نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                  العدد  (518) 14/02/2011                                                                  موقع التيار اليساري الوطني العراقي

اللقاء اليساري العربي

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية‎

المقالات

التيار اليساري

هيئة التحرير

الأرشيف

مكتبة اليسار

ملفات اليسار

النقابات العمالية

alyasaraliraqi1934@yahoo.com

 

 

 

 

شهداء الحرية  

 

 الشهيد الخالد القائد التأريخي حسن سريع  قائد حركة 3تموز 1963 الاسطورية ضد الانقلاب البعثي الفاشي الامريكي الصنع

 

الشهيد الخالد ستار غانم (سامي حركات) قائد حركة التغيير في الحركة الشيوعية

العراقية (1985-1994) ابان فترة الكفاح المسلح 1979-1989 

 

الشهيد خالد أحمد زكي قائد انتفاضة الاهوار المسلحة 1968 

 
 
 
 
 
 
 
 

شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري

يوم الشهيد محمد مهدي الجواهري

أخي جعفر محمد مهدي الجواهري  

تنويمة الجياع  محمد مهدي الجواهري    

 

 

 

ملف 14 شباط -  يوم الشهيد الشيوعي

 

اليسار العراقي

 

 

 

ملف 

 بمناسبة 14 شباط 

يوم الشهيد الشيوعي

 

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

الرفيق الشهيد الخالد فهد : ( وثقوا صلتكم بالجواهري , وساعدوه بالمقالات وترجمة المواضيع المفيدة ) وردا على تعليق
 
 

شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري

يوم الشهيد محمد مهدي الجواهري

أخي جعفر محمد مهدي الجواهري  

تنويمة الجياع  محمد مهدي الجواهري    

 

 

 
 
 

 

عبر القائد الوطني الشهيد سلام عادل في كلمة له عام 1956عن الثقة المطلقة بأنتصار الشعب العراقي على الاستعمار البريطاني قائلا :

" لقد عرف عراقنا منذ القديم بأنه أرض العزة والكرامة ووطن الأفذاذ من رجال الحرية ورواد الفكر, وعرف شعبنا العراقي منذ القدم,بانه الشعب الذي استعصى على طغيان الحكام, وبطش الولاة , وبربرية الغزاة.فمنذ قرون,وثورات الجماهير وانتفاضات عبيد الأرض, تشتعل على أرض العراق .. في سهول الجنوب وعلى ذرى كردستان. لقد هزم الباطل في العراق مرة بعد أخرى, وأخفقت على مر الأزمان, كل السياسات التي أريد بها لهذا الشعب أن يستكين ويخضع,ويحني هامته تحت وقع سياط الغزاة والمعتدين.لقد ظل هذا الشعب أمينا لأمجاده التاريخية ولتقاليده النضالية. ومن جيل الى جيل كانت راية النضال تنتقل,وحولها يتساقط الشهداء.واليوم اذ يجهز الاستعمار الجديد بكل قوته وبمعونة أشر عملائه على الوطن والشعب,محاولا أن يطفئ جذوة الحرية في عروقه ويسخر من تاريخه, تنبري من بين الصفوف,كما انبرت في السابق, طلائع الأحرار من ابناء العراق, فتنزل الى ساحة الصراع قوية واثقة من نفسها,أمينة على تاريخ الوطن وتقاليد الاسلاف,مصممة تصميما لا رجعة فيه على دك صرح السياسة المعادية للشعب ,ورد كرامة الوطن الجريح.ان الشيوعيين العراقيين,الذين يحملون في قلوبهم آمال الأمة,ويجسدون في عملهم الكفاحي وفي ميزتهم الثورية أفضل سجايا المواطن العراقي الباسل الشهم , سيتابعون الى النهاية رسالتهم التاريخية التي وهب حياته ثمنا لها قائدهم ومؤسس حزبهم الشهيد يوسف سلمان يوسف - فهد- ورفيقاه حازم وصارم,حين اعتلوا اعواد مشانق الاستعمار البريطاني من اجل حرية العراق . ومئات القوافل من الشهداء, سيظل الشيوعيون العراقيون يتابعون سيرهم الدائب النشيط في الدرب المقدس الذي سلكه من قبلهم شعلان ابو الجون,والحاج نجم البقال,والخالصي والشيرازي وشيخ محمود ابو التمن وحسن الأخرس ومصطفى خوشناو ..سيظلون كما خبرهم الشعب ايام المحن , رجالا متفانين لا يعرفون الخور ولا التردد,أسخياء في البذل والتضحية,لا يضنون بحياتهم وحريتهم وأعز ما يملكون في سبيل حرية الشعب وعزة الوطن.ان عقرب الزمن يشير الى نهاية حكم الاحتلال وعملائه وشيكة لا محال
ان آفاق المستقبل القريب مفعمة بالأمل وأمام القوى الوطنية أن تعالج الموقف بيقظة تامة وبروح واثقة مقدامة ..وأن اقصى ما يكافح حزبنا من أجله هو أن يحقق التزاماته التي قطعها لجماهير الشعب, وأن يبرر الثقة العظمى التي وضعتها فيه, وأن ينهض بقسطه في هذا الواجب التأريخي النبيل."

بعد اقل من عامين على كلمة القائد الثوري الشهيد سلام عادل هذه, فجر الشعب العراقي ثورته الخالدة , ثورة 14 تموز 1958 ليطيح بالحكم الملكي العميل ويحرر العراق من ربقة الاستعمار البريطاني , ثورة حققت منجزات كبرى للشعب والوطن
 
 


 

 


 

أول بيان شيوعي يصدره
 يوسف سلمان يوسف:
( المنجل والمطرقة ) في شوارع الناصرية وملصق على جدرانها 
 سالم عبيد النعمان
 

 
مع الرفيق الشهيد فهد (يوسف سلمان) .. بين عامي 1942 ـ 1946  محمد علي زرقة

 
الرفيق الخالد سلام عادل في السماوة - موسى جعفر السماوي
 

 

في ذكرى الاستشهاد الأسطوري لسلام عادل على يد البعث الفاشي: القتلة في قفص أسيادهم الأمريكان - الكتلة الانتهازية في خدمة الامبريالية الامريكية ... رفاق سلام عادل عن الدرب لن نحيد -

صباح زيارة الموسوي

 

 
ستار غانم راضي.... جيفارا العراق د.فلاح حسن عبود
 

 
 رسائل لم تصل /الى ستار غانم راضي ...............سامي  -  أحمد الناصري

 
بأيِّذنبٍ قُتلتْ ؟ شهداء الحلة في إنقلاب شباط 1963عدنان الظاهر
 
مقدّم سلاح الدروع الشهيد إبراهيم كاظم الموسوي
 
الشهيد المقدام ستّار مهدي المعروف / عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي مسؤول المكتب الفلاحي أو لجنة الفرات الأوسط للحزب
 
  شهيد محمد سعيد الخوجة نعمة / الزاهد الصابر كالرهبان
 
الشهيد الطيّار إبن الحلة الأبر عبد المنعم شنّون
 

 

سحقأ للارهاب ...تبا للموت تبا للفجيعة  محمد السعدي


الشهيدة سحر أمين منشد نجمة براقة في سماء العراق خالد حسين سلطان

أضواء ومواقف عن حياة الضابط الشيوعي خزعل السعدي محمد السعدي

 
 يا علي ! " لن تذهب ريحك مع الريح ، حتى لو اخذت الريح جسدك الطاهر "جمال محمد تقي
 

 
بمناسبة يوم الشهيد الشيوعي ابحثلكم عن اسم أخر حميدلفتة

 
الى روح الشهيد متصر ! " مشتاق جابر " جمال محمد تقي
 

جبارشهد صديقي الذي قضى في بشتاشان , حلبجة العرب صائب خليل


بشتآشان : الصوت والصدى -سامي حسان


 

كلمات أخرى الى ستار غانم راضي العابر في الزمن المفقود

أحمد الناصري


 

رسالة الى الشهداء قادة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية  ( علي جبار سلمان - خالد يوسف - منعم ثاني ) - لن يفلت الجلاد - صباح زيارة الموسوي

 


 

 

المجد والخلود للشهيد منتصر- مشتاق جابر عبدالله 
محسن صابط الجيلاوي
 

 

في عرسك الطلابي رفيقي وصديقي وزميلي الشهيد القائد الطلابي البطل منعم ثاني "كلمات في 14 نيسان وبرقية تهنئة" -صباح زيارة الموسوي

 


 

 

هلهلي أم علي فقد شنق المجرم صدام قاتل عليا البطل صباح زيارة الموسوي

 


 

 

رسالة خاصة جدا.. وبرقية تهنئة الى الشهيد الشيوعي العمالي جواد كاظم الموسوي : رسالتي.. اتذكر يا جواد كيف اغتال انقلاب 8 شباط الاسود طفولتنا ؟ برقيتي.. لقد شنق قاتلك المجرم العميل صدام حسين- صباح زيارة الموسوي

 

السأم

نناضل من أجل عراق حر واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                  العدد  (476)  03/01/2011                                                                  موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

       الشهداء خالدون ابدا

 

شهداء الحرية  

أرشيف شهداء الحرية

 

 

 

ورود لفرج الله الحلو
 

تحية إلى فرج الله الحلو في ذكرى الاستقلال

أحيا الشيوعيون في منطقة جبل لبنان الشمالي ذكرى الاستقلال بوضع إكليل من الورود عند تمثال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني الشهيد فرج الله الحلو في حصرايل، مستذكرين الدور المركزي الذي قام به، إلى جانب الأمين العام الأسبق نقولا الشاوي وشيوعيين آخرين، في معركتي الاستقلال والجلاء.

وقال عضو المكتب السياسي، ومسؤول منطقة الجبل الشمالي في الحزب الشيوعي ريمون الكلاس، إن الشيوعيين ماضون في العمل على إدراج الحلو والشاوي رسمياً ضمن لائحة أبطال الاستقلال، وذلك بالنظر إلى الدور الذي قاما به في المعركة ضد الانتداب.

وأشار الكلاس إلى أن الحزب الشيوعي أثار مراراً هذه القضية، لاسيما في اللقاءات مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. لكنه لفت إلى أنّ هذه المسألة ليست في يد رئيس الجمهورية وحده، وإنما في يد مجلس الوزراء حيث توجد موازين قوى لا تسمح بإقرارها.

بدوره، تطرق رئيس الهيئة الدستورية في الحزب الشيوعي موريس نهرا إلى إسهام كل من فرج الله الحلو ونقولا الشاوي وأرتين مادايان في معركة الاستقلال، مذكّراً بأنّ الحلو كان سكرتيراً للمؤتمر الوطني، الذي شكل لقيادة هذه المعركة.

كما أشار إلى الدور الذي قام به فرج الله الحلو في معركة الجلاء، حين استفاد من الصلات التي كانت تجمعه مع الحزبين الشيوعيين في فرنسا وبريطانيا للضغط سياسياً على حكومتي باريس ولندن لإتمام الجلاء

 

 


 

 

رسائل لم تصل بعد الى ستار غانم راضي(سامي)

أحمد الناصري


كلمات أخرى الى ستار غانم راضي العابر في الزمن المفقود

أحمد الناصري


متحف لمشتاق جابر عبد الله (منتصر)

منتصر لن أنساك

الشهيد منتصر الى اليسار وعلى يمين الصورة الشهيد سامي حركات (ستار غانم )

 

أحمد الناصري


 

 

الهويدر والشاعر عبد الكريم جعفر احمد

 

محمد السعدي

في قرية من قرى محافظة ديالى وهي قرية الهويدر المشهورة ببساتين البرتقال وبنخيلها الباسق ورمانها المشهور وهوائها الندي ومائها العذب هذه القرية المعروفة بطيب أهلها ونجادها العربية الأصيلة وبنضالها البطولي ومقارعتها للظلم والطغيان سواء أيام شباط الأسود 1963 وأيام حكام القرية الأوباش حكم صدام وزبانيته عام 1968 وأخيراً صمودها الباسل بوجه الهجمة التكفيرية المجرمة بعد اندحار الطاغوت عام 2003... ولقد قدمت هذه القرية الباسلة ثلة طيبة من خيرة أبنائها قرابين على مذابح الحرية والكرامة أمثال المناضل الشهيد خالد ماجد الطيار والشهيد جاسم محمد كسارة والشهيد الحاج محمد الحاج رؤوف الشيباني والشهيد هادي صاحب علوش والشهيد علي كاظم الحمداني وعشرات غيرهم... 

ولد شهيدنا البطل طالب عبود الجميل "علي عرب" عام 1952 من عائلة عمالية مناضلة عرف الفقر والعوز والحرمان في بداية حياته ودخل المدرسة الابتدائية مدرسة الهويدر بعدها انتقل إلى متوسطة الهودير واكملها بتفوق وبعدها أكمل إعدادية زراعة الخالص وبعد إكمال الدراسة عين موظفاً في زراعة بعقوبة وفي بداية العقد السابع من القرن العشرين انتمى إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1972 وعرف بنشاطه الدؤوب ومبدئيته العالية وبسبب نشاطه تم نقله إلى زراعة مندلي وهذا النقل أشبه بمنفى له لكنه واصل نشاطه رغم الظروف الصعبة والمضايقات المستمرة من قبل ازلام النظام المجرم السابق.... وعند انفصام الجبهة الوطنية عام 1987 تعرض للاعتقال والتعذيب والمضايقة الشديدة وفي عام 1982 عندما كانت الحرب الايرانية محرقة للشعب العراقي الباسل رفض الانخراط في أتون هذه الحرب حيث التحق بقوات الأنصار بواسطة المناضل الشيوعي الصديق والأخ محمد حسن السعدي (لطيف) أبو بيدر لقد بقى في قوات الأنصار مدة 6 سنوات كان مثال الإنسان الملتزم وصاحب صفات إنسانية جمة مؤدب خلوق متواضع حلو اللسان قلبه رحب وكبير بكبر عراقنا العظيم وهمة عالية كجبال كردستان الشماء أحب الجميع وأحبوه وبعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية في 8/8/1988 بدأ حكام القرية الأوباش حملة الأنفال سيئة الصيت والتي راح ضحيتها آلاف من أبناء شعبنا الكردي المناضل استشهد المناضل طالب عبود الجميل "علي عرب" في إحدى الغارات المجرمة على مقرات الأنصار عام 1988 .

لقد رحل علي عرب الى دار الخلود وترك بعده والده ووالدته العجوزين وكذلك حبيبة عمره الذي ضحى من اجلها بالكثير.. إننا اليوم يا أبا مشتاق نقف أمامك بخشوع وإجلال احتراماً لإرثك ونضالك الزاخر ومبدئيتك العالية وأخلاقك الجيدة يا ابا مشتاق لقد قدمت للعراق حياتك ومستقبلك وكل شيء تملكه وأبيت الا أن تبقى حراً عزيزاً كريماً.. لقد أنهكت نفسك وصرفت جهدك أمضيت أحلى سنين عمرك في خدمة المحرومين والضعفاء من أبناء شعبك الأبي.. نم قرير العين يا شهيدنا الوفي فاليد التي طالتك وطالت شعبنا الأبي ورمت جسدك الشريف بالطائرات في قادر كرم قد بترت واصبح صاحبها ومن معه في مزابل التاريخ تلاحقهم اللعنة أينما حلو كما هو حال كل الطواغيت وعلى مر العصور والأزمان وبقيت أنت ورفاق دربك مشاعل نور وضاءة تنير للأجيال دروب الحرية والكرامة سوف يخلدك التاريخ ويكتب اسمك بأحرف من نور.. ويا سيدي الشهيد ان الكلمات تقف عاجزة أمام مواقفك الصلبة ومبدئيتك العظيمة هذه مشاعري اكتبها بصدق وأمانة كوني سافرت معك عام 1977 إلى الدول الاشتراكية وعايشتك وشاركتك نفس الظروف العصيبة التي مرت عليك وعلينا وعلى شعبنا الصابر المجاهد تحية لك أيها المتألق في سماء الحرية والعقيدة وسلاماً عليك إنساناً تحمل كل معاني الإنسانية الخالدة وسلاماً عليك راحلاً.

 

 

الشهيد الخالد عبد الخالق محجوب

 

 

كيف أصبحت شيوعياً؟

 

إن هذه الحوادث لها خطورتها وهي في رأيي تمسني شخصياً لأنني أنتهج السبيل الماركسي في ثقافتي وتصرفاتي وأومن بالنظرية العلمية الشيوعية، وكل معارفي وأصدقائي يعرفون منذ زمن بعيد هذه الاتجاهات والثقافة التي احملها، وأنني أتحمل مسؤولية إزاء هؤلاء الأصدقاء والمعارف وبينهم من يحمل اتجاهات معادية لأفكاري وبينهم من حضي بثقافة إسلامية أو مسيحية، وبينهم الشخص العادي الذي يضطرب في الحياة دون فلسفة أو ثقافة.

إن انزعاج هؤلاء الأخوان يضع على عاتقي مسؤولية أدبية في توضيح رأيي وفق الثقافة التي اعتنقها ثم أن المدرسة الثقافية الشيوعية من المدارس الفكرية التي تعيش في بلادنا منذ فترة طويلة...... إن اهتمامي الكبير بمصير هذه الثقافة التي اعتز بها وأكن لها كل احترام ..... يلقي عليّ أيضاً مسؤولية في توضيح موقفها إزاء الحوادث الأخيرة.



عبد الخالق محجوب

لكي أوضح الموقف وغوامضه استميح القارئ عذراً إذا بسطت له جزءاً من تجربتي المتواضعة: كيف أصبحت شيوعياً؟

تجاربي

في نهاية الخرب العالمية، عندما دبّ الوعي الوطني في أرجاء بلادنا انتظمتُ كغيري من الطلبة المتحمسين في غمار هذه الحركة يحدوني أمل هو المساهمة في تخليص بلادي من النير الاستعماري، تحدوني حالة الفقر والبؤس التي كان وما زال يحس بها جميع المواطنين المتطلعين إلى مستقبل مشرق مليء بالعزة والكرامة، وقد علقت الآمال حينذاك على زعماء حزب الأشقاء في تحقيق تلك الأهداف التي أمنت بها. وهكذا وبهذه الآمال العريضة ودعت وفد السودان في مارس (آذار) من عام 1946 .

ولكن هذه الآمال العراض والأماني الحلوة ابتدأت تتضاءل أمام ناظري في القاهرة، وبعيدا عن أعين السودانيين دب التراخي في بعض هؤلاء الزعماء واستسلموا للراحة الشخصية. وفي غمار هذه الحياة الجديدة تناسى هؤلاء الزعماء ما قالوه بأن " قضيتنا لا يحلها اى من الذين ودعونا في الخرطوم واستقبلونا في القاهرة"..... تساءلت ضمن عدد من الشباب الحر، لماذا يتنكر الرجال لما قالوه بالأمس؟ ما هو السر في هذه التحولات التي طرأت على الزعماء ولا يدري الشعب كنهها.

نظرية سياسية

وبمجهودي المتواضع وحسب حدودي الفكرية اتضح لي أن هؤلاء الزعماء لا يحملون بين ضلوعهم نظرية سياسية لمحاربة الاستعمار وإنهم ما أن دخلوا غمار مجتمع متقدم معقد كمصر حتى صرعتهم النظريات المتضاربة فأصبحوا يتقلبون كما تشاء مصالحهم، عرفتُ أن الاستعمار له نظريته السياسية التي يحارب بها الشعوب الضعيفة وان هذه النظرية نشأت على تطور الرأسمالية الأوربية خلال القرن الخامس عشر. وإذا كان لشعبنا المغلوب على أمره أن يتحرر فلابد أن يسير على هدى نظرية توحد صفوفه وتصرع الاستعمار - على هدى نظرية تسلط أضوائها على كل زعيم أو متزعم ولا تترك له الفرصة لجني ثمار جهاد الشعب لنفسه - على هدى نظرية سياسية تخلص الشعب من الجهل والكسل الذهني الذي يتركه كقطع الشطرنج تحركه أيادي الزعماء أينما شاءت.

لقد هداني هذا الجهد المتواضع إلى النظرية الماركسية - تلك النظرية السياسية التي نشأت خلال تطور العلم والتي تقوم على أساس اعتبار السياسة والنضال من اجل الأهداف السياسية علما يخضع للتحليل. ولأول مرة عرفتُ أن الاستعمار ليس شيئا أبديا وإنما هو تطور اقتصادي للرأسمالية الأوربية وانه كبقية الأنظمة خاضع للتطور أي انه سينتهي ويحل محله نظام جديد. وهكذا عرفت أن جميع الزعامات السياسية التي لم تهتد إلى هذا التحليل العلمي للاستعمار واكتفت بإثارة العواطف ضد "الأجانب" لم تصل إلى أهدافها ولم يجن الشعب المؤيد لها ما كان يصبو إليه، أسماء كثيرة تحضرني - سعد زغلول وغاندي ومصطفى كمال أتاتورك وغيرهم. واقتنعتُ بأن زعمائنا يسيرون في نفس الطريق وإننا لن نجني من ورائهم أكثر مما جنت الشعوب الأخرى التي سارت وراء تلك الأسماء.

تناسق الماركسية

وكشخص وضعته ظروف الحياة لا كزارع أو صاحب أملاك - بل كمتعلم نال من بعض التعليم المدرسي، كان لابد لي كغيري أن أقوم بجهد لأنال شيئا من الثقافة ينفعني في تطوير فكري وتوسيعه. ولم أكن أهدف إلى أي ثقافة ولكن الثقافة التي تعطي تفكيرا غير مضطرب أو متناقض للظواهر الطبيعية والاجتماعية... إن النظرية الماركسية تمتاز بالتناسق ولأول مرة تضع قيماً عالية للأدب والتاريخ والفن والفلسفة مما كنا نعتقد أيام الدراسة إنها بطبيعتها لا يمكن أن تكون لها قيم أو تستعملها قواعد وإلا فقدت طبيعتها. إني كفرد يحاول تثقيف نفسه وجدت في النظرية الماركسية خير ثقافة وأنقى فكرة.

إن تجربتي البسيطة توضح أنني لم اتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثا في الأديان، ولكن لأنني كنت وما زلت أتمنى لبلادي التحرر من النفوذ الأجنبي - أتمنى وأسعى لاستقلال بلادي وإنهاء الظروف التي فرضت علينا منذ عام 1898، أتمنى واسعي لإسعاد مواطني حتى تصبح الحياة في السودان جديرة بأن تحيا - ولأنني أسعى لثقافة نقية غير مضطربة تمتع العقل وتقدم البشرية إلى الأمام في مدارج الحضارة والمدنية.

الشيوعية والإسلام

هل صحيح إن الفكرة السياسية الشيوعية في السودان تدعو لإسقاط الدين الإسلامي؟ كلا أن هذا مجرد كذب سخيف. إن فكرتي التي أؤمن بها تدعو إلى توحيد صفوف السودانيين... ضد عدو واحد هو الاستعمار الأجنبي وبهدف واحد هو استقلال السودان وقيام حكم يسعد الشعب ويحقق أمانيه، وان القوى التي تقف حائلا دون إسعاد وحرية السوداني المسلم أو المسيحي... لا يمكن أن تكون الإسلام لأننا لم نسمع أو نقرأ في التاريخ إن الجيش الذي غزا بلادنا عام 1898 هو القرآن أو السنة ولم نسمع أو نقرأ في بوم من الأيام إن المؤسسات الاحتكارية البريطانية التي تفقر شعبنا جاءت على أساس الدين الإسلامي أو المسيحي. إن الفكر الشيوعي ليس أمامه من عدو حقيقي في البلاد سوى الاستعمار الأجنبي ومن يلفون حوله، فأين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟

إن الفكرة الشيوعية تدعو في نهايتها إلى الاشتراكية حيث يمحي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. أين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟

إن الفكرة الشيوعية تدعو إلى إخضاع العلم والمعرفة لحاجيات البشرية من بحوث علمية وطبية وأدبية وتشذيب الإنسان من الخوف والحاجة بإنهاء الظروف الاقتصادية والفكرية التي تنشر الخوف من المستقبل وتدفع الإنسان تحت ضغط الحاجة إلى درك لا يليق بالبشر من سرقة ودعارة واحتيال وكذب. أين هذا الهدف من محاربة الدين الإسلامي؟

بقي أن أقول للدوائر التي أصدرت هذا المنشور: إن الرجل الشريف يصارع الفكرة السياسية بالفكرة السياسية ويعارض فكرة معينة بالحجة والمنطق. إن محاولة تزييف أفكار أعدائكم - أو من تتوهمون إنهم أعداؤكم - بهذه الطريقة الصغيرة لا تليق، فوق أنها عيب فاضح. أما أساليب الدس فهي من شيم الصغار جداً حتى ولو كبرت أجسامهم وتوهموا في أنفسهم علو المقام.
 

 
 
أنا لا أحتاج لشاهد عند قبرى

 

2005 / 10 / 28

أنا لا أحتاج لشاهد قبر
ولكن ان شئتم أن تضعوا حجرا قربى
اذن دعونى أملى
أن ينقش عليه :
" قدم هذا الرجل مقترحات لنا فقبلناها "
مثل هذا النقش
يشرفنا نحن الاثنين
منقولة بتصرف من ترجمة الدكتور محمد سليمان محمد
( برشت شاعر الجدل)

ما أشبه الليلة بالبارحة !

نقتطف جزءا مما كتبه عبد الخالق محجوب تعلقا على حصاد حكم أول ائتلاف بعد فترة الانتقال التى أعقبت ثورة اكتوبر . وكان قد نشر فى كتيب بعنوان (حكم الائتلاف الرجعى) أبان المعركة الانتخابية التكميلية فى دائرة أمدرمان الجنوبية فى اكتوبر 1965 . وبالغم من مضى ثلاثة وعشرون عاما (فى 1988) على تلك الكلمات الا أن القارىء لا شك يدرك التشابه بين الحالة فى تلك الأيام وما هى عليه اليوم .



" لقد قيل لجماهير الشعب فى المدن وخاصة جماهير الةدوطنى الاتحادى أن الائتلاف قام للحفاظ على المصلحة الوطنية العليا. والمصالح الوطنية فى عالم اليوم لم تعد سرا مغلقا يعرفه بعض القادة ويختزنونه فى صدورهم بل أصبحت أمرا مشاعا لعامة الناس. يعرفه أفراده وهم الذين يتحملون مسئولية الحفاظ عليه . فماذا حقق الائتلاف من هذه المصالح؟



على رأس المصالح الوطنية بناء وطنا السودانى من الناحية الاقتصادية ، وجعله مستقلا حقا ، يجد فيه المواطنون فرص العيش المحترم والتعليم والصحة. لقد خبرنا عشر سنوات من الضياع والجشع فأثرى البعض على حساب الشعب وبقى الشعب فى حالة من الفقر والتأخر لآتليق بقطر يدعى الاستقلال. وأصبح الأمر أكثر سوءا اذ أن بلادنا أصبحت تعتمد على رأس المال الأجنبى ، ففقدت قدرتها على الحركة ، وتدهورت حالة المواطنين وأصبح الاستقلال كلمة لا معنى لها .



ولكن الحكومة الائتلافية الراهنة بالرغم من وعودها فى الميثاق ، كما ذكرنا ، سارت فى نفس الطريق : طريق الاعتماد على الديون الأجنبية التى بلغ مجموعها 109 مليون و 900 ألف جنيه .



هذا الرغم المذهل من الديون يرتبط به بلد لايزيد حجم تعاملها التجارى الآن عن 160 مليون من الجنيهات ، ولن يزيد فى أحسن الفروض حتى عام 1970 عن جملة 200 مليون جنيه . هذا وضع خطير بالنسبة لاقتصاد البلاد فعلى الغم من أن الخل القومى سيرتفع بمعدل 2-5 بالمائة كل عام ، حسب تقديرات الحكومة ، الا أن جزءامحترما منه سيخرج فى شكل أرباح وفوائد . فما الفائدة اذن من وراء هذا لتورط والتخبط الذى تقع فبه الحكوة الائتلافيه ؟ ولا يسع المرء الا أن يتساءل : أى نظام اشتراكى هذا – كما ادعو فى ميثاق الائتلاف – الذى يرهن نفسه لرأس المال الغربى ؟



وليس غريبا على هذه السياسة اذن أن تتحمل جيوش العطالة فى بلادنا ، وأن تتجاهل مشاكل غلاء المعيشة والارتفاع الجنونى فى أسعار سلع الاستهلاك . فقد بلغت أرغام تكاليف المعيشة فى شهر يوليو المنصرم 170 نقطة لذوى الدخول المنخفضة أى أن السلعة التى كان سعرها جنيها واحدا فى عام 1951 أصبحت الآن جنيها وسبعين قرشا . وعلى الرغم من هذا تنتشر العطالة ولا تنظر الحكومة فى تخفيض الأسعار .



وعدت الحكومة فى ميثاقها بأن توفر الديمقراطية للشعب ، باعتبارها أداة الحكم الصالح . ويكفى أن نشير الى أن الحكومة منذ تشكيلها حتى اليوم تفرض قوانين حظر المواكب والتجمعات على بلادنا ، وهى تحرم بذلك الشعب من حقوقه الديمقراظية المقدسة . ان جزاء كل مواطن يقدم على تسيير موكب للتعبير عن رأيه هو الضرب بالقنابل وبالعصى الغليظة ، كما حدث لموكب العاطلين (عن العمل ) .



وتذهب الحكومة أبعد من ذلك فتشكل لجنة وزارية للتطهير فى أجهزة الدولة لسلطات غامضة لا هدف من ورائها الا فرض أفكار بعينها على الموظفين ، ومصادرة حرية هذه الفئة الهامة من أبناء الشعب . لقد ملأ الحزبان الدنيا ضجيجا وثورة مفتعلة على حكومة اكتوبر لأنها أجرت التطهير ضد المفسدين أبان الحكم العسكرى بدون اللجوء للمحاكم . ولكنها اليوم تحاول أن تفرض سيطرتها وأن تنتقم من جميع المواطنين الذين يخالفونها الرأى . فأى ديمقراطية هذه؟



ان النظام الراهن يعرض الديمقراطية فى بلادنا لمحنة خطيرة . فهو يحتضن الجمعيات التى لاتؤمن بالنظام الديمقراطى ، والتى تثبت أن فلسفتها تقوم على الارهاب . فجمعيات الشباب الوطنى زمنظمات الاخوان المسلمين تجد الرعاية من قبل الدولة . وتجد التشجيع الذى لاحدود له ، بل تسخر أجهزة الدولة فى خدمتهم – فأى نظام ديمقراطى هذا ."



(الميدان : الأحد 13 نوفمبر 1988 )

 

 

 


عبد الخالق محجوب: اسم وضئ فى سماء الوطن :





بقلم: الدكتور محمد محجوب عثمان



هذه وريقات قصدت أن أبحر فيها قدر المستطاع بعيدا عن بحور السياسة، رغم غرابة ‏هذا فى سيرة رجل كرس حياته فى هذا الميدان . الا أن عذرى أن المهمةأضخم من ‏قدراتى ، ولهذا آثرت أن تجىء كلماتى عفو الخاطر وأكثر تلقائية علها تضىءبعض ‏جوانب شخصية عبد الخالق محجوب .‏



فى مدارج طفولته ، عاش عبدالخالق عالمه الصغير كواحد من أقرانه سواء بسواء فى ‏لعبهم ولهوهم وحيويتهم الدافقة . وصادف أن قامت عبر هذا روابط مع بعضهم امتدت ‏حقب من الزمن. فى حى العرب ، فى تلكالفترة ، حيث استقر المقام بجدته آمنة بت ‏على ، كان عبد الخالق يتوجه مع شقيقهالأكبر عثمان لقضاء نهاية الاسبوع معها .‏



وكان بين جيران جدته فىحى العرب ، العم صافى الدين ، والعم عبدالعزيز ، والد ‏الشاعر سيد عبدالعزيز . لعبعبدالخالق كرة "الشراب" مع الجنيد صافى الدين ، الذى ‏أصبح فيما بعد لاعبا مشهورافى فريق المريخ فى الخمسينات (القرن الماضى) . وظلت ‏علاقتهما متينة لأمد من الزمن . وربما يكون ذلك سببا فى أن عبدالخالق كان مريخى ‏الميول ، رغم أنه لم يكن يرتاددور الرياضة . ومن الطريف أن والده ، محجوب عثمان ‏، كان من الأعضاء المؤسسين لنادىالهلال . ولم يبتعد عن النادى الا فى منتصف ‏الخمسينات . ‏



فىمنتصف الستينات ، أيام الحكم العسكرى للفريق عبود ، تم اعتقال زعماء المعارضة‏السودانية وابعادهم الى الى جوبا ، حيث وضعوا رهن الاعتقال فى احدى ثكنات ‏الجيش. وقد قرأت فى جريدة الزمان فى سنى مابعد انتفاضة مارس/أبريل مع العم ‏عبدالرحمنشاخور ، قطب المريخ المعروف . ذكر فيه أن الراديو الوحيد داخل المعتقل ‏كان بحوزةالسيد اسماعيل الأزهرى . وقد أسر عبدالخالق للعم شاخور ذات مرة بأن ‏هنالك مبارةستقام مساء نفس اليوم بين فريقى الهلال والمريخ . وقد تمكن شاخور ‏بطريقة ما منالاستحواز على جهاز الراديو من الزعيم الأزهرى لمتابعة المباراة ‏بصحبة عبدالخالق . واكتملت سعادتهم بفوز المريخ . وعلق شاخور بأن عبد الخالق لو ‏لم تشغله السياسةلكان مريخيا "على السكين" .‏



فى حلى السيد المكى، حيث تسكن الأسرة، كانت طبول الطائفة الاسماعيلية تملىء ‏الآفاق أمسية كل خميس , ةتزدحم حلقات الذكر، وتقام فى حلقتهم كل عام ، حولية ‏العارف بالله ، الشيخ اسماعيل الولى . وقداستأثرت تلك المناسبات بقلوب المريدين . ‏وكان أطفال الحى ومن بينهم عبدالخالق أسعدالناس بهذه الأمسيات الروحية العامرة . ‏كذلك كانت احتفالات المولدالنبوى ، التىتمتد لاحد عشر يوما ، بجامع الخليفة عبدالله . ‏ولنا أن نتساءل عن مدى التأثير التىخلفته النشأة الباكرة فى مثل تلك الأجواء الروحية ‏والاجتماعية على شخصية عبدالخالقفى مستقبل أيامه حيث انبرى لفهم مشكلات الوطن ‏المستعصية وتقديم بعض الحلول لها . ‏



فى احدى المناسبات سألنى صديق لنا ، ان كانت تسمية عبد الخالق قدتمت تيمنا ‏بعبدالخالق ثروت ، رئيس وزراء مصر عام 1922 ، بعد نفى سعد زغلول وبعض‏أعضاء حزب الوفد فى عام 1919 . وكان عبدالخالق ثروت من كبار الباشوات فى ‏مصر وضمنأكثر اقطاعييها ثراءا وعسفا بفلاحيها . ولكن فى حقيقة الأمر ، أن والدنا ‏قد سماهتمجيدا لأحد المآمير المصريين العاملين فى السودان فى تلك الفترة . وكان ‏شجاعا،شهما ، ووطنيا غيورا . وفى عهده خرجت أول مظاهرة سودانية ضد ‏الاستعمار الانجليزىفى مدينة أمدرمان . وقد أبدى المأمور عبدالخالق حسن حسين ‏تعاطفا وتأييدا للحركةالوطنية السودانية الناهضة . وكان لموقفه دلالة على عمق مشاعر ‏الصلة والتضامن بيننضال شعبى مصر والسودان . وبنفس القدر الذى قصد به والدنا ‏تمجيد المأمور المصرى ،كان عبد الخالق محجوب شديد الوفاء للمناضل عرفات محمد ‏عبد الله حيث أسس بعد ثورةاكتوبر مجلة اسبوعية أطلق عليها اسم "الفجر الجديد" ‏تخليدا للمبادرة الوطنيةالكبرى التى استهلها عرفات بتأسيس مجلة "الفجر" ، التى ‏تحولت الى منبر للحركةالفكرية والسياسية فى منتصف الثلاثينات . وكان الموات ‏الثقافى ةالسياسى قد خيم علىالبلاد منذ هزيمة حركة 1924 . ‏



وعلى ذكر عرفات محمد عبدالله ، فقدكان كثير التردد على بيتنا طلبا للاختفاء من ‏ملاحقة قلم الاستخبارات ، أى جهازالأمن فى عهد الاستعمار . غير أنى غير متأكد من ‏ان شيئا من ذلك قد علق بذهنعبدالخالق وهو لم يزل فى ميعة الصبى . ‏



ولد عبد الخالق فى يوم 23سبتمبر 1927 . وبدأ مسيرته التعليمية بخلوة الشيخ اسماعيل ‏بجوار منزلنا فى حىالمكى . حفظ القرآن وتعلم مبادىء اللغة والنحو الواضح . ومن ثم ‏انتقل الى مدرسةالهداية الأولية وقد أسسها المربى الجليل الشيخ الطاهر الشبلى (والد ‏نقيب المحامينالأسبق أمين الشبلى) . ومنها انتقل الى مدرسة أمدرمان الوسطى، ‏المعروفة بالمدرسةالأميرية .‏



حدثنى شقيقى ، على محجوب الذى سار فى خطى عبدالخالق فىالمراحل التعليمية وهو ‏أصغر منه سنا ببضعة أعوام أن عبدالخالق منذ نعومة أظفاره ،حباه الله بذكاء ملحوظ ، ‏وهكذا ظل متفوقا فى كل مراحل دراسته . وفى المرحلةالثانوية شهد له أساتذته بنبوغ ‏مبكر . وفى تلك المرحلة أيضا كان له أستاذ أسمهمستر كرايتون ، متخصص فى اللغة ‏والأدب الانجليزي . وقد كرر مرارا أمام طلابه أنعبد الخالق من الكفاءة وامتلاك ‏ناصية اللغة والأدب الأنجليزى التى تمكنه منتدريسها . فقد انهمك عبدالخالق فى ‏دراسة روائع الأدب والشعر الانجليزى التى تضمنتروايات شكسبير وأشعار شيلى ‏وأليوت وكيتس وغيرهم من العمالقة . ومثل هذه الشهادةوالتقدير جاءت على لسان ‏آخرين منهم أستاذ التاريخ هولت المعروف لمعظم السودانيين . وعلى ذكرتفوقه ‏الأكاديمى وسعة اطلاعه ، لا بأس من الاشارة الى أن عبد الخالق قدبعد اكمال المرحلة ‏الثانوية ، جلس لامتحان شهادة كمبردج فى سنة 1945 وأحرز درجةالامتياز فى كل ‏المواد التى أداها وهى اللغة العربية والرياضيات واللغة الانجليزيةوالكيمياء والفيزياء ‏والأحياء والجغرافيا والتاريخ .‏



كذلك حدثنىشقيقى على محجوب أن موضوع الانشاء الانجليزية كان ‏



‏ وقد تناولعبدالخالق الموضوع متنقلا من طفولته وصباه ‏ The Changing Sky ‏ ‏



ومطلع شبابه والتغيرات التى طرأت على حياته وأفكاره ومايترجاه فىمستقبل أيامه . ‏هذه الواقعة على بساطتها قصدت ايرادها لالقاء الضوء على شخصيةعبدالخالق ‏وملكاتها العالية في تلك المرحلة المبكرة واطلاقه العنان لخواطره التىلاتحدها آفاق .‏



وفى هذا السياق أستصحب ماكتبه الدكتور محمد سعيدالقدال فى كتيبه "ذكريات معتقل ‏فى سجون السودان" حيث يقول : سألت عبد الخالق محجوبعن الطريقة التى اتبعها ‏فى تحمل وطأة الحبس الانفرادى التى تعرض لها ، حيث يتم عزلالمعتقل عزلا تاما ‏عن كل مظاهر الحياة ، فلا مذياع ولا كتاب ولا أدوات للكتابة . فقال بأنه كان يستلقى ‏على ظهره ويأخذ فى كتابة مقال أو قصة فى ذهنه ويعود المرةتلو المرة لمراجعة ‏فقراتها وتجويدها. ومن ثم ينتقل الى مهمة مماثلة كرياضة لصونالذهن والبدن من ‏أهوال الحبس الانفرادى . ولشدة انغماسه فى ينابيع الأدب الأنجليزىأكاد أجزم بأن ‏عبدالخالق لو لم يكرس حياته لخدمة الاشتراكية وبناء الحزب الشيوعىفى السودان ‏لأصبح أديبا يتعدى أسهامه حدود السودان . فقد تلازمت ملكته فى اللغةوالأدب ‏الانجليزى مع عناية فائقة باللغة العربية ودراسة الشعر العربى . ‏



كان والدنا ، كما هو حال كل الأباء ، يتطلع الى أن يلتحق عبدالخالق بالخدمة العامة فى ‏جهاز الدولة ، وهو آنذاك أقصى مايطمح اليه المرء حيثالأمتيازات والسطوة التى تأتى ‏فى طيات مناصب الخدمة المدنية . غير أن صديق والدناالشاعر المعروف أحمد محمد ‏صالح ، الذى عمل آنذاك كمدير بوزارة المعارف ، كأولسودانى يحتل ذلك المنصب ‏الرفيع فى ظل الادارة اليريطانية. وقد أختير فيما يعد عضوابأول مجلس للسيادة . كان ‏للعم أحمد محمد صالح الفضل فى اقناع والدى بايفادعبدالخالق لمواصلة دراسته فى ‏المملكة المتحدة نظرا لما أظهره عبدالخالق من تفوقعلمى . وقبل ذلك كان عبدالخالق ‏قد التحق بكلية الخرطوم الجامعية وغادرها لضعفالامكانات المتاحة لها آنذاك . ومن ‏ثم سافر للقاهرة والتحق بجامعة فؤاد الأول ،التى تحول اسمها لاحقا الى جامعة القاهرة ‏‏. مكث عبدالخالق لمدة ثلاثة أعوام قبلأن يضطره المرض من العودة مبكرا الى ‏السودان . وخلال سنى دراسته فى القاهرة قامبترجمة كتاب "الأدب فى عصر العلم" ‏للكاتب الانجليزى هيمان ليفى . وسنعود فى سياقلاحق لتناول فترة دراسته واقامته فى ‏الخرطوم نسبة لتأثيرها العظيم فى مسار حياتهالسياسية . عاد عبدالخالق الى السودان ‏وقد توثقت صلته السياسية والفكرية مع أبرقادة الحركة الشيوعية المصرية . وأهم من ‏ذلك تعززت صلته مع نفر من الطلابالسودانيين الذين وفدوا القاهرة للدراسة . ومن ‏بين هذه الكوكبة تكونت النواةالأساسية للحركة السودانية للتحرر ، المعروفة اختصارا ‏باسم "حستو" . وقد تحولاسمها فيما بعد الى "الحزب الشيوعى السودانى" . ويجدر هنا ‏أن نذكر بأن عبدالخالقبعد أن قفل راجعا من القاهرة ، حل ضيفا على عمال السكك ‏الحديدية فى عطبرة . وكانلتواجده بينهم أثر عظيم على مستقبل الحركة الوطنية فى ‏السودان ، حيث تمكن من جذبطلائع العمال ومن بينهم قاسم أمين والشفيع والحاج ‏عبدالرحمن والجزولى سعيدوابراهيم زكريا وغيرهم ممن تولووا قيادة الحركة العمالية ‏والسياسية لحقب قادمة . ‏



وأعود ثانية لصلتى بشقيقى عبدالخالق ، فالحق يقال بأننى لم أتلقتوجيها عقائديا لحملى ‏على تتبع خطاه . وقد حددت مسارى وانتمائى للحزب الشيوعىلاحقا طواعية ‏واختيارا . وكان حفيا ، ودودا ، شديد العناية باحترام حقى فى التطوركانسان مستقل . ‏وامتدادا للحديث عن بعض جوانب صلتى بعبد الخالق ، أذكر بأنه عندعودته من مصر ‏فى عام 1947 قام عبدالخالق بالحاقى بمدرسة حى العرب الابتدائية التىضمت آنذاك ‏أساتذة أفذاذ أذكر من بينهم آدم أبوسنينة ، الذى عمل فى أول جمعيةللسلام فى السودان . ‏وخرج مطاردا الى باريس نتيجة لنشاطه الواسع الذى أقض مضجعالمخابرات ‏البريطانية . ومن بين أولئك الأساتذة أيضا أحمد محمد خير الذى عمل لفترةمن الزمن ‏كمندوب للحزب فى مقر مجلس السلم العالمى فى فيينا .‏



فىتلك الأيام ، أذكر تماما بأننى كنت كثيرا عند بزوغ الشمس أحمل أوراقا من ‏عبدالخالقالى المناضل الراحل جعفر أبوجبل فى منزلهم بحى بيت المال . وكنت شديد ‏الاعتزازوالزهو بأداء تلك المهمة المحفوفة بالمخاطر ، وأنا أعلم بأن تلك الأوراق ‏على قدركبير من الأهمية . وبعد انجاز كل مهمة كنت أشعر بأننى قد أحرزت نصرا ‏على جهازالمخابرات الانجليزية . ‏



غير أن الأثر الباقى على مر الأيام ، هىالرابطة الثقافية التى نشأت بينى وأخى عبد ‏الخالق . وقد كانت أخصب مراحل تلك الصلةعندما كنا سجينين ، (كنت أقضى ‏فترة السجن مدى الحياة لاشتراكى فى انقلاب الشهيدالبكباشى على حامد فى عام ‏‏1959 وكان عبدالخالق آنذاك معتقلا بالسجن المركزى وهوواحد من عدة ‏اعتقالات قضاها متنقلا بين سجون السودان من كوبر الى زالنجى وجوبا ) . ‏كانت رسائل عبد الخالق لى ، والكتب التى يوصى أهلى بارسالها لى من مكتبته ‏الخاصة، حبل وثيق للتواصل لم ينقطع . وطوال فترة سجنى التى امتدت الى ‏خمس سنوات قبلاندلاع ثورة اكتوبر واطلاق سراحنا ، بعث الى ببعض من ‏أمهات الكتب أذكر منها البيانوالتبيين ، والحيوان ، والبخلاء للجاحظ ، شرح ‏ابن عقيل (النحو وقواعد اللغةالعربية) ، مقدمة ابن خلدون ، مجموعة قصص ‏تشيكوف ومكسيم جوركى ، ايليا اهدنبرجودوريث لسينج ، سومرت موم ‏ومجموعة كتاب أمريكيين منهم وولت ويتمان (شاعر أمريكى) وكذلك كتاب ‏فرانس فانون "المعذبون فى الأرض".‏



ومن الناحيةالاجتماعية كانت لعبد الخالق وشائج اجتماعية وثيقة مع اناس من مختلف ‏الطوائفوالأحزاب والطبقات . وأذكر من بين أعز أصدقائه المرحوم أحمد داؤود ، ‏وكانت لهصيدلية قرب نادى الخريجيين . وقد تأثر أيما تأثر لاغتيال عبدالخالق . ‏وكذلك من بينأصدقائه عبدالله محمد فرح ، الذى مازال يحتفظ بأطيب المشاعر نحو ‏عبدالخالق . وكذلكأصدقاؤه عبد الله عبدالوهاب ، من أبناء دفعته فى المرحلة الثانوية ، ‏والمهندس أحمدعمر خلف الله الذى يعمل فى الأمارات والدكتور أحمد حسن آدم (شقيق ‏النقابى المناضلالسر حسن آدم من عطبرة) وفى هذا الصدد نشير الى الصداقة الحميمة ‏بين عبدالخالقوالأستاذ عبدالكريم ميرغنى ومحمود بابكر بدرى والأستاذ محمد داؤود ‏الذى لازمعبدالخالق خلال سنى الدراسة والنضال فى مصر وتولى فيما بعد مناصب ‏رفيعة فى مصلحةالتعاون . كذلك أذكر الدكتور عبدالغفار عبدالرحيم وهو صديق عبد ‏الخالق فى الحىوالدراسة . ومن بين أصدقائهالأقربين وجيرانه أيضا مولانا ميرغنى ‏مبروك الذىأصبح رئيسا للقضاء أبان فترة الانتفاضة . ومن أبناء دفعته وأصدقائه ‏العديدين أذكرفاروق ميرغنى شكاك وأحمد اسماعيل النضيف والمرحوم د. ابراهيم ‏الشبلى والقائمةطويلة لايتسع الحيز لحصرها. ‏



