنبلة الذرية ، إذ ذاك يتحولون الى مثقفين ... ".
وحسب المفكر الانثروبولوجي البريطاني تايلور (اواخر القرن التاسع عشر) فان المثقف هو " ذلك الكلّ المعقّد ، الذي يتضمن المعرفة والقصيدة والاخلاق والقانون والتقاليد ، وكل ما يكتسبه الانسان باعتباره عضواً في مجتمع انساني ".
لقد تحدث ابن خلدون عن العمران بطوريه الحضري والبدوي ، أي الحياة الاجتماعية بمختلف ألوانها وأشكالها ، بما تعني الحضارة. وهو ما دعا اليه المفكر العربي المعاصر قسطنطين زريق حين اعتبرها " نمط من الحياة يتميّز بخطوط وألوان من التقدم والرقي " والمثقف مثلما ذهب اليه زريق بحاجة الى معرفة وعقلانية وإلتصاق بقضايا المجتمع.
وقديماً قالت العرب : ان المتأدّب هو " من يعرف شيئاً عن كل شيء ، ويعرف كل شيئ عن شيء ". والادب بمعناه الواسع " الثقافة" وهو " الأخذ من كل علم بطرفٍ ". وباستعارة عنوان كتاب الدكتور أحمد صدقي الدجاني هو " عمران لا طغيان ".
ان المعنى الاجتماعي اليوم لكلمة " المثقف " يتسع ليشمل ، كل من اشتغل بالثقافة إبداعاً ونشاطاً، بما يتضمن العاملين في حقل العلوم الطبيعية والدين والفن والفلسفة والكتابة والصحافة والتأليف وغيرها. ولعل من الحصافة والطرافة في الآن ذاته أن نتذكر الكاتب والمثقف المصري جمال حمدان، الذي اختار العزلة وسيلة للاحتجاج بعد صعود الحقبة البترودولارية، ومات بطريقة أقرب الى الانتحار في ظروف غامضة، حينما قدّم تقسيمات للمثقف، أعتقد أنها ما زالت سارية، ومنها المثقف الترزي والمثقف المقاول والمثقف "التجريدي"، إضافة الى المثقف السلطوي. وهي نماذج أفرزتها وضعيات وظروف علاقة المثقف بالسلطة والمال والطموح الشخصي، مما يؤكد انعدام الوحدة أو التماهي بين المثقفين أو فئتهم الاجتماعية.
وحسب حمدان، فهناك مثقف يخيط عيوب ما هو سائد ويجمّلها، وهناك مثقف يتاجر بما هو سائد ويزايد عليه ويستثمره لحسابه الشخصي حسب الطلب بديماغوجية كبيرة وعبر مهرجانات واحتفالات وندوات كلها تصب فيما يريده السلطان أو يطمح اليه، وهناك من يجرد الثقافة، لكي لا يكون مطالباً بما هو أبعد من البحث والتنظير واتخاذ موقف ذا بعد انساني قبل أن يكون سياسياً، لدرجة أن مثل هذه الثقافة أو البحث العلمي يأتيان باردين لا حياة فيهما، وكلّنا نعرف من هو المثقف السلطوي، الذي يكون في الغالب المثقف ذو البعد الواحد حسب ماركوز، حيث يبقى ساكناً في موقعه في الجهاز الاداري السلطوي أو الحزبي البيروقراطي بما فيه المعارض.
ولا نستغرب اليوم أن نجد نموذجاً راح يتكوّن في ظل المشروع الكولونيالي الجديد، حيث يصبح هذا المثقف دليلاً جديدأً على التبشير الآيديولوجي بالتغيير، حتى وأن كان بالتدخل الخارجي، مقدماً حساباته الانانية الضيقة بما فيها من مصالح واتفاقات وعقود، على المصالح الوطنية، دون اتعاظ من التاريخ أو التفات اليه، لاسيما وقد سبقهم من ربط مصيره بالكولونيالية أيام الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة العربية.
* المثقف والسلطات الثلاث
يواجه مثقف اليوم وبخاصة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ثلاث سلطات:
السلطة الأولى هي السلطة الحاكمة أي الرسمية، التي تحاول أن تطّوعه وتدجنّه بالاقناع أو بالاقتلاع ... بمحاربته بلقمة الخبز أو بمقص الرقيب أو بالعزل أو الاتهام أو السجن أوالنفي أو بكاتم الصوت الذي يلاحقه ، أي بـ " القمع الفكري والآيديولوجي أو بالقمع البوليسي ". وقد استعارت بعض المعارضات وربما بالعدوى أخلاق الجلاد أحياناً.
أما السلطة الثانية فهي السلطة التقليدية أو ما نطلق عليه الثيوقراطية الدينية، وهي وإنْ لعبت أدواراً ايجابية في تخريج النخب، الاّ أنها وقفت في بعض الاحيان ضد عمليات التطور والتحديث تحت عناوين مختلفة ، فتراها تتدخل أحياناً في حرق الكتب واباحة دم المثقف وتحريم الافكار لدرجة أن الحداثة والشعر الحر يصبحان "بدعة وضلالاً" ، فما بالك بالمسرح والموسيقى والنحت والرقص وغيرها. أنا أميل الى المثقف الانثروبولوجي المنشغل بـ " علم الانسان" فكل ثيوقراطية أو آيديولوجية أو فلسفة تدعي أنها تنطق باسمه أو تمثله أو تسعى لسعادته، فانها تقترب من كينونته البشرية بمدى اقترابها أو ابتعادها عنه.
ويصبح كتاب مثل " ألف ليلة وليلة " أو " رباعيات الخيام " أو " أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ أقرب الى الزندقة ، ويتم اغتيال الشيخ الجليل حسين مروة والمفكر المبدع مهدي عامل والباحث فرج فوده ويلاحق المفكر نصر حامد أبو زيد ويقاضي بتفريق زوجته ( بما يسمّى بالحِسبة ) بإسم الدين وتثار فتنة في القاهرة ضد حيدر حيدر وروايته "وليمة لأعشاب البحر " رغم مرور 17 عاماً على صدورها ، وكذلك أثيرت حملة دعائية ضد الفنان اللبناني مارسيل خليفة بحجة تجاوزه على "المقدسات".
كل ذلك يجري بإسم الدين في حين أن غاية كل دين هي الانسان الحر ، وذلك بعيداً عن أصابع المفسّرين والمؤولّين الذين يدّعون انهم وكلاء الله ، ويتم تدمير العقل ونعمة التفكير وهي موهبة ربانية ، ميزّ بها الباري عباده عن سائر المخلوقات، فالثقافة قيمة عليا تزيد من انسانية الانسان، والانسان هو جوهر كل دين وهدفه الذي يتجلى بالرحمة والغفران والتسامح والصفح والتآزر والحوار "... وجادلهم بالتي هي أحسن ... ". سورة النحل – آية 125.
ان مثل تلك الاجراءات والتنظيرات والمواقف المتشنجة التي تتعكز على الدين، لا يجمعها جامع مع الدين الاسلامي أو المسيحي أو أي دين آخر. ولا يمكن أن يجتمع الدين بما فيه من مُثل وقيم انسانية، بالتصفية الجسدية والاغتيال والقتل بسبب الاختلاف في الرأي والتحريم للافكار والآراء.
وفي الوقت الذي ينبري بعض رجال الدين المتطرفين والمتعصبين والغلاة برفع أصبع الاتهام ازاء أي رأي حر أو عمل ابداعي يفسرونه على طريقتهم "الظلامية" ، تراهم يسكتون حين يُنتهك تراث العرب والمسلمين وتُداس كراماتهم كل يوم وكل ساعة ، على مرأى ومسمع من السلطة التقليدية ، سواء بالاحتلال أو بالتبعية أو السجون أو الحصار أو الجوع أو الأمية أو التخلف ، أو كل ذلك ولا يتم تحريك ساكن " ضد سلطان جائر "!
ولا أدري كيف يتم السكوت مثلاً على ما تقوم به السلطات الاسرائلية المحتلة من انتهاكات صارخة وسافرة للشعب العربي الفلسطيني، وكذلك ما تقوم به القوات المحتلة في العراق من أعمال وحشية، في حين تستثار "الغيرة" ويشمّر البعض عن ساعده إزاء نص ابداعي قابل للتفسير وفق قراءات متعددة ومختلفة. ولعل المسلمين نظروا الى بعض النصوص الاسلامية في العهود الاسلامية الاولى بشكل منفتح وتسامحي ، في حين إن الذين يدعّون أنهم يسيرون على هدى السلف يتخذون مواقف متطرفة، بل مفرطة في الغلو والتعصب ولا يجمعها جامع مع الاسلام.
أما السلطة الثالثة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع الذي يستجيب للصوت الأعلى ، أما تأمُّل الفكر ودقته وعمقه وأجوائه الرحبة، فتراها بعيدة عن " العقل السائد " الذي ليس من السهولة صدمه ، مع معوقات وعراقيل وتخلف. ان العادات والتقاليد تشكّل أحياناً عائقاً أمام تقدم المجتمع، خصوصاً اذا وقفت حجر عثرة باعتبارها سلطة ضد أي تغيير ، سواءًا كان "الموروث" دينياً أو طائفياً أو عشائرياً أو اجتماعياً أو غير ذلك.
* التحدي الأكبر للمثقف !
· ما هي تحديات المثقف العربي؟
الحرية هي التي تجسد الهاجس الانساني والتحدي الأكبر للمثقف ، ولعل تراثنا يزخر بنماذج خالدة على تفاعل المثقف مع مجتمعه . وقد دوّنت حضارة بابل التي سُجّلت على الالواح الطينية " ملحمة كلكامش " الباحث عن الخلود ، فبعد مسيرة طويلة بحثاً عن " أوتانابشيم " يقول كلكامش بطل الطوفان في حوار على لسان "سيدوري " احدى حوريات الماء التي إلتقاها كلكامش بعد نجاته مهتّزاً لموت صديقه " أنكيدو " مردداً :
وجدت حياتي ... أينبغي إذاً أن أموت أنا ايضاً، كما مات أنكيدو؟
ان اليأس يملأ قلبي!!.
فتخاطبه سيدوري عند تلك الضفة النائية... :
الى أين تجري على هذا النحو ياكلكامش ؟
انك لن تعثر أبداً على حياة الخلود التي تبحث عنها
فحين خلق الاله البشر
قدّر عليهم الموت
وجعل الخلود لنفسه وحده
وخيرٌ لك ان تملأ بطنك
وأن تظّل مرحاً ليل نهار
وعليك بإرتداء الثياب الجميلة
واغسل جسمك واستحمّ
وانظر بحنان الى صغيرك وهو يمسك بيدك
ولتُسعد امرأتك التي تلتصق بك
فذلك هو المصير الوحيد المتاح للبشر
نعم ان التحدي الأكبر الذي يواجه المثقف هو تحدي الحرية، وان المثقف الحالي يعاني من ضغوط كثيرة، خصوصاً في ظل التطورات التي شهدها العالم وبعد حقبة النفط والانهيارات الدراماتيكية التي عصفت بالنظام الدولي الثنائي القطبية الذي أقيم في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وسيادة قطبية أحادية، وبخاصة بعد انتهاء عهد "الحرب الباردة" واحتدام نار الصراع الايديولوجي الدولي وتحوّله من شكل الى شكل جديد، خصوصاً ازاء المنطقة العربية والاسلامية واعتبار التهديد الاسلامي، بل الاسلام احياناً، يمثل خطراً على العالم، لاسيما بعد احداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الارهابية الاجرامية، ومن ثم ما سمّي الحرب الدولية على الارهاب واحتلال افغانستان والعراق وتداعياته على الوضع الدولي...
كل هذه التطورات أثّرت على نحو بليغ على المثقف خصوصاً في البلدان النامية وفشل المشاريع اليسارية والقومية السابقة ووصول المشروع الاسلامي الى طريق مسدود ، مما زاد في يأسه وإطفاء روحه في الكثير من الحالات التي كانت متّقدة، بعد ان كان وهج المبادئ والقيم وغمرة الصراع، فهو اضافة الى همومه العامة التي هي هموم المجتمع ، ظل هاجسه المفقود ، هو حرية التعبير ، فتراه امّا إلتحق تابعاً بالسلطات ينمّق لها أطباق الايديولوجيا على طريقة صاحبنا هلال الصابيء ، الذي كتب الى عضد الدولة البويهي ، كتاباً عن " بني بويه " فلما سأله أحدهم أحقاً فعلت ذلك ، فأجابه نعم ، إنها " أباطيل ننمّقها وأكاذيب نلفّقها " أو على طريقة أبو حيان التوحيدي ، الذي كتب وناقش وحاور وجادل وساجل طيلة سبعة عقود قضاها في أتون المعركة الفكرية والثقافية في عصره ، فلما بلغ شأوه، وهو على مشارف التسعين ، أطعم كل ما كتبه الى النيران قائلاً، إنه أحرقها لقلّة جدواها، وضّناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته.
· هل هذا هو السبب في هجرة المثقفين كما ذكرت في محاضرتك في لندن (1996) عن المثقف والحرية الفكرية؟
لعل السبب الاول هو غياب الحرية الفكرية وفقدان حرية التعبير، والحريات الديمقراطية بشكل عام، ان هجرة كبيرة شهدتها البلدان العربية والبلدان النامية عموماً للعقول والأدمغة المفِكَّرة Brain Drain ، اضافة الى تأثير ذلك على الطموح الشخصي للاستاذ والباحث ( موضوعياً وذاتياً ) وإغراءات أخرى دفعت بأصحاب الكفاءات الى ترك أوطانهم ، حيث يتسرّب سنوياً العديد من العلماء والنابغين والباحثين وأساتذة الجامعات بحثاً عن الحرية الفكرية والأمان ، وتحسين أوضاعهم من الناحية الابداعية والشخصية ، من خلال الفرص التي تتاح لهم خارج بلدانهم ، وفي نزيف خطير وهدر كبير للكفاءات والموارد.
ان الغالبية من أصحاب العقول لا يرغبون في ترك بلدانهم ولا يطمحون بالهجرة، ولكنهم اضطروا للرحيل بسبب مشكلات ومعوّقات صادفتهم لدى عملهم، سواءًا مشكلات البحث العلمي وضيق فسحة الحرية والتجاوز على حقوقهم الشخصية والعامة ، والتعامل البيروقراطي ، والنظام الاداري ، وحقوق التفرغ العلمي وغيرها.
ان علاقة الباحث بالسلطة هي علاقة ملتبسة في الغالب، خصوصاً ما يتعلق بحريته في البحث والتعبير واستقلاله ، فضلاً عن القيود المفروضة عليه وهاجس المراقبة ، لدرجة أنها أصبحت أكثر تعقيداً وارتياباً من جهة، وعدائية من جهة اخرى.
ومؤخراً استشكل الامر مع جماعات التطرف، فأصبح هناك شكل من العداء بينها وبين الجامعات ومراكز الابحاث والدراسات الاكاديمية والفكرية، لعدم قبولها الرأي الآخر. وتجري في العراق حالياً محاولات طائفية محمومة، وتتحول بعض الجامعات والمعاهد والمدارس الى مراكز للتبشير المذهبي أقرب الى الحسينيات والجوامع، لاسيما إذا اتسمت بطابع الإكراه وفرض الرأي بالقوة، وشملت تلك الحملة إرغام الطالبات على إرتداء الحجاب ، وعزلهن عن الطلاب في ظل تهديدات أحياناً، وقد جرت احتكاكات واعمال عنف شملت حتى أبناء الاديان الاخرى من المسيحيين والمسيحيات مثلاً، اللواتي يتعرضن لضغوط مضاعفة، ناهيكم عن اغتيال أكثر من 350 عالماً وأكاديمياً عراقياً، إضافة الى ما يزيد عن 1000 مثقف بينهم نحو 230 صحافياً وإعلامياً، واضطرار الآلاف منهم الى الهجرة خارج العراق في ظروف قاسية.
· انت تتعامل من موقع الباحث هنا أم من موقع المثقف (الماركسي)؟
الباحث يتعامل مع الحقائق دون أن يروّج لآيديولوجية معينة، في حين أن الداعية السياسي يحاول نشر آرائه السياسية والترويج لها ، بل تسويقها أحياناً وهو ما يتناقض مع مهمة الباحث الذي ينبغي عليه التمسك بالحيادية والموضوعية ونتائج البحث التي يتوصل اليها. إن ذلك لا يعني دعوة الى الحيادية المطلقة للعلم ووظيفته ذات البعد الاجتماعي، فالعلم له علاقة وطيدة بالاخلاق، ولا يمكن فصلها وإلاّ تحوّل الى النقيض باستخدام نتائج العلم والبحث ضد المجتمع والانسان، ولأغراض عدوانية وشريرة. والأمر نفسه ينسحب على الثقافة فمثل هذه العلاقة وطيدة ولا يمكنني طرد وظيفة الثقافة عندما أتحدث في البحث العلمي، كما لا يمكن طرد وظيفة البحث العلمي في النظر الى القضايا الثقافية.
الحرية باختصار ، تعني الضرورة وهي صيرورة الوجود الانساني وحرية المثقف، الهواء الذي يتنفس منه لتحقيق ذاته واضفاء نوع من " الأنسنة " على إبداعه ونتاجه العلمي أو الادبي. لا أجد تعارضاً في وظيفتي كباحث ولا في وظيفتي كمثقف، خصوصاً انتمائي الى الانسان أولاً وقبل كل شيء، وهو جوهر كل قيمة وغاية كل فلسفة أو آيديولوجية أو دين، ولعل الجميع الذين يلهجون باسمه يدّعون انهم يعبرون عنه ويريدون رفع الأذى الواقع عليه والاستغلال الذي يعاني منه. إن الانسان هو قيمة حقيقية لكل شيء، وهو الرأسمال الأعظم على مدى التاريخ.
· ما هو دور المثقفين والماركسيين منهم بشكل خاص؟
لقد لعب المثقفون في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين دوراً متميزاً مقتحمين ميادين مهمة. فشبلي شميل ومن بعده سلامة موسى دعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية في اطار الاشتراكية وقاسم أمين نادى بتحرير المرأة ومحمد عبده أهتم بتطوير الفكر الديني. أما الكواكبي فقد شدد على تغيير نظم الحكم وتحدّث عن طبائع الاستبداد " ودعا الأفغاني الى الجامعة الاسلامية . ولعمري ان تلك الحركة الاصلاحية تركت تأثيراتها اللاحقة على عموم التطور الفكري في المنطقة وعلى مستوى الصراع العربي التحرري ضد الهيمنة الاجنبية. وكانت حركة المشروطة عام 1906 في ايران والحركة الدستورية عام 1908 والاتاتوركية فيما بعد في تركيا، دعوة لتحديث نظم الحكم والتمسك بالدستور.
ومع كل مرحلة التطور اللاحقة سواءًا بتحقيق الاستقلال أو بعدها، فان الحرية وبخاصة حرية الفكر والتفكير واستقلالية البحث العلمي ظلت مفقودة ، بل عوملت باعتبارها منطقة محرّمة ومختومة بالشمع الاحمر، وإنْ جرى التخفيف قليلاً فقد تم زرعها بالالغام.
إن إدعاء امتلاك الحقيقة يعني حجب حق الآخر في التعبير والتفكير، وحسب أدونيس ، فان ذلك يعني " اعتقال العقل " ، عقل الذات الآخر ، وينطلق مصادرة حق الغير في التعبير من "ارادوية" سياسية مفروضة على الواقع ومرتبطة بالقوة وليس بالعقل وتصبح صورة " الغير " هي صورة العدو ، الخصم، الرأي الآخر ، المشبوه أو العميل بلغة السياسة والآيدولوجيا، وبلغة بعض رجال الدين المتطرفين تصبح صورة "الاخر"، الكافر والملحد أو الزنديق والمارق.
ويضيف أدونيس، ان مثل هذا النمط من التفكير يعني ، قفا السلطة المستبدة (ظهرها) ، أي الوجه الآخر للاستبداد. وجهي العملة الواحدة ، فمن لا يحترم الآخر ، كيف يمكنه احترام الذات (نفسه) فليس للطغيان صورة واحدة بل صور متعددة.
ان حفظ المثقف لكرامته وكرامة الثقافة التي يحملها يقوم على مبلغ اخلاصه لهذه الثقافة على حد تعبير قسطنطين زريق. وقد اختلّت كثيراً معادلة الثقافي بالسياسي سواءًا في ظل سيادة الافكار النازية في ألمانيا والفاشية في ايطاليا أو من خلال هيمنة الستالينية ورائدها في الثقافة "جدانوف" في الاتحاد السوفيتي السابق والتي شهدت حملة قمع وتصفيات لا نظير لها ، أو خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة التي شهدت حملة ارهاب وبخاصة ضد المثقفين.
واليوم تحت حملة " مكافحة الإرهاب الدولي" يتم تقليص الحريات المدنية والسياسية، لا في العالم الثالث حسب، بل في أكثر البلدان تقدماً، حيث أصبحت الأحكام العرفية وأوضاع الطوارئ وصدور قوانين وقرارات دولية بما فيها من الأمم المتحدة ومجلس الأمن كابحاً جديداً، مثلما هي القرارات 1368 (12 ايلول/سبتمبر) و1373 (28 من الشهر نفسه- 2001) و1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002 بخصوص الارهاب الدولي وتجفيف منابعه، وهو ما انعكس سلباً على القوانين والاجراءات التي اتخذت في الولايات المتحدة واوروبا الأمر الذي أثار احتجاجات واسعة من جانب منظمات حقوق الانسان ومؤسسات المثقفين.
وهناك نماذج كثيرة من معاناة المثقفين سواءًا على المستوى العالمي أو العربي، لوكاش (المجري) ، غرامشي وتولياتي (الايطاليان) وغارودي وآرغون (الفرنسيان) وبريخت (الالماني) وغوركي (الروسي) وعشرات الأمثلة. وفي عالمنا العربي ، دفع أعلام كبار مثل الجواهري ، وأدونيس ومحمود درويش ، وسعدي يوسف ، وبلند الحيدري وأميل حبيبي ، وعبد الوهاب البياتي ونجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل ونصر حامد أبو زيد وأحلام مستغانم والسياب ومعين بسيسو ومحمد حسين فضل الله وعزيز السيد جاسم وهادي العلوي وعبد الرحمن منيف وعبد الفتاح ابراهيم وعبد الجبار وهبي (أبو سعيد) وحسين جميل وسعد صالح وجواد سليم وأسمهان وزينب وناهدة الرماح ويوسف العاني وأدوارد سعيد والطاهر وطار والمهدي بن بركة وشفيق الكمالي وسعدون حمادي ومحمد عابد الجابري وسيد مصطفى جمال الدين ومحمد باقر الصدر وبنت الهدى وحسن العلوي وخير الدين حسيب وعامر عبدالله وداود الصائغ وعزيز الحاج ومحمد شكري وميشيل كيلو والياس مرقص وابراهيم أحمد وشمران الياسري (ابو كاطع) وحيدر حيدر وعشرات غيرهم ، ضريبة إلتباس وتداخل المعادلة الثقافية – السياسية.
ومن المفارقات ان يكون بعض ضحايا حرية التعبير عن الرأي أنفسهم الوجه الآخر للاستبداد ومنع الرأي الآخر حين تقوم بعض منظمات التطرف بارتكاب وممارسات عنيفة تحت زعم "اقامة الحد" باسم مخالفة بعض تعاليم الدين، في محاولة لتنصيب نفسها فوق القانون ، مشيعةً نوعاً من الارهاب الاجتماعي ، مبررة للسلطات (التي تعتبر أعمالها غير مبررة أصلاً في منع الصوت الآخر وحرية التعبير ) الايغال في عمليات التشدد والتضييق على الحريات وممارسة الارهاب ، بحجة مقاومة جماعات التطرف وأعمال الارهاب الفردية ، في حين تمارس هي ارهاباً حكومياً سافراً.
وباعتقادي ، ان الفكر لا يقابل بالعنف أو الاغتيال أو اخفاء الصوت الآخر، كما لا يُحسم بالقضاء . الفكر يُردُّ بالفكر ، وسماحة الحوار تتسع لصراع الأفكار. أما جعجعةالسلاح فلا تنتج طحيناً ، بل تجعله خليطاً برائحة البارود. والحوار يجب ان يتجه أولاً وقبل كل شيئ باقرار حق الغير " الآخر " في التعبير وفي التعايش وفي المنافسة السلمية ، ثم لاستخلاص ما هو ضروري لادامة السلام الاهلي واحترام حقوق الجميع ، وهو الأمر الذي استُهجن عندما توّجه فخري كريم برفع دعوى قضائية ضد سماح ادريس ومجلة الآداب بتهمة القذف والسبّ، وكان بامكانه الرد كما دعت الى ذلك مجلة الآداب نفسها، التي نشرت ردوداً خاصة عليها، بما فيها لائحة الاتهام التي وجهها محامي كريم ضدها، عملاً بحرية التعبير وحق الرد.
وإذا كان اللجوء الى القضاء حق لكل انسان وهو سلوك حضاري ومتمدن، الآّ أنني أعتقد أن للمسألة أبعاداً أخرى، لاسيما استخدام الموقع الرسمي وتوظيف إسم رئاسة الجمهورية، لتطويع الآخرين والحصول على مكاسب خاصة، وتهديد البعض الآخر، بحجة انه المرجع " الوحيد والشرعي" للثقافة العراقية، والمتنفّذ الأكبر بالثقافة العربية، بمحاولة استخدام بعض المثقفين العرب العمل لصالحه تحت مسمّيات مختلفة، وهو الدور نفسه الذي قام به مثقفون عرب آخرون روجوا للنظام السابق تحت حجج وذرائع مختلفة، ولكن كلا الفريقين لم يكونا بعيدين عن الحصول على المكاسب المادية والاعتبارية، سواءًا ما عُرف بفضيحة كوبونات النفط، أو المشاريع والبرامج التي روّجت للاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر، وبتعاقدات ومقاولات ثقافية سبقت الاحتلال أو نشأت بعده.
وبتقديري ان مكان حرية الفكر والبحث العلمي والأكاديمي ، هو قاعات الجامعات وأروقة الكليات والمعاهد وحلقات الدرس والبحث والمنابر الفكرية والثقافية والأدبية، وفي اطارها يتم النقاش والجدل ، فهي المكان الطبيعي والرحب لتبادل الأفكار واستمزاج وجهات النظر، وممارسة حرية النقد وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل والشك بالشك والبرهان بالبرهان.
وفي الجامعات ومراكز الابحاث والدراسات والمنابر الفكرية والثقافية تبدأ الاسئلة والشكوك وتثور الانتقادات ويتم البحث والاجتهاد في محاولة الوصول الى أجوبة مقنعة وبراهين.
أما محاكمة الفكر أو محاصرته اجتماعياً لدعاوى سياسية أو عقائدية اعتبارات دينية، فهذا يعني اصدار حكم بالموت المدني دون محاكمة وخارج نطاق القضاء والقانون، وهو مناقض لروح وجوهر الاسلام الذي يقرّ بمبدأ التسامح. فعدم التسامح يعني منع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حرّ وجديد ، بحجة المروق.
وتزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد حين يتم التمترس الطائفي والمذهبي، وحين يُنظر الى الآخر كخصم وعدو ، بل أشد عداوة من العدو الحقيقي أحياناً، وتجري محاولات لإلغاء الفِرَق والمذاهب والاجتهادات، وتعميم نظرة آحادية الجانب وفقاً للافكار الشمولية التي لا تعترف بالغير.
ولا أظن إن مجتمعاً بدون اختلافات أو اجتهادات متعارضة مختلفة أو انقسام في الرأي أو معارضة، موجود أو أنه وِجدَ في الكون منذ الخليقة، بل أستطيع القول إن مجتمعاً بلا اختلاف أو تمايز أو خصوصيات، هو من صنع الخيال، ولا وجود له على أرض الواقع، بل أنه مجتمع ميت إنْ وجد، فالتماثل ضربٌ من المحال.
التعددية والتنوع وحق الاختلاف والاجتهاد، هي بعض عناصر يقظة الوعي ومن أركان تنشيطه، بما يساعد على التطور والتجدد ولا تستقيم هوية " الأنا " من دون هوية " الآخر ".
وإذا أردنا محاججة بعض الاسلاميين أو الاسلامويين، فيمكن الاستشهاد بما جاء في القرآن الكريم " ... واختلاف ألسنتكم وألوانكم لآيات للعالمين " ، سورة الروم – أية 22 . والاختلاف لا يلغي الائتلاف بالطبع " ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ، أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " سورة يونس – الآية 99 ، وجاء في سورة البقرة – الآية 256 ، " لا إكراه في الدين ، قد تبّين الرشد من الغيّ ... " وجاء في سورة الكهف - الآية 29 ، "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ".
وسمح الاسلام بحرية الخطأ اذا لم يكن مقصوداً، خصوصاً اذا استهدف الاجتهاد الفكري واستنباط الحلول والاحكام، حين أكد الفقه الاسلامي على ان "المجتهد إنْ أصاب فله حسنتان ، وإن أخطأ فله حسنة الاجتهاد " بمعنى ان الخطأ مع الاجتهاد يتحول الى حسنة ، لأنه محاولة لاستخدام العقل، وكانت بعض الفرق الاسلامية قد أكدت على دور العقل بموازاة النقل، خصوصاً فيما يتعلق بكل ما له علاقة بشؤون الحياة كالمعتزلة والصوفية وغيرها.
وذهب الامام الشافعي للقول " رأيي على صواب ولكنه يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ ، ولكنه يحتمل الصواب " . وهو ردٌ بليغ على أفكار التعصب والانغلاق والعنف وعقلية التحريم والتجريم وفرض الرأي ، التي قادت من الناحية السياسية الى إحتكار الحكم وتبرير مصادرة حقوق الآخرين ، تارة باسم القومية أو بحجة الصراع العربي – الاسرائيلي، وأخرى باسم الطبقة العاملة ومصالح الكادحين، وثالثة باسم الدين، لإسكات أي صوت ولتسويغ فكرة الاستئثار وإدّعاء امتلاك الحقيقة.
* نكبة المثقف الماركسي
· ألا تشعر بهشاشة المثقف الماركسي واستعداده ليكون " أداة" قمع آيديولوجية وبوليسية أحياناً؟ ألست تبالغ بدور المثقف؟
إذا كان الجدل والنقاش قد أخذا طريقهما الى المفكرين الماركسيين في عهد ماركس وإنجلز أو بعد وفاتهما، فإن طريق العنف والتخوين والإدانة كان أحد سمات ما بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، ولعل ذلك يذكّر بالثورة الفرنسية التي أكلت أبناءها، فدانتون الذي أطلق عليه ماركس " استاذ الثورات" واجه مصيراً مأساوياً، وكان هو الذي اغتال روبسبير، كما اغتالت الثورة أحد أركانها المدعو مارا.
وكانت أعمال العنف والتنكيل أو التشهير قد طالت العشرات من المفكرين أمثال كاوتسكي وبرنشتاين ومارتوف وبليخانوف واكسيلورد وبوخارين، وهؤلاء إضافة الى لينين كانوا قادة الاشتراكية والأممية، وأصبح الافتتان بالمراكز الحزبية لاحقاً مرضاً مستفحلاً، بل وباءًا اجتاح عقول الكثيرين وامتد الى " نخبة " من المثقفين أيضاً، مسايرة أو طموحاً.
وأصبح تمجيد القيادات والولاء لها هو الاساس في الحصول على المكاسب، لدرجة ارتفعت أسماء مثل لينين وبعده ستالين وماوتسي تونغ وكيم ايل سونغ وأنور خوجه وجوزيف بروز تتيو وشاوشيسكو وغيرهم وكأنهم فوق البشر، بل اقتربوا من التقديس " وكانوا على صواب في كل ما فعلوه أو قالوه" لدرجة اقترب نقدهم من " الخيانة" أو " الجريمة"! وامتدّ الأمر الى الأحزاب السرية أحياناً، وبالمقابل فقد سُلبت الأضواء من مثقفين كبار ومن أعمال فكرية وأدبية رفيعة المستوى، وهو الأمر الذي كررته شخصيات من العالم الثالث عندما كرّست عبادة الفرد على نحو شديد البشاعة.
وتم تغييب أعمال الكثير من الكتاب والفلاسفة حتى عقد الستينات، بينهم بليخانوف ودستوفسكي، في حين اضطر غوركي وتولستوي الى الرضوخ، واحتوت مصحات الأمراض العقلية على الكثير من النزلاء من المثقفين، في حين ضمت بلدان الهجرة الكثير من الأسماء.
وفي فترة من الفترات أوكلت مهمة الأدب والثقافة في عهد ستالين الى عامل بسيط، وكان يازيف الذي لا يجمعه جامع مع الثقافة والفكر، هو الفيصل الذي يقرر ما هو صالح وما هو طالح ، طبقاً لمقولة ما هو ثوري وما هو غير ثوري، ما هو بروليتاري وما هو يلبس ثوب البروليتاريا. وسادت نزعات الولاء والوصولية والتملّق أوساط المثقفين بسبب نهج الخضوع والرأي الواحد وتخوين الآخر، الأمر الذي أدى الى الجمود الابداعي والعبودية الثقافية، لاسيما في الفترة الجدانوفية حيث تم وأد المبادرة وتأميم العقول وذبول الضمير وتغييب الذاكرة.
لقد اضطر مثقفون كبار على الرضوخ والتزموا الصمت مثل باسترناك وأخماتوفا وزوجنكو، في حين قضى بييل وبليناك وماندسون بقية حياتهم في معسكرات العمل الاضطرارية.
ان مؤرخاً كبيراً مثل ميدفديف وفيزياوياً شهيراً مثل تورخين وعالماً نووياً مثل ساخاروف " ابو القنبلة الهيدروجنية" (منذ العام 1953) تعرضوا للسجن والاضطهاد، ولم يسلم جنرال مثل زوكوف الذي اعتبر قاهر الجيش الهتلري في ستالينغراد وبطل " التحرير" خلال " احتلال " برلين والقضاء على النازية الهتلرية، فقد أقصي من منصبه وأرسل الى منطقة أوديسا في عهد خروشوف.
وبسبب القمع الحزبي الداخلي والسلطوي عند وصول الأحزاب " الثورية" الى السلطة، اضطر العديد من المثقفين والقياديين، على إدانة أنفسهم وشجب سلوكهم "التكتلي" " الانقسامي" و" البرجوازي" وعدم تشرّبهم بالقيم البروليتارية، حتى وإن كانوا غير مقتنعين بذلك، وذلك أمّا للرغبة في الإمساك بطوق النجاة أو الابقاء على صلتهم بالحزب، وإلاّ سيكون مصيرهم "التشهير" و"النبذ" والعقاب، وإذا كان "الحزب" وأجهزته يتحكّم بمصائرهم، فبإمكانه أن يرسلهم الى جهنم، لاسيما في ظل الاصطفافات الحادة والاستقطابات الشديدة.
والهدف ليس بالطبع قبول قرارات الهيئات العليا والامتثال الى رأي الأغلبية والتنفيذ اللاشرطي لها – حسب قاعدة " نفذّ ثم ناقش"، بل ليصبح تحطيم عزيمة الخصم، المخالف هدفاً بحد ذاته، في ظل القيادات البيروقراطية وقد يصل الأمر الى إلصاق كل التهم الخطيرة به، وخلال تاريخه تعرّض عامر عبدالله لتنكيل حزبي مرتين، وخرج بانطباع لو نقلناه على لسان العدو لأمكننا تصديقه، أما انه يصدر عن شخصية شيوعية قضى أكثر من نصف قرن في الحزب ونحو ثلاثة عقود في مواقع حزبية قيادية، فالأمر بحاجة الى تفكّر وتفكير، لاسيما في جوانبه الانسانية.
دعني أحيلك الى اقتباس بالنص عن عامر عبدالله ، لكي لا يحدث أي إلتباس أو اختلاف، يمكن تفسيره سلبياً " ليس هناك من أسلحة فتّاكة، أو قوة غاشمة- سواء كانت سيفاً أم مقصلة، أم رصاصة قادرة على تهشيم البنية الاخلاقية والانسانية للانسان، أو إضعاف مروءته وصدقه وشجاعته، أو تشويه خصاله وسجاياه، أو تحطيم عزيمته، ما يوازي فعل وأحكام وأجواء الحزب أو نزعات ونزوات بعض قادة الحزب، وهذا ما وقع وتكرر في معظم الأحزاب في العالم".
ولا أجد تعابير بليغة ومؤثرة مثل تلك التي ذكرها عامر عبدالله في وصف الحياة الحزبية و"الرفقة" النضالية وسحق الآدمية، لاسيما عند الخلاف بالرأي واستخدام سيف العقوبات الحزبية سواءًا تأثيرها المعنوي على المُعاقب أو رغبة القيادات في إجباره على الرضوخ والاعتراف على نفسه.
وعندما أدينت ما سميّت بكتلة الاربعة في الحزب الشيوعي العراقي عام 1962 وأقصيت من القيادة، وهم كل من: بهاء الدين نوري، وعامر عبدالله، وزكي خيري ومحمد حسين أبو العيس، اضطروا الى التراجع تحت سيف العقوبات الغليظة (باستثناء بهاء الدين نوري الذي رفض انتقاد نفسه واعتبر ذلك تحقيراً وليس انتقاداً لوجهات نظره، كما أبلغ محدثه في حوار خاص في ناوزنك – كردستان 1982).
وكتب أبو العيس نقداً ذاتياً أقرب الى " الجلد الذاتي"، عندما أدان نفسه بالتكتل والانحراف اليميني، وكان يتأسى لا بموته حسب، بل لبقاء عقوبته، وهو تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) عام 1963.
وكتب عامر عبدالله ، كما نقل حسين سلطان نقداً ذاتياً، أدان فيه نفسه، عندما كان في المدرسة الحزبية بموسكو، وقد طلبوا منه تعميق النقد الذاتي، ليصل الى الجلد الذاتي، كما فعل غيره، وأعيدت الرسالة اليه لاستكمالها، لكن حدوث 8 شباط (فبراير) 1963 قد أسدل الستار على ذلك وأنهى الموضوع.(حديث خاص مع حسين سلطان – 1981).
وقد حدثني عامر عبدالله كيف أُرسل من يفتش غرفته في غيابه، وكيف تعرّض لضغوط شديدة ومعه ثابت حبيب العاني لاتهامهما بالتكتل، لكن حدوث انقلاب 8 شباط (فبراير) كان قد أعاد الأمور الى نصابها. وقد تعرّض لاحقاً ثابت حبيب العاني الى عزل وإساءة واتهامات ظالمة منذ أوائل الثمانينات، وكانت صحيفة المنبر قد نشرت تحذيرات بشأن المخاوف على حياته واستثمار الصراع الحزبي لتصفية الحسابات التي لم يخلو بعضها من منافسات شخصية وطموحات غير مشروعة ولا إنسانية.
أما زكي خيري، فقد أنزل من عضوية المكتب السياسي الى عضو لجنة قضاء، ليقضي فترة العقوبة في ريف الشامية (لكي يعاد تصليبه)، وبمجرد قراءة رسالته تشعر بالأسى والغثيان وكيف يستطيع إذلال نفسه الى هذه الدرجة، حيث ابتدأ بإدانة حياته السياسية كلها منذ أن كان في السجن في أواخر الاربعينات وحتى اتهامه بالتكتل، لدرجة أنه افترى على نفسه، كما يعّلق عامر عبدالله، وذلك حين قال: " إن طبعي كان يتميّز بالاستعلاء الثقافي البتي – برجوازي، الذي انبثق من شوائبي كمثقف برجوازي صغير... كما ترعرعت في ذاتي مختلف العادات والتسلكات الغريبة عن الذهنية البروليتارية..." ولم تستطع سنوات السجن أن تصهرني... أو تساعد على تطهير ما كان كامناً في ذاتي من تلك الشوائب... ومن الطموح غير المشروع".
ولم أجد شعوراً بالانسحاق مثل هذا الشعور في دمغ الذات وتقزيمها إزاء "الآله" الذي اسمه الحزب، فزكي خيري الذي تحمّل عذاب السجن لعشر سنوات 1948- 1958، يكتب مثل هذه الرسالة التي تدينه، وتشجب سلوكه وينعت فيها نفسه بأشد النعوت. ولعله نفسه عندما أعيد للقيادة بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) تصرّف باعتباره صاحب الحق السليب، ونكّل بالأدنى منه، مثلما حصل في منظمة موسكو، التي طرد منها العشرات بجرة قلم واحدة في أواسط الستينات، وفعل مثله بعض القياديين في عدن ودمشق والدول الاشتراكية في الثمانينات.
ولكي يبرر زكي خيري الولاء والطاعة لمن هم أعلى، الذين اتخذوا عقوبته تحدث عن " قصور خبرته وثقافته الماركسية- اللينينية"... بالقياس الى رفاق أقدر منه كما يقول، وهذه مغالطة اضطرارية أخرى، فهو الأكثر ثقافة وخبرة ممن يتحدث اليهم. ثم يكيل التهم بحق نفسه فيقول: وأما العامل الثاني الذي ساقني الى سلوك سبيل المعارضة الانتهازية.... فكان النقص في تصلّبي الفكري والسياسي... فضلاً عن ضيق الافق القومي، والجمود العقائدي. ويعمق عبارات التنديد بنفسه منها" طموحه غير المشروع الذي أعماه" واستخفافه وعجرفته ودفاعه عن التسيّب الليبرالي وافتقاره الى الجرأة الشيوعية ومحاولة فرض الخط المارتوفي، واختتم رسالته بشجبه دوره الخاص ودور المعارضة ككل في التكتل المعادي، وبكل قواه شجب " سلوكه الخاص الذي اتّسم بالوصولية والسلوك اللامبدئي الغريب عن الاخلاق الشيوعية".
لا أدري بعد هذه المرافعة المازوخية ضد النفس ان كان خيري قد كتبها وهو بكامل قواه العقلية وبكامل أهليته، إنْ لم يكن ذلك تحت الضغط بالطرد من الحزب والتشهير وهي الطريقة السائدة في الأحزاب الشمولية. وكيف يتسنى لمن يكتب مثلها، ان يعود الى قيادة الحزب أو الى العمل السياسي، فإذا كان محقاً وهذا كان سلوكه خلال سنوات طوال، فهل رسالة واحدة واعترافاً بالذنب، ستنقله من حال الى حال، بحيث سيسهم في تطهير نفسه وما علق بها من أدران وأمراض وعقد، أم أن الذي ينبغي ادانته هو سلوك القيادات البيروقراطية، لاسيما إذا كان مضطراً ومجبراً ؟ ولعله وجد في ذلك التذلل طريقاً وحيداً، للبقاء بالحزب، فأية ازدواجية شخصية واجتماعية وسياسية تلك!؟ وأية سوّية اخلاقية ستسود في مثل تلك السلوكيات، لاسيما إزاء قيم العدالة والكرامة والصدق والجمال؟
لعل زكي خيري يقدّم تلك المرافعة لإدانة نفسه، كان يستحضر ما حصل لسليم خياطة وفؤاد الشمالي وفرج الله الحلو وعشرات من قيادات الأحزاب الشيوعية، الذين اتهموا بالخيانة أو الجنون أو لوثة الانحراف عن جادة الماركسية.
وإذا قارنا زكي خيري بأقرانه ومجايليه، فقد كان مجتهداً ومثقفاً صلباً، ولعل كل ما أدان به نفسه كان يمكن أن يدين به الآخرين لو كان هو المتنفذ في القيادة، ورغم كوننا بشر ولا نخلو من النواقص والثغرات والعيوب، الاّ أن اذلال النفس بهذه الطريقة هي بكل المعايير حالة لا انسانية.
والحق يقال فقد كان خيري من القلة القليلة في إدارة الحزب صاحب رأي ويجاهر برأيه أحياناً أو يعبّر بطرق مختلفة، ولعله دفع ثمن رأيه، وأتذكّر أن رأيه كان متميزاً بشأن الحرب العراقية- الايرانية، لاسيما بعد انتقالها الى الأراضي العراقية، أي بعد معركة المحمرة (خرمشهر) واضطرار الجيش العراقي على الانسحاب عام 1982، ومن ثم تقدّم المشروع الحربي والسياسي الايراني، لاسيما بعد العام 1983 ومن ثم احتلال الفاو، حين دعا الى التحالف مع الجيش ضد العدوان الايراني وكأن الجيش " العقائدي" كان معزولاً عن الحكم وقيادته.
