موقع التيار اليساري الوطني العراقي
| 31/01/2010 - العدد59
|
|
اليسار العراقي |
العراق من ركام الديكتاتورية إلى مطرقة الاحتلال .. واقع وآفاق - التيار اليساري الثوري
العراق
من ركام الديكتاتورية إلى مطرقة الاحتلال
واقع .... وآفاق
في منتصف شهر آذار من عام 1991 وصلت طلائع قوات الاحتلال الأميركية إلى مشارف العاصمة بغداد، وأصبحت على مرمى حجر من دخولها، حيث لم يبق أمامها إلا القليل القليل كي تدخل العاصمة وتطيح بالنظام الدكتاتوري، بيد أن تلك القوات أحجمت عن اسقاط النظام، بل وتراجعت إلى جنوب العراق. بدا ذلك في حينه أمراً مستغرباً، وقد فسر الكثيرون ذلك التراجع خوف الإدارة الأميركية من أن تقفز إلى سدة الحكم في العراق قوى دينية متطرفة موالية لايران، إلا أن مسار الأحداث وما يربو على تجربة 13 عاماً هي المدة التي تمتد من آذار 1991 وحتى 9/4/2003 قد أثبتت عدم دقة ذلك التحليل، حيث نصبت ادارة الاحتلال الأميركية قوى سياسية كي تحكم العراق، ومن بينها تلك القوى التي قلنا إن الولايات المتحدة الأميركية تخشى من وصولها إلى دفة الحكم، بل على العكس من ذلك كان لها كامل الهيمنة على مفاصل الحكم بعد الاحتلال.
إن عدم اسقاط نظام صدام حسين الدكتاتوري في ربيع 1991 يعود بالأساس إلى جملة من الأمور لعل في مقدمتها أن المطلوب هو رأس الشعب العراقي، ويأتي رأس النظام بمراتب أقل شأناً.
هدف الإدارة الأميركية المعلن في عهد بوش الأب كان اخراج صدام حسين من الكويت، ولكن هذا الهدف تغير كثيراً بعد وصول المحافظين الجدد إلى موقع القرار في البيت الأبيض، حيث بدأ التحضير الفعلي لغزو العراق تحت شتى الذرائع والحجج، ونشطت الدبلوماسية الاميركية ومن ورائها القوى الامبريالية العالمية والصهيونية لسوق الاتهامات التي تبرر احتلال العراق أمام الرأي العام الأميركي والعالمي عبر عدد من المسرحيات، لعل في مقدمتها امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، واتهام النظام السابق بتمويل الإرهاب الدولي وعلاقته المزعومة بتنظيم القاعدة، وبعد أن أخفقت لجان التفتيش في العثور على أي أثر لتلك الأسلحة، لجأت إلى العديد من الفبركات من خلال عملائها أمثال الجلبي وأضرابه، وانتقلت في دعاواها إلى أمور أخرى، لعل أبرزها تحرير الشعب العراقي من النظام الدكتاتوري ونشر (الديمقراطية) في العراق، ونحن نعلم أن لاعلاقة للحرية والديمقراطية بأهداف الامبريالية المعولمة.
إن الحرية التي تريد الولايات المتحدة الاميركية نشرها في العراق هي حرية خاضعة لمفاهيمها والمتمثلة بنهب ثرواته، وفرض هيمنتها السياسية عليه والتحكم باقتصاده الوطني، في اطار الهجوم الوحشي للرأسمالية، مستندة في ذلك إلى مجموعة من المرتزقة والعملاء والجواسيس، عملت على تدريبهم وإعدادهم لفترات طويلة.
هذه الأكاذيب يدحضها تأريخ العراق القريب، ويفسر هذه الصحوة الكاذبة للامبريالية الأميركية ومخابراتها المركزية التي أسهمت عبر صفقة معلومة في تمكين جناح البكر- صدام في حزب البعث من تسلم السلطة في العراق في 17/ تموز/1968، والذي أدى إلى فرض دكتاتورية فاشية لم يشهدها العراق في تأريخه الحديث، والتي كان من أبرز نتائجها، تعرض الشعب العراقي ومناضليه إلى القمع البوليسي البشع الذي أفضى إلى تخريب الحياة السياسية والفكرية وتدمير المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، واشاعة حالة من اليأس والاحباط قادت إلى سحق زهرة الحركة الثورية الوطنية وقوى اليسار، اضافة إلى تدمير حياة الألوف من المناضلين والمواطنين من جميع الاتجهات والأطياف العراقية، وما أفرزته الحروب العبثية من استنزاف موارد بلدنا وقواه البشرية المتمثلة بمئات الألوف من القتلى والجرحى والمعوقين. وجاء احتلال الكويت وما تبعه من مآس في حرب الخليج الثانية، الذي أعطى المبرر للقوى الامبريالية وفي مقدمتها الإدارة الاميركية لفرض الحصار الاقتصادي، الذي كان ضحيته ابناء شعبنا، والذي أدى إلى موت عشرات الألوف من الأطفال والمسنين والمرضى.
إنها لمفارقة مضحكة أن يرفع المحامي الامبريالي بوش الابن دعاوى ضد جرائم تغاضى عنها، بل أسهم في وقوعها، فأي مجنون هذا يصدق شعارات تحرير شعب العراق من دكتاتورية بغيضة هي في التحليل الأخير من صنعه.