ومما يذكره شقيقى على محجوب أنالأستاذ أبراهيم نور وكان من أصدقاء عبدالخالق ‏الأثيرين حكى فى جلسة بمنزل الأستاذعبدالكريم ميرغنى – طيب الله ثراه – ذكر ‏الأستاذ نور أنه فى احدى زياراته لانجلترا، التقى بمستر كرايتون وهو من أساتذة ‏عبدالخالق الذين أوردنا ذكرهم آنفا ، سأل عنعبدالخالق – بعد يوليو 1971 – وقد هزه ‏هول ماذكر بأن السفاح نميرى قد دفعبعبدالخالق الى حبل المشنقة – وعلق على ذلك ‏‏"ألم يكن من الأجدر الأبقاء على حياةرجل فى قامة عبدالخالق وعلمه و فكره الثاقب ‏لدفع عجلة التطور فى بلدكم " .ومثل هذهكثير ما سمعناها من أساتذته السابقين وكل ‏الذين تعرفوا عليه من كثب . ويجمعون جلهؤلاء بأن عبدالخاق لم يكن فقدا لأسرته ‏وعائلته بل كان فقدا عظيما للوطن . ونذكرمن بين هؤلاء صديق والدنا الأستاذ الراحل ‏أحمد محمد صالح ، والأستاذ بشير عبادى ،والأستاذ خالد موسى ، والأستاذ أمين زيدان ‏أستاذ الرياضيات المعروف ، وكذلكالأستاذ الطيب شبيكة الذى درس عبدالخالق فى ‏المرحلة الوسطى وكذلك معلم الأجيالالأستاذ الصائم محمد ابراهيم .‏



ويواصل شقيقنا على أنه فى أبريل 1970 قام بزيارة عبدالخالق حيث كان مبعدا فى ‏القاهرة ، وقضى معه نحو عشرين يوماويذكر بأن من بين الذين قاموا بزيارة عبدالخالق ‏فى منفاه ، الأستاذ أمين الشبلىالمحامى . وكان يتردد عليه الكاتب المصرى المعروف ‏عبدالرحمن الشرقاوى كما لازمهطوال فترة منفاه الأستاذ الصحفى والكاتب المعروف ‏أحمد حمروش . كذلك لم ينقطع عنزيارت العديد من رفقاء نضاله فى مصر أمثال ‏زكى مراد والأستاذ محمود أمين العالم . ويجدر هنا الى أن صلة سياسية وشخصية متينة ‏قد ألفت بين عبدالخالق والرئيس الراحلجمال عبدالناصر . وقد توثقت هذه الصلة ‏بواسطة المناضل المصرى ، أحمد فؤاد وكانعضوا فى منظمة "حدتو" الشيوعية وكان ‏قاضيا ، وهو الذى أسس لعبد الناصر صلة بحدتوقبل قيام ثورة يوليو وتولى تنسيق ‏المساعدة لحركة الضباط الأحرار بطبع بياناتهمالسرية وتوزيعها ، وكان اسم ‏عبدالناصر الحركى هو "موريس" ، وقد درج على على الحضوربسياره ليتسلم ‏المطبوعات السرية وتوصيلها الى خلايا تنظيم الضباط الأحرار . ‏



كان الرئيس عبدالناصر يسارع الى دعوة عبدالخالق فى كل مرة يحل فيهاعلى القاهرة ‏، ويتبادل الرجلان الآراء فى شئون السياسة وخاصة العلاقات المصرية - السوفيتية ‏التى توطدت آنذاك ، خاصة الجوانب المتعلقة بالعمران الاقتصادى والعسكرىلمصر.‏



لقد كانت تجربة العمل الحزبى الشيوعى شديدة الوطأة علىطلائع الشباب الذين ‏انخرطوا فيه بتضحيات عالية . فالفكرة فى حد ذاتها كانت جديدةوعصية بمعنى ما فى ‏مجتمع تقليدى تتحكمه النزعات الدينية وقوة العادات التليدة ،وكل ماينجم عن التخلف ‏والجهل المتفشى فى المجتمع طولا وعرضا ، مما سهل من مهمةالادارة البريطانية فى ‏رسم صورة شيطانية وكالحة عن الفكر الشيوعى ، لاستثارةالمشاعر الدينية المتأصلة ‏ووصم الشيوعية بأنها تسعى الى الغاء الدين ونشر التحللالخلقى ونسف القيم الفاضلة . ‏



سئل الفريق ابراهيم عبود مرة عن سرمعاداته للشيوعية . فكان رده لأن هؤلاء يعملون ‏فى الظلام ، وهذه عينة منالانطباعات التى تصم الشيوعين أنهم أشباح تتحرك فى ‏الظلام . وبالرغم من أن مثل هذهالأفكار تبدو على قدر من السذاجة والابتزال الا أنها ‏كانت من بين الصعوبات التىدفع الشيوعيون ولازالوا جهدا وتضحية عالية لدحضها ‏وكشف خوائها وسوء قصدها . وعبدالخالق ، على سبيل المثال كان متيقظا ومفرطا فى ‏احترام مشاعر عامة الناسومثابرا فى الكتابة والحديث عن تجربته وكثيرين ممن ‏تبنوا الأفكار الشيوعية . (أرجوأن يجد القارىء سبيلا الى قراءة مقالته الرصينة بعنوان ‏‏"كيف أصبحت شيوعيا" ومقالته عن الشيوعية والدين) وخلاصة ماذكره بأنهم اهتدوا ‏للفكر الشيوعى بعد عناءوكد فى البحث عن أكثر الأفكار مضاءا فى فهم طبيعة ‏الاستعمار وسبل مكافحته وفيمابعد أجدى النظريات العلمية لحل معضلات التنمية ‏والحكم . ‏



‏ لقدعاش عبدالخالق حياة حافلة بالعمل والتجرد وكان أخا كريما لنا ، رقيق الحواشى ،‏حفيا بنا وأسرته وأصدقائه العديدين . وكان مهموما بهموم الوطن ينام ويستيقظ عليه . ‏‏ أرجو أن يوفيه الوطن حقه بحسبانه واحدا من أبر أبنائه به . وفى استشهاده العظيمكتب ‏الشاعر محمد الفيتورى :‏



لا تحفروا لى قبرا



سأرقد فى كل شبر من الأرض



أرقد كالماء فى جسدالنيل



أرقد كالشمس فى حقول بلادى



فمثلى لا سكنقبرا ‏



‏الدكتور محمد محجوب عثمان ، شقيق الشهيد عبدالخالق محجوبالأصغر . عمل ‏ضابطا بالقوات المسلحة لفترة وجيزة قبل أن تتم محاكمته وهو فى رتبةملازم ثان ‏ضمن مجموعة الشهيد على حامد فى مارس 1959 . صدر الحكم بسجنه مدى الحياة‏قضى جزءا منها وأطلق سراحه فى 21 اكتوبر 1964 . اختير ضمن أعضاء مجلس ‏الثورة الذىأعلن الرائد هاشم العطا فى 19 يوليو 1971 . كان الدكتور محمد محجوب ‏فى مهمة خارجالسودان عند وقوع الانقلاب المضاد وعودة نميرى للسلطة

ولنا عوده

 

 

 

 
 

 

 
    ملف الذكرى الخمسون لاستشهاد فرج الله الحلو

 

الذكرى الخمسون لاستشهاد فرج في إجابات لرئيس الحزب

النور 5962
شرف الحزب وضميره ونموذج القائد الحقيقي خالد نعمة 5709
يا فـَرَج... أ ماتَ الموتُ أم ذعِرَ الذعرُ؟ حنا مينه 5742
فرج الله الحلو في مرآة بعثية النور 5654
مع فرج الله الحلو في ذكراه العطرة الخالدة مصطفى أمين 5608
مع الرفيق فرج الله الحلو في بيت (رأس النبع) صريح البني 5693
لنكن جميعنا أوفياء لمدرستك يوسف أبيض 5657
 
معذرةً أبا فياض لقد قصَّرنا بحقك وحق حزبنا كثيراً دانيال نعمة 5615
لمحات من حياة الشهيد الكبير فرج الله الحلو النور 5675
قراءة في كتابات الرفيق فرج الله الحلو باسم عبدو 5579
فرج الله والإبداع التنظيمي خليل بيطار 5654
الرفيق فرج الله قائداً للمعارك الانتخابية نادر حلاق 5597
فرج الله الحلو.. كبير شهداء شيوعيي سورية ولبنان النور 5709
مقتطفات من نتائج التحقيقات في دعوى فرج ضد قاتليه النور 5687
رسالة من سجن المزة النور 5753
أول خبر عن احتمال استشهاد فرج الله الحلو النور 5645
دعوى فرج الله النور 5603
عاشت ذكرى الشهيد الخالد فرج الله الحلو النور 5583
الصفحة الأولى من رسالة بشار الثالثة النور 5608
لقطات لجوانب من صورته.. فرج الله الحلو إنسانية القيادة وبساطة الفكر العميق محمد دكروب 5589
فرج الله وعائلتي وأنا واروجان سلاطيان 5607
فرجُ اللهِ الحلوُ يقهر قتلته! محمد أمين أبو جوهر 5570
أسعد خوري: صورة الرفيق فرج لا تغادر ذاكرتي حوار: باسم عبدو 5656
الشهيد بيار شادارفيان النور 5649
سعيد الدروبي فاتحة شهداء الإرهاب المباحثي في عهد الوحدة النور 5638
اغتيال البروفيسور فليون: جريمة جديدة رهيبة ترتكبها أجهزة المباحث النور 5705
حنا السليمان صارع الإقطاعيين وصرعه المباحثيون النور 5577
قَسَم أمام فرج الله الحلو شوقي بغدادي 5596
فـَرَجَ الله والغِستابو نجيب سرور 5589
سوف يحيا

 
 

 


 
 
 

الذكرى الخمسون لاستشهاد فرج في إجابات لرئيس الحزب النور 5962
شرف الحزب وضميره ونموذج القائد الحقيقي خالد نعمة 5709
يا فـَرَج... أ ماتَ الموتُ أم ذعِرَ الذعرُ؟ حنا مينه 5742
فرج الله الحلو في مرآة بعثية النور 5654
مع فرج الله الحلو في ذكراه العطرة الخالدة مصطفى أمين 5608
مع الرفيق فرج الله الحلو في بيت (رأس النبع) صريح البني 5693
لنكن جميعنا أوفياء لمدرستك يوسف أبيض 5657
 
معذرةً أبا فياض لقد قصَّرنا بحقك وحق حزبنا كثيراً دانيال نعمة 5615
لمحات من حياة الشهيد الكبير فرج الله الحلو النور 5675
قراءة في كتابات الرفيق فرج الله الحلو باسم عبدو 5579
فرج الله والإبداع التنظيمي خليل بيطار 5654
الرفيق فرج الله قائداً للمعارك الانتخابية نادر حلاق 5597
فرج الله الحلو.. كبير شهداء شيوعيي سورية ولبنان النور 5709
مقتطفات من نتائج التحقيقات في دعوى فرج ضد قاتليه النور 5687
رسالة من سجن المزة النور 5753
أول خبر عن احتمال استشهاد فرج الله الحلو النور 5645
دعوى فرج الله النور 5603
عاشت ذكرى الشهيد الخالد فرج الله الحلو النور 5583
الصفحة الأولى من رسالة بشار الثالثة النور 5608
لقطات لجوانب من صورته.. فرج الله الحلو إنسانية القيادة وبساطة الفكر العميق محمد دكروب 5589
فرج الله وعائلتي وأنا واروجان سلاطيان 5607
فرجُ اللهِ الحلوُ يقهر قتلته! محمد أمين أبو جوهر 5570
أسعد خوري: صورة الرفيق فرج لا تغادر ذاكرتي حوار: باسم عبدو 5656
الشهيد بيار شادارفيان النور 5649
سعيد الدروبي فاتحة شهداء الإرهاب المباحثي في عهد الوحدة النور 5638
اغتيال البروفيسور فليون: جريمة جديدة رهيبة ترتكبها أجهزة المباحث النور 5705
حنا السليمان صارع الإقطاعيين وصرعه المباحثيون النور 5577
قَسَم أمام فرج الله الحلو شوقي بغدادي 5596
فـَرَجَ الله والغِستابو نجيب سرور 5589
سوف يحيا

بقايا مغيـّب

 أوراق رجل ضمته المقابر الجماعية              الشهيد علي جبار سلمان

 

محمد الخطاط

 

الشهداء خالدون ابدا

الشهيد الخالد القائد الطلابي علي جبار سلمان الذي قدم حياته فداءً للشعب والوطن في مواجهة النظام البعثي الفاشي المقبور

عضو سكرتارية اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية

عضو محلية المنظمة الطلابية للحزب الشيوعي العراقي

عضو المكتب المركزي للطلبة والشباب

 

 

 

 

 

وكذلك هو الأخر...راى ان لا يعطيهم بيده اعطاء الذليل وان لايقر لهم أقرار العبيد. فأعدموه..

(ذات صباح بينما كانت احدى الورود تتفتح على احد الاغصان   / ناظم حكمت)

 انه: علي جبار سلمان…البِـِكر الذي ابصر ولأول مرة نور مشكاة ـ المنكوبين ـ سنة 1955. احتضنته الارض باكيا.. من شعور مبهم مريع.. قال كبير الاسره: سيكون له شأن كبير!! قالها بصدق . ورقما بعد آخر.. تتساقط ارقام (الروزنامه) ممهدةً له طريق  حَبوهِِ.. فمرة باتجاه خاله الحاني. واخرى الى ما تجاذبته اليه.. رغبة طفلة.. وانتباهة اولى.. ويوم  بعد آخر.. صار يكبر مثلما الفرح الذي كان لأمه ومثلما الترح الذي غلف بيوت الوشاش.. وانهك سكنتها.

 بحقيبته التي حوت كتب (الاول الابتدائي) مشى الى (مدرسة الاقدام) كان يمشي وحيداً رغم كل الزحام.ومن (مدرسة الاقدام الابتدائية) تلك.. تعلم ان يكون مقداماً...

 ومنتقلاً.. حل على (الثاني الابتدائي) في (مدرسة الشهيد الابتدائية) في منطقة العاصمة. ومنها.. عرف ان للشهادة معنى فرض قدسيته على لافتة المدرسة.. والكتب التي كان يحملها.. والروح. فكان ان اختارها.. مقتنعاً.. بل ومصراً.. على ان يتقمصها.. برضى تامٍ.. ونفسٍ مطمئنة

     لِماذاَ نحى بخطاه منحىً آخر غير الذي سلكه اصدقاء الطفولة فلان.. وفلان.. وفلان. لماّ كانوا فريقاً لكرة القدم ومن تراه ذلك الذي اوحى له ان يتخذ طريقة.. وحده. في تلكم الغابة.. بينما راح بعض اولئك الاصدقاء ينتقي من اغصان اشجارها.. اغلظه.. ليكون فيما بعد.. هراوة تنهال على جسمه النحيل.. متناسية كرة القدم الطفلة تلك.. ومن كان ذلك الذي انبأه ان (عبد الواحد/ ابو سلام) ((شوعي)) وانه كان من نزلاء ((سجن الكوت)) ) وان ( ((رحيم/ابو حيدر)) كان قد هرب من ((نقرة السلمان)) )... نص المقال

................

 سطوة ليس لها من رادعٍ ونكهة ليس لها من وصف. تلك التي تتغطرس بها رائحة الحيطان المبتلة بالمطر فياما اغوته وراح يشمها.. مفعماً.. بأسىً شفيف وشعورٍ ليس من سبيل لوصفه..ومن ذلك التوحد والحيطان المبلولة.. ورائحتها التي تقافزت امام عينيه احرفا حمرا.. تهجاها فكانت (ديمقراطية) وكانت سؤالا.. استقتل لمعرفته..وفناراً.. استهدفه.. قاهراً كل موج.

............

 (ارسين لوبين) لص (موريس لبلان) الظريف احبه لانه كان يسرق من الاغنياء ليعيل الفقراء و (جان فالجان) بطل (بؤساء) (فكتور هيجو) احترم فيه عفته.. ونفسه اللوامه.و(ام) (مكسيم غوركي) بنبلها.. وسمو وطنيتها و..و..و..وكان ان امتلك مكتبة.. سماها الطريق.. فكتاب على كتاب.. ومجلة على أخرى... كبرت تلكم المكتبة.. ومثلها الوعي..ومثلها العذاب الانتخاب

كانت مكتبة صغيرة جداً.. فكيف تسنى لها ان تكون دار معرفة كامله ؟.

سألني : هل لك ان تفهرسها. ؟...لما تيقن من اني.. مافهمت.. اجبرني على القراءة. فكان اول ماقرات وبفضله طبعاً (بيكاسو).. ومن ثم. الياطر. المصابيح الزرق. الثلج يأتي من النافذه لحنامينه. قصة حب مجوسيه. لعبد الرحمن منيف. الهؤلاء لمجيد طوبيا. و...الأم.. البؤساء. المسخ. اوبرا القروش الثلاثة. الاعمال الكاملة لسعدي يوسف. وعناوين واسماء اخر .. ناظم حكمت. لانكستون هيوز. بابلو نيرودا رسول حمزاتوف. رشدي العامل. الفريد سمعان.. الخ..وشيئاً فشيئاً.. صرت اقتـفيه.. وشتان بين اثنين واحد اتخذ من الكتب معيناً لوارد وآخر.. يشرد بصفحاتها الإولى..

......................

 انت لم تدعي انك النيزك الفرد بل وما توهمت ذلك الادعاء.

وكنت تعرف. مثلما نحن معشر المدعين.انك خلطة من تراب وماءٍ.

فكيف كان يا صديقي الخجول ان رايناك لا معاً في السماء؟

.....................

مرة كتبت قصة قصيرة.. فلما اطلعته عليها.. ضحك ممازحاً .المفروض يستنسخونك بقدر نسخ الجريدة.. ويرفقونك مع كل نسخة بدبوس.. لتشرح للناس مضمون قصتك.. يااخي ..ما اريدك تنزل بأدبك لمستوى متدن . ولكن بنفس الوقت.. عليك ان لاتكتب.. الا للناس.. وإلا.. فأنت تعمل بمفهوم(الفن للفن).. اظنه كان يريد مني ان اكون (واقعياً) اشتراكيا

قدمني لفاضل الربيعي القاص.. ولعواد ناصر.. ولكريم العراقي ومنهم.. تعلمت الكثير.. فمن الربيعي .. تهذيب الذائقة..وتذوق أوبربت بياع الخواتم

ومن عواد.. اقرأ.. واقرأ.. واقرأ.

ومن العراقي كريم.. انتقاء المفرده.. وتفعيلها

...........

 قال واصفاً معرض السنتين العربي.. رهيب فكان اذ ذاك.. رهيباً.. بالمعنى.. جرني الى عوالم.. ملصقاً بي صفة الرسام الفكر وبهديهِ الواقعي.. اهتديت الى.. كاظم حيدر.. ورشاد حاتم.. وفيصل لعيبي.. وصلاح جياد.. والى نصب الحرية.. ذلك المسمى المفقود..

..........

اتعلم انت ام لاتعلمُ   بأن جراح الضحايا فم

قال لي: هذه للجواهري . قلت: كتبها عن شهداء معركة الجسر.. وبالذات عن جعفر قال: رائع.. صرت تقرأ وحدك.. وتركني وحدي ...

.............

قبل ان يموت (محمد راضي فرج) تذكره بالخير قائلاً: (ماعرفت الثانوية الجعفرية. ولا اعدادية قتيبة رجلاً مثله .. انه نموذج للانسان الانسان تصور انني بعمره وما كنت لأراه الأ معلماً طيباً.. ورجلاً كبيراً له من الوقار ما يخليك تترد في طلب).. والحق اقول: انه كان كذلك..

...................

 مرة دخلت غرفته من دون طرق باب.. لم يقل شيئاً.. كل ما في الامر ان رفع عينيه عن الكتاب.. ورمقني بنظرة.. فهمت منها الكثير وكان ذلك درسا .

......................

 تساءل خالد: من اين يأتي بكل ذلك الوقت.. كيف يوفق بين اجتماع.. وتحرك سياسي.. ومثابرة على دوام جامعي.. وتزاور.. وبين قراءاته الدائمة تلك.. لااعرف من اين يجيء بكل ذلك الوقت!..

 ذات مساء مشحونٍ بالرعد.. وبحزنٍ رمادي مغثٍ التف ببطانيته طالباً من امي ان توقد له البريمز وعلى صوت ذلك (البريمز) نام.. حالماً.. بوطنٍ يريد.. فلما افاق... اسرع بغسل وجهه وانطلق الى حيث تجتمع الخلية .. ودخان سجائرها..

.......................

 ذات يوم.. وبعد الاتفاق وأيانا على.. امر ..جاء وبمعيته عدد من رفاق السر موهماً اياهم بانهم سيجتمعون  ببيت صديق.. استقبلتهم امي بصفته.. صديقا.. رحبت بهم ملمحة ان ابنها (كريم) اخبرها بموعد الاجتماع.. وان عليهم ان يجتمعوا.. ولو من دونه فأجتمعوا.. وبأجتماعهم.. تسامى بفضاء الغرفة صوت مطرقة نبيلة.. وعنفوان منجلٍ سخي...

.......................

طيباً كان.. لم اره يوماً ضارباً لطفل.. ولا موبخاً لاحد. بل كان عطوفاً.. متسامحاً.. اذا ما جلس في البيت يسعد الكل.. فبين ممازحة هذا.. وسؤاله لذاك عن وضعه الدراسي كان.. هو.. كما كان.. طوداً.. لايتجرأ احد عليه...

.....................

في تحاور الافكار.. ولماّ تستفحل الرغبة في تأكيد الوجود وتوصيل الرأي.. تنسى الكياسة.. ومثلها البرود وهناك .. حيث ينتهي النقاش.. بتهكم هذا.. وانزعاج ذاك يطوى لقاء.. بأنتظار جديد.

كثيراً ما سمعته يتحاور.. وبالاسلوب ذاك. الأ.. مع الخال (يرحمه الله).. فللخال كان التوقير واحترام الطرح.. وله منه .. التقدير.. بغض النظر عن التنافر المستديم

الخال ابو خالد (يرحمه الله ) كان معلمه الاول في طفولته اشترى له.. (بدلة الزعيم) ولقنه.. إنا صغار الوطن.. جنوده في المحن... واصطحبه معه.. مرات.. ومرات.. الى السينما فكان ان احب كل جميل.. افلام (شكري سرحان).. رسوم (جواد سليم) قصائد (الجواهري) ..

......................

اليوم بدأ ببرنامجه المازوشي. سالته امي: كيف تنام وقد اطفأت المروحة ؟.اجابها: اعد نفسي لغرفةٍ من دون شباك.

..................

 كم احرقنا من كتب.. ودفنـّـا.. كم؟؟

..................

 تكفل الخال ابو خالد (يرحمه الله).. دفن الكتب بعد كل اعتقال.

اعتقل لمرتين واحدة كانت.. بمعية السيد (قاسم المبرقع) وخطه

والثانية.. بكمين.. اما الثالثة.. فكانت الثابتة ...

...........................

في منتصف الليل. وعلى مرأى من مصباح يتوسط شارعنا . ينسل كما الثملين تعباً.. مضطرباً بعض الشيء. طرق الباب.. استقبله الاهل.. مازحهم. وغفى لنهار اليوم الثاني. الأن ..وبعد عقود من قطع الظن.. هلا من طرقة باب اخرى.

....................

 بين يوم وآخر.. تتوسط امي جمعاً من النساء المثقلات بالغصة وبالدمع السخي.. مستحضرة سؤالها الكسير

(انا شدج ياجلعه الطين...

 بيج الصبايا امعكبين ...

وعلى روسهم بس الرطين

وبتساؤل يائس جداً.. تختتم طقس التوجع ذاك (كتبك والشهادة وين اوديها)

......................

هاهي ذي (الشهادة) شهادة الصف الثالث كلية الأدب /قسم الفلسفة. بدرجاتها المتفاوتة تنام وسط صندوق..غفل عن فتحه (هدهد الرئيس) .

....................

 في آخر لقاء. وبعد ان شد الحيازيم. اوصاني :كن بمستوى المسؤولية لاني مفارقكم اليوم او في غد

 وكان ان تحققت نبوءته وبها كان ان. رفعت الاقلام وجفت الصحف.

الأن وبعدما (دخل الخواجات) بتعبير (احمد فؤاد نجم والشيخ امام) وبعدما زلزلت الارض زلزالها. اتساءل.. وبعاطفة قلب.. وخواء روح هلا من رجعة لمغيب ضمته المقابر الجماعية.؟ ثم

ماقيمة الجمجمة

ان رجعت من بعد عقدين من الزمان

حامللةًعصابة العينين والثقوب شاهداً عيان

 ومن تراه ذلك الذي سيحتفي بها.مبجلاً.. مقبلاً

مشاطراً لها ضحكتها التي ورثها التراب والديدان؟

..........................

 لم يكن بالشاعر المحترف.. ولا بالكاتب المتخصص ولا اظنه اراد أن يكون كذلك ذات يوم.. ولأ سباب اهمها انه اختص بمجال رآه اجدى. ذلك هو العمل الجماهيري في كل حين.. مافي الأمر.. انه دوّن خواطره.. لتقرأها امرأة تعنيه ولتذهب فيما بعد الى أية محرقة او طريقة اتلاف... هذا يعني ان لها مهمة محدده.. تنتفي بأنتفاء الظرورة.. كانت خاصة جداً.. ولظرف معيّن.

عموماً.. بما تبقى منه (الخاص) الذي اخطأه قانون الاتلاف.. (واذا أردنا ذلك طبعاً يمكننا الاستدلال على كينونه ذلك الرجل.. ولو بتأويلات متباينة ومن زوايا مختلفة تحددها عوامل شتى. منها التفاوت بين زمنين ـ زمن كتابتها وزمن قراءتها ـ ومنها انها خاصة وليس شرطاً ان يلتقي (الخاص الواقع لفرد) بخاص لفرد آخر له من الطبائع والظروف ما ليس لذاك.

ملاحظة.. تولد 1955.. واعتقل اعتقاله الاخير 1980...لنقل ان ما في ايدينا الأن محض بقايا.. لابأس حسبنا.. انه ببقاياه حاضرا بيننا. يشاطرنا الحوار.. يشاطرنا التوجع اذا مارأينا العراق بحال لانريد... والابتهاج اذا ماصار العراق..وطناً للعراقيين من دون منغصات

...................

صلاة

أدمٌ هذا الذي في الشرايين

ام بداية للمصيبات تاخذني الى عالم مبهمٍ مرهق بالانين

يواصلني عذابك

ـ هلا تستريح ؟...ـ راحة المنهزم؟

تسائلني عيون الصبيات ـ هل أمنت ؟

ـ اني اصلي لكل الذين لم يصلبوا بعد

......................

عنكِ

حكت لي الاراجيح:

انك حين يدركك الليل

ترتدي القميص المضوع بالزهر

وتوشم صدغ الصغيرة بالياسمين

وانك حين يدركك الليل نستنيم الحمام

لترسم بحراً وتكتب شعراً

والريح اذ ذاك توقف انفعالها. والجنون.

................

في مقهى ما

ذات مساءٍ

يتمثل مقهى خطوات الناس

يلتفت النادل للصوت بوجه منكسر حد الذل

لماّ دار النادل..لماّ دار يوشحه حنق الروّاد

تغلفه السمرة

نادته بصوت لم يسمعه احد

ـ اشتاق الى كفك هلا تدنو.. لتصافحني.

....................

توصية

اي حنين تبعثه الغربة حين الهمس بأسمك

اي عذابات السبي تحاصرني الليلة

في البعد يحيط بك الاهل ، تتغطين بدفئهمُ الحاني

في البعد.. يعذبني الوجد

سيدتي.كوني امرأة تتحاشاها الريح

وتخشاها دوماً حتى يتفجر دمع الارض

كوني امرأة تشغلني كل الوقت

تظرب كتـفي بدلالٍ

تحزن .. تبكي حين احاصر

تتفاخر بي يوم اموت بحب الناس

...................

ماتركته  لي

في الليلة الباردة عاتبت نجمةً في البعيد

مازحتني. واختفت في السواد

في الليلة الممطرة الباردة رافقتني رياح الجنوب

حدثتني عن الشوق حين يحتدم

والحدائق والاغنيات وهول الحروب

وعندما استأنستها غافلتني وسافرت

الى حيث تشتهي

 مخلفة عندي صدى صوتها والنحيب

..................

ثبات

رفيقان نحن في التشرد في الوحدة

في الاغتراب الطويل

صديقان نحن

في التواصل نحو المسيرة في التمرد في الثبات الجليل

حبيبان نحن برغم الظروف العسيرة

برغم الصعاب وريح الهضاب برغم التوجع والعذاب الثقيل الثقيل.

 


 

 

 

حسن سريع وحركة 3 تموز1963 البطولية... الاسطورة والانتفاضة

 

 

 

استشهد ابنا بارا لحزبه وشعبه العراقي في مواجهة زمرة 8 شباط 1963 العميلة . ضاربا المثل الثوري في مواجهة الروح الانهزامية الجبانة لزمرة عزيز محمد

 

 حلت في الثالث من تموز 2003 الذكرى الأربعون للانتفاضة الاسطورية للجنود الشيوعيين ضد طغمة الفاشست من انقلابيي 8 شباط 1963، واذ نستعيدها، انما نعيد للأذهان المعاني و الدلالات التاريخية العميقة التي تحققت باندلاع الانتفاضة، فكانت بحق دفعا جديدا وزخما ثوريا أعادت الثقة الى النفوس، وبعد ان توهم الفاشست ان بامكانهم تصفية الحزب الشيوعي بكوادره وقيادته بعد حملة سوداء شنتها اجهزة البعث لتحقيق هذا الهدف. فبادر الشهيد الخالد حسن سريع ورفاقه الابرار بما امتلكوه من وعي ثوري وطبقي كبيرين، ليلقنوا ويعطوا درسا بليغا للدكتاتورية الفاشية , بان ليس هناك قوة على الارض قادره على تصفية الشيوعيين.

لم تكن انتفاضة معسكر الرشيد بقيادة الشيوعي البطل الشهيد حسن سريع ردا على الانقلابيين الفاشست فحسب , بل كانت ردا على انهزامية زمرة عزيز محمد الانتهازية , وترسيخا اصيلا للخط الثوري للقيادة التأريخية الاولى قيادة الرفيق الشهيد الخالد فهد ورفاقه والقيادة الـتأريخية الثانية قيادة الشهيد الخالد سلام عادل ورفاقه

وعلى الرغم من الفشل العسكري الذي آلت اليه نتيجة الانتفاضة لاسباب تنظيمية وعسكرية، الا ان حركة 3 تموز التي قادها الجنود الشيوعيون واصدقاؤهم تظل حية في ذاكرة العراقيين كحلقة مهمة من حلقات الصراع ضد كل اشكال العنت و الصلف الديكتاتوري. وعلامة بارزة في مسيرة النضال الوطني من اجل عراق ديمقراطي حر ينعم فيه شعبنا بحياة  حرة كريمة. ويكتسب احياء ذكرى هذا العمل المجيد في تاريخنا النضالي اهمية خاصة بعد سقوط نظام صدام الدموي واحتلال بلادنا من قبل الامبريالية الامريكية. اهميتها في مغزاها المعبر عن الارادة الحرة للشعب العراقي من اجل التحرر واقامة دولة العدالة الاجتماعية

 

اقوال ماثورة للشهيد الخالد حسن سريع

 

< لاتقتلو الاسرى، سنقدمهم الى المحاكمة"

 

 اثناء محاكمته في المجلس العرفي العسكري – سأل رئيس المجلس الشهيد حسن  سريع : كيف تتقلد رتبة ملازم اول وانت نائب عريف؟

 

اجابه الشهيد :  وكيف يتقلد العقيد عبد السلام عارف "رئيس الجمهورية انذاك" رتبة مشير وهو عقيد!

 

وجوابا على سؤال اخر امام المحكمة الصورية قال :"انا المسؤول الاول عن الثورة، وقد ارغمت الاخرين على حمل السلاح، انهم ابرياء".

 

  وجوابا على سؤال رئيس المحكمة : هل تريد ان تصبح رئيسا للجمهورية ؟

 

 اجاب الشهيد :"مااردت ولا أريد ان اكون رئيسا للجمهورية او ضابطا في الجيش انما اردت ان اسقط حكومتكم".

 

  الحياة حلوة ولكن الموت في سبيل الشعب احلى

 

الشهيد الخالد حسن سريع في سطور

تاريخ الولادة: عمر الشباب والفتوة في ربيعه الثالث والعشرين.

المدينة: السماوة الموطن الاصلي للعائلة.

السكن: بغداد.

ظروف الاستشهاد: أعدم على ايدي انقلابيي 8 شباط 1963 الاسود.

الحياة الاجتماعية و النضالية: ولد في عائلة فلاحية وترعرع في كوخ من القصب.ابعد ابوه وكل العائلة بقرار اقطاعي الى مدينة عين تمر شمال مدينة كربلاء.

اكمل دراسته الابتدائية، وبسبب ظروف عائلته الاقتصادية انتسب الى الجيش العراقي متطوعا في مدرسة قطع المعادن في معسكر الرشيد ببغداد، وصار نائب عريف ومعلما في المدرسة نفسها، ثم التحق في احدى المدارس المسائية لاكمال دراسته. وبعد زواجه من قريبة له، اقام في حي الشاكرية بالكرخ وصارت له ابنة واحدة.

مدبر ومنفذ وقائد انتفاضة معسكر الرشيد في 3 تموز 1963، ابت روحه النضالية وشرفه العسكري ان يخضعا لسيطرة القتلة، انقلابيي 8 شباط الفاشي فأعد بالتعاون مع عدد من رفاقه خطة انتفاضة 3 تموز في معسكر الرشيد. قبل مغادرته الاجتماع الاخير في الساعة الثانية عشرة والنصف (ليلة تنفيذ الانتفاضة) اقسم الشهيد حسن سريع (نقسم بتربة هذا الوطن ان نحرره من رجس المجرمين) وقف برباطة جأش وشموخ شيوعي وهو يستمع الى حكم الاعدام الصادر بحقه من المحكمة العسكرية الصورية. استشهد ابنا بارا لحزبه وشعبه العراقي . ضاربا المثل الثوري في مواجهة الروح الانهزامية الجبانة لزمرة عزيز محمد التي فرت من المعركة والتي ستفر "لاحقا" عام 1979من بطش حليفها البعث الفاشي , تاركة في الحالتين القواعد والكوادر الحزبية مكشوفة اما بطش الطغاة , لتسقط بقاياه بعد تفسخهها كمؤسسة انتهازية في احضان المحتل الامريكي تحت شعار مزيف < انقاذ ما يمكن انقاذه> او في احضان فلول البعث الفاشي تحت شعار < توحيد جميع الجهود لمقاومة المحتل> في قول حق يراد به باطل 

المجد والخلود للشهيد القائد الثوري حسن سريع

الخزي والعار للبعث الفاشي

العار لخونة الحركة الشيوعية العراقية

صباح زيارة الموسوي

بغداد - العراق المحتل

2003


 

ساهموا في اعداد ملف الشهيد الخالد حسن سريع وانتفاضة 3 تموز 1963 الاسطورية

اليسار العراقي

تموز2010

 

 

 حكمت خليل محمد : ( الرفيق فهد كما عرفته وسمعت عنه ) -61عاماً على استشهاده

صدر في بغداد قبل أيام كراس بعنوان ( الرفيق فهد كما عرفته وسمعت عنه ) 61عاماً على استشهاده / فهد    النضال في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية

بقلم حكمت خليل محمد ( أبو ناظم )

وقدم للكراس السيد سالم عبيد النعمان، وأعتقد إنها مقدمة تستحق القراءة والاطلاع والتأمل :

تقديم

بقلم الأستاذ سالم عبيد النعمان

تدل الكراسات العديدة التي كتبها الأخ حكمت خليل محمد ( أبو ناظم )، عن حب وإعجاب دون إفراط، ( بفهد ) باني ومؤسس الحزب الشيوعي العراقي .

أن هذا الحب، لم يأت اعتباطاً، أنه يتم عن تقويم لانجازات ( فهد ) في بناء الحزب، ودوره في الحركة الوطنية، التي تضم قوى الوسط الديمقراطي والقومي، فكان كونفرنس الحزب الأول، الذي أنعقد في سنة (1944)، والمبادئ التي صاغها، والمهمات التي التزم الحزب بها، مناراً لمسار الحركة الوطنية .

لقد عزم مناضلوا الحزب الشيوعي، على تطبيق النهج الذي رسمه هذا (الكونفرنس)، شعاراً ونهجاً يومياً للعمل .

1)ــ نناضل من أجل سيادتنا الوطنية، لجعل استقلال قطرنا حقيقة لا لفظاً، (م2)ــ نناضل لإيجاد حكومة تعمل لمصلحة الشعب، وجهاز حكومي ديمقراطي لائق صحيح . . . . وهكذا بهذا الأسلوب، صيغت مبادئ المنهج (الخمسة عشر) فقرة، وجمعت فيها، أهداف المرحلة الوطنية التحررية، أي أهداف مرحلة الوطني التحرر الديمقراطي .

وأني بعلاقتي المستمرة (بفهد)، سواء قبل كارثة توقيفه في 18/1/1948، أو في سجنه، في سجن (الكوت)، حيث كُنت محظوظاً، لألتقي به مساء كل يوم تقريباً، لأعرض عليه، ما أنجزته ((لجنة الصحافة))، والتي كُنت مسؤولها، من تعليق على الصحف اليومية، التي تصلنا عصر كل يوم، وعلى بعض الأخبار المهمة، وكنت استمع إلى تعليقاته على هذه الصحف وأهمية الأخبار .

وبهذه المناسبة، أضيف شيئاً، عن رعاية الرفيق (فهد)، لرفاقه سواء في السهر عليهم، وتهيئة أمور حياتهم المعاشية، أو تدبير وسائل تثقيفهم عصر كل يوم تقريباً،صباحاً، يقوم بإيقاظ الرفاق المسؤولين عن اعداد الصمون، وهو يعمل معهم حتى إنضاج الدفعة الأولى من وجبة الصمون، وفي هذا الوقت يكون موعد تهيأة الإفطار، فيوقظ المسؤولين عن ذلك، ويعاونهم في تدبير ذلك، ثم يذهب إلى الفراش، بعد أن تيقن، بان كل شيء قد أكتمل .

وإنني أبقى مع الرفيق فهد حتى الساعة الواحدة ليلاً، ثم أذهب للنوم، وكذلك كان يسهر معه، الرفيق رشاد حاتم (فنان يجيد رسم الطبيعة ويصعب عليه رسم الأشخاص)، وكان فهد يقول لرشاد، لم تنجح في تصويري، فكان رشاد يتألم ويتأفف، لفشله في الرسم الطبيعي (لفهد)، وقد كان رشاد من المفرطين بالتعلق (بفهد) كأي فنان يعشق، ما يفضله على من يتعلق به .

لقد كانت المشاهد التي يمارسها الرفاق مع القائد (فهد) سواء في علاقاتهم معه أو أثناء تثقيفهم، أشبه بمدرسة حزبية على أرفع مستوى .

وأسمح لنفسي، أن أعبر مثلاً بسيطاً، على تواضع الرفيق فهد، من أمثلة كثيرة، يصعب على الشخص في تعدادها، إذ كان من المعروف، أن نحتفل في مناسبات (وطنية أو قومية أو أممية) وكانت الحفلة عادة، تبدأ بإلقاء بعض الكلمات بالمناسبة وكان الرفيق فهد، يحرص على أن يقف على آراء الرفاق، وخاصة العمال وبعض المثقفين .

وفي هذه الأثناء، رأى الرفيق فهد، بأن أحد السجناء، يرغب في إلقاء كلمة، وكان هذا السجين هو (يعقوب رحمين) وكان يسمي نفسه (جاك رايمون)، مع العلم أن (فهد) لا يستسيغ أن يغير بعض اليهود أسماؤهم، فأذن (فهد) ليعقوب، الذي كان يسعى جاهداً كتلميذ في مدرسة ابتدائية، يتسابق مع الآخرين من أنداده، في إلقاء كلمته بهذه المناسبة، وإذا به يعلن عن إيمانه، ( بالماركسية اللينينية الستالينية الفهدية )، وحالاً أوقفه الرفيق فهد، عند سماعه (الفهدية)، فقال له، أنني لست أنا، سوى تلميذاً لمنظري ومؤسسي الحركة الشيوعية، ولا أرضى أن يطلق عليّ هذا النعت العاطفي، الذي هو غريب عن المفهوم الماركسي، والذي لا أستحقه، أن الرفيق فهد، قد قال الحقيقة التي تدل على مدى تواضعه وكرهه لمثل هذه المواقف وخاصة إذا جاوزت العواطف، الحقائق الثابتة .

أكرر تقديري للأخ حكمت خليل محمد (أبو ناظم)، على هذا الكراس الذي حققه بصبر وثقة، شأن الكراريس التي أصدرها .        

 

 

مهدي عامل وأياره المتكرر
الكاتب/ Administrator   

21/05/2010

موقع الحزب الشيوعي اللبناني

ثلاثة وعشرون عاماً على استشهاد مهدي عامل في 19 أيار 1987 في شارع الجزائر- بيروت، برصاصات الغدر التي راحت تُغرق بيروت... جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية... في يم ظلامية ظلامييها، الذين اطفأوا مشاعلَ في دروب النضال: سهيل طويلة، خليل نعوس، حسين مروة، مهدي عامل......