ومثل هذا الرأي الفنتازي ينقله باقر ابراهيم أيضاً حين يذكر أن خيري دعا لارسال فلاحين من ريف الفرات الى بغداد لاعلان الانتفاضة بعد 8 شباط (فبراير) 1963. وأتذكر أيضاً اننا في المنبر، استحسنا رأي زكي خيري من الحرب رغم مواقفه من بعض أعضاء المنبر (مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق)، وقمنا بطبع كراس له، وهو الكراس الذي طبعه لاحقاً الحزب الشيوعي اللبناني، واستبدل فيه اسم زكي خيري الى ذكي خيري وصدر الكراس عام 1987.
وإذا كنت قد استطردت في قصة زكي خيري، فلأنه الشيوعي المعتّق والأبرز، الذي أسماه محمد كامل عارف " الوطني الأخير في الحزب الشيوعي" في مقالته في صحيفة الحياة بعد وفاته، وهو نموذج لمواصلة حياته الشيوعية أكثر من 60 عاماً من الزمان، وقد قضاها في القيادة أو قريباً منها. وهي بلا أدنى شك قصة انسانية مأسوية بكل معنى الكلمة، وهي لا تخص الشيوعيين وحدهم، فالأحزاب القومية والبعثية والاسلامية، وكلها أحزاب شمولية سلكت ذات الطريق مثلما كانت هناك نماذج صارخة في الاتحاد السوفياتي والصين وبقية البلدان الاشتراكية، لاسيما ضد المثقفين.
ورغم أن هذا الموضوع يتناول الحركة الشيوعية أساساً فقد حذى حكم البعث في العراق حذو بعض الأنظمة الاشتراكية، إنْ لم يكن قد بزّها، ففي ضربة واحدة أطار الرئيس السابق صدام حسين برؤوس ثلث قيادته القطرية وعشرات من الكوادر البعثية، بحجة اكتشاف مؤامرة، وذلك دون تقديمهم للمحاكمة القانونية، أو اعطائهم الحق للدفاع عن أنفسهم.
لقد تعرّض الكثير من المثقفين الماركسيين في العراق للملاحقة والاضطهاد لاسيما في أواخر السبعينات، واضطروا الى الهجرة، وفي بلدان المنافي تعرضوا أيضاً لضغوط شديدة، لاسيما باستغلال أوضاعهم المعيشية والاقتصادية والأمنية، خصوصاً حاجتهم الى جوازات سفر وإقامات وعمل وعلاج ودراسة لأبنائهم وغير ذلك، الأمر الذي استغلّه البعض أبشع استغلال لترويضهم وتطويعهم وإذلالهم.
ولعل المتحدث يحتفظ بأسماء أكثر من 100 مثقف عراقي ماركسي ويساري تم التنكيل بهم في الثمانينات من قبل القيادات البيروقراطية، بسبب آراء بعضهم أو عدم مهادنة البعض الآخر، الأمر أشاع روح التملّق والمسايرة والخضوع والولاءات الشخصية ونزعات الارتزاق والوصولية، وهي ظواهر مؤشرة لاسيما بارتفاع ميول الانتقام وتصفية الحسابات والتخلص من الآراء المخالفة، وتم استغلال أجواء الغربة وظروف الهجرة القاسية والحاجة المادية والمعنوية، لفرض الاذلال والاستكانة، وللأسف فإن بعض المثقفين انخرطوا في مثل هذه الأعمال دون أي اكتراث أو شعور بالمسؤولية، وقد طالت بعض هذه الاجراءات من كان يروّج لها لاحقاً.
وقد أوردت الكثير من الأمثلة التفصيلية في سجالاتي المنشورة بخصوص كتاب شوكت خزندار: الحزب الشيوعي- رؤية من الداخل، ومع باقر ابراهيم وآرا خاجادور ( القطبان المخلوعان من قيادة الحزب) وفي مناسبات أخرى، إضافة الى ما نشرته في جريدة المنبر بين أعوام 1987-1990.
3- الدين والهوية
· هل يمكن لنا إجمال حقيقة وضعية منطقية على المسألة الدينية، وهل يمكن نسف الارث الألحادي للفكر الماركسي وتنقية تاريخه الجدلي من الموقف السلبي من الدين ؟
لا يخلو الفكر الماركسي من فجوات وتقصيرات، ويجب ألاّ ننسى إن ما قام به ماركس وانجلز هو عمل فردي، تلاقحت فيه أفكار ماركس مع أفكار انجلز، ولم يكن ماركس سوى بشر محدود القدرة والارادة، وليس كما يتصوّر البعض انه خارق، وأنه بحث في كل شيء وأوفاه حقه، فذلك من الصفات التي تُنسب الى من يمتلكون قوى خارقة، وربما ملهمة تفوق الحدود.
ولم يكن ماركس قادراً بفعل عاملي العمر والتجربة البحثية، ان يستوفي كل ما يتطلبه البحث الجدلي من قضايا وأفكار ومسائل ملحّة، ولعله لم يقدّم معالجة واحدة شاملة للمسألة الدينية في دراسة أو بحث مستقل، انمّا كان يدرج الدين ضمن الخطاب الايدولوجي في المثالية الالمانية التي قرأها بالتفصيل، ووضع مؤلفه الهام في نقدها، باستثناء بحثه الموجز " في المسألة اليهودية،" فلم يفرد ماركس للدين بحثا متخصصا يعتّدُ به، أو يمكن الاعتماد عليه أو الاستناد له، وما عدا ذلك فالموقف من الدين جاء تقديراً على اجتهادات لماركسيين يرغبون ان يكونوا ماركسيين، بما لم يقله ماركس أو يعطي رأياً واضحاً وحاسماً فيه.
عموماً ما أريد أن أشير اليه هنا هو أطروحة الدين، فلا يمكن لنا ان نفكّر تاريخياً بمعزل عن الدين، وكذلك الاسطورة والشعر، ولا ينبغي أن نقدّم رأياً أو موقفاً من الدين، ويكون ذلك بحد ذاته كافياً، بأن يجعل الدين أمراً ثانوياً، فالافكار لاتسبق الوقائع حتى لو تقدّمت عليها في الرؤية المستقبلية، أو طرح الحلول والبدائل.
من الناحية الوضعية التكوينية يشكل الدين باختلاف توّجهاته ومذاهبه وطرائقه واحداً من أركان الاجتماع البشري، فيوم كان الانسان وحيداً في مواجهة مصيره إزاء الطبيعة وغرابة أطوارها، لم يكن الدين الاّ مخلّصا له وعوناً في تقليل مصاعب الفهم وطرد الكثير من المخاوف من نفسه وعقله.
ان الجانب السايكولوجي في الوجود الانساني يشكّل عاملاً أساسياً في فهم الوضعية المناسبة لكل ظاهرة انسانية او اسطورية او فكرية، ولعل محاسبة الدين أو مقايسته على ضوء المنطق العقلي هو اجحاف للبحث العلمي، وتقصير تنقيبي، وهكذا فان عمل الانثربولوجيا البنيوية التي اضطلع به كلود ليفي شتراوس كان محاولة مهمة في ضوء التخلص من الهيمنة العقلية على التاريخ، بحيث يصبح "ما هو عقلي هو واقعي وماهو واقعي هو عقلي"، حسب مقولة هيغل، بينما التاريخ يقدّم تساوقاً وأحياناً توازياً بين العقلي واللا عقلي، والمنطقي والماقبل منطقي حسبما يؤكد شتراوس، وذلك لأن التاريخ لا يكون كلّه مشروطاً بالتعليل التاريخي، والدين هو صورة متقدمة لإنعدام التعليلية المنطقية للعالم أو الطبيعة أو ما ورائها!!
ومن ناحية أخرى فان ما يكون ممتلكا لعنصر الديمومة مع انتفاء الحاجة العلمية اليه، هو توكيد مطلق على قدرات الخطاب الانساني أو بعض ممارساته على البقاء والاستمرار، بمعزل عن شروطه الموضوعية والعلمية، ومن هنا فأنا لا أدرج الدين ضمن الخطاب العقلي أو من خلاله، بل ضمن الخطاب الوضعي التخيّلي أو الإيماني، العقائدي، أو المواضعة التعويضية، لما هو نفسي، وهي الأطروحة التي تديمها الحاجة النفسية للوجود الانساني في ضوء اخفاقه الجوهري في المعرفة التامة للحقيقة النهائية.
· هل تريد القول ان الدين نقص عقلي ؟
لا...ما أريد أن أقوله هو أن الدين لا يتمثل في العقل، بل هو في العقيدة والإيمان، وهذا ما يحتاج اليه البشر على مرّ العصور، وأحياناً يكون ذلك خارج حدود الفهم العقلي، رغم ممارسته. وقد تكون هذه الناحية ملتبسة بعض الشيء لأن المفهوم الخاص عن العقل يحتوي على خلل معين لابدّ من تأشيره، فإن مفهومنا عن العقل هو مفهوم عقلي، فكأن العقل دائماً، تام " العقلانية" عبر التاريخ، وليس هو بدوره حقيقة تأريخية خاضعاً للتطور والتقلّب والتناقض والتحوّل والتغيّر.
ان الاسس التاريخية للعقل لم يتم مسّها أو اختبارها تاريخياً، وبما ان الدين ليس مصدراً عقلياً خالصاً، فماهو المانع من أن يكون مصدراً تاريخياً مهماً؟!
ومن هكذا منطلق فاننا نتحدث عن وضعيات انسانية مشروطة بما هو تاريخي، والدين هو عمل الانسان في المجتمع البشري في مواجهة الطبيعة ولا يمكن بالتالي التنصل عنه أو تهميشه، ولعل واحداً من أكبر الحقول المعرفية هو دراسات الاثنولوجيا وكذلك الانثربولوجيا الدينية والميثولوجيا وغيرها، من حقول باحثة عن صورة الوجود في منطقياته الاولى، وأقول بالمنطقيات، لأن الشعوب لم تدرس في مدرسة واحدة أو تتخرج من حضارة واحدة، وهناك التفاوت التاريخي الذي لابدّ منه للشعوب التي صنعت نفسها بنفسها دون عون من العلم الذي لم يطلّ على البشرية الاّ متأخراً.
ولعل فضل الماركسية علينا كما أشرت في مكان آخر، هي في كونها تقرأ التاريخ على ضوء صراعاته أو في ضوء صراعات التاريخ مع نفسه، وهذا هو ديالكتيك التاريخ (المادية التاريخية) وصراعه مع قوى الطبيعة، وهذا هو ديالكتيك الطبيعة (المادية الديالكتيكية)، ولا يمكن بالطبع تكذيب الصراعات أو حذفها أو تعديلها، لأن التاريخ هو عمل الكل في المجتمع وعمل الفرد داخل الكل، ولا يمكن انتقاء التاريخ الاّ ربما بقصد معرفة معينة أو منطلق دراسي تجريبي، وما كان علينا ان نحدد ماركسية ماركس في ضوء تاريخانيات شعوب أخرى، لا سيما نحن العرب الذي يشكل التاريخ الغيبي عندنا خصيصة مهمة ومرتكزاً أساسياً لفهم واقع حال العقلية العربية ومكوناتها وتاريخها وصيرورتها الحضارية .
* الدين والتنوير
· ألا تجد في ذلك مغالطة لفهم ماركس الى مستقبل البشرية؟ أليس الدين هو عائق أمام التنويرية أو الحداثة العربية أو التنوير العلماني ؟
كما أسلفت، ان فهم التاريخ العربي بمعزل عن المكوّن الغيبي أو الجوهر الروحي، هو نوع حالم أو مستعار من أشكال الحداثة الغربية، وهذا لا يعني بالطبع أن نستسلم لفهم التاريخ كما هو، بل أن نسعى الى تقديم نقد شمولي له، وهو النقد الذي يأخذ بنظر الاعتبار فهم المكّون العقلي والروحي للشعوب، وليس تقديم النظرية على التاريخ الوضعي.
هناك محاولات كثيرة في تقديم تفسيرات أيدولوجية للتاريخ العربي، وكان أهمها منظور الدكتور حسين مروة، وكان منظوراً مادياً لا غبار عليه، ولكنه لا يقدّم التاريخ كحقيقة وضعية، بل كفرضية ذهنية وهو يقدّم الفهم العقلي للتاريخ ضمن الجدل الماركسي، وليس الفهم الوضعي للتاريخ ضمن التحليل الماركسي، إذْ أن أصل الحقيقة، هي في كونها مشروطاً وضعياً مهماً، بدا ذلك حتمياً، الاّ انه يتحرك ضمن جدلية الارادة الفردية ومحيطها الاجتماعي.
ولا يمكن اعتبار خطاب التوحيد في الديانات الثلاثة الكبرى: الاسلام، المسيحية واليهودية، الاّ تعبيراً مباشراً عن هذه الحقيقة، وهي في كون الفكر الغيبي نفسه يتطور تاريخيا، وهو يتسارع اليوم نحو اشكالات أساسية بين وجوده المتعالي ومتغيّرات العصر التي تهدده وتضعه أمام احراجات لاقبل له على مواجهتها.
أمّا كون الدين يشكل عائقاً أمام التنوير العربي، فانا أرى بأن هذا الكلام كان فيما مضى نوعاً من الدعاية الايدولوجية لليسار المستعار من الغير، فالدين بحد ذاته يمتلك مقوّمات حضارية كبيرة، وهو نظام (سستيم) كلي يحفظ للانسان حقوقه وواجباته ويقدّم صورة للاخلاقية، خيرية موروثة، ولا يمكن عدّ الدين صورة من صور التخلف الاجتماعي أو العائق الحضاري، فقد كان الدين موجوداً في كل الحضارات في التاريخ وما قبلها، ولايمكن أن نستهين بمعمار تصوّري بهذه الدرجة من القوة والحياة والتواصل التاريخي.
أمّا بخصوص المستقبل فان التاريخ لا يمكن له ان يكون متماهيا مع التصوّرات والتكهّنات البشرية المحدودة أو المحددة وغالباً ما يتقدم الحدث على الحديث، وتتم متغيّرات تعصف بالاسس المنطقية للتصور المستقبلي في ضوء ما يمكن تسميته المتغيرات الوضعية، التي تحث الناس على أن يكونوا على غير ماهم عليه، فالوضعية اليوم تطلب الدين تطميناً نفسياً ازاء أهوال ما يحدث في العالم من خراب سياسي، وهو تعبير عن فجوة وغرابة الوجود بين منتهاه وبداياته المجهولتين كليهما!!
* فيورباخ ونقد الدين
· اذا ما أردنا أن نجد للدين مبرراً آخر في الوجود الانساني ككل أو داخل مساحة ماهو عقلي، فمن يكون الدين قياسا الى ماهو غير معقول او فوق العقل، هل للدين جوهر عقلي؟
يقول فيورباخ، ان السمع هو الطريق الى الروح، والمعرفة الدينية بدون السمع لا تعني شيئاً، ولعلها معرفة سمعية وكما ورد في انجيل يوحنا " في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الله الكلمة"، فالكلمة تأتي بالفن والعواطف والحب والادراك الحسي وهي الطريق الى الايمان والدين، وبلا أدنى شك فإنه يمكن استكمال ذلك بالرؤية البصرية والتأملية العقلية.
لا يمكننا أن ننفي الزمان أو المكان، وقد نستطيع نفي حدودهما، لكننا لا نستطيع نفي وجودهما، والزمان مرتبط بالاحساس والارادة والفكر، وقد استفاد ماركس من الوعي بالزمان والتاريخ، الذي أطلقه فيورباخ مستنتجاً أن الواقع التاريخي هو الذي خلق الدولة، وهذه تم خلقها من المجتمع، وليس بحكم الضرورة المنطقية.
إذا أردنا أن نتحدث في موضوع الدين فإننا نتحركُ في ثلاث دوائر، فننتقل من المجرد الى الحسيّ ومن المنطق الى الطبيعة، ومن اللاهوت الى الانسان. لقد اهتم فيورباخ اهتماماً غير عادي بالدين، وهو اهتمام يفوق اهتمام جميع الفلاسفة تقريباً، منتقلاً من النص الى القلب، ومن الايمان الى الحب، وإذا كانت الفلسفة هي معرفة ما هو موجود في الطبيعة والكون، فانها تنطلق من الواقع الذي هو بدايتها وسيبقى هو منتهاها، حتى وإن كانت تتحدث عن الله أو المطلق أو الكينونة، فالواقع الملموس " الحسي" وليس الخيال أو التجريد هو جوهر الوجود الانساني.
والدين هو اهتمام بالمصير الانساني، وهناك فرق بين جوهره وبين العقيدة التي قد تبدو ضلالاً، وبالتالي فلا بد من إنارة المناطق المعتمة عبر أنوار العقل، لكي لا يقع الانسان فريسة القوى الظلامية التي تستفيد من غموض الدين ومن ضعف البشر وحاجتهم اليه لتستمر في استغلالهم وتوظيفهم.
· هل هذا تقريض للدين وهل يمكن لنا اعتماده فلسفياً، بينما الفلسفة هي خارج كل لاهوت؟
ان الدين هو الوعي الاول للانسان، وهو الوسيلة التي ظل فيها يبحث عن نفسه، ولعل هذه الوظيفة ستبقى وظيفة أبدية للروح الانسانية، التي هي بحاجة الى شيء تستقر فيه وتطئمن عنده واليه.
وكان هيغل قد نظر الى الدين من زاويتين: الأولى " الدين الموضوعي" الذي أسماه اللاهوت بمعنى كونه نسقاً منتظماً من الحقائق والتعاليم، أما الثانية فهو " الدين الذاتي" الذي يتعلق بالقلب الحي ويشمل العواطف والمشاعر ويتحول الى أعمال وأفعال حيث القلب هو مقر الدين ورمزه، وحسب فيورباخ "الدين هو حلم العقل البشري"، ولنا أن نتساءل كيف يمكن تأنيس الاله، هل بإعادة الدين الى أصله الانساني؟ أي جعله ممكناً بواسطة العدل والحق، أم حسب البيركامو في كتابه " المتمرد" حين يقول " ان الله بدون الانسان ليس اكثر من انسان بدون اله" وعلى هذا الاساس نحن نميّز بين عدد من الأمور:
1- ماهية الدين.
2- ماهية الايمان.
3- سايكولوجيا الدين.
4- سيسيولوجيا الايمان.
ونتساءل هل ان الدين يعني الخوف من العقاب، لاسيما فكرة الموت؟ أم أن الدين يعتبر مصدر السعادة والطمأنينة وبالتالي حقلاً للحب والرحمة والتسامح والجمال؟ وأخيراً هل هناك شعور بتبعية الانسان للثيولوجيا، ام ان الانثربولوجيا هي التي تقرر حاجة العقل الانساني الى الدين؟ منتقلين من حرفية النص الى الايمان القلبي، ومن الايمان المتظاهر الى الايمان المتفاعل، ومن الطقوس والعادات التي لا يربطها رابط مع جوهر الدين الى التفكير بقيم الحق والعدل والجمال، وكيف يمكن أن نحول دون تحويل الدين الى سياسة، والكائن المدني الى كائن لا يجدُ ضيراً في ان يكون في الوقت نفسه كائناً متديناً.
لعل هناك من يقدّم النص على العقل وكما يقول الاسلاميون في جدلهم التاريخي أيهما ومتى نختار " النقل أم العقل" ؟ وإذا كانت فرقة المعتزلة قد أبدت اهتماماً كبيراً بالعقل، فهناك الكثير من الفرق التي جمدت على النص وقدسته رغم تأويلاته وتفسيراته المختلفة، كما أن هناك من يقدّم السياسة على الدين، ويُخضع الأخير لمصلحتها، حتى وإن كان تحت يافطة دينية، وهناك من يجعل الارادة محل الايمان.
ان الطبيعة هي الموضوع الاصلي الأول للدين كما تبرهن على ذلك جميع الديانات، فالدين فطري وطبيعي لدى الانسان، وإنْ كان هذا لا ينشأ بذاته، فبرغم ان الطبيعة هي المصدر الاول للانسان، فهي المصدر المستمر وربما الاخير له، وإذا أردنا أن نتخيل الله فانه لن يكون خارج الطبيعة، والله خالد كما يرد في جميع الديانات السماوية، وهو لا يستقر في المعابد أو المساجد أو الكنائس أو غيرها، انه مستقل عن ارادتها، ولعل المسيحية تؤكد مثل بقية الاديان: كل الاشياء تأتي من الله وتعتمد عليه، وكان الاسلام الأكثر تأثيراً في التوكل على الله وارجاع كل شيء اليه، وقد نوقشت تاريخياً فكرة هل أن الانسان مخيرٌ أم مسيّرٌ؟ هل ان كل شيء يمّر عبر قوانين حتمية، بما فيها الميلاد والموت وما في ظهر الغيب بجداول وأجندات ويوميات؟ أي: هل أن الانسان يسير وفقاً "للجبر" فلماذا إذن نحاسبه على سيء أعماله في الآخرة الموعودة؟ وإذا كان الخالق قد حدد المسافة بين الفضيلة والرذيلة والحق والباطل، والأمر جبر لا خيار فيه، فلماذا إذاً يحاسب على المعاصي!؟
وهناك افتراضات مسبقة عن الدين وهي التناقض بين الارادة والمقدرة، والرغبة والاشباع والخيال والواقع والفكر والوجود، ولعل هدف كل دين هو اشباع حاجات الانسان الروحية بالدرجة الاساسية، وضبط حركته لكي لا تفضي الى التيه واللاجدوى، صدق من قال: " إن الهك مثل قلبك"، فدين الانسان أحياناً وآلهته تشبه رغباته، أي ان البشر يخترعون دينهم أو تعاليمهم مثلما يريدون، أو يكيفونها مثلما يحتاجون.
ينتمي الدين الى العالم الروحي للانسان، وهو عالم لا يمكن تحديد حدوده وفضائه، كما لا يمكن ضبطه بكل ما فيه من تناقضات ومتغيرات، وهو عالم غامض ومعقد ومليء بالاشكالات والمفاجآت. وعلى خلاف العالم المادي للبشر الذي تحكمه قوانين وأنظمة، لا يمكن حكم العالم الروحي بها.
إن عالم الانسان الروحي متغيّر ومتناقض وملتبس، ولا يمكن ان يكون هناك عالماً روحياً واحداً لشخصين بشريين حتى وان كانا من دين واحد وقناعات واحدة ورحم واحد، فلكل انسان طباعه وتعقيداته وتصوراته ومشاعره ومزاجه المختلف عن الآخر. ان الدين كعقيدة يعتبر أحد أهم أركان العالم الروحي للانسان، ولا يمكن تطويعه بواسطة سلطان أو حاكم أو حزب أو دولة أو غير ذلك.
* الدين والتجربة الماركسية العربية
· لماذا لم يؤخذ الدين وفق المزايا التي نراك الان تؤمن بها في ضوء التجربة الشيوعية العربية على الاقل، لماذا تم اهمال الدين مادام هو عصب أساسي للوجود الانساني أو حاضنة مرحلية له ؟
للأسف الشديد لم تستوعب الحركة الشيوعية والتيارات الماركسية هذه الحقائق، فظلّت تدور في إطار النظرة المتعالية والفوقية للتعامل مع العالم الروحي للانسان ومع الدين بشكل خاص، وقد تمَّ اخضاع الكنيسة للدولة بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 بزعم العلمانية واكراه المؤمنين على السير في ركابها، وجرت عمليات انتقاص واساءة للأديان وصودرت اراضي وأملاك الكنائس والأديرة، والأكثر من ذلك اعتبر الالحاد شرطاً لعضوية الحزب وفي ما بعد لعضوية "الكومسمول" (منظمة الشبيبة الشيوعية).
وتقرر تنظيم حملات مناهضة للدين لتثقيف " الجماهير" وتحرير العمال من أوهام الدين والتعصب الديني وذلك منذ عام 1919، وفي المرحلة الاولى من ثورة اكتوبر حُرم رجال الدين من حق التصويت، كما اعتقل وأعدم المئات منهم، لاسيما من عارضوا " الجماعية" في الزراعة والكولخوزات أو عند رفضهم وضع ممتلكات الكنيسة تحت تصرف الدولة.
* فتوى الحكيم : الشيوعية كفرٌ وإلحاد!!
للأسف فإن بعض النزعات التدميرية سادت في أوساطنا إزاء الموقف من الدين، لاسيما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وإنْ كان ذلك دون "تعليمات" عليا كما يقال، خصوصاً وأن الكثير من العوائل الدينية كانت تنتمي الى الحركة الشيوعية والى جبهة اليسار، الاّ أن هناك من شجعها أو سكت عنها أو تهاون في كبح جماحها، الأمر الذي وفّر فرصة ذهبية للقوى المناهضة للشيوعية لاستغلال هذه القضية، وحينها صدرت فتوى السيد محسن الحكيم (اية الله العظمى) والتي جاء فيها:" لا يجوز الانتماء الى الحزب الشيوعي، فإن ذلك كفر وإلحاد، وترويج للكفر والالحاد...".
وقد صدرت هذه الفتوى في شباط (فبراير) 1960 (المصادف 17 شعبان 1379) وبعد ثلاث سنوات بالضبط من هذا التاريخ، تعرضت الحركة الشيوعية وقطاعات شعبية واسعة الى مذبحة لم يعترض عليها الحكيم، بل انه لم ينبس ببنت شفة، ولم يكن الدين قد استعاد مكانته "المهدورة" أو حافظ على أركانه بوجه محاولات الاساءة له، بل جرى الاستخفاف به، مثلما حصل في الفترة المذكورة، خصوصاً بالتجاوز على حقوق وحريات الناس وممارسة التعذيب والاعتقال التعسفي وغير ذلك، وهو ما حصل بعد 8 شباط (فبراير) 1963. والشيء بالشيء يُذكر كما يُقال، فقد حرص عبد الكريم قاسم على علاقة جيدة مع السيد الحكيم رغم صدود الأخير، حيث كان قد زاره في المستشفى تقديراً منه لدور الدين وحرصاً على التوازن السياسي والمذهبي، في حين لم يتعامل معه الحكام الجدد بدرجة الاحترام ذاتها، رغم استثمارهم وتوظيفهم لفتواه أحسن استثمار وأفضل توظيف قبل وصولهم الى السلطة.
· هل تقصد أن فتوى الحكيم كانت مبررة بسبب التجاوزات التي أقدمت عليها الحركة الشيوعية بحق بعض رجال الدين أو بسبب الأخطاء التي وقع بها الحزب الشيوعي، لاسيما ارهابه الفكري والسياسي ضد خصومه!؟
لا أقول أن فتوى الحكيم كانت " مبررة" في حينها بسبب بعض التصرفات غير المقبولة والمدانة، لاسيما الاستخفاف بالدين أو اظهار العداوة لرجال الدين، باعتبارهم وقفوا ضد الخطوات الاولى لثورة تموز (يوليو) 1958، خصوصاً الموقف من الثورة التي أطاحت بالحكم الملكي والموقف من الاصلاح الزراعي وعلاقتهم بالقوى الاقطاعية والرجعية، التي قوّضت الثورة مرتكزاتها السياسية والاقتصادية، لكن مثل هذه التصرفات تم استثمارها والتعكز عليها، بل والمبالغة فيها من جميع القوى المناوئة للشيوعية، فعزفت على أوتار الفتوى، وساهمت في كبح جماح الحركة الماركسية الصاعدة التي هيمنت على الشارع وجعلت السلطات الحاكمة بما فيها عبد الكريم قاسم، يخافونها ويحذرون من نفوذها، يضاف الى ذلك ان الحركة الشيوعية وقعت بأخطاء جسيمة ولم يكن لديها ستراتيجية واضحة إزاء المستقبل، وكانت تكتيكاتها قصيرة النظر، قلقة ومضطربة، فضلاً عن انتهاكات سافرة وصارخة لحقوق الانسان.
ولعل ما حصل في الموصل وكركوك العام 1959 يلقي ضوءًا كاشفاً على حجم التجاوزات، لاسيما الارهاب الفكري والسياسي الذي ساد عقبها وهي الفترة التي أطلق عليها " المدّ الأحمر"، الأمر الذي ساهم في تعريضها لضربات موجعة، واستغل موقفها السلبي من الدين مبرراً لذلك، رغم انه " كلام حق يراد به باطل"!
وبالمناسبة، يمكن استذكار ما كتبه المفكر الإيراني الاسلامي علي شريعتي في كتابه "العودة الى الذات" بشأن موقف اليسار من الدين، فهو وإنْ كان يشيد بما قدّمه ويعتبره شيئاً مهماً، الاّ أنه يعتبر مدخله خاطئاً، لاسيما في الاشارة الى موقفه من الدين، ولعل البداية كان لها أن تكون من العدالة وليس من الله. وعرض شريعتي ثلاث مشاهد لا تخلو من صور كاريكاتورية طريفة.
المشهد الأول- يرسم فيه مثقفاً يسارياً يخاطب جمهرة من الفلاحين، ويقنعهم بعد تحريضهم، بالهجوم على السلطة وأخذ زمام المبادرة.
المشهد الثاني – جمهرة الفلاحين يسيرون خلف المثقف اليساري لمواجهة السلطة عبر الاستيلاء على رمزها" مركز الشرطة".
المشهد الثالث- المثقف اليساري يختبئ وراء أحد أفراد الشرطة، وجمهرة الفلاحين تريد قتله، وذلك بعد أن شكك بوجود الخالق.
وهكذا ضاع ما كان قد ساهم في الإعداد له، لمجرد تناول قضية مستقرة في أذهان العامة، وتمثل جزءًا من وجدانهم، فتحوّل مصدر سخطهم على السلطة وسبب ظلمهم، الى نصير لهم ومدافع عنهم، لأنه شكّك بعقائدهم!
ومثل هذه التصرفات واجهناها أحياناً في حياتنا اليومية، لدرجة أنها تعطي الانطباع بأن ما يطرحه الماركسيون انما يمسّ مساساً مباشراً بالعقائد المتوارثة، إذ أن مجرد الاقتراب منها وهي في نظر العامة غير قابلة للنقاش، يجعل الطرف الآخر في دائرة الرفض والاساءة الى المقدسات، الأمر الذي يمكن اعتباره ستراتيجياً وتكتيكياً خاطئأً.
وعلى اليسار والماركسيين تجنب الخوض في هذه القضايا الحساسة وإبداء الاحترام الكامل إزاء عقائد ومقدسات المؤمنين وطقوسهم وشعائرهم، وضرورة عدم اعطاء أي انطباع خاطئ بخصوصها، وستكون الخسارة كبيرة جداً، الاولى لجهة اليسار نفسها والماركسية بشكل خاص، لانها ستكون في عزلة وبعيدة عن التأثير، والثانية لجهة توسيع دائرة الكفاح بجرّ أوساط واسعة، لاسيما من المؤمنين من أجل مصالحها ومصالح مجموع (الشعب)، والثالثة لجهة مستقبل الحركة الماركسية وارتباطها بالأوساط الشعبية التي يهمها انجاز التحوّل الاشتراكي لمصلحتها.
لقد استثمرت القوى الدينية وقوى أخرى في الصراع السياسي بعض نقاط الضعف ضد التيار الماركسي وعزفت عليها بعض الألحان، وألفت عليها حكايات كثيرة حول " تمزيق القرآن" و"الدعوة الالحادية" والاستخفاف بالرسل والأئمة، لإمرار ما تريد من أطروحات سياسية، ساهمت الى حدود غير قليلة في عزل أو تقليص نفوذ الحركة الشيوعية وتخفيض رصيد الماركسية.
وكان لفتوى السيد محسن الحكيم التي جرت الاشارة اليها حول تحريم الانتماء الى الحزب الشيوعي واعتبار الشيوعية كفراً وإلحاداً، دوراً غير قليل في إضعاف مواقعها، لاسيما في أوساط الريف والفلاحين والمناطق النائية والبعيدة، الذين اهتزت مشاعرهم، رغم أن تأثيرها كان محدوداً جداً في النجف، بل انه لا يكاد يُذكر، حيث كان المسؤول الأول عن لجنة محلية النجف للحزب الشيوعي آنذاك من آل الحكيم وهو السيد صاحب جليل الحكيم فضلاً عن وجود عدد من نساء آل الحكيم، كنّ عضوات في الحزب الشيوعي ومن بينهن (أم فلاح) زوجة حسن عوينه الذي قتل تحت التعذيب بعد 8 شباط(فبراير) 1963، كما أن العشرات بل المئات من أبناء العوائل الدينية كانوا أعضاءًا أو أصدقاءًا للحزب الشيوعي: مثل آل الحكيم وآل الرفيعي وآل بحر العلوم، وآل الخرسان وآل زوين وآل شعبان وآل الجواهري وآل الشبيبي وآل الحلو وآل سميسم وآل السوداني وآل زيردهام وغيرهم، إضافة الى عوائل عربية معروفة أخرى، الأمر الذي لم يكن للفتوى التأثير الذي تركته في بعض المناطق الأخرى، حتى يمكن القول أنها بقدر ما أضعفت الحركة الشيوعية، فقد أضعفت الحركة الدينية أيضاً، لاسيما وقد واجهتها أسئلة كبرى لاحقاً لم يكن بمقدورها الاجابة عليها.
لقد ألهبت الرسوم الكاريكاتورية لصحيفة دانيماركية مشاعر ملايين المسلمين، بالاساءة للرسول محمد، الأمر الذي حرّك جمهوراً واسعاً لا في أوروبا حسب، بل في العالم العربي والاسلامي، وهو الذي لم يتحرك رغم ما تعرّض له من هزائم كبرى أو عدوانات غاشمة أو حصارات جائرة أو احتلالات ظالمة، وهو ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ذلك أن الدين والمقدسات الدينية تبقى مؤثرة جداً، وتشكل جزءًا مهما من وعي الانسان المسلم.
لقد تعاملت الحركة الشيوعية في الاربعينات والخمسينات مع الدين ورجال الدين على نحو مختلف وكان توجيه فهد للجان السجنية، إضافة الى دراسة الاقتصاد والمادية الجدلية الماركسية، لاسيما المادية التاريخية، دراسة القرآن لأنه أدرك دور العامل الديني في تكوين الثقافة المجتمعية، وبالتالي لا يمكن التعامل مع المجتمع والتأثير فيه وتغييره دون معرفة خصائصه: أديانه، قومياته، عشائره وتركيباته المجتمعية ، تاريخه ، مزاجه، رموزه وهكذا.
ولهذا تم التشديد على مسألة احترام مشاعر المسلمين وكان للحركة الشيوعية نفوذ كبير بينهم، حيث أسهمت في توجيه بعض المنابر والعزاءات الحسينية ضد سلطات العهد الملكي، برفع شعارات تندد بالاستعمار وأحلافه العسكرية وتدافع عن قوت الناس وخبزهم وحريتهم، دون التطرق الى مسألة الله أو الإلحاد، بل مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم وتبصيرهم بشؤون دنياهم وسبل انعتاقهم، ولهذا السبب كان تأثيرها كبيراً عليهم.
عندما حدث انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 وهوت التنظيمات الشيوعية استغرب "المحققون" وجود هذا العدد الهائل من رجال الدين فيها، ففي النجف وحدها كان هناك 33 عضواً من مجموع 1080 عضواً في المدينة، وهؤلاء رجال دين وقرّاء وشعراء منابر حسينية وسدنة في حضرة الامام علي وفي الحوزة العلمية، ولعلها كانت مفاجأة حقيقية.
وإذا ما عدنا الى تاريخ الحركة الشيوعية العالمية، فرغم التحسّن النسبي الذي حصل في التعامل مع رجال الدين ومؤسساتهم، الاّ أن برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي ظلّ حتى وقت قريب من انهيار التجربة الاشتراكية، يشترط مبدأ الالحاد، وإن كان هناك مؤمنون الاّ انهم لا يحق لهم الدعاية للايمان.
ورغم نداءات لينين الى مسلمي الشرق وتنديده بالنظام القيصري ومخاطبة جموع المسلمين في دول وشعوب آسيا التي انضوت تحت لواء الاتحاد السوفيتي السابق 1922، بالقول : انكم منذ الآن، أحرار في عقائدكم وعاداتكم، وثقافتكم، وأن معاهدكم حرّة ومضمونة... كما ان حقوقكم، شأن حقوق شعوب روسيا، محمية من قبل الثورة وأجهزتها"، الاّ أن ضغوطاً وممارسات وتجاوزات وانتهاكات مورست على المسلمين ومنعوا في الكثير من الأحايين من ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية، بما فيها الزواج والختان ودفن الموتى وغيرها، الأمر الذي دفعهم للتمرد وتعرضوا اثرها للقمع الشديد.
* النقد الذاتي
لعلنا لم ندرك التأثير المهم للدين الاّ في وقت متأخر، ولذلك كان موقفنا أو بعض تصرفاتنا خاطئة، وذلك بسبب الأدلجة وأساليب الدعاية والترويج، وما كان يصلنا من معلومات ناقصة أو مبتسرة أو حتى مشوّهة، ولعل الامر يعود الى اعتقادنا ان المسألة الدينية وحرية الديانات كانت محلولة مثلما هي المسألة القومية في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة، واتضح لاحقاً ان كلاهما معقدّتان وغير محلولتين، بل أنهما كانا الأكثر إلتهاباً واستفزازاً بعد مسألة الحريات والاختناق الاقتصادي.
ويعود جزء من موقفنا في الدفاع عن الأنظمة الاشتراكية أيضاً الى هجوم الغرب الرأسمالي عليها وحملته الآيديولوجية والدعائية ضدها، الأمر الذي جعلنا أحياناً نقف بين خيارين أحلاهما مرٌّ، وهي الحقيقة التي ينبغي قولها علناً، وخلال محاضرة لي في ديوان الكوفة كاليري 4 شباط (فبراير) 1994، تناولت بعض هذه القضايا بروح النقد الذاتي العلني، ليس على صعيد المراجعة الفكرية التي ابتدأتها منذ الثمانينات حسب، بل على صعيد الممارسة أيضاً.
وقد قدّم عامر عبدالله أحد أبرز المفكرين الشيوعيين العرب، مراجعة نقدية أوجز فيها تجربة البلدان الاشتراكية، لاسيما في الاتحاد السوفياتي، في كتاب مهم أصدره عام 1997 بعنوان "مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي وتوجهات النظام العالمي الجديد"، وقد أورد فيه عدداً كبيراً من الشواهد والأمثلة والاقتباسات، بما فيها اعترافات وانتقادات ذاتية، لايمانيته المطلقة وبعض مواقفه.
وكم كان بودي الاّ يقصر ذلك النقد على النظام الاشتراكي، بل يواصله الى التجربة الشيوعية العراقية والعربية، الذي يعتبر أحد أعمدتها، فقد كان لديه الكثير من التشخيصات والتوجهات المغايرة للخط العام والتي بدأت تتبلور في الثمانينات، وأجرى مراجعات غير قليلة عليها وكتب مذكرات ورسائل، واختصم وصارع وتراجع واصطدم وتحالف وانتقل، لكن ملاحظاته بغض النظر عن مواقفه اللاحقة بشأن الحصار الدولي والتعويل على القوى الخارجية، كان لها قيمة فعلية في حينها، وعبّرت عن تطلعات عدد من القيادات والكوادر الشيوعية حينذاك (أواسط الثمانينات)، لاسيما المتطلعة الى التجديد، وأحتفظُ بالكثير من القصاصات والأحاديث الشخصية التي دونتها معه، ونقلت فيها الكثير من آرائه وملاحظاته (وذلك على مدى نحو عقدين من الزمان وأرجو أن يسنح لي الوقت لتنظيمها ونشرها في كتاب).
لقد أهملت الشيوعية الرسمية كتاب عامر عبدالله ولم يحظ بقراءة انتقادية ضرورية ومطلوبة، لاسيما بتقديم السياسي على حساب الفكري لدى عامر عبدالله، وهو أمر يثير الجدل والنقاش، خصوصاً وأنه كان جزءًا فاعلاً في الصراعات الحزبية منذ أواخر الخمسينات وحتى أواسط الثمانينات. ولعله بسبب الكتاب تعرّض الى اساءات جديدة لحقته، بشأن ما ورد فيه من جرأة ومصارحة وكشف للحقيقة وبوح لما في الصدور، بعد الكثير من المرارات والانكسارات والعذابات والعوز والتجاهل والجحود!
يمكن القول ان الدين لدى المسلمين هو جزء من هويتهم الثقافية، وهو ليس تعاليماً أو فروضاً، بل هو جزء لا يتجزأ من تكوينهم، انه يمثّل حضارتهم الممتزجة مع حضارات سبقتها بغض النظر عن القومية أو اللغة.
لقد استبعدت اللغة العربية وهي جامع مشترك للعديد من الأقوام الاسلامية في حين اختيرت اللغة الاذرية(اذربيجان) لعدد من الجمهوريات والمناطق الاسلامية، مثلما اختيرت التركية لغة ثانية لجمهوريات اوزبكستان وكازاخستان وتركمنستان وقرغيزيا، وكانت الفارسية لغة ثانية لمواطني طاجكستان، ولعل مثل تلك الممارسات والضغوط تركت تأثيراتها على تقسيم الاتحاد السوفياتي السابق، ليس فيما يتعلق بجورجيا واوكرانيا وجمهوريات البلطيق، بل بكل ما يتعلق بالقوقاز والجمهوريات الاسلامية، حيث تعيش الآن عودة الى الدين والى طقوسه وشعائره التي كانت محرومة منها في السابق، بل انها بالغت فيها رغم وجود تيار قوي حالياً معارض لذلك.
كانت الفكرة السائدة والساذجة لدينا، هو أنه بزوال الاستغلال والاضطهاد، فإن ذلك سيؤدي الى تقليص دور الدين، بل الى زواله، وثبت على مرّ الأيام لاسيما بعد الهبّة الدينية في العالمين العربي والاسلامي، خصوصاً بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وفي امريكا اللاتينية وما سمّي بلاهوت التحرير، ان تأثير الدين يزداد والانسان بحاجة دوماً الى الدين منذ أن وجد وسيبقى الى ما لا نهاية.
الدين هو ملاذ، إضافة الى كونه عقيدة، وذلك قبل الاديان السماوية، والأمر يعود الى الكوارث الطبيعية والجهل بأسرار الوجود وبالتالي مصير الروح، فقد كان الانسان البدائي يصنع إلهه لكي يعبده، لإتقاء المجهول والشر المحتمل.
الدين لصيق بالانسان، حيث ظل السؤال حائراً منذ الخليقة حتى يومنا هذا، كيف خلق الانسان؟ وكيف تكوّن؟ ولماذا يموت؟ وماذا سينتظره بعد الموت؟ إضافة الى الأقدار والكوارث التي لا يجد لها أجوبة شافية.
ولا شك إن الاديان جميعها تشترك في بعض الطقوس كالخشوع الى الله والتضرع لرحمته وتقديم القرابين في سبيله، وذلك لإخراج الانسان من هواجسه ومخاوفه وضعفه الازلي وتطمين نفسه وعجزه ودرء الشر عنه.
وقد حاولت جميع الاديان السماوية الاجابة على الاسئلة الشائكة إزاء سر الكون والوجود ومآل الانسان في الدنيا والآخرة، ومع ذلك ظل الانسان خائفاً، محتاراً، إزاء المستقبل والمجهول والغيب.
لقد كان الدين بشكل عام والدين الاسلامي بشكل خاص مرتبطاً بالحياة والمجتمع أكثر من غيره، لدرجة أشبه بمجموعة قانونية وقيمية وأخلاقية، من الفروض والواجبات، إضافة الى العبادات. يمكنني القول إن الدين يتركز على قسمين: الاول وهو ما نطلق عليه اسم العبادات وتضم العقائد والتعاليم والطقوس المرتبطة بعلاقة الانسان بالخالق، والثاني ما نطلق عليه المعاملات، وهو متعلق بمجموعة من الأحكام والنصوص، لها علاقة بالقضايا الدنيوية المدنية المرتبطة بعلاقة الانسان بالانسان وعلاقته بالمجتمع والسلطات الحاكمة.
ان حجم الانتهاكات ضد الدين في البلدان الاشتراكية السابقة، وهو ما يؤكده عامر عبدالله خلق تشوّهات كبرى وردود فعل أكبر، خصوصاً قسوة الحياة وتسلط قيادات حزبية وادارية، الأمر الذي سمّم الحياة الروحية للناس بشكل عام وللمؤمنين بشكل خاص، وأدى الى تشويه نفسية الفرد وأشاع الاغتراب الفردي والاجتماعي.