نعود إلى القول إن تأخير غزو العراق واحتلالة إلى 13 عاماً يعود إلى عدد من الأسباب منها:
1- انجاز تدريب وتأهيل عملائها واخضاع القسم الآخر مما يسمى سابقاً بالمعارضة العراقية وضمان انخراطهم في المشروع الامبريالي الصهيوني، واقصاء وتهميشالقوى والتيارات الوطنية والتقدمية التي رفضت فكرة غزو العراق واحتلاله. ولقد تم ذلك عبر ما يسمى بقانون (تحرير العراق) الذي أصدره الكونغرس الاميركي، والذي وافق عليه هؤلاء العملاء، وقد تبجح بعضهم انه أسهم في إعداد هذا القانون.
2- تفتيت الشعب العراقي وشرذمته على أساس طائفي وقومي واثني ومناطقي، لضمان تحقيق أهداف الغزو بسهولة، وقد تم ذلك عبر ماكنة اعلامية هائلة، اتخذت واجهات دينية وقومية معروفة أسهمت في خلق توجهات تمزيقية كان يعتقد دهاقنة البيت الأبيض وعملاؤهم انها مقدمة ضرورية لتمرير مخططاتهم.
3- انهاك العراق وشعبه وفي مقدمتهم قوى الشغيلة والكادحون والطبقات الدنيا من البرجوازية الصغيرة، من خلال فرض حصار اقتصادي بشع أدى إلى تدمير البنى التحتية مثل شبكات الماء الصافي، وانحطاط انتاج الطاقة الكهربائية، وتدمير شبكة الصرف الصحي، ومنظومة الخدمات الصحية، وافساد وتشويه النظام التعليمي بجميع مراحله، وتفشي الرشى وافساد الذمم الذي قاد إلى فوضى عارمة في جميع مفاصل الدولة، والتي كان من أبرز مظاهرها تدني مستوى الأجور إلى حدود دولار أميركي في الشهر الواحد لعموم المواطنين، الذي أنضج إلى حد ما الشروط الاجتماعية والسياسية للغزو.
ولكي تتحقق تلك المقدمات الضرورية عملت الإدارة الأميركية على استصدار قرارات جائرة من مجلس الأمن تمهد لتقسيم العراق عبر خطوط العرض جنوباً وشمالاً، خاصة في كوردستان العراق الذي أصبح، ومنذ صيف 1991، مرتعاً لنشاطات أجهزة المخابرات الامبريالية والموساد الاسرائيلي، وتحول بعض مدنه إلى مراكز لإعداد مجموعات من المتعاونين معها في المجالات جميعها الإعلامية والعسكرية والمخابراتية، والذين شكلوا ركيزة أساسية سهلت إلى حد ما مهمة احتلال العراق لاحقاً.
وقد دخلت قوات الغزو الامبريالي إلى العراق في نيسان 2003 على بساط من الخيانة قدمته قوى عديدة، في مقدمتها هذه الأحزاب والشخصيات التي تتصدر اليوم المشهد السياسي وتحكم العراق عبر محاصصات طائفية وسياسية، وتعمل على انجاح المشروع الامبريالي في بلدنا، كل ذلك توافق مع صمت مطبق وتوافق ضمني من قبل معظم الأنظمة العربية ودول الجوار، خاصة النظام التركي والايراني.
كان موقف النظام العربي الرسمي من احتلال العراق خيانياً، سواء كان ذلك في مرحلة التمهيد للغزو أو خلاله أو بعد الاحتلال، ولم يكن ذلك مستغرباً. إن ذلك يشير إلى مدى ارتباط وتبعية تلك النظم للامبريالية. إذ أسهمت تلك الأنظمة فعلياً في تسهيل مهمة احتلال العراق، حيث استخدمت أراضي العديد منها منطلقاً لقوات الغزو، خاصة دول الخليج، وسمح النظام المصري باستخدام قناة السويس كممر آمن ولتعبر سفن وبوارج الغزاة.
لقد ارتمى هؤلاء العملاء تحت جزمة المحتل على طريق الخيانة السافرة وباعوا العراق مقابل اطلاق الغزاة أيديهم وبدون رقيب لنهب بلدنا واذلال وتجويع وتمزيق شعبنا عبر مخطط تقسيمي تجسد فيما يسمى بـ(مجلس الحكم).
مازال شعبنا يذكر بالخزي والعار تلك الزمرة الخائنة التي ذهبت للترحيب بقوات الاحتلال البريطاني التي دخلت مدينة البصرة في عام 1917. لقد فاق عملاء اليوم أسلافهم، فهؤلاء المتأخرون لم يخرجوا مرحبين بالاحتلال كما فعل أسلافهم، بل ركبوا معه على ظهور الدبابات، وشكلوا في أماكن عديدة عيوناً تستشرف الطرقات وترمي الأقراص الممغنطة التي تحدد الأهداف لطائرات الاحتلال، لانجاح ما كان تطلق عليه قوات الغزو الصدمة والترويع، والذي أدى إلى قتل آلاف من العراقيين في الأحياء السكنية والمستشفيات والأسواق ومراكز العمل. في حين لم تستهدف تلك الهجمات بشكل مركز الكثير من قصور صدام التي أصبحت لاحقاً مقرات آمنة ومريحة لقادة الاحتلال أمثال بريمر وباتريوس وأديرنو، ومن سيأتي بعدهم.