وفي أيار المتكرر نعاود اللقاء مع مهدي عامل... نحاول الوقوع عليه في ذكرى اغتياله فلا نقع عليها، بل نجذب الى قهقهة أهازيج آتية من الأمام، أهازيج مناضل شيوعي يصر على اجهادنا في أثره... اجاد التسابق والدخول في الزمن المتقدم...
دأبه المشاكسة – حتى في شعره: فضاء النون وتقاسيم على الزمان- الخروج على القوالب الجاهزة المألوفة، وبمشاكسته إجترح مكونات المعرفة والمواجهة... إجترح أدوات الثورة ومنهجها من الموقع الماركسي بالذات.
وفي ذكرى استشهاد مهدي عامل، وفي ظل التحولات التي نشهدها وما حملته من ارتدادات على الماركسية نطرح على أنفسنا ما اذا كانت القضايا الفكرية التي بحثها مهدي مازالت راهنة، وطرح السؤال يضعنا أمام تحدي اثبات راهنية الفكر الماركسي اللينيني الذي به بحث مهدي القضايا الفكرية، والاثبات ليس فعلاً دغمائياً، انه فعل تفكر موقعه الموقع النقيض لفكر ينبهر باليومي وينظّر له على قاعدة الالتحاق بالايديولوجية السائدة. ليس بفكر مهزوم منبهر باليومي وايديولوجيته السائدة تنتقد الماركسية، وليس بفكر يطبق القوانين الماركسية المتكونة على واقع متميز ينتج الفكر الماركسي ويتطور،فالماركسية اللينينية فكر مادي علمي علميته في ماديته وماديته في كشفه ما يحرك الظاهر من الواقع، اي كشف ضرورته، والضرورة ليست معطى من الواقع بل تكمن في الواقع الذي يحتم ضرورة استخراجها وهذه علمية الفكر الماركسي اللينيني التي استعصت على فهم من ينقدها وينظر الى نزع، بوهم الانبهار باليومي، العلمية عنها، والاستخراج لايحدث بمفاهيم جاهزة في العقل بل العقل ينتجها وبانتاجه لها ينتج معرفة علمية بالضرورة التي يستخرج. انها العلاقة التناقضية التي اوضحها لينين بين مادية المعرفة وتاريخيتها. انه المنهج المادي العلمي يستحث النقد يثيره يكتشف التناقض في الواقع الذي التناقض فيه قائم ومنعكس في الفكر وتجاوزه يمر بتجاوز الفكر في الواقع.
ورد الحلاج
مؤلفات مهدي عامل
حسن حمدان (مهدي عامل) 1936-1987.(صورة)
تعتبر فترة 1968-1976 من الفترات المهمة في حياة مهدي عامل، حيث بدأ فيها ممارسة مشروعه الفكري والكتابة باللغة العربية، ودراسة واقعه الاجتماعي في ضوء المنهج المادي الماركسي-اللينيني وتمييز كونية قوانينه، لتبدأ بحسب مهدي عامل "صيرورة الفكر العربي فكراً علمياً"، مبتعداً عن القولبة وتكرار المقولات المتكونة، ومنذ البداية أدرك مهدي خطورة ما يقوم به بقوله:"إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا واقعه باللغة العربية".
بدايات مهدي كانت مع مجلة "الطريق" وكانت دراسته الأولى تحت عنوان:"الاستعمار والتخلف" في العدد الثامن- أيلول 1968 التي مهدت لكتابه الأول في العام 1972:"مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني". ولقد قسمه الى قسمين: القسم الأول:"في التناقض"، والقسم الثاني:"في نمط الانتاج الكولونيالي" الذي صدر عام 1976.
كتابه الأول- الأساس الذي بحث فيه، في مجال جديد في الفكر الماركسي-اللينيني، انتاج ادوات المعرفة، تحديد طبيعة نمط الانتاج في مجتمعاتنا العربية، وهناك جزء ثالث من "مقدمات نظرية..." لم يكمله مهدي وبقي على شكل مخطوطة بعنوان:"في تمرحل التاريخ". صدر عن دار الفاربي عام 2001.
عمل مهدي في "مقدمات نظرية..." على تمييز كونية القوانين الماركسية في مجتمعاتنا، وبتمييزه عمل على انتاج الاساس النظري لسيستامه الفكري الذي اعتمده في كتاباته اللاحقة جميعها.
ولقد طرح مهدي في "مقدمات نظرية..." القضية الاساس التي صاغها على النحو التالي:
"ما هو الشكل، أو بالأحرى ما هي الأشكال المحددة التي تتميز فيها حركة القوانين التاريخية الكونية في الحركة التاريخية للمجتمعات العربية المعاصرة؟".
القسم الأول من الكتاب:"في التناقض" بحث نظري بحث فيه علاقة الفكر بالواقع وفي أزمة البنية الاجتماعية التي فيها:زمان التكون وزمان التطور وزمان القطع. وكشف ببحثه ان الفكر علاقة تناقض في صراع ايديولوجي مميزاً بين التناقض الهيغلي والتناقض الماركسي.
كما عرف بأزمة الطبقة المسيطرة وبآلية تحول البرجوازية الصغيرة المسيطرة الى برجوازية كولونيالية متجددة. وحلل أشكال ترابط المستويات البنيوية في البنية الاجتماعية الشاملة وتمييز كونية الماركسية "فان القانون النظري الذي له بالضرورة طابع كوني لايوجد إلا مميزاً وما هذه الحقيقة سوى قانون تفاوت التطور".
القسم الثاني: "في نمط الانتاج الكولونيالي":
عمل مهدي عامل في هذا القسم على انتاج نظرية العلاقة الكولونيالية وصاغها في"تمييز الشكل الكولونيالي لنمط الانتاج الرأسمالي" كاشفاً القانون العام لتطور نمط الانتاج الكولونيالي والاضاءة على اهمية الدور التاريخي للطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني.
كما بحث في "علاقة الفكر بالفكر" وفي "علاقة الاختلاف بين البرجوازية الامبريالية والبرجوازية الكولونيالية".
في هذا القسم تكشفت اهمية عمل مهدي عامل من اعادة انتاج النظرية الثورية في ظروف الواقع الاجتماعي، على قاعدة النظرية إياها، في واقع متميز، بمعنى آخر "ان نفكر الأدوات المفهومية التي بها نفكر حتى نتمكن من ان نفكر واقع هذه الحركة التاريخية".ولقد انهى مهدي "في نمط الانتاج الكولونيالي" بقوله:"بقي علينا إذن أن نحاول تحليل التطور التاريخي لهذه العلاقات، أي أن نحدد الصيرورة الطبقية لمختلف طبقات المجتمع الكولونيالي، في الوحدة البنيوية لعلاقاتها. فتحديد البنية الطبقية الكولونيالية لابد ان يتبعه تحديد لمنطق صيرورتها التاريخية [...]. هذا ما سنقوم به في القسم الثالث من هذه الدراسة".
وفي عام 1974صدر كتابه الثاني "أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟" ناقش فيه أعمال الندوة الفكرية التي عقدت في الكويت تحت عنوان:"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي" (نيسان 1974). وفي نقاشه كشف مهدي عامل أن الأزمة ليست أزمة الحضارة العربية، بل أزمة الفكر الناظر في هذه الحضارة أي فكر البرجوازيات العربية، ونقض بعض المفاهيم التي وردت في سياق أعمال الندوة من مثل:"الإغتراب"، و"الوراثة"، و "الانقطاع الحضاري"، و"العقل العربي"، و"التخلف"، و"الأصالة والحداثة" وبنقضه استنتج مهدي ان المشكلة هي مشكلة الفكر الحاضر الناظر في الماضي وفي التراث، وان مشكلة الحاضر هي مشكلة تحرره الوطني.
ثم جاء كتابه " النظرية في الممارسة السياسية. بحث في اسباب الحرب الأهلية في لبنان" وذلك بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب الأهلية (1979). والكتاب بحث في واقع يعيش حركة تحوله حرباً أهلية في لبنان. التي هي ليست بمعزل عن حركة التحرر الوطني للشعوب العربية كما لايمكن النظر الى هذه الحرب من خارج أزمة القيادة البرجوازية وأزمة النقيض الثوري. وذلك لأن الساحة اللبنانية حقل مركزي للصراع بين الخطين الأساسيين النقيضين في حركة التحرر الوطني للشعوب العربية. كما نظر مهدي في تطور البنية الاجتماعية اللبنانية وبحث في علاقة التمثيل السياسي الطائفي واسباب فشل الاصلاح الشهابي ومفهوم الطغمة المالية والعلاقة بين الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية.
"مدخل الى نقض الفكر الطائفي القضية الفلسطينية في ايديولوجية البرجوازية اللبنانية" صدر عام 1980.
طرح مهدي السؤال التالي:"كيف تنظر البرجوازية اللبنانية بين ايديولوجيتها الطبقية الى القضية الفلسطينية؟".
والكتاب اجابة على السؤال المطروح، حدده مهدي بخطوتين منهجيتين:
- الأولى: عرض لمعالم ايديولوجية البرجوازية اللبنانية، وتحديد لمفاهيمها الاساسية التي ينتظم بها بنائها الفكري.
- الثانية: نقض هذه الايديولوجية.
إختار مهدي في نقضه للبرجوازية اللبنانية نصوصاً لميشال شيحا الأب الروحي للبرجوازية اللبنانية، قرأ فيها تلك الأيديولوجية، واختار أيضاص نصوصاً لحزب الكتائب الذي في فاشيته هو الوليد الشرعي والطبيعي لهذه الايديولوجية.
قراءة مهدي النقضية لايديولوجية البرجوازية اللبنانية عبرت عنها العناوين التالية:
- تكون الطغمة المالية في اقتصاد التجارة والخدمات.
- العلاقة بين الفكر الطائفي والفكر الانعزالي والفكر القومي.
- سلاح الدين والتقاليد في الايديولوجية البرجوازية اللبنانية.
- الايديولوجية المتوسطية، في خطر اسرائيل، في الشكل الطائفي للصراع الطبقي... وغيرها من العناوين.
وفي عام 1985صدر كتاب:"في علمية الفكر الخلدوني" برز فيه الوجه الآخر لمهدي، الاستاذ المعلم، حيث اعتمد فيه اسلوباً تحليلياً تعليمياً من ممارسة إبن خلدون الفكرية نقض مفهوم للتاريخ سابق، غير علمي. والكتاب بحسب مهدي تمرين لقراءة نص تراثي بفكر مادي علمي، حيث قرأ مهدي نصاً مقتطفاً من مقدمة إبن خلدون بعنوان:"في فضل علم التاريخ"، ويقف فيه امام مفهومين نقيضين للتاريخ:
-الأول: تجريبي، كان سائداً في "تاريخ" المؤرخين السابقين على إبن خلدون لايسمح بتكون التاريخ في علم.
- الثاني خلدوني يقوم على نقض المفهوم التجريبي نقضاً جذرياً، فالتاريخ بمفهومه الخلدوني ليس سرداً للاخبار، بل علم يستخرج الواقع من ظاهر يحجبه.
من هنا يحدد مهدي عامل علمية الفكر الخلدوني التي شكلت قفزة في حقلي الفكر الاجتماعي والفكر التاريخي.
قراءة مهدي لنص إبن خلدون قراءة لنص تراثي بفكر مادي علمي يعيد فيه انتاج التراث فيميزه في حاضره ويقيم الحد المعرفي الفاصل في تاريخية هذا الفكر. و"علمية الفكر الخلدوني" قصد منه مهدي ايضاً، ، إبراز دلائل على علمية الفكر الخلدوني كمثال في مقابل علمية فكر إبن رشد التي كانت موضوع جدال واختلاف في الرأي، اغلب الظن، بين الشهيدين حسين مروة ومهدي عامل.
خاض مهدي عامل معركة فكرية-سياسية في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب. ماركس في استشراق إدوارد سعيد"، ضد محاولات ادراج النظرية الماركسية في البناء النظري للفكر البرجوازي، وفي كتابه هذا ناقش مهدي عامل أربع صفحات فقط (ص170-173) من كتاب"الاستشراق" تحدث فيه ادوارد سعيد عن علاقة ماركس بالفكر الاستشراقي وبالفكر الآسيوي.
لقد غيّب ادوارد سعيد الطابع التاريخي للثقافة واعتمد بدلاً منه الفكر القومي أو فكر الأمة، اي الفكر الواحد في بنيته، يؤول الكاتب نصاً لماركس فيرى فيه استثناء لقاعدة، أي خروجاً على فكر الأمة.
وفي كتابه هذا وضع مهدي عامل، انطلاقاً من الأمانة العلمية، نص ماركس المؤول من قبل سعيد ووضع كذلك نص سعيد التأويلي، وقارن بينهما وصولاً الى كشف منطق الفكر الذي يؤول النص.
وفي عام 1986صدر كتاب "في الدولة الطائفية" آخر كتب مهدي الصادرة قبل استشهاده، قرأ فيه مجموعة نصوص تعالج الطائفية وتقارب أزمة النظام السياسي في لبنان لتخرج من ثم بحلول هي في منطقها الداخلي واحدة. قرأ مهدي أولاً نصوصاً أربعة من موقع فكري مختلف عن الموقع الذي تحتله هذه النصوص في حقل الفكر في لبنان، والاختلاف هذا حد معرفي فاصل بين الفكر البرجوازي المسيطر والفكر الثوري النقيض.
والنصوص الأربعة الأولى هي لأنطوان مسرة، وناصيف نصار، وبسام الهاشم، وإيليا حريق. عمل مهدي على تفكيك بنيتها اللغوية لابراز المفاهيم التي تحملها، ثم كشف فكر هذه المفاهيم، وانتقاده بفكر ماركسي ينتج الواقع في انتاج هذا الواقع له.
ويرى مهدي ان الفكر التوافقي الكامن في هذه النصوص شكل متجدد من الفكر البرجوازي، يؤبد النظام البرجوازي كأن حرباً أهلية لم تكن.
من ثم يتصدى مهدي لنصين آخرين لمسعود ضاهر وأحمد بعلبكي ينتقد فيهما ما يراه من انزلاقات في حركة انتاج الفكر الماركسي الى موقع الفكر البرجوازي في شكله الطائفي المسيطر. وفي نقده يعيد مهدي عامل التاكيد على اهمية كشف موقع الفكر المؤسس للكتابة، على القراءة بتبيانه كي تكون نقداً منتجاً للمعرفة.
وآخر ما كان يعمل عليه الشهيد مهدي عامل قبل أن تغدره رصاصات الغدر الظلامية الطائفية كتاب:"نقد الفكر اليومي" الذي صدر لاحقاً ومنتقصاً في ما بعد.
"نقد الفكر اليومي" من الأعمال النادرة في اللغة العربية يتتبع فيه مهدي عامل الفكر المنتشر على صفحات الصحف والمجلات ليصل الى تعرية وكشف موقعه الطبقي، وبنقده للفكر اليومي وصل مهدي الى هدم الفكر اليومي، والكتاب يحتوي ايضاً على قسم بعنوان:"في عدم وجود نمط معين من الانتاج يمكن تمييزه بأنه نمط اسلامي" نقد فيه مهدي الفكر الاقتصادي الاسلامي كاشفاً تماثل بديله مع الاقتصاد البرجوزاي لتماثل موقعهما الطبقي.
وفي عام 1991صدر كتاب:"في قضايا التربية والسياسة التعليمية" والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات بحث فيها مهدي قضايا التربية والتعليم نشرت ما بين 1968-1973في مجلة "الطريق" ودوريات اخرى، حلل فيها الآلية السياسية التعليمية للدولة في لبنان، التي تعمل من خلالها على ضرب التعليم الرسمي وتعميق الانتماء للطائفة لاعادة انتاج النظام السياسي الطائفي المسيطر.
والكتاب ينتظم في قسمين يحويان مجموعة مقالات منها:- دور الجامعة اللبنانية في انتاج ثقافة وطنية.- الاتجاهات الجديدة لسياسة البرجوازية اللبنانية في حقل التعليم.- حول منهجي الفلسفة العربية والفلسفة العامة.- حول منهج تاريخ الفكر.- نقل المفاهيم الاجتماعية وانتاجها باللغة العربية. 

 


 


حسن عوينة . . . الإنسان والمناضل والشهيد

صدر في بغداد كتاب بعنوان ( حسن عوينة     الإنسان  والمناضل والشهيد ) عن دار الخالدي للطباعة والنشر / بغداد، من إعداد مسلم عوينة وخالد حسين سلطان، يقع الكتاب في 72 صفحة من القطع المتوسط ، وهو محاولة لتدوين سيرة الشهيد البطل حسن عوينة والذي تم تصفيته جسدياً في قصر النهاية سيء الصيت على يد انقلابي 8 شباط الأسود، من خلال كتابات رفاقه وأصدقائه ومحبيه، وجاءت فقرات الكتاب بالشكل التالي :

* المقدمة         مسلم عوينة

* حسن عوينة . . ثوري وهب الشعب والوطن حياته      باقر إبراهيم

* بعض اللقطات من حياة الشهيد حسن عوينة      صاحب الحكيم

* من الذاكرة     مسلم عوينة

* رحلتي مع الشهيد حسن عوينة      ناصر حسين

* ذكريات مرة في ضيافة التحقيقات الجنائية في العهد الملكي ( اليوم الخامس )      د. كاظم حبيب

* قصص مأساوية من جرائم الثامن من شباط الاسود ! ؟ / خامساً : وشهد شاهد من أهلها ( في قصر النهاية !!!! )       د. جبار ياسر الحيدر

* جريدة صوت الفرات     محمد علي محيي الدين

* حسن عوينة ضمن مؤيدي طلب تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1960     خالد حسين

* بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي

* قالوا في حسن عوينة  

* آل عوينة

وتتقدم صفحات الكتاب صورة الشهيد، وتخللت تلك الفقرات الكثير مما حفظ من أشعاره .

ومما جاء في مقدمة الكتاب :

 كثيراً ما تساءل محبو الشهيد " حسن عوينة " ومَنْ بقي منهم على قيد الحياة منْ أصدقائه عن سبب عدم المبادرة إلى كتابة ذكريات عن هذا الرجل الذي اقترن اسمهُ بإسم الشهيد " سلام عادل " ... والحقيقة ان ذكرياتي عنهُ لا تعدو ذكريات الطفولة، وأياماً هي كالحلم بعد ثورة  " 14 تموز 1958 " المجيدة، فلا أتذكر غير أنهُ معتقل أو سجين، أو غائب عن الأنظار، يواصل نضاله في صفوف حزبه متخفياً عن أعين جواسيس حكومات العهد الملكي ... لذلك لم أكن ألتقيه إلا لماما، حتى تناهى إلى سمعي نبأ إستشهادهم يوم 7/3/1963 وكنت آنئذٍ وراء القضبان مع الآلاف من أبناء الشعب، ومن ثم توالت تفاصيل تعذيبهم البشع حتى الإستشهاد ...

  خلال شهر حزيران 1963 حينما كنت مع المعتقلين في سجن بغداد المركزي ـ الباب المعظم ـ الحقوا بنا المرحوم " صالح اليوسفي " نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث اعتقلوه والوفد المفاوض الذي كان يترأسه للتفاوض مع الإنقلابيين حول القضية الكردية، وكانوا يعانون من آثار التعذيب الذي تعرضوا له، وخصوصاً المرحوم اليوسفي، وقد دارت بيني وبينه الكثير من الأحاديث، ومنها ما تعرض له الشهيد " سلام عادل " ورفاقه الأبرار، حتى فارقوا الحياة تحت التعذيب !!! فأجابني بالحرف : (( هؤلاء الرجال أساطير، ولسنا أساطير )) هكذا وصفهم هذا الرجل المنصف ...

 من قصيدته بمناسبة أربعينية المرحوم " الشيخ محمد الشبيبي " والد الشهيد " حسين الشبيبي " :

         هذا أبو المســـــــتبسلين وشبلهُ    

                             سَلْ عنه ميدان الكفاح العـــــارما

         سل عود مشنقة الطغاة وحبلها    

                             كيف ارتقى بالموت يسخر باسما

         يشـــــــــدو بمقوله البليغ مكلما    

                             ركب الحياة إلى الأمـــام تزاحما

        يا موكب التاريخ للنصر اندفع     

                              فلنا الخــــــــلود ولن نبقي ظالما

*          *          *

ختاماً أتوجه بالشكر والتقدير إلى كل الإخوة الأعزاء الذين دونوا ما لديهم من ذكريات عن الشهيد

 

 


الشهيد محمد الخضري . . . ثوري من الطراز الأول خالد حسين سلطان

 

2010 / 3 / 26

في العشرين من آذار لهذا العام 2010 مرت علينا الذكرى الأربعين لاستشهاد ثوري من الطراز الأول في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، ألا وهو الشهيد محمد أحمد الخضري ولا بد من التوقف عند هذه الذكرى المؤلمة واستذكار مسيرة هذا المناضل الثوري بعد أن شح الثوريين في عراق اليوم وأصبحت الثورية وبالاً على أصحابها في بعض الأحيان، وامتزجت خيوطها مع خيوط أخرى ليست بعيدة عن الإرهاب وبشكل مقصود .
* ولد الشهيد محمد الخضري في ثلاثينيات القرن الماضي في ناحية الخضر / محافظة الديوانية .
* تخرج من دار المعلمين في بعقوبة وعين معلماً عام 1953 وكان من الناشطين في المطالبة بتشكيل نقابة للمعلمين في ذلك العهد، وبعد ثورة 14 تموز المجيدة أصبح عضواً في إدارة نقابة المعلمين ورئيس فرعها في الديوانية وعضو محلية الديوانية للحزب الشيوعي العراقي ومسؤول التنظيمات الحزبية لمدينة الخضر، ومن اسم هذه المدينة استمد الخضري لقبه .
* عام 1962 أوقف بسبب نشاطه السياسي الوطني متنقلاً بين سجن نقرة السلمان ومواقف السماوة والديوانية والحلة وبغداد، ليستقر به المقام في سجن الكوت بعد أن حكم عليه بالسجن لمدة (3) سنوات .
* عام 1963 وبعد انقلاب 8 شباط الأسود هرب من سجن الكوت بعد أن تمرد هو ورفاقه على إدارة السجن وتمكنوا من تحطيم الأبواب، ليلتحق برفاقه في ريف الفرات الأوسط مشياً على الأقدام ويساهم في قيادة مفارز المقاومة ضد أزلام النظام وحرسه القومي، وأصبح عضواً في لجنة منطقة الفرات الأوسط .
* تعرض للاعتقال في العهد العارفي ومورس معه أشكال التعذيب الوحشي ثم أطلق سراحه بكفالة .
* في أيلول 1967 تصدى بوعي وحماس لانشقاق ( القيادة المركزية ) ونشط في تجميع التنظيمات الحزبية في بغداد وكذلك في أعوام 1968 ــ 1969 .
* أعيد إلى الخدمة كمعلم عام 1968 وساهم في قيادة حركة المعلمين الديمقراطية .
* في يوم الجمعة الموافق 20 آذار 1970 توجه من داره إلى صدر القناة في بغداد للمشاركة في حفل تكريم الوفد الكردي بعد عقد اتفاقية 11 آذار، ولكنه لم يصل إلى مكان الاحتفال، وظهر انه اختطف من قبل جلاوزة النظام ووجدت جثته في اليوم التالي في ناحية بلد وفيها عدة أطلاقات نارية، وكان ذلك ضمن سياسة الجزرة والعصا التي اتبعتها قيادة البعث مع الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب تموز 1968 لغرض دفعه نحو سياسة العمل الجبهوي وبالمواصفات التي تناسب قيادة البعث .
* شيع جثمانه الطاهر في يوم 22 / 3 / 1970 من قبل ذويه ورفاقه ومحبيه إلى مدينة النجف ليدفن فيها، وهو ينتظر طفله الأول حيث كان قد تزوج حديثاُ .
* والده كاسب، صاحب مقهى صغير في ناحية الخضر .
* أم محمد مناضلة ومجاهدة في صفوف الحزب الشيوعي، عانت ما عانت من العذاب والشقاء محبةً واعتزازاً بالحزب وبولدها محمد. على اثر هروب محمد من سجن الكوت بعد أحداث 8 شباط الدامية أحيلت أم محمد إلى المجلس العرفي بعد جولة من المداهمات والضغوطات، وقد حكم عليها الحاكم العسكري بالسجن لمدة عامين بعد ترديدها لعبارة " على الله . . . وما يخالف . . . تنقضي وتصير سوالف " وقضت أم محمد محكوميتها في سجن بغداد عامين كاملين .
* في ذكرى استشهاد الخضري لا بد من استذكار الفلاح الشهيد هادي الكعبادي، حيث كتب المناضل باقر إبراهيم : ( . . . حظي محمد الخضري بحب الفلاحين، وكان يقيم في دار الفلاح الشهيد هادي الكعبادي، في ريف الشامية، حين طوقت الدار من قبل " زركة " للشرطة والأمن في المنطقة فأبدى هادي بسالة وتضحية مشهودة، لإنقاذ محمد من الوقوع في أسرهم، ودفع لموقفه ثمناً، هو حياته الغالية حينما قتل برصاصهم في ربيع 1964 )
المجد والخلود
للشيوعي المبدئي والقائد الثوري والمثقف الناضج
الشهيد محمد أحمد الخضري
__________________
المصادر :
ــ مذكرات باقر إبراهيم
ــ مذكرات كاظم فرهود ( سيرة . . . وذكريات . . . وود مقيم )
ــ مجلة الثقافة الجديدة / العدد 12 / آذار ، نيسان 1970


العدد(42)                                                14/01/2010

بشتا شان؛ الصوت والصدى-

بشتآشان : الصوت والصدى - سامي حسان

عضو هيئة التحرير

 

ِلكل صوت صدى إلا صوت شهداء بشتا شان فقد تم خنقه قبل خروجه من البلعوم " بعد صمت رهيب دام عشرات السنين كادت إن تمحي اثأر الجريمة " تعالت أصوات الناجين من ألمذبحه لتمزق السكون" وتعلن عن أسماء ألقتله وظروف المجزرة ودوافعها " مماحدى بالمتسترين على الجريمة للتحرك في الظلام واستخدام إذنابهم في محاولات بائسة للإفلات من العقوبة " وطرح حلول يعتقدون أنها قادرة على غلق القضية " متناسين إنه لا يوجد شهداء للبيع "  

في وادي عميق تغفوا قرية صغيرة تتوسد  ذراع  قنديل " كان صوت القادمين من الجنوب عشاق الحياة يبعث الأمل في نفوس الفلاحين والفقراء " يحملون أدواتهم يبنون" يصلحون ما تم تخريبه " دخلوا البيوت يعالجون المرضى يحرسونهم في الليالي الباردة "يتقاسمون الطعام البسيط معهم " مجموعه من الشباب الشيوعي يحلمون بوطن جميل وقرى هانئة ووديان خضراء وغناء أصيل وحب عامري " يحملون الأماني بعودة الأهالي إلى موطن الطفولة والى حقولهم  " ولكن إصرار السفلة على اغتصاب القرية  "واستمالة المدعين المتاجرين في أسواق السياسة في عقد صفقه رخيصة للنيل من هؤلاء الثوار الذين تركوا إلام والولد وعبروا الوديان والجبال للدفاع عن القرية "  يجلبون لها الدفيء والطعام "يرغبون في تصحيح أخطاء قيادتهم التي ورطتهم بتحالف ذليل " فحملوا سلاحهم ثأرا لشرف تاريخهم الذي ثلمته التحالفات الذيليه "  للبدا بعمل يليق بالثوار " عمل يعيد ألق التاريخ " عمل يرى فيه المناضلين ابعد مما يراه المتخاذلين " متحدين ثلوج الشتاء " ولهفة اللقاء بالأم والحبيبة "انه العاشق الجنوبي الذي عبر المسافات الطويلة " متحديا الأعراف القبلية والفروق الطبقية " ليتقدم بطلب يد محبو بته الجميلة( بشتا شان)"

 في ربيع 83 وحين خلع جبل قنديل ثوبه الثلجي ليرتدي ثوب الزفاف الربيعي الأخضر " كان رفاق العاشق الجنوبي منشغلين بالإعداد لحفلة الزواج" حيث جاءوا من الناصرية والعمارة والكوت وكربلاء والنجف والرمادي وتكريت واربيل وسليمانية " يتقدمهم العاشق يلوح بعلم العراق "الجناة في مخابئهم يحملون أسلحتهم المعبأ ه بعتاد الحقد العنصري " لا يروق لهم ذلك يتربصون بموكب الزفاف يتساءلون من هؤلاء " ومن علمهم الحب الطاهر "  من علمهم إن الخيانة عمل حيواني  " وأخذوا يطلقون الرصاص بتشفي ليغتالوا الحليف "و ليثبتوا إن القيادة وللمرة الثانيه سقطت في وحل التحالفات ألذيليه والتخاذلية "

أنهم الشيوعيون  " عشقوا الحياة فأحبوا الإنسان "

 

 

24/11/2009                  العدد 12  


 

خالد صبيح

 

 

شهداء

 منسيون

 


شهداء منسيون

 

حسنا فعل السيد رضا الظاهر، وهو كاتب يعبر بطريقة حرة عن رأي الحزب الشيوعي العراقي، حينما أشار بنبرة نقدية للجهات الرسمية المعنية بأمر شهداء الوطن في مقاله ذي العنوان المعبر( طبقات الشهداء) المنشور في طريق الشعب، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي،( 28/4/2009) منتقدا التمييز الذي تمارسه هذه المؤسسات ضد الشهداء الشيوعيين. وهذا النقد هو نقد صحيح رغم ما شاب لغته من ليونة وعمومية لا تمس أحدا في الطرح.

والاستحسان لفعل السيد الكاتب يأتي بالضبط لأنه طرح في نهاية مقاله تساؤلا انطوى على شعور كبير بالمرارة أورد هنا نصه:

(أأنست كراسي النعيم من يستريحون عليها أولئك الذين لولا تضحياتهم لما قيض للمتنعمين الجلوس على هذه الكراسي الوثيرة ؟ أغرَّ البعض أنهم باتوا يكنزون الذهب والفضة حتى أمسوا في شغل عمن فقدوا أحبتهم، بل لا يعرف كثير منهم قبور هؤلاء الأحبة ؟)

ولا اعلم ما إذا كان السيد الكاتب يعرف بأنه بتساؤله هذا قد فتح باب التساؤلات المرة على مصراعيه. وأنا هنا استعير نبرته ذاتها وأتساءل بدوري: ألا يعطينا هذا التساؤل والمرارة التي حملتها شكوى التمييز ضد الشهداء الشيوعيين الحق في أن نفكر حول الموضوع ونسحبه إلى أرضية أخرى هي واقع ممارسة الحزب الشيوعي العراقي نفسه مع شهدائه، (ولن أقول قيادته لان الحزب أضحى كيانا واحدا موحدا تشترك قيادته وقاعدته في كل تفاصيل خططه وتفكيره وسلوكه). الم يصنف الحزب، بطريقة وبأخرى، شهدائه إلى طبقات؟ الم يقدم شهيدا ويمنحه أهمية اكبر من شهداء آخرين لا يقلون شجاعة ولا روح تضحية عنه؟ لماذا يكرس قيادي شهيد( مع الاعتزاز بشخصه وبشهادته) ويهمل شهداء آخرون هم أيضا قياديون ومضحون، كالشهيدة عايدة ياسين والشهيد على حسن( أبو حيدر) على سبيل المثال؟. ألا تنطبق الشكوى من الذين أنستهم( كراسي النعيم) رفاقهم على موقف الحزب الرسمي من شهداء بشتاشان؟ وهم الشهداء الأكثر إحراجا للحزب بسبب من خوفه من التطرق إلى ذكراهم وأسباب استشهادهم ومن الذي قام بقتلهم وكيف ولماذا؟ الم يهمل الحزب شان هؤلاء الشهداء ويدارى الموقف عن ظروف وأسباب استشهادهم تكريما لتحالف ركيك مع قتلتهم؟

قبل أيام قليلة مرت ذكرى هذه المجزرة البشعة التي باتت تفاصيلها وأشخاص مرتكبيها معروفة للقاصي والداني، ولم يحرك الحزب ساكنا، رغم ما قدمه من إيحاءات عن نواياه بأجراء مراجعة لسياسته ومواقفه على ضوء الانتقادات التي وجهت إليه من رفاقه أنفسهم، وخصوا بها علاقته التابعة مع القوى القومية الكردية، بل والأكثر أن الحزب قد ركز إعلاميا في هذا اليوم على فعاليته في أعياد آيار غاضا الطرف عن ذكر (ولو مجرد ذكر) إن جريمة بشتاشان وقعت في هذا اليوم بالذات، وأنها أخذت مذاك تشكل غصة وشرخا في يوم الفرح الاياري هذا.

يبدو ان شهداء بشتاشان، كما يهمس بين الأنصار القدامى، قد خسروا باستشهادهم مرتين، مرة حين فقدوا حياتهم ومرة لأنهم بخسوا حق احترام تضحيتهم، بذكرهم وبادانة مرتكبي جريمة اغتيالهم على اقل تقدير، علما إن هؤلاء استشهدوا بالضبط وهم يدافعون عن مقر قيادة الحزب وقادته.

لكن صمت الحزب الرسمي من قضية بشتاشان بات شيئا لا يطاق ولا يمكن السكوت عليه، بل والأكثر انه صار مثيرا للاهتمام ويحفز على البحث والتفكير في الأسباب الحقيقية التي تكمن وراءه. ولنحاول هنا أن نتأمل في ما يمكن أن يعتبر سببا حقيقيا يمكن أن يكون كامنا وراء هذا الصمت المخزي للحزب من شهداء هذه المعركة الشجاعة.

في الحالات النادرة التي يجري فيها التطرق بنطاق ضيق ومحدود لهذه الواقعة من قبل قياديي الحزب يجري التأكيد على أن هذه القضية ماثلة في ضمير الحزب وتفكيره، ولكن الحزب يرتاي أن الأوان لم يان بعد لمعالجة هذه القضية وطرحها. ولا احد يستطيع الجزم بأنه فهم معنى أو شكل هذا الأوان الذي يبدو انه لن يأتي أبدا إلا حينما يسمح الخصم بذلك، وتجربة جرائم شباط 1963 التي موه الحديث عنها إبان التحالف مع البعث دليل جيد ويمكنها أن تشكل خلفية للفهم وتعطي بعض التفسير لموقف الحزب الحالي من جريمة بشتاشان.

وبما إن القضية أساسها سياسي فلنبحث بالدوافع السياسية أو المصالح السياسية التي يمكنها أن تشكل خلفية لهذا الموقف والسلوك المريب إزاء هذه القضية.

صار مفهوما للجميع أن الحزب الشيوعي العراقي يعقد علاقة استراتيجية مع القوى القومية الكردية فيها قدر كبير من التبعية، وأسباب ودواعي هذه العلاقة في مراحلها المختلفة لم تكن بسبب ضرورات عملية بقدر ما كانت تعبر عن انقياد لتأثير توجهات قوموية كردية داخل الحزب الشيوعي نفسه، وعلى وجه الخصوص قيادته السابقة، والتي قادت إلى تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني الذي انتقل بتنظيم الإقليم كليا إلى مستوى علاقة تبعية كاملة مع الأحزاب القومية الكردية. لكن المفارقة ان هذا التحالف الاستراتيجي لم يحقق على ارض الواقع في الظروف الجديدة، بعد سقوط النظام البعثي، نتائج سياسية ملموسة، فقد سعى الحزب الشيوعي العراقي إلى التحالف التكتيكي لأغراض انتخابية مع الأحزاب القومية الكردية لكن رغبته هذه جوبهت بالرفض، وتم الاكتفاء بإلحاق الفرع الكردي من الحزب في الائتلاف الذي شكلته الأحزاب القومية الكردية. وإذا كان لهذا التحالف الاستراتيجي مع القوى القومية الكردية إبان معارضة النظام ما يبرره، لأسباب تتعلق بهيمنة هذه الأحزاب على منطقة العمل المسلح التي كان ينشط فيها الحزب في كردستان العراق، نتج عنه مسارا للأمور فيه قدر من الإلزام حول بعض الاولويات التي تقررها مصلحة الأحزاب القومية الكردية، مما أعاق قدرة الحزب على اتخاذ مواقفه باستقلالية تامة، واضطر بسبب هذه الظروف، وبمفاهيم التحالف التي فرضتها المرحلة السابقة، على القيام ببعض التنازلات، فان هذا التوجه بعد سقوط النظام، وانتهاء مرحلة تواجد الحزب الاضطراري على ارض كردستان، بات يثير الانتباه والشك في طبيعة الدوافع التي تكمن وراء انقياد الحزب لهذه القوى. ولاشيء يفسر، برأيي، هذا الانحدار سوى ما يمكن نعته بانعدام ثقة الحزب بالقوى السياسية القائمة على العملية السياسية، وهي تخوفات مشروعة إلى حد ما، وفي نفس الوقت، وهذا الأخطر، هو نوع من التعبير عن انعدام ثقة الحزب بنفسه وبقدراته وبجماهيره، بحيث بات لا يرتكن لغير التحالف مع طرف قوي يؤمن له وجودا سياسيا يقيه من العزلة والتهميش، كما بررت في حينه بذلك قيادة الحزب سبب انخراطها في العملية السياسية واشتراكها في حكومة بريمر.

بيد أن هذا المستوى السياسي لايمكن له أن يشكل وحده سببا حقيقيا كافيا لهذا السلوك من قبل الحزب، فالسياسة هي عملية متحركة وتحتمل التغيرات ولا يمكن لأسبابها أن تدوم إلى ما لانهاية. وهي تتطلب أيضا، لكي تخاض بطريقة صحيحة، الكثير من الجرأة والاستعداد للتضحية بمواجهة المصاعب. وبالتأكيد إن الحزب يدرك في ظروفه الحالية أن من أولى اولويات عمله الآن، لكي يخوض المعترك السياسي بنجاح، هي إعادة بناء الحزب ومد خيوط علاقته مع الجماهير من خلال اتخاذه مواقفا جريئة وصادقة ومعبرة عن تطلعاتهم ومصالحهم ليشكل من الجماهير، ما اعتادت أن تسميه الأدبيات الشيوعية الكلاسيكية، سياجا يحميه في صراعه السياسي. وهذا من شانه أن يضعه في موقع الاستقلالية وبالتالي الفاعلية السياسية الحقيقية. لكن الحزب عجز عن أداء هذا الدور، والدليل هو النتائج الهزيلة التي حصل عليها في الانتخابات الثلاث التي جرت في العراق، وكذلك في انعدام قدرته على الحضور المؤثر في الشارع وفي العملية السياسية. وهنا ينبثق بالضرورة ظن وتقدير آخر، غير الظرف السياسي، يمكن أن يضاف كسبب لتفسير الدوافع الكامنة وراء هذه المواقف والتبعية للقوى الكردية التي تعيق الحزب عن اتخاذ ابسط المواقف لكي لا يمس علاقته ببعض هذه القوى. وعلى وجه التحديد الجلاليين، حزب رئيس الجمهورية الحالي، القوموي الكردي، والمسؤول الأول عن مجزرة بشتاشان، جلال الطالباني.

وينبغي الانتباه بهذا الصدد إلى ظاهرة جرت الإشارة الصريحة لها ليس من منتقدي الحزب فحسب وإنما من بعض المدافعين عن الحزب بحماسة، وهي ظاهرة اشتغال الكادر القيادي الحزبي في مراكز حكومية رفيعة، وهي مراكز ووظائف لم تأت في حقيقة الحال نتيجة لحضور الحزب في السلطة كمحصلة عادلة لنتائجه الانتخابية. فالجميع يعرف أن هناك عدد من الكادر القيادي يعمل في وظائف كبيرة: وكلاء وزارات، ومديرون عامون، سفراء، ومديرو مكاتب لمسؤولين كبار في الدولة، كان أكثرها لوزرارت ومكاتب تابعة للقوى القومية الكردية. ومرت جميعها عبر المرشح الكردي، وهذا بطبيعة الحال يلقي بظلال من الشك حول قدر المنفعة الشخصية التي يجنيها هذا الكادر من وظائفه، هذا غير بعض الاستثمارات المالية والشراكات التجارية التي يعقدها كادر آخر لا يشغل وظائف في الدولة. لاسيما إذا ما عرفنا أن هناك ضمن الكادر القيادي بعض التجار الصغار الذين يؤثرون مصالحهم الشخصية على عملهم الحزبي نتيجة لما تمليه عليهم ذهنية التاجر الصغير من سلوك والتي تتسم عادة بضيق الأفق والنفس القصير والميل لعقد الصفقات. هذا إذا تغاضينا عن بعض المصالح الصغيرة الأخرى: قطع أراضي، رواتب تقاعدية، منح مالية، وهذا الأمر يؤثر سلبا،كما لا يخفى، على قدرة هذا الكادر على اتخاذ مواقف تؤثر على مصالحه الشخصية.

هذان السببان، كما يمكن أن يسشفه أي مدقق في الواقع، يمكن أن يكونا هما اللذان يكمنان وراء هذا المستوى من التبعية للقوى القومية الكردية. وفي كل الأحوال فهما ثمنان رخيصان لمقايضة موقف وتاريخ وشهداء. وإذا كان الحزب الشيوعي العراقي يدين الآخرين وينتقدهم بمرارة على عدم إنصافهم له ولتاريخه ولشهدائه فحري به أن ينصف شهدائه هو أولا قبل أن يطالب الآخرين بهذا الإنصاف. لكن يبدو أن الحزب يراهن كعادته على الصمت كموقف نهائي من كل شيء لا يريد الوقوف أمامه، ويراهن على ما يفترضه ذاكرة الناس القصيرة التي يمكنها أن تنسى بسرعة، وهو غير مدرك بهذا التصور من أن التاريخ لا ينسى، إن نسي بعض الناس، وانه سيعاقب بطريقته الخاصة.

 

 

 

سلام عبود

 

 

شهداء للبيع!

البحث عن رفات الشهيد

 كاظم طوفان

 

 

 لا أعرف أية صورة يرسمها هذا الاسم في خيال القرّاء!

 المزج الغريب بين الكظم والغضب هو ما استوقفني في هذا الاسم الفريد. الكظم كمقدرة على كبح جماح النفس في حالة الغضب، والتي هي صفة لأحد أئمة الشيعة، والطوفان أي هياج الماء وجموحه وثورته، كما ورد في الكتب السماوية وفي الأساطير العراقية القديمة. لكننا لا نعثر على معنى الطوفان في العامية العراقية، التي لم تعد تستخدم الكلمة إلا كاسم.  وهو المصير ذاته الذي آل اليه الفعل كظم. فقد نسيته العامية العراقية واكتفت باسم الفاعل والمفعول منه: كاظم” و”مكظوم”. بيد أن اضمحلال معنى الطوفان في الاستخدام العامي لم يلغ صلة الكلمة بالماء, فلم تزل هذه الكلمة تستخدم بمعنى العوم على سطح الأشياء، ومنها الفعل "طوٌف"، و"الطوف" أداة ركوب النهر. وترد كلمة طاف بمعنى تنقل في زياراته, وحصرت العامية الطواف بزيارة العتبات الدينية.

 إذاً، نحن أمام "كاظم" و"طوفان". دين وأساطير ومذاهب وفصيح وعامي وهيجان وتحكم بالانفعال، كل ذلك يجتمع في اسم واحد؟

كم  حاولت أن أرسم صورة أدبية في هيئة قصة أو مقالة  لكاظم طوفان, لكّني فشلت في كل محاولة! ولو أني حاولت في وقت مبكر من حياتي ربما نجحت في مسعاي. وربما كان نجاحي أكبر لو أنني طبقت عليه مفاهيمي الثورية عن الفن والأدب، خاصة ما يتعلق بالنمذجة، وتعميم الخصائص الجوهرية للواقع، ومطابقة الشروط الاجتماعية، وعكس جوهر الواقع المعاش وغيرها من الوصفات السحرية، التي يتعلمها طلاب الأدب في معاهد الدول الاشتراكية سابقا، ومتذوقو علم الجمال الحزبي الاشتراكي. لو كنت فعلت ذلك آنذاك لنجحت نجاحا باهرا في رسم صورة شخصية للمناضل البروليتاري، الذي يولد بين الناس ويخدم قضاياهم بإخلاص ونزاهة وشرف. ولكن، لم يكن، ممكنا، حينذاك،  ايجاد خاتمة منطقية لبطولته الثورية. فنضاله الثوري لم يبلغ مبتغاه حينذاك: النصر أو الشهادة. أما رفاق دربه فتشردوا وتشرذموا. وما كان من الممكن أن يكتب المرء عن شخصية حيّة، لا تتمتع بمركز قيادي مرموق،  لم تصل بعد الى حدود البذل القصوى. فما معنى أن يكتب المرء عن كادر حزبي مغمور، حتى إذا كان من حزب الكادحين والمغمورين!

أما الآن، بعد أن أنجز كاظم الخاتمة  الضرورية التي تشترطها القصة­ القصة البطولية والحزبية الناجحة­ عابرا لحظة الذروة: الاستشهاد، أصبح رسم الصورة أكثر استحالة. والسبب يعود الى أنني تغيرت خلال الفترة التي أرغمت فيها على انتظار موته. فلم أعد  أؤمن إيمانا حرفيا، تقديسيا، بما كنت أسميه البناء الفوقي والتحتي، والانعكاس، والتعميم،  والنمذجة وغيرها. المأزق الذي وقعت فيه هو أني لم أجد في كاظم صورة واقعية يمكن أن أرسم من خلالها لوحة فنية تعمم خصوصيات الواقع. قد تبدو هذه الفكرة شاذة ومعقدة عند البعض. وفي حقيقة الأمر هي كذلك. فكلما نظرت الى كاظم أجد أنه ليس شيئا واقعيا ينشد أن يتم عكسه” الى عمل أدبي، يعمم” خصائص الواقع فنيا كـ نموذج”. فهو في  نظري لا أكثر من صورة فنية منجزة، رسمها الواقع، بالضبط كما يرسم الرسام أوكاتب السيناريو السينمائي صورة فنية عن شخص ما. هكذا بدا لي: مجرد صورة رسمها أحدهم، ريما تكون الطبيعة، أو الله، أو إحساسي الشخصي، أو تصورات الناس, وقال لها: انزلي وسيري على رصيف الحياة!”. كان صورة فنية منجزة الخلق. فلو قدر لي أن أرسم صورة أدبية عنه، فكيف أرسم صورة عن صورة! ذلك هو المأزق الذي وضعني فيه موت كاظم. لذلك  عجزت عن رسمه وهو حي، وازداد عجزي حينما مات شهيدا، مغدورا به، فوق قمة جبل كردي، ذهب ­ هو العربي ­ ليدافع عنه.

عرفته قبل أن التقيه. فجميعنا، سكان وسط المدينة، الشباب، المهتمون بالسياسة نكاد نعرفه، أو أننا لاحظنا وجوده المحسوس على مقربة منا في مدينتنا الصغيرة. وجه جميل التقاطيع، يشبه وجوه الممثلين في أفلام البطولات الكبيرة. مشية هادئة. ثياب بسيطة قلما تتغير، لكنها عصرية ومعتنى بها. ود واضح، وهدوء وحذر يظهران بجلاء في مشيته وفي سلوكه وفي طريقة نطقه للكلام. وتلك خصال تؤهل أيّا كان في مدينتنا الجنوبية الفقيرة، المهملة، لأن يلعب دور البطل في أية قصة عاطفية، وقد لعب كاظم بحق دور البطل في واحدة منها. ولو أضفنا الى ذلك كله بعض البهارج كأن تكون قصة حبه الحقيقية من القصص المستحيلة، فسيغدو من دون ابطاء شخصا له صلة بأبطال القصص الخياليين. وفي حقيقة الأمر كانت قصة حبه العاطفية شديدة التعقيد. فلم يكن واعدا ومأمونا الجمع بين الشيوعية والفقر والحب والبطولة الرومانسية الى حد الاستشهاد. كان ذلك يشبه الجمع بين الكظم والطوفان. تلك إضمامة من الأفعال القاتلة! فموضوع اشتغاله بالسياسة ربما لم يكن عظيم الخطورة في نظرنا، فكثيرون عندنا مشغولون بها. لكن الاشتغال بها الى حد الاستشهاد أمر لا بد أن يكون عظيما شئنا أم أبينا. كان هذا الأمر سببا كافيا لجعل كاظم مغامرا من الطراز الأول، مغامرا في حبه وشيوعيته ورومانسيته الثورية. وربما لهذا السبب أيضا كان يجب أن يموت، كي يرث مكانه­ ولا نقول موقعه­ من هم أقل منه شيوعية ورومانسية وعاطفة!  أما موقعه فقد مات بموته. لأن المواقع دائما هي البشر أنفسهم, تولد بولادتهم, وتموت بموتهم.

توطدت علاقتي وثقتي به وئيدا، لبنة لبنة، وسط مشاعر شديدة التعقيد تبادلناها وعشناها معا. فكلما اقتربت منه ازدادت ثقتي به وحبي له من جانب، ومن جانب آخر فسدت أجزاء من الصورة الجميلة التي رسمتها له في مخيلتي. فهو لم يكن مثقفا كما يتقول البعض متسلحا بالماديتين التاريخية والجدلية”. كان في حقيقة الأمر متسلحا بحب قضيته، وبشجاعة نادرة، مصحوبة بإخلاص لا حدود له.  كان شريفا في حواراته معي، لأنه كان يعترف دائما، وبخجل، بأنه ليس محترف ثقافة مثلنا. إضافة الى ذلك فهو غير متعلم مثلنا نحن طلاب كليات الآداب والفنون والحقوق... وزيادة في جرعة المكاشفة اعترف لي بأنه  مثلي،  كلما اقترب مني أحس بشيء غريب ومتناقض أيضا. اكتشف, شيئا فشيئا,  أن الشباب "المثقفين" المهوسين بالكتب والنظريات الثقافية ليسوا فاسدي قلب وضمير ودماغ، كما يشاع عنهم في الأوساط الحزبية القيادية. صعوبة التعامل معهم أمر لا يخفى على أحد، إلا أنهم بشر مثل غيرهم من الناس، فيهم الصالح والطالح. وتلك خلاصة خلاقة من حزبي بدأ يضع قدميه توا على سلم القيادة. وربما لذلك السبب اصطفاني كاظم في زمرة الصالحين, فنشأت بيننا ثقة كبيرة وألفة، جعلته يوما يباغتني من دون تمهيد قائلا:

­ أما آن للفارس أن يترجل؟ أما آن الأوان أن تحسم أمورك وتقرر؟

­ أقرر ماذا!

­ أن تعمل معنا.

 وقع طلبه موقعا عجيبا في نفسي. لا بسبب أنه يدعوني الى العمل في صفوف حزب سري، هو الحزب الشيوعي العراقي، وإنما بسبب معرفته أني  كنت أنتمي الى فصيل شيوعي آخر، عدو عداء لا صلح ولا هدنة فيه مع حزبه، الذي كان وما زال يعتبر من انتمي اليهم  مجرد مغامرين طوباويين، يستحقون العقاب الحزبي المعهود: الطرد والمطاردة والتشهير، وإذا توفرت ظروف مؤاتية، فلا مانع من العقاب الأنجع: الموت، بطرق مباشرة، كما حدث لرفاق كثيرين، أو بالدس عليهم والتبليغ المباشر وغير المباشر للإيقاع بهم.

 كيف يجرؤ "موسكوي", تحريفي, يميني على هذا!

 لكني سرعان ما ربطت الأمر بسلسلة من الحوارات المماثلة جرت مرات عديدة مع صديق شيوعي آخر, ظننتها حينذاك مجرد جدل عفوي, اعتدنا على خوضه في ملتقياتنا الخاصة.

­ أهذا رأيك أم رأي حزبك؟

­ رأيي ورأي حزبي واحد.

­ إذاً، لا لقاء بيننا، لأنني أعرف رأي حزبك جيدا.

­ اعتبره رأيي.

­ وهل سأعمل في صفوف رأيك أم في صفوف حزبك،؟ وكيف سيتقبل الآخرون الأمر؟ كيف سيقبلون رفيقا، لم يتخل عن أفكاره المغايرة لأفكارهم؟  أنا لا أعرف على الإطلاق بوجود هذا اللون من التسامح الحزبي عندكم.

­ ولكني أعرف من أنت.

­ من أنا؟

­ أنت عضو طلابي بسيط ,سابق, في تنظيم القيادة المركزية، الذي يرى أن تيار حزبنا هو تيار يميني واصلاحي، وربما رجعي. وأنتم تعتقدون أن الحوار مع فصائل العمل الوطني، خاصة البعث، ضرب من الخيانة الوطنية والطبقية، ونوع شنيع من أنواع الذيلية السياسية والتبعية للاتحاد السوفيتي. أما ما  يخص للكفاح المسلح الذي تؤمنون به، فأنا واثق تماما أنك وصلت الى قناعة مماثلة لقناعتي وقناعة عدد كبير من الرفاق ممن كانوا يميلون الى الكفاح المسلح, مفادها أن الكفاح المسلح لم يعد الشعار الملائم، في الأقل الآن، بعد انهيار تنظيم الكفاح المسلح تحت ضربات السلطة.

­ وضرباتكم.

­ سوء حظنا.

- حظكم؟

- حظنا جميعا.

­ حسن! ما وجه اللقاء بيننا؟ ما زلنا عدوين بنظركم.

­ لسنا عدوين، في الأقل لي شخصيا.

­ هذا أجمل ما سمعته من شيوعي، أرجو أن لا تلام عليه.

­ أنا لا أخاف من أحد، وأعرف بالضبط ما أقول.

­ حقيقة، كان بودي أن أستجيب الى دعوتك الصادقة، التي أجدها بحق فرصة أخوية ورفاقية للتعاون، لكن المشكلة لا تتعلق بك، وإنما بحزبك، بتركيبته، بقيادته، بعقليته، بروحه، بتقاليده التنظيمية والسياسية. كل ذلك يحول دون أي لقاء واقعي بيننا. سنصطدم ببعضنا لا محالة، اليوم أو غدا أو بعد غد. وستبدأ سلسلة الاتهامات، ويبدأ التذكير بالماضي اليساري وبالانتهازية اليسارية المغامرة وبمرض اليسارية الطفولية.

­ لن يحدث هذا.

­ لماذا لن يحدث؟ سيحدث، ربما لن يحدث معك ولكن مع الآخرين، خاصة أنهم يعرفون أنني لم أتخل عن أفكاري  فيما يتعلق بتهالك قيادتكم على التعاون مع السلطة.

­ لن يحدث. أنا على ثقة تامة من هذا، لن يحدث ما تخشاه.

­ حتى لو افترضنا ذلك، وهو أمر غير واقعي، فما نفعي لكم، وأنا لا أدعو الى سياستكم؟

- صدقني أنا لا أختلف معك إلا في أمر واحد فقط. أنا أؤمن بالتغيير من الداخل. يجب قلب المعادلة من داخلها لا من خارجها. بالمناسبة, لست وحدي من يؤمنون بهذا, هناك كثيرون مثلي, لكنهم الفئة الأقل نفوذا. يجب أن نكون الأقوى بتساندنا.

- وموجة التحالف؟

- لا أحد يستطيع إيقافها الآن, لا أنا ولا أنت, لا من الداخل ولا من الخارج, إنها عاتية وستجرف الجميع, ولكن لا حلول أمامنا. فهل نترك كل شيء, كل شيء للآخرين, ونستسلم لليأس؟

- وما نفعي لكم؟ أنتم حزب عريق، يملك تنظيما حديديا كما تدعون، وشبكة عظيمة السعة من الأعضاء، جيش البروليتاريا الحديدي، كما تسمونه.

لم يعلق كاظم، كان ينظر اليّ بهدوء وهو يبتسم ابتسامة صبر وتعقل، منتظرا أن أنهي فورة كلامي، التي توقع حدوثها وخمن فحواها مسبقا. طأطأ رأسه كعادته، ثم رفع خصلة الشعر الناعمة التي نزلت على جبينه بكفه، غارسا أصابعه في شعر رأسه مثل مشط، بحركة، ربما هي أيضا جزء من صورة رأيتها من قبل على شاشة ما، أو قرأتها في كتاب ما.