* هوية أم هويات؟
· على ذكر موضوع الهوية هل هي بالتالي مرتبطة بالدين كوحدة روحية ام بالوطن كمفهوم خاص بمكان ما للوجود ؟
الهوية هي قدم الانتماء من قبل الذات الى جماعة او اجتماع معين، وهي ذات صفة جمعية لا يمكن أن تُحسب كمنفرد شخصاني وإن كان لها هذا الوجه، والهوية جمع لا مفرد لانها نتاج عملية ثقافية يجد الفرد نفسه معجوناً بها منذ البداية، وبالتالي فان الهوية قد لا تخضع لمعايير الاختيار على عكس الموقف من الغير أو الاخر، الذي قد يكون حافزاً لتثبيت الهوية وليس دائماً تهديداً لها.
ولعل ما يتم الترويج له اليوم عن هوية ذات خصوصية مطلقة هو نوع من التعويض السلبي عن " تهديد الهوية "، لا سيما في زمن تفاقم العولمة وشيوع الواحدية المركزية الغربية وتراجع الخطاب العربي السائد الى نوع من الصراع الاسلامي – الغربي، وتفشي ظاهرة الارهاب وخلطه بمفهوم الاسلام وغيرها، من مظاهر الالتباس التي أدّت الى كوارث كبيرة وشاملة.
ان الهوية بناء ثقافي يتكون بصورة خارجة عن الفرد أحياناً، لاسيما ما له علاقة بالتراكم التاريخي، وهذه تتموضع ضمن كيانية تشكل ما يسمى بالعقلية الجماعية أو الذهنيةMentality وهناك من يتشبث بالهوية لدرجة الانغلاق، في حين أن الهوية كلما اكتسبت ثقة بنفسها، كلما استطاعت الانفتاح على الآخرين.
إن الإلغاء أو الإقصاء أو عدم الاعتراف بحق الآخر في هوية مستقلة، بحجة الدفاع عن الهوية ضد التحديات، سيقود الى هوية طاردة واستئصالية، وغالباً ما سعت الهويات الكبرى لتقزيم الهويات الصغرى أو صهرها، سواءًا كانت هوية قومية أو دينية أو ثقافية. وعلى العكس من ذلك كلما كانت الهوية الكبرى، لاسيما من يتحدث باسمها انسانية ومنفتحة، خصوصاً اقرارها بالتنوع والتعددية، فإنها تسهم في تعزيز الهويات الصغرى التي يمكن أن تزدهر في إطار الحرية والمواطنة والمساواة ورعاية الهوية الكبرى، أكان ذلك داخل الدولة أم في إطار العلاقات الدولية!؟
الاعتراف بالحقوق الانسانية والسعي للوصول الى المشترك الانساني، هو الذي يؤدي الى تفاعل الحضارات وتداخل الثقافات وحوارهما بدلاً من النظريات التي ولدت ما بعد انتهاء الحرب الباردة التي تقول بصدامهما، لاسيما نظرية فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ" أو نظرية صموئيل هنتنغتون " صدام الحضارات".
لقد ناقشت بالتفصيل من زاوية قانونية وفكرية موضوع الهوية والجنسية والمواطنة في كتابي " من هو العراقي؟" كما ناقشت موضوع الهوية والعلاقة مع الغرب في كتابي " الاسلام والارهاب الدولي" وكلاهما صدرا عام 2002، وأعتقد أن مناقشتي لموضوع التسامح في كتاب " فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي" الصادر عام 2005، كان من زاوية تعايش الهويات والمشتركات الانسانية والاعتراف بحقوق الانسان وبالتعددية والحق بالتمسك بالعقيدة وواجب احترام عقائد الآخرين، وهو يمكن أن يكون استكمالاً للكتابين.
وهذا ما دعاني الى وضع وتعزيز موضوع التسامح وهو قضية اساسية في تدعيم العلاقة مع الآخر وتبيان سبل تجسيرها لا سيما في مجتماعتنا العربية القائمة على التنوع الديني والاثني والاختلاف المذهبي داخل الدين الواحد، وما نشهده اليوم من بعض التناحرات المذهبية في المجتمع العراقي، هو نتاج عمل المصالح السياسية للجماعات الطائفية المتداخلة مع بعض الدوائر الخارجية، لاسيما بعد الاحتلال.
وهذا موضوع آخر لا يؤكد مسالة الهوية ولا يفيدها بشيء، ولعل استرداد مجد الهوية كما ترغب بعض التيارات القومية الكلاسيكية، لا يعدّ مأخذاً على طابع المحافظة المطلوبة على كل خطاب للهوية، لكنه يريد حق العيش والاستمرارية، ولكن لا يمكن فرض الهوية فرضاً او تقديمها بصيغ عنفية أو آيدولوجية بحتة، وهناك مكوّنات طبيعية للهوية كما أن هناك أوضاعاً معينة تساعدها على العيش والازدهار، لا سيما الهوية الخارجة من مرحلة الكولونيالية، والتي يبالغ فيها كرد فعل لاشعوري للحصول على الاستقرار والأمن واستعادة الكيانية.
أما على المستوى الفردي فأتذكر أنني حضرت قبل بضع سنوات منتدى فكري حول الهوية في الرباط، وكان أحد المثقفين المغاربة المهاجرين قد طرح سؤالاً مهماً وأجاب عليه في الوقت ذاته بالقول ما هي الهوية؟... فأجاب عندما أكون في بروكسل أشعر أنني أنتمي الى بلجيكا والى أوروبا، وعندما أحضر الى الرباط أشعر بأن انتمائي المغربي العربي- الاسلامي، يتحرك فجأة، وأرى نفسي جزء لا يتجزأ من هويتي الأم " الأصلية"، لكنني لا أريد الانسلاخ عن هويتي الثانية الموازية لهويتي الأولى. وهنا ندخل فيما أسميه جدل الهويات، ولعل ذلك ما تناوله أميل معلوف – في كتابه " الهويات القاتلة".
· يقول علي حرب بأن الهوية هي حفاظ على الاختلاف، وهو يتطلّع نحو التغيير، والتغيير برأيه " الدقيق" من الغير والتغيير بالتغاير معه أو التغيير باتجاهه فماذا تقول في ذلك ؟
لا يشكّل عمل " التاريخ" مجرد هلاميّات أو اختلاطات عشوائية، وإنمّا العالم قائم على التجاور والحوار، وهو بدوره تعدد هويات واختلافات لابدّ منها في مسيرة الانسان عالميا ومحلياً، والغير كان ومازال ماثلاً في الثقافة العربية منذ عصر المأمون الى يومنا هذا، بل أن الاسلام المحمدي إهتمّ بالغير، خصوصاً في دستور المدينة وفي صلح الحديبية لأنه موجود وواقع لا بدّ من التعايش معه، وسار الاسلام الراشدي على هذه القواعد، رغم الاختراقات الحاصلة إزاء حقوق الآخرين، لكن " الغير" كان حاضراً في فتح القدس وفي فتح القسطنطينية وغيرها، خصوصاً الاعتراف بحق ممارسة الطقوس والشعائر الدينية وحماية أرواح وممتلكات المسيحيين وغيرهم. وهكذا تكوّنت ثقافتنا بمعيّة الآخر، ترجمةً وشرحاً وتاويلاً وتعقيباً، ولم يعد مجدياً القول بالتمترس بـ "الانا" و" الآخر" ولا يوجد في العالم المعاصر، إما انا أو الاخر.
لقد صار بحكم الوضعية الثابتة نسبيا، اننا مع ومن خلال الآخر، ولكن ما أساء لهذه العلاقة الثقافية في جوهرها هو عمل السياسي في الثقافي وتراكب الفكر على الموقف الايدولوجي، وهو ماجعل الموقف من الآخر يندرج في مجال صراع المصالح وتوكيد أو إثبات الارادات، لاسيما في الحقبة التي تلت ما سمي بالحروب الصليبية التي أسميّها "حروب الفرنجة" وفترات الاستعمار فيما بعد، ولكن هل يمكن استرداد الهوية ثقافيا ؟ هل يمكن لنا أن نكون غيرية متماسكة عقلياً وثقافياً، دون أن نفكر بعوامل " العقاب" و"القصاص" من الاخر ونظريات المؤامرة الملازمة، خصوصاً بما لحق بنا من تخلّف وبؤس بسبب الهيمنة الكولونيالية!؟ لعل هذا الأمر بحاجة الى وقفة جدية للمراجعة أساسها المشترك الانساني والمصالح المشتركة وقيم التسامح. ان ما يجعل الهوية ممكنة وفاعلة هي وعيها للاختلاف والتخالق مع الغير، وليس الانغلاق والمغايرة المطلقة.
· أليس ذلك نوعاً من تسويغ الانفتاح على الغير وهو ما نراه ممقوتا من قبل الكثير من مفكري الخطاب العربي ؟
ليس هؤلاء هم القاعدة رغم كثرتهم وارتفاع أصواتهم، بل هم الاستثناء المحدود، ولعل مشكلة التعامل مع الثقافات الاخرى تتمثل بصورتها الممتازة عند ادوارد سعيد ودرسه المهم بالاستشراق فهو بصورة ما استطاع الامساك بالتفاحتين بيد واحدة، وهو ما يعطي لنا درساً حول الانفتاح على الغير من داخله ومعرفته بالتساوي والتكافؤ المطلوب، وبالتالي فان مقاييس التعامل مع الآخر الغربي او "الغير" بمعنى الاجنبي، لم تعد تحتمل مجرد المناظرة عن بعد، لاسيما الارتياب أو التأثيم والتحريم والتجريم.
لقد تغيّر وجه التفاعل مع الآخر وصار لزاماً علينا ان نعرف قبل ان نعترف او نتعرف قبل ان نختلف، ولعل جاك دريدا نفسه كان قد أشاد قبل موته بأنه قادم من ثقافتين مختلفتين ومن هويتين مختلفتين، وهو عدّها مثار حسد له لا شفقة عليه، وهذا ما يجعل النظر الى العلاقة مع الاخر تأخذ مجرى جديداً لانها لم تعد صورة غائمة او مشوشة تستدعي ارسال مبعوثين من الازهر أو من الكوفة الى باريس، كما كان سائداً في مطلع القرن العشرين، ليقدموا لنا صوراً عن الآخر البعيد الغريب الغامض الذي لايمكن بلوغه، بل صار العالم كلّه الان في متناول الجميع.
ولم تعد حماية الذات من سطوة الآخر ممكنة، فالعالم أصبح قرية كونية كما يقال، وبفضل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات، وهذه من حسنات العولمة، لا يمكن حجره خلف القضبان أو وراء ستار حديدي، وأصبح الخبر والمعلومة والصورة تصل الى غرف النوم بلحظات، متخطية الحدود وجوازات السفر ونقاط التفتيش وجميع الحواجز، ولعل هذه من مزايا وإيجابيات العولمة وليس وجهها المتوحش كما يقال، فعولمة الثقافة والعلم وحقوق الانسان مسألة مهمة، لكنها تحتاج الى جهود مضنية وتضامنية كونية، وهنا يأتي دور الأممية الرابعة المنشودة، إضافة الى مؤسسات المجتمع المدني العالمي.
· أنت تقول اذن بضرورة التواشج مع الاخر أو التخالق معه أليس كذلك ؟
ليس الامر وقفا على رأيي الشخصي فإن سيرورة المعلومات اليوم والثورة الالكترونية حتمت ما سميته نوعا من " المواطنة الالكترونية" حتى وإن كان وهماً، واصبح بإمكان أي شخص وهو مقابل شاشته الصغيرة على الكمبيوتر الاتصال بالعالم أجمع، بل بعضهم توّهم أن باستطاعته الاطاحة بالحكومة أو بهذا النظام أو ذاك وإقامة مجتمع الفضيلة والعدل، حتى وإن كان بديلاً وتعويضاً عن الحرية المفقودة، مقابل حرية موعودة، أو متخيّلة.
· هل يمكن لنا أن نفهم صورة الآخر العربي اليوم من منظور اوربي؟
أنا شخصياً أميّز بين منظور الاوروبي السياسي ومنظور الاوروبي الثقافي، ولا شك أن الاول قائم على المصالح والآيديولوجيات، لاسيما التي تريد فرض الهيمنة والاستتباع، وهي متعارضة مع طموح شعوب البلدان العربية الساعية للانعتاق والتحرر وتحقيق التنمية والديمقراطية، وبالتالي اللحاق بشعوب العالم المتمدن، خصوصاً بالقضاء على مشكلة الفقر والأمية وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.
أما الغرب الثقافي فقسم غير قليل منه وقف الى جانب قضايانا العربية، بما فيها القضية الفلسطينية والحق في مقاومة الاحتلال، ووقف مع حق تقرير المصير وحقوق الانسان وضد الحريات المهدورة وأنظمة الاستبداد في بلداننا، كما أن له فضلاً كبيراً على تكوين ثقافتنا التي هي جزء من الثقافة الانسانية- الكونية- العالمية ومثلها وقيهما المشتركة.
لكن خطابنا بالمقابل- إن كان لنا خطاباً موحداً أو جامعاً- ليس بالمستوى المطلوب، فالتطرف والتعصب والارهاب والتخلف، سمات ظلّت ملازمة لمجتمعاتنا، ورغم أن " الغرب" يتحمّل دوره الكبير على هذا الصعيد، لكننا نحن أيضاً نشاطره المسؤولية. ولذلك فإن النظرة ما تزال سلبية لنا حتى في أوساط أصدقائنا ممن يقفون معنا، وأعتقد أن صعود التيار الاسلاموي في العالم العربي، ونموذجه البارز تنظيمات القاعدة، إضافة الى متوافدات كبيرة على بعض الأنظمة التي ترفع راية الاسلام، وتمارس أعمالاً بشعة بشأن حقوق المرأة والاقليات، كما تمارس التعذيب وتهدر الحقوق والحريات، أعطت المزيد من المبررات للغرب لاتخاذ مواقف أكثر سلبية تجاهنا. آن الأوان لرد الاعتبار للعلم السياسي وتقديم خطاب عقلاني وانتهاج سياسات واقعية، إنْ كنّا نريد التقدم على صعيد علاقاتنا الدولية.
· هل يمكن لنا الحديث مع محمد عابد الجابري عن بُنية معينة للعقل العربي؟
كان مشروع محمد عابد الجابري مهماً لاسيما في الثمانينات، خصوصاً بتسليط ضوء على التراث ومشكلاته وتقديم قراءة جديدة ومفتوحة له، فقد حرّك الكثير من المياه الراكدة، وأعتقد ان فحص بنيان العقل العربي في ضوء مناهج البنيوية، إنما يقع في حقل الابستمولوجيا النظرية وهو حقل دراسي مفتوح، ولا يمكن عدّه مشروعاً واقعياً أو معالجة جذرية، انه منهج قراءة، وليس للمناهج التي من هذا النوع نصيب كبير من الصواب والخطأ، وبالتالي فان هناك مساحات فكرية في الخطاب العربي المعاصر تمارس نوعاً من القراءات على خطاب غربي أو مناهج أو اطروحات تفيد عمل نظريات المعرفة، والفكر المبحثي او مجالات علوم انسانية تتوالد فيها المفاهيم وتتناسل، ولكنها في النهاية لا تضع نصب أعينها مشاكل وضعية معينة ذات اشكاليات معاشة او محسوسة، فليس هناك كما تتظاهر بعض هذه القراءات التي ذكرنا مشاكل نظرية بحتة في حياتنا اليومية، وليس ثمة قصور في متون التراث، عن أي معاصرة ممكنة أو حداثة مهملة، بل ان افتعال الاسئلة الزائفة قد تسهلّ على الباحث ان يدعم مايرغب به شخصيا، أو أن يعلن عنه، فنراه يفتعل مشكلة نظرية زائفة ليقول ما عنده من خلالها، وهكذا تصح عليهم مقولة ماركس ليست الأجوبة وحدها هي الزائفة بل الاسئلة كذلك.
· هل يعني هذا أن لا أهمية للخطاب العربي المعاصر اليوم ؟
ليس هذا هو ما عنيته، بل ان الحديث عن خطاب فكري عربي معاصر، هو من باب المانشيت العريض او العنوان الصحفي، فليس صحيحاً أن هناك وحدة تجانسية لهذه الدرجة بين محاولات اجرائية فكرية لم تتبلور كفاية، وإنّ الكلام عن خطاب عربي هو نوع من الأمنية الخاصة، لأننا لم نتقدّم باتجاه تقارب جدي أو تفاعل بحثي لانتاج خطاب كهذا بعد، وذلك بفعل تعدد الاهتمامات الشخصية لكل مفكّر على حدة، وانعدام وجود تواصل فكري مشترك يبني نوعا من الموسسة العربية للتواصل والانتاج الفكري، وهذا مايجعل كل مفكر يفكر بماهو بحاجة اليه او ما يقع ضمن اختصاصه هو شخصياً، ولا يرتقي الى التواصل الفكري المطلوب.
وقد سعت مؤسسة مهمة يديرها الدكتور خير الدين حسيب هي "مركز دراسات الوحدة العربية" الى مثل هذا العمل ضمن رؤية استشرافية للمستقبل، ولكن هذه بحاجة الى دعم كبير ومشاركة واسعة من الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، بل الى تخصيص ميزانيات كبرى لها لانجاز ما تتطلع اليه.
وإذا كان العمل الفكري، التنظيري، البحثي فردياً، ولكنه كي ما يصبح خطاباً جامعاً أو موحداً، فلا بدّ من تفاعل وتلاقح وتواصل وتنوع للاتجاهات والمدارس الفكرية بين نخبة يجمعها ما هو مشترك.
· كيف يمكن لنا ان نسال عبد الحسين شعبان بعض الوصايا أو التوجيهات للكاتب او المفكر العربي القادم ؟
لا يمكن تقديم وصايا أو نصائح، فهذا ليس شأني، لكن هناك بعض الدروس الشخصية التي يمكنني تلخيصها، فالمثقف لا بدّ له أن يتمسك بالحرية كقيمة عليا وشرط لا غنى عنه وخيار لا عودة فيه، وضرورة لأي عمل إبداعي أو اجتهاد فكري أو عمل حقوقي وهذا هو الدرس الأول.
أما الدرس الثاني، فهو لا بدّ من الانتماء الى العقل، الذي لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، وهو قبل كل آيديولوجية أو عقيدة أو قومية أو دين أو مذهب أو انتماء عشائري أو جهوي.
أما الدرس الثالث، فهو الايمان الكامل بأن الانسان هو الأصل وهو مقياس كل شيء، وبالتالي لا يمكن لمثقف حقيقي يؤمن بالتمييز على أساس جنسي أو قومي أو ديني أو اجتماعي أو لغوي أو لأي اعتبار آخر، وبهذا المعنى إن المثقف الحقيقي هو الذي يسعى للتآخي بين البشر على أساس المشترك الانساني، مع إيمانه بالتعددية والتنوع والتواصل بين الثقافات والحضارات، إضافة الى حقوق المرأة والأقليات.
وبالنسبة لي هناك ثلاث دوائر تحكمني الاولى هي الدائرة الوطنية، أما الثانية فهي دائرة انتمائي العروبي، أما الدائرة الثالثة فهي الدائرة الانسانية، التي تشكل فضاءًا تتخالق فيه الدوائر الثلاث باحترام الانسان وحقوقه.
4- المرأة والجنس والحب
· طيب د.شعبان، لننتقل الى رؤيتك الوضعية النقدية بخصوص المرأة والجنس والحب، فكيف تنظر الى هذه الثلاثية؟
هذه هي الاسئلة الحائرة التي ظلّت تواجه أصحاب الفكر والفلاسفة على مرّ العصور. لا اريد هنا مناقشة ثلاثية أريك فروم: الجنس، الدين والصراع الطبقي، (الثالوث المحرّم) فهذه مجالها نطاق آخر.
لقد قضى فرويد سنوات طوال في دراسة ما أطلق عليه " الروح الأنثوية"، لكنه كما خلص الى القول، ظل عاجزاً عن معرفة ما تريده المرأة بالضبط وعن فهم كنه العلاقة.
المرأة والحياة الجنسية والحب، ليست أشياءًا جامدة، بل هي أنهار متحركة وينابيع متدفقة وجارية، ولعل تلك الالغاز تشكل جوهر الصراعات والعقد النفسية، وتترك تأثيراتها على النفس البشرية، وتخفي سلوكيات وممارسات كثيرة معلنة أو مضمرة في الكثير من الأحيان، ولكنها تفسّر في الوقت نفسه الكثير من الجوانب الشخصية وتوّجه الكثير من التصرفات والسلوكيات.
الروح الانثوية تبقى لغزاً لذيذاً نبحث عنه ونريد الوصول الى كينونته، وتستفزّنا كثيراً الخبايا والخفايا التي فيها، بل والأسرار التي نكتشفها أو لا نكتشفها، وسواءًا كانت تلك المرأة متحررة وحرّة، أم مقيّدة وتابعة أو بين البينين، الاّ أنها تظل هدفاً نسعى للوصول اليه، ولا نستقر عنده الاّ بمسيرة أخرى وربما مضنية من البحث، لكنها مسيرة لذيذة ومغرية وتشجع على المواصلة.
" اللذة" ليس هي غاية بذاتها على حد تعبير ميشيل فوكو، فهي بهذا المعنى لا تخضع لا للمتعة ولا للأخلاق ولا لأي حقيقة علمية. قد يندهش البعض أو يصاب بصدمة عندما يكتشف أن فوكو كان مثلياً، ولكن الجنس بالنسبة اليه كان أقرب الى التطابق مع الشعارات الثورية التي أطلقتها حركة الطلبة والمثقفين لاحقاً في فرنسا (أيار /مايو 1968).
* الثورة الجنسية
· كيف تنظر للثورة الجنسية من زاوية الماركسية الوضعية النقدية؟
لقد رفعت الحركة النسوية في تلك الفترة شعارات مشككة بالمعايير الاخلاقية السائدة ودعت الى حق المرأة في امتلاك جسدها و"حقها" في رفض الانجاب ورفض الرضاعة والامومة وحقها في عدم تربية أولادها، وفي اطلاق رغباتها الجنسية، وتمادت أكثر من ذلك حين طالبت بـ "حقها" في الشذوذ والزواج المثلي، بما يخالف الطبيعة البشرية، وقد نجحت في وقت لاحق ومعها الحركة المثلية في فرض ما سمّي الزواج المثلي بالضد من الكنيسة في عدد غير قليل من بلدان أوروبا وما تبع ذلك من " حق " في الشراكة والسكن والتملك والارث وتربية الأطفال (للذكور) وغير ذلك.
وكانت اوروبا حتى الثورة الجنسية في الستينات تعتبر الى حدود كبيرة "محافظة" قياساً لما حصل لاحقاً، ولعل ذلك يذكّر بما كان يطرحه أفلاطون في جمهوريته المثالية بدعوته الى "شيوعية النساء" بحيث لا تكون نساء المحاربين ملكاً لرجل واحد وتحت سقف واحد، مثلما هم الأطفال الذين ينبغي أن يكونوا "مشاعين" بحيث لا يعرف الأب ابنه ولا الابن أباه، وتلك لعمري أمور تناقض الطبيعة الانسانية منذ الخليقة وحتى اليوم بغض النظر عن الأديان والتعاليم الدينية والسماوية، وهو الأمر الذي جرت مناقشة جادة بشأنه وبشأن الممارسة الجنسية لاسيما بين روزا لكسمبورغ (روزا الحمراء) وبين لينين، الذي انتقدها بشأن تصوير الممارسة الجنسية التي لا تعدو ان تكون رغبة أو حاجة أو "غريزة" لا بدّ من املائها بما أطلق عليه تهكماً نظرية " كأس الماء"، وهي من النقاط الخلافية الثلاث الاساسية من نقاطها العشر البرنامجية. لقد تركت لنا روزا لكسمبورغ رسائل غاية في الجمال والأدب والحب الرفيع الى حبيبها هانز، إذ إنها تحدثت اليه بأدق التفاصيل، في شيء أشبه بالرواية.
ورغم ان الماركسية تعتبر الممارسة الجنسية مسألة شخصية جداً على حد تعبير المفكر الالماني أوغست بيل، فلا أحد ينبغي أن يحاسب عليها، وهي لا تخص الآخرين، هكذا هي اشباع للغريزة شأنها اشباع أية غريزة، لكنها تنضبط بقوانين واعتبارات عامة وخاصة، بحيث لا تتحول الى حيوانية مبتذلة، الأمر الذي عارضه ماركس أشد المعارضة.
* جيني وماركس: حب دائم
· دائماً ما تذكر جيني وماركس: كيف تنظر لعلاقة الحب؟
لقد أحب ماركس جيني التي هي ابنة أحد كبار المستشارين وأخت وزير الداخلية في بروسيا وتزوّج منها بعد انتظار دام نحو 7 سنوات، وهي أكبر منه بأربع سنوات، وذلك بسبب ممانعة عائلتها، لاسيما وهي من أسرة غنية وعريقة، وهو من أصول متواضعة، لكنه كان صاحب نظرة ثاقبة ومثار الاعجاب، وكانت هي سعيدة بهذا الزواج، كما كانت العائلة (ماركس وجيني والاولاد الثلاثة) سعداء وتراهم يغنّون ويرقصون ويستقبلون الضيوف، رغم فقرهم وحاجتهم في الكثير من الأحيان.
في البداية عقد ماركس خطوبته سرّاً على جيني وستفالن عام 1936 وكان في عمر الثامنة عشر. وجيني تنتسب من ناحية أمها الى كونتات آرجيل وجدها لأبيها مستشار الدوق دي برونشويك، وكان والدها الوحيد الذي وافق على زواج ابنته جيني من بين سائر أفراد العائلة.
وجيني كانت تهيمن على مدينة تريف بجمالها الآخاذ وكانت حديث المجالس لسنوات طويلة باعتبارها " أميرة ساحرة" و"ملكة الرقص"، وعند وفاة والدها رفضت الأسرة الزواج، لاسيما أخوها فرديناند الذي أصبح وزيراً للداخلية في برلين، واستمرت المعارضة حتى العام 1842 وهو عام زواج ماركس من جيني في 23 حزيران (يونيو) في مدينة كروزناخ.
تروي إيليانور إبنة ماركس وجيني في كتابها الذي هو بعنوان " أوراق متناثرة"، أن كل عضو من أعضاء الأسرة يحمل لقباً، فكانت جيني تُسمّي ماركس بـ "المغربي" بسبب سُمرته، وكان أولاده يسمّونه ديفيل " الشيطان" أو "أولدنيك" وتقول : كنا نعتبره حصاناً قوياً، فكنا نمتطي ظهره ونشدّه الى عربة ونجلس عليه، وتتذكر أنه كتب "الثامن عشر من برومير" وأولاده الثلاثة يتناوبون على ظهره. وقد عاشت عائلة ماركس مرحاً وفرحاً، وكان الجميع يغنّون أغاني الزنوج ويخرجون الى الريف احياناً.
وكانت جيني تقبل من ماركس، الشخصية المتفردة والعبقرية ما يصدر عنه وتتحمل الكثير من أجله، لأنها تدرك أنها أمام رجل من طراز فريد قلّ نظيره، وأنه صاحب رسالة إنسانية لا حدود لها، وهي تشاركه طوباويته وأحلامه وتحملت من أجله ومن أجل ما كانا يؤمنان به ومعهما انجلز كل ما حصل لهم من تشرد وحرمان.
وقد غفرت له ما بدر عنه حين ضاجع مربية الأطفال يوم كانت غائبة، وأنجب منها طفلاً قيل أنه أوكل أمر تربيته الى صديقه انجلز، الأمر الذي أدى الى نوع من الفتور بينهما، يومها كتب ماركس رسالة اعتذار مثيرة الى جيني دوّن فيها عبارته الشهيرة التي يتم ذكرها، دون إنسابها الى حيثيات هذه الواقعة التي تبدو وكأنها خارج السياق، حين خاطبها قائلاً:" أقبلك من رأسك حتى أخمص قدميك"!! وكان يقصد ما يقول، وأتذكر أحد "المتمركسين" المسلكيين من الذين آمنوا بالماركسية إيماناً " ريفياً " أو " بدوياً " أو خليطاً بين القروية والبدوية باعتبارها دين جديد، كتب رسالة الى سيدة محترمة بمناسبة عيد المرأة العالمي ضمّنها هذه العبارة الشهيرة لماركس، الأمر الذي أغضبها كثيراً في حين أنه أراد أن يدخل البهجة الى نفسها، لكنه استخدم العبارة في غير موضعها وفي غير محلّها، وهو ما يثير السخرية لماركسيتنا الريفية- البدوية وتقليداتنا السمجة والساذجة.
وهذا ما يذكّرنا بأحد المفكرين العراقيين الكبار وأعني به علي الوردي الذي وصف "حداثة " البعض بأنها تتراوح بين " حسّون الامريكي والحاج عليوي" وتلك احدى مفارقات التخلف والازدواجية الاجتماعية في مجتمعاتنا، وبقدر اقتنائنا الاجهزة والمعدّات والتكنولوجيا والعلم، لكنه لم يحدث التطور الحقيقي المنشود في حياتنا وسلوكنا، وعشنا ازدواجية رهيبة بكل معنى الكلمة، ولعل " العولمة" كشفت ما جاء به علي الوردي في الخمسينات على نحو صارخ الآن.
ان الموقف من حقوق المرأة يشكل جوهر ومحتوى الموقف الماركسي النقدي من قضية التحرر والتقدم، وللأسف الشديد فإن الكثير من الماركسيين الطقوسيين، أو البيروقراطيين الاداريين أو المسلكيين، او المدرسيين، لاسيما في البلدان النامية، ومنها العراق والبلدان العربية، كانت تفصلهم هوّة سحيقة عن الماركسية، وتراهم يسقطون في أول امتحان بالتعامل مع المرأة: حبيبة أو زوجة أو إبنة أو أختاً أو أمّاً، لاسيما في كينونة مبدأ المساواة التامة، ويبررون ذلك بذرائع مختلفة.
ولعلّي أعرف الكثير من الشواهد التي تفصل هؤلاء الذين ينتمون الى الماركسية كشكل أو اطار أو حزب، دون أن يكون لهم علاقة بجوهرها الحيوي التقدمي ووضعيتها النقدية، وحتى القشرة الفوقية التي عاشت في أوروبا ظلت مشدودة الى الخلف بأكثر من وثاق، بل ان بعضهم ارتدّ الى كيانية عشائرية وطائفية ومذهبية وإثنية، مع انه ظل يحمل الشعار ويساهم بالمناسبات الطقوسية ويحتفظ ببطاقة العضوية.
* الحب والتعليمات البيروقراطية
أتذكر انني عندما كنت طالباً للدكتوراه ورئيساً للطلبة في براغ كان العديد من الشيوعيين المنقاّدين للقيم القديمة الريفية أو البدوية، يبرّرون رغبتهم بالزواج بحجة أن الزوجة المنتظرة من بيئة ريفية ومحافظة ولا ترغب في ارتياد الملاهي أو النوادي الليلية، وهي بحكم تربيتها أقرب الى ربّات البيوت، رغم أنها خريجة مثلا، ويستمر هؤلاء في عرض مزاياها: بأن والدها أو عمها أو خالها أو جميعهم مسؤولون وموظفون كبار، وقد يكونون عسكريين، ولعلهم نسوا أن يضيفوا ذكر مزايا عشيرتها أو قبيلتها ومرابعها وكرمها، في استعارة تعويضية عن ثقل القيد الاجتماعي والمخزون النفسي في الذاكرة.
وكنت غالباً ما أضحك مع نفسي أو أمازح محدّثي بأن الأمر مفهوم و"صار معلوم" كما يُقال، وأن الرغبة في الزواج والارتباط هي الطاغية وهذه كلها مبررات، ما بعد الاختيار، رغم أنه حق شخصي وأمرٌ مفروغ منه، لكنه كان يواجه التعليمات البيروقراطية.
كان الحزب الشيوعي في مطلع السبعينات قد أصدر تعليمات شديدة الصرامة بمنع الزواج من أجنبيات، وذلك بعد قرار صدر من الحكومة العراقية في العام 1969 يقضي بمنع تسجيل عقود الزواج في السفارات العراقية، الأمر الذي أثار مشكلة على صعيد الجاليات العراقية في الخارج، لاسيما الطلابية منها، وبالطبع فإن تفسيرات الحكومة العراقية كانت أقرب الى الأمنية والارتيابية فضلاً عن الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، في حين ان الادارات الحزبية الشيوعية بررت الأمر بضعف النضالية والاسترخاء الثوري وغير ذلك، ولكن هذه التبريرات كلها غير مبرّرة ولا منطقية، فاختيار الزوج مسألة شخصية ولا علاقة لها بالجنسية أو اللغة أو القومية أو الجهادية أو حتى الدين أحياناً، وهي اختيار شخصي، لكن البيروقراطية الحكومية والحزبية الشمولية لا تريد التحكّم بالبشر وسلوكهم واختياراتهم حسب، بل في عقولهم وقلوبهم أيضاً.
ومن المفارقة ان أكثر المتشددين من المتمركسين البيروقراطيين والقريبين من الادارة الشيوعية، أما انهم كانوا متزوجين سابقاً من أجنبيات او أن بعضهم تزوج لاحقاً، وقد فرضوا تلك التعليمات البيروقراطية اللاانسانية سواءًا مجاراة للحكومة أو للادارة الحزبية أو بسبب نظرتهم المتخلفة إزاء المرأة وعلاقات الحب والمواقف الانسانية، ناهيكم عن تملقهم للادارات العليا.
* مفارقات الحب
لقد أحبّت شابة عراقية شاباً كوبياً في موسكو، ولكنهما لم يستطيعا الزواج، فلا السفارة العراقية تعترف بعقد زواجهما، ولا السفارة الكوبية تعترف هي الأخرى بعقد زواجهما، وكانت الحكومة الكوبية قد اصدرت في حينها قراراً مشابهاً لقرار الحكومة العراقية، وقد تكون قد سبقتها الى ذلك، وهذه مفارقة ثانية. أما المفارقة الثالثة فهي عند زيارة فيدل كاسترو الى موسكو التجأ اليه الشابان وكتبا له مذكرة تطلب الترخيص لهما بالزواج، الذي يحتاج الى تصديق السفارة الكوبية، فكتب كاسترو على " العريضة": ليس للحب من وطن ، وهكذا امتثلت السلطات الروسية بابرام عقد الزواج مثلما امتثلت السفارة الكوبية بتصديقه، وبالمناسبة فقد كانت الحكومات " الاشتراكية" تأخذ تعليمات حكومات بعض البلدان بنظر الاعتبار، وتمتنع عن " مخالفتها"، بل تطلب موافقة سفارات الطلبة الاجانب على بعض الاجراءات والمعاملات، مع علمها كونهم معارضين لحكوماتهم أحياناً، وذلك بتفضيل مصالح الدولة على مصالح الشيوعية.
الحب والعشق والزواج والعلاقة الانسانية مسألة شخصية وخاصة ولا ينبغي التدخل بالخصوصيات، لاسيما التي لها حرمة مثل: المنازل والمراسلات والبرق والبريد والهاتف والفاكس والايميل، وسيكون الأمر أكثر إلحاحاً بمراعاة حُرمة القلوب والمشاعر والعواطف الانسانية.
وكنت أعرف كم من التدخلات السافرة الحكومية والحزبية على هذا الصعيد وكم من الزيجات الفاشلة التي عُقدت لأسباب مصلحية أو حزبية أو سياسية، وكم من اللوعات والعذابات بسبب حرمان حبيبة من حبيبها أو معشوقة من زوجها أو فارس أحلامها المرتقب، بحجة مصلحة الحزب او الجماعة السياسية أو الفئة الدينية أو الفصيلة الطائفية والمذهبية او الانتماء القومي او غير ذلك!؟
هناك ازدواجية لفظية أي كلامية وازدواجية اجتماعية وعملية في التعامل مع المرأة، لاسيما لدى الرجل من مدّعي الماركسية والتقدمية، فهم يدعون للتحرر فيما يتعلق بعلاقتهم بالمرأة، وهم رجعيون متخلفون في ما يتعلق بنسائهم، يتعاملون معهن أحياناً مثل الحريم في المخادع السلطانية من خلف الأبواب والحواجز، مما يكشف النظرة الدونية الى المرأة، ويفصح عن حقيقة هؤلاء الرجال الذي يعيشون بعقلية متخلفة ذكورية بادعاء التفوق والسيادة، حتى وإن انتموا الى حزب اتخذ من الماركسية والتقدمية شعاراً!
* فهد والزواج وأمثلة طريفة
أتذكر أنني ناقشت أحد البيروقراطيين من إدارة الحزب في ما إذا كان فهد قائد ومؤسس الحزب وأمينه العام قد تزوج، فقد كان يُصرُّ على زواجه، وأنا كنت أقول له أنه لم يتزوج ليس بالاستناد الى ما كتبه ذو النون أيوب عنه في الاربعينات وفي وقت لاحق، إذ تضمّن إساءة مقصودة بسبب الخلاف الحزبي والسياسي، وهي إشارات وردت بحق العديد من القياديين الاداريين لا تخلو من قصدية وإغراض وعدائية، ولكنه استناداً الى ما ذكرته الوثائق بخصوص علاقته مع سيدة روسية خلال فترة وجوده في " مدرسة كادحي الشرق" بموسكو وأنجبت منه طفلة أصبحت مهندسة لاحقاً وكان لديها صعوبات في النطق، وقد تسنى لي أن ألتقيها في موسكو، كما أنها زارت بغداد في أواسط السبعينات، وكانت صديقته تجهل أسمه وتجهل جنسيته، حيث كان قد أبلغها انه أفغاني الأصل، وكلُّ ما وصل اليها منه بعد مغادرته موسكو، رسالتان إحداهما من باريس وانقطعت علاقته بها بعد عودته الى العراق واضطراره للعمل السري لقيادة الحزب، ولم تعرف عنه شيئاً الاّ بعد شنقه، كما ذكر لي شقيق فهد داود سلمان في أوائل السبعينات.
ولم تكن تلك الظروف تسمح لفهد بالاختلاط أو بإقامة علاقات انسانية رغم كونها حاجة وضرورة، مع انه كان مسؤولاً عن أول خلية نسائية للحزب تأسست عام 1943، وقد يكون في تلك الفترة قد استلطف إحدى الشابات، لكن ظروف العمل السري لم تسمح له بالزواج، كما أن تقدمه بالسن ضمن معدل العمر البيولوجي آنذاك، قد جعله لا يفكر بالزواج، فعندما أُعدم كان عمره 48 عاماً، لكن أصحابنا الماركسيلوجيون، أي الذين يتبنون الشعارات الماركسية بالضد منها، يعتبرون ان مجرد الحديث عن وجود صديقة له، هو انتقاص منه وربما إساءة الى الشيوعية " المقدسة"، وهكذا اعتبروا صديقته بمثابة " زوجته" ولم يبق الاّ أن يقولوا أن زواجه كان على سُنّة الله ورسوله، وقد ينسوا أو يتغافلوا أنه كان مسيحياً، ولربما حسبوه على هذا المذهب أو ذاك.
إنهم يريدون من الماركسية لا روحها وجوهرها، وإنما بعض جزيئياتها على مقاساتهم وعلى ذوقهم وعاداتهم وتقاليدهم البالية والمتخلفة إنهم لا يريدون لبّ الماركسية، لأنهم منهمكون بالقشور!
صحيح ان الماركسيين لا ينخرطون في النضال لاعتبارات فلسفية أو فكرية جدلية، بل أن واقع حالهم المزري اقتصادياً واجتماعياً والتفاوت الطبقي وحرماناتهم تدفعهم للانخراط من أجل مستقبلهم ورفاه أطفالهم، لكنني وأنا أتحدث اليك لا أقصد هؤلاء، بل أقصد الادارات التي تطلق على نفسها "قيادات" وأحياناً "تاريخية" لكنها تفكّر بعقلية الحاج عليوي كما يقول علي الوردي.
أذكر لك مثلاً طريفاً، فبعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958 والشارع يغلي، لاسيما بانفتاح الآفاق والحريات النسبية، خصوصاً قبل اندلاع الصراع الشيوعي- القومي (الناصري)- البعثي وتحوّله لاحقاً الى صراع دموي، بانفراط عقد جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في ربيع العام 1957، حدثت استقطابات واصطفافات حادة، لدرجة أن الكثرة الكاثرة من التي انتمت الى الحركة الشيوعية أو الحركة القومية (الناصرية) والبعثية، لم تكن قد تهيأت لها المستلزمات الأولية لاستيعاب المفاهيم والمبادئ الأساسية، لكن ذلك ديدن أي فترة تغيير وانتقال من طورٍ الى آخر، وهو ما حصل في العراق على نحو شديد الحساسية والنفور، بحكم استمرار العوامل والقيود الاجتماعية والاقتصادية والعشائرية والقومية والدينية الى حدود غير قليلة، مع تبني شيء جديد اسمه " الشيوعية"!
المثال الذي وددت أن أذكره يتعلق بسهل الخياط (في النجف)، وهو من الذين تحمّسوا للحركة الشيوعية، وعندما كانت تصل مجلة المدار السوفيتية وغيرها من المطبوعات، وكنّا في بداية شبابنا نُبدي اعجاباً بالصور والعلاقات الانسانية، خصوصاً بين الشباب والشابات، وكنّا نطمح اليها باعتبارها رمز التمدن والتحضّر والانفتاح الانساني، فكان يردُّنا ومعنا ابنه جواد وقريبه علي ناجي بر: هؤلاء جميعاً متزوجون، أو مخطوبون على سنّة الله ورسوله، ولا ينبغي أن تتأثروا بالدعاية القومية والبعثية أو الدينية الرجعية حول الاباحية أو العلاقات الجنسية المفتوحة في الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية. هكذا ينظر الناس البسطاء للأفكار التي يقولبونها مثلما يتمنّون!
وكنّا نتمازح مع صديقنا العزيز حميد برتو (أبو خالد)(من مدينة هيت) التي اعتبرتها مسيرات العام 1959 بأنها قطعة من السوفيات: " هيت قطعة من السوفيات إسمع يا كرّيم " بأن شايش العامل الذي ظل يُعتقل طوال سنوات في العهد الملكي حتى وجد نفسه بعد الثورة عاطلاً عن العمل، لكنه ظل يُمنّي نفسه بأن ابن كبه (المقصود ابراهيم كبه وزير التجارة والاقتصاد) قد ذهب الى موسكو وسيجلب معه 25 معملاً، وعندها يشتغل شايش ... ويصير خير ويتزوّج شايش-(المقصود الاتفاقية الاقتصادية العراقية- السوفياتية التي وقعها ابراهيم كبه مع السوفيات)، لكن عيني شايش لم تكتحلا برؤية المعامل ولم يتزوج ووجد نفسه لاحقاً نزيل السجن بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) عام 1963، كما يخبرنا برتو.
ولعل هذه صورة رمزية بمستوى التفكير السائد، المدرسي، الطقوسي، الشعبي لفهم الشيوعية، وقد كان عامر عبدالله الشيوعي المخضرم يتنّدر كثيراً على هؤلاء، وقد نقل لي إحدى الطرائف التي تخص " الفكرة الاولى" عن الشيوعية التي كانت تعني لدى البعض ممن يفسرونها على هواهم في " مدينة عانه" غرب العراق على الفرات، هي ان تشرب البيبسي كولا وتأكل الصمّون (وهو نوع من الخبز المصنوع في المخابز الحديثة) باعتبار ذلك كان رمز الرفاه في أوائل الخمسينات، وهذه صورة كاريكاتورية عن الشيوعية، وربما تذكّر بما دار من نقاش وسجال إبان الخلاف بين الصينيين والسوفيت، تعليقاً على ما ورد على لسان خروشوف عندما خاطب المجريّين: انتم اليوم بفضل الاشتراكية، تأكلون الكولاج، فضجّت وكالة أنباء شينخوا في حينها تتندر بإشتراكية " الكولاج" التي ذهبت مثلاً (الكولاج هو أكلة مجرية مشهورة).