لقد أسهمت طبيعة سلطة النظام الدكتاتوري في تسهيل مهمة قوات الغزو ووصولها إلى بغداد بسرعة مذهلة دون أن تواجه مقاومة جدية على امتداد مئات الأميال، وذهبت تبجحات رموز النظام السابق وتصريحاتهم (المدوية) إلى تحويل بغداد إلى مقبرة للغزاة أدراج الرياح، وقد كانت الفضيحة الكبرى للدكتاتورية هذا السقوط المخزي لعاصمة بلدنا، وتبخر الملايين من مسلحي حزب البعث وما كان يسمى بجيش القدس، وتلاشت معهم قطعات الجيش العراقي وفي مقدمتها قوات النخبة المتمثلة بقطعات الحرس الجمهوي والحرس الخاص، كيف لا وكان قادة هذه القطعات يفكرون بأمور أخرى لم تكن فكرة المقاومة والقتال من بينها على الاطلاق. كان قادة تلك القطعات يفكرون في الهزيمة وسرقة موجودات مقراتهم ورواتب وأرزاق الجنود والمراتب، وعادوا مجدداً للاختباء في قراهم البعيدة التي جاءوا منها، وفي طليعتهم رأس النظام تاركين جنودهم ومقاتليهم يواجهون مصيراً مجهولاً.
لقد استسلم الفيلق الخامس من الجيش العراقي في قاطع الموصل دون ان يطلق طلقة واحدة باتجاه قوات الاحتلال، واستسلم بشكل مهين أمام فصيلة مشتركة من البيشمركة وجيش الاحتلال. وحدث هذا في مواقع عديدة من ساحات المواجهة.
وبهذا الطريقة المخزية سقط النظام الدكتاتوري، واحتل العراق لتبدأ مرحلة مؤلمة من تأريخ بلدنا.. احتلال وتخريب وتمزيق ونهب وأنهار من الدماء.
العراق.. الوضع الراهن مشكلات وتحديات
يعيش شعبنا اليوم كارثة حقيقية وواقعاً مريعاً ويتمظهر هذا الواقع المأساوي في عدد من المشكلات والتحديات تتدرج خطورتها وأهميتها بحسب الانعكاسات التي تطال اوضاع ومعيشة المواطن البسيط.
إن هذا التدني المريع للخدمات وغيرها نتج عن التدمير الممنهج للدولة العراقية انطلاقاً من يوم التاسع من نيسان 2003، حيث انطلقت عمليات السلب والنهب الذي قامت به العصابات الاجرامية وكثير من الاحزاب التي امتطت ظهور الدبابات الأميركية، حيث تم نهب المصارف ووزارات الدولة ومؤسساتها –باستثناء وزارة النفط- التي وفرت لها قوات الغزو حراسة كاملة وكما هو معروف، وتم التركيز على نهب وسرقة التراث الحضاري لشعب العراق، حيث نهبت الموجودات النفيسة من المتحف الوطني العراقي، والمكتبة الوطنية وارشيف الدولة العراقية بالكامل.
ولم يعد خافياً اليوم إن قوات الغزو قد اطلقت يد تلك العصابات والسراق ومهدت الطريق أمام المخابرات الأجنبية وفي مقدمتها الموساد الاسرائيلي. لقد تم حرق وتدمير المئات من المؤسسات الحكومية لعدة مرات بعد أن تم اقتلاع الأبواب والشبابيك وكل ما يشير إلى بقايا مؤسسة.
إن ما جرى خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت الغزو من عمليات نهب وتدمير وحرق لم يشهده العراق في تأريخه الحديث. لقد حدثت عمليات تغيير سياسي أطاحت بعدة حكومات، فعندما وقع انقلاب 14/تموز/ 1958 لم يقم الانقلابيون بأي عمل أدى إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها الأمنية والخدمية، ولم يتم إلا اقصاء عدد محدود من كبار ضباط الجيش، ونقل العديد منهم إلى مواقع أقل شأناً من مراكزهم السابقة، في حين لم يمس التغيير أبرز مؤسسات الدولة، خاصة تلك التي تقدم الخدمات الأساسية للمواطنين.
ولقد اتخذت قوات الغزو الامبريالي الصهيوني عدداً من الاجراءات والقرارت لانجاز مهمة تدمير الدولة العراقية، وتعزيز حالة الفوضى كقرار الحاكم المدني للعراق بول بريمر بحل الجيش العراقي الذي يمثل المؤسسة الجامعة للعراقيين، على الرغم من محاولات أدلجته وتسييسه من قبل النظام الدكتاتوري، وأقصت الألوف من كوادر الدولة العراقية وذوي الاختصاصات النادرة. كانت تلك البداية لكارثة الاحتلال وتبعاته التي تلقي بكوابيسها على شعبنا، خاصة قوى الشغيلة والعاطلين عن العمل والنساء وقطعات كبيرة من البرجوازية الصغيرة.
ولابد من الاشارة هنا إلى الدور السلبي الذي أفرزه التدخل الاقليمي في شؤون العراق الداخلية، والذي ألحلق أبلغ الضرر ببلدنا وشعبنا، وأسهم في تمزيق وحدته الوطنية عبر تبني هذا الطرف أو ذاك، لتوسيع النفوذ أو الحصول على مكاسب آنية، لاتخدم في المحصلة النهائية كفاح شعبنا ومقاومته.
ويأتي في مقدمة ذلك التدخل الإيراني، وبعض النظم العربية، من خلال إغداق المال السياسي على بعض الأطراف، وارتهان العمل السياسي بوتجهات تلك النظم المنظوية تحت مظلة المشروع الامبريالي. الأمر الذي أدى إلى تشويهه، وزيادة حالة الفوضى والارتباك والانقسام.