­ هل تريد أن أفشي لك سرا حزبيا لا يقال. هذا السر ربما لو عرف أحد به ستكون عقوبتي الطرد من الحزب؟

كان سؤاله مفاجئا حقا. فأنا لم أرد منه أن يصل في ثقته معي الى هذا الحد الجنوني،  ولم أكن أبحث في حقيقة الأمر عن نقاط للثقة معه. فأنا أحس به صديقا مقربا موثوقا، رغم اختلافنا السياسي.

­ رغم اختلافي معك، فأنا لا أتمنى لك الطرد من حزبك، ولا أريد أن أخلق مشاكل لك أو لغيرك.

­ على أية حال سأسألك سؤلا تافها: كم عدد أعضاء الحزب الشيوعي في مدينتنا؟

­ وكيف لي أن أعرف!

­ قدّر الأمر تقديرا؟

­ في يوم ما، في زمن حكومة الزعيم عبد الكريم  قاسم ، كانت العمارة هي المنطقة الوحيدة في العراق التي توجد فيها لجنتان محليتان للحزب الشيوعي، واحدة في المدينة وأخرى في الريف. أما الآن فلا أعرف. ربما آلاف.

­ لا.

­ مئات.

­ ولا هذا.

­ عشرات.

­ ولا حتى هذا.

­ ماذا يوجد إذاً؟

­ لا يوجد شيء. نحن نعيش على تلك الخرافة التي كانت، والتي ما زالت تعيش في أذهان الناس. لقد قادت الضربتان الأخيرتان، اللتان وجههما جهاز الأمن الى تنظيمنا الحزبي الى تدمير قواعد الحزب تدميرا تاما. وحينما اعتقل واعترف عضو ارتباط المنطقة الجنوبية انهار بناء المنظمة الحزبية من أعلاه الى أسفله. كنا في السابق نعاني من ضربات توجه الى القواعد أو الى حلقات وسطية تتسبب في ضياع جزء من بنية المنظمة، لكن الضربتين الأخيرتين زلزلتا البناء من قمته حتى قاعدته. جاءت الضربة الأخيرة من الرأس ووصلت حتى الأسفل. لا يوجد جيش البروليتاريا الحديدي الذي يعتقد الناس بوجوده. هل تصدق؟

لم أصدق. لا يمكن لخيالي أن يقبل بذلك، حتى لو صدق عقلي ذلك؛  ولا يمكن لقلبي وعواطفي أن تقبل ذلك حتى لو أن خيالي تصور ذلك وقبل به. نحن شيوعيون، شيوعيون, لا لأننا ننتمي الى الحزب الشيوعي، نحن شيوعيون لأننا متهمون بذلك، سواء انتمينا أم لم ننتم. ماذا نفعل بمشاعرنا الشيوعية, ماذا نفعل بشهادات اضطهادنا؟ وماذا نفعل بتهمنا الجاهزة، المتوارثة إذاً؟

- عيب! لا يمكن.

 "عيب!" هكذا نطق الكلمة، صديق طفولتي، الذي عمل معنا يوما ما في منظمة الشبيبة، رغم وجوده في موقع شبه عسكري. قلت لذلك الصديق يومئذ، مسرا له بمعلومات شديدة الدقة والخطورة: من الأفضل أن تقطع صلتك بالشيوعيين وبمنظمة الشبيبة الديموقراطية الشيوعية فورا”، فرد عليّ بغضب: أهذا أمر من الحزب تبلغه لي؟”, أجبته مهونا الأمر عليه: أنت لست عضوا حزبيا، أنت في منظمة ديموقراطية”. فنطق وهو يغص بالكلمات: وما الفرق! في حسابات أجهزة الأمن لا فرق”. قلت له على الفور: صدقت، لذلك أنصحك بأن تتخلى فورا ومن دون تردد عن أية علاقة بالشيوعيين، فقد صدر قرار من قبل السلطة يقضي باعدام كل من له صلة بالشيوعيين ويعمل في الجيش أو في أماكن عسكرية، وأنت تعمل في مكان تابع رسميا لمؤسسة عسكرية”.

­ تعني... أبطل من الحزب!

­ أنت لست في الحزب على أية حال.

­ تعني أتخلى عن مبادئي ومعتقداتي.

­ لا، ولكن ابتعد عن التنظيم وعن أي شكل من الصلات التنظيمية.

­ أي أتخلى عن مبادئي.

­ ....

­ لا يمكن.

­ قلت لك توجد عقوبة اسمها الإعدام. ألا تفهم! أما قيادة الحزب فلا يهمها أمرك، لأن استمرار التحالف يهمها أكثر من حياتك وحياة غيرك.

­ أنت تخرف.

­ أنا أغامر بهذا القول، لأنك عندي لست  زميلا” فحسب، أنت صديق طفولتي.

­ أبدا.

­ لماذا؟

­ عيب!

مسك طرف ذقنه بأصابعه المرتعشة من فرط الانفعال، ونظر اليّ باحتقار شديد وحزن وخذلان عظيمين وظل يكرر: عيب. عيب” ومضى، من غير أن يعرف أن أول وجبة من الذين سيجرى تنفيذ حكم الإعدام بهم قد صدرت الأوامر بحقها، وأن قيادة الحزب الشيوعي، على لسان أحد زعمائها، عامر عبد الله، رجت الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر أن يعفو عنهم، وحينما أبى البكر، اقترح عليه الرفيق الشيوعي، القائد، مداعبا أن تسقط عنهم الجنسيات العراقية ويعتبروا بحكم اليهود ويعاملوا معاملة اليهود  الذين سفروا الى اسرائيل!

­ عيب!

 قلت لكاظم طوفان حينما كرر السؤال عليّ قائلا:

­ هذا هو وضعنا، سنبدأ من الصفر. أنت ومجموعة صغيرة من الأصدقاء، تعرفهم جميعا، ستبدؤون من الصفر. فهل أنت ضد هذا؟

­ عيب! أجاب فورا, نيابة عن ضميري، وعلى لساني، صديق طفولتي، فانخرطت في عمل لا يكل, بمعية أصدقاء آخرين, جرتّهم كلمات سحرية, غامضة, مشابهة. كانت كلمات السر الخفية التي نننطقها أوامر داخلية, فطرية, مبهمة لا صلة لها بالعمل السياسي أو الحزبي أو الآيديولوجي، لا صلة لها بالطبقات والصراع الطبقي، لا صلة لها بالبناء الفوقي والتحتي. عهود ومواثيق والتزامات باطنية، ينطقها بألسنتنا بشر خفيون يقبعون تحت جلودنا. بشر أنقياء، صادقون الى حد الموت. بشر يهبون أنفسهم طوعا الى جلاديهم.

هكذا استمر عملنا ”نضالنا”، حتى اليوم الذي تم فيه انجاز بناء منظمة شبيبة المدينة، ثم منظمة الأطراف” أي ما يحيط بها من نواح وأقضية، ثم توحيدهما في قطاع واسع، ظهر من العدم ورسّخ الوهم القديم بشيوعية مدينة العمارة، وزاد في تأكيد تهمة الشيوعية لسكان المدينة الوادعين، الطيبين. في مساء يوم الانتهاء من اللقاء الموسع، الذي كرس لمناقشة أوضاع ما بعد استكمال بناء المنظمة الشبابية، تسلمت أمرا حزبيا”، يقضي بتسليم مهامي التنظيمية كافة الى رفاق آخرين، والتفرغ للعمل العلني في مقر الحزب الشيوعي في العمارة، كمراسل متفرغ لجريدة طريق الشعب”. فجأة، اكتشف أحد رفاق التنظيم أنني أصلح الأعضاء في المدينة للعمل الصحفي.  قبلت الأمر من دون تردد، بشعور مزدوج, متناقض بشكل حاد: ارتياح خفي لتخلصي من عبء لا يحتمل، ولكن بحزن من يطعن طعنة يعرف أنه يستحقها, طعنة الخيانة!

 قال كاظم:

­ من حقك أن ترفض.

­ عيب! أجبته وشعورعظيم بالخذلان يملأ روحي.

 لم يمض وقت طويل بعد ذلك، حينما اكتشفت أن البعث اكتشف أنني مندس في صفوف الشيوعيين لصالح قوى معادية لمصالح التحالف! وشيئا فشيئا أخذت أعي أن الدائرة بدأت تضيق, والحصار يشتد. وكلما التقيت كاظما وتناقشت معه مذكرا إياه باللحظة العجيبة التي تصارحنا فيها واتفقنا على العمل معا، قال لي:

­ امسحها في ذقني. على الرغم من أنني واثق أنك, عمليا, الرابح حتى الآن. فلولا وجودك بيننا لكنت في خبر كان.

بيد أن تلك الحماية الوهمية التي ظن كاظم أنهم قدموها لي مجانا كانت خداعا للذات محضا, خداعا لا يشتريه الحزب بفلس ولا يشتريه البعث بأقل من فلس. لذلك أدرك كاظم, بفطرته النقيّة, أنه حقا متورط، وأن ذقنه لم تعد قادرة على تحمل مسحات جديدة، خاصة أنه بطرقه الشخصية، كقيادي، عرف أن ذقنه ستتلطخ بالدم قريبا. فإذا كانت الشكاوى سابقا ضدي مجرد اتهامات من قبل جهاز الأمن، فإن شعورا خادعا  أخذ يسود داخل التنظيم ويسيطر على عناصره، مفاده أن الجبهة أهم من كل شيء، وعلاقات التحالف هي الهدف، وفق شعار خندق واحد لا خندقان”. خندق واحد حتى لو كان مليئا بالدم والغدر والوقيعة.

جاءني كاظم وهمس في أذني:

­ ما رأيك في الدراسة... والسفر؟

لم أجب عن سؤاله، لكنني التقطت الإشارة. وحينما اعتقلت وأنا في الطريق الى أهوار ناحية السلام تأكدت إشارة كاظم، ففهمت ما كان يدور في عقله، وأصبح الخيار إلزاما. وفي لقائي بكاظم بعد عودتي من ناحية السلام، حيث ذهبت لعمل تحقيقات صحفية في ريف العمارة، لكنني منعت واعتقلت بصحبة مسؤول العلاقات الوطنية السابق في العمارة, الصديق العزيز "أبو حارث" هشام الطائي, عدت وبجعبتي عدد من التحقيقات الصحفية، مسحت فيها أحوال الناس من مدينة السلام حتى العمارة، بما في ذلك تحقيق شديد الطرافة عن عمليات اعتقال جماعية واستعباد بشري من قبل مسؤولين حزبيين للفلاحين، بعثتها كلها الى "طريق الشعب" ولم ينشر إلا النزر اليسير منها، لأن الجريدة لم تكن معنية بالخلاف، بقدر ما كان يعنيها الاتفاق. وبما أن اعتقال الناس قضية خلافية، وبما أن أعمال السخرة قضية خلافية، فلا مكان لها في صحافة حزب الكادحين.  

لم يتخلف كاظم طوفان عن مد يد المساعدة المالية لي ، وساهم في هذه المساعدة صديق شيوعي، استشهد الى جوار كاظم طوفان في بشت آشان، هو أبو على (عبد الحسين علي)، الذي أقرضني خمسين دينارا، رغم فقره. فحينما استفسرت منه عن وضعه المالي، لم يجب، سكت لحظات، ثم نطق بحزن كلمة واحدة:

­ عيب!

 نطق الكلمة وذهب مسرعا الى بيتهم، الذي هو صريفة من قصب في حي شديد البؤس يقع على الضفة المقابلة  للمدينة من نهر دجلة, لكنه ما لبث أن عاد وعلى محيّاه تعابير محيّرة. عاد يحمل, بمشقة بالغة, ابتسامه حزينة، هي مزيج من الفرح الخفي الغامض والخوف من شيء مجهول، لا أحد يعلمه، حتى هو. قبّلني مودعا ودس المبلغ في جيبي. ربما كان يدرك، مثل كاظم، أنني لا بد أن أذهب. فقد أضحى وجودي جزءا من الدم الذي سيلطخ ذقن  كاظم، ومن الممكن أن يلطخ ذقنه أيضا، فقد كان زميلي في منظمة الشبيبة، وهو الذي تولى مسؤوليتها بعد استكمال بناء تنظيمها.

كاظم طوفان أبو ليلى”، و”أبو علي” لم ينتظراني كثيرا. فقد استشهدا معا على يد ميليشيات الاتحاد الوطني الكردستاني الغادرة, وهما يدافعان مع عشرات من الرفاق عن مقر قيادة الحزب الشيوعي العراقي، في جبل ناء من جبال كردستان، تلطخ الى الأبد بدم أبرياء لا ذنب لهم، سوى أنهم وثقوا بمن سيفتكون بهم. أما أنا، فما زلت أحيا، تؤرقني صورتاهما، وتجهش نفسي حينما أتذكر وجهيهما وهما يقبلاني ويودعاني داعيين لي بالسلامة، من دون أن يعرفا أن الموت كان يتربص بهما. كان الموت أقرب اليهما مني. وكلما عادت الصور القديمة الى خيالي، تدوّي في أعماقي كلمة عيب”, مثل صفعة، فأحس كما لو أنني المسؤول عن موتهما، وأن دمهما الطاهر ذكرى حارقة تبقع وجهي، وتحملني ذنب رحيلهما المبكر، رحيلهما الغادر برصاص الحلفاء. فقد هربت, بمساعدتهما, من بطش الحلفاء, وجعلتني نجاتي  شاهدا على موتهما بفعل الحلفاء أيضا.  فما أكثر الحلفاء، وما أشد غدرهم!

في الأيام التالية لسقوط صدام حاول بعضهم, تزلفا حينا وطمعا في تذكرة سفر الى مهرجان ثقافي حينا آخر, تزوير الهويات, فجعلوا  شهداء بشت آشان يسقطون " في المواجهات ضد الديكتاتورية", بما يوحي ببراءة الذئب القاتل. ووصل الأمر بأحد المواقع الحزبية أن أورد العبارة التالية عن أحد شهداء بشت آشان " استشهد  في أقبية التعذيب"! ففي زمن الخراب يبيع الورثة كل شيء, يبيعون حتى شهداءهم!

سافرت الى بغداد مرورا بالبصرة. بصحبة أبي زيتون، أحد أكبر واشهر قياديي المنطقة الجنوبية العلنيين, سافرت أولا الى البصرة بسيارة الفولغا، التي كنا نسميها سيارة الحزب. كان شعوري لا يضاهى وأنا أقطع المسافة من العمارة الى البصرة جالسا في سيارة الحزب. فلم يكن شعوري هو شعور من يركب سيارة، قال عنها صديق برجوازي  من أيام الدراسة الجامعية، إنها متعفنة ومتخلفة كالشيوعية. كنت أحس بزهو لا مثيل له ودغدغة طبقية عجيبة، ربما لا توازيها سوى دغدغة الكرسي الوثير, الذي جلس عليه ستالين في مكتبه الفاخر أول مرة عقب اطلاق النار على لينين. فقد دهمني وتلبسني شعور عميق، صادق، بأنها السيارة الوحيدة التي امتلكها فرد من أفراد عائلتي، عائلتي  الكبيرة، التي هي جماهير حزب الكادحين . إنها سيارة الجماهير, سيارة الشعب بأسره!

(بعد فترة وجيزة سقط أبو زيتون وسيارته الروسية سقوطا مدويا, فتلقفه البعث بالأحضان!)

في مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، بعد جدال متعب وعبثي مع السيدين ماجد عبد الرضا، بدرجة رئيسة، وثابت حبيب العاني، اختتما الكلام بأن طبعا لي رسالة فيها تأكيد على هويتي الشخصية الى الجهات اليمنية في عدن، استلمتها بعد تلكؤ وخصام ومناكدات، (اكتشفت بعد أشهر أن الرسالة كانت تتضمن عبارات ليست في صالحي)، وحينما ودعتهما وخرجت، استوقفني صوت ماجد وهو يقول ساخرا، مداعبا:

­ الى أين تعتقد أنك ذاهب يا رفيق، الى الجنة؟

التفتت اليه، وقلت بجفاء اليائسين:

­ ربما لن تكون عدن هي الجنة، لكنني أترك جنة التحالف لكم.

بعد سنوات ذكرّت ماجدا بذلك، في مؤتمر الحزب الاشتراكي اليمني الأول. حضر ماجد ممثلا عن الحزب وحضرت أنا مراسلا لـ "طريق الشعب"، وكان بصحبة قيادي من الجبهة الديمقراطية، حينما سألته:

­ سمعنا أخبارا تتحدث عن حل المنظمات الديموقراطية!

 قلت ذلك وأنا أعرف أن ماجدا نفسه يقف على رأس الاتجاه الرامي الى حل المنظمات، أو في الأقل يتولى مهمة ترجمة و"أدلجة" وتسويق القرار لصالح القيادتين البعثية والشيوعية.

­ لا، ليس حلا.  نحن خيّرنا أعضاء المنظمات الديموقراطية التابعة للحزب، بشكل ديموقراطي وطوعي، بين أمرين: أن يتحولوا الى أعضاء حزبيين، أو أن يتركوا الحزب.

­ والذي لا يريد أن يكون حزبيا؟

­ هذا من حقه أيضا، هو حر، يستطيع أن يفعل ذلك.

­ كيف؟

­ كيف! يحل عن, عن رقبتنا.

لا أعرف ماذا سيقول الرفيق الذي خاطر بحياته وانضم الى المنظمات الديموقراطية وهو في جهاز عسكري حينما يسمع اليوم, وهو في قبره, أن قيادة الحزب اعتبرت شيوعيته قيدا يغل رقبتها، وأنها ترجوه أن يحل عن رقبتها؟ وماذا سيقول الشهداء الآخرون، الأحياء منهم أو الأموات!

 

### # ###

 

في شباط 1969 سقطت أقوى شخصية شيوعية عراقية معارضة بيد الشرطة. جاء النبأ صاعقا مثل ضربة برق. لم يصدق كثيرون ذلك، رغم أنهم اعتادوا، من حين الى آخر، قراءة أخبار في نشرة الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يجري غزلا جبهويا مع السلطة، تشير علنا الى تحركات مشبوهة يقوم بها ر”  أو غيره من قياديي الفريق الشيوعي المناويء، الذي يرفض التحالف مع البعث. بعض هذه الأخبار كان يشير بدقة متناهية الى مواقع البيوت الحزبية الأوكار السرية”، التي يتحرك فيها الخصوم. في هذا المناخ المنقوع بالسموم وقع عزيز الحاج، الشخصية الشيوعية الأسطورية بيد السلطة، وتقرر عرضة على الملأ في التلفزيون.

حينما سمعنا الخبر، سارعنا مثل أغلب العراقيين الى أقرب جهاز تلفزيون. كنا آنذاك مجموعة من طلاب الجامعة نتسكع عند الغروب، بعد جولة القراءة اليومية المعتادة، في شارع أبي نؤاس، في رأس الزقاق المؤدي الى مقهى المعقدين. حينما سمعنا النبأ رأينا الشارع يقفر والناس يسرعون بصمت وقلق وخوف ليحتشدوا أمام أقرب جهاز للتلفزيون، بانتظار مشاهدة الرجل الأسطورة. حبسنا أنفاسنا جميعا حينما ظهر المقدم ذو الصوت الخشن، الذي اعتاد الناس رؤيته في الأحداث الجسام: محمد سعيد الصحاف، مدير التلفزيون سابقا، ووزير الإعلام لاحقا، مما زاد من حدة الرهبة في نفوس الناس وعمق وقع اللحظة الأسطورية في خيالهم المضطرب.

لم تدم مشاهد الأسطورة طويلا لدى شاب دون العشرين مثلي، غارق في بحر متلاطم من الخيالات الغامضة. لم يدم شكل الأسطورة سوى ثوان، رأيت فيها عزيز الحاج لا كما ظننته. فلم يكن طويلا، ذا شوارب كثّة. ولم يكن يجلس متحديا، ولم يكن يملك نبرة الثوار الشجعان، الخارجين توا من غابات القصب. كان نحيلا، أميل الى الاصفرار، بطيء الكلام، متقطع وخافت الصوت.كان مشوشا، مترددا، تغلب عليه الحيرة، وتتقافز على ملامحه البسيطة أسئلة، ينحدر، جلها، من نبع واحد، اسمه الخجل. الخجل الخفي من أمر ما يصعب تشخيصه وإدراكه.أمر ما أبعد غورا من التفسير السطحي، الجاهز، الفظ، للعبة السقوط السياسي، التي يساهم  في صناعتها الجلاد والضحية والمتفرجون.

على الرغم من أنني منيت بخسارة روحية كبيرة, خسارة الشكل الفني للأسطورة, إلاّ أني سرعان ما وجدت تعليلا منطقيا، يرضي نفسي الحالمة ويعوضني, كذبا, عن خساراتي الفادحة: تلك هي آثار التعذيب! ومن يستطيع أن يصمد أمامهم! من يستطيع؟

لكن الطعنة الموجعة جاءتني من عزيز الحاج نفسه، حينما أجاب عن سؤال وجهه الصحاف اليه، مفاده: هل تتحدث الآن بملء حريتك أم أنك أكرهت على ذلك؟

جاء الجواب، بعامية بغدادية، لا أحبها كثيرا: "آني أحجي بكل حريتي".

­ لماذا؟ نطق المقدم ذو الصوت الخشن.

­ لأن الاستمرار في الكفاح المسلح، مثل أن ينطح الإنسان حائط، لما ينفجخ ( يشج رأسه) يحس الإنسان أنه تعور”!

بتلك النهاية البائسة أحرق عزيز الحاج أسطورة عجيبة، ظللت أحتفظ بها لنفسي في الخيال، على أنها الصورة الفريدة، لصاحب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشر. القائد الذي كان مؤملا له أن يظهر من بين أعواد القصب، على ظهر مدرعة مغنومة من الجيش، ترفرف عليها راية حمراء, يزهو في قلبها شعار المطرقة والمنجل.

كل ذلك حدث قبل أن يطفىء صاحب المقهى جهاز التلفزيون، لكي يلتفت الى الأعداد الغفيرة من الزبائن الذين أمّوا مقهاه، واحتشدوا فيه ثم غادروه صامتين مصابين بالخيبة والذهول، من دون أن يشربوا شيئا أو يدفعوا شيئا. كان عرضا مجانيا لأسطورة رثّة!

حاولت، مطعونا، أن أفلسف الأمر لأصدقائي، الذين كانوا لا يقلون ذهولا عني، فقلت لهم: كلنا نعرف أن عزيز الحاج لا يمثل اتجاه القيادة المركزية بثوبه النقي، وأنه منذ زمن أعلن للقيادة بأنه لا يؤيد خط الكفاح المسلح، لذلك فما قاله ليس جديدا، أو مفاجئا.

حقيقة، كان ما قاله جديدا، مفاجئا، مبكيا، وصاعقا الى حد الموت.

السؤال الوحيد الذي لم أضعه في حسابي آنذاك وأنا أحاول ايجاد تبرير لما حدث، وايجاد تبرير يحفظ لي شرف الإيمان بأسطورة رأيتها تتمزق إربا أمام عيني، هو السؤال المتعلق بعزيز الحاج نفسه كإنسان، لا كأسطورة.

لأن الأسطورة من صناعتنا, يحق لنا أن نحاكمها كما نشاء على هوانا, أما الإنسان فملك لنفسه, لحقيقته الشخصية.  ترى ما الذي أبقى عزيز الحاج في التنظيم بعد أن أشاع عنه رفاقه أنه سقط تنظيميا وآيديولوجيا قبل سقوطه العلني”! لماذا ظل إذاً متربعا على رأس التنظيم، ولو اسميا؟

ذلك سؤال لا يخص عزيز الحاج وحده، بل يخص خيرة مبدعي بلادنا، وربما يخصنا جميعنا. يخص صديق طفولتي الذي أجابني بغضب وحقد واحتقار: عيب!” حينما أخبرته بأمر التخلي عن الحزب تجنبا للإعدام. يخصني أنا شخصيا، حينما نطقت كلمة :”عيب!”  أمام كاظم طوفان، من دون قناعة حقيقية بنشاط سياسي لا تربطني به سوى عاطفة غامضة وأوهام أخلاقية. طعنة عزيز الحاج كررها كثيرون، بطرق متنوعة، منهم على سبيل التمتع بالعذاب الروحي، لا على سبيل المثال، شاعر أحببته يوما ما. شاعر  رُبط  بسلال حزبية من ذهب ووضع في  فم الأفعى وقيل  له : غرّد أيها الشحرور، غرّد على غصن التحالف!”. قالوا له ذلك وراحوا ينظرون اليه من بعيد, يراقبون ضعفه وينتظرون لحظة انكساره الأكيدة, وهم  يقفون على قمة أعلى أشجار الغابة البعيدة. ذلك هو يوسف الصائغ, وغيره كثيرون.

 

### # ###

 

خلال السنوات العشر المنصرمة، عصفت بحزب اليسار السويدي ثلاث عواصف أخلاقية. الأولى سقط فيها رئيس الحزب السابق لارش فارنر بسبب تعاطيه الخمور وإدمانه، وحلت محله غودرون شيمان، التي تمكنت بمهارة اللبوْة من رفع رصيد الحزب ليصبح قوة سياسية مؤثرة، شغل المرتبة الثالثة في الكثير من استطلاعات الرأي. لكن غودرون سرعان ما تعرضت مرتين الى فضيحة عاصفة، بعد أن وشت بها الصحافة، وتلقف ذلك الاعلام المتربص بها شخصيا كامرأة وكزعيمة لليسار، حينما اكتشفوا أنها تعرضت الى نوبات من الإدمان على الكحول؛ وهو أمر يتنافى مع موقعها كرئيسة لحزب، ويتعارض بشكل صارخ مع واجباتها كممثلة للناخبين في البرلمان. لكن غودرون التي لا يحتوي قاموسها السياسي والشخصي كلمة عيب، لم تخف رأسها تحت مظلة التبريرات الأخلاقية، فوقفت بصدق تام أمام الصحافة، وأمام عدسات التلفزيون، التي تسابقت  لاصطياد طريدة من الوزن الثقيل.

لم تقل غودرون: عيب، ولم تتظاهر بالشجاعة والقوة، ولم تستتر خلف كوابح أخلاقية واهية، تتعارض مع ضميرها ومقدرتها وقناعاتها الحقيقية كفرد وكإنسان. قالت:  أنا أعترف بما حدث، أنا آسفة لما حدث. ساعدوني، ساعدوني كي أستطيع أن أثبت لكم، ولنفسي أولا أنني قادرة على التغلب على ضعفي،  وأعدكم بأنني سأتخلى عن كل مسؤولياتي الحزبية، لو أنني وجدت أنني غير قادرة على تبرير الثقة التي منحني الناس إياها.

ظلت غودرون شيمان على رأس أحد أقوى الأحزاب اليسارية في أوروبا، حتى دهمها خصومها مرة أخرى، مستغلين خطأ بسيطا في حساباتها الضريبية، فاقتلعوها واقتلعوا اسطورتها اليسارية في غضون ثلاثة أيام فقط، ماسحين وجودها كرئيسة لحزب اليسار وكسياسية، في واحدة من أفظع وأمهر التصفيات الديموقراطية للخصوم.

 

### # ###

 

في مجتمع لا يدخل فيه الناس السياسة من  باب العيب”، لا يحتاج المرء الى استخدام كلمة مُضلّل” وهو حي، أو”شهيد” وهو ميت.

### # ###

خاتمة حزينة وجارحة: حينما سقط الصنم هرعت الأمهات المكلومات الى المقابر الجماعية يبحثن عن عظام أبنائهن, في مشهد عويل أسطوري مرعب. أما حزب الكادحين, فلم يفكر, حتى هذه اللحظة, في البحث عن قبور شهدائه.

أهو موسم بيع الشهداء!

 

صائب خليل

 

 

جبار شهد

صديقي الذي قضى في بشتاشان , حلبجة العرب

 

 




لم تكن علاقتي بـ جبار شهد علاقة قوية، لكن النقاشات السياسية الساخنة في شوارع جامعة الموصل، تحت شمس الربيع الرائعة حفرت خطوطاً لازالت واضحة في ذاكرتي. كانت "الجبهة" تتآكل أواسط السبعينات والطلاب الشيوعيون يدورون كالنحل قلقين يشرحون لزملائهم الذين يثقون بهم - ولو بدرجة ما - ما يحدث وراء الكواليس، وكان (بعض) الطلبة البعثيين يرصدون أي وجود لجريدة طريق الشعب لدى أي طالب، بعضهم بحماس أمني قبيح، والبعض الآخر ينفذ التعليمات باستحياء ظاهر ورجاء خجول. من هذه التعليمات أذكر قرار منع ترك الجريدة على الرحلات أو على المناضد في المطاعم، وأذكر نقاشاً لي مع أحد الأصدقاء البعثيين المتورطين في مثل هذه المهمات المخجلة، حين حاول إقناعي أن شراء الجريدة وقراءتها ليسا ممنوعين، لكن تركها على المنضدة يعتبر محاولة نشر غير مسموح بها. دار النقاش بحضور مجموعة من الطلبة من الشيوعيين والبعثيين والمستقلين وكانوا الأكثرية.
بعد ذلك تفرقت الجماعة وبقي جبار يتابع الحوار معي عن تصرفات بعثية أخرى، ثم سألني بشكل مباشر إن كنت أفكر في الإنتماء إلى الحزب الشيوعي!
بعد ردود قصيرة متبادلة لم يقتنع بأسبابي تماماً لكنه لم يشأ أن يلح، فاختتم الحديث بأن قال لي: "على كل حال، فكّر بالأمر"، وقبل أن نفترق سألته كيف تجرأ ووثق بي ليطرح مثل هذا الإقتراح رغم أن معرفته بي ليست قوية، خصوصاً وأن مثل هذا السؤال قد يسبب له مشاكل كبيرة في تلك الظروف. قال إنه يحس بالمقابل ويعتمد على إحساسه، وأضاف: "من طريقة نقاشك، أعتقد أيضاً أن من يكسبك يكسب أمراً ليس بالقليل".
لم يكن إنطباعي حينها أن الحزبيين بشكل عام، ويشمل ذلك الشيوعيين، يتحمسون لـ "كسب" شخص كثير الجدل لتفاصيلهم حتى إن اتفق معهم في العموميات، فشعرت أن جبار كان يعبر عن رأي ومحبة شخصيتين بالدرجة الأولى.

بقيت هذه الجملة في ذاكرتي، ولم نلتق بعدها لقاءات خاصة أذكرها، لكن وجه جبار النحيف ذو الضحكة الخاصة الرائعة وجرأته التي كانت تشع من عينيه وتواضعه الشديد التأدّب تجعلك تشعر أنك قريب منه تماماً حتى حين يشير بيده من بعيد.

في يوم ما إكتشفنا أن جبار شهد إختفى ولم يعد إلى الدوام. كانت هناك نظريتان ألأولى هي أن الأمن البعثي ألقى القبض عليه، والثانية هي أنه هرب بعد أن إستشعر الخطر. أصدقاؤه ألمقربون أكدوا أنهم لايعرفون شيئاً عنه، ولم ألح عليهم بالسؤال. وفي يوم، بعد أكثر من ربع قرن، قرأت اسمه في مقالة عن شهداء الأنصار، فأرسلت إلى كاتبها مستفسرا ً، فأجابني إنه نفس جبار شهد الذي أعرفه وأنه التحق بالإنصار في السبعينات وأصبح ضابطاً وكان معروفاً بشجاعته النادرة وإنجازاته وانه استشهد في معركة بشتاشان!

في الفترات التي تلت قرأت عن هذه المجزرة وعن حرب الأنصار البيشمركة العديد من المقالات وتعرفت من خلال ذلك بشكل أكبر على صفحة هامة من تأريخ نظال الشعب العراقي ضد الدكتاتورية، قصصاً رائعة يتوجب تحويلها إلى أفلام روائية وأناشيد لتثير في الإنسان العراقي وليس الشيوعيين وحدهم، فخراً واعتزازاً هو بأشد الحاجة اليهما في ظرفه الصعب، فهو لايكاد يعرف سوى قصص الهزائم والإحباط تتلقفها وتنشرها أقلام كثيرة مغرضة وأخرى متبرعة.

لكن قصة بشتاشان تثير تساؤلات عديدة لم تتم الإجابة عنها حتى اليوم، وقد تمكن من فرضها على الساحة الثقافية نفر من الأنصار ذوي الذاكرة العنيدة، والإخلاص الشديد للأسئلة التي آنست ان تعشعش في رؤوسهم فوعدوها بإيصالها إلى كل الناس. أسئلة إلى حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي نفذ المجرزة بقيادة الرئيس الحالي جلال الطالباني وبقيادة مباشرة من نوشيروان مصطفى، وأيضاً إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي يلومه المطالبون، بمجاملة الحزب الديمقراطي الكردستاني على حساب ضحاياه.

من جملة ما قرأت ورأيت كانت مقابلة نوشيروان مصطفى مع قناة البغدادية (1)، وهو الذي اتهمه بعض من أرخ الجريمة بأنه من قاد المعركة وأمر البيشمركة لاحقاً بقتل جميع الأسرى. أثارت أجوبة نوشيروان في ذهني مقارنات مؤلمة مع مقولات صدام ومع جريمة حلبجة. فهاهو يبرر أن ما حدث قد حدث ضمن حالة حرب بين جبهتين، وأن الإتحاد الوطني كان في ذلك الوقت في حالة قتال مع الحكومة الإيرانية، وهو ما يقوله المدافعون عن صدام بالضبط، ممن لم يلجأوا إلى أكذوبة أن إيران هي التي قصفت حلبجة, فقالوا إن ضرب حلبجة كان خلال ظروف الحرب مع إيران، وإن حلبجة كانت تقف في الخندق الآخر وكانوا صادقين تماماً مثلما كان نوشيروان صادقاً في ما قاله، ولم يكن تبريره بأفضل من تبريرهم. كلاهما كان يجد في "حالة الحرب" مبرراً كافياً لإطلاق كل ما في داخله من وحشية!

مع ذلك فهناك حادثة تشير إلى أن "حالة القتال" التي تحدث عنها نوشيروإن لم تكن بالحجم الذي يفسر ما حدث في بشتاشان من قتل شامل وفضائع تمثيل بالجثث. فقد تحدث من نجا من المذبحة أن رتلاً عسكرياً تابعاً للإتحاد الوطني أراد عبور روابي بشتاشان إلى خلفها، وأحسَّ الشيوعيون وقتها بالخطر حيث أن ذلك يعطي هؤلاء فرصة لمحاصرتهم ومهاجتمهم من منطقة ذات أفضلية عسكرية، وهو على ما يبدو الهدف الحقيقي من هذا الإلتفاف. أوقف الشيوعيون الرتل ومنعوه من العبور دون أن يشتبكوا معه، مما يدل على أن حالة العداء بين الطرفين لم تكن قد عبرت خط المفاوضات والحديث. وقد طلب الرتل من المقاتلين الشيوعيين الإتصال بقيادتهم للإستفسار عن الأمر، وتم ذلك بالفعل، وأمرت القيادة بالسماح للرتل بالمرور، وهذا دليل آخر على أن العلاقة لم تكن قد وصلت إلى إنعدام كل ثقة بين الطرفين. وبالفعل نفذ البيشمركة الشيوعيون الأمر، ولو كانت المسألة بينهم وبين الإتحاد الوطني مسألة حياة أو موت كما يحاول شيروان أن يوحي لنا، لكانوا رفضوا تنفيذ أوامر القيادة، ولما صدّقوا قصة الرتل بأنهم ذاهبون لصد هجوم متوقع للجيش الإيراني (حسب اتفاق بينهم وبين بغداد!!). وقد تركهم المقاتلون يمرون تعاوناً منهم معهم لتنفيذ إلتزاماتهم، رغم ما يحسون بأنه قد يشكل خطراً جسيماً عليهم.

كل هذه النقاط تشير إلى أن العلاقة المتوترة بين الطرفين كان يشوبها بعض الأمل في التفاهم والتعاون، وأن قيادة الإتحاد الوطني الكردستاني كانت على علم بذلك وإلا لما أملت أن الشيوعيون سوف يسمحون للرتل بالعبور إلى وراء ظهورهم، وقد استغلت قيادة الإتحاد الوطني هذا الأمل للإيقاع بضحاياها.

كذلك حاول نوشيروان إعطاء انطباع بأن عدد الضحايا التي إدعاها الشيوعيون والتركيز عليهم لم يكن بسبب كثرة الضحايا منهم وإنما لأن الشيوعيين كانوا يملكون جهازاً إعلامياً قوياً (!) ولذلك "عملوا ضجة كبيرة في العالم، وضخموا من المسألة" حسب تعبيره. إنها نفس حجج المدافعين عن جريمة صدام في حلبجة والذين يؤكدون أن عدد ضحاياها قد بولغ به، وإنهم ليسوا خمسة ألاف وانما بضع مئات أو أقل. والحقيقة أن "الجهاز الإعلامي" الحالي الموضوع تحت تصرف الساسة الكرد يعتبر هائلاً بأية مقاييس عراقية، كما أن تجارباً سابقة تقول انه لا يوجد أي شيء يدعو إلى الثقة بالأرقام التي يعطيها هؤلاء الساسة، خاصة بعد فضائح نسبة الـ 17% وما تم كشفه من أحداث الإنتخابات وتزوير الجوازات من قبل السفارات. لكننا نرفض مناقشة عدد الضحايا، فمسألة الأرقام ليست موضوع النقاش، ولا يجب أن تكون، لا في حلبجة ولا في بشتاشان.

وعندما سأله مدير المقابلة إن كانوا قد راجعوا هذه الأحداث لاحقاً واتخذوا موقفاً آخر منها أجاب نوشيروان: "عندما تتعرض إلى هجوم من الآخرين، ألا تدافع عن نفسك؟". إنها مرة أخرى نفس دفاعات الصداميين. هم حاولو اقناعنا أن الجيش العراقي تعرض إلى الهجوم من قرية صغيرة استقبلت الجيوش الإيرانية ووفرت لهم موقعاً، رغم أنه لم يكن فيها وقت القصف سوى كبار السن والنساء والأطفال، ونوشيروان يريد أن يقنعنا بأن بشتاشان هي التي هاجمت محاصريها، وأن من حاصرها كان يدافع عن نفسه! إن قصة "الدفاع عن النفس" هذه مجانية تماماً ولم يسبق لمعتد ان قال انه اعتدى، بل كانوا دائماً يدافعون عن انفسهم. هتلر قال انه كان يدافع عن نفسه عندما احتل جيكيا، وصدام قال ذلك عندما احتل الكويت واميركا قالت إنها كانت تدافع عن نفسها في كل هجوم تقوم به من فيتنام إلى العراق، فلماذا لايحق لنوشيروان ان يستعمله؟ ما كان يفترض بمدير المقابلة ان يسأل ضيفه: لماذا لم يكن الرتل العسكري للإتحاد الوطني، والذي سمح له الشيوعيون بالمرور مشمولاً بهجوم الشيوعيين هذا؟

التشابهات بين الجريمتين كثيرة كما نرى، لكن هناك بلا شك فروق هامة أيضاً. ففي حلبجة إستخدمت أسلحة دمار شامل لاتفرق بين المقاتلين والمدنيين وبين الرجال والنساء والكبار والصغار، وكان المنظر الذي تركته بشعاً مقززاً لأي شعور إنساني. لكن من الناحية الأخرى فإن النساء في بشتاشان لم يتم إستثناؤهن من القتل، وأن الأوامر كانت بإعدام جميع الأسرى العرب خصوصاً بلا استثناء، ومن الصعب أن نقول لو أننا رأينا أشلاء الضحايا التي تم تشويهها والعبث بها بعد القتل، أيهما أشد إثارة للتقزز، هي أم منظر الأب الذي قتلته سموم صدام في أزقة قريته وهو يحتضن طفله!

ومن الفروق التي يجب الإهتمام بها أيضاً هي أن قادة ومنفذي جريمة حلبجة والأنفال قدموا للمحاكمة وبسرور العرب قبل الكرد، وطالب العرب بنيلهم لجزائهم العادل قبل الكرد، أما مجرمو بشتاشان فما زالوا طليقين أحرارا، بل مازالوا قادة في كردستان والعراق. ألفرق أيضاً أن جريمة حلبجة تم الإعتراف بها من قبل البرلمان العراقي وتقديم الإعتذار عنها، وهو إعتذار سخيف في الواقع طلبه القادة الكرد من نفس رفاقهم الذين كانوا معهم في معاركهم ضد دكتاتورية صدام حسين التي كانت توجه النار إلى صدورهم جميعاً بلا تمييز. لا يستطيع الكردي أن يشعر بمدى سخافة هذه المطالبة وهذا الإعتذار إلا إذا طلب أبناء الجنوب منه أن يعتذر عن مذابح الجنوب التي نفذها الرئيس العراقي باعتبار أن الكردي عراقي أيضاً، أو كان محسوباً كذلك حتى إن لم يشأ أن يسمى عراقياً، أو إذا طالبت الكويت من البرلمان الكردستاني أن يقدم اعتذاراً مشابهاً لنفس السبب! لقد تم تحويل هذه القضية الإنسانية إلى قضية قومية باهتة، رغم أن هناك الكثير من الكرد من المشاركين في الأنفال ورغم أن هناك الكثير من العرب الذين شارك الكرد القتال ضد صدام، لكن بعض الحقائق يجب ان تصمت!
بلا خجل يتقبل الساسة الكرد، وجود المجرمين المباشرين في الإنفال، من اكراد، وحتى من العرب، بين أحضانهم ويحمونهم من القانون الذي كان يريد الإقتصاص منهم، بل يسلمونهم المناصب القيادية الخطرة، ويحولون حساب جرمهم إلى الشعب العربي في العراق والذي كان يئن تحت الدكتاتورية مثلهم. لو أردتُ زيارة كردستان فيجب علي، حتى لو لم المس كردياً بأذىً في حياتي، أن أشعر ببعض الذنب لأني عربي، ربما أتصل جينياً بصدام حسين في أعماق التأريخ، أما كولن باول الذي منع العالم شخصياً من إدانة صدام في جريمة حلبجة، أو رامزفيلد ألذي أسهم في دعم صدام حسين وتسهيل حصوله على الإسلحة من الغرب حين كان يقصف الكرد بها، فيمكنهم أن يثقوا بأنهم سيستقبلون في كردستان إستقبال الأبطال، رغم أننا لانحتاج إلى الذهاب إلى أعماق التأريخ لنرى مساهمتهم الموثقة بالأفلام والوثائق!

هذه هي النتائج المثيرة للسخرية والألم، للجهود الكبيرة التي بذلها قادة الحزبين الكرديين الكبيرين ومن يشير عليهم من الخارج، من أجل تحويل الجرائم التي لحقت بالشعب الكردي إلى جرائم قومية ورفع ذنبها عن مقترفيها وتوزيعه على الأبرياء من قومه لتشمل حتى من حارب منهم هؤلاء الجناة وضحى بحياته أو خاطر بها للوقوف ضد الجريمة.
ليس هذا غريباً فالكثير من هؤلاء الجناة مازالوا يقودون كردستان ويتعاونون على نهبها ويريدون لهذا الحال ان يستمر.

بالمقابل فأن المطالبين بحق بشتاشان ترفّعوا جميعاً عن إفسادها بصبغة القومية العنصرية وهذا شرف لهم. فرغم إشارتهم إلى أن الضحايا العرب عوملوا بقسوة خاصة، فقد اقتصرت مطالبهم على تقديم المذنبين إلى المحاكمة باعتبارهم أشخاصا متهمين بجريمة ارتكبوها بأنفسهم وليس اقربائهم أو أبناء قومهم. لم يقل أي منهم أو يوحي بأن الشعب الكردي، الذي كانوا ومازالوا وسيبقون يعتبرونه صديقاً، مسؤولا عنها بأي قدر، ولم يرشّوا الذنوب عليه.

إن البعض من القادة الكرد الذي شوه قدسية حلبجة بصبغة ذنب عنصري، هو نفسه الرافض لفتح حساب قتلة بشتاشان وهو من يقرر اليوم كيف توزع الذنوب مثلما يقرر كيف توزع الثروات في كردستان. هم ماضون في سبيلهم، ورفاقك ذوي النفوس الآسرة مثل نفسك يا جبار، من عرب وأكراد، لم ييأسوا، وهم ماضون في سبيلهم أيضاً.


 

18/11/2009                  العدد 7  

 

كتابات الشهداء

 

حول انهيارات

 تنظيمات اليمين

 الانتهازي في

 الداخل

 

 

الشهيد البطل

ستار غانم

(سامي حركات)

مؤسس حركة

 ( شيوعيون عراقيون)

 في كردستان العراق

 

 

ا


رسالة الى الرفاق محدودة التوزيع -اذار 1989

حول انهيارات تنظيمات اليمين الانتهازي في الداخ
ل


كانت امام الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, عشية عقد المؤتمر الرابع خريف 1985 , احصائية تشير الى ان اكثر من 90% من الاعضاء والكوادر المرسلين الى الداخل , منذ انتقال حزبهم الى المعارضة, اما قبض عليها او استسلمت لاجهزة النظام بمحض ارادتها. ومن ضمن ال10%الباقية لا يزال الغموض يكتنف مصير بعضهم , وكان توجيه الاتهامات بين المجتمعين بديلا من مناقشة اسباب هذه الانتكاسات
واثناء المناقشات التي دارت في اروقة المؤتمر اشير فقط ـ كالعادة ـ الى الانجازات المتحققة على الصعيد التنظيمي ـ وهي على اية حال انجازات على الورق ـ خلال الفترة المنصرمة . اما ما حدث من اخفاقات , فرحل الى نشاط العناصر المتطرفة وسيادة الليبرالية والتسيب. وكان ان اعادوا تشكيل الهيئات المشرفة على خطوط الداخل ليس بما يضمن تجنب الاسباب التي ادت الى الانتكاسات , وانما باسلوب يتلائم والتوازن الذي افرزه المؤتمر
وبعد انفضاض المؤتمر, كان جل حديثهم عن الانجازات التنظيمية الهائلة التي لم تكن في حقيقتها سوى توهمات , ووصفوا مقررات مؤتمرهم بالتوجه الجديد الذي ستظهر نتائجه في عمل منظمات الداخل, لاحقا
وبغية دحض الادعاءات الزائفة , نضع بين ايدي الشيوعيين والوطنيين ممن تهمهم قضية الطبقة العاملة والوطن , الذين قد يتوهمون ويعقدون الامال على زيف هؤلاء , نضع الحقائق ادناه , ولا نستهدف من وراء ذلك التشهير , ويعلم قادة اليمين بان هناك الكثير من الحوادث يصلح كل منها مسلسلا لا ينتهي
سنركز بهذا الصدد على الفترة المحصورة منذ عقد المؤتمر الرابع ولغاية تشرين الاول 1988, وهي فترة طويلة نسبيا من الممكن ان تظهر خلالها نتائج ما ادعوه بتوجههم الجديد , هذا فضلا عن ان الفترة المذكورة كانت تعتبر فترة تطور هادئ نسبيا , اذا ما اعتبرنا سياسة القمع والارهاب التي تمارسها الفاشية عاملا ثابتا. حيث انجزت خلالها المصالحة بين القوى الوطنية , كما ان ـ ح ش ع ـ لم يكن يعاني من اية صعوبات فنية او غيرها
ولكن نلاحظ, على الرغم مما ذكر , بأن الانهيارات التي حصلت على صعيد الداخل تزايدت بالقياس تالى فترة ما قبل المؤتمر .