* انجلز والنساء وزواج الفلاسفة
كتب ماركس الى انجلز في احدى المرات يطلب منه مساعدة مالية كما هو دائما حين كان يقوم بتغطية نفقاته، لاسيما بعد أن أصبحت له حصة من مصنع والده في مانشتسر، لكن الجواب لم يأته، وانتظر وانتظر وكتب له ثانية وثالثة، ولكن دون جدوى، وكانت الرسائل تتأخر آنذاك، فلم يكن الايميل موجوداً ولا الفاكس ولا البريد الاكسبرس أو البريد الجوي (العادي)، وكان وصول الرسالة يستغرق مدة طويلة، وكاد صبر ماركس ان ينفذ، ولكن جاءه البريد حاملاً معه البشارة (حزمة النقود) ومعها كتب انجز رسالة الى صديقة ماركس بقول فيها: آسف لم أتمكن من الاجابة على رسائلك في الفترة الأخيرة، لأنني كنت منشغلاً بسيقان فتاة شقراء.
لم يتزوج انجلز على العكس من ماركس الذي دخل القفص الذهبي وهو صغير جداً وأحب جيني وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره واقترن بها وهو في هذا العمر بعد سنوات سبع من الانتظار كما ذكرت.
عندما توفيت صديقة أنجلز البولونية الأصل أقام علاقة غرامية مع اختها، وكان انجلز " زير" نساء، جذاباً وأنيقاً وله عينان رائعتان وجبهة مضيئة وشعراً أشقر. وبالمناسبة فالكثير من الفلاسفة عبر التاريخ لم يتزوجوا وكانت نظرتهم الى المرأة والجنس مضطربة وربما شكلت احدى مفارقاتهم، الأمر الذي يضع سؤالك بإطاره الانساني، أي علاقة المفكر بالمرأة والجنس والحب، وكيف ينظر الى هذه الثلاثية، بانسجام أو بانفصام، بتناسق أم بتعارض، بتوائم أم بتخاصم.
· هل هو ما نطلق عليه " العفاف الجنسي"!؟
إن عدداً من فلاسفة القرن السابع عشر لم يتزوجوا، ولو فحصت حياة الكثير منهم لرأيت أنها ظلّت بلا نساء، وظلّوا عزّاباً مثل ديكارت وسبينوزا وباسكاب وهوبز وغيرهم، ولعل هذا ما أطلق عليه " العفاف الجنسي"، وكذلك فلاسفة القرن الثامن عشر: هيوم وفولتير وكانت، في حين أن هيغل ونيتشه وشيلينغ وكونت وماركس في القرن التاسع عشر وجدوا طريقهم الى الزواج، ولكن اضرب عنه شوبنهاور ونيتشه وكيركيغارد.
لقد كتب نيتشه ضد الزواج والحب وسخر منهما بما يثير الدهشة، لكنه اندفع اليه وغيّر رأيه بالمرأة عند أول بادرة حب، عندما ظهرت شابة جميلة في حياته ومثقفة مثل سالومي، فاندفع في حبها وطلب الزواج منها ، لكنها أعرضت عنه رغم شهرته، لأنها كما بررت يؤمن بعقيدة القوة وهو ما يخيفني وقد يقتلني كما ذكرت، وقالت سالومي إذا كنت تمثل القوة فأنا أمثل الحب.. فهل سنحقق الوحدة المثالية بين القوة والحب!؟ ولم تكتفِ سالومي بنيتشه بل أحبت الشاعر ريكله، مثلما لم تكتف غالا بعلاقة بالرسام سيلفادور دالي فأقامت علاقة بالشاعر بول إيلوار.
رفض نيتشه سابقاً فكرة المساواة بين الرجل والمرأة واعتبرها مستحيلة، وان الحرب بينهما أبدية. والمرأة لعبة خطيرة ويجب الاعتراف في النهاية بالضرورة التي لا مفّر منها وهي أن يكون الرجال للحرب والنساء للترفيه، وكل ما عدا ذلك سخافة.
أما شوبنهاور وإن اعتبر المرأة تتمتع بمقدرة فائقة ولكنها لا تستطيع ان تكون عبقرية، لأنه لا تتمكن من الخروج من ذاتها، فهي ميّالة الى النظر الى الأمور بعاطفية ورغبة شخصية.
إن فلاسفة مثل شوبنهاور وديكارت وكونفوشيوس كانوا معادين للزواج والحب، ويرجع البعض شذرات عبقريتهم إلى مواقفهم هذه، لأنهم كانوا منهمكين في خلق عالم المثالي ومدينتهم الفاضلة، تعويضاً عن علاقتهم بالمرأة والجنس والحب.
هناك من يقول: المتزوج يعيش عيشة الكلاب، أما الأعزب فإنه يموت ميتة الكلاب، الأول سيعيش النكد والمشاكسة اليومية، والثاني سيموت وحيداً مكسوراً، وهذا القول يذكّرني بما قرأته منذ وقت طويل جداً، وبقي عالقاً في ذهني خلال فترة العزوبية. حيث يعتبر الامام علي: المرأة شرٌّ كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها، فالعيش معها زهد والعيش بدونها زهد، وهو ما كان يدعو اليه أيضاً الفيلسوف كانت.
رغم إن سارتر أمضى حياته كلها من دون عقد زواج مع سيمون دي بوفوار تطبيقاً لفكرته الوجودية ورفضه القيود ورغبته التحرر من القيم المتوارثة، لكنه كان كثير العشيقات بما فيهن من طالباته وبعضهن في سن المراهقة.
سنثبت أن الشخصيات التي عمّرت كانت في أكثر الأوقات متزوجة، لهذا ينبغي الاختيار بين العيش الطويل في إطار النكد وبين الموت البطيء أو الانتحار المستمر بالوحدة!
إن قلب الإنسان هو الذي يقاوم الزمن ناثراً عليه زهر المحبة وروح المودة والتواصل، وحديقة الحب لديّ تتسع لأنواع الزهور والورود والرياحين، بدون الحب تزحف الصحراء على الروح ويتعطل العقل ويتعفن الفكر ويصاب الانسان بالجدب. الحب هو الحالة المباركة الأبدية، ويظل قلبي هائجاً لا يهدأ ولا ينضب كالبحر. في الحب نتجدد مثل الربيع وتدور الفصول دورتها حتى ربيع جديد. الحب ضد الروتين وضد الاستكانة وضد اليومي والساكن والرتيب، وبدون نوره يحلُّ الظلام والزمهرير.
انا في حب دائم، لم أتوقف لحظة ولم تخلو نفسي لحظة من حب كبير، وبدونه ستصبح الاشياء مضجرة وخاوية، والعالم بدون المرأة موحش ويابس وبارد، المرأة تضفي الدفء والانسانية على الانسان، واحترامها ومساواتها بالرجل، هو معيار " أنسنة" الانسان، والمرأة والحب والجنس مترادفات ثلاث لجوهر واحد ولموضوع متواصل ومتداخل ومتراكب ومتخالق. وهكذا انا أفهم الماركسية وأتعاطى معها كإطار عام وكجزئيات في الوقت نفسه، ولكن دون انتقائية، بل استخدم المنهج في نقد الواقع.
ليس بوسعي أن أفهم معنى حياتي دون حضور النساء، فهن وحدهن من يستطعن خلق التوازن وحماية العالم من الانهيار. في كل لحظة من لحظات حياتي كانت هناك امرأة تقف الى جانبي، لا أدري كيف أراها أو أتغلغل فيها؟ تأتيني مثل اشارة غامضة أو أيقونة أو علامة أو نور أبصر فيه أو هواء أتنفسّه أو طمأنينة أحتاجها، لعلها قصيدة أقرأها أو نص أكتبه أو لوحة أتطلّع فيها أو حديقة أشم رائحة زهورها، ليصبح جنوني بهياً وبهيجاً، وعندما أكون متيّماً أنام بهدوء كامل.
الحب تعويض عن جميع الحرمانات، ومكافأة على جميع العذابات، وأظن أن كيسنجر هو الذي قال ذات مرّة: السلطة عنصر تهيج للشبق، بمعنى أن السلطة شبقية، متجسدة في ذكورية تعويضة استبدالاً عن واقع الحب. لا أدري إن كانت قراءته هذه تاريخية!؟ ولكن ما أعرفه هو أن الحب نقيض للتسلّط، ولعل هذا هو ما دفع روائي وكاتب كبير مثل غابريل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل العام 1982، للقول في رواية " خريف البطريك": السلطة هي تعويض عن الحب، وبالمناسبة فرواية خريف البطريك هي أقرب الى قصيدة نثرية طويلة، وكتبت بموسيقية عالية وبلغة شعرية جذّابة، وهي من أهم أعمال ماركيز، ويفضلها هو شخصياً على سواها من رواياته، رغم أنها جميعها أبناءه كما يقال!
أنا أعيش الحياة كما هي، وأتمنى أن يعيش الآخرون حياتهم كما يريدون ولكن مؤشري في هذا المجال هو حقوق المرأة التي ما تزال مهضومة.
وإذا كان يوم 8 آذار (مارس) يوم المرأة العالمي الذي أقر في كوبنهاغن وكانت خيرة النساء آنذاك يحضرن المؤتمر عام 1908 مثل كلارا زيتكن وروزا لوكسمبورغ وكروبسكايا وغيرهن، وساهم لينين في المؤتمر من وراء الكواليس حين كان يحتسي أقداح الشاي، في مقهى قريب ويجري تعديلات وإضافات ويكتب ملاحظات على النصوص، ليصدر أول قرار باعتبار عيد المرأة العالمي 8 آذار (مارس) مناسبة للاحتفال والدفاع عن حقوق المرأة، الأمر الذي تحقق بعد ثورة اكتوبر 1917 في روسيا واقرار ذلك رسمياً، وهو ما أخذه العالم لاحقاً.
ومع ذلك ظلت حقيقة المرأة وحقوقها مثار سوء التعامل في السابق والحاضر وكانت ضحية باستمرار. ما هو السبيل للتعامل مع المومسات، خصوصاً إذا شكلن ظاهرة في المجتمع، لاسيما وهنّ يبعن جسدهن وليست قوة عملهن حسب، وفي ظروف قاهرة ولا انسانية؟ لقد كانت روزا لكسمبورغ "الحمراء" تنظر الى هذه المسألة من زاوية انسانية محضة، فكانت تحرضهن على التظاهر وهي بنفسها قادت تظاهرتين في مدينة كولونيا (المانيا) للدفاع عن حقوقهن وتحديد أجورهن وضمانات صحية وغير ذلك، لأنها اعتقدت أن تحرير المجتمع ككل، كفيل بتحرير هذه الشريحة المظلومة.
لم يكن الموقع الفكري لروزا لوكسمبورغ يحول دون لبس أجمل الثياب والتظاهر مع المومسات، ضد النظام الاجتماعي الرأسمالي السائد بشروطه اللاانسانية. وبالمناسبة فإن إمرأة ثورية مثل روزا كانت نادرة على صعيد الفكر والنظريات الاقتصادية والاجتماعية والنشاط السياسي، وللأسف فقد ذهبت هذه المفكّرة ضحية غدر، فبعد ان ألقت خطاباً نارياً في الرايخشتاغ، (البرلمان الألماني) وغادرت من باب خلفية، الاّ أنها قتلت بعد نصف ساعة من ذلك، ورميت جثتها في نهر الراين في برلين عام 1919.لقد تركت لنا روزا ارثاً فكرياً كبيراً، اتسم بالشجاعة والجرأة، كما حملت رسائلها الى هانز حبيبها قيمة أدبية متميزة، فضلاً عن أنها تضمنت بوحاً انسانياً وطهارة روحية وثقة عالية وحباً كبيراًُ.
تصوّر إن مئات الآلاف من المومسات كنّ في روسيا بعد الثورة، الأمر الذي استوجب إيجاد عمل لهن وأخذ تعهد بعدم العودة الى مهنة البغاء، التي يقال عنها " أنها أقدم مهنة في التاريخ" والسعي لدمجهن في المجتمع وحصل الأمر في كوبا بعد الثورة أيضاً، حيث كانت قضية اجتماعية بحاجة الى معالجة جدية، وهذه المسألة تواجه العراق حالياً، لاسيما بعد الحروب والحصار والاحتلال ووجود أكثر من مليون ارملة، وأكثر من 5 ملايين يتيم، تصور بلداً مثل العراق أصبح بلد الأرامل والأيتام، وتراجعت حقوق المرأة فعلياً على نحو مريع، رغم وجود بعض النصوص الدستورية والقانونية الايجابية، لكن البغاء ينتشر على نحو شديد في الداخل والخارج.
في الحب نبحث عن وطن يختفي خلف ثياب إمرأة، نبحث عن ذواتنا الممزقة وأرواحنا المستنفرة، عن الثقة التي نمنحها لمن نحب ونرى فيها ما في داخلنا من دهشة وإثارة وملكوت سري وسحر متفجر. وفي الحب تتوحد الأنا مع الآخر والعقل مع الجسد، والعاطفة مع الروح، والحاضر مع المستقبل، والحياة مع الخلود.
الجمال عند تشيرنيشفسكي هو الحياة الانسانية ذاتها بكل مما فيها من واقع وخيال وفن، وهذا الأخير لا ينشأ من حاجة الانسان الى الجميل والرائع حسب، بل من مجموعة الاحتياجات الانسانية، وبهذا المعنى فإن الفن ليس موضوع لذّة حسيّة أو متعة جمالية تخيليّة، وإنما هو وسيلة لمعرفة الحياة ذاتها، خصوصاً وأن إعادة الخلق لا تعني تقليداً للواقع أو استنساخاً له، بل إظهار محتواه الداخلي.
أعود وأقول إن البداية والنهاية هي من الانسان وليس من العقل المجرد، وبهذا المعنى فإن الماركسية هي فلسفة الانسان، وفلسفة الحياة الملموسة، وليس مجرد التفكير أو التنظير، إنها فلسفة المستقبل، وليست فلسفة الماضي أو الحاضر، ولعلي بذلك أقصد الماركسية التأملية- الاستشرافية، وليست الماركسية القولبية- الانغلاقية، وإذا أردت استكمال الانسان وتحريره من الاستغلال والأوهام، فلن يتم ذلك سوى بالعقل أولاً، وبالارادة ثانياً، وبالوجدان الحي ثالثاً، العقل يمنحنا القدرة على التفكير، والارادة تمنحنا القدرة على العمل والحب، والوجدان يمنحنا القدرة على الاحساس بالعدالة!
القسم الثالث
مقاربات الحوار
الذات والتاريخ- الماركسية والقومية
· من المعروف إنك أوليت اهتماماً كبيراً بالقضية القومية سواءًا العربية والفلسطينية بشكل خاص والقضية الكردية، وفي ضوء المتغيّرات الأخيرة وتعقّد مظاهر الصراع... كيف تنظر من خلال الوضعية النقدية الماركسية الى المسألة القومية اليوم!؟
أعتقد أن علينا نفرد حقلاً خاصاً لكلا المبحثين، سواءًا رؤيتي الفكرية والسياسية إزاءهما أو تأثيرهما على عملي وانشغالاتي وأنشطتي المختلفة، استناداً من علاقة أقلّ ما أقول عنها، تنطلق من خصوصية ووجدانية ومعايشة.
1- الماركسية وفلسطين
* رؤية استهلالية: نزوع انساني أم نقص في الفكر الماركسي؟
· طيب د. شعبان لنبدأ من القضية الفلسطينية والوحدة الكيانية كما تسميّها ...فعلى خلاف الكثير من الماركسيين والشيوعيين العرب، ممن سبقوك أو رافقوك، كنت منشغلاً منذ فترة طويلة، بالمسألة القومية العربية، لاسيما القضية الفلسطينية وهمومها ومستجداتها، هل أن الأمر يتعلق بنزوعك الانساني أم أنه تنبّه الى وجود نقص في الفكر الماركسي فيما يتعلق بالمسألة القومية!؟
لا يمكنني أن أجد فاصلاً أو مانعاً بين الاثنين من الناحية الانسانية، فالانسان الفلسطيني هو " النموذج الأممي" للاضطهاد على المستوى الكوني، لاسيما وأنه اقتلع من أرضه وصودر حقه الانساني الأول في تقرير المصير جماعياً وفردياً، وذلك بإلغاء كيانيته في أكبر عملية سطو على التاريخ، بدأت منذ قرن ونيّف من الزمان، خصوصاً عندما عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الأول في مدينة بال السويسرية عام 1897، الذي تبنّى فكرة عرّاب الحركة الصهيونية المفكر المجري ثيودور هيرتزل: تأسيس دولة لليهود (في فلسطين) وهو عنوان كتابه الذي أصدره قبل عام واحد من انعقاد المؤتمر " دولة اليهود" The Jewish State".
ولعل فصول الاضطهاد المزدوج والمركّب اكتملت حلقاتها تدريجياً بصدور وعد بلفور عام 1917، خصوصاً بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بعد احتلالها في الحرب العالمية الاولى، ورفع سقف الهجرة اليهودية خلال الثلاثينات والاربعينات، وصدور قرار التقسيم رقم 181 العام 1947، وفيما بعد قيام دولة اسرائيل في 15 أيار (مايو) العام 1948 واندلاع الحرب العربية –الاسرائيلية الاولى، واستمرار العدوان الاسرائيلي ضد الأمة العربية، العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 و1967 ضد سوريا ومصر والاردن و1973 (حرب اكتوبر) و1982 (اجتياح لبنان) وقبلها ضرب المفاعل النووي العراقي 1981 وفضيحة الفلاشا وهجرة اليهود السوفييت الى فلسطين (أواخر الثمانينات) والحرب الأخيرة ضد لبنان بحجة الأسرى (حرب تموز /يوليو) 2006 وغيرها.
كل هذه المأساة ستكون ماثلة أمامي، وأنا أتحدث عن الجانب الانساني، الذي لا يمكنني ولا أستطيع أن أغضّ الطرف عنه لدى تناول أية قضية أو مسألة من المسائل العقدية في الصراع العربي- الاسرائيلي، أثرت سلبا بصورة موضوعية أو ذاتية مباشرة أو غير مباشرة في تعطيل التنمية وعرقلة التجارب الجنينية الاولى للديمقراطية والاصلاح، خصوصاً بالتوجه نحو التسلّح والعسكرة وتبرير احكام الطوارئ والأوضاع الاستثنائية ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق الانسان، بحجة الخطر الخارجي الذي يدّق على الأبواب. ولعلها ساهمت في تكريس سلطات الاستبداد بحجة تحرير فلسطين تحت شعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، والذي كان عملياً يعني لا صوت يعلو فوق صوت الحكام وارادتهم ومصالحهم.
ولعلّي كنت أتحسس القصور والنقص في فهم المسألة القومية العربية من جهة، وقلّة الانشغال وضعف الاهتمام بها أو تخصيص ما تستحقه من جهود من جهة أخرى، لاسيما وحدتها الكيانية أو إيجاد شكل من أشكال اتحادها، وذلك ليس عبر شعارات آيديولوجية أو مزاودات سياسية، وإنما باعتبارها حاجة ماسّة وضرورة حضارية وتعبيراً عن وجود روابط مشتركة: أساسها: اللغة والدين والتاريخ، فضلاً عن مصالح اقتصادية جيوسياسية، ناهيكم عن مزاج شعبي ووجداني.
أن تلّمس الثغرات الكبيرة الفكرية، النظرية والسياسية، والعملية في المسألة القومية جعلت مهمة الحركة الماركسية والشيوعية في العالم العربي صعبة، إضافة الى الموقف من الدين، ومكمن هذه الصعوبة هو أننا خالفنا المزاج العام، الشعوري- الفطري في كلتا المسألتين، تحت عناوين آيديولجية بتقديم الطبقي والاجتماعي، على الوطني والقومي، بل إننا إزدرينا بعض الأطروحات القومية، ناسبين إيّاها الى البرجوازية، مطبّقين المسطرة الأوروبية على المسألة القومية، متناسين أننا ما زلنا نعيش مرحلة التحرر والانعتاق الوطني والقومي، وحتى الاستقلال السياسي الذي حصلت عليه الشعوب العربية تقهقر كثيراً، فما بالك بالاستقلال الاقتصادي والتنمية.
لقد تعاملت الادبيات الماركسية مع المسألة القومية باستخفاف كبير، وكنّا غالباً ما نتندّر على القومية و"القومجية" دون أن نميّز الفارق بين العروبة، التي هي انتماء شعوري وفطري ووجداني، وبين القومية التي هي آيديولوجيا أو عقيدة، باعتبار أن نماذجها هم الحكام الدكتاتوريين، وكنّا نتغنى بالأممية وفضائلها، في حين ان نماذج حكامها لا يقلّون دكتاتورية واستبداداً عن نماذج حكامنا الدكتاتوريين، بل أن الأخيرين قاموا بتقليد النماذج الشمولية الاصلية، وساروا على خطاها في أحيان كثيرة، وانتقل " القمع" اليهم بالعدوى بحكم فيروس الآيديولوجيا الشمولية والسعي لامتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، مثلما انتقلت مسألة عبادة الفرد وتقديس الخطاب الآيديولوجي الاستعلائي... الخ.
* الوعي النقدي الماركسي
إذا كان شاغلي منذ فترة ليست بالقصيرة بالمسألة القومية، لاسيما بالقضية الفلسطينية، فلأن الأمر يتعلق أيضاً بغياب أو بضعف الوعي النقدي، بحيث يكون دليلاً يساعد في نهج وحدة الهموم العربية وكفاحها المصيري من أجل تحقيق كيانيتها، التي ما تزال تعاني من التشتيت والتشظي، ولعل تقديم رؤية تطورية للوعي التاريخي العربي، على أساس جدلي يهدف الى التنوير والتغيير ظل غائباً، الأمر الذي لا يمكنه أن يحدث دون تحقق الشروط الموضوعية لبلورته، وهذا لن يتم عبر محاولات حزبية ضيقة أو مبادرات فردية محدودة بالطبع، لأنه بحاجة الى استكمال دورته التاريخية الموضوعية وليس عبر ارادوية ذاتية حسب.
لا يمكن النظر الى القضية الفلسطينية مثلاً باعتبارها " ضحية عربية" ونحن شهود عليها وعلى الظلم التاريخي الواقع على الشعب العربي الفلسطيني، بل لا بدّ من الالتفات قانونياً الى حجم الجريمة المرتكبة والمستمرة، وأسبابها واستمرار الجاني بعيداً عن العقاب، الأمر الذي يضع القضية بعيداً عن التسويات المتهافتة أحياناً، والحلول المبتسرة، بل في إطارها التاريخي والمستقبلي والانساني.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية ربح أو خسارة، أو نجاح أو فشل، ولا تخصّ الفلسطيني لوحده، بقدر ما تخص البشر في كل مكان، ولذلك فالصراخ والشعارات الرنانة لن تعيد الحق السليب، وليس رد الفعل أو المعاملة بالمثل هي العلاج الناجع، لأننا سنخطأ مرتين، في المرّة الأولى سنبرر الفعل الاجرامي بفعل مقابل، ولعل من عالج ذلك على نحو مبدع هو ادوارد سعيد في حواراته المثيرة مع ديفيد باسمليان، التي ترجمها توفيق الاسدي والموسومة بعنوان "القلم والسيف" حين تساءل مخاطباً نفسه: لو كنت في وضع يجعلني أحرز في يوم من الايام تعويضاً سياسياً عن كل معاناة شعبي، لكنت، كما أعتقد حساساً جداً لإمكانية إيذاء شعب آخر.
ولعل هذا الموقف الانساني العالي الشكيمة هو تعبير عن أكبر الأحاجي لمفكر مثل ادوارد سعيد، وهو لغز عميق كما يعترف، ويضيف ان قلّة نسبياً بعض الشيء من اليهود والاسرائيليين يشعرون خلاف الاحراج والضيق، حين يقابلون فلسطينياً، بحس من الندم والتعاطف، من بشر عانوا ما عانوه هم أنفسهم.
أما الخطأ الثاني فهو اننا نخسر أوساطاً مناصرة لحقوقنا أو محايدة حين نتصرف في إطار ردود الافعال، بما يضع الجاني والضحية في كفة ميزان واحدة أحياناً. لا ينبغي تحويل القضية الفلسطينية الى ورقة سياسية للصراعات الداخلية أو لتأجيج الحقد، وكأننا نبحث في حلول بدائية دون التفكّر فيما تتركه من تأثيرات نفسية علينا وعلى الآخر بألوانه المختلفة.
لعل حوار ادوارد سعيد هو حوار الذات مع التاريخ في عمق المأساة والألم فقد كان يدرك أن أطنان الخطابات العربية لن تحل القضية الفلسطينية، بل ستبقيها بدون حل، وقد يكون في تلك الخسارة ربحاً للسياسي العربي لاسيما في السلطة، إذ سيكون مبرراً وضماناً لوجوده ولانشغاله بحقوق مهدورة ومغتصبة دون البحث في استعادتها، لكن المهم هو أن يكون موجوداً ويستمر في رفع شعارات الدفاع عن " أصحاب الحق" و"المظلومين الفلسطينيين"، في حين أن المسألة الاساسية تظل غائبة وهي استعادة الحقوق!!
· هل تعني وأنت تشير الى المزيد من الاشكالات التفصيلية بالنسبة للقضية الفلسطينية، الى أنها بحاجة الى معالجات من نوع آخر أكثر وعياً لإنسانيتها؟
دعني أقارب المسألة من خلال رؤية المفكر جان جينيه، الذي هو كاتب خلافي، ومتمرد وفوضوي، لكن عندما عايش تجربة " الأرض الفلسطينية" لاحظ على نحو عميق ما وراء السرد السياسي للقضية الفلسطينية، حيث شاهد بأم عينيه، وهو يقول كلمته ويتقنها جيداً بشأن مآل وصورة فلسطين، الواقعية، الحقيقية، وليس صورة الوعي السياسي المؤطر آيديولوجياً في أحيان كثيرة.
أتساءل هل يمكن معاينة الأدلة والقرائن الجرمية- الجنائية على جثة مشوّهة وغير واضحة المعالم؟ فلا يكفي الموقف السياسي باعتباره دليلاً على فهمنا للقضية الفلسطينية، الذي بتقديري ينقصها الكثير من التدويل رغم تدويلها، لاسيما لرؤية مؤسسات المجتمع المدني وهيئات حقوق الانسان الدولية، وهنا أريد التحدث عن تدويل ثقافة المقاومة ورفض السائد واليومي، بتعميم ثقافة الحق، ولعل مثل هذه الثقافة، تساهم في استمالة الرأي العام العالمي، الذي لا يمكن مخاطبته بروح التهديد والوعيد أو الانتقام أو المعاملة بالمثل، وهي عناوين طالما تصدّرت الدعاية العربية بشكل عام والدعاية الفلسطينية بشكل خاص، رغم التحسّن الذي طرأ عليها الاّ أنها ما تزال تعمل في إطار رد الفعل في الغالب.
أحاول هنا أن أذكر لك تجربة عملية، وهو ما سبق أن أشرت اليها، ولكنني أجد من المناسب الحديث عنها، وهو ما تحقق في مؤتمر ديربن ضد العنصرية والتمييز العنصري والعداء للاجانب عام 2001، فقد كان ذلك " الانتصار" بخطاب عميق لكنه مبّسط، يقوم على دمغ الممارسات الاسرائيلية بالعنصرية، الأمر الذي أحرج منظمات دولية كبرى لم تستطع أن تتخذ موقفاً مناوئاً لنحو 3000 منظمة إنحازت الى جانب ادانة ممارسات اسرائيل لحقوق العرب الفلسطينيين، فأصدرت بياناً خاصاً عبّر عن وجهة نظرها " المستقلة" محاولة الوقوف على مسافة وسط بين الحق والوقوف الى جانبه من جهة، وبين بعض الأعمال العنفية- الارهابية، لاسيما ضد المدنيين كردود فعل من جهة أخرى.
ورغم أنني أميّز بين موقف منظمة العفو الدولية Amnesty التي هي من أكثر المنظمات الحقوقية توازناً ونزاهة واستقلالية ومهنية، لكنها وفقت مع الفيدرالية الدولية FIDH ومع منظمة مراقبة حقوق الانسان Human Rights Watch ، بحكم الضغوط الدولية، خصوصاً تحركات الدبلوماسية الامريكية وتهديداتها خلال المؤتمر الحكومي في ديربن، لاسيما بعد صدور قرار المجتمع المدني الدولي.
واعتقد أن بيان المنظمات الدولية الثلاث أو موقفها الذي صدر في حينها لم يكن بمعزل عن تلك الأجواء، وهو محاولة للظهور بمظهر " المحايد" بين العرب واسرائيل. وتبقى العقدة الفلسطينية والعربية عموماً إحدى النقائص للعمل الدولي التي بحاجة الى وقفة جدية لدراستها وتكوين تصوّر وتحرك مشترك من جانب مؤسسات المجتمع المدني العربي.
وقد ذهبت منظمة مراقبة الشرق الأوسط عند بدء العدوان الاسرائيلي على لبنان يوم 12 تموز(يوليو) 2006 الى إصدار تقرير يدين حزب الله فيما يتعلق بمهاجمة السكان المدنيين ويتناول موضوع الاسرى، دون التطرق الى العدوان، وحتى لو كان مثل هذا التقرير قد أعدّ قبيل العدوان، الاّ أن صدوره بعده، جعل الكثير من علامات الاستفهام ترتسم أمام مهنية وحيادية وعدم انخراط منظمات المجتمع المدني لاسيما هيئات حقوق الانسان في الصراع الدولي، الأمر الذي لقي استنكاراً شديداً، لم ينفع معه حتى لو أصدرت المنظمة بعد 12 يوماً تقريراً يدين أعمال اسرائيل وممارساتها المنافية لحقوق الانسان والتصدي للسكان المدنيين.
· ما المسألة القومية وكيف تراها في حدود المعالجة الماركسية النقدية الجديدة؟
لا اريد أن أذهب الى حد " التعريض" بجوانب من قصور الفهم الماركسي للقضية القومية، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو القصور الذاتي الذي انطوى عليه المفكرين العرب الماركسيين في عدم انشغالهم بهذا الجانب المهم من البنية للتكوينية للعقل العربي الوضعي، وذلك لأسباب تتعلق بالمفهوم الاوروبي المُبسط للمسألة القومية، لاسيما الاستعانة بخطوطها المعرفية كما هي دون التفكير بالاجتهاد النقدي أو التجديد النوعي المطلوب، وكنت أرى ان عدم الاهتمام البحثي والمعرفي بالقضية الفلسطينية عرّضها للافقار بقدر تزايد الصراخ والدعاية والتنديد والاحتجاج كظاهرة صوتية كما يقال، ودون تحويلها الى فعل ملموس.
ومن هنا فان اجتراح الماركسية كونها نظرية شمولية ضيّع علينا التفكير بالحاجة الدائمة الى اغناء تفصيلي وبحث اشكالي، ولعل من ضمن هذه الاشكالات هو دراسة قضايانا العربية بعناية أكبر، والنظر الى المكوّن الجمعي للشعور الشعبي، إذا ما استعرنا مفهوم كارل غوستاف يونغ بهذا الصدد، وتقرّبنا الى الطبائع الجمعية للمجتمعات العربية.
وقد ازداد شغفي شخصيا بالانثربولوجيا في السنوات الأخيرة، وأعدّها مبحثاً أساسياً في فهم الانسان ضمن طبيعته البشرية من جهة، وأوضاعه الموضوعية والتاريخية من جهة أخرى، وصولاً الى فهم متعدد للوضعية الانسانية الفاعلة، ولا يمكن ان نتحدث عن مفهوم تكاملي لماركسية نقدية فاعلة، دون أن نعنى بالبنى التكوينية للمجتمعات العربية، وأن يصبح الفهم بحد ذاته تجربة، وهذا ما توقفت عنه طويلاً في كتابي عن "فقه التسامح" وفي بحوث عن الاسلام بشكل عام وقضايا التنوير والمسائل الخاصة بالمجتمع المدني، وغيرها من القضايا التي تأخذ من عادات الناس وطبائعهم ومكوّناتهم الموروثة والمكتسبة نطاقا للبحث الجدي.
كيف يمكن ان نختصر قوانين الماركسية في تشكيلاتها الاجتماعية وتعاقبها وتأصلها ثم تحوّلها، دون أن نفهم المكوّن الوضعي التاريخي لها، وبأي معنى يمكننا تجاهل الشروط البنيوية لتاريخ الأمم والشعوب وحركتها؟
كل هذا يشكّل فهماً جدلياً تأسيسياً لفكر اجتماعي ماركسي جديد أو فهماً جديداً لعلم ماركسي وضعي تكويني، وأنا اعتقد انه تساوق مفهومي جديد لا بدّ أن يكون حاصلاً بين البنية الروحية لموروث الشعوب وبين آليات الفهم والتأويل الفلسفي لها، وأن لا نركن الى القطيعة العقلية مع هكذا جانب أساسي من الموضوع الخاص بالهويات والانتماء القومي، والاّ فإننا سنتحدث عن مجتمعات لا نعرفها وفي إطار قوانين عامة-جامدة، لا روح فيها.
ومثلما تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية، للقوى الاسلامية أو "الاسلاموية"، ادرنا الظهر للتراث العربي- والانتماء التاريخي، واعتبرناه من اختصاص أحزاب قومية في الغالب أو قوموية، وبعضها لم يكن بعيداً عن ترسانة الفكر الأوروبي، وقد استطاعت هذه الاحزاب والقوى تجيير مسألة العروبة لصالحها، بل انها سحبت الشارع أحياناً الى صفها، وهي بعيدة كل البُعد على تحقيق مستلزمات العروبة، أو الإرتقاء بمتطلباتها، فما بالك إذا انفردت بادعاء الوعي التاريخي بأهميتها، كهوّية خاصة ومكوّن أساسي، لا يمكن اغفالها أو التنكر لها.
كنت أعجب كيف أن قومياً كردياً أو ماركسياً كردياً يعتزّ بكرديته، "كردايتي" ولا يقابله ماركسي عربي أو شيوعي عربي، الاعتزاز ذاته؟ والأمر يحصل بذات الدهشة لي عندما أقابل ماركسياً روسياً أو تركياً أو إيرانياً، يعتزّ بقوميته، في حين لم نكن نجد وسيلة الاّ وحاولنا فيها الانتقاص من الانتماء القومي، لاسيما العروبي، ولذلك كررت في مناسبات كثيرة اعتزازي بانتمائي لعروبتي وكأن في ذلك جزء من التعويض عن الحرج عند الحديث عن العروبة لدى أصحابنا من الماركسيين " الأقحاح"، في حين أنني أحترم وأقدّر حقوق القوميات الأخرى، لاسيما حقها في تقرير مصيرها وقيام كيانيتها المستقلة، في إطار تحوّل ديمقراطي حقيقي ومساواة تامة ومواطنة كاملة، وهذا الأمر هو الذي يؤاخذه عليّ البعض، فإما أن يعتبرني تخلّيت عن ماركسيتي الصارمة " النقية" لحساب الفكرة العروبية، أو أن البعض الآخر يعتبر إيماني بحق تقرير المصير، إنما هو جنوح باتجاه معاكس للعروبة وتأييد للانفصال وتقسيم العراق ودول المنطقة، خصوصاً المتعددة القوميات.
وإذا كان حسن الظن متوفراً، الاّ أن دهاليز السياسة وتقاطعاتها قد تذهب أبعد من ذلك، فتعتبر مثل هذا الموقف مجاملة أو ربما تواطؤاً سياسياً مع الكرد، وقد يذهب البعض أكثر من ذلك (حسب أصحاب نظرية المؤامرة)، في اعتبار الموقف الأول ممالأة وتساوقاً مع الحركة القومية العروبية النافذة أو القومجية في دعوتهم للعروبية" المرذولة" كما يعتقدون، وينّم كلا الموقفين من بعض "المتمركسين" أو غيرهم من أصحاب النظرة التبسيطية عن رؤية أحادية، فإما أن يكون الأمر تعبيراً عن جنوح برجوازي أو برجوازي صغير أو تقلّب وقلق، وفي كل الأحوال دليل عدم انحياز كامل أو ثابت، وتلك سمة الأفكار الشمولية النسقية التي لا تقبل أي قدر من الاجتهاد، لاسيما إذا بحثنا في الاتجاهين، في حين أن المسألة مركبة ومتداخلة ومفتوحة، بل متغيّرة في إطار الموقف الثابت من الانسان وحقوقه على المستوى الجماعي والفردي.
وفي إطار حسن الظن أيضاً يمكنني أن أتفهم الاصطفافات المسبقة والجوانب الانفعالية والعاطفية لدى البعض وعدم قدرتهم على قراءة واستيعاب الظاهرة المعقدة والمركّبة، فكيف يستقيم الأمر في كونك عروبي وتدافع عن العروبة من خلال فهمك الماركسي النقدي، وأنت في الوقت نفسه مدافع عن حقوق الكرد، لاسيما المبدأ الحقوقي: حق تقرير المصير، بل وتعتبره الاساس في العلاقة مع الآخر.
وبتقديري لا يمكن تجزئة المواقف، أو تجزئة الحقوق، ومثلما علينا التمسك بحقوقنا، فعلينا الاعتراف بحقوق الآخرين، لاسيما حقوق الاقليات الدينية والاثنية التي تعيش بين ظهرانينا كالأكراد والتركمان والمسيحيين والامازيغيين وسكان جنوب السودان وغيرهم، باعتبارها نماذج لاحتكاكات وتعارضات قومية ودينية ساهمت في تعطيل التنمية في الوطن العربي، وبخاصة عدم حلها حلاً ديمقراطياً والاعتراف الكامل بحقوقها السياسية والثقافية واللغوية والسلالية. وكنت وما أزال أعتز بمواقفي الداعمة لحقوق الأقليات القومية والدينية، انطلاقا من ايماني الكامل بحقوق الانسان، حتى وان غلبت السياسة أحياناً، فإن البوصلة المرشدة والهادية تبقى هي كل ما يتعلق بالحقوق والحريات.
وإذا كان ماركس وانجلز قد ربطا القضايا القومية بانجاز البروليتاريا لوظيفتها التاريخية، واعتبرا أن ذلك سيضع حداً للاضطهاد القومي، وشدّدا على أن إلغاء الاستغلال الطبقي سيؤدي الى إلغاء الاستغلال القومي " أزيلوا استغلال الانسان للانسان تزيلوا استغلال أمة لأمة أخرى" ، وورد على لسان ماركس " إن شعباً يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حُراً" وهو الرأي الذي يعتبر سقفاً انسانياً للموقف من حقوق الاقليات، الذي أُؤمن به لكن ماركس وانجلز لم يتمكنا من تطوير مفاهيمهما للمسألة القومية، خصوصاً للبلدان التابعة والمستعمرة بشكل عام، وهو الأمر الذي حاول لينين معالجته لاحقاً.
* القومي اللاماركسي والماركسي اللاعروبي
احتار البعض أين يصنّفني، أمع الاتجاه القومي اللاماركسي بشأن الموقف من العروبة؟ أو مع الاتجاه الماركسي اللاعروبي واللاقومي في الموقف من القضية الكردية ومن مسألة الاقليات بشكل عام؟ وتلك مفارقة النظرة المبسطة الاحادية، ولعل هذه المواقف التي انفرد بها باعتزاز لا تقدّم النظرية والتصوّرات المسبقة على حساب الواقع الموضوعي، وذلك ما اعتبره استشرافاً للماركسية النقدية الوضعية.
وكان محور اهتمام ماركس وجلّ توجهه هو الثورة البروليتارية، ولعل ذلك إحدى نقاط الضعف التي لم تعالجها الماركسية لاحقاً، حيث اكتفت ببعض المقولات العامة، ولذلك لم يركّز ماركس على مبدأ حق تقرير المصير، ويعود إبراز مبدأ حق تقرير المصير للأمم والشعوب، الى لينين عشية الثورة الاشتراكية الأولى، ولعله هو من انفرد في فكرة تكوين الدولة القومية المستقلة، مشدّداً على نضال شعوب المستعمرات ضد الامبريالية، وهو من تناول حق تقرير المصير باعتباره حقاً ديمقراطياً، مع انه أخضعه في نهاية المطاف لمصالح الصراع الطبقي والدور البروليتاري، وكان أول من تحدث عن حركات التحرر في الشرق وربط بين قضية التحرر والثورة الاشتراكية، وذلك في كتابه الذي صدر عام 1913 المعنون " ملاحظات نقدية حول المسألة القومية" واضعاً فيه حقين متعارضين متلازمين:
الأول: الحق في تاسيس دولة قومية، أي حق الانفصال وتكوين كيان مستقل. وإنْ اعتبره مثل حق الطلاق، أو كما نقول أبغض الحلال عند الله الطلاق، ولا يتم اللجوء اليه الاّ إذا أصبح العيش المشترك مستحيلا، مع مراعاة مصالح النضال المشترك.
الثاني: الحق في الاتحاد الاختياري الأخوي، بما فيه إلغاء الحواجز القومية، وتكوين دولة مركزية واسعة وموّحدة، وهو ما سعى اليه بعد ثورة اكتوبر يوم تم اعلان الاتحاد السوفيتي " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية" العام 1922، بتعظيم وتقديم الأممية وتقزيم وتقليل القومية، وذلك في إطار الاصطفاف الثنائي بين الأممية البروليتارية والقومية البرجوازية، وهو ما أخذته أحزابنا الشيوعية باعتباره مسلّمة سرمدية لا يمكن مناقشتها، لاسيما في المرحلة الستالينية وكان ذلك سياسة رسمية انعزالية للكومنتيرن " طبقة ضد طبقة"، وباستثناء تقرير ديمتروف وتوجيهات المؤتمر السابع للكومنتيرن 1935، الذي دعا الى الجبهة الشعبية، فإن التقديرات بشأن الحركة القومية في البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة كانت متناقضة وملتبسة، وعلى أقل تقدير كانت ناقصة ومبتسرة وحتى قاصرة.
ولعل التجربة المريرة في البلدان الاشتراكية بشأن حل المسألة القومية لم تكن سوى شعارات ونصوص دستورية وقانونية مفرّغة من محتواها، رغم أن ما وصلنا من معلومات كان دعاية صارخة وضجيجاً لشعارات كبرى ذات رنين آيديولوجي عالي، لم يتم اعتمادها على أرض الواقع، أما حق الانفصال لاحقاً، فقد اعتبر مؤامرة استعمارية، تحتاج الى قمعها بالقوة، باستثناء بعض توازنات القوى في بداية ثورة اكتوبر والاعتراف باستقلال فنلندا وحقها في تقرير مصيرها وغيرها، لاسيما مسألة استقلال بولونيا، واصبحت القوميات الكبرى هي السائدة والمتحكّمة في مفاصل الحزب والدولة والقيادات العليا دون اعتبار للمبادئ الأممية.
لم يكن هناك ثمة وعي نقدي لليسار العربي وللماركسيين العرب بشأن الهوية العربية وطبيعة الصراع العربي -الاسرائيلي، فإضافة الى الاتكالية والكسل الفكري وتنفيذ تعليمات المركز الأممي، فقد كان هناك قصور في فهم طبيعة العلاقة من خلال رؤية مركبة ومتداخلة للوعي التاريخي العربي، بجعله جدلياً هادفاً التنوير والتغيير بشروط موضوعية لبلورتها وليس عبر محاولات تفسيرية محدودة وقاصرة.
* بعض الروافد الروحية!
· هل يعود ذلك الى روافد روحية ساهمت في تكوين وعيك وهو ما ذكرته في محاضرة لك في لندن (شباط/ فبراير)1994 في ديوان الكوفة، وصدرت لاحقاً في كراس بعنوان " بعيداً عن أعين الرقيب"!؟ هل يمكن استعادة ملامح الذاكرة التاريخية بشأن القضية القومية العربية؟
تعود بدايات تكوّن وعي الأول الى فترة العدوان الثلاثي على مصر، ومشاركتي لأول مرة في تظاهرات عاصفة شهدتها مدينة النجف عام 1956 ومقتل ثلاثة شبان في اصطدامات مع الشرطة، وأتذكر هنا يوم جاءنا محمد موسى (الذي قتل تحت التعذيب لاحقاً بعد انقلاب 8 شباط/فبراير 1963) وطلب مني حفظ وقراءة بعض الابيات الشعرية في تظاهرة اليوم التالي. وحسب الموعد المحدد حملني المتظاهرون على الاكتاف وكنت أنشد:
يا عبّادة الدولار وأتباعه
مد باع الشعب فنّه اليرد باعه
كَرب ليكم الموت وكَربت الساعة
وجيوش الحتم بانت طلايعه!