سعت الحكومات المتتالية التي نصبها الاحتلال الى القاء تبعة ما يعانيه العراق اليوم على النظام السابق، وتعلق على شماعة ذلك النظام الكثير من جرائمها ومفاسدها، اليوم وبعد مضي سبع سنوات لم تتقدم خطوة واحدة على طريق تحسين الخدمات ورفع مستوى معيشة المواطنين، والحد من البطالة المتنامية، على الرغم من الأموال الطائلة التي قيل أنها انفقت في هذا الاتجاه.
إن أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه العراق اليوم، والتي سنأتي إليها، انما تقع مهمة التصدي لها على عاتق المقاومة الوطنية وكافة القوى الوطنية والديمقراطية وقوى اليسار المناهضة للاحتلال ومخططاته وعملائه.
إن ضمان نجاح هذه القوى في انجاز مهامها الوطنية والديمقراطية والاجتماعية لن يتم الا عبر وضع برنامج وطني ديمقراطي تقدمي تناضل هذه القوى تحت رايته لحشد وتنظيم جماهير شعبنا، من أجل تغيير موازين الصراع الدائر اليوم على أرض الرافدين لصالح قوى المقاومة والتغيير، ويأتي في المقام الأول طرد الاحتلال وعملائه والحاق الهزيمة الساحقة بمعسكر الامبريالية المعولمة المتوحشة والصهيونية.
إن أهم المشكلات والأزمات التي يعاني منها العراق اليوم هي من جراء الاحتلال الأميركي، والتي جعلت الحياة لاتطاق على الأصعدة كافة، والمتمثلة بـ:
1- انعدام الأمن الذي جاء نتيجة للتدمير المنظم للدولة العراقية، وفي مقدمة ذلك حل الجيش والأجهزة الأمنية، التي تشكل القاعدة الأساسية لضمان الأمن وسلامة المواطنين، وتوفير الأجواء المناسبة لقيام أنشطة اقتصادية، تضمن دوران عجلة الانتاج لتحقيق الرفاهية والتقدم والعدالة الاجتماعية، وفشلت جميع محاولاتها لبناء أجهزة أمنية جديدة، ويعود ذلك في الأساس إلى أن تأسيس هذه الأجهزة قد تم على أسس بعيدة عن الاحتراف. كما أن الهدف من بناء تلك الأجهزة هو جعلها متاريس تحمي جنود الاحتلال.
لقد تم بناء تلك الأجهزة في ظل الاحتلال على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، وعلى وفق الولاءات السياسية لهذه الجهة او تلك من المسهمين فيما يسمى بالعملية السياسية، والتي أنتجت في التحليل الأخير جيشاً وقوى أمنية فاقدة للأهلية والهدف، وتأتمر بأوامر القيادة الميدانية لجيش الاحتلال وفشلت في تأمين الحماية والأمن للمواطنين.
وبعد أسابيع قليلة من حل الجيش والأجهزة الأمنية، شرعت إدارة الاحتلال بتأسيس جيش جديد وجهاز مخابرات وغيرها، إنها لمفارقة حقاً أن تسعى هذه الإدارة لاتخاذ مثل هذا القرار، في وقت لم يجف فيها بعد حبر أمر بريمر بحل الجيش العراقي، وتزول هذه الدهشة بعد تكشف آليات وأهداف تأسيس تلك القوات، التي بوشر بتأسيسها على أساس طائفي وقومي، حيث صرح أحد كبار ضباط الاحتلال المشرفين على هذه العملية "لن نسمح بجيش يقوده ضباط سنة وأنفار من الشيعة"، تلك العبارة المقيتة التي تفوح منها سموم الطائفية، وتشكل دعوة صريحة لتأسيس صراعات داخل المجتمع، وداخل المؤسسة العسكرية.
إن من بين أهم أهداف بناء مؤسسات أمنية جديدة، وفي مقدمتها الجيش، هو خلق قوى عسكرية تخفف الضغط على قوات الاحتلال للوصول في النهاية إلى إعفاء تلك القوات من مهام المواجهة العسكرية مع فصائل المقاومة الوطنية، وعلى الرغم من مرور ست سنوات كان في النتيجة جيش تتنازعه الولاءات الطائفية العنصرية والحزبية وغير قادر على إداء المهمات التي كانت تتوخاها إدارة الاحتلال. جيش تنخر به دودة الفساد المالي والإداري، ومما زاد الفشل في مهامه هو رفده بأعداد كبيرة من الضباط القادمين من ميليشيات الأحزاب وغيرها.
لقد أخفقت إدارة الاحتلال في بناء خلق تلك القوات، على الرغم من انفاق مليارات الدولارات على تأسيسها. ومن أجل التغطية على فشلها اتجهت لتأسيس قوات ما يسمى بالصحوة في المناطق الغربية من العراق وأطراف العاصمة بغداد، هذه القوات التي لاتعدو كونها ميليشيات عشائرية، والتي تحاول الآن التخلص منها وترك منتسبيها إلى مصير مجهول، بعد تسريح الألوف من هذه القوات بحجة القضاء على الميليشيات والقوى غير النظامية.
إن فشل إدارة الاحتلال والمتعاونين معها، سواء في خلق قوات امنية بديلة قادرة على ضبط الأمن، أو في الاستراتيجية الأمنية، يفسر لنا استمرار حالة الانفلات الأمني ومسلسل الاغتيالات والانفجارات العشوائية التي تطال في النهاية الناس الأبرياء ومصالحهم، في حين يتحصن قادة ما يسمى بالعملية السياسية داخل حانة المنطقة الخضراء.
إن انعدام الأمن قد أفرز العديد من المشكلات الكبرى، لعل في مقدمتها ارتفاع أعداد المهجرين في الداخل والخارج إلى أكثر من أربعة ملايين عراقي، والذي ساعد على تصدع البنية الاجتماعية، وتفشي النعرات العشائرية والمناطقية كهويات فرعية يحتمي بها الناس بعد الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة.