ماذا نستتنج من كل هذا ؟
ان الحالات المشار اليها اعلاه تشير الى حقيقة واحدة , وهي افتقار ما يسمى بالحزب الشيوعي لابسط المقومات التي يستند اليها التنظيم الطبقي . ويعود هذا الى طبيعة بناء الحزب الشيوعي التقليدي بما ينسجم مع السياسة الاصلاحية التي دأب على انتهاجها , تنظيم لم يعد له مهمات ثورية استراتيجية , فقط اعد لتنفيذ سياسة اللحظة الراهنة.فليس من المستغرب ان ينظم في صفوفه من العناصر التي استسلمت طواعية للعدو و ليس كاعضاء فقط , وانما تسلموا مراكز قيادية حساسة فيه , وتحوله الى مجرد هيكل بيروقراطي يكون الولاء فيه للقيادة والسياسة المرسومة هي المقاييس التي يتم في ضوئها اختيار الكادر
الا ان ما يثير الانتباه لما اشرنا اليه , اذا ما استثنينا ظاهرتي الانشقاقات والاستقالات الجماعية , هو تزايد حالات الاستسلام للعدو , التي ارتفعت نسبتها ما بعد المؤتمر بشكل خطير , واكثر هذه الحالات وقعت في صفوف الكوادر الوسطية والمتقدمة . وكاحصائية في عام 1986 استسلم اكثر من 15 كادر من بين الذين ارسلوا الى الداخل أ باستثناء اقليم كردستان ـ والكثير من هؤلاء كان قد شارك ولسنوات في تنفيذ السياسات الاصلاحية
ان قادة التقليدية يرجعون اسباب هذه الانهيارات الى الاخطاء الشخصية من هذا المسؤول او ذاك و او يرحلونها الى عوامل خارجية ـ مؤامرات الاعداء ـ ونشاط العناصر المتسيبة والليبرالية اللامسؤولة . الا ان تبسيط هذه الحالة التي اصبحت منذ زمن بعيد ـ ظاهرة تطبع منظمات اليمين باكملها , لا يؤدي الا الى المزيد من حالات الانتكاس والتردي . اذ ان دفن الرؤوس في الرمال واغماض العيون عن ما يجري لا يحول دون توقف هذه الظاهرة من السير في مجراها الطبيعي, هذه الظاهرة التي ولدتها , تولدها , اسباب فكرية , وهي طبقية من حيث الجوهر ايضا , وسياسية تتعلق بالخطاب النظري للشيوعية التقليدية وبرنامجها السياسي
ان الشيوعية التقليدية ظلت , منذ ان اصبحت سائدة داخل الحزب الشيوعي وفي الحركة الشيوعية العراقية , امينة لسياستها الاصلاحية المستندة على فكرة التعاون الطبقي . وهادنت منذ 1958 كافة اشكال حكم البرجوازية واسهمت في المنعطفات الحادة ـ وبفعالية بفك الحصار عن البرجوازية وانقاذ حكمها من الانهيار. وكان جل نشاطها السياسي يتمحور حول تجميل صورة هذا الحاكم او ذاك , واذا ما حدث وان ان اعنت معارضتها لنظام معين , فأن هذه المعارضة لا تكون سوى حالة طارئة تستهدف اما امتصاص او تدجين المعارضة داخل الحزب و او محاولة الضغط على البرجوازية بهدف ايجاد شروط افضل للتعامل معها . وعند انتقالنا الى جانب الممارسة نلاحظ ان الشيوعية التقليدية قد اتفقت مع كل انظمة الحكم ولم تدخل في صراع سياسي جاد معها . مثل هذه السياسة عانت وتعاني من الفشل تلو الفشل , لان البرجوازية لم تعد بحاجة الى تزكية الحركة الشيوعية التقليدية, بل احكمت طوق العزلة عليها ولم تستجب لتوسلاتها وكان اخرها دعوتها لانهاء الاوضاع الاستثنائية
ومن المعروف ان مؤتمرهم الرابع لم يكن الا تتويجا لمرحلة سبقت مؤشراتها عقد المؤتمر , هذه المرحلة , هي مرحلة التفسخ الفكري والتفتت التنظيمي . فعلى الصعيد الفكري لم يعد بمقدور التقليدية سوى الدفاع عن مواقع مخترقة اصلا , وعلى الصعيد التنظيمي , فأن بعض اقطاب اليمين انتظمت بتجمعات لا تختلف من حيث الجوهر عن الخط الفكري السائد سوى انها اكثر صراحة في الدعوة لسياستها التصفوية الداعية الى العودة لاحضان الفاشية
اما الاتجاه الذي افرزه المؤتمر فأنه معلق بين الضغط الذي يشكله سير
الاحداث الثورية , وبين الاساس الفكري والاجتماعي للشيوعية التقليدية, والذي يريد العودة سريعا نحو النظام . وكان ايقاف الحرب ايذانا ببدء موسم المرحلة نحو الفاشية, فكان ان طرحوا دعوتهم لانهاء الاوضاع الاستثنائية , ولا نعلم ماهي القاعدة التي يطالب اليمنيون بالعودة اليها حتى يكون الوضع الراهن استثناءا
وعموما ظلت السياسة المعلنة هي التمسك اللفظي بمعاداة النظام وفتح قنوات الاتصال معه من الجهة الاخرى, وهذا يعني ان العداء للنظام هو موقف اللحظة وليس موقفا ات ضمن تصور استراتيجي. وبالضرورة لا يمكن للسياسة التنظيمية ان تكون على النقيض مع الخط الفكري السائد , ولهذا صيغت بما يلائم الخط الفكري السائد خط العداء السطحي للفاشية , وحددت المهمات التنظيمية بما لا يتعدى السقف الفكري والسياسي المحدد. ولذلك عانت هذه السياسة التنظيمية من الاخفاق تلو الاخفاق بسبب ان طابع الصراع مع الفاشية وما يتطلبه من مواجهة حادة عنيفة , تستوجب اولا واخرا الركون الى بناء منظمات طبقية ثورية مكافحة وفي غاية السرية ووفق تصور فكري وسياسي استرتيجي يتحدد باسقاط الفاشية كهدف اني مباشر وباقامة دكتاتورية البروليتاريا وبناء الاشتراكية في العراق كهدف بعيد
الا ان البناء التنظيمي للحزب الشيوعي التقليدي وكما اسلفنا , وليد السياسات الاصلاحية ,واعد منذ سنوات لمهمة الاتفاق مع السلطة وليس النضال ضدها. ولذلك كان هذا التنظيم يعاني من البطالة السياسية ان جاز التعبير بانتظار ما تحركه الاحداث دون العمل على تهيئة وخلق الظروف الملائمة والانتقال الى صيغ ملموسة في النضال ضد الفاشية. كما ان اعداد العضو الحزبي وتربيته كانت تجري وفق الخط السياسي والفكري السائد . وهذا كما اسلفنالا يسهم الا باعداد عناصر تستطيع تنفيذ سياسة لا تستهدف اسقاط السلطة , وهذا يعني اعدادا لا يتوجب اثارة الحقد الطبقي ضد العدو يستوجبه من اطلاق للحماس والمبادرة الثوريين
فضلا عن ان الهيكلية البيروقراطية التي يتسم بها بناء الحزب التقليدي , لا تسمح الا بتربية عناصر تتسم بالجمود وضعف المبادرة.وان وجدت بعض العناصر التي تتجاوز هذا الاطار , فانه تجاوز يبقى مؤقت وسرعان ما تعالج البيروقراطية هذا ـ الخرق ـ بالصيغة التي تضمن استمرارية الممارسات التقليدية. لذلك حين طرحت مهمة القيام بنشاطات عسكرية ثورية داخل المدن , عولجت بالاسلوب الذي يضمن عدم التفكير بمثل هذه الاعمال لاحقا. حيث اعتبر اي نشاط ثوري بمثابة الكارثة التي ستؤدي الى القضاء على التنظيم, المطلوب تطور هادئ سلمي,يبتعد عن ما يثير الاشكالات , فكانت اغلب التوجيهات ( اذهبوا واقعدوا في بيوتكم وارسلوا لنا من هناك اسعار الطماطة والخضروات فقط )

فلا عجب ان لا تستطيع مثل هذه المنظمات مواجهة هجمات الفاشية واستيعاب المشاكل التي تعانيها الحركة الثوريةسواء في العراق او على الصعيد العالمي. ويأتي هذا الانهيار كمحصلة للانهيار الفكري , وللازمة التي تعانيها الشيوعية التقليدية. ازمة الطريق المسدود , او بالاحرى ازمة السير باتجاه واحد, اتجاه مغازلة الفاسية. هذه الازمة تؤشر عدم قدرتها على ادارة الصراع من خلال طروحاتها التي لم تخرج يوما ما من اطار سياسة التعاون الطبقي. وحالما تصاعد هذا الصراع وتجاوز المخطط المعد في الذهن التقليدية لم تجد منظمات اليمين امامها سوى الانهيار . وعليه لا نستطيع حين التحدث عن مأزق التنظيم اليميني ان نقارنه بالتنيمات الثورية المكافحة المبناة على القواعد اللينينية في العمل , وانما يفترض وضعه مقارنته مع المنظمات الاصلاحية التي تدير الصراع بوسائل اصلاحية

ووفقا لما اشير اعلاه , فأننا ندعو كافة رفاقنا ممن لديهم صلات معينة ببعض الخطوط التنظيمية للحزب الشيوعي , الى الحذر من دمج بعض الخطوط ضمن خطوطنا التنظيمية , والابقاء على صلا ت خيطية معها . لحين صدور توجيهات جديدة . ولا ينبغي قبول طلبات الانتماء من عناصر الخطوط المذكورة دون التمحيص المسبق والتأكد من الانحياز الفكري كشرط اساسي, والتركيز على هدفنا الاساسي الذي نناضل من اجله بناء منظمة ماركسية لينينية ثورية بمعزل عن المنظمات والتجمعات الشيوعية التقليدية , منظمة تشكل تجاوزا لهذه التجمعات ونفيا لها

والى امام
شيوعيون عراقيون
اذار 1989

 

 

 

8/2009/تشرين الثاني

الاعداد التجريبية

 

 

يا علي !

" لن تذهب ريحك مع الريح ، حتى لو اخذت الريح جسدك الطاهر "

 

جمال محمد تقي 

 

 

من نياط القلب الى روح المناضل والشيوعي الاصيل والانسان الشهم والنصير الشهيد علي منصور  الحسن ، ابا سرمد ومهند وزوج المناضلة الصبورة والمضحية العنيدة  فاطمة محمد تقي .

 

 

ثلاث يسمينات ،

هناك على ثنايا الصخر

يقدسن التراب الممزوج بنفحة الصديقين

ثلاث يسمينات

يفوح عطرها هناك

في ريف دهوك على تلة قاصية من زاخو

حيث حط الركاب

جسرا ليعبر الاحباب ،

 

يا علي

ثلاث يسمينات

تعشقها

الكوت والعمارة وبغداد

يحملن رائحة الجود وعلي

 

يا علي

يطفن بريحك

من كلية التربية الملغاة

الى الكاظمية والحرية

وكل خلايا التنظيم المسلح

والمجنح

 

ياعلي

يتناغمن مع ايقاع نبرات صوتك

حيث تخجل المنايا

فترحل لاقدارها

وكأن صوتك من يدق دقات اقدارها

 

ياعلي

طوبى للنجمة المسافرة

تلعب على الريح

لتحط حملها في الياسمين

 

يا علي

ثلاث ياسمينات

صرن وطن

 

وانت المحمول على اكتاف الياسمين

الموشوم في روح

فاطمة

والمخلد في خيالات 

سرمدومهند

 

 

هامش :

عرفته عن قرب نسيب حبيب ورفيق لا يهادن  ونصير مقدام ، لذكراه انحني واعزي زوجته واولاده ونفسي وكل رفاقه ومن عرفه عن قرب وبعد !

جمال محمد تقي 

 

 

 

رسائل لم تصل /الى ستار غانم راضي ...............سامي

أحمد الناصري

2004 / 6 /5

تحياتي وسلامي لك ..ومودتي الاكيدة
أغبطك من بعيد وأنت تعيش بين لحظتين ، لحظة الفرح بالعمل الجازف ، لحظة تجاوز المواقع والموانع والحواجز والوصول الى هدفك ، ولحظة الخطر ومعايشة الخطر اليومي الداهم ، حيث تعرف أن الخطأ الاول هو الخطأ الاخير
أعرف ذ كائك النادر ، وأقدر قدرتك الكبيرة في التحرك والتخفي وأكتشاف ا لأساليب الجديدة في العمل ، لكن الخطر قاثم وداهم ياصديقي ، والشراك في كل مكان والمدن مغلقة بالمصائد ، والشوارع مطوقة بالمراصد والعيون ، والحرس القومي الفاشي مستنفر .. فيا لتحدي روحك الوثابة وذهنك المتقد ، وأنت تخوض الصراع المرير ، الصراع القاتل وربما الصراع الاخير بينك وبين العدو المدجج لكن الخائف
كم كنت شجاعا في خيارك ، أن تذهب إليهم ، وتتحداهم في معاقلهم المحصنة ، حتى لو كانت المواجهة فاصلة ، المواجهة الاخيرة .. فأنت كضابط المتفجرات تعرف السر الكامن بين يديك ، أو بين ثيابك ، لكنك لاتتوقف عن السير الحثيث نحو النقطة التي رسمتها بوعي خاص وعالي.
في لقائنا الخاطف بعد نزولك الى بغداد وعودتك الى شقلاوه ثحدثنا كثيرا وبشكل مكثف ليل نهار وناقشنا كل الامور و الاوضاع ، وضع النظام وأساليبة وخططه وحالة النا س والجماهير وتوجهاتها ، والعمل المعارض البطي والمتلكأ ومشاكله وأزماتة ، وأساليب العمل الجديدة والمهمات المطروحة والانجازات البسيطة في بناء ركائز في بغداد والمدن الاخرى ، والمخاطر المحدقة بالعمل اليومي المباشر ، ثم تعود الى بغدادك المحاصرة والمطوقة.
تتجمد تلك اللحظة لتثبت وتصير خالدة خلودك أيها المقاتل الشجاع ، وأنت في هدئتك الاخيرة في هدوئك الطويل وصبرك وعملك ومساهماتك المتنوعة والجميلة في موقفك البطولي الاخير!!
لازلت أجمع شظايا المشهد الاخير ، وكل المشاهد الطويلة ، والاحلام والرؤى والمسرات والاوهام والاخطاء والخطايا لاضعها هناك قرب نصب المدينة الكبير لتكون شاهدة وشاهد لنا وعلينا!!
- 2
ستار غانم راضي ، أبن هذا المكان والزمان ، أبن مدينة الثورة / بغداد ، من مواليد 1954 لعائلة عراقية وطنية كادحة ، خريج كلية الزراعة ، أعتقلتة السلطة الفاشية في مديرية الامن العام سنة 79 ، ألتحق في نهاية نفس العام بحركة الانصار التي بدأت تتشكل في جبال كردستان القصية ، وبذلك يكون من أوائل الانصار اللذين تجمعوا وبدءو التجربة الجديدة بكل الامال العريضة التي كانت معقودة عليها لتصحيح تجربة التحالف الذيلي البائسة ، وحماية جسد الحزب من المذبحة التي أجتاحت الوطن وساهم بجدية كبيرة في العمل السياسي والفكري والعسكري ، كما ساهم في المطالبة الحزبية الواسعة في نقد وكشف الاخطاء الفكرية والسياسية في تجربة الجبهة الوطنية وتحديد المسؤولية الشخصية والجماعية لمن رسم وحدد تلك السياسة من قيادة الحزب ، كما عمل على رسم سياسية ثورية جديدة للكفاح المسلح منذ البداية ، وتجاوز الاخطاء الفكرية والسياسة والعسكرية الجديدة ، وذلك من خلال طرح برنامج جديد
تعرفت على سامي ، وهذا أسمه الحركي الشهير في كردستان في تموز1980بعد وصولنا من منطقة هورمان -هيرتا وقاعدة السليمانية الرئيسية في أول مفرزة للسلاح، ألقيت بة مع عدد كبير من الرفاق والاصدقاءفي منطقة ناوزنك وتوزله ونوكان وزلي ، وقد أمتدت علاقتنا وتطورت وتعمقت حتى إختفاءه المجهول ، وقد شكلوا فصيلا عسكريا بأسم فصيل بغداد يظم أغلب الرفاق القادمين من بغداد وبعض مدن الوسط والجنوب ، وكان فصيل بغداد يعد نموذجا رائدا لحركة الانصار الحديثة وآفاقها الواعدة، لانة تكون من الشباب الرائعيين المتحمسيين للعمل والواعديين بمستواياتهم الفكرية والسياسية والعسكرية وقدرتهم على التطور السريع ، في ظل ظروف النكسة الجديدة وألاحباط العام والبلبلة الفكرية والتنظيمية
كان سامي من أبرز الشباب في نشاطة وآرائه النقدية الجديدة والجريئة ، ودارت بيننا نقاشات طويلة وجدل حامي عن تجربة التحالف الذيلي التي تركناها خلفنا ، ومحاولة تشخيص الاخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمة ، وعدم وجود خطة طوارئ للانسحاب وتقليل الخسائر الدامية وإفشال خطة الفاشية في تحطيم جسد الحزب والحركة الثورية ، وإعلان إنصار الفاشية بصعود المجرم صدام حسين الى الموقع الاول في مؤسسات الحزب والدولة ، كما طالبنا بتحديد المسولية الفردية والجماعية لقيادة الحزب ومحاسبة العناصر الخاطئة ،كخطوة أولى لابد منها لإنطلاق العمل الجديد ، وقد ساهم في هذه الحوارات والمناقشات في وقت مبكر عدد كبير من الرفاق كان من أبرزهم الراحل عبد الرحمن القصاب / أبو أحمد والرفيق عادل سفر / أبو شاكر ، وقد جرى تبلور خط فكري واسع يطالب بمعالجة ألازمة الجديدة التي يمر بها الحزب والحركة الشيوعية في بلادنا ورسم سياسة سليمة أخرى بعد محاسبة وعزل العناصر اليمينية التقليدية وإعادة بناء التنظيم على أسس سليمة ليكون قادر على قيادة العمل الصعب والنوعي الجديد
حول هذه القضايا الرئيسية والحاسمة دار الصراع ، ومن هنا بدء الإستقطاب والفرز والانقسام داخل قواعد الانصار التي بدأت بالتكون ، وخاصة في قاعة ناوزنك بإعتبارها القاعدة الرئيسية ولوجود بعض العناصر القيادية وبعض من الكادر المتقدم الذي وصل من الداخل ، وكان سامي يلعب دور المحرك النشيط لهذا العمل ، يقوده بهدوء ودراية كبيرة وبشجاعة وجرأة نادرةضد العناصر اليمينية المتخلفة والمتهافتةوالتقليدية؟؟
لقد قررنا خوض نضال فكري وسياسي علني ، بينما لجأت القيادة اليمينية الى أساليب بوليسية تتمثل في المراقبة والتجسس وجمع المعلومات عن الرفاق وآرائهم وتهديدهم بالتصفية والقتل ، ثم جاءت مجزرة وكارثة بشتآشان لتصعد الصراع وتنقلة الى مستويات جديدة بسبب مسؤولية القيادة عن الكارثة وتجدد عجزها وتخلفها عن فهم الاحداث والتطورات الجارية في كردستان ، وبعد أحداث بشتآشان الثانية والخسائر والفشل الجديدين ، وخروج وهروب وإنسحاب المئات من الرفاق الانصار الى الخارج ، مع تشكيل قواعد متباعدة ومبعثرة ، في هذه اللحظة أستغلت القيادة اليمينية الفراغ الحاصل وأنكشاف الرفاق لهم ، أنقضت على المجموعة التي تقود الصراع وتعتقلهم في ظروف قاسية وعجيبة وكان من بيننا سامي وقد فقدنا الشهيد البطل مشتاق طالب /منتصر تحت التعذيب الرهيب والرجعي القاسي ، وخرجنا من المحنة الجديدة بموقف ثابت ومتطور وتجربة متزايدة ومعمدة بالدم الطاهر لمنتصر ، عدا عنصر واحد تراجع تحت التعذيب والتهديد والضعط ليتنازل عن قناعاته وإدعاءاتة ويعلن التوبة والخنوع وخوفا من تهديدات لجنة التعذيب والتحقيق الخاصة والواسعة الصلاحيات
تم إطلاق سراح سامي ورفاقه في حزيران 1984بعد ستة أشهر من الاعتقال الدامي ، وطردناخارج حدود وطننا ألى إيران ، في إلتباس غريب ومتناقض لايمكن تفسيره أو تبريرة في كل الاحوال ، وقد رفضنا تسليم إنفسنا الى إيران وتمكنا من التسلل الى أرض الوطن من جديد والى منطقة قرداغ تحديدا ، حيث بدء سامي نشاطةالفكري والسياسي الجديد وأصدر كراسا هاما جدا عن تجربة الكفاح المسلح ، سجل فيه تقيمه للتجربة منذ بدايتها الى نكسة بشتآشان ، وساهم في كتابات أخرى عن الحرب العراقية الايرانية تظمنت آراء جديدة ومختلفة في الموقف من الحرب الكارثية الطاحنة ، المشتعلة أنذاك والتي تداخلت وتناقضت فيها المواقف الوطنية
بعدها إنتقلنا الى منطقة سركلو وبركلو في جبال السليمانية ، وعشنا وسط المخاطر الرهيبة ، من قصف يومي بالمدفعية والطيران وإنتشار شبكة قوية وفعالة من المندسيين عملاء المخابرات العراقية ، وأعمالهم التخريبية من تفجيرات وأغتيالات وحشية ودس سموم الثاليوم الشهيرة في المواد الغذائية والتي راح ضحيتها العشرات وجرى إعتقال أعداد من الذين بثوا هذه المواد القاتلة
ثم تركنا مناطق سركلو وبركلو وياخ سمر بعد معارك دابان الشرسةوأجتياح الجيش لها ، حيث تقهقرنا مرة أخرى الى منطقة نوكان ، أي الى نقطة الصفر والبدايات الاولى ، في نوكان جددعمله الفكري والسياسي وأصدر عددا من الكراسات تناول فيها موضوعات أساسية في عملنا وتوجهاتنا ومنها ردعلى تقييم أنتهازي وكتابات عن المهم الوطنية والديمقراطية وموضوعات في التنظيم ، وبدأ يفكر جديا للتوجه نحو الداخل الصعب الذي يبدو مغلقا من معزلنا الجبلي ، وقد أستطاع التسلل والوصول الى بغداد عدة مرات من قرداغ وسركلو وأقام عددا من الركائز التنظيمية البسيطة ومحطات الاتصال والبريد
وأستمر سامي في عملة الدؤوب والحثيث رغم المخاطر اليومية الكبيرة والهزيمة الشاملة والانحسار للحركة المسلحةبعد عمليات الانفال القذرة والاجتياحات الدموية للقرى والجبال وصولا الى الحدود الدولية مع إيران وتركيا مدعومة بعشرات الالاف من حجافل الحجوش والمرتزقة وجندرمة الدول المجاورة، رغم كل هذه الظروف ظل سامي متماسكا ومتفائلا وصابرا يتطلع الى حلول عملية أخرى ، ويحاول أن يدرس المأساة الجديدة والتحولات الشاملة التى جرت بعد توقف الحرب العراقية الايرانية ولإنطلاق عمليات الانفال وحرب الابادة الجماعية ضد شعبنا الكردي، وقد بدا لحظتها إن كل شئ قد إنتهي ونحجت الفاشية في مخططها التدميري العنصري، وساد اليأس أوساط كبيرة من السياسيين والناس العاديين
بعد نجاح عمليات الانفال تجمعت الاحزاب الكردية كلها تقريبا في منطقة نوكان وهي بقعة صغيرة ضيقة ، حتى إن المقار كانت متداخلة مع بعضها ، مع بقايا البيشمركة ،وكان نشاط أجهزة النظام الارهابية مكثفا وخطيرا للقضاء على البقية الباقية ومحاولةإصطياد بعض القيادات الخطيرة ، وقد تمت تصفية الرفاق سالم وزهير في نوكان على إيدي عناصر المخابرات وهما رفيقان من تنظيم الشيوعيين الثوريين وكان لهم مقرا هناك
في هذه الاوضاع الغامضة والصعبة حصل تطور دراماتيكي قلب كل الاوضاع القائمة وغير الحالة السياسية وخرائطها الموجودة قبل ذلك اليوم ، وكان الحدث الكبير والخطير دخول النظام العراقي الى الكويت وإحتلالها ونشوب حرب الخليج الثانية وإنطلاق الانتفاظة المجيدة ، وقد شارك سامي بفعالية كبيرةفي الاحداث ووصل الى كركوك وساهم في معارك طرد النظام ، وكتب العديد من البيانات والنداءات والرسائل والمقالات حول الانتفاضة وآفاقها ، ثم كتب فيما بعد عن أسبابها ونتائجها وأسباب سقوطها ، ثم أنسحب مع المنسحبيين من كركوك الى الحدود الايرانيةفي المسيرة المليونية الشهيرة وبعد أستراحة قصيرة من التعب والمرض أتخذ قراره الشجاع في التسلل الى والى بغداد تحديدا وفق توجة جديد وتحليل جديد يقوم على أساس منع السلطة من ترتيب أوضاعها ، ومحاولة الاستفادة من النتائج الكبيرة والكثيرة التي أفرزتها الانتفاضةوالبناء الميداني عليها، والقيام بنشاط فكري وسياسي وجماهيري وأعلامي والاعداد للعمل العسكري الذي يستهدف مؤسسات السلطة القمعية وأزلامها ، وساهم في تأسيس لجان الانتفاضة الشعبية ، وقد نجح في أقامة ركائز تنظيمية وخيوط فعالة في بغداد والمدن الاخرى ، وساهم في تجميع كادر سيلسي وتنظيمي وأعلامي ، وأستطاع تأمين عددمن البيوت السرية وأجهزة طباعة بسيطة ولكن متكاملة ومستلزمات العمل السري الأخرى
وقد أتخذ أسما سريا جديدا في بغدادوبدء يرسل المراسليين الى كردستان ويشرح تصوراتة وآرائه الميدانية عن النظام وخططة وأساليبة الوحشية في قمع الناس ، وأمكانات العمل في بغدادوالاخبار المهمة ، وموقف الناس وحياتهم والحصار الذي بدأ يفكك ويخرب الحياة الاجتماعية والاقصادية ، ثم عاد الى كردستان وألتقينا في شقلاوة وقد درسنا كل التطورات والاوضاع والاخبار العامة والخاصة وأمكانيات العمل ومخاطرة ، وكان دلك آخر لقاء تم بيننا ، حيث أختفى ولم يعرف مصيرة الى الان رغم كل المحاولات والجهود التي يبذلها رفاق وأصدقاء سامي منذ سقوط الفاشية؟؟
لقد كانت حياة سريعة وخاطفة مليئة بالمثابرة والمواجهات المتنوعة والاكتشافات والمخاطر ، فهو لم يرتح يوما في حياتة القصيرة ولم يعرف المسرات ، فقد ألتحق بالجبل فور تخرجة من الجامعة وأنهاءه للخدمة العسكرية ، ليخوض تجربة مرة فيها الكثير من المفارقات القاسية والمجازفات والتعب بعدها تصدى لمهمة خطيرة وهي العمل السري في داخل معاقل الفاشية ، ليختفي وتختفي آثاره بهذه الطريقة الغامضة والماساوية ، لكنهاتبقى بطولية وأسطورية وخارقة بكل مقاييس الشجاعة والاقدام ، وظل سامي صامتا وصامدا مدافعا عن شعبة وكادحية الذين هو واحد منهم ،حيث لم يكن يملك شيئا ولايملكه شئ مثل المتصوفة ، وظل دون بيت خاص دون زوجة أو أطفال دون أي شئ خاص عدا قناعاتة وحلمة الثوري الجميل وصلابته النادرةفي هذا الزمان الرخو ،وهو مفخرة من مفاخر شعبنا وحركتنا اليسارية الثورية ، وقد ساهم سامي بحياتة في الجهد والعمل من أجل أسقاط الفاشية المقيتة المتخلفة دون أن يهرب أو يتراجع أو يتوقف؟؟
لقد فقدت صديقي منذ 1993ويبدو إن سامي كان في الجب يواجه المحنة السوداء بإنسانية خاصة لاتنهزم أو تنكسر ، وبطولة عجيبة تعكس طينتة وقناعاتة الثابتة التي لاتهزم ، ومن المؤسف أن أسجل هنا وبينما كنا نحاول متابعة أخبارة من بغداد المحاصرة بكلاب الفاشية المسعورة ، بغداد البعيدة ، ونحاول أن نلتقط أي خيط يدلنا على سامي أو جدثة او مصيرة أو بقايا قميصة أو رائحتة ، كانت بعض عناصر اليمين الانتهازي تبث وتسرب معلومات سقيمة تافهة عن وضع وهمي لسامي المحاصر ، في محاولة لتشويهه حتى يقتل مرتيين ، وربما وفي لحظة الاشاعة كان سامي في غرفة الاعدام أو قد أعدم فعلا ، وقد جاءني أحدهم وهو من العناصر المشكوك في نزاهتها ليبلغني معلومات تافهة سقيمة ، يومها لذت بالصمت لحين تكشف الحقيقة ، ويخرس المتكلم وتنكشف دوافعة الدنيئة، ثم عاد نفس هذا العنصر ليبلغ صديق آخر بمعلومات تافهة أخرى
لقد كان موقفنا مبدئيا وإنسانيا وأخلاقيا ثابتا أزاء حالات إعتقال الرفاق المتسللين الى الداخل ، وكنا نشعر بالحزن والصدمة للحالات الكثيرة التي أكشفها العدو وسقطت بسهولة ويسر بيدة ، وكنا نسكت حتى عن العناصر المنهارة والمتعاونة مع النظام ، ونحن نعرفهم بالاسماء ولم نشهربهم ولم نختلق القصص حولهم تقديرا منا للظروف التنظيمية الخاصة والقاسية والاهوال والاخطاء التي مروا بها ، ولكن ماذا نفعل أمام هذا السلوك المشين ؟؟ وهذه التربية الهابطة التي تخدم العدو دائما
لقد سمعت من صديق قريب جدا ، بأن الحزب الشيوعي العراقي يرفع صورة سامي في المقر العام الى جانب شهداء الحزب ، وأنا لست متأكد من الخبر تماما ، وهو أمر طبيعي وجيد ولآ إعتراض علية فسامي شهيد الشعب العراقي والحركة الشيوعية العراقية ، ولكن الاعتراض والمطالبة تنصب على ضرورة أن تتقدم قيادة الحزب الشيوعي بالاعتذار العلني والرسمي لعملية أعتقال سامي ورفاقة والتي نتج عنها إستشهاد منتصر على أيدي عناصر ثبت أرتباطها بالسلطة من خلال الوثائق المكتشفة وخاصة من حرض على الاعتقال والتعذيب ومن مارس التعذيب فعليلا وبقسوة ووحشية ، هذه القضايا لاتسقط بالتقادم ، ونطالب بفتح ملفات القضية فورا ، لقد سكتنا في السابق خوفا من تفسير عملنا بإنه يخدم السلطة ؟؟ والان وقد سقطت السلطة وشماعاتها؟؟
لقد كان سامي نزيها طيبا ، يحب رفاقة وإصدقاءة ويمزح معهم مزحا بريئا ويعمل لهم المقالب الصداقية البسيطة ، وكان يقول لي مازحا بأنة سيترك العمل السياسي في أول يوم من بلوغه الخمسيين من العمر ويتفرغ للزراعة والفلاحة وتربية الدواجن والعمل الفكري والبحوث والعائلة القادمة ، وراية ناتج عما يراة من حالة بعض القياديين وقد بلغوا من العمر عتيا وبدات حالات الذهان وفقدان الذاكرة وأوجاع المفاصل والسعال الدائم مع الاصرار على الاستمرار على خشب الكراسي المتاكل والمرتعش ، ضدمنطق الحياة والبايلوجيا
ها أنت تقترب من خمسينك الأثيرة والتي لم تبلغها جسديا ، فقد أجبروك على الرحيل المبكر دون طلب من الحياة نفسها بل بسبب ممن هم ضد الحياة وسارقيها ، كم أتنمى أن لايكون هذا رثاء ، وأن تتحقق معجزة ما وتظهر بيننا لآنني لم أقفل الخط معك ولم أستسلم لقدر قاسي صنعه شيطان الفاشية البغيض ؟؟
-3
الى سامي
آه لو كنت حيا
آه لو إن عقلك أكمل دورة إستنطاقه
آه لجسمك النحيل معلقا كاخيط
لقميصك دون ألوان
لفقرك الدائم
لإيامك المالحة
لحبك للدنيا والناس
أهدي دمعي ، أهدي فرحي ، أهدي إنتظاري المفتوح
لوريدك المذبوح
كم أتعبني ذاك الصديق الذكي ، ذاك الصديق الودود
............
عشنا في عراء الكون ، في لحظة الوحشة النائية
العيش بلا مكان ، حيث العراء عاريا
والدنيا بدائية التكوين
كنا بلا وقت
بلا أسيجة أو حدود
بلاطرقات أو مدن
كأننا نعيش مع المطلق
ونموت بلا مواعيد أو أضرحة
نموت بلا شاهدة
..............
كم تمنينا أن نكون معا
أن نركب الباص العمومي معا ، أن نشاكس النساء الجميلات
أن ندخل البار المفضل في مدينتنا البعيدة
أن تلامس أقدامنا ترابك يا بغداد
لكننا إلتقينا في هامش رطب
ثم هوينا في عتمة السنوات
نتنفس من ضوء الاعشاب ونتدفأ على كومة من قش الطبيعة
ونسافر دون جوازات أو أختام لحكومات تكرهنا
ونحن نراقب الجنود
ونراقب الحدود ونتابع السير الحثيث الى المجهول
.......................
وكنت أنت المبادر
وأنت المثابر
وأنت الصموت
وأنت النبيل وأنت الجميل الجميل

صديقك الخاص أمين

 

 

 

المجد والخلود للشهيد منتصر- مشتاق جابر عبد الله

محسن صابط الجيلاوي

2005 / 3 / 27

لقد قرأت بحزن مقالة الأخ- أحمد الناصري- عن المناضل والإنسان - الشهيد منتصر - الذي عايشناه عن قرب وعرفنا معدنه القوي والشجاع..، أشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بالمرارة والأسى وحجم الخسارة عن ضياع أحلام شبيبتنا بعراق يحفظ تطلعاتهم وأملهم بغد أفضل...لقد ضيعنا وحرمنا الطغاة وأشباههم بان تكون لنا ولو فسحة بسيطة من الحرية ومن احترام الإنسان كقيمة عليا حافظة ومنتجة للفكر الإنساني...


الشهيد منتصر هو صورتنا جميعا، نحن أبناء الصدفة أن نبقى أحياء..كانت الخطة أن نموت بلا قبور وبلا شواهد، لكي تبقى قلة قليلة سارقة لهذا الوطن ولروحه ولأي جذوة للخير والحب...منتصر أنتمي للوطن بروحة وجسده الشاب، دافعا أغلى ما يملك – الحياة- ثمنا لذلك...، سيرته إدانة لحماقة الايدولوجيا وتلك القيادات الأمية السافلة، انها سيرة تعبر عن وجع العراق، عن وجع الذين حلموا بأن الوطن قادم في صورة أبهي وأجمل.. لكن أولئك الذين امتهنوا دمنا وحولوه إلى مغانم ومزايدات ومهنة وعيش رغيد، كان لابد لسلطتهم من دماء تُسفح ومن غدر لكل من يقول لا جريئة وقوية..أعترف أن ما أراده منتصر كان بسيطا وعاديا بكل معايير النقد التي نعرفها اليوم..كان يريد حزبا نظيفا منتميا للناس، قائما على الحب والسعي المخلص من أجل العراق...لهذا لم يكن لسكرتير نكره إلا أن يوعز بسجنه مع رفاق آخرين، وسواء نتفق أو نختلف مع أفكارهم لم نكن نصدق أن تقوم قيادة جبانة بهكذا ممارسة وتتفتق عقيرتها عن سجون وعن جلادين قاموا بواجبهم إزاء جسد وروح رقيقة وشفافة وشاعرة كالتي يمتلكها الخالد أبدا الشهيد منتصر...

أتمنى من الحزب الشيوعي وبروح ديمقراطية ملحها التجديد الذي يدعيه أن يمارس النقد العلني والواضح إزاء هذه الجريمة ومرتكبيها..

نحن أصدقاء الشهيد وأهله وسائر محبيه نريد وبلا تأخير معرفة مكان جسده الطاهر، ظروف استشهاده، ممارسة علنية بنقد هكذا تصرف، تحديد من وقف وراء هكذا جريمة، إبلاغ أهله وأن يعاد تكريمه كشهيد قدم حياته من أجل حريتنا جمعيا...تلك هي أبسط الخطوات التي على الحزب واجب إتباعها للتخلص من ماضي مريض ومهزوم...وليعرف بعض المدعين ان هزيمة الحزب في الانتخابات كان وبلا شك أحد أسبابها هو دم الشهيد منتصر الذي هو محل تساؤل من كل شريف ووطني ينتمي حقا ليسار عراقي نظيف...

إذا للسياسة بعض من حساباتها التافهة لتغييب جرائم- كما( يُفعل) مع جلال الطالباني- اليوم، لكن المؤكد ان أهالي الضحايا الذين سقطوا بالحروب الصغيرة العبثية سواء في بشتشآشان أو بارزان أو غيرها سيحملون هذا الهم دوما حتى يعاد لهم ثمن الدماء الغالية التي لا تعوض والتي ذهبت غدرا وعدوانا...!

هل في التاريخ أم أو أخت أو أخ أو أب أو عم أو....ينسى ذلك العذاب بفقدان عزيز..؟؟هل جربتم مرارة ذلك..؟؟

لا تصدقوا أن الدم يذهب بلا حساب، فالدائرة تدور، وليس من حد يستطيع أن يوقف عجلة التاريخ...!

والله ! أرى كل شهيد يتجول مرفوع الرأس، أما القاتل له( الحيط)، يجلله الخزي..!

القاتل يتلفت مذعورا، يعيش الخوف كل لحظة تلاحقه دائما لعنة وعار وهول الجريمة... ، أي حياة يمتلكها..؟

أهالي الضحايا على يد هذا وذاك تقول بالتصالح وبالحوار وبالمعروف لماذا لا، فهذا نصف الطريق للاعتراف بالخطأ.....عكسها الثأر قادم...ويا الويل: للقتلة...!

قد يكون القاتل رئيس قادم أو سياسي فاشل ولكن ليعرف كل من استرخص دمائنا ان خلف كل شهيد راية وحناجر تصدح بالحق

( وين يروح المطلوب إلنه )..نقولها دائما: الأيام هي الفاصلة..!!

 

**************

 

في ذكرى 14 نيسان الطلابي :

رسالة الى الشهداء قادة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية

(علي جبار سلمان ـ خالد يوسف ـ منعم ثاني)

لن يفلت الجلاد

صباح زيارة الموسوي

2005نيسان 14

رفاقي وأعز الاصدقاء

انني حين استرجع لحظات اللقاءات الاخيرة معكم , والوحش يطاردكم في بغدادكم عام 1979لا ارى الا صورة التحدي الصارم ترتسم على وجوهكم الجميلة
صورة وقورة لم تفقد الابتسامة رغم تقدمكم نحو الموت المحقق , في معركة ابيتم الا ان تعلنوا فيها لصدام وللقادة الهاربين ايضا , بانكم سوف تستشهدوا شامخين

وجوه مصممة على امر واحد … تحدى الجلاد صدام حسبن مهما كلف الثمن… وكنتم لها فاستشهادكم البطولي رفعكم الى السماء , ودفن المجرم في حفرة خوفا من الموت , وهاهو يقبع ذليلا في سجن اسياده الامريكان

لقد وقفتم في حفل زواجي لتستقبلوا الضيوف , في صف شبابي طلابي رفيع المستوى , تحدى قرار الطاغية المجرم بحل اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية عام 1975 . فقد كان اختيرنا ليوم 14 نيسان 1976 ليكون عرسا طلابيا , احتفاءا بذكرى تأسيس اتحاد الطلبة رغم الطغاة , وكنتم انتم منارات عرس طلابي , وماكان لحضور المئات من طلبة بغداد الا تعبيرا واحدا هو تحدي الجلاد واتباعه القيادة اليمينية الانتهازية

وحين نعود الى الوراء , بسنوات قليلة , تتصدر وجوهكم المتحدية المشهد الطلابي , فانتم طلبة ثانويات الجعفرية ـ الشرقية ـ قتيبة , من قاد معركة الحلوى " الجكليت" حين اشرفتم على حملة توزيعه في ذكرى تاسيس الاتحاد في يوم اعلن فيه اتحاد السلطة " الاتحاد اللاوطني " بانه لا يوجد اتحاد طلابي عراقي يحمل اسم اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية , اذ وزع " الجكليت" ملغوم بشعار ـ عاش اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية, فكان شعار تحدي وفضح لنظام العفالقة الدموي

لقد قدتم ايها الشهداء الاحبة المسيرة الطلابية الكفاحية , الديمقراطية والحزبية وانتم على مقاعد الدراسة الجامعية في الفلسفة والاقتصاد والتكنلوجيا, فلم يطق الجلاد ذرعا بتحديكم المتواصل لنظامه الفاشي فاصدر امره بحل اتحادكم المجيد , وهدد بالغاء " الجبهة الوطنية " ان لم تذعن قيادة عزيز محمد لذلك , فاذعنت كعادتها ونفذت , غير ان المجرم صدام كان واهما كعادته هو ايضا , فقد حافظتم على رباطة الجأش وواصلتم قيادة الحركة الطلابية برمتها عبر القيادة الطلابية الحزبية

ولكن … لم تمر سوى اعوام معدودة لتتركوا فريسة للجلاد المتعطش لدمائكم الزكية , جلاد حاقد لا يشبع من مص الدماء , مدججا بكل انواع الاسلحة , وانتم لا تحملون سوى سلاح الايمان بقضية شعبكم وارادتكم الحديدية التي لا تقهر …. ومرت سنوات التعذيب المريرة حتى يأس الجلاد من امكانية تنكيس رؤوسكم الابية , فأختار طريقة الجبناء في تصفيتكم لترتفعوا الى السماء لا طمعا بجنة ولا خوف من نار , بل وهبتم حياتكم في عز الشباب من اجل الشعب والوطن دون مطمح الا باقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية

ان اسياد الجلاد يطيلون بعمره , لكنه سوف لن يفلت من عقاب الشعب , هاهو يعيش مرارة عار الهزيمة على يد اسياده الذين جاؤا لانقاذه ذليلا من ثورة الشعب الا انهم واهمون

لكم مني رفيق وصديق ابطال خيرة شباب العراق كل المحبة والتهنئة في ذكرى تأسيس اتحادكم المجيد اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية
فوجوهكم لم تفارقني ابدا

المجد للشهداء قادة الحركة الطلابية العراقية

علي جبارسلمان ... خالد يوسف ... منعم ثاني

رفيقكم وزميلكم
صباح زيارة الموسوي

**************

 


هلهلي أم علي فقد شنق المجرم صدام قاتل عليا البطل

صباح زيارة الموسوي

2007 / 1 / 8



اليك ام الشهيد علي جبار سلمان القائد الطلابي الديمقراطي المقدام الذي قدم حياته فداء لحرية الوطن ابان الحكم البعثي الفاشستي, في زمن كان يجثم فيه اعتى واقوى نظام فاشي دموي على صدور ابناء العراق

ان اعتقال عليا في 1980 واذاقته ابشع انواع التعذيب على مدى سنوات ثلاث في اقبية المجرم صدام حسين, حتى استشهاده مرفوع الراس في عام 1983 قد قدم المثل الاعلى للشباب العراقي في الموقف الوطني الحق ضد اعتى جلادي العصر

لقد بقيت يا ام علي تبكين عليا لربع قرن من الزمان , وحين التقيتك والعائلة الكريمة للمرة الاولى في بيت الشهيد الغالي علي , بعد ربع قرن من الزمان, لم اجد الفرحة في عينيك الذابلتين حزنا , رغم اعتقال الجلاد , بل جريان الدموع من عينيك ظل يسري نحو حلم رؤية بكرك العزيز على وحبيب قلوبنا جميعا , صديقنا ومثلنا

اليوم وقد شنق المجرم صدام حسين , لم يبكيه سوى مرتزقته , قاذروات المجتمع , اما انت يا أم الشهيد الوطني الثوري علي , فأرجوك بأسم علي وذكراها العطره ان تهلهلي , هلهلي , هلهلي , فأن الشهيد الحبيب علي يسمعك

,
صدقني يا أم علي , فقد حلمت به وقبلته , فعاتبني على دموعي , الدموع ذاتها المنهمرة الان , وأنا أكتب اليك , اذ قال لي , ما بالك؟ حينها ظهر الى جنبه أعز الاعزة اليه والي , القائد الوطني الوطني الشهيد خالد يوسف والقائد الوطني الشهيد منعم ثاني


وما ان صحوت سجلت سطورا متواضعة لك .. عساها تصلك

المجد للشهداء من أجل الوطن ...الشهداء من أجل الشعب

المجد لشهداء الوطن من أجل التحرر واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية
المجد للشهيد علي جبار سلمان
مزبلة التأريخ هي مصير صدام وامثاله من الفاشيين والطائفيين والعنصريين
النصر للعراق ... الخزي والعار للخونة والعملاء

 

7/2009/11

 

 

الى روح الشهيد منتصر !

" مشتاق جابر عبد الله "

 

جمال محمد تقي

 

احضرت أم منتصر قدرا حسينيا

وسخنت به من ماء الشريعة ،

على موقد من بقايا شجرة الصفصاف اليابسة في وسط باحة دارهم

المبني بالقدرة وسط مدينة "الثورة" !

 

لوحت بقميصه

لايحمل لونا محددا

رماديا مصفرا ،

ربما علقت به متعلقات من بقايا طين الشمال المخلوط 

بما نزفته كليتيه !

ربما تحمل مساماتها الوان عرق سجاياه !

 

لا يعرف احدا سواها
ومن سواها يعرف سره ؟

 

على عادة اهل الجنوب

وضعت قميصه في ماء القدر لينجلي

ليغلي

او كما يقول الاهلون :

ليصيح القاتل  ـ ها انا ـ !

 

قالت جارتهم :

لا داعي لذلك فالحرب لم تدع احدا !

خجلت جارتهم من نظرات ام منتصر

ولم تعاود !

 

الماء يغلي

والقميص ينجلي

الماء يغلي

يغلي ويغلي

وصار البخار غيمة تمطر مناجاة

وحضور مهيب ،

هلهلت ام منتصر

من انواط  قلبها الموجوع

خرجت زغرودة لابنها البكر

عريسا والبخار غاره ،

هلهل الحضور

وتصاعد البخار والقميص يفور !

تواصلت الزغاريد

حتى خبت نار الموقد

 

وهتف العارفون  :

حضر ، حضر

حضر المطلوب حيا او ميتا

حضر القاتل !

 

حضر حاملا كفنه على يده

حضر بعينين منكسرتين

اقترب من ام منتصر مقدما كفنه

نظرت اليه

وضعت نظرات عينيها المعذبتين في عينيه الزائغتين

اخذت منه كفنه

ورشت عينيه ببصاق العار !

 

 

 

 

 

 

موقع 

جريمة بشتآشان

 

 

بشتآشان/ بين الآلام والصمت

ملاحظة:- التوقيع على النداء الأخير مفتوح أمام كل وطني عراقي متضامن مع قضية بشتآشان

نـــداء

مذكرة قضائية

 مذكرة

ذكريات

قصائد

شهداء

صور

مقالات

 

 

ملاحظة:- التوقيع على النداء الأخير مفتوح أمام كل وطني عراقي متضامن مع قضية بشتآشان

بشتآشان...مكان وجريمة

    في الأول من أيار عام 1983 غدرت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بحليفها في الجبهة الحزب الشيوعي العراقي وهتكت بفعلتها تلك كل القيم الوطنية والأخلاقية، وقامت بإعدام الأسرى من الشيوعيين العرب بتشفي عنصري مخزي، فشوهت بذلك براءة المكان وسحبت قرية (بشتاشان) من موضعها المستلقي ببراءة عند حوض جبل قنديل لتدخله في وجدان التاريخ كلحظة قاسية لزمن أريد له أن يؤسس لحياة يتجاوز فيها العراقي المضطهد والمعذب شيئا من انسحاقه وقهره.

  بشتاشان مكان تخطى صيغته الأولى ليلامس وجه التاريخ منكسرا عند عتبة القسوة والحقد ومحاولات الاستلال من ثنيات ذاكرة شعب وقضية. بشتاشان هي اكبر بكثير من مساحتها في الأرض وحيزها الدافئ في الزمن. إنها انعطافة خاصة داخل انعطافة النضال السياسي للأنصار الشيوعيين الذين شكلوا حركتهم المسلحة بعد فشل تجربة التحالف المثيرة للظنون والتساؤلات بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الفاشي أواخر السبعينات ، المتاسسة على خلفية تنظيرات بائسة وتهويمات سياسية قفزت من فوق كل قيم ومعاني التاريخ النضالي للحزب الشيوعي العراقي.

 بشتاشان، الواقعة ـ الجريمة، شكلت هزة عنيفة وقاسية في وجدان كل من عايشها وكل من فهمها وقاسى مرارة الانهزام حين تصنعه الذات العاجزة عن فهم متغيرات الزمن.. هي ثمرة قاتلة ومؤلمة لقراءة سياسية خاطئة استبدلت ببلاهة النظرة العلمية الصارمة والتصور العقلي الدقيق بالنوايا الحسنة التي تلامس السذاجة.

 بشتاشان هي شاهد على جريمة مركبة صنعها خبث وحماقة التعصب القومي وخنوع وضعف الثوري المتراخي والهش. هي شاهد يراد له النسيان والتغييب بحجج واهية تريد إلقاء غلالة كثيفة من أضاليل الوحدة الوطنية المهلكة لتخفي حقيقة القتلة.