وحسب الاتفاق فقد ختمت بعض المقطوعات الاخرى بالهتاف بسقوط حكومة نوري السعيد، وبحياة جمال عبد الناصر، بناءًا على توجيه من عمي شوقي شعبان، ولعل ذلك المشهد ظلّ مؤثراً فيّ طيلة حياتي، لأنه شكّل أول عمل نضالي جماهيري مباشر، وأنا ما زلت " يافعاً " وبمعيار اليوم طفلاً صغيراً. وكم فرحت حين نشرت جريدة " اتحاد الشعب" السرّية تقريراً عن التظاهرة تلك، وأشارت الى أن المواطنين حملوا أحد الشباب الذي أنشد تلك الأبيات وأبيات من قصيدة للشاعر الشعبي زاهد محمد " ناضل يا شعب واحقد على العدوان ... تجلي من الشعبية وقلعة الذبان..." وشاءت الصدف أن أعمل معه في هيئة حزبية واحدة العام 1971 وكان عزيز شريف قد أصدر كتاباً طبع في دمشق عام 1957 بعنوان " وثبات العراق" ذكر فيه تلك الحادثة.
لا يمكنني وأنا استعيد تلك الاحداث التي مضى عليها خمسة عقود ونيّف من الزمان، الاّ وأن أتذكر جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرري، سواءًا كان على المستوى العام حيث شهد العالم العربي كله والعراق ربما بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وقومياً بعد العدوان الثلاثي على مصر، أو على المستوى العائلي، فقد كان عمي ضياء وعمي شوقي إضافة الى والدي متحمسون لذلك، وكذلك أخوالي ناصر ورؤوف وجليل شعبان إضافة الى حسن ووهاب شعبان، أما صديقي الدكتور ناهض شعبان فقد كانت مكتبته العامرة زاداً لنا، وكنّا أخيه نعمان وأنا نستعير منها الكثير من الكتب في التاريخ والفلسفة والأدب والسياسة.
وكان لتلك التطورات الايجابية، انعكاسات مهمة على صعيد حركة الضباط الأحرار، التي قادت الثورة صبيحة 14 تموز (يوليو) 1958، لكن المؤسف ان الثورة بدلاً من الايفاء بالوعود سلكت طريقاً آخر وتعمق الخلاف والصراع الشيوعي- القومي، ثم استدارت البلاد نحو الحكم الفردي، خصوصاً بعد قطع خط التطور التدريجي، وإلغاء الدستور الدائم واستمرار فترة الانتقال نحو 4 سنوات ونصف.
ان الوعي بحاجة الى استكمال دورته التاريخية، بحيث يكون نتاجاً وضعياً لما هو مشتركٌ ومُعاشٌ ومُدركٌ، لا ما هو مُحتملٌ وكامنٌ أو غير متكوّن. لقد ظل القصور الماركسي واضحاً بالنسبة للمسألة القومية، لاسيما ضعف الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ناهيكم عن شكلانية "المشترك" العربي بشكل عام، إنْ كان له مشتركات، ولم يكن الأمر سوى تطقيس للقضية، وليس الانغماس فيها باعتبارها مسألة مركزية يتوقف عليها اندفاع الشعوب العربية نحو التنمية والديمقراطية والوحدة الكيانية، وهو ما كان ينبغي علينا كماركسيين أن نتبناه ونواصله ونحرّض الشارع عليه، في حين كان اهتمامنا بقضايا دولية كبيراً وقد أعطيناها حيّزاً شاسعاً من نشاطنا، وهي لم تكن تستحق مثل هذا القدر من الاستغراق، وتلك مفارقة حيث كان ينبغي انشغالنا الحقيقي بمسألة الوحدة الكيانية بين الأقطار العربية أو بالقضية الفلسطينية، التي هي مفتاح التحرر في المنطقة، كأساس لتحركنا وليس أمراً ثانوياُ أو تكميلياً.
* الشيوعية العربية الرسمية والموقف اللاماركسي!
· هل كان ذلك يصدر بأوامر من موسكو أم أن المسألة تقليد أعمى من جانب القيادات الماركسية؟
إذا عدنا الى الرأي الماركسي باستثناء ارهاصات محدودة، فإنه بشكل عام اقتفى أثر الموقف الستاليني، الذي تبدّل بين عشية وضحاها بالموافقة على قرار التقسيم بعد ان كان يدعو الى دولة ديمقراطية يتعايش فيها العرب واليهود، وهو الموقف الذي لا أفهم أي تبرير له ماركسياً، إنْ لم يكن هو ضد الماركسية، فكيف لمن يدّعي انه طليعة البروليتاريا العالمية يوافق على تقطيع أوصال بلد وتسليم ما يزيد عن نصفه الى مهاجرين جاءوا من أصقاع الدنيا وطرد سكان البلاد العرب الاصليين، إنْ لم يكن ذلك بصفقة قد تمت من وراء ظهورهم بعد اتفاقية يالطا عام 1943، وضمن تسويات ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شملت بلداناً ومناطق عديدة، ولعل الأمر لا يتعلق بالسياسة التي قد تصيب وتخطأ وبالإمكان تصحيح الخطأ، لكن المسألة تتعلق بالتنظير الآيديولوجي الخاطئ، واعتماده باعتباره تطبيقاً للماركسية في ظرف ملموس هذا من جهة، ومن جهة أخرى المصالح السياسية للدولة السوفيتية، وهو الأمر الذي استمر دون نقد ماركسي حيوي من جانب الأحزاب الماركسية الرسمية، بل وأحياناً الاستمرار في تبرير ذلك الموقف الآيديولوجي الخاطئ بتبريرات سياسية ساذجة وخاطئة أيضاً.
وبكل الأحوال فقد كان ذلك خطيئة تاريخية لا يمكن غفرانها، والغريب أن قيادات الأحزاب الشيوعية وافقت عليها وتبّنتها، بل وتحمّست لها (باستثناء الحزب الشيوعي السوداني)، كما ذهب الى ذلك الحزب الشيوعي السوري- اللبناني والحزب الشيوعي المصري والشيوعيين الفلسطينيين والاردنيين، والحزب الشيوعي العراقي، لاسيما مطارحات زكي خيري الصادمة للمزاج الشعبي، ناهيكم عن خطئها ماركسياً باعتبار " اليهود أمة" ولها " الحق في تقرير المصير" وبمقارنة أوضاع اسرائيل المغتصِبة للحقوق والارض باعتبارها " دولة ديمقراطية" قياساً الى البلدان العربية الرجعية، ولأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها، وهو الموقف الخاطئ الذي كان سائداً في إطار الحركة الماركسية العالمية التي حاول خيري تمثيلها آنذاك رغم وجوده في السجن.
وقد نقل يوسف اسماعيل البستاني، الذي كان يدرس في باريس رأي الحزب الشيوعي الفرنسي، والذي صدر بعنوان " أضواء على القضية الفلسطينية" حيث أثّر على توجهات الحزب الشيوعي العراقي، في حين كان قائده وأمينه العام فهد يقبعُ في السجن، إضافة الى أركان المكتب السياسي وهما كل من حسين الشبيبي وزكي بسيم (اللذان أعدما مع فهد لاحقاً يوم 14 شباط (فبراير) 1949).
وكانت ملاحظات فهد بشأن استشارة خالد بكداش أمين عام الحزب الشيوعي السوري- اللبناني حول الموقف الصحيح، تنمُّ عن التململ وعدم القناعة الكافية في اتخاذ موقف أو عدم القدرة في بلورة موقف يتعارض مع رأي الاتحاد السوفياتي والمركز الأممي، لاسيما بعد خطاب غروميكو في الأمم المتحدة، الذي كان انقلاباً في موقف الحركة الشيوعية، حين أيّد قر ار التقسيم وقيام دولتين: يهودية وعربية، ومن المفارقة حقاً أن الاتحاد السوفيتي كان أول دولة في العالم اعترفت باسرائيل بعد قيامها في 15 أيار (مايو) 1948، وبحسب فرق التوقيت فان هناك دقيقة أو أكثر كانت بين صدور قرار الاعتراف، الذي اعقبه صدور قرار تأسيس اسرائيل، الأمر الذي يدّل إذا صحّت هذه الرواية على تحضير مسبق، وربما اتفاق لاعلان تأييد قيام اسرائيل، وهو الامر الذي سبب احباطاً لدى أوساط واسعة من الماركسيين، وربما حرم قسماً كبيراً منهم من مواصلة عمله مع التنظيمات الشيوعية، خصوصاً وأنه لم يجد مبرراً لذلك الموقف اللاماركسي، لاسيما وأن لينين نفسه ردَّ على من يقول بأن اليهود يشكلون أمّة ووقف ضد الشيوعيين اليهود الروس "البوند" لتأسيس تنظيم خاص بهم، معتبراً ذلك تقسيماً للطبقة العاملة وكان ماركس يردد: لا تبحث عن سر اليهودي في الدين، بل ابحث عن سر الدين في اليهودي.
ولعلها كانت مفاجأة عندما استدارت الأحزاب الشيوعية المشرقية وأصدرت بياناً مشتركاً بالموافقة على قرار التقسيم بعد موافقة الاتحاد السوفيتي وهو نقيض لمواقفها السابقة، في حين كانت تعتبره مؤامرة استعمارية وتدعو الى التضامن لاحباطه وإقامة الدولة الديمقراطية الموحدة، التي يتعايش فيها العرب واليهود بمراعاة الأخيرين كأقلية متميزة.
وقد أبدى فرج الله الحلو القائد الشيوعي اللبناني تحفظاً على قرار التقسيم الأمر الذي اتخذ قراراً بالعقوبة بحقه بتنحيته من جميع مسؤولياته، وكانت هذه العقوبة تحصيل حاصل لمواقف انتقادية أخرى له في قيادة الحزب في سوريا ولبنان، حيث جرى التآمر عليه بارساله الى باريس ولندن في مهمة خاصة وتم تعيين نيقولا شاوي بدلاً عنه وتحت اشراف خالد بكداش، وهو ما يندم عليه شاوي لاحقا كما يذكر كريم مروة.
جدير بالذكر ان فرج الله الحلو الذي أبعد عن مواقع المسؤولية، اضطر الى الإذعان وأجبر على تقديم نقد ذاتي، هو أقرب الى الجلد بإدانة نفسه وسلوكه البرجوازي الصغير، وبعد أكثر من خمس سنوات، بدأ يستعيد موقعه تدريجياً في سلّم القيادة، الى أن أعتقل في دمشق وذوّب جسده بحامض الكبريتيك لإخفاء معالم الجريمة أيام الوحدة المصرية- السورية (1959)..
وكان صوت سكرتير الحزب الشيوعي السوري رشاد عيسى الذي يأتي بمرتبة ثانية بعد خالد بكداش أمين عام الحزب (الموحد في البلدين) فقد ظل رافضاً لقرار التقسيم، كما امتنع عن تقديم نقد ذاتي، الأمر الذي وضع نفسه خارج الحزب حسب تعبيرات الفصل الحزبي السائدة، وظل بينه وبين الحزب مسافة حتى وفاته وعدم عودته الى العمل السياسي، وهو ما يذكره كريم مروة في كتاب له صدر حديثاً (2008) بعنوان "الشيوعيون الاربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث".
وأتذكر أن " أبو كاطع- شمران الياسري" الروائي والصحافي الساخر، كان قد حدثني في احدى مطارحاتي معه، من أنه كتب مقالة لأول مرة عام 1948 في إحدى الصحف العراقية يندد فيها بموقف الحزب الشيوعي، الذي كان قريباً منه بسبب تأييده لقرار التقسيم، وقال لي كدت أن أكفر بكل شيء، علماً بأنه كان يحسب نفسه على ملاك الشيوعيين أو من أصدقائهم آنذاك، وتأخر انضمامه الى الحزب حتى عام 1955 وحصل على العضوية في العام 1956 لدى انتقاله الى بغداد، وقد دوّنت ذلك في كتابي الموسوم " أبو كاطع – على ضفاف السخرية الحزينة" الذي صدر في لندن عام 1998.
وإذا أردتُ أن أعود إلى التاريخ في هذه القضية، فإن تلك الفترة شهدت وجود قيادات يهودية على رأس الحزب الشيوعي، مثل ساسون دلال ويهودا صدِّيق ويعقوب قوجمان ويعقوب(عادل) مير مصري وابراهيم ناجي وآخرين، الأمر الذي قد يكون من مصلحتها تبنّي وجهة النظر السوفياتية بشأن التقسيم وطبعها لكراس " أضواء..." وتبنيّها لموقف الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي رحّبت جريدته المركزية " اللومانتيه" بقيام دولة اسرائيل بمانشيت عريض على صفحتها الأولى.
ولا أريد هنا أن أشكك بموقف أحد باعتبارها مؤامرة حيكت لصالح الحركة الصهيونية، وإن كنتُ لا أستبعد تواطؤ البعض، إلاّ أنني بشكل عام ومن خلال الوضعية النقدية للماركسية، أستطيع القول أن ثمة موقفٍ لا ماركسي، لاسيما من الناحية النظرية بما فيه كل التبريرات التي قيلت، إضافة إلى أنه يُلحق ضرراً بقضية النضال والتحرر القومي في المنطقة، وهو ما تفترضه الماركسية في الصراع الطبقي- البروليتاري ضد الرأسمالية والامبريالية " أعلى مراحلها" على حد تعبير لينين.
وللأسف الشديد لم يبادر الشيوعيون والماركسيون العرب إلى تصحيح ذلك الموقف الخاطئ، والأقرب الى الخطيئة نظرياً وعملياً، بل كانوا يزوغون عنه كلّما جرى الحديث عن القضية الفلسطينية، وتراهم بحماسة منقطعة النظير يرددون ويستذكرون "الانذار السوفيتي" عام 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر " انذار بولغانين": وتسليح بعض البدان العربية والموقف من حرب الاستنزاف وهي كلها مواقف مشرّفة للاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية، في حين أنك تناقش في مسألة التقسيم، بل ان بعضهم يبرّر بسذاجة وسماجة قائلاً: ألم تكن الموافقة على قرار التقسيم أفضل من عدم الحصول على شيء؟ ألا يتمنى العرب حالياً العودة الى قرار التقسيم 181 لعام 1947؟ ألا يكفي مزاودةً وهي التي أوصلتنا الى ما نحن عليه، حيث ضاعت نصف فلسطين بموجب القرار، واصبحنا نوافق عليه 22% منها حسب اتفاقات أوسلو لعام 1993، التي لا تنفذها إسرائيل!؟
وكأنهم يريدون القول أن مواقف الحركة الشيوعية كانت ماركسية وإنها لا تخطئ، مقدِّمين تبريرات مصالح الدولة السوفياتية على مصالح الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة، وغير القابلة للتصرّف، ولم توجد هناك سابقة قانونية بحيث تقوم الأمم المتحدة بإنشاء دولة على حساب سكان البلدان الأصليين، وتتعهد هذه الدولة باحترام ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، لكنها تتنكّر لذلك بما فيها لقرار التقسيم نفسه وللقرار 194 الخاص بحق العودة لعام 1948 وللقرارات 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 وغيرها من القرارات دون أي إلزام أو إكراه أو عقوبات من مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وأرجو ألاّ يتم تفسير كلامي هذا باعتباره انحيازاً الى الضفة الاخرى، فهي وإن تمسّكت بالحق الفلسطيني شكلياً، لكن مواقف بعضها لم تكن تميّز بين الصهيونية كأيديولوجيا وبين اليهودية كدين، فضلاً عن نزعاتها الشوفينية الاستعلائية ومواقفها الدونكيشوتية حول " رمي اليهود في البحر" و" التحرير" الكامل، لكنها قامت حين وصلت الى السلطة بقمع شعوبها وتكبيل حركتها، بل والتآمر أحياناً على القيادة الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، كما قننت حركتها واغتالت بعض قياداتها، في حين كان موقفنا من الصهيونية كحركة رجعية أكثر وضوحاً منها، وكنّا نفرق بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كعقيدة، لكن هذه المواقف ضاعت وتبددت عند تأييدنا قيام دولة اسرائيل، باعتباره انسجاماً مع مبدأ حق تقرير المصير ومنه حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره وقيام دولته الخاصة، وأحياناً بررنا ذلك بالشرعية الدولية وبمواقف الاتحاد السوفيتي، التي تعتبرها الادارات الحزبية المحك " الحقيقي" الذي تقيس به الخطأ والصواب، والأكثر من ذلك تفسيرنا هذا الخطأ النظري وفقاً للماركسية، الأمر الذي يتناقض مع جوهرها ومحتواها.
كان تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية عام 1946 وانضمام شخصيات عراقية يسارية إليها، إضافة الى شخصيات يهودية عراقية توجهاً صحيحاً، لكن هذا التوجّه تم تشويهه في المواقف اللاحقة التي اتخذناها والتي ألحقت ضرراً كبيراً بحركتنا.
وبهذه المناسبة أود التذكير بكتاب الدكتور عبداللطيف الراوي " عصبة مكافحة الصهيونية"، الذي بذل فيه جهداً طيباً، لاسيما بعض المقابلات التي أجراها مع بعض الشخصيات التي عاشت الاحداث ومنهم الشيوعي اليهودي يعقوب (عادل) مير مصري (سكرتير العصبة)، التي ضمت محمد حسين أبو العيس وغيره كقادة كبار، ولعل الراوي أراد رد الاعتبار لموقفنا من القضية الفلسطينية بابراز الوجه المشرق، فقد كان هو الآخر يتحسس بألم بعض جوانب الخلل والضعف في مواقفنا.
* ماركسية " حذرة": لماذا؟
· د.شعبان هل تريد ان تقول ان استغراقك في القضية الفلسطينية والصراع العربي- الاسرائيلي وانصرافك الى تأليف سبع كتب عنها ونشر نحو 50 بحثاً وعشرات المقالات، فضلاً عن نشاطاتك العربية والدولية لدعم القضية الفلسطينية، إضافة الى علاقاتك المتميّزة بالمقاومة الفلسطينية منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان، هي تعويض عن تقصيرات الحركة الشيوعية؟ وهل كنت تريد أن تقول هذا ما ينبغي عمله أم ماذا؟
حتى على المستوى الشخصي أشعر أنني مقصرٌ أيضاً، فما قمت وما أقوم به إنما هو جزء يسير من واجب واستحقاق وجودي لقضية تشكل محور النضال على المستوى العربي، وعليك أن تعرف أنني وجيلي ينتابنا مثل هذا الشعور، حتى وإن كنّا من مدارس مختلفة.
لقد كانت المرحلة الأولى لتكوّن وعي الأول كما ذكرت، هي حرب المقاومة في السويس ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، التي ترافقت مع صعود الثورة الجزائرية التي انطلقت عام 1954 وقد هزّت مشاعرنا فيما بعد خطف طائرة أحمد بن بلّة ورفاقه الخمسة من جانب فرنسا، وكانت المرحلة الثانية التي بدأت فيها ملامح الوعي تتخذ طابعاً تعبيرياً ومنظماً ونقدياً، لاسيما بعد قراءتي للماركسية هي مرحلة عدوان 5 حزيران (يونيو) عام 1967 واتساع المقاومة الفلسطينية، وقد تطوّعنا بعد العام 1967 للانخراط في صفوفها، كجزء من شعور شبه جماعي هيمن علينا رداً على الهزيمة.
ولا تتصور حجم الانكسار الذي شعرنا به علماً بأننا لم نكن نراهن على أنظمة غير ديمقراطية، رغم ما حققته على الصعيد الاجتماعي والتنموي بحساب تلك الايام والاصطفافات الحادثة فيه، لكن الخيبة شملت هذه المرة موقف الاتحاد السوفيتي الذي كنّا نعوّل عليه كثيراً، خصوصاً بعد انتكاسة الحركة الشيوعية في العراق عام 1963 وما رافقها من تداعيات.
وبغض النظر عن تعقيدات العلاقات الدولية وتوازن القوى الدولي آنذاك، فكنّا نعتقد بما أن مصر وسوريا هما جزءان متقدمان من حركة التحرر الرسمية العربية آنذاك، وحليفان للاتحاد السوفيتي ومعاديان للغرب، فقد كان ينبغي عليه الدفاع عنهما وعدم السماح بهزيمتهما على أقل تقدير، بل اجبار اسرائيل على الانسحاب من الاراضي التي احتلتها، وكنّا نستذكر بألم ومرارة إنذار بولغانين وأحياناً التدخل السوفيتي في المجر عام 1956 في حدود وعينا آنذاك، وفي إطار الضغط النفسي الواقع علينا، وهو ما حصل بعد عام أيضاً في جيكوسلوفاكيا خلال ربيع براغ (1968)، الأمر الذي جعل موقفنا قلقاً ومضطرباً وناقماً.
لو قدّر لي أن اعيش مرّة أخرى، لأعطيت العمر كلّه للقضية الفلسطينية النبيلة، باعتبارها المحور لقضية التحرر العربي على المستوى القومي وستكون التنمية والديمقراطية وحقوق الانسان والاشتراكية في المنطقة ككل غير مضمونة أو ثابتة دون حل عادل ومشروع للقضية الفلسطينية. ومثل هذا الشعور صاحب جيلنا المتمرد القلق المتعطش الى التغيير، ولعل التعبير الأمثل عن هموم بعضنا كان موقف قيس السامرائي "أبو ليلى" الذي انخرط كلياً في العمل الفكري والسياسي الفلسطيني وأصبح أحد قادة المقاومة الفلسطينية وفصيلها المعروف باسم " الجبهة الديمقراطية لتحرير فلطسين" التي يتزعمها نايف حواتمة.
وهناك نماذج أخرى انخرطت في الجبهة الشعبية مثل عدنان البياتي (المعروف بـ "باسم") وهو عسكري سابق كان سجيناً في سجن نقرة السلمان بعد عام 1963 وبعد اطلاق سراحه إلتحق بالمقاومة، وهو المسؤول عن عمليات خطف الطائرات وانزالها في مطار الثورة، عام 1970، وقد التقيت به آخر مرة قبل اعتقاله في براغ العام 1974 (عندما جاء لزيارة اخته سميرة)، حيث اعتقل في مطار القاهرة عندما كان قادماً من طهران، وبجواز سفر سعودي، وتم تسليمه الى الرياض، وتم الحكم عليه لمدة ثلاث سنوات، قضاها في السجن وأطلق سراحه عام 1978، ولم يكن ذلك بمعزل عن تدخلات للرئيس السادات وللحكومة العراقية والحزب الشيوعي في حينها. وقيل وقتذاك أنه كان يدبّر عملية لاغتيال شاه ايران آنذاك.
أما الطيار العسكري عبد النبي جميل (جلال) فقد إلتحق بالمقاومة بعد اطلاق سراحه وانتهاء محكوميته بعد العام 1963 عشية عدوان حزيران (يونيو) 1967، ثم أسهم في تدريب طاقم للطيران اليمني ( اليمن الجنوبية) وفي بناء القوة الجوية اليمنية. أما في الميدان السياسي والثقافي والفني والاعلامي،فهناك العشرات أذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر: شريف الربيعي وسعدون الهاشمي وعمران القيسي وطارق الدليمي وخالد العراقي وقاسم حول وقيس الزبيدي، إضافة الى أعداد كبيرة من المقاتلين وانضم الى المقاومة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات في بيروت المئات وعملوا في مؤسساتها باتفاقات خاصة مع الحزب الشيوعي.
ومن المناسب التذكير أن المعتقلين الشيوعيين لاسيما من العسكريين الذين كانوا في سجن نقرة السلمان الشهير أو في سجن الحلة أو غيره، كتبوا مذكرة الى حكومة الرئيس عبد الرحمن عارف خلال عدوان العام 1967، طالبوه فيها بإرسالهم الى جبهات القتال ضد العدو الصهيوني، وبعد انتهاء المعارك إعادتهم الى السجن ولإكمال مدد محكومياتهم. وتلك الحادثة لم تكن نكتة سياسية، بل فضيحة حقيقية!!
· هل يعني ذلك اصطفافاً جديداً أفرزته القضية القومية لدى التيار الماركسي العراقي؟
كان الجدل داخلنا يحتدم: هل رفع شعار كل شيء الى المعركة أم كل شيء من أجل المعركة؟ ولعل ذلك كان انعكاساً لصراع داخلي، لم تكن ملامحه واضحة لدرجة كافية بالنسبة لنا، رغم ان خط آب (اغسطس) العام 1964 كان تعبيراً عنها، فقد انقسم الحزب الى يمين ويسار حسب التصنيف التقليدي، لكن بعض مؤشراتها كانت كافية لوضع هواجسنا محط اختبار، حتى انفجر هذا الصراع في 17 ايلول (سبتمبر) 1967، ولم يكن ذلك بعيداً عن الموقف من القضية الفلسطينية، فسرعان ما اتخذ الفريق الراديكالي (القيادة المركزية) " مجموعة عزيز الحاج" خطاً استراتيجياً مختلفاً بالنسبة للقضية الفلسطينية، ورغم أن ميلي كان للفريق الثاني "مجموعة اللجنة المركزية بقيادة عزيز محمد" الاّ أنني وجدت ملاذاً فكرياً جديداً تعمّق بالجدل والحوار والشجاعة في اتخاذ المواقف، لاسيما من القضية الفلسطينية، وفي الموقف من نقد المركز الأممي، وهو الأقرب الى مشاعري الشخصية، إضافة الى المجاهرة بالدعوة للاطاحة بالحكم واستلام السلطة، وهو ما كنت ضمن وعي آنذاك قريباً منه، وربما لم أكن أدرك تعقيدات الصراع وانعكاساته الاقليمية والدولية، بل كنت مأخوذاً بحجم نفوذنا في هذا المجال أو ذاك، لاسيما بعد انتخابات الطلبة في ربيع العام 1967 (قبل حزيران /يونيو) والفوز الساحق الذي حققه اتحاد الطلبة، حيث حاز على أكثر من 76% من المقاعد وعلى أكثر من 80% من الأصوات!
* القوموية والماركسيوية!
كنت أجد في مراجعة مواقفنا من القضية الفلسطينية مسألة حيوية، وهي تتفق مع ما كنت أتمناه، لاسيما تخطئة موقف الاتحاد السوفيتي من قرار التقسيم الذي لم أكن مقتنعا به، وكان ذلك أحد همومي الفكرية آنذاك، وقد كبُر معي واتخذ بُعداً نفسياً لاسيما بعد عدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967، ولهذا تناغمت وبحماسة مع موقف القيادة المركزية على هذا الصعيد، الذي تم بلورته لاحقاً في كراس صدر عن القضية الفلسطينية في العام 1971، ولا سيما بعد استلام الدكتور ابراهيم علاوي مقاليد القيادة بعد إلقاء القبض على عزيز الحاج والمجموعة القيادية الاساسية وعشرات الكوادر المهمة (مطلع العام 1969) ومقتل كوكبة لامعة منهم تحت التعذيب..
ما كنت أريد أن أقوله وأنا أستغرق في الكفاح ضد الصهيونية، بأن مواقفنا بحاجة الى إعادة نظر لتقويمها وتعميقها، ونبذ ما هو خاطئ وسلبي منها وتعزيز وتطوير ما هو إيجابي، في ضوء المنهج الماركسي، وقد حاول عبد الرزاق الصافي في كراسه " كفاحنا ضد الصهيونية" في أواسط السبعينات، مقاربة ذلك بحكم ظروف التحالف مع حزب البعث، الاّ أن مثل تلك الارهاصات ظلّت محدودة ومرهونة بظرف محدد.
وكنت أريد أيضاً نقد مواقف القوى القومية التي تعكّزت على مسألة فلسطين لتصادر الديمقراطية وتعطّل التنمية وتؤجل الاستحقاقات الاجتماعية الضرورية، ليس هذا حسب، بل ان الهم الرئيسي لبعضهم أحياناً كان هو القضاء على الشيوعية بدلاً من اعتبار الصهيونية والامبريالية، الخطران الاساسيان، ولعل العودة الى بعض كتابات تلك المرحلة، تراها تقارب مثل هذه الاطروحات الخاطئة، رغم انها كانت هي الأخرى محكومة بظروف الصراع اللاعقلاني الذي ساد بين التيارين الماركسي- الشيوعي من جهة والقومي- البعثي من جهة أخرى.
وإذا كان ساطع الحصري تحدث عن نشوء الفكرة القومية وميشيل عفلق تناول القومية بشيء من الرومانسية في كتاباته الأولى مطلع الاربعينات، بعناوين مثل: "القومية حُبٌ قبل كل شيء" و" القومية قدر محبّب"، لكن ما واصله عبدالله عبدالدايم وعبد العزيز الدوري وعبد الرحمن البزاز وشبلي العيسمي والياس فرح وقبل ذلك قسطنطين زريق، كان شيئاً مختلفاً أكثر عمقاً وشمولاً.
وإذا كانت ارهاصات المرحلة الاولى تكوينية وبحثية لاسيما عن هوية فكرية، فإن المرحلة الثانية بعد احتدام الصراع مع الحركة الشيوعية اتخذت منحىً عدائياً للماركسية باعتبارها هي الخطر والتحدي الذي يواجه الحركة القومية، ولم تقتصر تلك المرحلة الستينية الخاطئة على ذلك، بل وجدتها امتدت الى الثمانينات، وهو ما أورده مفكر بعثي مثل الدكتور سعدون حمادي، حين كتب في العام 1985 مؤكداً أن الماركسية كانت أول التحديات التي واجهت الفكرة القومية ويضيف اليها التحدي السلفي ثم تحدي التجزئة، وذلك ما اطلعت عليه مؤخراً في إطار مجلد صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان " قراءات في الفكر القومي" ط1، 1993.
وأتذكر أن احد الاصدقاء " البعثيين" ممن بالغوا في رفع أكثر الشعارات يساريةً وتطرفاً، وأحياناً احتسب نفسه قريباً من "الماركسية" وهي تقليعة لتلك الأيام، لم ينفك بالتنديد بنا بسبب علاقتنا مع الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم، اللذان شاركا ضمن وفد الشباب العربي الفلسطيني (القادم من اسرائيل وتحت اسمها) في مهرجان صوفيا عام 1968، معتبراً كل من يحمل الجنسية الاسرائيلية، فهو صهيوني وعدو يستحق الادانة، وحسب رأيه فقد كنّا نصافح العدو وما علينا إذا أردنا تبرئة ساحتنا، فينبغي نبذ المبدعين الفلسطينيين الكبيرين، اللذان كانا بالنسبة لنا اكتشافاً كبيراً، لاسيما لعرب الارض المحتلة ومعهما أميل حبيبي وأميل توما وتوفيق زيّاد وفيما بعد عزمي بشارة وغيرهم من خيرة أبناء فلسطين أو ما نطلق عليهم اليوم فلسطينيو الداخل أو عرب الـ48 ، لعل تلك كانت من بعض ما كنت أريد أن أتصدى له أيضاً.
*خطوط المقاومة ماركسياً!
· لكن مع من كانت علاقتك بالمقاومة الفلسطينية ؟ استاذ شعبان دعنا نتوسع قليلاً رغم أن السؤال يتخذ طابعاً سياسياً وليس شأناً فكرياً!؟
كنت وما أزال مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة وغير القابلة للتصرف، لاسيما مع مبدأ حق تقرير المصير، وكنت أريد أن نعطي لموقفنا من القضية الفلسطينية نكهة ماركسية متميزة . أما علاقتي فقد كانت مع جميع القوى الفلسطينية جيدة، وكتبت وحاضرت وساعدت في تأهيل كوادر ثقافية فلسطينية على مدى سنوات، في بلدان الشتات والمخيّمات وفي المنافي البعيدة أيضاً. وإذا كانت علاقتي طيبة مع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وكنت متفرغاً لها كباحث ومستشار دون أن يلزمني ذلك بشيء، فإن علاقتي كانت وطيدة مع الجبهة الشعبية وقياداتها ومجلة الهدف بشكل خاص وعميقة مع الجبهة الديمقراطية وكياناتها وراسخة مع فتح واداراتها ولديّ مراسلات مع أبو عمار " ياسر عرفات"، ومع فتح الانتفاضة وجبهة النضال الشعبي وجبهة التحرير الفلسطينية (جماعة أبو العباس) والمجلس الثوري (تحديداً مع الصديق السفير عاطف أبو بكر) ومع الجبهة الشعبية – القيادة العامة وحالياً مع خالد مشعل وموسى أبو مرزوق ورمضان شلّح وعدد من قيادي حماس والجهاد، الآّ أن مواقفي مستقلة وأضع مسافة بيني وبين جميع الأطراف.
أنا مع حماس مثلاً في مقاومة الاحتلال، لكنني لست مع قتل المدنيين أو تعريضهم للأذى، ولعلّي هنا أجد نفسي ميّالاً الى المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد، فالفلسطيني (كإنسان) والاسرائيلي (كإنسان) قيمة لا يمكن هدرها تحت أية ذريعة أو حجة، ولكن ذلك لا يعني تخفيض سقف المقاومة ضد الصهيونية بجميع الوسائل المشروعة، السلمية والعنفية، السياسية والعسكرية، لحين استعادة الحقوق.
وانا مع فتح في " ليبراليتها" ولست مع تشدد حماس، لاسيما في موقفها من الحداثة والقضايا الاجتماعية والمرأة وغير ذلك، لكنني ضد مشاريع التسوية التي لا تلبي طموح الشعب الفلسطيني، وقد أثبتت التجربة فشل اتفاقيات اوسلو عام 1993 ولم تجلب للشعب العربي الفلسطيني سوى المزيد من العذاب والحرمان.
انا ضد حماس وضد فتح في صراعهما اللاعقلاني وفي محاولاتهما كسب مناطق النفوذ، ولعل ذلك سيكون على حساب النضال الفلسطيني ضد اسرائيل.
وإذا كنت لا أحبّذ هذا الموقف أو ذاك، فإنني لست طرفاً لكي أنحاز الى هذا الفريق أو ذاك، أو اصطف مع هذا التنظيم أو ذاك، ببساطة انني منحاز مع قضية فلسطين وحقوق الشعب العربي الفلسطيني بكل جوارحي ولست مع هذا الكيان أو ذاك، ولهذا أيضاً وضعت مسافة واحدة من كل الأطراف، وبالقدر الذي يمكنني أن ألعب فيه دوراً إيجابياً في التقارب أو التلاقي أسعى لذلك، وهو ما حصل أكثر من مرة.
وبالعودة الى سؤالك، فإن علاقتي مع المقاومة ابتدأت من بغداد في العام 1967 وتعززت وتوطدت على مرّ الأيام، فعلى صعيد فتح كانت علاقتي مع ممثلها أبو جعفر الصادق وعلى صعيد م.ت.ف كان هناك عصام سخنيني وكان مسؤول الجبهة الشعبية أبو وائل إضافة الى إيهاب وغسان، أما مسؤول الديمقراطية فكان يُدعى خليل الذي اعتقل حينها، وكان اتحاد طلبة فلسطين ممثلاً بعاطف أبو بكر وأحمد قاسم ونضال وفيصل وعبدالله نمر (الذي التحق بالانصار عام 1970 وترك دراسته، ثم أكملها في بولونيا وتشيكوسلوفاكيا) وهو نائب أمين عام الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يقوده عربي عواد.
وكنت أدعو بعض الأصدقاء لحضور بعض احتفالاتنا في جزيرة أم الخنازير أو في جديدة الشط ومنطقة الراشدية في بستان صفوك الجبوري(والد صديقنا العزيز طه/أبو ناصر عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي سابقا). وقد أرسلنا وفداً الى عمان ودمشق عبر فتح قاده محمد النهر، وكان الوفد الثاني مع الجبهة الشعبية بقيادتي، لكن الوفد لم يسافر بسبب أحداث شباط(فبراير) التي كانت بروفة للصدام الفلسطيني – الاردني في أيلول(سبتمبر) الأسود.
وأتذكر أنني كتبت مادة في جريدة طريق الشعب السرية (حزيران/يونيو) 1970، بعد أن تعرّضت المنظمات الفلسطينية للمداهمة واعتقل عدد من كوادرها في العراق الأمر الذي حفّزني لكتابة تلك المقالة. لقد استفز سؤالك الذاكرة، فاستعدت أحداثاً مضى عليها أكثر من أربعة عقود من الزمان.
أما في الخارج فقد كانت علاقتي مع جميع قيادات المقاومة دون استثناء من أبو عمار وأبو مازن الى جورج حبش ونايف حواتمه وأركان قيادتهما، وهم عدد من الأصدقاء، الى أحمد جبريل (أبو جهاد) والدكتور طلال ناجي، مروراً بـ أبو موسى وأبو صالح وخالد العملة وناجي علوش ود. سمير غوشه وخالد عبدالمجيد وعربي عواد وعبدالله نمر وعاطف أبو بكر وعشرات من القيادات الفلسطينية وصولاً الى خالد مشعل ورمضان عبدالله شلح وآخرين.
* التنظير الماركسي: عربياً وأممياً!
· أين تضع موقفك من التنظير الماركسي لقضية فلسطين؟
منذ أكثر من ربع قرن وأنا أُعلن وأُجاهر بموقفي هذا الذي استُكمل بتململات وارهاصات واعتراضات سبقته بنحو عقدين من الزمان، والأكثر من ذلك بمعاناة فائقة حتى اكتملت الصورة بالدراسة والبحث والتمحيص، بل والاستقلالية في بلورة موقف منسجم مع وجداني من جهة ومع الوضعية النقدية الماركسية التي أعتقد أنها مناسبة لتقييم الموقف من جهة أخرى، وإذا كنتُ قد أشرت بالخطئية الستالينية السوفيتية وذيولها نظريا وعمليا، فثمة أسباب تقفُ في مقدمتها مصالح الدولة السوفياتية ووجود بعض الموظفين اليهود الكبار في إدارات وزارة الخارجية، وربما بعضهم كان متعاطفاً مع الصهيونية، وذلك قبل مذبحة الأطباء اليهود والتصفيات التي طالتهم، كما أنه لم يكن بمعزلٍ عن المزاج الشخصي لستالين والارتياحات الخاصة التي تكون قد أثرّت عليه.
ومن المفارقة ان هذه الآراء التي قلتها في محاضرة لي في مركز الدراسات الفلسطينية في دمشق ونشرت في صحيفة الحقيقة في بيروت، كان قد قال بها أيضا مفكر سوفيتي معاد للصهيونية يدعى يفيسيف، حيث نشرت جريدة الثورة السورية مقابلة معه بعد بضعة اسابيع من محاضرتي تلك، لكنها لم تُكمل نشر القسم الثاني كما وعدت، ولعل ذلك كان يعود الى ضغوط من السفارة السوفيتية في دمشق بعد نشر القسم الأول.
وظنّ البعض أن اتجاهي ذاك قد يكون متأثراً بالاتجاه السوفيتي الجديد، سواءًا بيفيسيف أو بغيره، لاسيما وقد شهد عهد اندروبوف تأسيس اللجنة الاجتماعية لمناهضة الصهيونية، وكنا نبذل جهداً الدكتور جورج جبور وأنا، كل على انفراد وفيما بعد بالتعاون والتنسيق، لاسيما بعد انعقاد مؤتمر لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في دمشق، فقدمنا مقترحاً حاز على التأييد لتأسيس اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية، الصادر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975، والتي ضمت نخبة من المثقفين والمفكرين العرب بينهم ناجي علوش وإنعام رعد وعبد الرحمن النعيمي وسعدالله مزرعاني وصابر محي الدين وغازي حسين وعبد الهادي النشاش وعبد الفتاح ادريس وآخرين.
وتم اختياري أميناً عاماً للجنة والدكتور جورج جبور رئيساً لها، ثم تحولت اللجنة الى " اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"، خصوصاً بعد تحذيراتنا من احتمال اعدام القرار 3379، وهو ما حصل بالفعل، بعد تغيّر ميزان القوى على المستوى الدولي ونكوص الكتلة الاشتراكية وإعادة علاقة اسرائيل بنحو ثلاثين دولة كانت قد قطعت علاقاتها معها، إضافة الى إعادة علاقاتها بحميمية غريبة مع الدول الاشتراكية السابقة.
كما لعب انتكاس الوضع العربي بما فيه غياب الحد الأدنى من التضامن المنشود، بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 وشنّ قوات التحالف حرباً على العراق في 17 كانون الثاني (يناير) عام 1991، وفيما بعد فرض الحصار الدولي، دوراً سلبياً في تسهيل اعدام القرار 3379 في أواسط شهر كانون الاول (ديسمبر) 1991 بأغلبية أكبر بكثير في الجمعية العامة للأمم المتحدة من تلك التي حصلت يوم صدوره، وقد عالجتُ ذلك بمقالة نشرتها في جريدة القدس العربي (اللندنية) بعد يومين من اتخاذ القرار تحت عنوان " اعدام القرار 3379: "انتصارات أشدّ عاراً من الهزائم".
ولعلي أفشي سرّاً لك إذا قلت إن القرار الذي صدر عن قمة الكويت للمؤتمر الاسلامي العام 1987 بخصوص دمغ الصهيونية بالعنصرية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، كان باقتراح منّي وبدعم وتشجيع من الدكتور جورج جبور وأعضاء اللجنة، وكنت قد كتبت رسالة الى الرئيس حافظ الأسد ( بصفتي أميناًً عاماً للجنة ) طلبت منه التكرّم والإيعاز الى وفد وزارة الخارجية السورية لحمل مقترحنا، ولعرضه على المؤتمر باسم الوفد السوري. وحصل الأمر فعلاً وعُرض المقترح ووافق عليه المؤتمر كما هو مدوّن ومن دون أي تعديل.
لقد كنّا قد تلمسّنا حجم الضغط الدولي لإعدام القرار 3379، خصوصاً بعد حملة تواقيع دولية قادتها اسرائيل ومطالبة الأمم المتحدة بإلغاء القرار، حيث شارك فيها أكثر من 800 شخصية سياسية واجتماعية وفنية عالمية (العام 1985) وكانت اسرائيل قد حددت على لسان رئيسها هيرتسوغ الذي كان ممثلها في الأمم المتحدة عند صدور القرار، بأن لا يمرّ العام 1990 الاّ ويكون القرار قد ألغي، وحصل الأمر فعلاً بحكم اختلال موازين القوى في كانون الأول (ديسمبر) 1991.
من المفارقة ان العالِم السوفيتي يفيسيف عُزل من منصبه في أكاديمية العلوم السوفيتية، ثم سُحبت شهادته بعد اتساع النفوذ الصهيوني في الاتحاد السوفيتي لاتهامه بمعاداة السامية، حيث تم استغلال دعوات الشفافية واجواء الانفتاح والنقد في عهد الغلاسنوست (العلانية) والبريسترويكا (إعادة البناء) لشن حملة ضد الشخصيات المعادية للصهيونية، وأخيراً وجد مقتولاً في إحدى ضواحي موسكو في ظروف غامضة عام 1990، وفي حينها كتبتُ نعياً له، وكنتُ قد أشرت اليه أيضاً في كلمتي بعد رحيل جورج حبش المنشورة في صحيفة السفير اللبنانية "الاستثناء في التفاصيل أيضاً"(2007).
* أصوات ماركسية!
* هل توجد شخصيات ماركسية عراقية تشاطرك الرأي بالموقف من القضية الفلسطينية؟
نعم من الأصوات العراقية التي أود الاشارة اليها في هذا المجال هو صوت عزيز شريف،(رئيس مجلس السلم والتضامن العراقي) الذي ردّ بحزمٍ على موقف زكي خيري من القضية الفلسطينية ومن قيام دولة اسرائيل بكراس خاص، وهو ردٌّ على مواقف الحركة الشيوعية آنذاك، وكان شريف قد أسَّس حزباً باسم حزب الشعب (ماركسي وعروبي التوجه) عام 1946 يوم أجاز وزير الداخلية سعد صالح خمسة أحزاب معظمها على ملاك المعارضة وهي إضافة الى حزب الشعب، حزب الاتحاد الوطني برئاسة عبد الفتاح ابراهيم (يساري التوجه) والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي (ليبرالي التوجه)، أما حزب الأحرار فقد خرج من معطف الحكومة ليقترب من المعارضة، لاسيما بعد استقالة وزارة توفيق السويدي وتفرّغ سعد صالح لرئاسة الحزب وكتابة افتتاحيات جريدته بعد أن كان يرأسه توفيق السويدي.