2- تشظي وتشرذم المجتمع العراقي على أساس طائفي وعرقي وعشائري، هذه الانقسامات التي أطلقها الاحتلال وروج لها بعد فترة وجيزة من الغزو، وتجسدت فيما كان يسمى بمجلس الحكم وترك لعملائه مهمة تحقيقها وتعميمها، عبر نهج طائفي سياسي عنوانه الأساسي المحاصصة في كافة مفاصل الدولة والمجتمع، حيث أطلقت يد الميليشيات التابعة للقوى المتنفذة في الحكومة الحالية، وقوى الإرهاب الأسود، لجعل ذلك الانقسام واقعاً عبر عمليات القتل على الهوية والتطهير الطائفي وتفجير الأسواق ومراكز العمل بشكل عشوائي، ولعل من أهم نتائجها ذبح بغداد وتحويلها إلى كانتونات ومقابر، كل ذلك جرى ويجري وسط صمت المرجعيات الدينية وأحياناً التحريض العلني على القتل والتصفيات والتهجير، واتساع مساحة مقابر مجهولي الهوية لتضاف إلى مساحات المقابر الجماعية.
3- تفشي ظاهرة الفساد الإداري والنهب المنظم للمال العام، فبعد ان تم نهب ما يمكن نهبه من ممتلكات شعبنا، وتهريبه خارج الحدود، وتحويل ما تبقى إلى ركام، وفي ظل سيادة دويلات ووزارات الطوائف والقوميات والعشائر، وأصبح كل شيئ مباحاً، وفي مقدمتها المال العام، وبيع الوظائف لقاء مبالغ معلومة أو بورقة انتساب لهذا الحزب أو ذاك، وازدياد ظاهرة التزوير... تزوير كل شيء من شهادة الميلاد إلى شهادة الوفاة، ومن ضمنها تزوير الشهادات العلمية وسرقة عقارات المواطنين.
إن الحديث عن هذا الأمر قد لايضيف شيئاً جديداً وربما لانأتي بما يفيد الناس، فالنهب يتصاعد بأرقام فلكية، وانشاء هيئة النزاهة ما هي إلا عملية لذر الرماد في العيون، وأصبحت هذه الهيئة تحتاج إلى نزاهة النزاهة.
4- تدمير قوى الانتاج وتداعياته.
إن من بين أهم أهداف احتلال العراق السيطرة على النفط وخصخصة الاقتصاد، وخلق الآليات التي تمكنه من تحقيق أهدافه، وفي مقدمتها فرض سياسات مالية واقتصادية تضمن تحقيق تلك الأهداف.
لقد تم تدمير قوى الانتاج التي تشكل البنية الأساسية للاقتصاد العراقي، خاصة في الميدان الصناعي والزراعي، يتجلى ذلك اليوم بانهيار كامل للانتاج الصناعي وتدني كبير للانتاجية في القطاع الزراعي. توقف الانتاج الصناعي في القطاعين العام والخاص بشكل كامل. إذ يمتلك العراق عدداً كبيراً من المنشآت الصناعية العملاقة ذات الانتاجية العالية، والتي كان يعمل بها سابقاً مئات الألوف من العمال والفنيين، والتي كانت تسد حاجة العراق بالكامل، خاصة في قطاع المواد الانشائية والصناعات البتروكميائية والغذائية وصناعة الورق والنسيج وغيرها، ولم يعمل القطاع الزراعي اليوم إلا بحدود متدنية، فقد تراجع إلى أقل من 20% مما كان عليه قبل الاحتلال.
إن تراجع قوى الانتاج وتدميرها قد خلق عدداً كبيراً من المشكلات والأزمات، التي أضيفت إلى الأزمات الاقتصادية التي كانت موجودة في زمن النظام الدكتاتوري، والتي تفاقمت في فترة الحصار الاقتصادي الجائر ومنها:-
أ- استشراء ظاهرة البطالة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات إلى 50% من بين القوى القادرة على العمل، يضاف إلى ذلك مشكلة البطالة المقنعة في مؤسسات الدولة الناجمة عن توظيف أعداد هائلة على وفق الولاءات السياسية والطائفية والمحسوبية والرشوة.
ب-انحطاط مستوى المعيشة من جراء تدني الأجور والارتفاع الفاحش في أسعار السلع الأساسية وتكاليف السكن.
ت-انهيار البنى التحتية التي أدت إلى تدني وانعدام مستوى الخدمات التي كانت تقدمها الدولة للمواطنين، والتي لم تتمكن حكومات الاحتلال المتعاقبة من تحسينها، على الرغم مما تعلنه إدارة الاحتلال ووكلاؤها من تخصيص مبالغ طائلة للنهوض بتلك الخدمات، ولكنها تذهب في النهاية إلى جيوب كبار ضباط الاحتلال والمسؤولين الفاسدين.
يقابل كل هذا التدمير الممنهج لبنية الاقتصاد الوطني وانعكاساته المأساوية على أوساط الشغيلة وكادحي شعبنا في المدن والأرياف وقطاعات واسعة من المثقفين التقدميين، الاثراء الفاحش والسريع لعملاء الاحتلال والجواسيس من كبار المسؤولين وسماسرتهم، من جراء ما يقومون به من عمليات نهب منظم، وما يحصلون عليه من امتيازات عالية.
وفوق هذا كله تجري عملية بيع الثروات الوطنية بأبخس الأثمان وفي مقدمتها النفط إلى الشركات المتعددة الجنسيات في إطار ما يسمى تطوير الحقول النفطية.