 نريد من هذا الحيز الصغير( موقع بشتاشان) أن يكون عتبة تتخطى محاولة نسيان تلك اللحظة الفاصلة في حياة الشيوعيين العراقيين بأمل اتساعه، سعة الجرح، وتعميقه، عمق الألم، لننصف الورود التي منعت تفتحها في بستان الوطن يد الغدر والكراهية العنصرية. وان نجعل من هذا الموقع وتلك العلامة نقطتان يرتكز عليهما كل وطني لم تلوثه أضاليل الساسة النفعيين ليسهم بفضح مشاريع الاستبداد الكامنة في العقليات العنصرية للذين خططوا بلؤم لتلك الجريمة ونفذوها. هؤلاء الذين يتسربلون الآن بمحنة العراقي ويتظللون بخنوع الساسة والكتاب الهتافين ليتسللوا بخفة إلى منصة البطولة والوطنية كما يفعل الآن بوقاحة ساسة الاتحاد الوطني الكردستاني مرتكبو تلك الجريمة.

 بشتاشان جرح لن يندمل ولن ينسى إذا سعى في نصرة الحق المجهول من تلهبه سياط الضمير الأخلاقي والوطني.  فنهيب بالرفاق والأنصار ممن عاش أو عايش التجربة وتلمس معاناتها أن يسهموا بأي قدر يستطيعونه لرفد هذا الموقع الذي نأمل أن يكون أرشيفا وشاهدا على الجريمة،  بالصور أو الآراء أو الذكريات مع ملاحظة اتساع الصدر لكل رأي أو زاوية نظر مختلفة لهذا الحدث لاتتفق مع تصورنا أو فهمنا وتقييمنا للواقعة.

 نحن نعرف بالتجربة إن الأنصار الذين عاشوا المحنة ماأن يجمعهم لقاء حميم، رغم مرور هذا الزمن الطويل على الجريمة، إلا ويستذكرونها بحماسة وحرقة. لهذا نتمنى أن ترقى هذه الحماسة إلى مستوى التوثيق وتقديم الشهادة وان لا تبقى تلك الحرقة حبيسة الصدور والغرف المغلقة.

افضحوا القتلة!

 


  

 

نداء من الناجين من مجزرة بشتآشان وعوائلهم إلى المحامين والحقوقيين العراقيين ومنظماتهم : أنصفونا من جلال الطالباني وحزبه 

نداء إلى المحامين والحقوقيين العراقيين ومنظماتهم
 
  نحن مجموعة من الناجين من مجزرة بشتآشان وعوائلهم نؤمن بأن بناء دولة القانون التي ننشدها في عراق ديمقراطي يحرص على تخطي إرث الاستبداد والقمع والمصادرة لا يمكن أن يقوم بغير جهود نخبه المثقفة والواعية، ولاشك إن المحامين ورجال القانون (حماة المواطن) هم النخبة الأكثر حرصا ومسؤولية لتحقيق هذا الأمل ، ونحن ندرك أيضا بأن رجل القانون هو إنسان مهمته الأساسية إرساء العدل الذي يحقق دعائم الأمن والاستقرار والحرية للمجتمع وللفرد على السواء.
    ومن هذا المنطلق نهيب بإخوتنا المحامين ورجال القانون العراقيين أصحاب الإرث العظيم في الدفاع عن حرية وكرامة المواطن العراقي أن يمدوا لنا يد العون بتبنيهم والتزامهم الطوعي في قضية هي من بين أهم قضايا الرأي العام العراقي، قضية أريد لها أن تُخفى عن أعين العدالة لمجرد أن مرتكبي جرمها هم من حكام هذا العهد، ونعني بها مجزرة بشتاشان التي ارتكبها تنظيم الاتحاد الوطني الكردستاني في 1 آيار 1983 وراح ضحيتها كوكبة من أبناء الشعب العراقي، بتوجيه وإدارة مباشرة من قيادته الحزبية التي تتبوأ الآن مناصب عليا في الدولة العراقية وفي إقليم كردستان، كرئيس الجمهورية جلال الطالباني وفؤاد معصوم عضو البرلمان العراقي ونو شيروان مصطفى الشخصية النافذة في إقليم كردستان وغيرهم.
    وما شجعنا على طلب العون منكم هو الاستجابة الكريمة من مجلس القضاء الأعلى في شخص السيد القاضي عبدالقادر بيرقدار التي أرسلها إلى موقع كتابات حول المذكرة المرفوعة عبر وسائل الإعلام من مجموعة من الناجين من المجزرة وعوائلهم وأصدقائهم يطالبون فيها القضاء العراقي التدخل والنظر في القضية، ونحن نعلم إن المدعى عليهم هم أشخاص نافذون ويملكون السلطة والمال ووسائل الإعلام والميليشيات، وأن هذا الأمر من شأنه أن يحيط القضية ببعض المصاعب، لكننا نؤمن بنفس الوقت بأن تحقيق العدل يتطلب الشجاعة والاستعداد التي بغيرهما لن تتحقق وتُبنى دولة القانون التي ينشدها العراقيون جميعا.
    وفي الوقت الذي نطلب فيه من إخوتنا المحامين والحقوقيين العراقيين الوطنيين الأخذ بيدنا وإعانتنا على حمل أثقال هذا الملف الصعب ننبه إلى أننا لن نقبل أن تجير هذه القضية لأي صراع سياسي أو تصفية حسابات مع الأشخاص المعنيين أو تنظيماتهم، ولاسيما من قبل عناصر النظام ألبعثي السابق لان القضية - المجزرة بالأساس كانت واحدة من الجرائم المرتبطة بهذا النظام وان نفذت بأيدي جماعة تنتمي للمعارضة ، فالمجزرة كما هو ثابت في المعطيات التي لدينا جاءت ثمرة لتنسيق مباشر بين رئيس مخابرات النظام ألبعثي( برزان التكريتي) وأحد العناصر القيادية في الاتحاد الوطني الكردستاني المكنى بـ ( عمر دبابة) وبتوافق قيادي تام .
    وننبه أيضا، وبتشديد كبير، على إن هذه الدعوى وهذه القضية ليس مقصودا بها بأي شكل من الأشكال الشعب الكردي الكريم الذي نكن له كل الاحترام والمحبة، فالقضية أساسها سياسي بملامح جنائية تخص تنظيما سياسيا محددا ولا تخرج عن هذا الإطار.
    في الختام نأمل في أن يبادر إخوتنا المحامون والحقوقيون العراقيون إلى مد يد العون لنا من اجل تحقيق العدل وبناء عراق جديد لامكان فيه لشخص مهما كبر في أن يكون فوق القانون والعدالة.
  الموقعون :-
  مكي حسين – نصير – احد الناجين من المجزرة
  عماد الطائي – نصير – أحد الناجين من المجزرة
  سالم الشذر – نصير – أحد الناجين من المجزرة
  شعلة أسعد خضر ـ شقيقة الشهيد وحيد أسعد خضر ( جبار )
  كفاح أسعد خضر – شقيقة الشهيد وحيد أسعد خضر( جبار )
  نصير عواد – نصير – شقيق الشهيد ناصر عواد (أبو سحر)
  المهندس اسامة سلمان – عن عائلة الشهيد سمير كاظم يوسف الحلفي ( عمار )
  جابر ربح ساهي – نصير - أحد الناجين من المجزرة
  محسن الجيلاوي- نصير – أحد الناجين من المجزرة
  خالد صبيح – نصير – أحد الناجين من المجزرة
  محمد صالح مشيهد- نصير- أحد الناجين من المجزرة
  أحمد الناصري – نصير – أحد الناجين من المجزرة
  علي ديبان جابر- نصير – أحد الناجين من المجزرة
  ثائر ده راو - نصير - أحد الناجين من المجزرة
  صبري هاشم - نصير
  يمامة الخوري- نصيرة
  كفاح حسن - نصير
 
  العراق- 01-06-2009
  للمراسلة والتوقيع على النداء:-
beshtashan@gmail.com
  Mohsen_khashan@hotmail.com
  رابط موقع بشتآشان :- http://web.comhem.se/kut/Beshtashan.htm


 

 

 

 




 التحديث الاسبوعي


7/8/2009




الشهيدة سحر أمين منشد نجمة براقة في سماء العراق

خالد حسين سلطان

 

كان الحزب الشيوعي العراقي وخلال مسيرته النضالية الطويلة يتلقى العديد من الدعوات للمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات والمخيمات الكشفية وغالبيتها من منظومة الدول الاشتراكية السابقة وخصوصاً في مرحلة ما يسمى بالعمل الجبهوي ( 73 ــ 78 ). ومن تلك الدعوات كانت في صيف عام 1976 من جمهورية ألمانيا الديمقراطية للمشاركة في مخيم دولي للطلائع والفتوة يقام في غابة على أطراف مدينة برلين الشرقية، ولكون الحزب ليس لديه منظمة طلائع فعلية وخصوصاً بعد حل أو تجميد منظمات الحزب الجماهيرية بسبب ضغوطات حزب البعث الحاكم، لذلك تقرر اختيار خمسة أفراد من أبناء العوائل الشيوعية لتمثيل الحزب في هذا المخيم بالإضافة الى رفيقة مشرفة على الوفد وكان الاختيار بالشكل التالي :
1ــ منيرة وهي ابنة الفقيد فاضل الساعدي احد العاملين في مقر اللجنة المركزية .
2ــ سحر وهي من عائلة أمين منشد الشيوعية المعروفة في مدينة الناصرية .
3ــ أشجان وهي من مدينة كربلاء واعتقد إنها ابنة المناضل الشهيد علي نور ( وكانت أصغرنا عمراً ) .
4ــ وحيد وهو ابن المناضل الفقيد أسعد خضر أربيلي عضو اللجنة المركزية للحزب .
5ــ خالد ( كاتب هذه السطور ) وهو ابن المناضل الفقيد حسين سلطان صُبّي عضو اللجنة المركزية للحزب .
بالإضافة الى الرفيقة المشــــرفة على الوفد وكانت تدعى سوسن أو ( وسن ) ولم أحفظ اسمها بشكل جيد لكونها كانت تكتب أسماء مختلفة في سجل الزيارات للوفود المشاركة وذلك من باب الصيانة، في حين لم نلتزم نحن الصغار بتلك الوصايا .
المهم في موضوعنا هذا هو استشهاد عضوين من أعضاء هذا الوفد خلال مسيرتهم اللاحقة وهما الشهيدة سحر أمين منشد والتي أعدمت على يد النظام السابق في عام 1985 والثاني هو الشهيد وحيد أسعد خضر ( جبار ) والذي استشهد في كردستان العراق عام 1984 على أيدي رفاق السلاح من الاتحاد الوطني الكردستاني على سفح جبل سفين وبدم بارد إكمالاً لمجزرة بشت آشان الرهيبة .
سوف أكتب بعض ما أتذكرة عن الشهيدة سحر وفاءاً لها ولتلك الرفقة القصيرة وأترك الكتابة عن الشهيد وحيد حتى إشعار آخر لأن الملوك لا يسألون عما يفعلون من أعمال شائنة وكما تعودنا .
التقيت بسحر في يوم السفر في بداية تموز وكانت فرحة كثيراً وكثيرة المزاح وذلك من الصفات الملازمة لها وكما عرفت ذلك في أيام المخيم حيث لا يعرف اليأس والتشاؤم طريقاً الى عقلها وقلبها، وبعد الوصول الى برلين ثم الى المخيم شاركت سحر في كل الفعاليات والنشاطات وبحماس وجدية وفي أوقات الفراغ وعند الحنين الى الأهل وحي الاسكان والناصرية كانت تردد عبارة ( آه يا ريحة هلي ) وتغني لنا ما تحفظ من أغاني الجنوب والذي كانت تجيده وخصوصاً أغنية الفنان قحطان العطار ( لو غيمت دنياي ) وكانت تؤديها بشكل رائع حتى إن السيدة الألمانية المرافقة للوفد حفظت بعض كلمات الأغنية وترددها معنا وبإعجاب وتقول بعد ذلك ( زين سخر ، زين سخر )، وعند النزول الى برلين أو المدن الصغيرة القريبة للنزهة أو التسوق كان همها وشاغلها الأول والأخير هو اختيار هدية مناسبة للوليد القادم للعائلة وهو ابن احد أشقائها أو شقيقاتها وقد أوجعت رؤوسنا حول ذلك وكنا كثيراً ما نستغل هذا الموضوع أنا والشهيد وحيد لمشاكستها فنعرض عليها هدايا غريبة عجيبة ولا تلائم الحالة وكانت ترفض كل العروض ومن الجميع بسبب حبها وتعلقها بالوليد القادم، وأخيراً وقبل العودة بأيام اقتنعت بشراء عدة طبية صغيرة من البلاستك كهدية على أمل أن يصبح الضيف القادم طبيباً في المستقبل ومع هذا لم تتخلص من مشاكسات وحيد الذي كان أقربنا لها عمراً وبالتالي أكثرنا مشاكسةً ومزاحاً معها فكان يطلب منها فحص نبضات قلبه أو درجة حرارته ومستوى ضغط الدم وكانت تتقبل ذلك بروح رياضية وتصف له حالته الصحية وكأنها بأسوأ حال وانه قد لا يصل الى بغداد سالماً ويضحك الجميع بعدها .
بعد العودة الى بغداد ليلا وفي المطار لم يحضر أحد من ذوي سحر لاستقبالها وذلك لعدم علمهم بموعد القدوم فحلت سحر على عائلتنا ضيفة عزيزة مكرمة وقضت ليلتها مع بنات الدار وعلى السطح تتحدث لهم عن ما شاهدته في ألمانيا والفرق بينها وبين الناصرية وعرضت عليهم هديتها للمولود القادم في مزيج من المزاح والفرح وحتى الفجر، وفي الصباح غادرت سحر الدار مع والدي مودعة بالحفاوة الى مقر اللجنة المركزية للحزب حيث حضر احد ذويها واصطحبها الى الناصرية ولم التقي بسحر بعد ذلك اليوم ولكن ظل ذكرها مستمراً في الدار على اثر ليلتها تلك معنا .
لم اعلم باستشهاد سحر على يد أوغاد النظام السابق إلا بعد احتلال العراق وسقوط النظام السابق وذلك من خلال ما كتب عنها عبر الانترنيت، وقد اغرورقت عيناي دمعاً وانأ اقرأ وأشاهد الحلم الذي كتبه عنها شقيقها السيد داود أمين منشد :
أحلمت مرهْ
بسحر تضحكْ
وعلى خدها الحلو
رصعاتْ
كمت اطحن حزنْ
وأسحكْ
وامسحْ بيدي
أثرْ دمعاتْ
لن عيني إلمحتْ
ركبه طويلةْ
وحس حبلْ
يخنكْ
وشبحْ رجلينْ
يتلو لحنْ
ماكو ثباتْ !
وقرأت رسالتها من المعتقل الى عمها حول البحث عن وليدها الذي أودعه الأوغاد في مأوى للأيتام ليطمئن قلبها عليه وهي تستقبل الموت بكل شجاعة فكتبت تقول : ( . . . يجب أن تسرعوا لان الأيام قليلة بالنسبة لي فلذلك أريد إن اطمئن عليه قبل أن تسرع الأيام . . . ) .
اطمئني يا سيدتي فقد كبر وليدك وأصبح أباً، وكثيراً ما غيمت دنيانا في العراق ولكنها بلا مطر حقيقي، ويبدو إن حديثنا ونقاشـــنا مع الوفود المشاركة في المخيم حول النضال ضد الاستعمار والامبريالية كان وهماً أو ضحكاً على الذقون، وجيفارا كان مهووساً آو مجنوناً، وإنجيلا ديفز كانت ساحرة ماكرة، والطفل الفيتنامي الذي استقبلناه بحفاوة وتكريم وتنافسنا على تقبيله والتقاط الصور معه لكونه قد ساعد الثوار الفيتناميين في نقل البريد ومراقبة تحركات القوات الأمريكية كان إرهابياً ودربه شيخ الإرهاب هوشي منه. فقد أصبحت أمريكا وأذنابها رمزاً للعدالة والديمقراطية ومعيناً لتحرير الشعوب رغم إنها ازدادت تكالباً ووحشية بعد انفرادها بالساحة، لذلك انتقل شيوخنا من المنطقة الحمراء الى المنطقة الخضراء وبلا محطات وسطية مخلفين ورائهم الملايين من الفقراء والكادحين لتسحقهم جرافات العدالة والديمقراطية الأمريكية، وزمر وطبل لهذا الانتقال الكثير من رفاق الأمس ومن يخالف ذلك فهو يمينياً أو شيوعياً متحجراً وموتوراًً ومنشقاً، وعلى كل حال فان كل تلك التسميات قد تكون مقبولة ومعقولة الى حد ما ولكن الويل وكل الويل لخونة الحزب والشعب والوطن .
هذا هو حالنا اليوم يا سيدتي .
المجد والخلود لرفيقتي الصغيرة سحر
إنها صغيرة بعمرها حين عرفتها
صغيرة بعمرها الحزبي حين استشهادها
ولكنها كبيرة بصمودها
كبيرة باستشهادها البطولي




 

 




 التحديث الاسبوعي


1/8/2009




عميدة وصانع الخبز وخوفي

زينب محمد رضا الخفاجي

 كنت جالسة كما كل يوم أمام شاشة الكومبيوتر.. مشكلتي أنني أدمنته.. وصرت أفترس بنهم كل مواقعه ..ظمأ كبير هذا الذي أحس به ... سطور تمر وأخرى تركض وعيناي تلهثان... بابٌ صغير في أعلى الشاشة يشتت انتباهي ..يفتح ويغلق بسرعة... ومن خلفه ليلٌ وقمرونجوم وبالونات... أفكاري تتناقض بين استراحة صغيرة خلف الباب وبين تلك السطور..ولكن عشقي للمجهول وأكتشاف الأماكن الجديدة يحملني اطناناً كثيرة من الشجاعة والأقدام.. الجو حار وخانق هنا.. هذا ونحن في نيسان.. النسيم العليل يبعث بسفيره ليدعوني هناك.. لعالم ما خاف الباب ..وافقت وحزمت أمري فأسرعت أتسلق السطور حرفٌ يدفعني والآخر يرميني أرضاً ولأنني لم أستسلم يوماً في أمر أريده..أعاود التسلق الاف المرات.. أما أنا وأما هم صبري وطول بالي اللذان ورثتهما عن أبي جعلاني دوماً الرابحة في النهاية... ألفٌ يسلمني لهمزة .. وهمزة تغمزني لفتحة وهكذا حتى وصلت الباب والعرق يبلل وجهي ورقبتي وحافة بلوزتي .. أقتربت بأنفي من الملابس لأختبر رائحتها فمن غير اللائق طرق الأبواب برائحة كريهة قوية ... شهيق ثم آخر فآخر.. الله ما أطيب هذا العطر أرفض التصديق فأمر بيدي على جبتهي وأخذ منها عينة لأذهب بها الى مختبر أنفي ليحللها .. أقربها من أنفي أشمها .. يا الله كم رائحته طيبة..ترى من أين جائني هذا العطر؟!!!..أتراه أحتكاكي بتلك الضمة الأنيقة الجميلة أم هو تنوين الضم كلنا يعرف ان الضم بدون رائحة جميلة يبعث على النفور.. أتراها رائحة واو العطف أم ماذا.. أو من؟ الله أعلم.

رتبت ملابسي وأزلت غبار الأحرف الملتصق بيدي وأعدت خصلات شعري الى الوراء.. وضعت القدم اليمنى على الجهة الأخرى من الباب واليسرى ثابتة على الصفحة.. تعلمنا نحن العراقين أن نجعل دوماً لنا خط رجعة(كلشي يصير)..

فجأة ومن خلف الباب تقدمت مني فتاة فرعونية الملامح .. عذبة الصوت.. ترتدي ملابس بيضاء فضفاضة وعلى رأسها وشاح ابيض يطير برفق مع نسمات الهواء ليظهر للعالم ليلها الأسود الطويل الجميل .. ملامح وجهها وأبتسامتها رحبت بوصولي.. وربما أدركت هذه الفرعونة الحادة الجمال.. تردد ي.. فقالت (كل الهلة بالدكوا الباب ).. مدت يدها وقالت أسمي عميدة ويصيحولي أحلام وأنت ؟... صمت وذهلت .. أرتجفت وقررت العودة أ أكون في بشتآشان؟ وهل هذه عميدة عذيبي حالوب ؟.. وهل جننت لأذهب بأرادتي للموت؟ .. ولكن ما الضير في أن تريها عميدة الجنة .. أقتربت مني وهمست بحب في أذني لا تخافي فقط أمسكي يدي .. مشيت معها فسألتني ما أسمك ؟... فما كان الجواب غير نظرة وأبتسامة خجولة .. فقالت ألا تتكلمين ... أبتسمت أيضاً.. أما زلتم تخافون الكلام .. طأطأتُ رأسي خجلاً ولسان حالي يقول نعم يا سيدتي نعم ...هذا حالنا منذ قديم الزمان..

سألتني وكأن عذوبة العالم كلها تسقط حبات مطر منعشة من شفتيها ..هل تبحثين عن شخص معين؟ فأشرت برأسي نعم .. فقالت من هو؟.. ولأنها بطيبة قلبها صدقت أنني لا أتكلم .. أنحنت على الأرض وقطفت لي وردةً من زرع يديها ربتت على رأسي وقالت سأريك كل من معي ولن أتركك حتى تجدي ضالتك ... رقيقة هذه الأنسانة لم تعرفني يوماً وتأبى تركي وحيدة ..أتخبط في غربة هذا المكان.. الهواء البارد أنعش روحي.. والنسيم العليل يمر على مسامات جلدي فينشر عطري الغريب حتى علي في الجو .. سالتني ما أسم عطرك؟ ولأني ألفتها وأحببتها .. أبتسمت وأشرت بسبابتي على الورد الذي يغفو على الأرض ..فقالت هل تقصدين أن عطرك.. عطر الورد.. فكبرت أبتسامتي وصرت أحني رأسي بسرعة لأؤكد كلامها .. مرت بأصابعها على وجهي وقالت أنت جميلة صغيرتي (لكن حرامات خرسة).. خرسة نعم خرسة أنا مع الأسف خرساء ولن أتكلم..

أتعلمين صغيرتي أن الورد لا يعطي عطره إلا لمن يحبه ..أسأليني أنا فأنا خبيرة به..أخبريني هل تحبيه؟..و فجأة كدت أصرخ ناسية تظاهري بالخرس... أموووووووووووووت عليه... ومن لا يحب الورد..ولكنني هدأت من روعي وتذكرت أنما أنا في قاموسها خرساء.. تمنيت لو أسألها لماذا أصابعك في مكانها كانوا قد قالوا أنهم قطعوها وسرقوا خاتمك وكيف ما زلت شابة جميلة بعد كل تلك السنين ..وبينما أنا أغرق في بحر تساؤلاتي .. رفعت يدها لتسلم على رجلٍ كان يبني بيديه بيتاً من الطابوق.. فبادرته تحية طيبة أبو ليلى فأجاب (كِل الهلة) بكسر الكاف .. أتراه كاظم طوفان شيخ القصب والهور وبناء بيوت العمارة ...(أبتسمت وكدت أصرخ هاتفةً عاشت العمارة وعاش اهلها الطيبيون).. أكيد أنا محظوظة برحلة كهذه أسعدني كثيراً سماع كلامهم وضحكاتهم ودقات قلوبهم الناطقة بالحب لكل الناس كطبول أفريقية مجنونة...هؤلاء الأبطال حملة راية حسن النية والخير والخبز لكل الناس ...ثم طلبت مني بكل رقة وأدب وهي ما هي من كبر المقام ..أن أسمح لها ببضع دقائق تدخل فيها في هذه البحيرة فالماء مقدس عندهم.. فقالت فقط دقائق ونكمل المسير والبحث عمن تحبين ... الآن تأكدت أنها هي فالصابئة المندائيين يقدسون الماء الجاري... دخلت بخطوات صغيرة في الماء .. رمت وشاحها وراحت ترقص كفراشة فوق صفحات الماء تبتل جناحيها فلا تغرق .. أسعدتني سعادتها .. أستدارت نحوي وقالت انت صغيرتي.. هل تحبين؟ .. نعم سيدتي ومن منا لايحب... صرخت لم أسمعك هل تحبين ... أن كنت تحبين أدخلي الماء مثلي ... ولكنني خفت على ملابسي من البلل وأحتظنت عطر وردي كي لا يزول .. ضحكت كثيراً وقالت ..نسيت أنك ( خوافة) تعجبت كيف صارت تعرف كل ما أفكر به وما أظن أنني أخفيه..عطرك صغيرتي لن يزول وملابسك لن تبتل تعالي.. هيا .. شجعتني فدخلت اليها .. غنت ورقصنا وتبللنا ولم يخيفني البلل أول مرة أكون سعيدة كما أنا الآن ... وعندما أنتهينا حملت بيديها الماء ووضعته على شعري وتمتمت بكلمات لم أفهمها وقالت .. ستكونين دوماً سعيدة في الحب وفي الحياة ولا تجزعي يوماً أو تخافي... آه كم أحب هذه الجميلة الرقيقة .. حتماً كل الأنصار أحبوها..كما أحبها الآن..

أكملنا المسير ولكن في هذه المرة يدي بيدها .. وبين فترة وأخرى تداعب خصلات شعري وتحتضنني وأبتسم.. لم أظن يوماً إن السعادة قريبة جداً منا وبهذه السهولة.. وأيضاً رفعت رأسها.. هلو كاكة جبار( جوني) ... وكان جبار يحمل بيده جرتان مملؤتان ماء .. فقالت له ألم تتعب من نقل الماء لقد سقيت يارفيقي الجميع......آه يبدو أنه الشهيد جبار أسعد خضر أربيللي .. أكيد أنه هو .. أقسم يا سيدي أنني سأطمئن أختك كفاح عليك فلقد اتعبها فراقك والبكاء... و(عاشت كردستان وكل الطيبين فيها).. أقتربت منه فسألني إن كنت عطشى .. فأشرت بنعم .. كان لشرفٌ عظيم شرب الماء من جرة كاكة جبار البطل.. كان أعذب وأطيب ماء ذقته في حياتي .وبينما كنت أعيد له (طاسة المي) دارت عيني نحو صوت جميل يغني.. كان واقفاً يصنع الخبز ويغني .. ووقف قربه الكثير ممن ينتظر دوره وخبزه الحار والأخبار..أرتجفت يدي ونزلت دموعي وأنتبهت رفيقتي لرعشة جسمي وقالت هل فيهم من تبحثين عنه ... دموعي أفقدتني دقة النظر .. واشرت نعم .. فقالت من؟ فأشرت بيدي وكأنني أصنع الخبز .. فشهقت سمير(ابو صابرين) * صانع الخبز والأخبار.. فأطرقت برأسي وأنا أجهش بالبكاء .. وسقطت راكعة على الأرض فأنحنت علي وأحتضنتني وصرخت فجأة هي سمير لديك ضيوف توقف عن الغناء والتفت صوبنا .. أبتسم وصاح حبيبتي ...وألتفت صوب صديقه حميد(مجيد رسن) من الكوت الذي استشهد وهو يحاول أنقاذه وصاح بفرح هذه حبيبتي وأبنة أخي.. ولأنني جبانة وخوافة وخرساء نهضت بسرعة وركضت صوب الباب بكل سرعتي وعبرته وأنا أتصبب عرقاً وجلست مكاني أراقب الباب وأبكي .. لو كنت شجاعة مثلك يا عمي ما هربت ..أعذر خوفي الذي تربيت عليه وأرحم ضعفي. ...

* سمير عبد الحسن/أبو صابرين/الشهيد الحي في معركة بشتآشان

 


 التحديث اليومي

9/7/2009


 


 

المجد لشهداء الوطن والانسانية والتحية للشهداء الاحياء
 

سعاد خيري

 

يزخر تاريخ الشعوب ولاسيما في عصرنا باسماء شهداء ابطال اجترحوا المآثر الوطنية والاممية وسجلوا مساهمتهم في صنع تاريخ شعوبهم وتاريخ البشرية الذي يجتاز في عصرنا مرحلة انتقالية كبرى . فالبشرية اليوم تواجه مقاومة كل اشكال الملكية الخاصة لوسائل الانتاج عبر تطورها، والتي احتفظ بها ممثلو علاقات الانتاج الراسمالية عبر مراحل تطورهم . فالبشرية اليوم على الصعيد الوطني والعالمي تواجه مقاومة اشكال من الاستغلال بما فيها العبودية كما في المملكة العربية السعودية ومناطق منعزلة اخرى في العالم الى الاستغلال الاقطاعي او شبه الاقطاعي في معظم البلدان التابعة والاشكال المتنوعة من الاستغلال الراسمالي الذي يجمع في عصرنا جميع مراحل تطور الراسمالية من المنافسة الحرة الى الاحتكار والامبريالية وصولا الى مرحلة العولمة الراسمالية . وسجل شهداء البشرية على الصعيد الوطني والعالمي اسمائهم فيما انجزته شعوبهم وعموم البشرية من تطورات نوعية في قواها المنتجة ومن خلال كل تلك المعاناة انتقلت البشرية الى العصر الصناعي ومن ثم الى عصر المعلوماتية . وما ادراك ما عصر المعلوماتية !! انه عصر تبلور قدرات كل انسان وكل شعب وصولا الى عموم البشرية وانطلاقتهم لبناء حياتهم وتحررهم من الملكية الخاصة لوسائل الانتاج من خلال تعاونهم وتشاركهم في خلق وسائل الانتاج الجبارة واتاحة الامكانيات لكل انسان لاستخدامها لتوفير مستلزمات حياته من ناحية ، وعصر مواجهة اخطر اسلحة الدمار الشامل التكنولوجية والبايولوجية والسايكولوجية من جهة اخرى
ويقف ازاء هذا الواقع الذي يفرضه عصر المعلوماتية بجبروته ، ممثلو الاشكال المختلفة من الملكية الخاصة بقيادة ممثلو العولمة الراسمالية وقطبها الاكبر الامبريالية الامريكية مدججين بكل ما انجزته البشرية من تكنولوجيا لعرقلة هذا التحول بعد ان اتضح لمؤدلجيهم حتمية زوال نظامهم . الامر الذي ادى الى تصاعد عدد شهداء كل شعب وعموم البشرية ليبلغ الملايين . وتمتلئ صفحات التاريخ ببطولات جبارة وخارقة لايمكن نسيانها او تناسيها، تتراكم فوق بعضها ولم تجد البشرية مجالا لفصل بعضها عن بعض ولا التمييز بينها. فهم صنعوا باستشهادهم السلم الذي ترتقيه الشعوب والبشرية . كما لا يمكن نسيان او تناسي ملايين اعزائهم من امهات واطفال وارامل ولا الاستهانة بمعاناتهم واحزانهم. وعزاؤنا شعورهم بالفخر بما حققه شهدائهم وما رسخوه من قيم في نفوسهم في فترة حياتهم وبما قدموه من تجارب وانجازات تمدهم بالقوة والارادة على تحدي الصعوبات والمحن بفقد الاباء والازواج والابناء وعدم الاستسلام للحزن والبؤس لفقدان ابطالهم اومضاعفته بانتظار التعاطف والاعتراف المتواصل بانجازات شهدائهم . بل انهم يتميزون بالاصرار على تمجيد شهدائم باستكمال طريقهم وادامة حضورهم بانجازاتهم على الصعيد الوطني والعالمي كل حسب امكانياته. والسعى لتطورها مستفيدا من متطلبات عصرنا ومدركين لما يجري من تطورات اجتماعية وسياسية سريعة في مجتمعاتنا . فالشهيد الوطني والاممي لم يضحي بحياته من اجل أي حزب سياسي او منظمة اجتماعية لان هذه المنظمات هي ادوات خاضعة لمقتضيات عصرها وزائلة بزواله، وانما قدم حياته لخدمة شعبه والبشرية ولذلك يبقى خالدا في تاريخها ولايمكن ان ينسى او يتناسى مهما مر الزمن ويسطع نورهم ليبدد الاحزان وينور الانتصارات .
كما يزخر تاريخ البشرية بشهداء احياء خاضوا المعارك الوطنية ببسالة او ملآوا الساحات الوطنية والعالمية بنتاجاتهم الادبية والعلمية والفنية ولعبوا دورهم الطليعي في تحفيز الاجيال المتعاقبة، ولسؤ حظهم او حسنه لم يستشهدوا في اوج مقارعتهم لاعداء البشرية واستكملوا بل وطوروا امكانياتهم في خدمة شعبهم والانسانية حتى توقف عطاؤهم بفعل عامل الزمن وقوانينه او نتيجة التعذيب او التشويه . فهم شهداء احياء يحزنهم عجزهم الجسدي والفكري عن مواصلة العطاء ويسعدهم ما تحققه شعوبهم والبشرية من انجازات كان لهم دور فيها.
فلا تحزني يا سهى فقد سجل والدك سعدون علاء الدين البياتي اسمه في تاريخ شعبنا والانسانية وسيبقى نجما ساطعا في سمائنا وكلنا امل وثقة بقدرات امك الرائعة التي رعت ثلاث اطفال وهي وحيدة لتقدم مثالا للمرأة العراقية الباسلة وببنات سعدون واحفاده في استكمال طريق سعدون في خدمة شعبنا والانسانية في مختلف المجالات التي يبرزون فيها، تمدهم سيرته وانجازاته بالثقة والعزم .
واحي لميعة عباس عمارة التي الهمت بشعرها وتدريسها الاجيال ، على ثقتها بشعبنا وبالانسانية وبدورها الذي حققته وهي تتحدى ضرائب العمر وقسوة الحياة، وامرها البعد عن الوطن، بضحكاتها التي اعادت الى ذاكرتي ضحكاتنا وكنا ثلاثة مع سلمى داوود الحميد نلتقي يوميا على ضفاف دجلة في العمارة قبل 65 عاما دون ان اريد ان اصدق وفاة ثالثتنا او اننا في الثمانين من العمر.
سعاد خيري في 30/7/2009

 

العدد { 23 } الخميس 4 حزيران 2009 - السنة الثانية

 

سحقأ للارهاب ...تبا للموت تبا للفجيعة

 


محمد السعدي

رئيس تحرير شبكة بيدر الاعلامية

 

البارحة حلت فاجعة أخرى بمبدعي ورموز العراق , قضوا نحبهم بمرض عضال لم يمهلهم طويلا , وهناك من أستهدفته عبوة ناسقة على الطريق بعمل مجهول , ولمدة ستة أعوام من عمر الاحتلال وتلك الديباجة الغبية ( المقصودة ) تطرق مسامعنا ليلا نهارا, وصدعت رؤسنا , حتى اصبنا بداء الشقيقة , وأسكنت أرواحنا نحن العراقيين المفجوعين بفقدان الأحبة والرفاق والمباديء, كأنها تعويضا عن أغلاق حانات ابي نؤاس وبارات شارع الرشيد , حين كانت مأوا لنا أيام الدكتاتورية والحروب . هل الموت اليوم تعويضا وتعويذا عن وطأة الاحتلال والجرم الطائفي ؟. ففي غضون 24 ساعة , غيب الموت اربعة قناديل أضاءت سماء العراق رغم غيومه المتلبدة, القادمة المدفوعة عنوة من خلف أسوار الوطن , سأتوقف عند محطاتهم التذكارية ومناقبهم المحفورة في ذاكرة الوطن المسلوب. عمو بابا – هادي حسن العنبكي – وليد الشيباني – خالد عبد الرضا السعدي . ندعوا من الله ان يغمدهم برحمته , ويسكنهم فسيح جناته .
عمو بابا – شيخ المدربين العراقيين , وجذوته المتوقدة بتراب ومروج ملعب الشعب , توارى بها مدفونا . صوته ملأ الملاعب , وجذوره لم تقلع من ارض الرافدين, رغم الرياح العاتية . حدثني الصديق ابو بسام متألما وباكيا, قبل موته بايام معدودات , حين شاهد لقاءا تلفزيونيا معه عبر أحدى الفضائيات , شاكيا الى ربه من الاهمال ومن سوء وضعه الصحي, المتدهور سريعا , طالبا الالتفات اليه والعون من المسؤولين ( ارباب الفساد المالي ) .و في أحدى صباحات العاصمة بغداد المبتلية بالتراب وانقطاع التيار الكهربائي . أعلن عن موته في مستشفى أزادي في محافظة دهوك , هنا توالت علينا بالتباري رسائل العزاء والرثاء , بدأ من المالكي ونزولا لاحدث فراش في المنطقة الخضراء , رسائل هبت عبر شبابيك حكام قصور الرئاسة في المنطقة الخضراء . يا اولاد ال..... كما قال الشاعر مظفر النواب , أين كنتم عندما كان يتلوى ألما , ويتضور جوعا ؟
هادي حسن العنبكي – واليسار الجديد على انقاض يسار مهزوم , مشوش بالعلاقة الجدلية بين النظرية والوطن .
وليد الشيباني – ذلك الصعلوك الذي يذكرنا بتأبط شرا والشنفرا وعروة بن ورد , بحثا عن لقمة في ازقة ودرابين قرية الهويدر. من فائض ( القيمة ) لعائلته الميسورة , في أطعام الجياع , بحثا عن ذلك الخلود. عام 1980 كنت مقبلا على امتحانات البكلوريا , وكان مدرس اللغة الانكليزية في اعدادية بعقوبة المركزية استاذنا رشيد الشيباني , اخو صديقنا ورفيقنا وليد , وبالتفاتة من قاسمنا المشترك المقتول والمغدور بحراب الاحتلال فاضل عزيز , اقترح ان يعطيني استاذ رشيد دروس خصوصية بمادة اللغة الانكليزية , في حينها كان ملتزما بالعديد من الطلبة , لكن رغم صرامة وشدة الاستاذ رشيد تمكن صديقنا وليد بفرض الامر عليه. كنت أذهب مرتين في الاسبوع الى بيتهم في بعقوبة الجديدة مع صديقي فاضل عزيز , ويكون في استقبالنا وليد , بعد أيام من الاستفادة وقرب موعد الامتحانات – طالبني الاستاذ رشيد بمبلغ معين من المال مقابل تعبه وجهده الذي بذله معي مما وضعني في موقف حرج وبدأت أتلعثم وغير قادر على الكلام, الا ان تدخل وليد أنقذني حين قال:
سجل على نفقات الثورة الجيفارية القادمة , نحن مقبلون على تفجير الثورة , وسيكرمك محمد بمنصب وزير التعليم العالي . فرط الاستاذ رشيد من الضحك , رغم قسوته وشدته في مهنته .
فاضل عزيز ... الشيوعي الذي لم يهادن جلاده ولا ألاضابير المحفوظة في ملفات الوكلاء والخط الوطني , بقي على العهد محافظا على نقاءه ومبادئه وصداقاته. عدت اليه بعد خمسة وعشرين عاما من النضال والغربة والخيانات , رأيته أكثر تألقا ونقاءا . أغتيل بعد عاما من الاحتلال وبعيد شهور من لقائي به وذلك امام بيته مقابل مستشفى الرحمة حوالي الثامنة صباحا , والتي اصبحت فيما بعد اكبر معقل للارهابيين , وهي منطقة الكاطون , وما ادراك وما الكاطون . وجدته مسؤولا حزبيا عن منطقة الحديد , وهي حاضنة اخرى للارهابيين . حاولت ان أتجاوز محن الماضي وجروحه والتجربة المرة باغتيال الحزب وشهدائه ووطنيته التي لم أبح بها الا له , وفي ذات مساء ونحن مستلقين بغرض الراحة, جرنا الحديث لتلك الايام والمواجهة , والسؤال عن حاتم جعفر , وهاشم مطر , وعلي الشيباني . في اليوم الثاني التقيته ايضا وكان منزعجا وأثار النعاس والسهر ظاهرة على وجهه المبتسم دائما, حاملا قصاصة ورق , يعلن فيها استقالته من التنظيم , مرفقة بمئة بطاقة عضوية لمن يريد الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي . ذكراك تبقى عطرة يا فاضل عزيز . قبل اغتياله ومن خلال مكالمات الهاتفية كان يحثني على العودة واللقاء ثانية , لان اللقاء الاول وبعد تلك السنوات لم تشبع منه الروح . لكن لم أجرؤ على العودة ثانية, ليس خوفا , فقديما وفي عز الدكتاتورية تسللت من الجبال الى الحبيبة بغداد حينما كنت نصيرا , ولم أهب تلك الايام . لكن الذي يحزنني اليوم هو استهتار جنود الاحتلال في شوارع العراق , واقتحام دباباتهم الارصفة وشرف النساء .
اليوم وفي مكالمة هاتفية مع زوج أختي كريم , سارعني بسؤاله , ان اهالي قرية الهويدر يسألون : هل صحيحا ان محمد مع المقاومة , هذا ما استنتجوه من خلال كتاباتي وموقفي السياسي , قلت له نعم وسلامي على اهالي الهويدر وانا فخور جدا بهذا الموقف , وسأدافع عنه لحين مماتي وهزيمة اخر جندي من ارض العراق . قال لي غير ان المقاومة هي القاعدة وجيش المهدي والبعثين , أجبته ان المقاومة لايمكن ان يكونوا هؤلاء.
هذه المجاميع من القاعدة والمليشيات وفرق الموت والامنية وفيلق القدس هم أجندة الاحتلال وهم الذين يقتلون ابناء شعبنا من الابرياء والعلماء والضباط , ويعتدون على نساءنا , أتى بهم المحتل ليدمروا العراق , والمحتل معروف باساليبه الدونية في تشويه مشروع المقاومة ولصقه بالعمليات الارهابية , والذي قتل اهلنا ومصطفى ولدك لم يقتل لولا الاحتلال وعملاءه. والاحتلال هو الذي سبب كل هذه المأسي والدمار لابناء شعبنا . وقرية الهويدر وحدها دفعت المئات من ابنائها بسبب الاحتلال وسياسته , فالمقاومة ليست ارهابا, فالارهاب هو المحتل وأعوانه وانا ضدهم ومع مشروع مقاومتهم وتحياتي لهم .
واليوم اقدم الاحتلال وعملائه على جريمة اخرى تضاف الى جرائمه بحق ابناء شعبنا الوطنيين. اذ اغتيل الشاعر الوطني والمبدع خالد عبد الرضا السعدي بعبوة ناسفة بقضاء الخالص , ثأرا من موقفه الوطني ودفاعه عن العراق وتاريخه . ظنا منهم وبهذه الجرائم يستطيعون أسكاتنا والقضاء على مشروعنا الوطني في مقاومتهم .
وللعلم فقد حاز الشاعر خالد السعدي في مهرجان الشعر العربي في ابو ظبي على المدالية الذهبية , ومشاركا في مسابقة شاعر المليون بقصيدة يقول في مطلعها .
كل المحبين في بغداد يفزعهم صوت الرصاص فتمضي يأتى يابلد
اني تركت بلادي خلف دمعتها تجري ويذكر في احداقها الرمد
تركت أمي تفيق الحب أدعية ونظرة من ابي قد لفها اللحن
وللتنويه هناك المزيد من القصائد الصوتية , وسيرة عن حياة الشاعر وموافقة من خلال نشاطاته الادبية والوطنية في موقع شبكة بيدر http://www.beider.se
شخصيا اخر رسالة استلمتها منه , ويخص بها ايضا شبكة بيدر . يقول فيها ...
الاديب محمد السعدي المحترم رئيس تحرير موقع بيدر الأغر .
الموضوع : قصيدة – أناشيد تقترح الوطن .
تحية الابداع العراقي .
أشكرك اخي الغالي وأبن العم العزيز على اهتمامك ووفائك لأديب ( اديب ابو نوار ) وللعراق ويسرني ان ابعث اليكم بقصيدة بعنوان : اناشيد تقترح الوطن , للنشر من خلال نافذتكم المشرقة وكنت قد نظمت هذه القصيدة في منفى ابو ظبي العام الفائت وكانت قد حصلت على المركز الاول في مهرجان الشباب العربي الحادي عشر في مصر الكتابة تموز 2008 ,وجدت من الضرورة الكتابة الى موقعكم الاغر على أمل ان ترى النور من موقعكم مع صور التتويج متمنيا ان نتواصل على الابداع والمحبة .
تقبلوا فائق المنى والتقدير
اخوك المخلص
خالد عبد الرضا السعدي
شاعر وناقد عراقي
العراق – بعقوبة
أرفق لشخصك الكريم سيرتي الذاتية للاطلاع , علما اني قد نفيت سنتين ونصف خارج العراق وانا الان في بعقوبة وأتاهب للرجوع للمنفي .
لكن للأسف الشديد انهم القتلة لم يمهلوه طويلا , قتلوه خوفا من نقل الحقيقة الى العالم عما يجري من مأسي في بلاد الرافدين تحت وطأة الاحتلال . وفي تواجده الاخير في امارة الشارقة , نظمت له امسية في دار الندوة وبحضور متميز .
هاجم الشاعر خالد السعدي الكثير من الشعراء والادباء والمفكرين العراقيين .. وأتهمهم بالتقاعس عن قضايا العراق الكبرى وفي مقدمتها قضية احتلال العراق والارهاب الذي دمر النفسية العراقية , وأكد ان المثقف في العراق لازال مطية السياسي حتى وان تنوعت الاساليب , ودعا الى ضرورة تمسك المثقف العربي بالتراث وعدم التنازل عنه .
واستشهد بموقف الشاعر الامريكي سام هام .. عندما عارض غزو الولايات المتحدة الامريكية للعراق وسير الكثير من المظاهرات الثقافية احتجاجا على الحرب . وأسس الشاعر خالد السعدي في العراق جمعية ثقافية تعني بادب الشباب المقاوم للمحتل والدفاع عن الثقافة الوطنية العراقية , ونشطت اخيرا تلك الجمعية وازداد منتسبيها في الدفاع عن تاريخ العراق , وحضر وفدا من الجمعية برئاسة الشهيد خالد السعدي الى سوريا , واجروا عدة لقاءات مع ادباء ومثقفي سوريا وكان في استقبالهم رئيس اتحاد الادباء في سوريا علي عقلة عرسان , ونقلوا معاناتهم وهمومهم في الدفاع عن الثقافة العراقية في ظل احتلال يسعى لتشويه ثقافة العراق وتاريخه .
وقد نعت شبكة بيدر الشهيد خالد السعدي على صفحاتها في اليوم الاول من قتله , واتصلوا باهله لتقوية عزيمتهم بأستشهاد ابنهم البار الشاعر خالد السعدي.
لشهدائنا الرحمة , ولذويهم الصبر .