ولعلي بهذه المناسبة أُشيدُ مرة أخرى بدور عزيز شريف، لاسيما موقفه المتميّز لا من القضية الفلسطينية والعروبية حسب، وإنّما لموقفه من القضية الكردية أيضاً، حيث كان من المؤمنين بحق تقرير المصير وبحقوق الشعب الكردي، ولعب دوراً مهماً في التقارب بين الحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر والحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، لاسيما بعد تعيينه وزيراً للعدل العام 1969، وتمخضت لقاءاته ووساطاته بين الطرفين بإبرام اتفاقية (بيان 11 آذار /مارس 1970) الذي تبنّى صيغة الحكم الذاتي.
وقد تسنّى للمتحدث أن يلتقي عزيز شريف عند البارزاني في كًلالة بعد أقل من شهرين على صدور بيان 11 آذار (مارس) حيث كنت أزوره على رأس وفد، فصادف مجيء عزيز شريف ليبحث بعض إشكالات ما بعد 11 آذار(مارس)، فطلب البارزاني بقائي لمشاطرتهم تلك الجلسة بحضور كل من صالح اليوسفي وعلي السنجاري ود. محمود عثمان وعلي عبدالله، وآخرين، وكان يحضر معي ملازم خضر (نعمان التميمي- أحد أبرز القيادات الشيوعية في حركة الأنصار منذ العام 1963، وكان يقيم في قاعدة بيرسيرين في كردستان، وهو الذي قدمني للبارزاني الذي كان يحترمه كثيراً لمواقفه الشجاعة ودوره في حركة الانصار) وحضر جانباً من اللقاء فرانسوا حريري (باعتباره المسؤول الأمني).
وبالمناسبة فقد كنت قد تقدمت باقتراح الى القيادة الكردية العام 2000 لاطلاق أسماء عربية على شوارع وساحات عامة ومدارس ومكتبات، تعزيزاً لعلاقات الصداقة العربية – الكردية، واتخذ البرلمان الكردستاني قراراً بهذا الخصوص وسمّي عدداً من الأماكن العامة بأسماء: جمال عبد الناصر وعزيز شريف وكامل الجادرجي ومحمد مهدي الجواهري وسيد محسن الحكيم!
أجد نفسي متناغماً في هذا المضمار مع عزيز شريف وهادي العلوي أيضاً، في الموقف من القضية الفلسطينية وفي الموقف من القضية الكردية، ولعلي أعتبر ذلك التوّجه هو الأقرب الى الماركسية الوضعية- النقدية من القضية القومية، تلك التي تم استصغارها أحياناً، لاسيما العربية منها، خصوصاً عندما تمت معالجتها كفكرة أوروبية بالضد من الأممية البروليتارية.
أما في القضية الكردية فقد تمت معالجتها، انطلاقاً من " التعصب القومي" و"الموقف الاستعلائي" للقومية الكبرى أو من خلال ضيق الافق القومي والانعزالية القومية للقومية الصغرى، وهذان الموقفان ظلاّ يرتفعان وينخفضان حسب الظروف دون بوصلة تحكمهما، الأمر الذي أعتبره ضعفاً وارتباكاً، بل وخللاً في موقف الحركة الشيوعية من القضية القومية.
وكلا الموقفين خاطئين بالطبع ويتعارضان مع الفهم الماركسي الحيوي، وإن كان هذا بحاجة الى تطوير وتعميق، خصوصاً تخليصه من الاسقاطات الاوروبية، والنظر اليه بمنظار التحرر الوطني والانعتاق القومي والانبعاث الحضاري والتجدد الثقافي.
كنّا نهرب أحياناً من مناقشة الراهن والمستحق من القضايا، الى التاريخ، ولكن ليس الى تاريخنا، بل الى تاريخ ماركس ولينين وحتى ستالين الى سنوات الستينات، وليس الى الماركسية كجزء من تاريخ الفكر الاشتراكي أو الى جدليتها في فهم الموقف القومي، ونقتبس منه ما يشفي غليلنا لكي نرد على الآخرين ونفحمهم كما نعتقد، مثلما كان التاريخ ملاذاً لأصحابنا الاسلاميين أو الاسلامويين، فتراهم يستعيدون الاسلام الاول الراشدي، لكي لا يناقشوا الحاضر، في محاولة تمجيدية للماضي وهروب من الحاضر، مثلما نفعل نحن بالضبط لاسيما الماركسيويون، ومثلما يفعل أخواننا القوميون الكلاسيكيون او القومويون، حين يدللون على عظمة الامة، بالعودة الى التاريخ والفتوحات والانتصارات والامبراطورية الاسلامية، أو بتقديس كل ما قام به جمال عبد الناصر الزعيم العربي الكبير، وأخذ ذلك كمسلّمات دون نقد أو حتى تفكير، بخطأ أو مراجعة للتجربة بعقلية منفحتة، ولعل عبد الناصر الذي توفي في 28 أيلول (سبتمبر) العام 1970 كان أكثر تقدماً من بعض الاتجاهات القومية الناصرية التقليدية وهي بعد نحو أربعة عقود بعده، لا تصل الى ما أنجزه أو ما توصل اليه وكأن الزمن توقف لديها!
ولعلك تصطدم أيضاً حين تلاحظ مواقف البعثيين في الخمسينات والستينات، فقد كانت أكثر تقدماً من مواقف الكثيرين منهم في التسعينات أو حتى اليوم، الأمر الذي يحتاج الى مراجعة ونقد للاتجاهات والتيارات الماركسية والقومية والاسلامية.
ولعل التشوش " الماركسي" إزاء المسألة القومية وسيادة الفكر الجاهز والموقف الاستباقي المستعار، والسعي للتقليل من شأنها هو الذي دفعني لمقاربتها، لا من خلال التاريخ حسب، بل من خلال الراهن والآتي والاستشراف المستقبلي، لاسيما وأن هذا الحقل ظلّ وكأنه حكرٌ على بعض الكتابات " القومية" بما فيها المتعصبة، وابتعد عنه كتاب ماركسيون حداثيون ومجددون ولم يخوضوا فيه، نظراً لعقباته وموانعه حسبما يعتقدون!
وهكذا راجت السوق بكتابات قومية بعضها لم يكن سوى هجوماً ضد الماركسية، مثلما كانت مقاربتنا هجومية أيضاً للفكرة القومية، خصوصاً بعد العام 1958، مقاربة متعارضة لا تخلو من مشاكسة لتبيان فضائل الأممية على القومية، مثلما هي كتابات عامر عبدالله وعزيز الحاج وآخرين. وإن كان عامر عبدالله بغض النظر عن مواقفه اللندنية بشأن تسفيه فكرة السيادة وتبرير التدخل الخارجي والحصار الدولي، قد تميّز على أقرانه بنزعته العروبية، وانعكس هذا التوجه على الحزب ككل في فترة قيادة سلام عادل، خصوصاً عندما صدر تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي عام 1956 تحت عنوان " مهماتنا في التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي"، والذي كان قد كتبه عامر عبدالله في حينها كما أخبر المتحدث.
* من يغرد خارج السرب!؟
· ألا تشعر أنك تغرّد خارج السرب الماركسي في أطروحاتك هذه؟
بكل تأكيد، لاسيما إذا اعتبرت الماركسية ماركة مسجّلة باسم بعض المتمركسين، أو حكراً عليهم، وليست منهجاً للتحليل وأداة للعمل، بإمكان من يشاء استخدامه والاستفادة منه والعمل وفقاً لمعطياته فهذا صحيح، وأنني في هذه الحالة لا أغرد خارج السرب حسب، بل أطير أحيانا باتجاه معاكس حيث الفضاء الماركسي والانساني الرحب ، وأظن أن القراءة المتأنية للماركسية غير الرائجة أو الصنمية، التي تم تحويلها الى محفوظات مدرسية وتعاليم محنّطة ، ستكشف لك مدى التباعد والتعارض بين المتمركسين ولا فرق بين أصحاب اللغة الخشبية وبين الانزياحيين المعولمين، وبين الموقف الماركسي، لاسيما من القضية القومية.
وإذا كان هؤلاء يرددون بعض الشعارات الصحيحة ، لكنهم لا يستخدمونها عندما تواجههم قضية تتطلب التطبيق، وتراهم يحتارون أحياناً ويتلفتون يميناً ويساراً ويقلبون الكتب والكراريس المدرسية للماركسية التقليدية حتى يجدون ما يشفي غليلهم، لكنهم ظلوا يتقلبون بين الموقف الأقرب الى الاتجاه القومي الاستعلائي أحياناً، أو الموقف الذي يتسم بضيق الافق القومي في أحيان أخرى، حيث تتجاذبهم قطبي رحى، وبخاصة إذا كانوا قريبين من مواقع السلطة، فتتحول الحركة الكردية وهي حركة شعب بغض النظر عن أخطاء وتورطات بعض قياداتها، الى "جيب عميل" ويتم رفع السلاح ضدها لحساب الحكومة كما حصل عام 1974 ومن ثم يتم غض الطرف عن عيوبها وثغراتها، لدرجة تتماهى الحركة وقياداتها مع قضية الشعب الكردي، وتصبح فوق النقد وخارج نطاق الجدل، بل أقرب الى التقديس لاسيما إذا كانت في السلطة، وكذا الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية، فأحياناً عندما تقرأ بعض المواقف والادبيات الماركسية تشعر وكأن الأمر ينطبق على موازانبيق أو غواتيمالا أو سريلانكا، او أي بلد بعيد، وليس عن فلسطين، واعترف ان التيارات القومية كانت في هذه المسألة بالذات أقرب منا الى نبض الجماهير ومزاجها!
· هل تقصد بذلك موضوع الوحدة العربية أيضاً؟
لعل الموقف من القضية العربية لاسيما موضوع الوحدة او الاتحاد ظلّ يمثل عنصر ضعف لدى الحركة الشيوعية بشكل عام وإن تميّز الحزب الشيوعي السوداني بدعوته الصريحة اليها، وفيما بعد ومنذ أواخر الستينات وبداية السبعينات حصلت تطورات مهمة لدى الشيوعين اللبنانيين في مسألة الوحدة العربية والقضية الفلسطينية عموماً، فإن النظرة السائدة ظلّت قاصرة وتعكس قراءة مغلوطة للمنهج الماركسي وفهماً مسطحاً لاطروحاته ونصيّته في غير مكانها، خصوصاً وقد كان ماركس يتحدث عن القومية بمنظار أوروبي وليس بمنظار التحرر القومي.
أجد نفسي ألتقي في هذه القضية مع المفكر السوري الماركسي العروبي ياسين الحافظ رغم أنه جاء في الزمن الخطأ وبأدوات غير مؤهلة، حين حاول دمج الوطني بالاجتماعي والقومي بالطبقي، في إطار حركة عربية ماركسية، وهو الموقف الذي حاول أن يتبنّاه اتجاه داخل الحزب الشيوعي السوري، عُرف باسم المكتب السياسي بقيادة رياض الترك، لكنني لم أجد لتلك الاندفاعات السبعينية صدىً، بل ان بعضها تغيّر على نحو شديد، خصوصاً بعد نكوص الحركة الشيوعية وانحلال منظومتها الاشتراكية، ولعل القيادة المركزية للحزب الشيوعي كانت قد تبنّت مواقف مقاربة بعد انشقاقها عام 1967، لاسيما بخصوص القضية الفلسطينية.
وكنت أظن ان الموقف من الوحدة العربية نظرياً وعملياً، لاسيما من جانب بعض القياديين الشيوعيين، وخصوصاً اللبنانيين قد تمت قراءته على نحو مختلف عن أطروحات الخمسينات والستينات، لكنني صُدمت بموقف كريم مرّوة الذي دوّنه كخلاصة لرأيه بالوحدة التي يقول عنها ".. تمت بالقسر ضد الوقائع والشروط والخصوصيات المختلفة" ويعتبرها: من أخطر المغامرات التي وقع فيها الرئيس جمال عبد الناصر وكررها أكثر من مرّة تتويجاً لاحلامه التي تضمنها كتابه "فلسفة الثورة".
وكانت بعض الأصوات الماركسية أو المتمركسة قد تساوقت مع التوجهات التي حاولت ازدراء العروبة وتحميلها آثام الحكام الدكتاتوريين، لاسيما بعد احتلال العراق، الأمر الذي يطرح مجدداً الحاجة الى موقف نقدي ماركسي من القضية القومية والوحدة الكيانية، بعيداً عن الارتياحات أو الصداقات الشخصية أو المصالح الآنية، لاسيما من خلال اعادة قراءة تاريخنا " الماركسي" قراءة صحيحة، بالارتباط مع التجربة التاريخية وما أفرزه احتلال العراق من اصطفافات وما تركه انهيار الاتحاد السوفياتي من مراجعات.
كان على الماركسيين العرب تبنّي شعار الوحدة العربية ذات المضمون الاشتراكي والدعوة الى تحقيقها بالاسلوب الديمقراطي، خصوصاً وأنها ستسهم في وحدة الطبقة العاملة العربية وكادحي البلدان العربية، الذين يمكن باتحادهم ودورهم بالنضال الوطني والقومي الاسهام على نحو أكبر بالنضال الاجتماعي والطبقي. ولذلك كانوا هم الأجدر في استقطاب الجمهور لشعار الوحدة العربية، لا الوقوف ضدها تصريحاً أو تلميحاً أو التشكيك فيها أو وضع عقبات أو شروط عند استحقاق قيامها كما هي نقاط خالد بكداش الثلاثة عشر عشية وحدة مصر وسوريا ( قيام الجمهورية العربية المتحدة - شباط/فبراير 1958)، أو رفع شعار بديل عنها وهو الاتحاد الفيدرالي في العراق 1958-1959، في حين ان مشاعر الجماهير التي ألهبها عبد الناصر ومعارك السويس البطولية كانت كلّها تهتف للوحدة.وكان عدم حضور جلسة انعقاد البرلمان السوري من جانب خالد بكداش، حيث تم التصويت على قرار الوحدة نقطة ضعف كبيرة ظلّت تلاحق الشيوعيين العرب، حتى وان دعوا الى قيام وحدة على أساس ديمقراطي تخدم مصالح الجماهير الواسعة لكنهم عملياً لم يكونوا معها.
تصوّر الهتاف الكريه عام 1959 بعد أحداث الموصل 8 آذار (مارس) وما أعقبها من حملة قمع ضد التيار القومي:" شيلوا سفارتكم منريد وحدتكم"، إشارة الى مشاركة مصر عبد الناصر في دعم حركة العقيد عبدالوهاب الشواف الانقلابية، وبالمقابل الهتافات الذميمة للقوميين والبعثيين:" فلسطين عربية فلتسقط الشيوعية"، ولعل بعض كتابات ميشيل عفلق قد اعتبرت الشيوعية هي الخطر الاساسي.
ان القراءة الماركسية السليمة ستؤكد أن المستفيد من الوحدة سيكون أصحاب المصلحة الحقيقية، لاسيما من الطبقات والفئات الفقيرة، ناهيكم عن الأمة العربية ككل، إذ أن وجود كيان عربي كبير يمكن أن يسهم بفاعلية بدور عربي على المستوى الدولي سياسياً واقتصادياً، ولذلك فمن الأجدر والأبعد نظراً أن يكون الماركسيون هم أول دعاتها والمدافعين عنها.
تخيّل في العام 1934 انعقد في مدينة زحلة اللبنانية الجميلة مؤتمراً ليسارييّ المشرق العربي تحت شعار الوحدة العربية، وكان الشيوعي اللبناني العروبي سليم خياطة هو المبادر لجمع المثقفين اليساريين، بمن فيهم من كان أميل الى التيار القومي وبينهم ميشيل عفلق وصلاح البيطار، إضافة الى فؤاد الشايب وكامل عياد ونيقولا شاوي ويوسف خطار الحلو ومصطفى العريس، وصدر عنه بيان يدعو الى الوحدة العربية ويحدد شروطها وأهدافها وقامت مجلة الطليعة بنشرها، وكان سليم خياطة يدرك باستشرافه المستقبلي كماركسي نقدي أين تتجه الطريق في المشرق، فأراد إطلاق حركة تقدمية عربية تتفاعل مع احتياجات الأمة العربية وتنطلق منها، خصوصاً بوجه يساري وعروبي ومستقل عن محاولات الكومنترن وسياسته " المركزية" المتشددة!؟
ورغم أن وجهة المؤتمر كانت تستقطب مثل هذا التوجه وتلتف حوله، الاّ ان الكومنترن لم يكن مرتاحاً لمثل هذا التوجه، حيث بادر الى اعتماد القائد الشيوعي السوري خالد بكداش من موسكو، ليقود اتجاهاً مضاداً لمؤتمر زحلة، ويعيد الماركسيين الى حظيرة الكومنترن، وهو الأمر الذي انعكس على " التعاون" مع دول التحالف ضد النازية: بريطانيا وفرنسا، في حين اتجه التيار القومي للتعاون أو للإقتراب من دول المحور، لاسيما ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.
وقد تعرّض سليم خياطة بعد ذلك الى حملة ظالمة وشديدة كما هي العادة لأصحاب الرأي، وقد اتهم بالجنون بعد محاصرته طويلاً، ومن يقرأ كتاب خياطة "حميّات في الغرب" يتوصل الى استنتاجات مثيرة في قدرة هذا الرجل على استنباط موقف ماركسي حيوي من خلال بصيرة ثاقبة وتحليل عميق لأزمة الغرب الرأسمالي، فضلاً عن نظرته العروبية الماركسية لمهمات التحرر والانعتاق القومي والوحدة الكيانية.
2- الماركسية والمسألة الكردية!
أ- حدود الموقف الماركسي
* انشغالات كردية- عراقية
· لننتقل الى الجانب الاخر من اهتمامك بالقضية القومية، وأعني بذلك القضية الكردية... لماذا؟
الأمر ببساطة لأن القضية الكردية برزت في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921،بل وشغلتها منذ ذلك الوقت وحتى الآن، ولعل موقفي وانشغالي بهذا الملف يعود الى بدايات طريقي في الحزب الشيوعي، عندما رفعنا في العام 1961 شعار " السلم في كردستان" وانتهجنا سياسة : كفاح، تضامن، كفاح التي لم أكن قادراً على استيعابها أو فهمها آنذاك، الأمر الذي دفعني للتفكير بجوهر الموقف الماركسي من الأقليات ومن مبدأ حق تقرير المصير، وهو الذي توصلت اليه لاحقاً، لاسيما خلال قراءاتي ودراساتي.
لقد وردت الاشارة الى المسألة الكردية في قرار لمجلس وزراء الحكومة العراقية الموقتة، التي نادت بالامير فيصل الاول ملكاً على العراق، وذلك حين جرى التأكيد على مشاركة الاكراد في انتخابات المجلس التأسيسي وفقاً لما نصت عليه معاهدة سيفر. ويُذكر ان معاهدة سيفر التي تم توقيعها في آب (اغسطس) 1920 بين دول الحلفاء والحكومة التركية بعد انهيار الامبراطورية العثمانية، نصّت على حق الشعب الكردي بالتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي يمكن أن يتحّول الى نوع من الاستقلال مع السماح لأكراد كردستان الجنوبية ( أكراد العراق) بالإنضمام إليهم اذا رغبوا بذلك.
وقد تم التراجع عن معاهدة سيفر باقرار معاهدة لوزان في تموز (يوليو) 1923 بين الحلفاء وتركيا بمساومة معروفة، ومعها تراجعت أيضاً القضية الكردية وحقوق الاكراد. ولذلك ظلّت القضية الكردية دون حل ومصدر قلقٍ وتوتر للعديد من دول المنطقة. وكانت على النطاق العراقي تزداد تعقيداً مع مرور الايام، وبالقدر الذي كانت تكتسب أهمية متزايدة سواءاً على صعيد الحكم أو الحركة الوطنية العربية والكردية، فإنها تركت تأثيرات انسانية خطيرة على وضع الاكراد، ناهيكم عن تأثيراتها السلبية على دول المنطقة.
ولم يكن الانتداب البريطاني الذي فرض على العراق في 25 نيسان(ابريل) 1920 ليتجاهل وجود الاكراد وحقوقهم، فقد نصّت المادة 16 على إن " لا شيء مما في هذا الانتداب يمنع المُنتدِب من تأسيس حكومة مستقلة ادارياً في المقاطعات الكردية...".
لم تفلح ثورات النجف 1918 والسليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد 1919 والثورة العراقية الكبرى التي عُرفت باسم " ثورة العشرين" في 30 حزيران (يونيو) 1920، من تحقيق أهداف الشعب العراقي في الاستقلال والتخلص من السيطرة البريطانية والانتداب وحل مشكلة الحكم في العراق على نحو سليم وبضمنها القضية الكردية.
* د. شعبان برأيك ماهي اشكالات الدولة العراقية؟ هل الخلل في التأسيس أم في طبيعة الحكام الدكتاتوريين؟
بقراءة ارتجاعية تقويمية للدولة العراقية منذ تأسيسها يمكننا القول ان الحكم في العراق عانى من إختلالات بنيوية في العديد من القضايا والمسائل العقدية وإنْ كان بدرجات متفاوتة ولعل اهمها:
الاولى - ضعف البنى وهشاشة التراكيب التي قامت عليها الدولة العراقية، وتعرضت التجربة الوليدة في الدولة الناشئة الى التعثر، إذ غالباً ما تم التجاوز على دستور عام 1925 (القانون الاساسي) سواءاً في موضوع الانتخابات أو الحريات أو حقوق الانسان مما أضعف ثقة المجتمع بالدولة. وبالمناسبة فقد كان الدستور المشار اليه متقدماً في حينها رغم أن البريطانيين هم الذين قاموا بكتابته، لاسيما وزارة المستعمرات.
الثانية - عدم تلبية مطالب الشعب الكردي، حيث ظلّت القضية الكردية دون حل مما أدّى الى تبديد طاقات العراق في حرب داخلية إستمرّت لسنوات طويلة، ولم تتمكن الحكومات التي لجأت الى الحلول العسكرية وإعتبرها القادة العسكريون بمثابة " نزهة" كما صرّح صالح مهدي عماش في حزيران (يونيو) 1963، لا تستمر سوى أيام أو أسابيع، وإذا بنا أمام حرب بل " حروب مستمرة " ومتواصلة لقمع الثورات والتمردات الكردية، كما لم تتمكن الحركة الكردية من تحقيق أهدافها باللجوء الى الوسائل العنفية، وهُدرت إمكانات بشرية ومادية طائلة دون جدوى، وكان الطرفان يعودان الى التفاوض عندما تفشل الحلول العسكرية والعنفية سواءًا في التوصل الى هدنة مؤقتة أو طويلة أو اتفاقات يتم الالتفاف عليها، وليس بمعزل عن قصور نظر داخلي أو عبر تأثيرات وضغوط خارجية.
الثالثة- تعاظم وإزدياد المشكلة الطائفية، خصوصاً بصدور قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924 وتجلّياته، حيث وضع درجتين للجنسية "أ" و"ب". الصنف الأول هو لرعايا الدولة العثمانية السابقة، والصنف الثاني للرعايا غير التابعين للدولة العثمانية، مما أدى الى نشر بذرة التمييز، التي إتخذّت بُعداً جديداً، وقد استندت اليها الحكومات المتعاقبة سواءًا بقانون الجنسية لعام 1943 لعام 1963 أو في العديد من قرارات مجلس قيادة الثورة بشأن الجنسية عام 1972 و1977 و1980 لاسيما القرار رقم 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980، مما أحدث تفاوتاً في " درجات" المواطنة ترك تأثيره السلبي، وخصوصاً الشعور بالحيف لدى بعض الفئات أو جزء منها، التي تعرضت للتهجير ونزع الجنسية تعسفاً، خصوصاً عشية الحرب العراقية- الايرانية وخلالها.
· لكن القضية الكردية تتعدى حدود العراق، أين تضع الموقف الماركسي النقدي منها وما هي حيثيات الحل وفقاً لرؤيتك الماركسية وهل يمكن التوصل الى حل جذري؟
نعم إن القضية الكردية تتعدى حدود العراق كدولة، فالشعب الكردي مجزءٌ الى أجزاء عدّة، فإضافة الى العراق التي يعيش فيها نحو اربعة ملايين كردي، يعيش في إيران نحو عشرة ملايين كردي وفي تركيا أكثر من ستة عشر مليون كردي، وفي سوريا اكثر من مليون كردي ونحو ربع مليون كردي في الاتحاد السوفياتي سابقاً بمساحة تقدر نحو أربعمئة الف كيلومتر مربع حسب بعض المراجع.
وللمنطقة الكردية أهمية جيوسياسية إستراتيجية وإقتصادية، خصوصاً بوجود النفط، اضافة الى كونها تحفل بصراعات قومية ودينية وبمشاكل إثنية وعرقية غير قليلة، تؤثر على دول المنطقة وعلى المصالح الاقليمية والدولية. وفي العراق حظيت المسألة الكردية بمكانة خاصة بعد ثورة 14 تموز (يوليو)1958، وذلك حين نصّ الدستور الموقت الأول الصادر في 27 تموز(يوليو) 1958 على "شراكة العرب والاكراد" ، لكن هيمنة العسكر على مقاليد الأمور وتضييق هامش الحريات والاستدارة نحو الحكم العسكري الفردي، أدّى الى إنتكاسة الحل السلمي للقضية الكردية، الأمر الذي دفع قياداته الى حمل السلاح حيث بدأت مرحلة جديدة باندلاع ثورة ايلول (سبتمبر) الكردية عام 1961، وأخذ شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"، يتبلور كحل سياسي لمشكلة الحكم وللمسألة الكردية، في الأوساط الماركسية والديمقراطية والليبرالية وفي إطار الحركة الكردية.
ورغم الاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم في 8 شباط (فبراير) 1963 وترحيب وتعاون الحركة الكردية مع الحكام الجدد البعثيين، لكن القضية الكردية لم يتم حلّها بل إزدادت تعقيداً، خصوصاً بتصعيد الحملات العسكرية ضد الشعب الكردي وقصف العديد من المناطق المدنية واللجوء الى الحل العسكري (حزيران/يونيو 1963)، الذي ظل بإستمرار خياراً للحكومات بإستثناءات محدودة كما حصل في حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز حيث تم التوصل الى اتفاق مع الحركة الكردية في 29 حزيران(يونيو) 1966، وفيما بعد ورغم تجدد القتال (1969) تم التوصل الى اصدار بيان 11 آذار(مارس) 1970 بعد مفاوضات طويلة ومضنية، ولكن هذه الحلول هي الاخرى تعثرت.
ويمكن القول ان دستور عام 1970، الذي إعتبر العراق يتكّون من قوميتين رئيستين هما العربية والكردية، كان متقدماً في وقته، كما إن الإقرار بالحكم الذاتي وصدور قانون عام 1974 رغم عيوبه ومثالبته، الاّ ان تسويفه وإجهاضه كان هو السبب في منع التجربة من التقدم، إضافة الى الضغوط الخارجية وأخطاء الطرفين، ناهيكم عمّا لحق بالشعب الكردي من إضطهاد وقمع عقب تجدد القتال عام 1974-1975 وبخاصة بعد اتفاق شاه ايران – صدام حسين المعروف بإسم " إتفاقية الجزائر" في 6 آذار (مارس)1975.
وخلال النظر الى القضية الكردية بتاريخها يبرز هناك إتجاهان أساسيان:
الاول: يرجح الحل العسكري وتعود جذور هذا التيار الى بعض النزعات الاستعلائية والتنكر لحقوق الشعب الكردي، خصوصاً وان البعض يعتبر الاكراد "عرب سكنوا الجبال" في رؤية قاصرة تتنكر للخصوصية القومية، وبغض النظر عن أخطاء القيادات الكردية ومواقفها، فإن الجذر الفكري لهذا الاتجاه ينتمي الى المدرسة القومية التقليدية، وإنْ كان قد حصل بعض التطور فيه، منذ أواخر الستينات والسبعينات، إلا أن بعض الخلط يستمر أحياناً بين الموقف من حقوق الشعب الكردي، وبين الموقف من أخطاء أو تحالفات بعض القيادات الكردية وتعويلها على القوى الخارجية.
ولعل ما يقابل هذا الإتجاه وردّ فعل له أحياناً، هو ضيق الافق القومي لدى بعض التوجهات والقيادات الكردية واستعدادها للتحالف مع قوى معادية للعراق وفي ظروف ملتبسة على أمل الحصول على بعض المكاسب، وقد حصل الامر فيما يتعلق بالعلاقة مع ايران الشاه وبعد الثورة الاسلامية، وكذلك في العلاقة مع الولايات المتحدة في السبعينات، وفيما بعد في التسعينات وخلال التحضير لاحتلال العراق عام 2003 وما بعده، وكذلك ما جرى الحديث عنه في السابق وفي الحاضر عن علاقات كردية-اسرائيلية ، وهو ما أورده الدكتور محمود عثمان أحد الزعامات الكردية في حديث خاص في العام 1993 و1995(في لندن)، وكان قد قدّم نقداً ذاتياً جريئاَ في أواسط التسعينات لملف العلاقات (مقابلة خاصة مع مجلة الوسط) وفعلت بعض القيادات الكردية ذلك في فترة سابقة.
والثاني هو الإتجاه الذي انتشر على المستوى الشعبي، والذي يدعو الى إعتماد الحل السلمي للقضية الكردية والإعتراف بحقوق الشعب الكردي وشراكته في الوطن العراقي سواءاً عن طريق الحكم الذاتي أو شكل من أشكال الفيدرالية أو أيّة صيغة تضمن هذه الحقوق. وقد تطوّرت نظرة معظم القوى السياسية العراقية من القضية الكردية، الماركسية واليسارية منها وكذلك الليبرالية، إضافة الى القوى القومية العربية والإسلامية.
ولكن الاختلاف يبرز حالياً، بل انه ما زال قائما ويتعاظم أحياناً، خصوصاً بتعاظم دور الأكراد وبعض النزعات التي برزت على السطح بعد الاحتلال الامريكي – البريطاني للعراق والتي يعتبرها البعض غروراً أو تنكرّاً للصداقة أو محاولة في فرض الأمر الواقع في لحظة ضعف الكيانات العربية والعراقية الأخرى، لاسيما ما يتعلق بمضمون هذه الحقوق وحدودها ومستقبلها، فضلاً عن إختلاف زاوية النظر اليها، بما له علاقة بوحدة العراق أرضاً وشعباً.
* مسافة واحدة بين الفرقاء!
· بالعودة الى موقفك من القضية الفلسطينية مقارنة بالمسألة الكردية: أين يضع نفسه عبد الحسين شعبان قرباً أو بعداً من القيادات الكردية ؟
نعم فعلت ذلك على نحو أشد حساسية حين وضعت مسافة واحدة بين الفريقين " المتحالفين" اليوم والمتنافسين تاريخياً، فقد كنت وما زلت مع القضية الكردية، كقضية شعب له الحق في تقرير مصيره، وهذا الحق ليس منّة من أحد أو هبة أو هدية، إنما هو إقرار بواقع أليم، وقد تعرّض الشعب الكردي في العراق وفي البدان التي يعيش فيها الأكراد، الى اضطهاد وقمع مزمنين. وكان هذا الاضطهاد مركّباً ومتنوّعاً ابتداءًا من هضم الحقوق وعدم الاعتراف، الى محاولات إلغاء الهوية، مروراً بالتنكيل والقمع الى الترحيل والتهجير وغيرها من العقوبات الجماعية والأعمال المنافية للانسانية وكل ما له علاقة بحقوق الانسان.
لكن موقفي المنحاز هذا الى حقوق الشعب الكردي لا يعني أنني مع القيادة الكردية في كل توجهاتها، وهي مثلها مثل القيادات الأخرى، تخطأ وتصيب، وتتخذ سياسات بعضها صائبة والأخرى خاطئة، وبعضها يلبي مطامح الشعب الكردي والآخر قد لا يرتقي الى ذلك، ولا شك أن بعضها جزء أصيل ومهم من التوجه الوطني العام، وبعضها الآخر تعويلي على الخارج، لاسيما في المنعطفات الحادة، وإذا كنت قد وقفت مع الشعب الكردي وارتبطت بعلاقات صداقة مع القيادات الكردية، الاّ انني وضعت مسافة بين الفرقاء المتصارعين وتعاملت مع ذلك بالنقد.
باختصار كنت مع القضية الكردية كتوجه عام، رغم أنني لست مع بعض الاساليب التي اتبعتها القيادات الكردية، ستراتيجياً أو تكتيكياً. فبعد بيان 11 آذار (مارس) التاريخي عام 1970، اتجهت الحركة الكردية الى احتكار العمل السياسي في كردستان وحاولت تطويع الآخرين وكان هذا خطأ، مثلما هو التحالف مع إيران أو الولايات المتحدة أو التعاون تحت مبررات مختلفة مع اسرائيل.
وبتقديري ان الحليف الأساسي للكرد هم عرب العراق، لاسيما من يؤمنون بالديمقراطية وحق الشعب الكردي في تقرير المصير، وهذه الدائرة هي التي ينبغي أن تتسع أو أن تحشد لها طاقات كثيرة، ولا يمكن أن تكون بديلاً عنها مساومات واتفاقات مؤقتة أو طارئة في ظرف استثنائي، خصوصاً بالتداخل مع الاحتلال. ولعل هذه اتفاقات قلقة وعمرها سيكون قصيراً.
بتواضع أقول كنت بشدة ضد استمرار القتال في كردستان 1994-1998، وكتبت باسمي وباسم المنظمة العربية لحقوق الانسان أدعو الفريقين الى الجلوس الى طاولة مفاوضات ووقف نزيف الدم، وقد راح ضحية ذلك الصراع الكردي – الكردي الذي استهدف توسيع مناطق النفوذ ، أكثر من 3000 انسان، وأضعف التجربة الفتية وزاد من الشكوك حول صدقيتها، خصوصاً بهدر حقوق الانسان.
وشجع التقاسم الوظيفي- الحزبي، بعد انتخابات عام 1992 الكردية، أي (50% +50%) العناصر الانتهازية في الفريقين، وألحق ضرراً بالديمقراطية الجنينية وأضعف من كيانيتها. وهذه الملاحظات قلتها في كردستان وفي محاضرات عامة، وإذا كان تقسيم كردستان الى مركزين (سليمانية وأربيل) خطيئة فإن القتال جريمة، وهو ما سبق وأن دونته في كتاباتي ومنها كتاب "عاصفة على بلاد الشمس" الصادر عام 1994.
ورغم دعمي اللامحدود للقضية الكردية ولحقوق الشعب الكردي، الآّ أنني كنت أعالج بالنقد مواقف بعض القيادات الكردية خلال الحرب العراقية- الإيرانية، لاسيما بعد انتقالها للأراضي العراقية، وقد وقفت بوضوح ضد المشروع الحربي والسياسي الايراني وبعض القوى الممالئة له، ومثلما كنت ضد الحرب التي شنّها نظام صدام حسين على إيران، فقد وقفت ضد الحرب التي واصلتها ايران واعتبرت المشاريع الخاصة التي تبنتها بعض الاوساط القيادية في الحركة الكردية، بشأن تقسيم العراق في العام 1987 تلحق ضرراً بليغاً بعموم النضال الوطني وبالمسألة الكردية على وجه الخصوص، لكن ذلك لم يمنعني من تأييد حقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير مصيره، استناداً الى المنهج الجدلي والوضعية النقدية الماركسية، ومن الوقوف ضد الانتهاكات والارتكابات الجسيمة التي تعرّض لها على يد النظام السابق، انطلاقاً من اعتبارات انسانية ومبدئية، وهو ما بادرنا اليه حين قمنا بتنظيم مذكرة الى الامم المتحدة بشأن مجزرة حلبجة في حينها وقع عليها نحو 100 مثقف وسياسي عربي، وهو ما نشرته صحيفة المنبر، كما نشرت على الصفحة الأولى ادانتنا لمحاولة اغتيال د. محمود عثمان وعدنان المفتي وسامي شورش وآخرين عبر تناولهم اللبن بوضع سم الثاليوم بواسطة عناصر مندسة.
باعتزاز أقول لك ان ايماني بحقوق الشعب الكردي وبعلاقة متميزة مع شقيقه الشعب العربي، هو الذي دفعني الى تنظيم أول حوار عربي-كردي، وقد تم تحت رعاية المنظمة العربية لحقوق الانسان في لندن، وقد حضره حوالي 50 مثقفاً عربياً وكردياً ومن تيارات فكرية وسياسية مختلفة، وذلك عام 1992 وقد شارك في التحضير له وفي انجاح هذه المبادرة شامي شورش وزير الثقافة الكردي لاحقاً، وحضر اللقاء عدد من الشخصيات الثقافية والاعلامية العربية في لندن وتم تغطيته اعلامياً. وهو جهد أعتز به. وكنت أزور كردستان وما زلت باستمرار واساعد في كل ما يؤدي الى تعزيز الصداقة العربية- الكردية، خصوصاً وان كياناً قد انبثق بهذا الاسم في عدد من البلدان قام بمهمة التنسيق له المثقف الكردي صلاح بدر الدين، كما ألقي محاضرات في (جامعة صلاح الدين) وعدد من المنتديات الثقافية والأدبية والحقوقية والاعلامية الكردية.
وكما تعلم انني من مؤيدي النظام الفيدرالي وأعتبره من الأنظمة المفضلة، لاسيما إذا اقترن بالديمقراطية، حيث المشاركة وتوزيع السلطات والصلاحيات على نحو متناسب، الاّ أنني لم أكن مع ما جاء في الدستور الحالي، وأعتبره مخالفاً للقواعد والاسس العامة للنظام الفيدرالي، وإذا كنت وما أزال مع الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره، فلا يعني ذلك أنني أعوّل على التحالف مع الولايات المتحدة، وأعتقد أن مواقفي كانت واضحة قبل وبعد الغزو الامريكي للعراق، مثلما هو موقفي المندد بالحصار الدولي والتعويل على القوى الأجنبية في مسألة حسم الصراع مع النظام السابق.
لعل سؤالك دفعني للحديث عن "الأنا" وأعوذ بالله من كلمة "أنا" رغم أنك تسألني عن رأيي، وإذا كنت أجتهد في نقد المواقف السياسية، فهذا لا يعني أن مواقفنا ليست بحاجة الى نقد، وقد يكون الاجتهاد مصيباً وقد يكون خاطئاً . وإذا كان اليوم صحيحاً فبوضعه في سياق تاريخي فقد تتغير الصورة أحياناً. إن هدف النقد والنقد الذاتي هو التصويب وإعادة النظر والمراجعة المسؤولة، والمعيار عندي هو احترام حقوق الانسان في السابق والحاضر، سواءًا التي انتهكت على يد النظام السابق ومقابره الجماعية السرية وما حصل في حلبجة والانفال من عقوبات جماعية لا انسانية، أو التي استمرت كقتل جماعي علني وجثث مقطوعة الرؤوس ومجهولة الهوية، خصوصاً تلك التي استشرت بعد الاحتلال، وهي مرفوضة ومدانة بكل المعايير، ويجب مساءلة القوى والميليشيات التي تلجأ اليها رسمية كانت أو غير رسمية.
* حق تقرير المصير بدون رتوش!
أقول لك بإيجاز مكثف انني مع احترام حقوق الشعب الكردي وطموحه في كيان خاص به طبقاً لخياره الحر واستناداً الى مبدأ حق تقرير المصير. أما شكل التعبير عن ذلك فهذا مرهون للظروف ولتوازن القوى الاقليمي والدولي، المستند الى رأي عام محلي وقناعات وطنية، والى مصالح النضال المشترك، لاسيما لعرب وكرد العراق.
وبهذا المعنى فإنني لست مع أحد، بل انني مع حقوق الانسان، أينما اتجهت، فهي الفيصل في الحكم، والمعيار لقياس شرعية وانسانية أي نظام أو عمل سياسي، وليس العكس، وكلما اقترب هذا الحزب أو ذاك من الالتزام باحترام حقوق الانسان، كلما يكون قد اقترب من القيم والمُثل التي أؤمن بها كمثقف حر ومستقل، وإن كان ذلك ضريبة قد تدفعها، فهذا يريد احتسابك عليه والآخر يصنّفك حسب هواه وهكذا.
وعلى الانسان أن يكون أولاً مع نفسه ومع الحقيقة، وعندها ستكون البوصلة باتجاه الانسان وحقوقه. لقد عملت على دعم القضية الكردية طويلاً وصدرت العديد من القرارات الدولية والعربية، التي تناصر الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره عبر مقترحاتي مباشرة وعبر نصوص كتبتها بقلمي، بعضها كان لأول مرة، وهي مدّونة وموّقعة، ويعرفها القادة الأكراد قبل غيرهم. وعندما أذكر ذلك الآن، فلكي لا تختلط الأوراق من جهة، ومن جهة ثانية أكرر ما قلته عن أنني كنت وما زلت أقوم بواجبي الفكري والثقافي والاخلاقي، وما يمليه عليّ ضمير ووجداني، سواءًا رضي هذا الفريق أو غضب، أو ارتاح أو استاء هذا الزعيم أو ذاك، خصوصاً وأن فسحة الصداقة وكفتها هي الراجحة، والاختلاف لا يفسد في الود قضية كما يقال، لاسيما إذا كان الموقف صميمياً وصادقاً.
وإذا كانت صيغة حق تقرير المصير ثقيلة على كثيرين في أول مؤتمر للمعارضة العراقية 1992، فإنها أصبحت لاحقاً مقبولة قناعة أو واقعاً، واعتز إذ أقول أنني كنت قد دونتها لشعوري وقناعتي أن ثمة هويّات متعددة، وهو أمر يحبّذ اقراره في إطار الهوية الجامعة ذات الأبعاد الوطنية، في إطار التعايش والتواؤم، ولا يمكن تذويب أو إخضاع الخصوصية والهوية الخاصة، تحت أية اعتبارات قومية أو دينية أو آيديولوجية أو مصالح سياسية أو غير ذلك. وهو الأمر الذي دفع العراق بسببه الكثير، وعلى الأقل حروباً وأعمال عنف دون أن يحقق أحد شيئاً بالوسائل العسكرية، الأمر الذي يحتاج الى حلول سياسية، سلمية، حقوقية، تخدم المشترك الانساني والأهداف المشتركة.
يمكن القول تاريخياً لم يكن من السهل على العديد من القوى قبل بيان 11 آذار (مارس) 1970 قبول فكرة الحكم الذاتي، فما بالك بصيغة أرقى إذا ما تجاوز الأمر حدودها النظرية ومواقفها من القضية الكردية، خصوصاً في ظروف ملتبسة وفي ظل الاحتلال، ولذلك فان بعض الاطروحات القديمة التي تشكك بحقوق الشعب الكردي ككل عادت الى الواجهة وأخذت تجد لها ما " يبررها"، حيث يختلط الثانوي بالأساسي، والتكتيكي واليومي بالاستراتيجي والبعيد المدى، والمسألة تشمل جميع الفرقاء.
وتجد اليوم من الفريقين من يدفع نحو القطيعة وذلك للشعور بالتقوقع والرغبة في الحصول على المكاسب أو إنكار الحقوق على حساب الآخر، أو بتعاظم نزعات الانكفاء على الذات أحياناً، وفي ظل إتهامات كل طرف للطرف الآخر. كما برزت احتكاكات جديدة، لاسيما في كركوك وفي الموصل وخانقين وغيرها من المناطق، الأمر الذي يشير الى انعدام الثقة أو ضعفها ومحاولة كل طرف الحصول على امتيازات يعتقد أن الفرصة مؤاتية لها.
وبتقديري إن أوضاعاً طبيعية وخارج تداخلات الاحتلال وفي ظروف سلمية وعبر ممثلين يتم انتخابهم بصورة نزيهة وشفافة، يمكن تقرير نوع العلاقة العربية – الكردية، التي عليها أن تأخذ كسقف لها حق تقرير المصير، باعتباره من الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف، وفي إطار متوازن لبحث مستقبل العلاقة وشكلها والصلاحيات وتوزيع السلطات والثروات. وإذا لم يكن الاتحاد طوعياً واختيارياً، فإن ذلك سيعني فرض حل خارج ارادة الشعب الكردي الحرّة واكراهه على الامتثال لها تحت عناوين تلحق الضرر به وبمستقبله، وعند ذلك سيكون طريق الانفصال وتكوين كيان خاص، قد تم تمهيده، حتى وإن كان اضطراراً. إنني اعتبر أن أي حل ينبغي أن يلبي حقوق الشعبين ومصالح النضال المشترك، سواءًا كان اتحادياً طوعياً أو تكوين كيانية خاصة، لاسيما إذا كانت الظروف الداخلية الاقليمية والدولية تسمح بذلك والاّ ستتعرض الكيانية الكردية الى الابتلاع!