ث-تضخم ديون العراق الخارجية بعد الاحتلال والتي بلغت ما يربو على 160 مليار دولار أميركي، إذ بلغ دين العراق من صندوق النقد الدولي وبحسب مسؤوليين حكوميين 120 مليار دولار.
العملية السياسية!.. ديمقراطية مشوهة وتخريب للعمل السياسي
دخلت أميركا إلى العراق تحت راية (تحرير) الشعب العراقي من نظام صدام الدكتاتوري، ونشر الديمقراطية في ربوعه. لقد سقطت هذه الدعاوى في سلة أكاذيب الامبريالية الأميركية بعد أيام قليلة من تدنيس جزم المارينز الأميركي أرض بلدنا، تمثل ذلك في الانتهاك الصارخ لحقوق الانسان وعمليات التدمير العشوائي والقتل الجماعي، انتهاء بتهميش واقصاء القوى الوطنية والديمقراطية وقوى اليسار الثوري الرافضة للاحتلال ومخططاته. ولانريد هنا تكرار ألوف الشواهد على تلك الكذبة المفضوحة للديمقراطية الامبريالية الأميركية المتوحشة، المعمدة بالدم من معتقل بوكا وحتى سجن بادوش مروراً بسجن أبو غريب، وسجون وأقبية ما يطلق عليه (سجون المشتركة).
من بديهيات النظام الديمقراطي هو إطلاق الحريات العامة وإفساح المجال للشعب بأن يختار شكل النظام السياسي- الاجتماعي الذي يراه مناسباً، وهذا لايتم إلا بقيام حياة سياسية تتاح فيها حرية العمل السياسي لإحزاب ومنظمات سياسية، تعتمد نظريات تمثل مصالح فئات وطبقات اجتماعية لاتدور في دوائر الاثنيات والطوائف والعشائر، وتتبنى برامج سياسية- اجتماعية تمثل مصالح تلك الطبقات والتي تنتج حراكاً سياسياً يخدم في النهاية المصالح التأريخية لتلك القوى.
إن ما تسعى إليه ديمقراطية الاحتلال هو غير ذلك تماماً، فسعت إلى إفساد العمل السياسي من خلال إغداق ملايين الدولارات على الأحزاب والقوى الممالئة له تحت يافطة نشر الديمقراطية في العراق، هذا المشروع الذي أقره الكونغرس الأميركي والذي خصص له مبلغ 450 مليون دولار، ودارت طواحين الإعلام لتشويه العمل السياسي، من خلال تسفيه ومهاجمة (الايدولوجيات) تحت مقولة (لقد ولى عصر الآيدولوجيات)، كل ذلك انتج عملية سياسية مشوهة تم تعزيزها بدستور مشوه وانتخابات مزورة وإعلام فاسد وصحافة مأجورة تخدم توجهات الاحتلال وتشوه وعي الجماهير عبر تجميل صور الاحتلال وعملائه، وصرف النظر عن أهم المعضلات وفي مقدمتها الاحتلال.
لقد أفرزت هذه الممارسات وما يسمى بالعملية السياسية انعكاسات خطيرة، يأتي في المقام الأول حالة التشويش والإحباط والنفور من العمل السياسي القائم على تبني مصالح أوسع الجماهير، والنضال بصلابة من أجل تحقيقها، وهذا يتطلب في المقام الأول فضح وإدانة ديمقراطية اليانكي وعمليته السياسية التي لاتعدو كونها واجهة وغطاء للنهب والفساد وتشويه إرادة شعبنا.
اطروحات حول برنامج مقترح لحركة جماهيرية ثورية
من اجل الخروج من الوضع الراهن الذي يعيشه العراق، ووضع بلدنا على طريق التحرر والتقدم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وردم مستنقع الطائفية والعرقية والفساد وايقاف مسلسل القتل والتهجير والتهميش والإقصاء ومصادرة الحقوق السياسية والاجتماعية لأوسع الفئات والشرائح الاجتماعية المضطهدة.
نقول: لأجل تحقيق مهمة كهذه يتطلب تعبئة أوسع الجماهير وقواها الوطنية والديمقراطية والتقدمية في اتجاه خلق سيرورة ديناميكية، وهذا لايتحقق إلا بتأسيس وتنظيم وطني ثوري مقاوم، الشرط الذي لابد منه لوضع برنامج وطني تحرري تناضل تحت رايته جميع القوى الرافضة للاحتلال ووكلائه والرأسمالية المعولمة.
1- النضال الثابت لطرد الاحتلال وإلحاق الهزيمة الكاملة به.
إن المهمة الرئيسة التي تقع على عاتق شعبنا وقواه الوطنية والديمقراطية وقوى اليسار، وفي مقدمتها فصائل المقاومة الوطنية المسلحة، النضال لإلحاق الهزيمة العسكرية والسياسية بقوات الاحتلال، وكافة القوى والتنظيمات الساندة لها، وإجبارها على الانسحاب الكامل من جميع ترابنا الوطني، وإلغاء كافة الاتفاقات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وعدم الاعتراف بجميع الاجراءات والتشريعات التي تم ترتيبها لتسهيل مهمة الغزاة لنهب بلدنا، وضمان السيطرة الطويلة على مقدرات شعبنا. كما يجب الامتناع عن دفع كافة الديون والقروض التي أبرمتها سلطات الاحتلال وحكوماته، سواء كان ذلك من صندوق النقد الدولي أو الدول الأمبريالية، والتي تربو على 160 مليار دولار، وبحسب اعترافات مسؤولين حكوميين.