 

 

العدد الاسبوعي (21) الخميس ( 21 ) آيار 2009 - السنة الثانية

 


 

أضواء ومواقف عن حياة الضابط الشيوعي خزعل السعدي

محمد السعدي

 

أحياءا لذكرى أستشهاده البطولي , ومقاومته الوطنية .
في يوم 26 مايس 2009 , تكون قد مضت 46 عاما على اعدام الضابط الشيوعي خزعل السعدي , احد تنظيمات الضباط الاحرار , وقادة ثورة تموز 1958 . على يد انقلابي ومجرمي 8 شباط 1963 , الذين اغتالوا الثورة وأبنائها في صبيحة ذلك اليوم الاسود من تاريخ العراق السياسي , ليدفعوا العراقيين الى مصير مجهول ونفق مظلم والى يومنا هذا , يدفع شعبنا العراقي معاناة وتأمر واخيرا الاحتلال ... وهنا المشهد يعاد على نبوءة ماركس – التاريخ يعاد مرة اخرى على شكل مهزلة . في 8 شباط تأمر البعثيين مع بقايا اقطاع وقوى رجعية , و بتحالف أمريكي ( أمبريالي ) مشبوه للاجهاز على ثورة تموز ومنجزاتها .
كما صرح به احد قادة الانقلاب والبعثيين علي صالح السعدي , نحن جئنا الى السلطة على متن القطار الامريكي . واليوم وبعد كل التجارب المريرة من عمر تلك الفترة الزمنية من قتل ودماء وحروب , في فاركونات ذلك القطار الامريكي .
تخترق الدبابة الامريكية ( همر ) حدودنا الوطنية عبر بوابة الكويت وعلى متنها قادة العراق الجدد , أذناب المحتلين .
في انقلاب 8 شباط 1963 , نصبت أذاعة موجهة في ارض الكويت أيضا لتدلي بها الانقلابين على اسماء وعناوين الشيوعين وقادة ثورة تموز . لا ازيد عما قاله الملك حسين بعد سبعة أشهر من الانقلاب , الى الكاتب والصحفي محمد
حسنين هيكل في مقابلة صحفية أجراها معه في باريس ونشرها فيما بعد في صحيفة الاهرام
القاهرية عدد 27 ايلول من العام 1963 , يقول الملك حسين ردا على سؤال لهيكل :
(( أقول لك ما جرى في العراق في 8 اشباط قد حظى بدعم الاستخبارات الامريكية .
ولايعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر ولكني أعرف الحقيقة لقد عقدت
اجتماعات عديدة بين حزب البعث والاستخبارات الامريكية , وعقدت أهمها في الكويت .
هل تعرف ان محطة سرية تبث من الكويت الى العراق كانت تزود يوم 8 اشباط رجال
الانقلاب بأسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من اعتقالهم واعدامهم .. )) ؟؟
واليوم يتحالف الاسلام السياسي و شيوعيي الاحتلال وبقايا من قوميين , ليدنسوا ارض الرافدين , العراق الأية الاولى ,مع غربان الجيش الامريكي في احتلال بلدهم العراق ليحطموا تاريخه , وينهوا معالمه , ولينتهكوا حرماته --- وليدفعوه مرة أخرى الى ذلك النفق المظلم والمخيف , وشعبنا يدفع الثمن , وهو الضحية سياسة تلك التأمر الامبريالي والصفوي .
سأقدم رؤيتان حول الشهيد والمناضل خزعل السعدي , بانضمامه الى حركة الضباط الاحرار , والتشكيل الاول تحت مسميات مختلفة وأنتماءات متلونة وعقائد متصارعة , لكن الدافع الرئيسي الذي ينضون تحت لوائه هو الوطن وتحريره من الاستعمار البريطاني وأذنابه . والاخرى دوره في صبيحة ثورة تموز , وموقفه الثوري من تداعيات ارتداد الثورة عن مضامينها الوطنية والقومية , وموقفه المعلن من تدهور مسارات الثورة , وأصطدامه بالعقل اليميني التقليدي الشيوعي في دعوته الى استلام السلطة من الزعيم عبد الكريم قاسم بعد مراهنته على القوى الرجعية, ومطاردته للشيوعيين , أجبرته على التخفي وزجه في السجن ,الى حين ظهوره في يوم 8 شباط في مدينة الكاظمية ليقود المقاومة ويصنع قنابلها , ويوجها الى اوكار التأمر .
عام 1927 وفي عائلة متوسطة الحال اقتصاديا , ولد الشهيد خزعل علي السعدي وسط بساتين قرية الهويدر بمحافظة ديالى , وفي مقتبل شبابه وتطلعه , وقعت في العراق أوائل الأربعينات ظروف واحداث مهمة , وكون الجيش صار محط أنظار العوائل والشبيبة , وفي ظروف أندلاع أوار الحرب على الجبهات العالمية , فكر الشاب خزعل السعدي الانخراط في هذا السلك, فدخل الاعدادية العسكرية عام 1940 وتخرج منها عام 1942 ليبدأ حياته العملية ضابطا في الجيش العراقي . هنا بدأت تتبلور جوانب الوعي الفكري والسياسي للضابط الشاب خزعل السعدي لتشكل خلاصة مسيرة أكثر من عقدين لنشوء أولى الحلقات الماركسية , وفي وقت ترسخت فيه أيضا أركان الحزب الشيوعي العراقي وانطلاقاته لقيادة الكثير من النضالات الجماهيرية الواسعة, كوثبة كانون الثاني 1948 , وانتفاضتي 1952 و 1954 و ثم انتفاضة
عام 1956 التي عززت الوعي القومي الى جانب الطبقي والوطني . ومن البديهي التذكير بان واقعة اعدام يوسف سلمان يوسف ( فهد ) عام 1949 مؤسس الحزب الشيوعي العراقي , أحدثت هزة عميقة التأثير في الواقع العراقي وأبناء ذلك الجيل المملوء بالأمل والعزم والتطلع لصناعة حياة أفضل . واليوم وبعد مضي هذه السنين يتحالف الحزب الشيوعي الرسمي مع المحتليين البريطانيين الذين أعدموا فهد مؤسس الحزب . وقد ساهم الشهيد خزعل في تأسيس احد ابرز تشكيلات الضباط الاحرار ( جماعة القسم )والتي ضمت اضافة اليه الضباط : طه الدوري وخليل ابراهيم العلي واحمد محسن العلي , وقاد التنظيم في البداية الدوري ومن ثم اصبح المسؤول عنه حسن النقيب على حد قول الراحل ثابت حبيب العاني في مقالات سابقة . وتميز الشهيد خزعل , كما قال السيد النقيب .. بالفعالية والحماس في النضال الوطني وتخليص البلد من الحكم الملكي التابع للمصالح البريطانية . واصبح الشهيد أمر كتيبة المثنى الرابعة في ابي غريب , أبو الكتيبة الحمراء بهكذا عرف بين اوساط الناس ومحبيه , ولاهمية موقع الكتيبة التي كانت بأمرته , وقربها من بغداد , وسيطرتها على مرسلات ابي غريب , تدخل دائما في الحسابات قبل الثورة وبعدها بأي عمل حاسم لمصلحة الثورة , فكانت رأس حربة للثورة . لقد اثبت فجر الرابع عشر من تموز جدية الشهيد وقدرته على لعب دوره المطلوب , ورغم التعتيم على الموعد بعد ان تأجل لعدة مرات بسبب الظروف اللوجستية الغير ملائمة لتحركات القطعات العسكرية , كان الموعد 21 حزيران من نفس العام , وانيط لسرية خزعل السعدي دورا اساسيا في الخطة للاستيلاء على المراكز المهمة في بغداد.
والموعد الذي قرر عليه اخيرا , 14 تموز 1958 , فقد كان للشهيد خزعل السعدي منذ ساعات الفجر الاولى من أوائل الذين حظروا الى قلب بغداد , بصحبة دبابتين ليضمن نجاح الثورة وأذاعة بيانها الاول تحت حراسته . يقول جرجيس فتح الله في كتابه ( العراق في عهد قاسم ) ص501 – وعن لسان الضابط الشيوعي ابراهيم الجبوري ( في الرابع عشر من تموز قمنا بواجباتنا حسب الاتفاق وخرجنا مع ثماني دبابات دون عتاد . وعندما وصلنا الى الاذاعة وجدنا دبابتين بقيادة خزعل السعدي وهو من تنظيمنا ايضا , وعندما رأى عبد السلام عارف الدبابات صرخ وهو يبكي لقد انتصرت الثورة)
وكان للحزب الشيوعي دور في تبليغ خزعل السعدي بيوم الثورة .
بقيت كتيبة المثنى للدبابات بأمرة خزعل السعدي , محط حقد المعادين للثورة – ولهذا تحولت الى رأس حربة معادية للثورة ومسيرتها الديمقراطية , بل هي التي أجهزت على الثورة ورجالها من محيطها وقلبها تحركت القوة المعادية , بعد ان اقدم الزعيم عبد الكريم قاسم على جملة تنقلات بين الضباط وامراء الوحدات العسكرية , كان الشهيد خزعل حصة الزعيم الاولى وتبديله بالضباط القوميين والبعثين . من خلال متابعتي لهذا الملف تحديدا , وشخصية عبد الكريم قاسم زعيم وطني بامتياز , لايجادل عليه أثنان , لكن للاسف الشديد كل الباحثين لهذا الملف لم ينصفوا التاريخ , حيث وقعت جملة احدات في الايام الاولى من الثورة من اقرب حليف للزعيم هم الشوعيين من خلال المليشيات الشعبية وشعاراتها وأستهتارها في شوارع المدن العراقية , ومارافق من تسلكات غير انسانية ومعادية لديمقراطية الثورة ونهجها الوطني في احداث حركة عبد الوهاب الشواف في الموصل 1959 , واحداث اخرى لايتحمل موضوعي تحميلها , أجبرت الزعيم ان يلقي خطابا في كنيسة ماريوسف , يستاء به من سلوكية الشيوعيين , ورافقها جملة تغيرات , أطاحت به وبثورته وبحلفائه . وفي هذا الاطار والحملة أحال عبد الكريم قاسم عددا كبيرا من الضباط والقادة الى التقاعد , وكان من ابرزهم شاكر الخطيب أمر قاعدة الحبانية , وسلمان حصان الى جانب الشهيد خزعل السعدي ورفيقه خليل العلي . وكان الزعيم قد أرسل المقدم خالد مكي الهاشمي البعثي , ليتسلم أمر كتيبة الدبابات بدلا من الشهيد خزعل السعدي وفي كتاب للزوبعي عن ثورة تموز - جاء في رسالة الرائد خالد حسن فريد ( أرسل عبد الكريم قاسم بطلبي في تموز 1959 لبلغني بأمر تعييني وكيلا لأمر كتيبة دبابات المثنى بدلا من المقدم خزعل السعدي وقال لي ..... – ان الكتيبة اصبحت شيوعية فأطلب منك ان تدفعها خارج خط الشيوعيين وأستدرك الزعيم قائلا : ليست شيوعية ولكنها خارج خط الثورة وعليك ان تلتحق فورا وتسيطر عليها .)ص107
بهذه التراجدية السياسية , جرد الشهيد خزعل من موقعه الحاسم وكان لعاب قوى معادية يسيل للخلاص منه والحصول على الموقع الحساس الذي كان بأمرته , ليقضوا على الثورة ومنجزاتها , وقادتها وفعلا ما تم . يقول السيد هاني الفكيكي :
في كتابه أوكار الهزيمة ... ( بدأ التركيز على كتيبة الدبابات الرابعة في أبي غريب وعلى القوة الجوية خاصة قاعدة الحبانية القريبة منها ... بدأ التركيز على الكتيبة الرابعة بعد التغيير الذي جرى من قبل عبد الكريم قاسم , بعد ان أبدل خزعل السعدي الشيوعي بخالد مكي الهاشمي وخالد حسن فريد ) . وتحولت الكتيبة فعلا الى رأس حربة لضرب الثورة فيما بعد حيث كانت تبعد 20 كيلو متر فقط عن بغداد وهي اقرب موقع عسكري مؤثر من مرسلات ابو غريب . ويقول الفكيكي في نفس الكتاب ان حزب البعث استطاع حشد عدد لابأس به من الضباط وضباط الصف , الأمر الذي اثار حفيضة الحزب الشيوعي الذي اصدر بيانا في 3-1 -1963 حذر فيه عبد الكريم قاسم من ان الكتيبة تحولت الى وكر للمتأمرين ) ص220 . وفي هذا الوقت , لم تتوقف استخبارات الزعيم عن ملاحقة الضباط الوطنيين والشيوعيين وكان في مقدمتهم خزعل السعدي , الذي قرر وبعد محاولة اعتقاله مجددا عام 1962 , الاختفاء .
لقد زجوا به في الايام الاولى من الثورة في سجن رقم واحد ( معسكر الرشيد ), لمدة عام مع مجموعة من المناضلين , الذين وقفوا ضد انحراف مسار الثورة . يقول الشاعر كاظم السماوي , والذي كان في نفس السجن , كنت اسمع صوته مجلجلا وهو يتحدى جلاديه عندما كان يخرجوه الى حمام المعتقل المجاور لزنزانتي . وفي ليلة صعود كاكارين الى القمر اراد الشهيد خزعل ان يبلغني بهذا النبأ الرائع حينها , فرفع صوته ليخترق جدران الزنزانة ويصل الى مسمعي . ومرة اخرى ارسل لي بيد احد الجنود منشورا حزبيا سرعان ما قرأته وطويته وحملته معي الى الحمام . فبعد محاولة أغتيال الزعيم الفاشلة في شارع الرشيد , أطلق سراح مجموعة من الضباط , وكان الشهيد خزعل بينهم . فكان للشهيد الوعي المبكر والتحذير بأن قادة الثورة وعلى وجه التحديد الزعيمين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف , وبممارساتهما سيقودان الثورة الى طريق المتاهات , ومن هنا , ومن هذا الخطر يمكن عزو مواقفه في دعوته المبكرة لازاحة الزعيم وأخذ زمام المبادرة لاعادة الثورة الى مسارها الحقيقي . واصل الشهيد خزعل السعدي وبنفس ثوري عمله لاقناع الحزب الشيوعي باعطائه الضوء الاخضر للتحرك وقطع الطريق على القوى المعادية , وتقدم مع عدد من الضباط الشيوعيين بارسال مذكرة الى قيادة الحزب الشيوعي محذرين فيها من المخاطر لأن عبد الكريم قاسم لم يعد قادرا على قيادة الثورة والسير بها نحو تحقيق أهدافها , وطالبوا في مذكرتهم .... بأن يسمح لهم بالذهاب الى وزارة الدفاع واجبار عبد الكريم على التخلي عن مناصبه لتفويت الفرصة على قوى الردة والتأمر , ولكن كان رأي الاغلبية في قيادة الحزب ضد هذا التوجه . وقع المذكرة الموجه الى قيادة الحزب , خزعل السعدي , فاضل البياتي , ابراهيم الجبوري , سلمان حصان , شاكر الخطيب , عبد الكريم كاظم , وخليل ابراهيم العلي . والذين حضروا في اجتماع المكتب السياسي ودرسوا فحوى المذكرة هم : سلام عادل , زكي خيري , عامر عبدالله , محمد حسين ابو العيس , جورج تلو , عزيز محمد , عبد السلام الناصري , والمرشح عزيز الشيخ . وعقد الاجتماع في حزيران 1961 وقد رفض المجتمعون أي تحرك ضد الحكم وتوجه بنقد شديد الى اللجنة العسكرية التي قيل انها تستهين بقوى الجماهير , وأكد المجتمعون ان السلطة ما تزال وطنية وحذروا من المغامرة . بهذا الموقف السلبي والغير مسؤول , بدأ خزعل السعدي مع بعض من رفاقه يدعو بالسر والعلن الى العمل على ازاحة عبد الكريم قاسم من الحكم واعادة الوجه الاصلي للثورة . وقد اجبرته هذه المواقف مع الشهيد خليل ابراهيم العلي أمر كتيبة الدبابات الثانية في أبي غريب بالذهاب الى مقر جريدة الحزب العلنية ( اتحاد الشعب ) بملابسهما العسكرية والاجتماع بقياديين في الحزب , متخطين مراجعهما الحزبية , في محاولة لاقناع الحزب بضرورة التحرك لاسقاط قاسم وحكمه , مما ترتب على هذا الموقف المطاردة مرة اخرى والاختفاء مجددا . وقبيل أعتقاله , قيم الشهيد سلام عادل هذا التراجع ( ان الانقلاب في 8 شباط قد بدأ فكريا وسياسيا واقتصاديا منذ اواسط العام 1959 حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي أخذت تسترجع المواقع واحدا بعد الاخر في الجيش والدولة وفي الحياة الاقتصادية والمجتمع . لكن المؤرخ التاريخي حنا بطاطا يوعزه الى موقف السوفيت وتحذيره للحزب من اي موقف قد يزعج قاسم , فكيف يتم استلام سلطة , وكانت التبعية وتقليدهم حتى بالمنام . في صبيحة انقلاب يوم 8 شباط , ظهر الشهيد خزعل السعدي في مدينة الكاظمية منذ ساعاته الاولى , وبادر مباشرة بتشكيل فرق المقاومة الشعبية وميزها بعلامة وضعت على الاذرع تلخص بعنوان ( م – ش ) كما بدأ يصنع بنفسه قنابل المولوتوف ونظم الهجوم على مديرية الشرطة والقائممقامية وشرطة النجدة وأمانة العاصمة . وأتخذ من المساجد مواقع للقاء مع المفارز وتوجيه البيانات والنداءات . وعمل على تسليح مفارز المقاومة بالأسلحة الخفيفة من البنادق التي تمت السيطرة عليها من المواقع المحررة , وشاركت ايضا المرأة بشكل باسل في المقاومة . شدة المقاومة هذه , أرعبت الانقلابيين وقوات حرسهم الذي سمي قوميا , فتوجهت أرتال من الدبابات والمدرعات من اللواء الثامن بأمرة داود الجنابي وبمعية كتائب أخرى للانقلابيين , ودارت معارك طاحنة هناك الى اليوم الحادي عشر من شباط . أنتهكت بها أعراض الناس والمقاوميين من خلال الاساليب الدموية في تصفية معاقل المقاوميين , ووقع بيد الانقلابيين عضو المكتب السياسي هادي هاشم الاعظمي ابن المدينة , وضعف في التعذيب وسبب في اعتقال الأخرين . اما الشهيد البطل خزعل السعدي اختفى في ازقة المدينة داخل بيوت الناس , ولم يعرف مصيره الا من خلال اعلان رسمي في الصحف العراقية يوم 26 مايس نبأ أعدامه مع نخبة من الضباط خزعل السعدي , فاضل البياتي وأخرين بسبب مقاومتهم للانقلابيين . وتحدث بل أكد العديد من الشهود والباحثين في تلك المرحلة من عمر العراق على شجاعة الشهيد خزعل في مواجهته للانقلابيين في التعذيب . وقتل تحت التعذيب ولم تسلم جثته الى أهله رغم كل المراجعات من افراد عائلته . عاش بطلا ومات بطلا بهذ الموقف الوطني الشجاع , وهو المختلف مع الحزب ومع سياسة الزعيم الدكتاتورية ودعم الحزب لها , وقاوم في الدفاع عن مباديء الحزب الوطنية ومسيرة الثورة والمباديء التي جاءت من أجلها . ألم تكن هذه التجارب المرة والغنية دروسا لنا بما يمر به العراق حاليا من احتلال وطائفية ؟
محمد السعدي
السويد –
http://www.beider.se

 

 

العدد الاسبوعي (20) الخميس ( 14 ) آيار 2009 - السنة الثانية

 


مرثية للشهيد سلام عادل


مظفر النواب



لحظة أن سَـمَلوا عينيك العاشقتين
أضاء النفق المظلم بالعشق الأحمر
واحتـُضِر الموت
قال رفاقك لم تتوجع
إلا رجفة صبر
وتوجعَ مما غارَ السفودَ بعينيك
الكونُ وصاحَ الصمت
أدرتَ عماك المبصرَ للشعب
أعطيتَ بيانَ الصمت
وتقويمك فاجتمع الوقت
قال الشاهدُ كنتَ كطفل يبحث عن شيء
وضحكتَ لمجهول
هذا المجهولُ أخافَ الجلادين
رأوا أنكَ كالطودِ الشامخ لم تهوِ
قبّل جبهتك النجف الأشرف وارتفع البيت
آن إذن صمتك كان سقوطَهم سلفاَ
لم يحتملوا أن تنظر بالسفودين إليهم
واقتادوك وظلَّ المشهدُ
ظلَّ مكانُك منتصب القامة
أرعبهم أن عماك يضاعف عينيك بدون حدود
أخذوك إلى الليل وهم يرتجفون كأنكَ أنتَ تعاقبهم
فعلا أنت تعاقبهم
فعلا أنت نهايتهم
لا نعرف أين دفنت
ولكن نسمع صوتك في الأمطار
وبين شجيرات الرمان
وأعشاش حفاة العمال
وساعة يولد للبصرة مولود
والآن لدي استفسار شرس
كيف امتدت باسم الشعب يدٌ
لتصافح من غرس السفود بعينيك
صافحتِ السفلة
غسلوا كف القاتل من عينيك
وبعض قـبـّل مثل كتاب الله يديك
لابد مسحتهم من تاريخ بلاد النهرين
وستمطر يا سيد يا نائم في المجهول بلا عينين
يظهر قبرك بين العشب
وتنزل قطرة طل
أبدعها الصبح لبؤبؤ عينيك الحالمتين
نقف الآن بإجلال ليس لأن الفولاذ شيوعي
ليس لأن مكانك يزداد شموخاً منذ ثلاثين سنة
لكن حين استفردت وصاح السفود بعينيك
رشفت الصبر بصبر
واتجهت بوصلتا عينيك الداميتين إلى الشعب

 

العدد الاسبوعي (16) 16 نيسان 2009 - السنة الثانية

 

في عرسك الطلابي رفيقي وصديقي وزميلي الشهيد القائد الطلابي البطل

منعم ثاني

كلمات في 14 نيسان وبرقية تهنئة

صباح زيارة الموسوي

قدم الشهيد منعم ثاني حياته فداء للوطن والشعب وهو في عز شبابه وعطاؤه , فكما كان منعم متفوقا علميا في كل مراحل الدراسة حتى توقع له استاذته وزملاؤه في الجامعة التكنولوجيا مستقبلا علميا باهرا , فقد تفوق الشهيد منعم ثاني على جلاديه من جلاوزة البعث بصموده الاسطوري تحت التعذيب الهمجي لسنوات طوال امتدت من العام 1980 حتى استشهاده في عام 1983 , اذ حافظ على مبادئه وعهده الى رفاقه حتى لحظة الاستشهاد منتصبا القامة مرفوع الهامة.

لم يكن الشهيد الخالد منعم ثاني شابا عاديا , بل كان كتلة من النشاط , انسان محب , وسيم بعيونه الواسعة وابتسامته المميزة , تلك النظرة الفرحة المتفائلة دوما بحتمية انتصار الشعب العراقي في اقامة الوطن الحر , ونتذكر نحن زملائه واصدقائه ورفاقه حضوره الساحر في المناسبات الطلابية والحزبية والشخصية , والشهيد منعم مثقف من الطراز الاول ,القارئ الجدلي , المبدع في التعبير عن ارائه. الجرئ في مواقفه.

ينحدر الشهيد الخالد منعم ثاني من عائلة متوسطة الحال اقتصاديا , شيوعية سياسيا , فأخوته من مختلف اجيال الشيوعيين العراقيين , لمنعم أم حنون كريمة , اشتهرت بيننا نحن زملاؤه بأمرها لاخوات الشهيد بوجوب اعداد البيت لاستقبالنا والمبيت في الايام الممطرة , فلن تكن تسمح لنا مغادرة المنزل بعد انتهاء الاجتماعات حرصا علينا , لكن الجلاد قرر توجه طعنة نجلاء لهذه الام العراقية الاصيلة لانجابها ابنها البطل منعم فخطفوه وعذبوه وقتلوه وهوفي عز شبابه وعطائه الانساني والوطني ولم يكمل بعد دراسته الجامعية.

لقد كنت عضوا في مكتب ثانويات بغداد عندما التقيت للمرة الاولى الزميل الشهيد منعم , فقد كنا نتهيئ لبدء اجتماعا صعبا لمكتب ثانويات بغداد حين دخل علينا الزميل المشرف وبصحبته الشهيد صفاء , منعم ثاني باسمه الطلابي , وهو اسم على مسمى , فقلب الشهيد منعم هو الصفاء بعينه ,وما ان بدأ الاجتماع لتدارس الوضع التنظيمي الصعب للمكتب لاسباب ليس مجال ذكرها هنا ,حتى طغى حضورالزميل صفاء على الاجتماع مما منح المجتمعين املا كبيرا في تجاوز العقبات , ولن ابالغ على الاطلاق ان قلت بأن اجتماعات مكتب الثانويات ما قبل صفاء هي غير اجتماعاته بحضور صفاء لناحية التحول النوعي في مستوى عمل المكتب.

اثبت الشهيد الخالد منعم ثاني جدارة وجهادية عالية قدمته قائدا طلابيا ديمقراطيا من الطراز الرفيع ليتبوء مركز عضو سكرتارية اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وعضو قيادة المنظمة الطلابية الشيوعية بصفة عضو محلية في سن مبكرة جدا . ومن موقعه في الاتحاد والحزب لعب دورا مرموقا في تعبئة وقيادة الشبيبة العراقية التواقة لبناء وطن حر وشعب سعيد , مما جعل ناقوس الخطر يدق في آذان الفاشست , ولما عجزوا عن كبح تقدم هذا المد الطلابي الشبابي لجئوا الى اصدار قرار مؤرخ في 10/ 1975 مذيل بتوقيع الدكتاتور المهزوم " السيد النائب" ائنذ صدام حسين يقضي بحل اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وكذلك اتحاد الشبيبة الديمقرطي ورابطة المرأة العراقية , وكان للشهيد الخالد منعم ثاني سبق التصدي لهذا القرار على الصعيدين الطلابي الاتحادي والتنظيم الطلابي الحزبي , وبذل جهودا جبارة من اجل ايجاد الوسائل الكفيلة باستيعاب اعضاء وجماهير الاتحاد.

ان قرار النظام البعثي الفاشي المقبور هذا اقترن بقرارا سريا يقضي بتصفية قادة الاتحاد منعم ثاني ورفاقه ولم يمر من الزمن الا سنوات معدودة حين اقرن " السيد النائب" انقلابه على البكر وقتل رفاقه عام 1979 بشن حملة بربرية ضد قادة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في اطار الحملة الشاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي , وكان الشهيد منعم ثاني ورفاقه الشهداء الابطال قادة الحركة الطلابية العراقية الشهيد علي جبار سلمان والشهيد خالد يوسف والشهيد لطيف المشهداني في مقدمة المتصدين للحملة البعثية الفاشية.

لقد مرت ايها الشهيد منعم عقود ثلاث لم ارك فيها .. لكنك في قلبي وعقلي لحظة بلحظة ,, بل الا ابالغ على الاطلاق ان قلت بأن دمك الطاهر يسري في عروقي وهومصدر طاقتي , وهذا ما لم يفهمه الجلاد فدماء الشهداء لن تذهب هدرا , وانهم احياء فينا ومصدر عزيمتنا , ونجوم تسبح في سماء الوطن , فيها خالدون ..... اما الفاشست فالى مزبلة التأريخ.

برقيتي لك ايها الشهيد الغالي صديقي وزميلي ورفيقي منعم ثاني

اهنئك فقد شنق قاتلك الجلاد صدام حسين ونحن على العهد عن الطريق الذي اخترت لن نحيد من اجل وطن حر وشعب سعيد

صباح زيارة الموسوي

14 نيسان 2009

 

العدد الاسبوعي (11) 12 آذار2009 - السنة الثانية

 

المناضل الشيوعي السوري فارس مراد ....شهيداٌ

أحمد الزعتر

 

من يرى كل هذا الانهيار الفظيع والمفجع الذي اصاب المجتمع السوري ، ومن يلمس النتائج الكارثية التي وصل اليها من دمار للبنية التحتية المادية وللقيم الوطنية والروحية ، بعد اربعين عاما من الحركة التصحيحية التي قادها وزير الدفاع السوري ، وزير هزيمة حزيران . ينحني إجلالاٌ وتواضعاٌ أمام الهامات التي رفعت سبابتها عالياٌ في وجه الديكتاتورية الأسدية المجرمة ، هذه الهامات التي دفعت ثمن مواقفها سجوناٌ وإغتيالاٌ وتشريداٌ وأقبية تعذيب ومشانق ، ولم تنحني ولم تهادن وتنظر بقرف إلى ذاك اليسار الذي صافح القتلة والمجرمين وبات بوقاٌ رخيصا ٌ لهم ، يبحث في جمل مجتزأة من النظريات ليبرر اشتراكه مع الديكتاتور في جبهة الخزي والعار ليكون شاهد زور على المجزرة التي حلت بالمجتمع السوري وليكون عنواناٌ للدعارة السياسية بأرخص تجلياتها.
من هذه الهامات النبيلة المناضل فارس مراد الذي أسس ورفاقه الأحرار عام 1974 المنظمة الشيوعية العربية ، كانت الغالبية منهم طلاباٌ جامعيين ، في فترة ذروة العمل اليساري في الجامعات ، كان النضال ضد الامبريالية الامريكية في المنطقة متوازياٌ مع النضال ضد الانظمة التابعة ، وكان البعد القومي العربي متوازياٌ مع النضال الأممي ، وكان النضال في وجه الديكتاتورية الأسدية المجرمة متوازياٌ مع النضال من اجل التحرر والعدالة الإجتماعية.
في قمة التناغم الأسدي مع الامبريالية الامريكية بشخص كسينجر ، وتسليم الاسد مهمة اجتياح لبنان من قبل امريكا ، تم اعتقال اعضاء المنظمة ، فمنهم من أستشهد أثناء اعتقاله وهو الطالب في كلية الطب الشهيد زهير شقير ، ومنهم من تم إعدامه وهم الشهداء غياث شيحة ، علي الغضبان ، علي الحوراني ، محمد خير نايف ، وليد عدوان . وتم اعتقال الباقي وكان منهم الشهيد فارس مراد الذي واجه التعذيب الوحشي بصلابة نادرة ، بقي في السجن مدة 29 عاماٌ ، لم يتراجع عن الطريق والفكر الذي اختاره ، ظل شامخاٌ كالسنديان ، وعندما زارته أمه في احد المرات ونقلت له وصية من احد ضباط الامن بتقديم طلب استرحام للقتلة الطغاة للافراج عنه ، قال لها لن أقدم هذا الطلب لا الان، ولا بعد عشر سنوات، ولا بعد خمسين سنة ، أي نموذج هذا للصلابة الثورية والايمان الذي لا يتزعزع بالنضال من اجل سورية حرة كريمة.
خرج من السجن عام 2004 ، ويشعر بالخجل ، عندما يقول على الرغم من انني اعطيت من عمري 29 عاما في السجن ، ولكن غيري أعطى دمه وحياته قرباناٌ للوطن ، كان متابعاٌ للحراك السياسي في سورية فتراه في محاكمات المناضلين ضد الديكتاتورية ، يزور عائلات المعتقلين ، بقي يعمل ويناضل حتى اخر لحظة من العمر.
لم يكتفي المجرمون بسجنه المدة الطويلة ، فقد منعوه ايضاٌ من السفر الى الخارج للعلاج ، يريدونه بلا حياة لكي ترتاح غرائزهم الحيوانية ، ولكننا ننشد ونقول انه السنبلة التي ستملأ الوادي سنابل.
ننحني امام جسدك صامتين ومعاهدين على متابعة المسيرة لكي تكتحل عيوننا برؤوية سوريا بلا فساد وبلا استبداد.

 

 


إلى روح فارس مراد

 

فلورنس غزلان

 


موج من الزعفران يخترق الأبواب...يحف بوجه يحمل الطفولة في العيون ، وبسمة لا تفارق المحيا
أغوص بعمق لأقرأ معنى النخيل في تعابيروجهك ، ، فأرى تزاحماً لعوالم تخطو فوق ومضات شباب يرفض أن يذبل، يرفع خضاب الأرض ورايات تأبى القهر والتقهقر..يحتج على جروح وندوب يُراد لها أن تصبح غبارا...
لا يخلع خوذة المحارب، رغم أن خوذة العافية انكسرت نصفين..لكنها لم تكسر إرادة فارس
يبسط كفيه للغريب في وطنه..ويقرأ عليه تعويذة غربة لاتموت..ويوقع معه عقد محبة، فاللقاء يحمل زنابق من الذكرى
هل ستفرح بك كائنات السماء يافارس، أم ستهرب روحك من نافذة المحتوم للقاء من أحبوك؟
أتعتقد أن النسيان يمكنه أن يطأ عتباتنا وتكفي الدموع لتنطق بمعاناتنا؟..
غَدَرَنا الزمن وهاهو يهزمك عدو اليوم والأمس، يحاصرك كي يمعن عميقاً في الموت
لم يهزمك عسف الحصار ولم تنوء كتفيك أمام الجلاد...لكن روحك اليوم تشرئب لصباحٍ أَمِلتَه وقضيت ولم يأتِ.
لم تتسع الأرض لأحلامك ولم تحتوِ الصفحات آمالك ، وظلت أيقونة الوطن شاهدة الوفاء على صدرك، وظل غبش الحياة يطمئن نفسك بأن مواكب الجراح سترحل..ومراكبك تستعين بالسكينة طريقا للعبور...
ها أنت تغمس كاحليك في برزخ دمشقي تحف به أشجار الياسمين...
ها أنت تغادر جندياً حارب دون دروع...قهره عار الجثث وخطاب الجزر الضائعة...
محى بكفيه آثار دموع لأمهات ثكلى، وحمل صليبه حفاظا على جدائل لصبايا منذورة للقتل..
ها أنت يا فارس تذهب قتيلا خلف الأبواب المستطيلة، قتلوك زناة الأرض أبناء الرذيلة
وضعوا الحدود والقيود ونصبوا فوق أعتابنا خيام الهزيمة....
لكنا نحفظ الوصايا العشرة والمئة من فارس وصحبه أبناء الأرض وعشاق الفضيلة
نفتقدك يا صديقي...فاحمل ريشة الحب الأبدي وشهوة النار في شتاء المدينة، وتذكر يتمنا في عذاب اللغة ووحشة الكلام في زفرات البساتين وخلف قضبان الزنازين ...حين ترحل الأسماء وتعيش فصول العشق في قلوب لا تنساك يافارس.

فلورنس غزلان ــ باريس


حسين مروة ومهدي العامل والتحليق عاليا!

 

جمال محمد تقي

 

عالم جليل فيه عبق شيوخ الحكمة التقى في محطة المراجع والمصادر والمتون والهوامش والماضي والحاضر والمستقبل ، في محطة السفر بحثا عن وفي المعرفة ، بعالم شاب يتدفق نبوغا ، فاتفقا على ان يواصل الاول سفره في الموروث ، والثاني في الماثل والقائم ، ثم يلتقيان ثانية باتجاه السفر نحو المستقبل ، كانا شعلة من النشاط ، من العطاء ، من السفر الدائم بين الازمنة الثلاثة ، كانا نجمين ساطعين في سماء انقطعت عنها النجوم وسادها الوجوم ، لم تنتهي رحلتهما بعد ، لكن رصاص الحقد الاعمى ، رصاص قطاع الطرق ، رصاص المقامرين المأجورين الذين لا انتماء حقيقي لهم رغم وجودهم على نفس الارض وبين ظهرانين شعب يريد ان يتطهر من الادران ، كان له قولة اخرى!

لم يكن اغتيالهما عشوائيا ولا تحصيل حاصل ، لقد عرفوهما جيدا ، وترقبوهما ، ولاحقوهما ، وكانوا يخشون منهما اكثر مما يخشون من قبضة القانون ، او مدافع المناوئين ، خافوا علمهما ، كما فعلوا مع غاليلو ، والحلاج ، والحسين ، وغيرهم من المتصدين المقاومين عبر التاريخ ، ارادوا اسكاتهم ، والى الابد ، قتلوهما خوفا من التعرية خوفا من انفضاح اسرار طائفيتهم وتبعيتهم وعدميتهم وتخلفهم ولصوصيتهم ، التي كان العالمان يمتلكان كل ادلة الادانة عليها ، تاريخيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ونفسيا ، نعم نجحوا في اغتيال جسدي المفكرين المتألقين حسين مروة ومهدي العامل ، لكنهم وحتى هذه اللحظة عاجزين عن اغتيال ارواحهم التي تجوب بما اجادت وجودت من عطاء فكري وشواهد ثورية ثرة تحفز في الاحياء من الثوار والاحرار وكل التواقين لغد افضل على مواصلة نفس المشوار ودون توقف او خوف وتردد ومهادنة ومساومة مع خفافيش الظلام ومن يغذيهم في الداخل والخارج!

كتب الطيب تزيني تخليدا لذكرى استشهاد حسين مروة قائلا : "خسرنا رائدا مؤسسا في البحث التراثي العربي " ، ثم سرد حكاية تاريخية كان قد كتب عنها الشهيد في مقالة له تحمل عنوان " الفكر العربي في عاصفة التاريخ " عام 1955 معلقا على المقولة التالية التي خاطب بها اخر خلفاء بني أمية مروان الثاني الاديب عبد الحميد الكاتب ، اثناء فرارهما من ملاحقة جيوش السلطة الجديدة ، العباسية ، " أنج بنفسك يا عبد الحميد ، فانهم ان قتلوني خسرني اهلي وحدهم ، وان قتلوك خسرك العرب جميعا ! " ، يقول تزيني : ان ما اطلقه من كان رأسا للسلطة الاموية في حينه ، يمثل اعترافا عميقا من سلطة طبقية خارج حقلها السلطوي بموقع المفكر ، فكأن الامر كان بحاجة الى انتزاع السلطة من رموزها لكي تنكشف تلك المقولة من وجهة نظر تلك الرموز. . . " !
ولد حسين مروة عام 1908 في منطقة جبل عامل جنوب لبنان وقد جهزته عائلته مبكرا ليكون عالما بشؤون الدين ، درس حسين مروة في مدارس النجف الاشرف الدينية مطولا وعلى مدى 14 عاما من 1928 ـ 1938 وتشبع وهو يافع وبشغف متواصل بكنوز التراث العربي الاسلامي ، ودون الانعزال به عن مسار الحداثة الفكرية الذي فرض نفسه وتسرب حتى الى اكثر الزوايا محافظة في المجتمع بما فيه المجتمع النجفي ذاته ، ففي النجف ذاتها كان مروة تواقا لمعادلة الجرعات الدراسية التي يتشرب بها اي دارس نجفي ، كالفقه والتاريخ القديم للاسلام ومدارسه والشريعة واللغة وفلسفة المذهب ، بما تقع عينه عليه من اداب الحداثة ومدارسها الفكرية الجديدة ، ليست المسألة عنده مجرد مصادفة ، وانما ميل داخلي متقد نحو التعادلية والموازنة ، بالبحث عن تجسير بين الماضي والحاضر ، فكان مهتما بالتردد على باعة الكتب والمجلات والصحف القديمة والجديدة ، كان مهتما بمتابعة مجلات ـ العرفان ، الهاتف ، المقتطف ، الهلال ـ وكان مهتما بقراءة كتب شبلي شميل ، ونقولا حداد ، وفرح انطوان ، والشاعر الشبيبي ، والشاعر الشرقي ـ وتواصل مع بعضهم بالكتابة المباشرة وتواصل مع ما احب من بعض الصحف وقتها ، وكان يتحمس للمشاركة بالمناسبات والاحداث الوطنية والقومية ، فشارك بالعديد من المواجهات الى جانب العراقيين بالضد من الانكليز والحكومة الملكية!
مر تطور المسار الفكري لحسين مروة بثلاثة مراحل متميزة ـ المرحلة النجفية ، المرحلة العقلانية الديمقراطية ، المرحلة الماركسية ـ وليست هناك قواطع حادة بين تمرحل المسارالفكري بل انها جميعا تتساوق لتشكل تمايزا عند حسين مروة المفكر ، وحسين مروة الناقد الفكري ، اي ان مروة لم ينقطع وهو ماركسيا بصورة تامة عن مرحلتيه السابقتين ـ حسب تشخيص الطيب تزيني ـ!
كانت موسوعته الهامة والتي تعد من ابرز الدراسات الحديثة التي استخدم فيها المنهج المادي التاريخي لدراسة تاريخ الفكر العربي الاسلامي ـ النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ـ والتي صدرت عام 1978 تعتبر ثمرة ناضجة لاستغراق طويل في سفره النقدي والفكري ، وعملية غوص منتجة في اعماق المرحلتين السابقتين ، النجفية والعقلانية ، مستشرفا ومحققا فيها ما اعتبره ملحا وضروريا في الاستفاضة بتطبيقاته المنهجية للماركسية ، وهي من جهة اخرى ايضا تلخص مرحلة اندماج فكرالناقد ، بالمفكر ، وبمنهج جدلي تاريخي يريد صياغة معرفة جديدة عن تاريخ عمومل بالعموم معاملة دوغماتية ووظف لخدمة ايديولوجيات سلطوية ، ولم يغب عنه الحاضر المعزوف على اوتار ذاك الماضي ، وكأنه يستشرف معادلات كيميائية من جيلوجيا التاريخ بعد الكشف عن نواميسه الميكانيكية والفيزيائية ـ من كشف نقدي لخامات الماضي + تعدين نقدي لخامات الحاضر = مستقبل مسبوك نقدا ـ!
لقد كانت الجهود الريادية للعلامة بندي صليبا الجوزي منارة هادية له في الانطلاقة الكبرى ، فقد اعتبر كتابه تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام ، اول تناول منهجي استخدم المفهوم المادي للتاريخ في دراسته للفكر والحركات الاجتماعية في التاريخ العربي الاسلامي!
نشاط مروة الصحافي والكتابي والنضالي لم ينقطع منذ ماقبل الخمسينيات ولكنه ومنذ مطلع منتصف القرن الماضي اخذت كتاباته منحى اكثر عمقا في الاقتراب من تمثل المنهج المادي لدراسة الواقع التاريخي والواقع الراهن ، لقد كتب عام 1952 " ابن سينا ، فكرة تقدمية " ، " ثلاث شخصيات صلبها التاريخ " عام 1954 ، ثم " نحو تجربة جديدة . . . لبعث التراث العربي الفكري " و " الفكر العربي في عاصفة التاريخ " في عام 1955 ، وعام 1956 كتب " القصة العربية خلال التاريخ " و " كليلة ودمنة ـ تراث عربي اصيل " وعام 1957 كتب " المتنبي شاعر الجهاد العربي " ، اضافة الى " ابو العلاء المعري في سقط الزند " وفي عام 1958 " نظرة في حركة اخوان الصفا ومغزى دعوتهم " و" الطبقات لكبرى لابن سعد " ، وفي عام 1961 كتب " ابو حيان التوحيدي " ، و" ادب المقامات نشأ ظاهرة اجتماعية فنية لا ظاهرة فنية " ، وكتب " ازدواجية ام تقية ؟ " و " المنهج العلمي عند جابر بن حيان ـ امم العلوم الطبيعية " و" الشعوبية في التاريخ العربي " عام 1962 ، وكتب عام 1964 " وطوق الحمامة لابن حزم " ، وكتب عام 1975 " السمات الثورية في التراث لادبي العربي " ،اضافة الى مئات المقالات والدراسات التي يصعب حصرها!
ان العقلية الجدلية النقدية التي طبعت معظم عطاءات مروة لم تستثني الحركة الاستشراقية ومباعثها ومناحي خطلها في الكثير من المنطلقات ، ومنها تعاملها مع الفلسفة العربية الاسلامية وكانها مسخا عما سبقها من فكر فلسفي يوناني ، فيقول حسين مروة نفسه عن هذا الموضوع مايلي : " المركزية الاوروبية ـ الغربية ، فرضت صفة التناقض على مسالة الصلة بين طرق التفكير الشرقية وطرق التفكير الغربية ، ثم اهملت طابع الوحدة في طرق التفكير البشري ، واضفت الطابع المطلق على الفوارق الكائنة بينها فعلا" .
نعم الفلسفة العربية الاسلامية نسق فكري بخصائص محددة ومتميزة وهي ليست منعزلة ، وهذه صفة لصالحها بالمطلق اي انها متفاعلة ايجابا مع ما سبقها ومؤثرة بذاتها على ما لحقها ، فلا وجود لفلسفات قومية او مناطقية ـ نقية ـ فكرة النقاء الفكري هي رديف للعزلة والتحجر وهي عنصرية تطغي على الفكر المنحدر والباحث عن مبررات للهيمنة القسرية على تاريخ الفكر ، وبالتالي على حداثته واحداثياته ، وهذا ما ينطبق على افكارومنطلقات فكرة العقل التحليلي للغرب ـ عقلانية الغرب ـ والعقل التركيبي للشرق ـ لا عقلانية الشرق ـ المنطلقة من عقال اسطورة المركزية الاوروبية!!
يقول الطيب تزيني في جانب اخر من دراسته حول هذا الموضوع ضمن تسلسل الاحاطة بحسين مروة الكاتب والناقد والمفكر ما يلي : " ان احد منجزات مروة ، في ارثه الكبير ، يكمن بالضبط بتحقيق ذلك التجادل العميق بين ايديولوجيا المنهج وبين ابستيمولوجيا المعرفة ، اي معرفة علمية منتجة لمعرفة علمية ، بالرغم مما يكون قد نشأ عنده من بعض المسائل او المواقف التي تستوجب مزيدا من التدقيق والتخصيص. . " !
مهدي العامل نفسه وضمن ما كتبه عن موسوعة مروة اكد قائلا : " ان النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بوجود نزعات مادية اكثر منه على وجود الصراع بين هذه النزعات التي نسميها احيانا ، بلغة هيجلية ( جنينية ) وبين النزعات المثالية المهيمنة في الفكر الواحد" !
قرأت كتاب دسم للمفكر مهدي عامل " حسن حمدان " شرح به بتفليس نظري مدهش هشاشة مستويات المنهج وتخبطات اجترارات المدارس الهجينة في بعض دراسات ندوة ازمة الحضارة العربية التي عقدت في الكويت في النصف الثاني من عقد السبعينات ، وكان عنوانها " ازمة الحضارة العربية أم ازمة البرجوازيات العربية " ، وكانت هي " القراءة " فاتحة لاصرار وحرص فضولي مني على متابعة ما يصدر عنه ، وتحفزت اكثر لمراجعة ما كتبه قبل كتابه " ازمة الحضارة العربية ام البرجوازية العربية" !
يقول عنه مسعود ضاهر ـ استاذ التاريخ الحديث في الجامعة اللبنانية عام 1987 ـ " لم يكن مهدي عامل مثقفا ماركسيا فحسب بل حرص على تجديد الفكر المادي في الوطن العربي بشكل لم تسبقه اليه كثرة من المثقفين الثوريين العرب ، واذا كانت مقولاته النظرية حول التناقض ، ونمط الانتاج الكولونيالي ، والدولة الطائفية ، وغيرها قد اثارت الكثير من الجدل في اوساط الماركسيين وخصوم الماركسية على السواء ، فلأنها مقولات تحمل الكثير من الجدة ، او لم تكن مألوفة سابقا في الفكر الماركسي في لبنان وباقي الاقطار العربية. . . " !
د . خضر زكريا كتب عنه قائلا : " ان الباحث في فكر مهدي عامل سيكتشف منهجا علميا جديدا حقا ، سيجد امامه ادوات جديدة لاكتشاف المعرفة ، وسيتعلم النقد العلمي البناء ، النقد على الطريقة الكانتية ، او كما يقول مهدي ـ بفورة كانتية جديدة ـ التي تبدأ بنقد الذات ، ان نقد مهدي عامل للطريقة التي فهمت بها بعض الاحزاب الشيوعية العربية الماركسية ، وللكيفية التي مارست بها هذا الفهم جدير بان يدرس وتعاد دراسته لا من قبل الماركسيين وحدهم بل من قبل جميع الوطنيين ، من قبل جميع الذين يناضلون في صفوف حركة التحرر الوطني العربية ، اي على الجميع ان يتعلمون نقد الذات فيعيدون النظر في كثير من المفاهيم والمقولات والممارسات الشائعة لديهم ، وبذلك يتكون ويتعمق " التحالف الوطني الطبقي الثوري " الذي دعا اليه مهدي عامل بين جميع الذين يناضلون من اجل حل التناقض الرئيسي القائم حاليا في وطننا العربي لصالح قوى التحرر والتقدم الاجتماعي. . " !
د . يمنى العيد ، في مقطع من مقالتها التأبينية كتبت قائلة : " منذ اول سطر خطه الى اخر صفحة تركها مفتوحة على البياض بعد اغتياله ، ناضل مهدي لنقض مقولات ترسخت في ثقافتنا العربية ، في كتاباتنا الادبية ، والفلسفية ، والسياسية ، بما فيها احيانا الكتابات الماركسية ، مقولات بدت ، بالوهم ، تقدمية ، او علمية ثورية ، لكنها تتكشف ، في نهاية تحليله لها ، ككتابات تنتمي الى ايديولوجية البرجوازية الكولونيالية ، وتدعم ، من ثم ، عن وعي او غير وعي ، سلطتها ، على حساب الفهم الثوري لعملية التغيير الثقافي والتحرر الوطني. . " !
ككل الثوار الموهوبين ، ككل الحالمين بالحرية الانسانية ، ككل المتحمسين عشقا للجمال ، كان مهدي عامل شاعرا ايضا ، ومن ديوانه الشعري " تقاسيم على الزمان " نعيد اختيار هذا البيت الشعري الذي اختارته يمنى العيد كمسك ختام لحواريتها معه " تهديك في ذلك الدرب الطويل نجمة حمراء يرسمها دمك" !
هامش:
كانت امنية حسين مروة في اواخر حياته : انجاز الكتاب الثالث من كتابه ( النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية ) ، وكتابة رواية ( سيرة ذاتية ) بعنوان ( ولدت رجلا واموت طفلا) .
كان اخر عمل يهم بانجازه مهدي عامل قبل اغتياله الاثم في ايلول من عام 87 كتابه( نقد الفكر اليومي ) وكان يخطط لانجاز كتابة القسم الثالث من بحثه الموسوعي " تمرحل التاريخ" .