ب- التداخل الاقليمي والدولي
* الورقة الكردية
· ولكن ما هو حجم التداخل الاقليمي في المسألة الكردية، وأنت تتحدث كماركسي وناقد؟
كانت الورقة الكردية جاهزة على الدوام لـ "اللعب والاستثمار" من جانب القوى الدولية والاقليمية، ولم يكن ذلك بعيداً عن المخططات الامبريالية والصهيونية، فالقضية الكردية إضافة الى كونها نزاعاً داخلياً في تركيا وايران والعراق بالدرجة الرئيسية، فانها مصدر خلاف وصراع وتحريك بينها، وكانت بالقدر نفسه مصدر إتفاق ومساومة وصفقات بين الحكومات التي يجمعها قاسم مشترك أعظم هو التنكّر للحقوق القومية للشعب الكردي، كما ظلت بؤرة ساخنة وعامل قلق دائم. فبعد فشل الانتفاضة الكردية في العراق إبان الحرب العالمية الثانية إنتقل بعض الاكراد العراقيين للقتال الى جانب الاكراد الايرانيين عند قيام جمهورية مهاباد عام 1947.
ومن المفارقات ان يكون الحكم قد صدر بالإعدام في كل من العراق وايران بحق الملا مصطفى البارزاني، الذي إلتجأ الى الاتحاد السوفيتي سابقاً، ولم يُلغَ هذا الحكم عن البارزاني الاّ بعد عودته الى العراق عام 1958 ، واستمر الحكم عليه في ايران حتى عام 1968 على رغم قيام بعض الاتصالات بين الحركة الكردية في العراق ونظام الشاه قبل هذه الفترة، ويمكن إعتبار ذلك من نقاط الضعف التي ظلت تعاني منها ورغم بعض المراجعات من بعض القيادات، الاّ أن الأمر تكرر في السبعينات بعد إضطرار عشرات الآلاف من المقاتلين الأكراد الى عبور الحدود بعد إتفاقية الجزائر عام 1975، وفي الثمانينات إبان الحرب العراقية- الايرانية، وكذلك في الوقت الحاضر حيث الاحتلال الامريكي للعراق والرغبة في الابقاء عليه ضمانة ولو ظرفية أو طارئة لصالح الشعب الكردي كما تبرر وقد عبّرت بعض القيادات الكردية عن استعدادها لقبول انشاء قواعد عسكرية أمريكية في كردستان، إذا تعذّر توقيع معاهدة بين العراق والولايات المتحدة.
وكان إقرار " شراكة العرب والاكراد في الوطن العراقي " 1958 وتحقيق بعض المنجزات القانونية والادارية للشعب الكردي 1970، أثره في إستنهاض الشعور القومي الكردي في كل من ايران وتركيا، وقد سارعت ايران بعد إندلاع الحركة المسلحة في كردستان العراق 1961، الى الاتصال بقيادتها منذ العام 1962، وأغلب الظن أن الصلة تعززت بعد عام 1964، حين أرسل شاه ايران مبعوثاً خاصاً للاتفاق على صيغة التعاون، كما تقول وثيقة بإسم الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) اثناء احتدام الخلافات، في العام 1979.
وعند إعلان بيان 11 آذار (مارس) 1970، الذي هو بمثابة إتفاق بين الحكومة العراقية والثورة الكردية على إنهاء القتال ووضع أسس حل سلمي، لم تكن إيران مرتاحة من تثبيت بعض الحقوق الكردية، خصوصاً إنّ العلاقات الايرانية-العراقية كانت على درجة عالية من التوتر، حيث أقدمت إيران على إلغاء معاهدة عام 1937 العراقية- الايرانية، بخصوص تنظيم الحدود من طرف واحد خلافاً للقانون الدولي، وهو ما أقدم عليه النظام السابق حين تم تمزيق اتفاقية 6 آذار(مارس) لعام 1975 في 17 ايلول (سبتمبر) 1980 عشية الحرب العراقية- الايرانية وإلغائها من طرف واحد أيضاً.
قد يصح القول إستناداً الى التجربة التاريخية، خصوصاً بعد إندلاع القتال بين الحكومة العراقية والحركة الكردية عام 1974، ان إيران التي تخلّت عن دعم الحركة الكردية عام 1975، لم تستهدف من معاونتها للحركة الكردية دعم الشعب الكردي، وإنما إضعاف العراق وإشغال جيشه في نزاع داخلي في حين كانت اسرائيل هي المستفيد الاول من ذلك، وعندما إصطدمت مصالح ايران مع الحركة الكردية، أقدمت على الفور على قطع المساعدة عنها.
يقول تقرير للمستر بايك قدّم الى الكونغرس في 9 كانون الثاني (يناير) 1976، ان شاه ايران لم يعتبر مساعدته للحركة القومية الكردية في العراق سوى " ورقة يلعب بها في النزاع مع جيرانه"، وبالمقابل فإن بغداد بعد انتصار الثورة الايرانية في شباط (فبراير) 1979، عمدت الى استخدام سلاح الشاه في مدّ يد العون الى أكراد " العدو " مشجعةً إيّاهم على مواجهة السلطة الجديدة وخلق المتاعب بوجهها، مبديةً حرصاً زائفاً على مطالب الشعب الكردي في ايران في حين كانت توغل في اضطهاد الشعب الكردي في العراق، كما أنّ القيادة السورية كانت تستقبل القيادات الكردية العراقية وتبدي تعاطفاً مع اكراد العراق، في حين تمتنع من تلبية بعض الحقوق الكردية بما فيها منح عشرات الآلاف منهم الجنسية السورية وإعتبارهم مواطنين.
وفي أواسط الثمانينات خصوصاً في ظل الاحتراب الكردي – الكردي العراقي وفي ظروف الحرب العراقية- الايرانية، إنقسمت الحركة الكردية العراقية، فالحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) تعاون مع ايران، في حين تعاون الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) مع الحكومة العراقية، وبخاصة عشية وبُعيد مجزرة بشتاشان العام 1983 ضد الانصار الشيوعيين في كردستان وضد بيشمركة حدك والحزب الاشتراكي الكردستاني (حسك)، ومن المفارقة ان قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) إستعانت بالحكومة العراقية عام 1996، لإستعادة أربيل من الاتحاد الوطني الكردستاني (اوك)، الذي كان يتعاون مع ايران في تلك الفترة، بما يؤكد فكرة تلاعب القوى الاقليمية والدولية بالقضية الكردية ومحاولة إستغلالها، واضطرار القيادات الكردية، خصوصا بإصرار الحكومات العراقية على عدم تلبية مطالب الشعب الكردي المشروعة، لمثل هذا التعاون، الذي يلحق ضرراً بليغاً به وبقضيته وبمستقبل علاقاته بجيرانه وخصوصاً العرب بشكل عام وعرب العراق بشكل خاص.
أما الولايات المتحدة فقد كانت حريصة على ان لا يحصل أي اتفاق بين الحركة الكردية وبين الحكومة العراقية في التسعينات وخلال فترة الحصار الدولي، وقد عبّرت بعض القيادات الكردية عن ذلك بعد الاتفاق الأولي بينها وبين الحكومة عام 1991 من أن هناك ضغوطاً أميركية حالت دون تحقيق الاتفاق، بما يؤكد ان هذه القضية التي فشلت الحكومات في حلّها سلمياً، كانت قد إستثمرتها قوى خارجية دافعةً الامور باتجاه التباعد والصدام وتشجيع النزعات الافتراقية على حساب التعايش والوحدة الوطنية، وهو ما كان خسارة للجميع.
وكانت الكثير من القيادات الكردية تستذكر مواقف كيسنجر عام 1974-1975، حين تم التضحية بالقضية الكردية بتلك المساومة المعروفة وهو ما كان يردده وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك عن الفارق بين السياسة والاخلاق، ولعل الموقف من أحداث حلبجه وعمليات الأنفال عام 1988 خير دليل على إزدواجية المعايير وإنتقائية المواقف بالنسبة للولايات المتحدة، التي سكتت عنها أو برّرتها في حين عادت الى استخدامها كذريعة بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (اغسطس)1990.
وعلى رغم من دعم طهران للحركة الكردية العراقية في السبعينات والثمانينات، فانها لاحقت الحركة الكردية الايرانية، بل ان هناك اتهامات بضلوعها في اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو في النمسا ومثلما استثمرت ايران علاقتها مع التيارات الكردية العراقية، حاولت بغداد استثمار علاقاتها مع الحركة الكردية الايرانية، وكنت قد التقيت عبد الرحمن قاسملو في كردستان العراق (منطقة ناوزنك) عندما جاء مبعوثاً عن الحكومة العراقية لاقناع الحزب الشيوعي بالعودة الى التحالف مع حزب البعث وتنقية الأجواء، وكان ذلك قد حصل بعد معركة المحمرة (خرمشهر) 1982، لكن "القيادة" كانت قد فقدت ثقتها بالتحالف لاسيما في ظل اتساع حملة القمع والتورط في مغامرة الحرب العراقية- الايرانية، كما رفضت طلباً للسوفييت بهذا الخصوص في تموز (يوليو) من العام ذاته، خصوصاً وأن الحكم لم يبدِ أية تراجعات أو اعادة نظر بشأن اجراءاته القمعية وملاحقة المعارضة والانفراد بالحكم.
اما تركيا فان موقفها من القضية الكردية رغم التطورات التي حصلت على الصعيد العالمي، فانه ما زال قاصراً حيث عانى الاكراد من سياسة التتريك والحرمان من الحقوق لنحو سدس سكان تركيا، الذين كان يطلق عليهم مصطلح "أتراك جبليون"، وعملياً هضمت حقوق أولية للكرد، بما فيها حق التعليم بلغتهم ناهيكم عن إن كلمة " كردستان" و "كردي" كانتا ممنوعتين من التداول والاستخدام منذ الثلاثينات وحتى وقت قريب، بل إن بعض مواد القانون الجنائي التركي والقانون الخاص بتأسيس الاحزاب تعاقبان على من يستخدم هاتين الكلمتين.
وكان قانون الاحزاب الصادر عام 1984 في تركيا قد حظر على الاحزاب السياسية " الدفاع عن فكرة وجود أية أقليات قومية" مشيراً الى اللغة والثقافة التركية فقط، فما بالك بحق الكرد في حكم أنفسهم بأنفسهم في حكم ذاتي او اي صيغة أخرى. ورغم أن تطوراً نسبياً حصل في الموقف التركي من حقوق الكرد لاسيما بعد مجيء حزب العدالة والتنمية (ذو التوجه الاسلامي) الى الحكم، الاّ ان الموقف بشكل عام ما زال لا يرتقي الى الاعتراف بالحقوق ويتم تبرير ذلك بمواقف حزب العمال الكردستاني PKK لاسيما اختياره طريق الكفاح المسلح، حيث تتم ملاحقته عبر الأراضي العراقية بالقصف المستمر، بل والتوغل داخل الحدود العراقية، ورغم ذلك فان بعض الهوامش الثقافية تم التساهل فيها نسبياًُ.
أما إيران فقد تنكرت لحقوق الاكراد في عهد الشاه، وإعتبرت بعض الإتجاهات المتنّفذة بعد الثورة الاسلامية الحديث عن المسألة القومية، هو " بدعة وضلال" لأن المسلمين متساوون "كاسنان المشط" في محاولة للتنكّر وعدم الاعتراف بحقوق الكرد، رغم أنه حصل بعض التطور في الترخيص لمراكز ثقافية وهيئات اجتماعية وغيرها في السنوات الاخيرة، الاّ أن ذلك لم يرتقِ الى صيغة الاقرار بحقوق الاكراد كأقلية متميزة ولها مطالبها.
ومن المفارقات الاخرى ان الحركات الكردية العراقية والايرانية والتركية، خصوصاً حزب العمال الكردستاني PKK بقيادة عبدالله اوجلان كانت تسوء علاقاتها مع بعضها البعض للقرب او للبعد من بعض الحكومات ولبعض الاعتبارات الضيقة، التي لا تأخذ المصالح القومية الكردية العليا بعين الاعتبار، الأمر الذي يجعل بعض الحكومات تنفرد ببعض الحركات أو تحاول توظيفها ضد شقيقاتها!!
* الكرد والحركة الشيوعية
· كيف تقيّم موقف الحزب الشيوعي من القضية الكردية وهل يمكن لنا إجمال تصور ماركسي نقدي بشأن الموقف من القضية القومية؟
بشكل عام كان موقفه قياساً لجميع القوى السياسية القومية العربية او الاسلامية أو الليبرالية متقدماً، لكن الحزب الشيوعي والتيار الماركسي بشكل عام وفي التطبيق العملي لم يخلُ من التشوش في الموقف من الحركة القومية ومن الحل المطروح وذلك بالقرب أو البعد من مواقع السلطة أيضاً، رغم تقدم أطروحاته النظرية بصدد الحل المنشود للقضية الكردية وعلى اساس حق تقرير المصير.
وهنا أود أن أذكر أربعة أمثلة سريعة المثال الأول- ما بعد ايلول (سبتمبر) العام 1961 عندما كان موقفنا هلامياً حين رفعنا شعار " السلم في كردستان" وهو مجاملة للحكم القاسمي وللحركة الكردية، دون تحديد موقف سياسي واضح، رغم أننا بلورنا لاحقاً عام 1962 موقفاً من القضية الكردية، لكن المشهد السائد ظل كما هو. أما المثال الثاني فهو انحيازنا الى جانب الحكومة العراقية العام 1974 وحملنا السلاح ضد الحركة الكردية، والمثال الثالث هو "تاثرنا" بمواقف الحركة الكردية خلال فترة الحرب العراقية- الايرانية 1980-1988، لاسيما تقديم شعار اسقاط الدكتاتورية على وقف الحرب، وهو الشعار الذي أثار نقاشاً طويلاً داخل الحزب الشيوعي وخارجه، واعتبر في حينها ممالئة لإيران، رغم أن الموقف تغيّر، لكن المشهد الذي ظل سائداً هو النبرة المخففة للتدخل الايراني ولمشروعها الحربي والسياسي.
ولعل المثال الرابع ما زال مستمراً ويتعلق بالتماهي مع الحركة الكردية في مواقفها السياسية سواءًا في عدم نقد الظواهر السلبية والممارسات الخاطئة في اقليم كردستان أو الموقف ما قبل وما بعد الاحتلال إزاء المشكلات المطروحة، فيما يتعلق بالدستور وقانون المحافظات ومشكلة كركوك وقانون النفط وصلاحيات وحدود الفيدرالية وغيرها.
وإذا كانت مسألة حق تقرير المصير حاضرة في أدبيات الحزب الشيوعي والتيار الماركسي بشكل عام وأود هنا أن أشير الى حزب الشعب بقيادة عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح ابراهيم اللذان لم يكونا بعيدين عن ذلك، وقد تبنى التيار الماركسي بشكل عام والحزب الشيوعي بشكل خاص، فكرة الاستقلال الذاتي للاكراد عام 1956 في الكونفرنس الثاني للحزب، وفي العام 1970 أكدّ الحزب على حق تقرير المصير لجميع الامم صغيرها وكبيرها وحق التحرر من نير الاضطهاد القومي وإنشاء الكيان القومي المستقل والموحد لكل أمة في معرض حديثه عن الامة الكردية المجزأة. ومن الجدير بالذكر إن الحزب رفع شعار الفيدرالية منذ العام 1991، وهو ما أكدّه مؤتمره الخامس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1993.
· كماركسي نقدي أين موقع القضية الكردية دولياً؟
لقد خرجت القضية الكردية في العراق وفي المنطقة من الدائرة المحلية الى الدائرة الدولية، لتصبح من أعقد القضايا الدولية الحادة، التي تتطلب حلولاً عاجلة وسريعة، وذلك بالارتباط بحرب الخليج الثانية ومشاهد الهجرة الجماعية المرعبة للأكراد وبعد قمع "انتفاضة" آذار(مارس) 1991. وإذا ما استثنينا القضية الفلسطينية واعتداءات اسرائيل المتكررة والبعد الانساني والسياسي لقضية اللاجئين، فلربما كانت القضية الكردية من القضايا ذات البعد الانساني والسياسي الاكثر سخونة وإلتهاباً بعد القضية الفلسطينية، ليس في العراق حسب، بل على صعيد الامة الكردية التي تعاني مثل الامة العربية من التجزئة والتقسيم.
وقد كان صدور القرار 688 في 5 نيسان (ابريل)1991 من مجلس الامن الدولي اعلاناً عن العودة الجديدة للقضية الكردية الى الاروقة الدولية وتحديداً في اطار الامم المتحدة منذ معاهدة سيفر 1920. ويمكننا القول ان هذا القرار هو القرار اليتيم والتائه والذي ظل منسيّاً من بين جميع قرارات مجلس الامن التي بلغت ما يزيد عن 60 قراراً مجحفاً كلها صدرت ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات واستخدام جميع الاجراءات بما فيها القوة لفرض امتثال الحكومة العراقية لجميع تلك القرارات الجائرة والمذّلة واللاانسانية باستثناء هذا القرار الوحيد، الذي انتصر للشعب العراقي حين دعا الى كفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تتعرض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق بإعتباره تهديداً للسلم والامن الدوليين.
ومن المفارقة ان القرار 688 لم يصدر ضمن الفصل السابع ولم يصرّ مجلس الامن على تطبيقه اسوة بالقرارات الدولية الاخرى، كما لم تضغط الولايات المتحدة على تنفيذه دون قيد او شرط كما فعلت بالنسبة لقرارات الحصار الدولي، وكذلك لم توافق عليه الحكومة العراقية، التي وافقت على جميع القرارات الدولية المجحفة ولم تعير المعارضة العراقية في الخارج الاهتمام المطلوب به.
ج- المسألة الكردية ما بعد الاحتلال
* ضمانات قانونية أم ألغام!؟
· د.شعبان دعني أسألك ...هل قدمت حكومات ما بعد الاحتلال حلولاً للقضية الكردية وهل ثمة ضمانات فعلية بأن لا تزحف المواقف السابقة على الوضع الجديد؟
للأسف فان "الضمانات" التي جرى الحديث عنها في قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 اذار (مارس) 2004 او في الدستور العراقي الدائم، الذي تم الاستفتاء عليه قد أثارت الكثير من الاشكاليات والتداعيات، وربما ستثير المزيد منها يوم يطرح الموضوع في المستقبل عند مناقشة التعديلات، مما يقتضي البحث عن صياغات مقبولة فيما يتعلق بهذه الضمانات أو بغيرها، لتاسيس العلاقات والاتحاد الطوعي على نحو تعاقدي ووفقاً لعقد سياسي اجتماعي جديد وليس بنصوص مشوّشة، وفي ظرف ملتبس من جانب " مجلس" معيّن وليس منتخب أو في ظل انتخابات في ظروف الاحتلال، رغم أنّ هناك تمثيلاً واسعاً لطيفٍ من القوى السياسيّة، ولكن مع غياب قوى وتيارات عديدة عن المشاركة.
يضاف الى ذلك فإن صدور الدستور المؤقت في وقت وقوع العراق تحت الاحتلال بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم 1443 الصادر في 22 ايار (مايو) 2003، أو القرارات التي تبعته بما فيها القرار رقم 1500 او 1511 او 1546، يجعل تلك الضمانات غير مضمونة، فضلا عن إمكانية الطعن بها من الناحية القانونية والسياسية ، ولذلك وعلى صعيد الوضع المستقبلي إقتضى الامر البحث عن ضمانات دستورية لتامين الشراكة العربية - الكردية مع بقية الاقليات، وفي ظل أوضاع سليمة وبعيدة عن التداخلات الخارجية التي تجرح السيادة الوطنية العراقية وتعوّمها وقد وصفت الدستور لاحقاً في مقالة بصحيفة النهار البيروتية " الدستور غير الممكن دستورياً" بسبب الألغام الكثيرة التي احتواها.
* من هم أصدقاء الكرد!؟
أريد معك أن أستذكر بعض الأطروحات اليائسة التي كانت تردد ليس للأكراد من أصدقاء، بل أن أصدقاءهم الوحيدون هم الجبال، وللأسف تأثرت بعض القيادات الكردية بمثل هذه التقديرات، بل أن البعض ما زال ينسج عليها تحالفاته الراهنة، لاسيما الدولية منها باعتبارها فرصة لا تعوّض للحصول على المكاسب، دون النظر عميقاً في التاريخ وما أفرزته التجربة، من مرارات وآثار سلبية، خصوصاً وأن هذه القوى يمكن أن تساوم في أية لحظة على حقوق الكرد وتتركهم عرضة للضياع والإحباط، كما حصل مع طهران وواشنطن في أوقات سابقة.
لكنني أعترف في الوقت نفسه بأن طريق العلاقات العربية –الكردية محفوف بالكثير من العقبات والعراقيل، بل والمخاوف، ليس على صعيد الوضع الداخلي العراقي حسب، بل على الصعيد العربي والاقليمي وكذلك على الصعيد الدولي واهمها:
* محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي وإضعاف ما هو مشترك وايجابي في تاريخ العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي. وقد يذهب البعض الى تحميل عرب العراق بل والعرب عموماً ما قام به صدام حسين ونظام حكمه طيلة السنوات العجاف الماضية، ولا شك ان هذه النزعات ستساهم في تعميق الخلاف، بل إنها ستثير نقاطا خلافية اخرى، ولعل التحفّز والإستقطاب، الذى جرى في كركوك والموصل عقب احتلال العراق ومناطق أخرى، لم يكن بعيداً عن هذه الاجواء وعن بعض المساعي المحمومة لإحداث نوع من الصدع في الوحدة الوطنية، خصوصاً الصدامات وأعمال العنف والإحتكاكات الإثنيّة والرغبة في الاستحواذ على مراكز النفوذ.
وليس من باب الاتهام المسبق الاشارة الى ان بعض القوى الخارجية والاقليمية، التي ظلّت تعزف على هذا الايقاع لأسباب مصلحية تعود الى رغبتها في تأمين مصالحها السياسية، التي قد تكون على حساب الكرد والعرب، بل ان الوقائع في السابق والحاضر، تقودنا الى القول إن تلك القوى لم تكن بعيدة عن إثارة وتعميق النعرات وتوسيع دائرة الاحتقان والتوتر.
وبالمقابل فهناك مساعٍ حثيثة لعزل العرب عن الكرد واتهام الكرد باعتبارهم أحد المسؤولين عن الاحتلال، خصوصا ان الحركة الكردية تعاملت مع نتائجه. وقد تكون بعض المواقف والتصريحات بشان ما حدث في الفلّوجة أو النجف أو الرمادي أو غيرها، خصوصا أعمال العنف والقسوة التي إستخدمتها قوات الإحتلال وبخاصة العقوبات الجماعية والقصف العشوائي سبباً إضافياً في ذلك، ناهيكم عن مسؤولية المشاركة في الحكم وما تقوم به أجهزة الحكم من أعمال قمع.
* السعي لاظهار العروبة باعتبارها مسؤولة عما حدث للكرد، بل إنها فكرة منبوذة ومرذولة، مقابل ذلك السعي لإتهام الكرد بالإنفصالية والعداء للعرب والعروبة وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث، خصوصا بعد الاحتلال. وإذا كانت هناك بعض التوجّهات الخاطئة، ووجهات النظر القاصرة في أوساط العرب أو الكرد، فلا بد من التمييز بين عروبة الحكام المستبّدين وعروبة العرب بشكل عام، الذين هم غير مسؤولين عما إرتكبه صدام حسين أو الحكّام الدكتاتوريين الآخرين بحق الكرد، حتى وان كان لبعض النّخب العربيّة إجتهادات أو مواقف خاطئة بما فيها سكوت بعضهم عن أعمال القمع والابادة، التي تعرّض لها الشعب الكردي، مثلما هي إجتهادات بعض النّخب القيادية والسياسية الكرديّة بخصوص العامل الخارجي والتعويل عليه في الاطاحة بالنظام السابق، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً من جانب العرب والعروبة إتخاذ مواقف سلبية أو لا مبالية إزاء الكرد ومن حق تقرير المصير أو الفيدرالية أو غير ذلك من الصيغ المناسبة لحل القضية الكردية.
ولا شك أن هناك نزعة استعلائية " عربية " ونظرة قاصرة ضيقة الافق بشان موضوع الفيدرالية، التي غالبا ما تقابل باعتبارها الخطوة الاساسية نحو الإنفصال، وأن مثل هذه النظرة الخاطئة هي استمرار للموقف من حقوق القوميات والأقليات وحقوق المراة وحقوق الانسان بشكل عام، ومن جهة أخرى فإن هناك نزعات ضيقة الأفق لدى بعض القيادات والأوساط الكردية، خصوصاً التعويل عن العامل الخارجي، الذي قاد الى الاحتلال بل والتعاون معه، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً لتفتيت الوحدة الوطنية أو التنصّل من استحقاقاتها، كما لا ينبغي أن يكون رد الفعل عليه مبرراً لإتخاذ موقف سلبي من حقوق الشعب الكردي، مثلما أن معاناة الكرد ومأساتهم لا ينبغي ان تكون سبباً مبرراً لتجريح العروبة والعرب حتى وإنْ كانت مواقف بعضهم خاطئة، خصوصاً السكوت عن إرتكابات النظام السابق أو تبريرها.
ولا ينبغي بالمقابل إتخاذ مواقف تجريحية بحق الشعب الكردي على أساس الخلاف حول مواقف بعض القيادات الكردية، ويقتضي الأمر النظر إلى بعض العوامل الضاغطة وحملة التضليل والدعاية في السابق والحاضر. ولعل مثل هذا الموقف العقلاني وجدته عند أحد أقطاب التيار القومي العربي في العراق وهو المفكر العروبي الدكتور وميض عمر نظمي، الذي كان من المؤمنين بحق تقرير المصير للشعب الكردي منذ أواسط الستينات، وظل على قناعاته تلك، رغم الضغوط والتجاذبات التي تعرّض لها.
ولا يمكن تحميل العرب كلهم أوزار ارتكابات بعض الحكومات العراقية، ولعل وجود جماعات كردية بإسم الجحوش وحرس الحدود والفرسان، الذين شاركوا في قمع الشعب الكردي لا يمكن إعتباره موقفاً كردياً بأي شكل من الأشكال، كما لا يمكن اعتبار مواقف بعض الميليشيات والقيادات الكردية حالياً هي مواقف لعموم الكرد.
ومن موقعي الفكري والحقوقي أميّز باستمرار بين حقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وبين مواقف القيادات والتنظيمات الكردية، التي يمكن أن تخطأ أو تتصرف على نحو سلبي ويتعارض مع الوحدة الوطنية أو تتخذ مواقف متشددة ضد العرب والعروبة. وضد الديمقراطية أحياناً مثلها مثل القيادات والتنظيمات العربية الأخرى، بحكم تقديراتها ومصالحها بالطبع، وهو أمر مختلف عن حقوق الشعب الكردي الثابتة وغير القابلة للتصرف أو المساومة.
* تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني على ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى، وهنا يمكن الاشارة إلى أن ما يربط الأكراد بالعرب سيكون بالتاكيد أكثر بكثير مما يربطهم مع الولايات المتحدة، حتى وإنْ بدت الصورة الحالية غير ذلك، لكنها ستكون بلا أدنى شك مؤقتة وآنيّة وطارئة، بل إنها لا تعكس حقيقة العلاقات بين الشعبين رغم بعض المشكلات، ولا يمكن إستبدال العرب بشعب آخر كما لا يمكن إستبدال الكرد بشعب آخر، ولهذا إقتضى الأمر التعايش والتفاهم والبحث عن المشترك الانساني، ومثل هذا الأمر يشمل علاقة الكرد بالفرس وعلاقتهم بالأتراك وغيرهم.
*صراع العرب مع الولايات المتحدة خصوصا باستمرار انحيازها الى جانب إسرائيل وموقفها من الصراع العربي - الاسرائيلي سيبقى قائما طالما لا تحلّ القضية الفلسطينية حلاًً عادلاً بالإقرار بحق تقرير المصير والحق في اقامة دولة مستقلة وحق العودة للاجئين وغير ذلك، مما له علاقة بحقوق الإنسان الجماعية والفردية. ولهذا يقتضي الامر النظر الى ما هو ابعد من السياسة الراهنة سواءاً ما يتعلق بالاحتلال الاسرائيلي أو الاحتلال الأمريكي للعراق، حتى وإنْ إتخذ الأمر إعترافاً دولياً سواءاً بالقرارات الدولية 1443 او 1500 الذي رحب بصيغة مجلس الحكم الإنتقالي باعتباره يجسّد السيادة لكنّه لا يمثّلها (قانونيّاً) والقرار 1511، الذى دعا الى دور أكبر للامم المتحدة وللقوات المتعددة الجنسية، ثم القرار 1546 بخصوص نقل "السيادة" وتحويل القوات المحتلة الى قوات متعددة الجنسيات وإن كان بقيادة امريكية، أو بالقرار 1770 (2007) أو غيره.
إن عدم حل القضية الفلسطينية والنظر بشيء من اللامبالاة اليها أو إزدرائها من جانب بعض النخب والاتجاهات الكردية وإنْ كانت محدودة بذريعة أن العرب والفلسطينيين أقدموا على إقامة العلاقات مع إسرائيل، فلماذا تثار الضجّة حول الكرد؟ وكذلك ما قيل عن محاولات إسرائيل إختراق الوضع العراقي وفي كردستان تحديداً، وبخاصة في ظل الأوضاع الأمنية المنفلتة والفوضى العارمة بعد الاحتلال وهو ما نشرته مراكز أبحاث ودراسات غربيّة وإسرائيليّة، لاسيما وأن هناك سوابق تاريخية بذلك، ... أقول إن ذلك يعود ضرره على العلاقات العربية – الكردية ومستقبل الشعبين الكردي والعربي إن عاجلاً أم آجلاً.
وقد بادرت بعض القيادات الكردية الى " التشكيك" بصحة تلك الأخبار، التى أثارت قلقاً عربياً واسعاً وتثير حساسية خاصة، وهو ما ينبغي تأكيده وتوثيقه لكي لا تتخذ القضية مسارات عدائية لا عودة فيها، خصوصاً وأن التجربة التاريخية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القوى الخارجية بما فيها اسرائيل، كان همّها الاساسي هو إضعاف العراق كبلد وتعكير صفو وحدته الوطنية، لا ضمان حقوق الكرد او المواطنة العراقية، وفي لحظة تناقض المصالح فانهم يتخلّون عن الشعب الكردي ويتركونه للأقدار الغاشمة. ولذلك لا بد من تصوّر العلاقات العربية- الكردية في مسارها التاريخي بعيداً عن الظروف الضاغطة حالياً سواءًا كانت دولية أو إقليمية، وهو ما يقتضي المصارحة والشفافيّة ومن موقع الصداقة والنقد والمسؤولية الوطنية والانسانية.
واذا كانت حساسية العرب مشروعة ازاء مواقف اللامبالاة بخصوص ما يجري لعرب العراق والمناطق الساخنة، التي تتعرض الى معاناة مستمرة بسبب العنف والإجتياح الامريكي بمساعدة قوّات حكوميّة وفرق الموت ومراكز التعذيب، وازاء الموقف من القضية الفلسطنية، فإن الحساسية الكردية مشروعة ازاء المواقف السلبية الخاطئة لمعاناتهم الطويلة والموقف الرافض لفكرة حق تقرير المصير والفيدرالية بما فيها التشكيك بمجمل مواقفهم وحقوقهم.
واذا كان موقف العربي الذي يعتز بقوميّته من حقوق الشعب الكردي ومن قضيّة حقوق الإنسان يشكل محكّاً للموقف الانساني، فان موقف الكردي المعتز بقوميته في حقوق شركائه في الوطن العراقي وبشكل خاص عرب العراق وبالتالي من القضية الفلسطينية، التي تشكّل جوهر الصراع هو الآخر محكّاً للانفتاح القومي والإنساني وبخاصة ازاء الشركاء.
ويشكل هذا الموقف العربي والكردي الأساس لعلاقة صحيحة بين عرب وكرد العراق وبين العرب والكرد بشكل عام. ولعل ذلك ما أعلنته في كردستان في أكثر من مرة، وأود أن أشير الى مؤتمر نظمته جمعية الصداقة العربية الكردية التي يرأسها الصديق صلاح بدر الدين، وذلك في معرض الرد على بعض الأطروحات التي لم تميّز بين العرب والعروبة، وبين بعض الحكام العرب وممارساتهم ضد الكرد لاسيما في العراق.
وأجدد هنا ما قلته منذ سنوات طويلة انها محض صدفة ان تجتمع فيّ اغلبيّات كثيرة، فعلى الصعيد القومي فأنا عربي وعرب العراق يشكلون الأغلبية الساحقة من المجتمع العراقي أي بما يزيد عن 80 %، وعلى الصعيد الديني فأنا ولدت مسلماً والإسلام يشكل هوية مشتركة للعرب والكرد، علما بان المسلمين يشكلون نحو 95% من المجتمع العراقي، واذا اراد البعض ان يصنّف العراقي على أساس مذهبي، فيعتبرني من أغلبية مذهبية بحكم الانتساب العائلي، كما أن دفاعي عن مصالح الفقراء والكادحين وكل الشرائح، التي تنتهك حقوقها، خصوصاً القوميات والاقليات الدينية والمهمّشين والمراة وحقوق الانسان بشكل عام، بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو اللغة أو الجنس أو الإتجاه السياسي أو الأيديولوجي أو الإنحدار الإجتماعي أو الطبقي، يجعلني من أغلبية كبيرة، لكنني لا اشعر بعروبتي وبانتمائي الى الاسلام الحضاري مع وجهتي الحداثيّة ولا بإنسانيّتي ومواطنيّتي، إن لم اقرّ وأعترف علناً بحقوق الشعب الكردي وبخاصة حقّه في تقرير المصير وإختيار شكل العلاقة مع شقيقه الشعب العربي وبحق الأقليات في التطوّر والإنبعاث وتلبية حقوقهم الثقافية والإداريّة وضمان ذلك دستوريّاً، مع مراعاة وتأكيد مصلحة العراق ووحدة شعبه ووطنه ككل واختيار طريقه الديمقراطي. ويعتبر الموقف من القوميّات والأقليّات ومساواتها معياراً أساسيّاً لمدى الإيمان بقضايا حقوق الإنسان.
إن تحقيق تلك الأهداف يستوجب التفاهم بين عرب وكرد العراق بشكل خاص وبينهما وبين بقية التكوينات بشكل عام في اطار صيغة ملائمة من الاتحاد الطوعي والاختياري وعلى اساس المساواة وحقوق الانسان والمواطنة الكاملة . قد يتخلّى هذا القائد الكردي أو ذاك عن حق تقرير المصير، مساومة أو حساباً لتوازن القوى، لكنني كمثقف وانطلاقا من الوضعية النقدية للماركسية لا أجد مبرراً يلزمني في التخلّي عن موقفي الحقوقي والانساني من مبدأ حق تقرير المصير، وهو ما سبق لي أن أعلنته في رسائل احتفظ بها الى كل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني وحميد مجيد موسى البياتي، في محاولة لتوجيه نقد لمواقف بعض الاحزاب والقيادات من ضرب العراق عشية الاحتلال الامريكي.
أعتقد أن على العرب ان يبددوا مخاوف الكرد بتقديم نقد ذاتي صريح وإعلان ذلك خصوصاً لما شاب العلاقات العربية - الكردية من توترات وإحتقانات سواء أيام محنة الكرد ومعاناتهم أو إزاء حقوقهم حاليا. وعلى الكرد ان يبددوا مخاوف العرب ازاء ما يقال عن الاختراقات والتعاون بلا حدود مع الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الاول والاكبر والمنقذ وكذلك الاختراقات الاسرائيلية، كما هي بعض المبالغات التي لا تؤخذ بعين الاعتبار مستقبل العلاقات العربية - الكردية وظروف المنطقة والمشترك العربي – الكردي، الذي ينبغي ان يكون هو الاساس وليس اي شيء آخر.
* تحدّيات العلاقات العربية- الكردية
· تحدثت عن تحديات سياسية أو مؤقتة... هل يمكن الحديث عن التحديات الاستراتيجية التي تواجه العلاقة العربية- الكردية؟
اذا هناك من تحديات تخص العرب والكرد وعلاقتهما، فإنّ التحدي الدولي هو التحدي الاول، خصوصاً إستمرار الوضع العراقي كما هو عليه من وجود واستمرار القوات المحتلة بإسم " القوات المتعددة الجنسيات " والإنفلات الأمني والعنف المستمر المنفلت من عقاله واستشراء الطائفية على نحو مريع وإستفحال ظاهرة الميليشيات، إضافة الى تفشي الفساد والرشوة والبطالة وغياب مرجعية الدولة وضعف الشعور بالمواطنة، خصوصاً بالقسمة الطائفية –الإثنية، التي جاء بها بول بريمر أساساً في مجلس الحكم الانتقالي وانتقالها الى مفاصل الدولة والمجتمع. ولعل التحدي الدولي سيبقى مؤثراً في العلاقات العربية- الكردية لزمن طويل بحكم تشابك الوضع الدولي، لاسيما ونحن جزء من عالم متداخل ومتفاعل، ولا يمكن عزل أنفسنا عنه.
امّا التحدي الثاني فهو التحدي الاقليمي، الذي هو أحد التحديات التي تعيق تطوّر الوضع العراقي بشكل سليم، خصوصاً بحكم التأثير والإمتداد والمصالح، والضغط على بعض القوى الداخلية لاستحقاقات مذهبية أو اثنية أو سياسية أو اقتصادية إقليمية بما يؤدي الى تعكير "الوحدة الوطنية"،وإحداث تصدع في الهوية العامة الجامعة ذات البعد العراقي، على حساب هويات تجزيئية مصغّرة لحسابات خاصة لبعض دول الجوار مثل ايران وتركيا إضافة الى القوى الدولية وغيرها مع ان احترام الهويات الخاصة مسألة مهمة لها علاقة بحقوق الانسان، الاّ أنها ينبغي أن تكون عنصر تفاعل وتواصل وليس عامل تشظي أو تفتيت كعلى حساب الهوية الوطنية.
اما التحدي الثالث فلعلّه من أهم التحديات، وهو التحدي الداخلي(الوطني) واذا كانت الحرية مقدمة للديمقراطية، فإن المواطنة هي التحدي الاول للدولة القانونية، ومن دون مواطنة كاملة وتداولية لا يمكن تحقيق التعددية وضمان حق المواطن في الإنتخاب الحر وإختيار الحاكم، وفي ذلك احدى ضمانات حقوق الانسان، ويحتاج الأمر الى قدر واسع من العقلانية في التعاطي مع تركة الماضي البغيض، والى قدر كبير من التسامح لتجاوز أوضاع الحاضر المأساوية مع ضرورة إنصاف الضحايا أو عوائلهم في حالة وفاتهم وإدانة المرتكبين وكشف الحقيقة، كما هي في الماضي والحاضر، لكي لا تكرر المآسي والآلام، وفي ذلك خطوة مهمة لسيادة مفاهيم حقوق الانسان، ولكن قبل الحديث عن الديمقراطية وآلياتها، لا بدّ من بناء الدولة، اذ لا ديمقراطية دون وجود دولة بردّ الاعتبار الى هيبتها وسلطتها ووحدانيتها.
وكلّما ترّسخت قاعدة الحريات الفردية والعامة، وتمت إعادة النظر بالقوانين والأنظمة السائدة لتخليصها عن كل ماله علاقة بكبح حقوق الانسان، كلّما إنتقلت الدولة من الإستبداد والتسلط الى الحرية والديمقراطية، ولعل ذلك هو الاستحقاق التاريخي والتحدي الأكبر. إن الاطاحة بنظام الاستبداد لا يعني ولوج طريق الديمقراطية، فهذا الطريق لديه شروط وآليات لم تتحقق بعد، لاسيما في ظل وجود الاحتلال، الذي هو مصادرة لكامل منظومة حقوق الانسان، حتى وان اعتمدت آليات معينة مثل الانتخابات وحرية التعبير ووجود برلمان ، وغيرها لكنها جميعاً تخضع لسقف الاحتلال الذي هو نقيض للديمقراطية ولحق تقرير المصير واختيار النظام الاجتماعي والسياسي بحرية.
ولإرساء دعائم علاقة كردية – عربية متينة ينبغي الاعتراف على قدر المساواة بحق القوميتين والشعبين في الاتحاد الأخوي الإختياري على أساس الشراكة ومراعاة المناطق الجغرافية، وإذا كان الشعب الكردي قد إختار الاتحاد الفيدرالي (في 4 تشرين الاول -اكتوبر- 1992) في ظروف شبه طبيعية، عندما صوّت برلمانه المنتخب، رغم بعض النواقص والثغرات والملاحظات، بشكل شرعي وبتأييد هيئات دولية على ذلك، وهو ما ينتظر أن يفعله الشعب العربي ايضا في ظروف سلمية وطبيعية، أو ما ينتظر من الشعبين أن يقررا مستقبل علاقتهما وشكلها بعد انتخابات حرة ونزيهة.
ولكي يستمر الحوار بين كرد وعرب العراق وممثليهم من القوى والقيادات الفكرية والسياسية لا بدّ من الإقرار بقاعدة الاختلاف في الرأي وإقرار الرأي والرأي الاخر والتاكيد على ما هو مشترك، وهنا يمكن إيجاد إطار مؤسسي ومرجعيّة ثقافية للحوار ومآسسة هذا الحوار من خلال جدول عمل للتواصل الحضاري والثقافي.
لنتذكر قولاً أثيراً لكارل ماركس من أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرّاً، فالشعور بالزهو لدى بعض أفراد القومية الكبرى يدفعهم الى الاستعلاء، والى محاولة مسخ القومية الأصغر وإظهار نوع من الشوفينية والتسلّطيّة أحياناً، كما إن الاضطهاد المزمن والطويل الأمد، يولد نوعاً من ضيق الافق والانعزالية القومية لدى القومية الصغرى بإتجاه رفض ما هو مشترك بين الامم والشعوب.
ان وضع هذه الامور جميعهاعلى طاولة البحث وبروح الصراحة والشفافيّة يساعد على خلق أجواء صحية للحوار من خلال النقد والنقد الذاتي، إذ أنّ نقداً ذاتياً من بعض النخب العربية لبعض مواقفها السلبية ازاء القضية الكردية والإتهامات الجاهزة ضدّ الكرد كشعب وامّة وضدّ خياراتهم الحرة، وكذلك نقداً ذاتياً لمواقف بعض النخب الكردية الإنعزالية واللامبالية إزاء القضايا العربية وبشكل خاص الفلسطينية والموقف من الاحتلال ونتائجه وتقديم ما هو طارئ ومؤقت على ما هو ثابت وستراتيجي، كفيلٌ بتبديد الكثير من الشكوك والاتهامات وتصحيح المواقف والتصورات سواء إزاء القضية العامة او إزاء وجهة نظر كل فريقٍ من الآخر، وكل ذلك يمكن ان يتم في إطار عراق ديمقراطي موّحد ومتحد وعلى أساس قانوني ودستوري واحترام حق المواطنة والمساواة التامة وحقوق الانسان.
* الماركسية والفيدرالية
· أنت دعوت للفيدرالية... ما هو الموقف الماركسي- الأممي من مسألة الفيدرالية؟ كيف ولماذا كنت أحد المبادرين لتبني مثل هذا الاتجاه؟
من الامانة الاشارة الى ان الحزب الشيوعي أول من رفع شعار الفيدرالية في العام 1991 أي قبل اتخاذ البرلمان الكردي قراراً بتبنّي " الاتحاد الفيدرالي خياراً للعلاقة مع عرب العراق (1992)" ، وهنا سأجيب على سؤالك في إطار قواعد القانون الدستوري والقانون الدولي، وانطلاقاً من الوضعية النقدية، لاسيما البحث عن معالجات أو حلول ناجعة للمسألة القومية، خصوصاً وأن هناك شحّة في الثقافة الحقوقية بشأن موضوع الفيدرالية، والثقافة بشكل عام عند تناول المسألة القومية بالاستسلام لما هو سائد وساكن من مفاهيم دون الرغبة في استبيان واستظهار ما هو مستجد ومستنبط من أحكام وقواعد لاسيما على قاعدة توسيع الحق في المشاركة.