وفي سياق متصل يجب تحميل حكومة الولايات المتحدة الأميركية ومعها الحكومة البريطانية كافة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشعب العراقي مادياً ومعنوياً من جراء عدوانها الغاشم، وما نجم عن العمليات العسكرية الهمجية من قصف وتدمير بدءاً من عام 1991 وحتى غزوها واحتلالها لبلدنا، وما قامت به من ممارسات اجرامية طيلة فترة الاحتلال وحتى الآن. وإجبارها على دفع كامل التعويضات التي تقرها التشريعات والمعاهدات الأممية سواء كانت تلك التعويضات لمواطنين عراقيين أو للدولة العراقية التي تم تدميرها بالكامل.
2- المقاومة الوطنية المسلحة- السياسية
إن دعم حركة المقاومة وتطوير عملها من حيث المساحة والتأثير مهمة وطنية، بيد ان تطوير عمل المقاومة وزيادة فعاليتها يتطلب خلق أرضية مشتركة لقيام جبهة وطنية واسعة قادرة على إطلاق مقاومة مسلحة وسياسية، وهذا يتطلب خطاباً وطنياً يتصدى لجميع أشكال التشرذم والانقسام الطائفي والعرقي، وضمان مشاركة الجميع في المقاومة المسلحة والسياسية لتحرير العراق.
إن الغائب الأكبر في عمل المقاومة هو البرنامج السياسي- الاجتماعي الذي يضمن استقطاباً وطنياً وعربياً وعالمياً، برنامج عابر للطوائف والأثنيات، يمتلك رؤيا واضحة للنضال ضد كافة أشكال الهيمنة الامبريالية والصهيونية في المنطقة العربية.
إن غياب البرنامج السياسي يؤدي بلا أدنى شك إلى عزلة المقاومة، وإضعافها وفقدان الدعم الجماهيري. إن التركيز على الجانب المسلح على حساب العمل السياسي الذي يفترض أن يعطى لكليهما اهتمام متساو قدر الإمكان... لاشك بأن الاهتمام الأكبر يجب أن يتجه اليوم إلى تعزيز وإدامة زخم العمل المقاوم المسلح عبر توفير المستلزمات المادية والفنية لهذا الجهد المهم، ولكن في الوقت نفسه يبقى منقوصاً وتحيط به الأخطار ما لم يترافق بعمل سياسي يشكل شرطاً لابد منه لتحقيق أو التفاف أوسع الجماهير ومن جميع الطوائف والقوميات والمناطق لدعم المقاومة وتوفير الغطاء البشري والاجتماعي، الذي يضمن توسع عمل المقاومة كماً ونوعاً، وضمان استمرار زخمها وفعاليتها في اتجاه تحقيق النصر الحاسم على قوى لااحتلال وعملائه. كما يجب على المقاومة تمييز نفسها في إطار عملياتها العسكرية عن العمليات الارهابية المستهدفة للناس الأبرياء، التي يجب أن تتجه إلى قوات الاحتلال ومراكز الدعم اللوجستي كطرق مواصلاته وامداداته والمتعاونين معه، وهذا يتطلب الابتعاد قدر الإمكان عن إلحاق الأذى بالمواطنين ومصالحهم.
وتتبنى بوضوح لا لبس فيه مهام سياسية واجتماعية من أبرزها:
أ- انتخاب جمعية تأسيسية بالاقتراع السري والمباشر تضع في مقدمة مهامها وضع دستور جديد للعراق يؤسس لنظام ديمقراطي علماني تقدمي، وبناء دولة عصرية تحترم حقوق مواطنيها، وتضمن لهم حق المشاركة الديمقراطية الواسعة في إدارة شؤون بلدنا في ظل ظروف ديمقراطية تضمن حق شعبنا في اختيار ممثليه.
ب- العمل على تحقيق اصلاحات اقتصادية للحد من اقتصاد الريع، خاصة الريع النفطي، والتخلص من التبعية الاقتصادية التي من أهم تجلياتها ارتباط السوق العراقية بالأسواق الرأسمالية، وهذا يتطلب العمل المنظم والجدي لتطوير قوى الانتاج، وجعل اقتصاد بلدنا اقتصاداً انتاجياً، يتمكن من تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة الشرط الأساسي للقضاء على البطالة ورفع مستوى المعيشة.
ت- حماية حقوق العمال وشغيلة الأرياف والفئات الدنيا من البرجوازية الصغيرة، من خلال تبني سياسيات مالية ونقدية، تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على القيمة الحقيقية لأجر العاملين من خلال تبني مبدأ سلم متحرك للأجور لجميع القوى العاملة، وحماية القطاع العام وتطويره، وإلغاء كافة التشريعات والاجراءات التي تهدف إلى خصخصة الاقتصاد العراقي.
ث- الدفاع الثابت عن حقوق المرأة ومساواتها على كافة الصعد دون اقصاء وتهميش، وإلغاء كافة القوانين والتشريعات التي تعيق تحقيق تلك المساواة.
ج- تبني حلاً ديمقراطياً وطنياً للمسألة الكوردية يقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكوردي.