الفيدرالية كمصطلح جديد دخل الادب السياسي العربي منذ عقدين من الزمان تقريباً. فمنذ مطلع التسعينات ومع انهيار نظام القطبية الثنائية وإنتهاء عهد الحرب الباردة وتحول الصراع الآيديولوجي الى طور جديد، بدأ الحديث يكثر عن الفيدرالية خصوصا في العراق والسودان ومناطق أخرى.
الأمر الآن مطروح للمناقشة و" التطبيق " بصيغ دستورية مقترحة أثارت وتثير جدلاً واسعاً. وأعني بذلك " الفيدرالية الكردية " و " فدرالية جنوب السودان"، لكن ذلك حثّ أوساطا واسعة في العالم العربي على التفكير أو المطالبة بفيدراليات متنوعة سواء حملت أساساً واقعياً او رغبة في الحصول على مكاسب أو إمتيازات، ولعل بعضها لم يكن بعيداً عن مطامع أو حتى مراهنات على تشجيع ودعم خارجي دولي.
سأقصر جوابي على سؤالك فيما يتعلق بـ" الفيدراليات العراقية" المطروحة، وليس " الفيدرالية الكردية" حسب: واقعيتها، ضرورتها، إمكانيات تحقيقها، آفاقها والتحديات والمخاطر التي تواجهها، وبالتالي إنعكاسات ذلك على الواقع العربي سواء تعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات الخارجية وإحتمالات التشظي والتشطير والتفتيت والتقسيم التي تواجهه!!! وبين هذا وذاك، لم تعد الدولة المركزية وإحتكار القرار السياسي والاداري ممكناً خصوصاً بإقصاء الآخر وهضم الحقوق، في ظل عالم يتجه نحو اللامركزية وتوسيع دائرة المشاركة واحترام الخصوصيات.
من القضايا المركزية والعقدية، التي كانت مثار خلاف شديد وحاد في لجنة صياغة الدستور العراقي بين القوى والاطراف السياسية في الجمعية الوطنية أو خارجها من الفئات الممانعة أو المعارضة، هي قضية الفيدراليات أو ما أطلق عليها إسم " الاقاليم"، فقد ذهب الباب الخامس (المادة -113) لتحديد مكوّنات النظام الاتحادي (الفيدرالي) بالقول : ان يتكون من " عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية".
ورغم إقرار البرلمان العراقي أواخر العام 2006 قانون الأقاليم، الاّ أنه تمّ تأجيل تطبيقه لـ 18 شهراً بسبب إندلاع الخلافات بشأنه وتهديد بعض القوى الانسحاب من الحكومة مما قد يؤثر على كامل العملية السياسية، ولذلك تقرر تأجيل تنفيذه على أمل أن يتم تعديل الدستور وإحداث نوع من التوافق الجديد، الذي قد يؤدي الى تعويم قانون الاقاليم كما تريد جبهة التوافق وقوى اخرى، في حين أن قائمة الائتلاف الوطني المعروفة بـ "الشيعية" تراهن على الزمن لإقناع أو إجبار الأطراف الممانعة على الإمتثال لقرار البرلمان المذكور، خصوصاً وانها تحظى بالأغلبية فيه.
ولأن (المادة – 114) أقرّت إقليم كردستان وسلطاته القائمة " إقليماً اتحادياً، فإن النقاش والاختلاف ينصرف حاليا حول: حدود سلطات وصلاحيات الاقليم وإمتداداته وتطبيقات وتفسيرات النصوص الواردة في الدستور لجهة العلاقة التي تزداد إلتباساً بينه وبين السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، خصوصا انعكاسات ذلك على فكرة إنشاء أقاليم في الجنوب والوسط، تحت مبررات "الروابط الخاصة" و" وحدة النسيج المذهبي" و" المظلومية التاريخية"، وكأن الأمر لا علاقة له بتغوّل الدولة المركزية الشديدة الصرامة والشمولية وحصر الصلاحيات والمسؤوليات بيدها على حساب علاقتها بالاطراف والاقاليم، ليس في الجنوب والوسط ولإعتبارات طائفية ومذهبية حسب، بل في الغرب والشمال، ناهيكم عن المنطقة الكردية وعموم العراق، وهي المسألة التي تغيب عن الأطراف الداعية للفيدراليات الجنوبية أو لأن رغبتها في الحصول على مكاسب وامتيازات يجعلها تتشبث بكل الوسائل لتحقيق هذا الهدف الذي تعتبره ملاذاً لحماية " الطائفة" التي تزعم أنها تمثلها أو تنطق بإسمها، رغم أن بغداد العاصمة تظلّ عصيّة على التقسيم أو التمذهب بحكم الاشتباك الكبير فيها قومياً ودينياً ومذهبياً واجتماعياً، رغم عمليات التطهير الطائفي والمذهبي التي طالتها.
واذا كانت الفيدرالية نظاما" اداريا" على درجة عالية من الرقي والتطور وينشأ استجابة لضرورات واحتياجات تاريخية ملحّة اقتصادية واجتماعية وسياسية لتنظيم وادارة المجتمع، وزيادة مشاركة الاقاليم في مسؤولية اتخاذ القرارات، سواء ما يتعلق بشؤونها الخاصة او تلك التي تعنى بعموم الدولة، فان حجج " رد المظالم" او " إحقاق الحق" او " الغاء التمييز" ليست كافية لقيام نظام فيدرالي ان لم يكن هذا الاخير استجابة لتطور تاريخي ثقافي وحاجة ماسة لهيكلة وادارة وتنظيم امور الدولة والمجتمع، فقضايا مثل " المظلومية" او " الغبن التاريخي" او "النسيج المذهبي" او " التمييز" يعالجها الدستور في باب الحقوق والحريات، وسواء" كان دستورا" فيدراليا" اتحاديا" أم لم يكن!
* الفيدرالية والديمقراطية!
· د. شعبان كفقيه دستوري ومختص قانوني، هل كل نظام فيدرالي هو نظام ديمقراطي؟
بالطبع لا ... النظام الفيدرالي من الأنظمة المتطورة عالمياً، وهو مطبق بصورة ناجحة في نحو 25 دولة وما يزيد عن 40% من سكان العمورة، وقد عزّز اختياره من تعميق الديمقراطية وزادها غنىً وتعدديةً وتنوّعاً، لكنه لا يقود الى الديمقراطية بذاته أو لذاته وبصورة تلقائية، فالنظام الفيدرالي ليس وجهاً من وجوه الديمقراطية، لكنه يعّمقها ويزيد من دائرة المشاركة، فقد اختارت بعض الأنظمة السياسية الفيدرالية، لكنها لم تكن ديمقراطية، بل كانت شمولية ومستبّدة مثلما هو النظام السوفييتي واليوغسلافي والتشيكوسلوفاكي، التي كانت شكلاً من أشكال الانظمة الفيدرالية.
كما لا يمكن اطلاق صفة الديمقراطية على أنظمة اخرى في "العالم الثالث" اتخذت شكلا من أشكال الانظمة الاتحادية (الفيدرالية) كدولة الامارات العربية مثلاً. إذاً فليس هناك تلازماً بين النظام الديمقراطي والفيدرالية، فقد نشأت وتطورت أنظمة ديمقراطية لكنها لم تختار الفيدرالية شكلاً لتنظيم علاقة المركز بالأطراف أو بالإدارات المحلية أو الأقاليم بل إتخذت من اللامركزية شكلا للحكم.
إن النظام الفيدرالي وإنْ كان نظاماً راقياً ومتطوراً، لكنه ليس بالضرورة ان يكون ديمقراطياً.وعلى العكس من ذلك فالانظمة الديمقراطية وهذه هي القاعدة، يمكن أن تهيء المستلزمات الضرورية الادارية والتنظيمية، لإختيار الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة، بحيث تحرص على مشاركة المركز للاطراف والاقاليم والمحافظات في إتخاذ القرارات المهمة والحاسمة، بدلا من إنفراد المركز بها او حصرها ضمن اختصاصاته.
النظام الديمقراطي وليست الفيدرالية هو الذي يعتمد على مبدأ المساواة التامة والمواطنة الكاملة وسيادة القانون وتداولية السلطة سلمياً وفصل السلطات وإستقلال القضاء والشفافية والمساءلة واطلاق الحريات العامة والخاصة، وهذا هو المهم والجوهري وليس شكل الادارة.
هناك نوعان من الفيدرالية. الاولى تنشأ بإتحاد دولتين أو أكثر أو إنضمام مجموعة من الدول في "إتحاد فيدرالي " وهذا هو النوع الشائع والغالب وبموجبه تتخلى الدولة المنضوية عن سيادتها واستقلالها لصالح الدولة الاتحادية، التي تحرص على إبقاء قضايا الدفاع والقوات المسلحة والامن الوطني والشؤون الخارجية والعلاقات الدولية والميزانية والموارد الاساسية بيدها، وتترك الشؤون الاخرى للدول المنضوية (الأقاليم) الى الاتحاد لادارة شؤونها من قبل حكومة محلية بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية. ورغم ان وحدة سوريا ومصر في الجمهورية العربية المتحدة كانت إندماجية، الاّ أنها من حيث الاختصاصات كانت أقرب الى الاتحاد الفيدرالي.
الشكل الثاني للفيدرالية يتكون نتيجة تنازل أو تخلي السلطة المركزية داخل دولة معينة لأسباب إدارية أو سياسية لبلد متعدد التراكيب والتشكيلات التاريخية والادارية والقومية عن جزء من صلاحياتها لحساب حكومات الاقاليم، التي تنشأ والتي ترتبط بالسلطة الفيدرالية بعلاقات وصلاحيات يحددها الدستور يمكن ان تكون واسعة او محدودة. وهذا النموذج يكاد يكون نادراً أو قليل الحدوث، ولعل التجربة العراقية والسودانية حالياً وربما تفكر بعض الاوساط في البلدان العربية لإعتماده تحت باب التخلّص من مركزية الدولة وهيمنتها.
من الامثلة المهمة على النظام الفيدرالي هي الولايات المتحدة، حيث تتمتع الـ 51 ولاية بصلاحيات واسعة، في حين أن كندا تحدد صلاحيات الولايات وما عدى ذلك يكون من اختصاصات السلطة الفيدرالية. وأهم سمات الدولة الفيدرالية هي:
1- الوحدة، أي انها دولة واحدة سواءًا بالسلطة الاتحادية أو بتوزيع الاختصاصات ، ولها حكومة إتحادية واحدة وجيش واحد وعلاقات دولية واحدة وميزانية واحدة وعلم واحد وتمثل وطناً واحداً غير قابل للتجزئة الاّ اذا فكّرت الاطراف المتحدة فك هذا الارتباط.
2- اللامركزية والخصوصية، أي إحتفاظ الاقاليم والكيانات بشيء من إستقلاليتها في الادارة والتشريع (الداخلي غير المتعارض مع الدستور الاتحادي) وبنوع من اللامركزية يتسع او يتقلص حسب التطور التاريخي.
3- المشاركة، وذلك عن طريق إشراك المركز للاطراف والأقاليم والمحافظات في إتخاذ القرارات وإشباع هذه الاخيرة بصلاحيات محلية لإدارة شؤونها، بموجب دستور إتحادي يوزع السلطات بين الاتحاد والاقاليم.
· ولكن كيف تعامل الدستور مع الفيدرالية..!؟
تناولت ذلك بالنقد في كتابين صدرا لي الاول عن مؤسسة الأهرام بالقاهرة بعنوان " إشكالات الدستور العراقي المؤقت" والثاني صدر عن دار المحروسة بالقاهرة أيضاً بعنوان " العراق: الدولة والدستور- من الاحتلال الى الاحتلال".
إن الدستور الدائم الذي تم التصويت عليه يوم 15 تشرين الاول (اكتوبر) 2005، أعطى الحق لكل محافظة أو أكثر تكوين اقليم (المادة-116) وأعطى للاقليم حق وضع دستور له (المادة -117) ولسلطات الأقاليم الحق في ممارسة السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. كما أعطاها حق تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقاليم في حالة وجود تناقض أو تعارض مع قانون الاقليم (المادة -118).
وفي حالة الخلاف بين قانون الاتحاد وقانون الاقليم تكون الاولوية للاخير (المادة 112). ولعل مثل هذه الاختصاصات هي غير جامعة وتقود الى التجزئة والتباعد والتنافس غير المشروع، ومثل هذه الصلاحيات هي غير موجودة في الانظمة الفيدرالية، التي درسناها، خصوصاً وهناك بعض القواعد العامة المشتركة لجميع الفيدراليات تقريباً.
وقد ذهب الدستور الدائم اكثر من ذلك حين دعا الى تأسيس مكاتب للاقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية، وهو ما لم أجده حسب معلوماتي المتواضعة في أي نوع من أنواع الفيدرالية على المستوى الدولي، سوى الايحاء بالاستقلالية والانقسام لاحقا. وحدد المشروع اختصاصات حكومة الاقليم "بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي كالشرطة والامن وحرس الاقليم" (المادة-118 كذلك)، وهو ما كان يمكن تحديده بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية، لضمان وحدة الولاء بدلاً من توزيعه.
وجنح الدستور بعيداً في الحديث عن صلاحيات الاقاليم حيث إمتدت الى الثروة النفطية وتوزيعها وإدارتها، خصوصاً الحقول التي سيتم استثمارها، أي الى الثروة التي لم تستخرج بعد. وتنازعت الأعمال التحضيرية عوامل جذب وشد وكبح وإنفلات بخصوص الثروة المائية والثقافية بما فيها الآثار والمخطوطات والمسكوكات وغيرها، يضاف الى ذلك امتداد سلطات الاقاليم الى الفضاء الجوي، الذي يمكن اعتباره من اختصاصات الأقاليم طالما لم يتم النص عليه في اطار سلطات الاتحاد، مما يجعل هناك رغبات واسعة للتشبث بالمزيد من الاستقلالية أو الخصوصية، التي ستؤدي في نهاية المطاف الى نوع من التباعد وربما الانفصالية.
ولعل الاحتكاكات التي حصلت بشأن توقيع حكومة اقليم كردستان عقوداً مع الشركات الاجنبية بشأن استثمار النفط، ورفض حكومة بغداد ذلك، خصوصاً وزارة النفط، التي هددت بمنع عمل هذه الشركات في العراق وعدم تقديم التسهيلات لها، علماً بأن قانون النفط والغاز ما زال معلقاً ولم يقرّه البرلمان، على رغم من اقرار قانون المحافظات بعد فترة طويلة من الأخذ والرد، الأمر الذي بدأت فيه المشكلة تتسع بدلاً من إيجاد حل لها، والسبب حسب رأيي يعود الى الدستور الذي احتوى على الكثير من الألغام والمتناقضات.
ان أموراً كهذه تشي بالتشظي والتفتيت والتحول من دولة واحدة متحدة أو إتحادية الى " كانتونات" و"مناطقيات" و"طوائف"، حيث ستتقدم الهوية الجزئية المحلية الضيقة الفئوية أو المذهبية أو الاثنية على حساب الهوية العراقية الجامعة والموحدة والكبيرة التي تقوم على اساس المواطنة والمساواة.
لقد مرّ على التجربة الفيدرالية العالمية عشرات بل مئات السنين وتطورت ببطئ شديد وحسب ظروف وحاجات كل بلد. ولم تكن الفيدرالية استحقاقا انتخابيا (آنيا")، بل هي استحقاق تاريخي وطني يعبر عن درجة تطور المجتمع والدولة ونظامها السياسي في ظروف طبيعية وسلمية في الغالب وعلى اساس وحدة وطنية بالاتحاد او بتوزيع الصلاحيات وتقاسمها وظيفيا، وليس في ظروف احتلال وارهاصات حرب أهلية وقتل على الهوية وجثث مقطوعة الرؤوس ومجهولة الهوية وضحايا وصل عددهم يومياً الى أكثر من 120 حسب إحصاءات الامم المتحدة، واستمر هذا الوضع لبضعة أشهر رغم بعض التحسن الذي طرأ على المشهد السياسي، لكنه يظل قلقاً وملتبساً يحكمه كل ما هو طارئ ومؤقت.
· هل الفيدرالية صفقة سياسية؟
سبق وأن ذكرت بهذا المعنى أن الفيدرالية ليست صفقة سياسية بين قائمتين فائزتين ، يتم "التخادم" بينهما عن طريق تنازلات متبادلة في أوضاع ملتبسة ومعقدة وبوجود الاحتلال، وفي جمعية وطنية انتقالية أو برلمان جاء في انتخابات يشوبها الكثير من نقاط الضعف ونقص الشرعية.
الفيدرالية بحاجة الى مناقشة واسعة كأي قضية حساسة ولفترة زمنية معقولة، لتكوين رأي عام سياسي وثقافي لا ان يتم استغلال الظروف العصيبة خصوصا في ظل انحلال الدولة وإلغاء مؤسساتها وإستشراء الارهاب والفساد ونقص الخدمات وتفشي البطالة والفقر، حيث يستطيع بعض الطامعين والمغامرين وقصيري النظر من الساسة والقوى المذهبية وفي ظل تداخلات إقليمية، الترويج هكذا دفعة واحدة لأقاليم في الوسط والجنوب أقرب في أطروحاتها الى التقسيم بما سيترك بصماته السلبية على وحدة العراق ومستقبله.
واذا كان الامر يتعلق باقليم كردستان، فهذا شأن آخر، خصوصا وانه جاء ضمن السياق والتطور التاريخي، وإنْ كان الأمر ما زال يثير جدلاً واسعاً ومشروعاً حول حدود وصلاحيات الاقليم وسقف مطالبه فيما يتعلق بكيان ووحدة وهوية الدولة العراقية ومستقبلها، فمنذ أن أقرّ الدستور العراقي الجمهوري الاول عام 1958" شراكة العرب والاكراد في الوطن العراقي " ثم ما اكده بيان 11 اذار (مارس) العام 1970 بشأن حقوق الاكراد العادلة والمشروعة في " الحكم الذاتي"، أصبح هناك خزين ثقافي وقانوني واداري وسياسي تطور تدريجياً الى شبه اجماع من طرف الحركة الوطنية بمعظم تياراتها تقريباً، مفادها "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان".
وبعد إقرار دستور 16 تموز (يوليو) العام 1970 كون العراق يتألف من قوميتين رئيستين هما العربية والكردية وصدور قانون الحكم الذاتي العام 1974، أصبح هناك كيان كردي اقليمي اداري وسياسي وقانوني، خصوصاً بوجود مجلسين تنفيذي وتشريعي، إستمرّا حتى آواخر العام 1991، حين سحبت الحكومة العراقية إداراتها ومؤسسات الدولة وماليتها من المنطقة الكردية، حيث تمتعت بشيء من الاستقلال شبه التام عن المركز، وأجرت إنتخابات عام 1992 لإختيار برلمان كردستاني، وهو الذي تبنّى بالاجماع قراراً بالاتحاد الفيدرالي في 4 تشرين الاول (اكتوبر) من العام نفسه.
أخلص الى القول ان الفيدرالية الكردية هي واقع فعلي اداري وسياسي وقانوني خصوصاً في ظل تطبيقات مضى عليها اكثر من عقد ونيف من الزمن، وثقافة سياسية لتيارات الحركة الوطنية العراقية الواسعة، التي إعترفت بحقوق الاكراد تاريخياً، خصوصاً لجهة حكم انفسهم بأنفسهم وتلبية حقوقهم القومية والسياسية والثقافية، فضلا عن مشاركتهم في القرارات التي تتخذها السلطة المركزية أو الاتحادية في حالة اقرار النظام الفيدرالي، الذي يتطلب ظروفا طبيعية وسلمية وبعيداً عن الاحتلال وفي ظل توافق المكوّنات المختلفة.
اما الحديث عن فيدراليات على أساس النسيج الطائفي أو المظلومية، فإنه سيكون أقرب الى التبديد لا التحديد والى التشتيت لا التوحيد، خصوصاً وان هذه الاطروحات التي تتعكز على المذهبية تنسى ان هناك قواسم مشتركة أكثر وثوقاً بين عرب العراق أساسها: اللغة (العروبة) والدين (الاسلام) والهوية (الوطنية) والمواطنة (الجنسية العراقية)، ناهيكم عن التاريخ والمزاج المشترك فضلا عن المصالح المشتركة، وذلك لعمري أقوى وأعمق من الأساس المذهبي والطائفي.
لقد أجرى باحث مختص بالأنظمة الفيدرالية هو رونالد ل. واتس دراسة مهمة شملت 12 اتحاداً فيدرالياً، ووقع اختياره على أربع فئات: الفئة الأولى، هي الاتحادات الفيدرالية في مجتمعات صناعية متقدمة مثل: الولايات المتحدة 1789 وسويسرا 1848 وكندا 1867 واوستراليا 1901 والنمسا 1920 وألمانيا 1949، أما الفئة الثانية فشملت اتحادين فيدراليين في آسيا وهما: الهند 1950 وماليزيا 1963، وشملت الفئة الثالثة اتحادين نشأا حديثاً في دول متقدمة مثل بلجيكا 1993 واسبانيا 1978، أما الفئة الرابعة فقد ضمت دولتين هما: تشيكوسلوفاكيا (السابقة ) التي انقسمت عبر عملية مخملية الى جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا، والمثال الثاني هو التجربة الباكستانية.
ولعل جميع هذه الفيدراليات تضمها قواسم مشتركة وقواعد قانونية تتسع أو تضيق للعلاقة بين السلطات الاتحادية والسلطات الاقليمية، وهذه القواعد والمعايير لا يجمعها جامع مع الفيدرالية العراقية، التي أخضعت العام للخاص وليس العكس، مانحة صلاحيات تتعارض مع النظام الفيدرالي الى السلطات الاقليمية، الأمر الذي يجعل سلطات الاقاليم تتصرف بمعزل عن السلطات الاتحادية الاساسية في الكثير من المجالات والحقوق، وبذلك يتم تعويم الدولة العراقية وكيانيتها وحضورها. وإذا كنت أنا شخصياً من أنصار النظام الفيدرالي ، فإنني أولا وقبل كل شيء مع القواعد والمعايير العامة المشتركة وليس ضدها، حتى وإن اتخذ الأمر يافطة تحت اسم الفيدرالية!
* مواقف متميّزة
· لنختم هذا المحور د.شعبان... أشرت الى أن عزيز شريف وهادي العلوي كانا من الشخصيات المتميزة التي أيدت حق تقرير المصير للشعب الكردي... هل تذكر شخصيات عراقية أخرى؟
ذكرت في معرض حديثي المفكر وميض عمر نظمي من التيار القومي العربي، ولا بدّ من استذكار موقف عبد الاله النصراوي (والحركة الاشتراكية العربية منذ العام 1968 تبنّت مبدأ حق تقرير المصير وفكرة الحكم الذاتي ولاحقاً الفيدرالية أساساً لحل المسألة الكردية)، ومن الشخصيات القومية العروبية أديب الجادر الذي اتخذ مواقف متقدمة بشأن حقوق الشعب الكردي رغم تحفظاته الكبيرة إزاء السياسات، لكنه ظلّ باستمرار مع المبدأ الحقوقي، لاسيما في إطار المنظمة العربية لحقوق الانسان التي كان رئيسها، ويمكنني أن أذكر شخصيات كثيرة، لكنني أود أن ألفت الانتباه الى مواقف عبد الفتاح ابراهيم وبرنامج الحزب الجمهوري (1959-1960) ومواقف د. محمد سلمان الحسن وابراهيم كبه وعبد الوهاب محمود والجادرجي وحسين جميل وآخرين وكذلك لا بدّ من استذكار مواقف الجواهري المؤيدة لحقوق الشعب الكردي والمتضامنة معه. أتذكر كيف هزّت الوسط الثقافي والسياسي قصيدة بعنوان : "كردستان يا موطن الابطال" ألقاها في ميونيخ (المانيا) عام 1964 يقول في مطلعها :
قلبي لكردستان يُهدى والفمُُ ولقد يجودُ بأصغريه المعدمُ
وكانت هذه القصيدة قد سرت مثل النار في الهشيم، لاسيما وسط اليسار والحركة الكردية في حينها. وكانت تذاع من إذاعة صوت الشعب العراقي التي تبث من صوفيا.
أما عربياً فيمكن استحضار موقف الرئيس معمر القذافي من مسألة الدولة الكردية وهو موقف متميّز، وكذلك موقف القائد جمال عبد الناصر بشأن الحل السلمي للقضية الكردية وعدم اللجوء الى الحلول العسكرية، وكذلك موقف الزعيم اللبناني كمال جنبلاط وآخرين.
أعود مرة أخرى لأذكّر بضرورة التمييز بين الحقوق والمبادئ وبين السياسات والمصالح، فالاولى ثابتة نسبياً، أما الثانية فمتغيّرة، بل ومتناقضة أحياناً.
ما ليس بخاتمة
اشكاليات النقد الماركسي للماركسية
لا نكتب هنا خاتمة واستخلاصات لهذه الحوارات، بل ندّون بعض المقدمات الاولية لحوارات قادمة، ولعل هذه الحوارات المنشورة فتحت الشهية، لاستيلاد جدل وإثارة جديدتين، لاسيما باستجلاء المنهج الماركسي الوضعي النقدي لدى عبد الحسين شعبان من جهة، ولدى الأطروحات الماركسية في مرحلة ما بعد الحداثة من جهة أخرى، وذلك ما نراه في المشغل العام لخط التفكير الوضعي، مشكلاً ومكوّناً في ثنايا وطيات واستظهارات فكر الدكتور شعبان، الذي توقف عند عدد من " المحطات السلبية " ازاء التراكم المفهومي لعمل الفكر الماركسي في اتجاهات عديدة:
الأول- سلبية المعنى التاريخي للممارسة الماركسية، المؤرخة بوصفها ممارسة المفكر ماركس لا ممارسة الفكر الجدلي نفسه، وهو ما عكف عليه شعبان في الممارسة النقدية لتجربته الذاتية مع الحركة الشيوعية والماركسية العراقية والعربية، مروراً بمراجعته الموضوعية لقصور " القراءة الماركسية" للماركسية، واستبعاد الجانب النقدي (الكانطي) منها، مما حدى به الى المجازفة على المستوى الايدولوجي مرتين: المرة الأولى بعدم انتمائه الى المفهوم الشيوعي السائد للماركسية، وهو ما كان وراء اختلافه مع الماركسية السائدة والحركية، بوحي من تجربة ذاتية وارهاص أقرب منه إلى إلهام فكري او جدلي، والمرة الثانية باقدامه على مواصلة مشروعه بغض النظر عن ما اذا كان ماركس " الميت"، هو كل ما كان ماركس " الحي" ممكن أن يقوله لو كان قد كفّ عن موته (النظري) وصار حيّاً في المنهج والفكر والطريقة والتجديد، وكان ذلك خطأً ماركسياً لابد منه، باعتبار ان الجدلية تطبق اولاً على نفسها، وان لاتكون فكرة النقض ونفي النفي وصراع الاضداد " معلبات" بماهو خارجها، أو ما تناظر معها، أو ناصبها العداء عن بعد أو عن قرب مناسب.
وهنا يؤشر شعبان كسلاً نظرياً على الماركسية السائدة، كما كان لوي التوسير وهو المفكر الرسمي للحزب الشيوعي الفرنسي، يؤكد ضرورة انفتاح المنهج الماركسي على جدليته الذاتية، وان يبصر بنيويته الداخلية، وأن يقرأ رأسمال ماركس قراءة نصية لا آيديولوجية صرفة.
ومن هنا فان شعبان يقرر: ان ماركس هو بداية الماركسية لا منتهاها، وان الجدل منهجياً هو الحفاظ على الجدلية وليس " تصنيمها" أو " تحنيطها"، وكان على الماركسية " المنشودة " أنْ تحترم جهد ماركس النظري أكثر وأن تتخذه مثالاً لحرية النقد لا دوغمائيته، وان المنهج الجدلي بحاجة إلى بنيوية تحليلية من خارج الماركسية حسب التوسير، أو وضعية نقدية من داخل الماركسية حسب شعبان، مع الاخذ بنظر الاعتبار التطرف الضروري لكلتا المحاولتين، اذ أن عمل الماركسية داخل الماركسية كان ضعيفاً، وما كان ازاء فيلسوف اشكالي مثل سارتر، الاّ ان يفكّر قبل ماركسي الماركسية " المطروقة" كيف يمكن تقديم نقد فلسفي شامل للعقل الجدلي، وهو الذي قدّمه في مقاله المعروف " المادية والثورة" مقترحاً نظرياً جديداً للماركسية، عارضته الشيوعية الفرنسية في حينها، وهو "تطعيم الذاتية بالعمل الماركسي" وحساب الاخطاء الانسانية كونها جزءًا من الممارسة لا من الحقيقة.
وكان التوسير يعتبر إن فهم الماركسية يتطلب إخصاباً جدلياً مع العلوم الانسانية الاخرى، ولا ينبغي أنْ تكون الماركسية تكراراً للمطلق الهيغلي، فتعدي الطريقة عمل المنهج، وتصبح الماركسية مرضاً مزمناً لا صحة ولا معافاة فيها.
بالنسبة لعبد الحسين شعبان هناك نوعين من الماركسية (بالنسبة الى ماركس الاصلي) ماركسية ماركس " النصية " و " ماركسية ماركس المستقبلية" الأولى: تشكّل انجاز ماركس الشخصي وهو عمل تطبيقي نقدي، لا ينبغي أن يؤخذ كله مأخذ الجد، أو بمعنى آخر أن يؤخذ على انه " كل الماركسية الممكنة" عند ماركس، فلم يكن ماركس كلياً في عمله النقدي، بل نقدياً في عمله الكلي، وهو ما ينبغي ان نفهمه أولاً في نقد هيجل او تعديله نقديا، الثانية: ماركسية ما بعد ماركس سواءًا نموذجها المطبق في الأنظمة الاشتراكية أو ماركسية ما بعدها أي الماركسية المستقبلية " ماركسية ما بعد الحداثة"، ولعله كان قد شدد من خلال الحوارات أن ماركسية القرن الحادي والعشرين لا تشبه ماركسية القرن التاسع عشر. ولعل مفكري الماركسية المستقبلية في مدرسة فرانكفورت أدركوا أهمية ماركس (الهيغلي ) قبل ان يكون تعصّب الشيوعين ضد ماركس الهيغلي أصلاً، واعتبار المكوّنات الاولى للماركسية من ماضي الماركسية وليس من متطلبات عمل المنهج الماركسي التكويني الأساسي.
الثاني- إن الماركسية نقدية جدلية، وهي نظرية مضادة للمفهوم الميتافيزيقي للمعرفة، وبالتالي للواقع العيني كونه استنتاجاً فيما يناقضه، والماركسية بلا نقيض مجرد أحلام نظرية، وان إعمال الماركسية انما يتم ويتأكد من نقيضه، ولا ينبغي ان يكون مفهوم الماركسية كلّه شيوعياً بمعنى أن تكون ممارسة ماركس التطبيقية او الهادفة الى التغيير، فهذه ليست الطريق الوحيد لفهم الماركسية، لانها تتسم بأحادية الفهم، وهي اسقاطات هيغلية أراد ماركس التخلّص منها، ولا أدري حسب سؤال شعبان بأي قوة ماركسية أريد حرف ماركس واختزاله الى شيوعية مبسطة، وكيف اصبح فهم التاريخ كله ماركسياً مع حذف نقيضه الضروري وجدله الخلاق، وهو احتمال ان يقدم الضد ضدية جديدة، ولأن ماركسية ماركس كانت بالاصل وحياً من نقيضه، فكيف يذوب النقيض في الخطاب الماركسي نفسه ؟!
الثالث- لا يشكل مشروع شعبان تحسيناً للماركسية أو إضافة مقبلات لها، فلا توجد حسب رأيه ماركسية تامة أو نقية على غرار الهيغلية التامة او المطلقة –الكليانية النسقية، فان المسافة بين هيغل وماركس هي مسافة متشابكة لايمكن لنا ان نفصم تشابكها مع احتمال واحد لا غير : هو ان كل عمل ماركسي صرف هو عمل هيغلي مطلق، وان مفهوم البراكسيس عند ماركس، هو عمل احتواء نقدي للمتناقضات، وان ماركس لا يؤمن بإيمان ماركسي " كل الذي أعرفه هو انني لست ماركسياً "، وبالتالي لابد لنا من وضع مسافة منهجية بين البديل الايدولوجي للماركسية، ونقد البديل الماركسي للايدولوجية، لكي لا تكرر أخطائها السلطوية كما حدث في التجربة السوفيتية اللينينية منها والستالينية وعبر الوضعية النقدية بوضع ماركس نفسه بين (قوسين) على طريقة هسرل، لكي نثبت ماركسية جدلية تطال ماركس نفسه، وليس الاكتفاء بماركسية ماركس، كونها كل مالدينا من الماركسية !
الرابع- بالطبع ان قراءة شعبان للماركسية ليس كلها ماركسية وهو ما يؤشر له ويعتبره إغناءًا للماركسية ذاتها ومنهجها الجدلي، لاسيما انفتاحه على المدارس الأخرى، ولعل ذلك سيكون المأخذ المنتظر لماركسي ما دون الماركسية أو ما يسميهم بـ " المتمركسين"، ولعلهم سيأخذون عليه محاولته التجديدية في قراءة الماركسية وإعادة روحها اليها بعد أن تم سلبها من خلال تطبيقات مشوّهة، وكذلك محاولته في رد الاعتبار للجدل الماركسي، الذي تم تحويله الى لاهوت وأحكام منزّلة وقوانين ثابتة، في حين أن الجدل كمنهج لديه يسهم في اكتشاف قوانينا، لا قوانين ماركس التي اكتشفها في زمانه، ولكن في ضوء المنهج الجدلي الماركسي والوضعية النقدية.
لعل هناك من سيتصدى لمحاولة القراءة الابداعية لماركسية ما بعد العولمة، بالقول أن الماركسية نظرية علمية وليست نقدية وضعية، وهذا لا يشكل خلافاً بل تاجيلاً لكل اختلاف ممكن، واذا كان كتاب " ديالكتيك الطبيعة" لانجلز، اثبات العجز العلمي وعدم صلاحيتة "للعلمية الصارمة"، فان ذلك يؤكد ان ماركسية ماركس نظرية وضعية وليس جدلاً هيغلياً مطلقاً والنظرية التي لاتحتمل الخطأ لايمكن ان نبتّ بصوابها .
الخامس- لعل فهم التاريخ ماركسياً لن يكون فهماً تاريخياً، لان الماركسية نفسها هي جزء من التاريخ، وليس تعالياً عليه، ولا يمكن أن يكون هناك وعي بالتاريخ دون تاريخ للوعي، والوعي في الغالب موقف من التاريخ وليس هو التاريخ بعينه، ولاتوجد في الماركسية نظرية متعالية على التاريخ، فبأي وعي ماركسي أصبح التاريخ كله خاضعا لفهمه الماركسي؟ هذا هو السؤال الماركسي الوضعي النقدي الذي انطلق منه عبد الحسين شعبان على ثلاث مراحل :
أ- مرحلة النضال العملي والحركية التنظيمية والارهاص الفكري الأول.
ب- مرحلة النقد التطبيقي الميداني
ج- مرحلة النقدية الوضعية الخالصة
وبهذا يكون شعبان قد مرّر تجربته النقدية الماركسية بمراحلها الاساسية "الانتماء " " النقد الذاتي والموضوعي" " النقد الوضعي وإعادة النظر".
وبالتالي فان علينا أن نفهم الوضعية النقدية بأنها خلاصات تجربة وليست مجرد تأملات نظرية، وانها لصيقة الميدانية والتجربة المباشرة والمحسوسة، وليست مجرد شهوة نظرية أو ترفاً فكرياً للتنظير، وهي حصيلة معاناة وآلام وصراعات وإعادة قراءة ومحاولات اجتهادية، وبالتالي فهي غير مغلقة، بل إنها ستبقى تجربة مفتوحة تحتمل النقد – الضدي ونقد النقد.
ولعل هذه الملاحظات لا تستوفي حق هذه التجربة من البحث والقراءة والتنقيب، وهو ما عكفت على استكماله في كتاب خاص يصدر عن عبد الحسين شعبان ( النقد الماركسي للماركسية: من الراديكالية الانقلابية الى الوضعية النقدية) وهو ما أوضحته في المقدمة، وما زاد من تحفيزي لنقد هذه التجربة، هي هذه الشهادة المهمة التي احتوتها هذه الحوارات، الأمر إحتاج الى إعادة قراءة منهجه وأطروحاته ومغامرته الفكرية في ضوئها!!
خضير ميري في سطور
· ولد في بغداد عام 1964 وعمل في الثقافة العراقية مبكّرا ونشر مقالاته في الفلسفة والنقد وهو دون العشرين من عمره.
· درس في كلية الفنون الجميلة عام 1983 ولم يكمل دراسته لأسباب خاصة.
· نشر كتابه لأول في الفلسفة (الأشكالية والمعنى في السؤال الفلسفي) بمساندة من دار الأمد الفلسطينية في بغداد عام 1993.
· أصدر عام 1997 كتاب (الفكر المشتت:تعقيب على فوكو) عن دار الصخرة، عمان.
· أصدر كتابه (الجنون في نيتشه) عن دار الغد العراقية عام 1999.
· أصدر كتابه المعنون (أيام الجنون والعسل- الحرب على مستشفى المجانين) عن دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2000، وقد ترجم الى اللغة الفرنسية من قبل للشاعرة الجزائرية رشيدة محمدي.
· في عام 2001 صدر له عن دار الزاهرة في رام الله(فلسطين) كتاب نثري طويل حمل عنوان (صحراء بوذا) قدمه الشاعر مراد السوداني رئيس تحرير مجلة الشعراء ورئيس (بيت الشعر الفلسطيني) ووضع اسمه ضمن (هيئة التحريرالعربية لمجلة الشعراء).
· صدرت له عام 2003 مجموعة قصصية حملت عنوان (سيرة ذاتية لجمجمة) عن دار الشؤون الثقافية العراقية في بغداد.
· صدر له في بغداد عام 2005 بطبعة محدودة كتاب بعنوان (تصريح بالجنون: رحلتي من التعذيب الى المصحة العقلية).
· أصدر مجموعته القصصية الثانية (حكايات من الشماعية عام 2006).
· له قيد الطبع رواية جديدة تحمل عنوان (جن وجنون وجريمة ) عن دار نشر (نفرو) لصاحبها الشاعر المصري محمد الحسيني.
· صدرت له طبعة ثانية من رواية (ايام الجنون والعسل- مع قصص حكايات من الشماعية في كتاب واحد عام 2008 من مكتبة مدبولي –القاهرة.
· عمل في عدد من الصحف العراقية وترأس صفحات ثقافية فيها.
· غادر العراق الى القاهرة اثر تهديدات وصلته وهو متفرغ حالياً للكتابة والتأليف .
· انتخب مديرا اقليميا في القاهرة (للمنتدى الثقافي العالمي للحوار)عن مؤسسة السنونو الدنماركية، التي يرأسها الشاعر منعم الفقير رئيس جمعية الشعراء الدنماركيين في كوبنهاغن.
· عضو جمعية العراق الفلسفية.
· عضو اتحاد الكتاب والادباء في العراق.
· عضو اتحاد كتاب مصر.
· عضو آتلية القاهرة.
الدكتور عبد الحسين شعبان – نبذة عن سيرة فكرية وثقافية
o أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، يساري النشأة والتوّجه، لكنه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ومنذ الثمانينات كانت له مساهمات متميّزة في اطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري، وتعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة إنشغالات خاصة بقضايا الديمقراطية والاصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الانسان ونشر ثقافته، وخصوصاً من خلال وسائل الاعلام.
o ولد في مدينة النجف الأشرف (العراق) في 21 اذار (مارس) 1945 لأسرة عربية كبيرة، يعود أصلها الى اليمن( جبل النبي شعيب)، وهي بطن من حمْيَر القحطانية ولعشيرة آل شعبان رئاسة الخدمة في حضرة الامام علي (رض) منذ قرون، ودرس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته الجامعية في بغداد، وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، وواصل دراسته العليا في براغ، في قسم القانون حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية(معهد الدولة والقانون).
o مختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الانسان واستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية منها:
· عضو اتحاد المحامين العرب (القاهرة) وعضو جمعية المحامين الدولية (لندن).
· عضو منتدى الفكر العربي ( عمان).
· عضو اللجنة العلمية للمعهد العربي لحقوق الانسان( تونس)
· عضو اتحاد الكتّاب العرب (دمشق).
· عضو اتحاد الحقوقيين العرب (المكتب الدائم).(بغداد-عمان) وممثله السابق في
اليونسكو (باريس) .
· عضو اتحاد الصحفيين العالمي (براغ).
· الأمين العام الأسبق اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية.
· الأمين العام السابق لمركز الدراسات العربي- الأوروبي (باريس)
· المدير العام السابق لقناة البغدادية الفضائية (القاهرة).
· عضو سابق في مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الانسان ورئيسها الأسبق في (لندن).
· مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الانسان والتنمية (كردستان-لندن – بغداد) وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي (بغداد- نقابة المحامين 5/11/2004).
· الأمين العام المساعد للرابطة العربية للديمقراطية(صنعاء).
· المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الانساني.
o له مكتب استشاري قانوني خاص-لندن- بيروت.
صدر للدكتور شعبان
o نحو 40 كتاباً في القانون والسياسة الدولية والاسلام والقضايا الفكرية وحقوق الانسان والمجتمع المدني والصراع العربي - الإسرائيلي وفي الثقافة والادب منها:
* النزاع العراقي - الايراني ، منشورات الطريق الجديد، بيروت، 1981.
* المحاكمة – المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد، لندن، 1992.
* عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الادبية، بيروت، 1994.
* السيادة ومبدأ التدخل الانساني، جامعة صلاح الدين، أربيل (العراق) 2000 .
* الانسان هو الاصل – مدخل الى القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، القاهرة، 2002 .
* الإختفاء القسري في القانون الدولي: الكخيا نموذجاً، شؤون ليبية، واشنطن، 1998.
* من هو العراقي ؟ اشكالية الجنسية و اللاجنسية في القانونين العراقي و الدولي، مركز الدراسات الشرقية - دار الكنوز الادبية، بيروت، 2002 .
* الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي ،ط1 ،مركز الدراسات الفلسطسينية ط2، دار الجليل، دمشق، 1985.
* القضايا الجديدة في الصراع العربي- الاسرائيلي دارالكتبي، بيروت، 1987.
* الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الانسان، دار حطين، دمشق، 1991.
* المدينة المفتوحة – مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية، دار الاهالي، دمشق، 2001.
* الصراع الايديولوجي في العلاقات الدولية، دار الحوار، اللاذقية،1985.
* أمريكا والاسلام، دار صبرا ، نيقوسيا، 1987 .
* الاسلام وحقوق الانسان، مؤسسة حقوق الانسان والحق الانساني، بيروت ، 2001 .
* الاسلام و الارهاب الدولي ، دار الحكمة، ط 1، لندن ، 2002 ، دار ورد، عمان، ط2 ،2008 .
* فقه التسامح في الفكر العربي -الاسلامي : الثقافة والدولة، دار النهار، بيروت، 2005.
* جذور التيار الديمقراطي في العراق، دار بيسان، بيروت، 2007.
* المجتمع المدني: الوجه الآخر للسياسة، دار ورد، عمان، 2009.
* الجواهري في العيون من اشعاره (بالتعاون مع الشاعر الكبير الجواهري)، دار طلاس، دمشق، 1986.
* بعيداً عن أعين الرقيب ، محطات بين الثقافة و السياسة، دار الكنوز الادبية، بيروت، 1994 .
* الجواهري – جدل الشعر والحياة، دار الكنوز الادبية، بيروت، 1997. ودار الآداب، بيروت،
ط2، 2009.
* أبو كاطع – على ضفاف السخرية الحزينة ، دار الكتاب العربي ، لندن ، 1998 .
*********
حاز على عدد من الجوائز والأوسمة منها :
· وسام أبرز مناضل لحقوق الانسان في العالم العربي (القاهرة 2003)
· وسام الصداقة العربية – الكردية (أربيل- 2004)
· وسام اتحاد الحقويين العرب لدفاعه عن الحريات والحقوق، على المستويين العربي والعالمي(عمان 2005).
· جائزة العنقاء الذهبية من دار القصة العراقية لدفاعه عن قيم الثقافة وحقوق الانسان (العمارة- ميسان، العراق: 2006).
· وسام مهرجان الفيلم العربي في روتردام لدفاعه عن قيم التسامح (هولندا- 2008).