لقد أضاف الاحتلال وعملاؤه وفي مقدمتهم القيادات الكوردية الرجعية والعشائرية وأباطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني تعقيداً وعقبات على حل المسألة الكوردية، وزادت من الالتباس والتشويش ووضعت العراقيل أمام حلها حلاً ديمقراطياً. فبدلاً من أن تتجه القيادة الكوردية اليوم إلى تعميق روابط الأخوة بين الشعبين العربي والكوردي، والعمل معاً على طرد الاحتلال ومن ثم التوصل إلى حل شامل للمسألة القومية الكوردية بعيداً عن التدخلات الأجنبية، يعملون على طلب الضمانات من سادتهم في البيت الأبيض والاستقواء بقوة الاحتلال الامبريالي الصهيوني. وهنا يقع على عاتق الشعب الكوردي وقوى اليسار الديمقراطي العمل على تقوية أواصر وعرى النضال المشترك وفي كافة المجالات لبناء عراق ديمقراطي يضمن حقوق جميع القوميات، وبعيداً عن الإلحاق القسري وحملات التطهير العرقي.
ح- ضمان أوسع للحريات الديمقراطية والمدنية وفي مقدمتها حرية المعتقد والتعبير والنشر، وحق التجمهر والاضراب، وحق تأسيس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات دون قيد أو شرط.
في الوقت الذي ندين فيه المواقف المتخاذلة والخيانية للأنظمة العربية الرسمية وتحميلها المسؤولية المباشرة في احتلال العراق، وتمكين الامبريالية العالمية وحليفتها الصهيونية من محاصرة قوى الثورة العربية في جميع ساحات النضال في فلسطين ولبنان والعراق، وعملها الدؤوب على الوقوف بوجه تطلعات الجماهير لدعم واسناد تلك المقاومة، فإننا نعتقد وفي ظل غياب الخلفية الآمنة لمقاومة الشعب العراقي أن الظهير الوحيد الذي يمكن أن يقدم الدعم المادي والمعنوي لنضال شعبنا هي الجماهير العربية، والذي ما زال دون المستوى المطلوب، بل وفي تراجع ملموس.
إن تطوير هذا الدعم وتفعيله يقع على عاتق القوى الوطنية والديمقراطية وقوى اليسار العربي لاطلاق حركة تضامن جماهيرية واسعة مع شعب العراق. إن هذا الدعم والتضامن في المدى المنظور سيشكل الخلفية الآمنة لقوى الرفض والممانعة ويمهد الطريق لتطوير نضال الجماهير العربية على طريق إزالة السيطرة الإمبريالية عن الوطن العربي وانجاز المهام التأريخية للثورة العربية. ولإفشال المشروع الأمبريالي الصهيوني في المنطقة، الذي أطلق عليه (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، والهادف إلى ضمان السيطرة المطلقة على المنطقة العربية اقتصادياً وسياسياً عبر مشروع تقسيم البلدان العربية إلى كانتونات، كما هي الحال في محاولة تقسيم بلدنا إلى ثلاث فيدراليات وربطه بعدد من الاتفاقات العسكرية والاقتصادية التي يجري العمل على قدم وساق لإقراراها وإضفاء صفة الشرعية عليها، من خلال دمى الاحتلال.
ولإجل تحقيق ذلك العمل الحثيث لقيام جبهة عربية مساندة للشعب العراقي تقدم جميع أشكال الاسناد المادي والمعنوي، وإدانة المواقف المتخاذلة للأنظمة العربية، واجبارها على سحب اعترافها بالنظام العميل في العراق، التي تسعى الامبريالية الأميركية وحليفتها بريطانيا لتحقيقه، والتي نجحت مع العديد من تلك النظم التي أرسلت ممثليها إلى بغداد والسماح لحكومة بغداد في شغل عضوية العراق في الجامعة العربية وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية كاملة مع حكومات الاحتلال، متغاضية بشكل كامل عن محنة الشعب العراقي.
لنبدأ
إن ما قلناه في الصفحات أعلاه قد قاله الكثير غيرنا، قيل كتمنيات وقيل لتلميع وجوه الكثير من المتعاونين علناً وسراً مع إدارة الاحتلال.
إننا لا نريد القول فقط، بل ندعو إلى العمل، وعملنا يبدأ في دعوة كافة المناضلين الذين تم اقصاؤهم منذ زمن النظام الدكتاتوري السابق، وواصلت إدارة الاحتلال وحكوماته المتعاقبة تهميشهم بشكل منظم، ندعوهم إلى لخلق تيار وطني ديمقراطي ثوري، يتبنى برنامجاً واضحاً، الخطوة التي لا مناص عنها لإطلاق حركة جماهيرية واسعة فاعلة ومؤثرة.
هذا الأمر قد يبدو عصياً وضرباً من المستحيل في ظل حالة الإحباط واليأس والقنوط والتشرذم التي تعاني منه جماهير شعبنا، وسيادة دول الطوائف والميليشيات وغياب الأمن والأمان والقانون واستقلال القضاء.
على عاتقنا وعاتق غيرنا تقع مهمة الخروج من حالة التراجع والانحطاط، وهذه مهمة غاية في الصعوبة، فعقود من القمع والتدمير والتذرير، وسنوات من الاحتلال ومفاسده قد فعلت فعلها. عليه قد نبدو حالمين، ولكن لا مناص من الحلم المقرون بالعزم والصبر والمطاولة.
إلى العمل إلى الوحدة للخروج من طوق العزلة إلى فضاءات التأثير إذ لاطريق غير ذلك.
وفي هذا السياق ندعو جميع القوى والشخصيات المعادية للامبريالية.. المعادية للمشروع الصهيوني... المناهضة للاحتلال وعملائه.... إلى تأسيس جبهة واسعة قادرة على الوقوف بوجه هذه الهجمة الشرسة، التي يتعرض لها بلدنا وشعبنا.
فلنبدأ...
التيار اليساري الثوري
بغداد كانون الأول 2009