في ذكرى الاستشهاد الاسطوري لسلام عادل على يد البعث الفاشي : القتلة في قفص اسيادهم الامريكان … الكتلة الانتهازية في خدمة الامبريالية الامريكية … رفاق سلام عادل عن الدرب لن نحيد

صباح زيارة الموسوي

2006 / 3 / 10


في كلمته امام مؤتمر لندن عام 1954 للاحزاب الشيوعية في الاقطار الواقعة تحت نفوذ الاستعمار البريطاني خاطب الشهيد سلام عادل الحضور بقوله ( ان النفط يسيل ممتزجا بدماء العمال , وتسيطر على النظام الحالي زمرة من اللصوص باعت وطننا الى الاستعماريين) يعلق الحزب الشيوعي البريطاني في معرض تأبينه للشهيد سلام عادل بعد ورود خبر " اعدامه" في 7 اذار 1963( لكأن كلمات سلام عادل هذه تبعثه من القبر. ان كان له قبرا …. ان الزمن الذي كان فيه الاستعمار يستطيع استخدام الملوك العرب مخلبا له, قد ولى وانقضى . فالأدوات الجديدة الان هم أولئك القادة العرب المتخفين وراء شعارات اشتراكية زائفة. وهذا بدوره ستار مفيد يستخدمه الاستعمار الامريكي في اضعاف النفوذ البريطاني في العراق وتشديد قبضته على موارد النفط كما فعل بعد اسقاط مصدق في ايران عام 1953…. ان موت سلام عادل , سكرتير الحزب العام, هو من بين الخسائر الاخيرة . وقد تسربت الانباء في الاسبوع الماضي في انه لم يعدم وانما عذب حتى الموت . وقد اقتلعت عيناه قبل الموت. حقا ليس من حد لسفالة عصابة القتلة هذه ! … لقد كان سلام عادل قائدا شيوعيا شابا مقداما
ومحبوبا) ويضيف الحزب الشيوعي البريطاني في معرض تقييمه لطبيعة انقلاب 8 شباط 1963 الاسود ( ان التباين بين عامي 1958 و1963 دليل لا يحتاج الى ايضاح . فقد استقبلت ثورة تموز 1958 الوطنية داخل العراق بحماس وغبطة وبمظاهرات اسبشارية واسعة. ولكن الاستعماريين ارتعبوا بشدة. وانزلت القوات الامريكية في لبنان والبريطانية الاردن. ولكنهم لم يجرأوا على المخاطرة بعدوان مباشر . ولكن في شباط 1963 كان الوضع معكوسا , اذ أن الاستعماريين هم الذين عبروا عن الغبطة والحماس بينما داخل العراق لم تخرج اية مظاهرة تأييدية . والتجأ النظام الجديد الى اعلان منع التجول وشن ارهاب شامل) ما الذي نستنتجه من الكلمات الهامة هذه , وقبل الدخول في
مجال طرح الاستنتاجات علينا التوقف عند تقييم الشهيد البطل سلام عادل لانقلاب البعث الامريكي الفاشي , لقد علق سلام عادل على قول الشهيد جمال الحيدري له " ان الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح1 "
فعلق الشهيد سلام عادل قائلا : ( كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره) 2 (وسرعان ما خط الرضي بيانا تم لصقه على الجدران عندما لم تكن الساعة قد تجاوزت العاشرة الا قليل, كما تم توزيعه باليد وتلاه خطباء الحزب . وكانت لهجة البيان قاسية وشديدة الانفعال . وجاء فيه: الى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الامبريالية!
أيها المواطنون , ياجماهير شعبنا العظيم المناضل , أيها العمال والفلاحون والمثقفون وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين!
قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداد لاعادة بلدنا الى قبضة الامبريالية والرجعية. وبعد أن سيطروا على محطة البث الاذاعي في ابو غريب وانكبوا على انجاز غرضهم الخسيس, فأنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق ابناء جيشنا الشجاع.
ياجماهير شعبنا المناضل الفخور ! الى الشوارع ! طهروا بلدنا من الخونة!
الى السلاح دفاعا عن استقلال شعبنا ومكتسباته!
شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية وكل مؤسسة وكل حي وكل قرية
سيلحق الشعب , بقيادة قواه الديمقراطية, الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة , كما فعل بمؤامرات الكيلاني والمتآمرين الآخرين!
الى الأمام الى الشوارع ! اسحقوا المؤامرة والمتآمرين)3

لكن الانقلاب الفاشي قد نجح لاسباب عديدة اهمها:

اولا: دور الكتلة الانتهازية التي اعاقت تطور مسيرة الحزب التصاعدية , وشلت دور التنظم العسكري

ويقيم ابوسعد هنا هذا الامر بالتالي :ان اهم أسباب النجاح الذي حققه الانقلابيون هو بسبب:
1
ـ عدم تبليغ اللجنة العسكرية ومسؤولي الخطوط بالانقلاب
2
ـ عدم مساهمة عدد من أعضاء اللجنة المركزية المعروفين بالمقاومة في بغداد وبقاؤهم في بيوتهم يوم الثامن من شباط
3
ـ سيطرة الافكار الاستسلامية الذيلية للسلطة بسبب افكار الكتلة الانتهازية اليمينية على جزء غير قليل من التنظيمات وقيادة الحزب وشيوع ما أطلق عليه بالدفاع السلبي أي عدم الفهم الواضح لخطة الطوارئ . ولا شك ان الكتلة وافكارها التخاذلية الأستسلامية قد عاثت فساد بالحزب4

ثانيا : الموقف الخياني للحزب الديمقراطي الكردستاني : يقول زكي خيري بهذا الشأن " واعاق موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني المؤيد للانقلاب , عددا من المبادرات التي كانت قيادة الاقليم للحزب الشيوعي تحاول القيام بها , لدعم المقاومة في بغداد, ومنها علىسبيل المثال
استخدام الاذاعة لاذاعة بيانات الحزب منها وحث الشعب العراقي وابناء القوات المسلحة لاحباط المؤامرة " 5

و" شل الحزب الديمقراطي الكردستاني استخدام قوى الحزب وامكانياته المدربة على السلاح في كردستان اضافة الى الوحدات العسكرية المؤيدة للحزب جراء وقوفه الى جانب الانقلابيين"6

ثالثا: موقف الرجعية دينية واقطاعية المناوئة لانجازات الثورة خصوصا الاصلاح الزراعي وقانون النفط 80 وقانون الاحوال الشخصية , فالرجعية الدينية ممثلة بمحسن الحكيم اصدرت فتاوى تحرم صلاة الفلاح في ارضه الحاصل عليها بموجب قانون الاصلاح الزراعي وفتوى ابادة الشيوعييين وغيرها , كما سهل الاقطاع وصول الدعم والسلاح للمتأمرين من جهة الحدود السورية

رابعا : دور فرعون مصر في تقديم كل اشكال الدعم للاطاحة بثورة تموز ودعمه اللامحدود لقطعان البعث تحت شعار اقامة الوحدة العربية المزعومة

اليوم , وبعد اربعة عقود ونيف على الانقلاب الفاشي يمكننا ان نثبت الاتي

اولا : ان دخول الامبريالية الامريكية للمنطقة لتحل محل الاستعمار البريطاني الفرنسي جاء عبر افتعال انظمة " تقدمية" مزيفة معادية للديمقراطية وحقوق الانسان

ثانيا : ان الكتلة اليمينية الانتهازية المبعدة من قيادة الحزب ابان قيادةالشهيد سلام عادل التأريخية قد عادت بشكل لا شرعي وسيطرت على قيادة الحزب بعد ان سهل الانقلابيون هروبها من العراق , وكانت اولى خطواتها ودماء الشهداء لم تجف بعد , الاعلان عن خط اب 1964 القاضي بحل الحزب الشيوعي العراقي اسوة بالحز ب الشيوعي المصري لضمه الى حزب عارف الرجعي . وواصلت هذه القيادة الانتهازية سياستها الذيلية للانظمة الرجعية حتى حولت الجلاد صدام حسين الى " كاسترو العراق" وهاهي تعلن افلاسها التام بعد ان تفسخت خلال تواجدها في المنفى , فالتحقت بالسيد الامريكي علنا , جهارا, لتطبيق المرحلة الثالثة في المخطط الاستعماري في المنطقة , ونعني به التعاون المباشر مع الامبريالية الامريكية تحت شعار " الديمقراطية" المزيفة للسيطرة التامة على مقدرات المنطقة , بعد ان كانت المرحلة الاولى , هي مرحلة الاستعمار البريطاني الفرنسي المباشر وغير المباشر المدعوم بانظمة ملكية عميلة , وكانت المرحلة الثانية , هي مرحلة الهيمنة الامريكية بعد الاستقلال وافول القوى الاستعمارية القديمة , سيطرة عبر انظمة جمهورية شعاراتية دكتاتورية , كان ابرز الامثلة عليها هو نظام البعث الفاشي في العراق

ثالثا : الانخراط العلني للقوى الرجعية دينية واقطاعية في المشروع الامبريالي الجديد محاولة الوصول به ومعه وباسم الطائفية والعنصرية الى تقسيم العراق الى امارات اقطاعية طائفية , يشاركها في مشروعها القذر هذا القيادة الاقطاعية الكردية ممثلة بقطبيها الطالباني والبارزاني

رابعا: انهيار المدرسة القومية العربية بعد ان ركب موجتها حزب مصنع امبرياليا لهذا الهدف , ونعني به حزب البعث الفاشي و الذي افقد كل مفردات المشروع القومي من محتواه التاريخي كالوحدة العربية و سقوط رموز هذا الحزب في العراق في فخ المخطط الامبريالي الامريكي طوعا , وهاهم قادة البعث يرزحون في قفص اسيادهم بعد انتهاء الحاجة لهم

خامسا : السقوط المروع للمدرسة الانتهازية في الحزب الشيوعي العراقي في احضان المشروع الامبريالي الامريكي الجديد " الديمقراطية " وهاهي رموز هذه المدرسة تتحول الى ابواق للعدو الطبقي دون اي رتوش " ثورجية" كما عهدناه في العقود الماضية

ان رفاق البطل سلام عادل , الذين ساروا على درب مؤسس الحركة الثورية العراقية الشهيد الخالد فهد , سوف لن يحيدوا عن الدرب الذي سار عليها كل المناضلين الثوريين من اجل تحقيق مصالح الطبقات الكادحة , الدرب الطبقي الجذري المفضي حتما الى اقامة العراق الديمقراطي في ظل دولة القانون والعدالة الاجتماعية , فسنمضى ونمضى الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد

ان المعركة اصبحت سهلة وصعبة في آن , فانها سهلة لوضوحها من حيث القوى المكونة للثورة , قوى الشعب العراقي وفي طليعتها الطبقات الكادحة التي تعيش ابشع اشكال الاضطهاد في تاريخنا الحديث على يد المحتل والعملاء والانتهازيين. وصعبة لكون العدو الطبقي العالمي , اي الامبريالية الامريكية , يجثم على ارضنا وصدورنا بقواته وجنوده وعملاؤه الطبقيون جميعا من الرجعية الدينية الاسلاموية والاقطاعية مرورا بالقوى الاقطاعية الكردية وانتهاء بالقوى الانتهازية وفي المقدمة منها بقايا المؤسسة اليمينية الذيلية المنخرطة على الجبهتين المعاديتين للشعب والوطن , جبهة الاحتلال وعملاؤه , وجبهة فلول البعث والقوى الارهابية

الشهيد سلام عادل يقيم انقلاب 8 شباط 1963 الامريكي البعثي الاسود

يقيم الشهيد سلام عادل الانقلاب الفاشي في اخر رسالة كتبها حملت عنوان ( ملاحظات أولية) موجهة الى لجان المناطق والألوية:

ان انقلاب ( الردة) في 8 شباط قد بدأ فكريا وسياسيا واقتصاديا منذ اواسط 1959 حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي أخذت تسترجع المواقع واحدا بعد آخر, في الجيش والدولة والحياة الاقتصادية والمجتمع , ومنذ ذلك الحين فان الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي, وتفاقم أخطار الردة قد تموج لعدة فترات صعودا ونزولا, ولكن كخط عام بقى يتصاعد . وفي 8 شباط 1963 أسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم )7

ويتحمل المسؤولية بدرجات متفاوتة كل اولئك الذين ساندوا ردة قاسم منذ أواسط عام 1959 , وحملوا شعارات ضد ما
دعوه " بالفوضوية" و " الحزبية الضيقة" . ووقفوا موقف التأييد أو المساهمة أو تجاهلوا خطر النشاط الرجعي والعصابات الفاشية التي ذر قرنها منذ ذلك الحين)8

ان القوميين الأكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء وطلبوا العون والمساندة من أية جهة لاسقاطه , وغازلوا القوميين العرب اليمينين وتعانوا معهم وتصوروا بأن انقلاب 8 شباط 1963 كما لو انه انتصار لهم . ان هذه السياسية تنم عن ضيق الافق القومي وقصر النظر البرجوازي . انهم يجابهون عدوا ا شرس من قاسم . ان مطامح الشعب الكردي تتعارض مع أهداف الانقلاب على خط مستقيم تماما . ان قادة الانقلاب أذاعوا بعض الاقوال التخديرية ولكن حتى الأطفال بأستطاعتهم أن يدركوا أن هذه الأقوال لا هدف لها سوى التخدير , وكسب الوقت لتركيز سلطتهم .ان قادة الانقلاب وأعوانهم كانوا يضغطون على قاسم بأعتباره لا يقمع الحركة القومية الكردية بالقسوة اللازمة . كانوا ولا يزالون يطمحون الى قمع عسكري أشد دموية وقسوة ضد الشعب الكردي . ان منشوراتهم حتى قبل انقلابهم بأيام اعتبرت حركة القوميين الأكراد حركة استعمارية مشبوهة . ان القوميين الاكراد يتحملون مسؤولية خاصة من بين الحركةالوطنية في تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب الرجعي الفاشي)9

ان الدكتاتورية السوداء الجديدة لم تأت للقضاء على الدكتاتورية كما تزعم , ولم تأت من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية , ان طبيعة الدكتاتورية السوداء الجديدة لا يمكن أن تسترها بغربال من الديماغوجية والتهويش . انها طبيعة رجعية قومية يمينية شوفينية عنصرية طائفية. وبطبيعتها هذه تخدم بالدرجة الاولى الاستعمار والرجعية والاقطاع, انها تمثل حركة سوداء للنكوص ببقايا مكتسبات ثورة 14 تموز لنها تحمل راية الاستعمار الامريكي والانكليزي وشركاتهما النفطية, انها تحمل راية تخريب الاصلاح الزراعي ….. انها تحمل راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه اهداف الحركة الشعبية وحرفها لصالح الاستعمار والاقطاع , انها تحمل راية معاداة الشيوعية والديمقراطية والوطنية . راية ميثاق بغداد. غلاة دعاة الاستعمار والعدوان والحرب , وفرض أبشع اساليب الحكم البوليسية الفاشية على بلادنا , انها تحمل راية تدمير جيشنا الوطني جيش 14 تموز وتصفية عناصره الوطنية الاشد اخلاصا للشعب والوطن . انها سلطة معادية للقوميات والاقليات التي يتألف منها شعبنا ,انها تحمل راية العداء القومي والطائفي وضد الشعب الكردي وضد الاقليات القومية والدينية والطائفية , أنها تحمل راية معاداة العمال والفلاحين , ومعادة المثقفين والثقافة والعلم. ) 10


في ذكرى الاستشهاد الاسطوري للخالد سلام عادل , وفي ظل الاحتلال والفرهود والخيانةلا يسعنا الا ان نستعيد كلمات الشهيد سلام عادل
المفعمة بالثقة بالشعب رغم حجم الكارثة الماسوي الناتج عن انقلاب البعث الامريكي الفاشي الاسود( ان الشعب لا يمكن افناؤه , أو فل ارادته, والمغامرون والخونة والذين يحاولون حكم الشعب رغم ارادته هم الذين دائما مصيرهم الفناء والدمار . والفاشست الانقلابيون الجدد المنعزلون كليا عن الشعب سيجدون مثل هذا المصير بصورة عاجلة وسريعة وبشكل استثنائي) 11

فهل هناك حاجة لكلمات اخرى لوصف الواقع الامبريالي اللصوصي الراهن الذي لا يمثل سوى استعادة للعهد الاستعماري ولكن باسلوب القرصنة المكشوفة وبايدي عبيده من العملاء العلنيين


ان حزب فهد وسلام عادل ,حزب الكادحين , يقف في طليعة المعركة التاريخية الكبرى التي يخوضها شعبنا , والنصر حليف شعبنا العراقي المجيد , اما الخذلان فهو من نصيب المحتل واعوانه


المجد والخلود للشهيد سلام عادل في ذكرى استشهاده , فانت ورفاقك الخالد الى الابدفي سماء بلادنا

الخزي والعار للخونة والعملاء القابعين في مزبلة التأريخ تحت اقدام سيدهم المحتل


الهوامش
-----------
1
ـ ثمينة ناجي يوسف,سلام عادل - سيرة مناضل ج2 ص337
2
ـ حنا بطاطو - الكتاب الثالث ص 292
3
ـ ثمينة ناجي يوسف - نزار ناجي يوسف , سلام عادل - سيرة مناضل ج2 ص 337
4
ـ المصدر السابق - ص345
5
ـ المصدر السابق- ص344
6
ـ المصدر السابق ص 347
7
ـ المصدر السابق ص 352
8
ـ المصدر السابق ص353
9
ـ المصدر السابق ص353
10
ـ المصدر السابق ص 356
11
ـ المصدر السابق ص 357

 

العدد الاسبوعي( 10)05/آذار /2009 - السنة الثانية

الشهداء خالدون ابدا

 

العدد الخاص بيوم الشهيد الشيوعي ( 7 ) 14/شباط /2009 - السنة الثانية

 

**************

شهداء الحرية

14 شباط يوم الشهيد الشيوعي

الشهداء خالدون ابدا


**************

 

لمناسبة إنقلاب الثامن من شباط 1963

د. عدنان الظاهر

2008 / 2 / 7





شباط 1962

حين كسروا رأسي
وتناثر دمي على رصيف شارع الثقافة والمكتبات
دنا منّي ملازم الإنضباط البعثي الفاشي ( شريف صبيح)
ـ مسدسه العسكري الضخم يتدلى من حزامه ـ
قال ، ووجههُ الجميلُ يقطرُ لؤماً وجبناً ونذالةً:
((
تستاهل )) أكثر.
تركَ ميدانَ المعركة مُسرِعاً
وكان العريفُ المسلّحُ يجري كالكلب خلفه.

في الطريقِ إلى مركز الشرطة
إعترضتُ سيارة متصرف اللواء ( المحافظ ) خيري الحافظ
ـ عقيد متقاعد ومتآمر سابق ـ
لم يتبينْ سائق سيارته ملامحي ـ وكان زميلاً لي في الإبتدائية ـ
كذلك نائب العريف حمدان... مرافق السيد المحافظ
كان الدمُ الحار ما زال يسيل بغزارة
قلتُ للمحافظ هل أستأهلُ هذا ؟
ـ وأشرتُ إلى رأسي النازف وملابسي المغطاة بالدم ـ
إفتعلَ الجِدَّ وهزَّ رأسهُ الضخم موافقاً.

خلالَ ساعةِ إستجوابي دخلت عصابةُ الحرس الأسود
وأمام حاكم التحقيق وضباط الشرطة بنجومهم اللامعة
وجّهوا لي إهانات كلامية سوقية. لم يعترض أحدٌ من المسؤولين
وكان علمُ الدولة ما زال يرفرفُ فوق السطوح.

في غرفة العمليات الكبرى في المستشفى الجمهوري
خدّرني الطبيب المُناوب وخاط جروح رأسي
ـ وكنتُ ما زلتُ أنزفُ بين يديه ـ
تناهى إليَّ فجأةً صوتُ شقيقتي باكيةً تصرخُ
أين أخي ؟؟ قتله الفاشيست ؟؟
رجوت طبيبي أنْ يفتحَ الباب كي تراني جريحاً
لا قتيلاً
دخلت فرأتني مُمَدداً غارقاً في بِركةٍ من دم
لطمتْ وجهها وناحت وبكتْ
طلبتُ منها الرجوع إلى البيت
قلتُ لها لم أُقتّل بعد ، لكنهم سيقتلونني فيما بعد!!

في منتصف الليل...
جاء حاكم التحقيق السيد ( فاروق محمد السامي)
زميل الدراسة الثانوية
أيقظني من نومي وكنتُ ما زلتُ تحت تأثير المُخدِّر
قرأ عليَّ أمراً لم أفهم فحواه ثم قال : إنكَ موقوف!!
أمر شرطياً جاء معه أنْ يضع القيود في معصمي
وأن يأخذني مقيّداً إلى حُجرة التوقيف!!
ـ حتى في المستشفيات حُجرٌ للموقوفين ـ
ربطوني بالسلاسل إلى قوائم سرير الحديد
أطفأوا النور ومضوا.

سمعتُ عند الفجر صوتَ المرحومة والدتي
تحاول إقناعَ الشُرَطي حارس الموقف بالدخول لرؤيتي
وبعد شِجارٍ عنيف
دخلتْ مع شقيقتي تحملان لي فطوراً وشاياً
أمسكت والدتي بالسلاسل ثم قالت:
((
أَمُصابٌ ويخشونك ؟؟))
((
مزنجليك يمّه بالحديد))
فأنشدتها للجواهري:

سلامٌ على مٌثقَلٍ بالقيودِ
ويشمخُ كالقائدِ الظافرِ

كأنَّ القيودَ على معصميهِ
مفاتيحُ مستقبلٍ زاهرِ


شَفيتْ جروحُ الرأسِ والصدر
فإستأنفتُ التدريسَ في المدرسة المتوسطة
على ساحل نهر الفرات
أُدرِّسُ الكيمياء وعلم الأحياء وسحرَ بابلَ
وشرائعَ حمورابي والمسيح ومحمد وماركس
قام طالبٌ ضئيل الحجم وإقتربَ منّي ثم قال:
هذه ساعتكَ أُستاذ
ساعتي !! أين وجدتها يا صباح مهدي السعيد ؟؟
أجهشَ صباح مهدي السعيد بالبكاء
أعدتُ عليهِ سؤالي : أين وجدتها ؟؟
قال بين الدموع والنشيج:
كنتُ أُراقبُ ما دار بينك وبين عناصر العصابة السوداء
في المقهى ، قريباً من مكتبة أبي
رأيتكَ جريحاً تنزفُ بغزارةٍ
وكنتُ أبكي أراكَ وحيداً ولا مَن يُدافعُ عنك
{{
تذكّرتُ الحُسينَ في كربلاء}}
إلتقطتُ ما وقعَ منك
فإذا هي ساعتكَ التي تضبطُ بها حصصنا المدرسية.
شكرتهُ . واصلَ البكاءَ والنحيبَ حتى كدتُ أنْ أبكي معه
طلبتُ منه مغادرة حجرة الدرس ليغسلَ وجهه
رفضَ...
وضعَ رأسهُ على ذراعهِ وظلَّ ينتحب بصوتٍ عالٍ.

من خلال الدم الذي سال منّي غزيراً
وما تبعَ ذلك من محاكمات وتوقيفات ومحاكم
رأيتُ أنَّ الدولةَ وكلَّ البلاد آلتْ إلى أيدي
>
التي خططتْ لقتلي
رمزاً لحرية التنظيم النقابي في مسقط رأسي:
جبهة العهد الملكي والدين وحزب البعث والقوميين والوحدة
نوري السعيد + الحكيم + عفلق + ناصر
(((
علامَ وكيف يجتمع هذا الخليط الغريب ))) ؟؟!!

ْXXXXXX

أما الزعيمُ الأوحد....
فكان وحيداً يحصِّنُ عرينه في وزارة الدفاع
[[
هل كان حقّاً فوق الميول والإتجاهات ؟؟]]
كان العراق... كل العراق في وادٍ
وكان الزعيم الأوحد
وحيداً .... في وادٍ آخر.

8
شباط 1963

وظلَّ العراقُ ينزف ....يتوقّع... لكأنما ينتظر
ينتظرُ حلولَ كارثة اليوم الثامن من شهر شباط 1963
ْْْْْْْْْْْليرى حريته ومصيره يتوقفان على معركة واحدةٍ فقط
تدور حول وفي قلعة الأسد الحصينة
وليسمع أنَّ الزعيمَ الأوحدَ يستسلم للخصوم
ولا يموتُ كما أُستشهِدَ عبد الكريم الجدّة ووصفي طاهر
ولا ينتحر كما فعل قادةٌ قبله خسروا معاركهم
وإنه يُساوم من أجل إنقاذ رأسه
ثم يؤخذُ في مدرّعة عسكرية أسيراً حاسرَ الرأس
ليُعدَمَ في مبنى الإذاعة والتلفزيون في بغداد
ويراهُ العالمُ قتيلاً وسطَ بركةٍ من دم
محاطاً بأجسادِ ثلاثةِ ضبّاطٍ قتلى
كانوا آخرَ من تبقّى معه في معركة وزارة الدفاع
وظلّوا معه حتّى لَحَظات الحياة الأخيرة:
طه الشيخ أحمد وفاضل عبّاس المهداوي
والملازم الشاب كنعان خليل.

البيان العسكري رقم 13

حرسٌ قوميٌّ أسود
دم...دم... دم... دم ... دم.... دم....

جسد الزعيم يطفو
على سطح نهر ديالى
ثم يغوصُ عميقاً في قاع النهر

ويغرقُ العراق بالدمِ والسواد
ويظلُّ غارقاً....
حتى اليوم!!

 

**************

 

ستار غانم راضي.... جيفارا العراق

د.فلاح حسن عبود

2008 / 2 / 23

 

في اواسط السبعينات من القرن الماضي، التقيت بستار غانم، وكان شابا يتسم بالنشاط المفرط، وقدوة في الضبط الحزبي، ومثال للتفاني والتضحية، وثقة عالية بالنصرلقضية العدالة الاجتماعية. على الرغم من نحالة جسده، فقد كان شعلة وقادة تلهب النضال منذ تلك الفترة، حيث كان التحالف يتعرض للتصدع، وكنا على ثقة مطلقة بان امثال ستارغانم سيواصلون المسيرة الى النهاية المظفرة، "فعلى كل جيل ان يصنع ثورته " على حد تعبير لينين ، ولكل ثورة رجالها.

في عام 78غادرت الوطن للدراسة في موسكو، وغابت عني اخباره لفترة طويلة من الزمن، لكن الاحساس الداخلي يراودني بالاستفسارعن هذا الرفيق وغيره، فكانت الاجابة مذهلة بانه متطرف وترك الحزب وشوهد في بغداد " فاتح بسطة"، وكانت الاشارة لا تخلو من التهكم.

قبل فترة قصيرة قرأت كتاب "سجين الشعبة الخامسة" لمحمد السعدي فوجدت اشارات مهمة عن ستارغانم ، الشي الذي دفعني للبحث عن اخباره اكثر، فاطلعت على كتابات رفيقه الوفي (امين) احمد الناصري. والشئ بالشئ يذكر،فان الرفيق ستار غانم تعرض للاعتقال في اقبية النظام السابق في عام 79، ولكنه صمد وألتحق في نهاية نفس العام بحركة الانصار التي بدأت تتشكل في جبال كردستان. انا لست بصدد المزاودة على الرفاق الذين تم اعتقالهم، من يدري كيف كان يمكن ان يكون تصرفي شخصيا في هذه الظروف القاسية التي تعرض لها الرفاق؟.

لكن المؤلم، هو هذا الاستهزاء برفاق قدموا حياتهم من اجل قضية النضال المشترك، وان كانت لديهم اختلافات مع القيادة الحزبية. هنا يجب ذكر نقاش دار بيني وبين احد الرفاق حول جيفارا، حيث كان يخونه بانه كان الافضل به ان يلتزم بخط الحزب الشيوعي البوليفي. والان نسمع صراخا اجوفا من قبل البعض، بان زمن جيفارا قد انتهى. فاي يسار كهذا الذي لا يعرف حتى دمه، على حد تعبيرمظفر النواب، الشاعرالعملاق الذي كان وما زال.

في واقع الحال، فان الطينة التي جبل منها الرفيق ستار غانم ( المعروف في كردستان باسم سامي حركات)، حتمت عليه أن لا يسير ضمن التيار، فكان ضمن مجموعة من الرفاق الثوريين، الذين وقفوا ببطولة نادرة وناهضوا النظام الديكتاتوري، كما سعوا الى تصحيح المسيرة النضالية للحزب الذي انتموا اليه، وقدموا الغالي والنفيس من اجل خدمته. وقد تعرضوا للاعتقال والتعذيب واستشهد رفيقهم منتصر(مشتاق جابر عبد الله)، من قبل الجهاز الامني لحركة الانصار التابعة للحزب الشيوعي.

عندما تتلمذنا على الشيوعية كنا نفهم ان اكبر عقوبة توجه للرفيق هي عقوبة الطرد من الحزب والتي تتخذ بعد اجراءات عديدة يتوخاها التأني والتمحيص، اما اسلوب الاعتقال واتخاذ اساليب التعذيب التي تؤدي الى موت رفاق لا يملكون سوى قلب حار وعقل بارد ويد شريفة لخدمة القضية ، فهذا لا يقبله اي عرف حزبي ولا تبرره حتى ظروف العمل السري و الانصاري.


وما دوره الرائد بالرجوع الى عمق العراق للعمل على اعادة التنظيم، الا دلالة واضحة على العناد الثوري الذي تمييز به من جهة ،والالتصاق بشعب وتربة ارض السواد من الجهة الاخرى. وتشكل إنجازاته بإعادة التنظيمات في بغداد والفرات الأوسط، صفحات مضيئة من النضال الثوري للشعوب، فمدينة الثورة ،كما هي مدن العراق ، التي أنجبت ستار ورفاقه، لا زالت تنجب وستنجب من امثاله، مازال لدينا امهات تلد وترضع حليب طاهر، وتطعم اطفالنا " الشلة والدبس" واكلة "المثرودة المعروفة بمحروگ اصبعه" .
اين انت يا رفيق ستار، كي ترى الى اي مستوى من الانحطاط وصلت اليه الامور؟، لا نعرف اين انت الان ؟، لكن الذي لا يقبل الشك هو لوانك كنت معنا الان ، لوقفت في مقدمة المدافعين عن العراق وشعب العراق، ولصرت من اوائل المقاومين للاحتلال الامريكي لبلدنا، ولكنت في طليعة من يقف ضد الطائفية والفساد الاداري ، فالاخيرغزا العراق ووصل حتى الى الحزب الشيوعي (وما فضيحة تصليح المولدات في مقر الحزب ، بمشاركة قادة كبار، الا هي غيض من فيض) .

تدور في ذهني نقاشاتنا الحادة حول موضوع الشيوعية الاوربية ، لقد نسفت القيادة الحالية وبشكل كامل كل الاسس اللينينية لبناء الحياة الداخلية، فحل محلها كل ما هو منافي لمبادئ النضال الثوري. فهم يحاسبوننا على الاقوال ولا يحاسبون انفسهم على الافعال، على كل حال هذا هو الثمن الذي يجب ان ندفعه لتبني الموقف السليم.

يقال ان الحرب تعتبر منتهية، عندما تدفن آخر جثة. هنا ندعو كل من عرف ستار غانم، من الاصدقاء والرفاق والزملاء وحتى من الاعداء لكشف الحقائق عن مصيره. اخر الاخبار عنه منذ سنة 93، نهيب بكم كشف الحقائق كاملة.

الم ترتو يا ارض العراق من دماء الشهداء؟ وكم هي حاجتك من هذا الدم الطاهركي تقولي كفى؟، وكم يوجد في ارضنا قبور لجنود مجهولين ، تصلح لوضع اكاليل الزهور، فكل قطعة ثرى من ارضنا المعطاء جديرة لوضع الأكاليل؟ ومتى يستفيق القادة لاعتبار دماء الضحايا، سراجاً منيراً، ينيروا به الطريق للمضي قدما في طريق الحرية؟.

ستبقى ذكراك طيبة، فهي ناقوس يقرع في وادي النسيان وانت شمعة تضئ الطريق للاجيال، فان شعباً به من امثالك، هو شعب لا ولم ولن يسحق مهما عملت جيوش الاحتلال ومهما عمل المتخاذلون على تشويه سمعة المناضلين، لنقرا ما جاء ببرنامج الحزب الشيوعي المقر من المؤتمر الثامن:
"
ويدين حزبنا النشاط الارهابي الذي تشهده بلادنا، والذي يستهدف المدنيين والبنى التحتية ومؤسسات الدولة، كما يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار وعرقلة عملية بناء الدولة الجديدة وأجهزتها. ويرى أن لا جامع يجمع مثل هذا النشاط بالمقاومة المشروعة، التي هي حق لكل شعب يقع تحت الاحتلال.
ويدعو الحزب إلى اعتماد منظومة متكاملة من الاجراءات الأمنية والسياسية والاقتصادية- الاجتماعية لمحاربة الارهاب والعمل على تجفيف منابعه واجتثاث جذوره."

ان برنامج هذه القيادة يعترف بحق المقاومة المشروعة لكل شعب يقع تحت الاحتلال في حالة واحدة فقط، هي مجافية للواقع لربط المقاومة بالارهاب، سيما وانه لم يتطرق الى المقاومة الا في هذا الجانب، اضف الى ذلك لماذا لا تمارس هذه القيادة حقها المشروع بمقاومة المحتل؟. وهل يصب تشكيل لجنة صحوة ، لدى الحزب الشيوعي ( هل هوعشيرة؟ ) بقيادة عضو بارز، ضمن اطار محاربة الارهاب؟.

نطالب باعادة الاعتبار للرفيق ستار ورفاقه، فالواجب يحتم كشف كامل الحقيقة عن نضاله ( الذي يعادل نضال القيادة الحالية افرادا وجماعات) ، و نشر كل ما كتبه وما كتب عنه، كما ندعو كتاب وشعراء العراق والعالم العربي للكتابة عن هذا الجندي المجهول لتخليده.

ان الاستمرار بدربك المعبد بالآلام والامال ، هو اقل ما يمكن ان يقدمه رفاقك واصدقاؤك، فهذا جزء من الواجب المقدس الذي اديته انت ورفاقك بامتياز، فانتم ملح الارض وطينها "الحري" و مفخرة النضال الوطني لجيلنا وللاجيال القادمة.سيأتي اليوم لامحال لتوقد الشموع على روحك الطاهرة وتوضع اكليل ورد على قبرك.

انك بحق جيفارا العراق... لك المجد والخلود يا رفيقنا ستارغانم.

 

**************

 

رسائل لم تصل /الى ستار غانم راضي ...............سامي

أحمد الناصري

2004 / 6 /5

تحياتي وسلامي لك ..ومودتي الاكيدة
أغبطك من بعيد وأنت تعيش بين لحظتين ، لحظة الفرح بالعمل الجازف ، لحظة تجاوز المواقع والموانع والحواجز والوصول الى هدفك ، ولحظة الخطر ومعايشة الخطر اليومي الداهم ، حيث تعرف أن الخطأ الاول هو الخطأ الاخير
أعرف ذ كائك النادر ، وأقدر قدرتك الكبيرة في التحرك والتخفي وأكتشاف ا لأساليب الجديدة في العمل ، لكن الخطر قاثم وداهم ياصديقي ، والشراك في كل مكان والمدن مغلقة بالمصائد ، والشوارع مطوقة بالمراصد والعيون ، والحرس القومي الفاشي مستنفر .. فيا لتحدي روحك الوثابة وذهنك المتقد ، وأنت تخوض الصراع المرير ، الصراع القاتل وربما الصراع الاخير بينك وبين العدو المدجج لكن الخائف
كم كنت شجاعا في خيارك ، أن تذهب إليهم ، وتتحداهم في معاقلهم المحصنة ، حتى لو كانت المواجهة فاصلة ، المواجهة الاخيرة .. فأنت كضابط المتفجرات تعرف السر الكامن بين يديك ، أو بين ثيابك ، لكنك لاتتوقف عن السير الحثيث نحو النقطة التي رسمتها بوعي خاص وعالي.
في لقائنا الخاطف بعد نزولك الى بغداد وعودتك الى شقلاوه ثحدثنا كثيرا وبشكل مكثف ليل نهار وناقشنا كل الامور و الاوضاع ، وضع النظام وأساليبة وخططه وحالة النا س والجماهير وتوجهاتها ، والعمل المعارض البطي والمتلكأ ومشاكله وأزماتة ، وأساليب العمل الجديدة والمهمات المطروحة والانجازات البسيطة في بناء ركائز في بغداد والمدن الاخرى ، والمخاطر المحدقة بالعمل اليومي المباشر ، ثم تعود الى بغدادك المحاصرة والمطوقة.
تتجمد تلك اللحظة لتثبت وتصير خالدة خلودك أيها المقاتل الشجاع ، وأنت في هدئتك الاخيرة في هدوئك الطويل وصبرك وعملك ومساهماتك المتنوعة والجميلة في موقفك البطولي الاخير!!
لازلت أجمع شظايا المشهد الاخير ، وكل المشاهد الطويلة ، والاحلام والرؤى والمسرات والاوهام والاخطاء والخطايا لاضعها هناك قرب نصب المدينة الكبير لتكون شاهدة وشاهد لنا وعلينا!!
- 2
ستار غانم راضي ، أبن هذا المكان والزمان ، أبن مدينة الثورة / بغداد ، من مواليد 1954 لعائلة عراقية وطنية كادحة ، خريج كلية الزراعة ، أعتقلتة السلطة الفاشية في مديرية الامن العام سنة 79 ، ألتحق في نهاية نفس العام بحركة الانصار التي بدأت تتشكل في جبال كردستان القصية ، وبذلك يكون من أوائل الانصار اللذين تجمعوا وبدءو التجربة الجديدة بكل الامال العريضة التي كانت معقودة عليها لتصحيح تجربة التحالف الذيلي البائسة ، وحماية جسد الحزب من المذبحة التي أجتاحت الوطن وساهم بجدية كبيرة في العمل السياسي والفكري والعسكري ، كما ساهم في المطالبة الحزبية الواسعة في نقد وكشف الاخطاء الفكرية والسياسية في تجربة الجبهة الوطنية وتحديد المسؤولية الشخصية والجماعية لمن رسم وحدد تلك السياسة من قيادة الحزب ، كما عمل على رسم سياسية ثورية جديدة للكفاح المسلح منذ البداية ، وتجاوز الاخطاء الفكرية والسياسة والعسكرية الجديدة ، وذلك من خلال طرح برنامج جديد
تعرفت على سامي ، وهذا أسمه الحركي الشهير في كردستان في تموز1980بعد وصولنا من منطقة هورمان -هيرتا وقاعدة السليمانية الرئيسية في أول مفرزة للسلاح، ألقيت بة مع عدد كبير من الرفاق والاصدقاءفي منطقة ناوزنك وتوزله ونوكان وزلي ، وقد أمتدت علاقتنا وتطورت وتعمقت حتى إختفاءه المجهول ، وقد شكلوا فصيلا عسكريا بأسم فصيل بغداد يظم أغلب الرفاق القادمين من بغداد وبعض مدن الوسط والجنوب ، وكان فصيل بغداد يعد نموذجا رائدا لحركة الانصار الحديثة وآفاقها الواعدة، لانة تكون من الشباب الرائعيين المتحمسيين للعمل والواعديين بمستواياتهم الفكرية والسياسية والعسكرية وقدرتهم على التطور السريع ، في ظل ظروف النكسة الجديدة وألاحباط العام والبلبلة الفكرية والتنظيمية
كان سامي من أبرز الشباب في نشاطة وآرائه النقدية الجديدة والجريئة ، ودارت بيننا نقاشات طويلة وجدل حامي عن تجربة التحالف الذيلي التي تركناها خلفنا ، ومحاولة تشخيص الاخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمة ، وعدم وجود خطة طوارئ للانسحاب وتقليل الخسائر الدامية وإفشال خطة الفاشية في تحطيم جسد الحزب والحركة الثورية ، وإعلان إنصار الفاشية بصعود المجرم صدام حسين الى الموقع الاول في مؤسسات الحزب والدولة ، كما طالبنا بتحديد المسولية الفردية والجماعية لقيادة الحزب ومحاسبة العناصر الخاطئة ،كخطوة أولى لابد منها لإنطلاق العمل الجديد ، وقد ساهم في هذه الحوارات والمناقشات في وقت مبكر عدد كبير من الرفاق كان من أبرزهم الراحل عبد الرحمن القصاب / أبو أحمد والرفيق عادل سفر / أبو شاكر ، وقد جرى تبلور خط فكري واسع يطالب بمعالجة ألازمة الجديدة التي يمر بها الحزب والحركة الشيوعية في بلادنا ورسم سياسة سليمة أخرى بعد محاسبة وعزل العناصر اليمينية التقليدية وإعادة بناء التنظيم على أسس سليمة ليكون قادر على قيادة العمل الصعب والنوعي الجديد
حول هذه القضايا الرئيسية والحاسمة دار الصراع ، ومن هنا بدء الإستقطاب والفرز والانقسام داخل قواعد الانصار التي بدأت بالتكون ، وخاصة في قاعة ناوزنك بإعتبارها القاعدة الرئيسية ولوجود بعض العناصر القيادية وبعض من الكادر المتقدم الذي وصل من الداخل ، وكان سامي يلعب دور المحرك النشيط لهذا العمل ، يقوده بهدوء ودراية كبيرة وبشجاعة وجرأة نادرةضد العناصر اليمينية المتخلفة والمتهافتةوالتقليدية؟؟
لقد قررنا خوض نضال فكري وسياسي علني ، بينما لجأت القيادة اليمينية الى أساليب بوليسية تتمثل في المراقبة والتجسس وجمع المعلومات عن الرفاق وآرائهم وتهديدهم بالتصفية والقتل ، ثم جاءت مجزرة وكارثة بشتآشان لتصعد الصراع وتنقلة الى مستويات جديدة بسبب مسؤولية القيادة عن الكارثة وتجدد عجزها وتخلفها عن فهم الاحداث والتطورات الجارية في كردستان ، وبعد أحداث بشتآشان الثانية والخسائر والفشل الجديدين ، وخروج وهروب وإنسحاب المئات من الرفاق الانصار الى الخارج ، مع تشكيل قواعد متباعدة ومبعثرة ، في هذه اللحظة أستغلت القيادة اليمينية الفراغ الحاصل وأنكشاف الرفاق لهم ، أنقضت على المجموعة التي تقود الصراع وتعتقلهم في ظروف قاسية وعجيبة وكان من بيننا سامي وقد فقدنا الشهيد البطل مشتاق طالب /منتصر تحت التعذيب الرهيب والرجعي القاسي ، وخرجنا من المحنة الجديدة بموقف ثابت ومتطور وتجربة متزايدة ومعمدة بالدم الطاهر لمنتصر ، عدا عنصر واحد تراجع تحت التعذيب والتهديد والضعط ليتنازل عن قناعاته وإدعاءاتة ويعلن التوبة والخنوع وخوفا من تهديدات لجنة التعذيب والتحقيق الخاصة والواسعة الصلاحيات
تم إطلاق سراح سامي ورفاقه في حزيران 1984بعد ستة أشهر من الاعتقال الدامي ، وطردناخارج حدود وطننا ألى إيران ، في إلتباس غريب ومتناقض لايمكن تفسيره أو تبريرة في كل الاحوال ، وقد رفضنا تسليم إنفسنا الى إيران وتمكنا من التسلل الى أرض الوطن من جديد والى منطقة قرداغ تحديدا ، حيث بدء سامي نشاطةالفكري والسياسي الجديد وأصدر كراسا هاما جدا عن تجربة الكفاح المسلح ، سجل فيه تقيمه للتجربة منذ بدايتها الى نكسة بشتآشان ، وساهم في كتابات أخرى عن الحرب العراقية الايرانية تظمنت آراء جديدة ومختلفة في الموقف من الحرب الكارثية الطاحنة ، المشتعلة أنذاك والتي تداخلت وتناقضت فيها المواقف الوطنية
بعدها إنتقلنا الى منطقة سركلو وبركلو في جبال السليمانية ، وعشنا وسط المخاطر الرهيبة ، من قصف يومي بالمدفعية والطيران وإنتشار شبكة قوية وفعالة من المندسيين عملاء المخابرات العراقية ، وأعمالهم التخريبية من تفجيرات وأغتيالات وحشية ودس سموم الثاليوم الشهيرة في المواد الغذائية والتي راح ضحيتها العشرات وجرى إعتقال أعداد من الذين بثوا هذه المواد القاتلة
ثم تركنا مناطق سركلو وبركلو وياخ سمر بعد معارك دابان الشرسةوأجتياح الجيش لها ، حيث تقهقرنا مرة أخرى الى منطقة نوكان ، أي الى نقطة الصفر والبدايات الاولى ، في نوكان جددعمله الفكري والسياسي وأصدر عددا من الكراسات تناول فيها موضوعات أساسية في عملنا وتوجهاتنا ومنها ردعلى تقييم أنتهازي وكتابات عن المهم الوطنية والديمقراطية وموضوعات في التنظيم ، وبدأ يفكر جديا للتوجه نحو الداخل الصعب الذي يبدو مغلقا من معزلنا الجبلي ، وقد أستطاع التسلل والوصول الى بغداد عدة مرات من قرداغ وسركلو وأقام عددا من الركائز التنظيمية البسيطة ومحطات الاتصال والبريد
وأستمر سامي في عملة الدؤوب والحثيث رغم المخاطر اليومية الكبيرة والهزيمة الشاملة والانحسار للحركة المسلحةبعد عمليات الانفال القذرة والاجتياحات الدموية للقرى والجبال وصولا الى الحدود الدولية مع إيران وتركيا مدعومة بعشرات الالاف من حجافل الحجوش والمرتزقة وجندرمة الدول المجاورة، رغم كل هذه الظروف ظل سامي متماسكا ومتفائلا وصابرا يتطلع الى حلول عملية أخرى ، ويحاول أن يدرس المأساة الجديدة والتحولات الشاملة التى جرت بعد توقف الحرب العراقية الايرانية ولإنطلاق عمليات الانفال وحرب الابادة الجماعية ضد شعبنا الكردي، وقد بدا لحظتها إن كل شئ قد إنتهي ونحجت الفاشية في مخططها التدميري العنصري، وساد اليأس أوساط كبيرة من السياسيين والناس العاديين
بعد نجاح عمليات الانفال تجمعت الاحزاب الكردية كلها تقريبا في منطقة نوكان وهي بقعة صغيرة ضيقة ، حتى إن المقار كانت متداخلة مع بعضها ، مع بقايا البيشمركة ،وكان نشاط أجهزة النظام الارهابية مكثفا وخطيرا للقضاء على البقية الباقية ومحاولةإصطياد بعض القيادات الخطيرة ، وقد تمت تصفية الرفاق سالم وزهير في نوكان على إيدي عناصر المخابرات وهما رفيقان من تنظيم الشيوعيين الثوريين وكان لهم مقرا هناك
في هذه الاوضاع الغامضة والصعبة حصل تطور دراماتيكي قلب كل الاوضاع القائمة وغير الحالة السياسية وخرائطها الموجودة قبل ذلك اليوم ، وكان الحدث الكبير والخطير دخول النظام العراقي الى الكويت وإحتلالها ونشوب حرب الخليج الثانية وإنطلاق الانتفاظة المجيدة ، وقد شارك سامي بفعالية كبيرةفي الاحداث ووصل الى كركوك وساهم في معارك طرد النظام ، وكتب العديد من البيانات والنداءات والرسائل والمقالات حول الانتفاضة وآفاقها ، ثم كتب فيما بعد عن أسبابها ونتائجها وأسباب سقوطها ، ثم أنسحب مع المنسحبيين من كركوك الى الحدود الايرانيةفي المسيرة المليونية الشهيرة وبعد أستراحة قصيرة من التعب والمرض أتخذ قراره الشجاع في التسلل الى والى بغداد تحديدا وفق توجة جديد وتحليل جديد يقوم على أساس منع السلطة من ترتيب أوضاعها ، ومحاولة الاستفادة من النتائج الكبيرة والكثيرة التي أفرزتها الانتفاضةوالبناء الميداني عليها، والقيام بنشاط فكري وسياسي وجماهيري وأعلامي والاعداد للعمل العسكري الذي يستهدف مؤسسات السلطة القمعية وأزلامها ، وساهم في تأسيس لجان الانتفاضة الشعبية ، وقد نجح في أقامة ركائز تنظيمية وخيوط فعالة في بغداد والمدن الاخرى ، وساهم في تجميع كادر سيلسي وتنظيمي وأعلامي ، وأستطاع تأمين عددمن البيوت السرية وأجهزة طباعة بسيطة ولكن متكاملة ومستلزمات العمل السري الأخرى
وقد أتخذ أسما سريا جديدا في بغدادوبدء يرسل المراسليين الى كردستان ويشرح تصوراتة وآرائه الميدانية عن النظام وخططة وأساليبة الوحشية في قمع الناس ، وأمكانات العمل في بغدادوالاخبار المهمة ، وموقف الناس وحياتهم والحصار الذي بدأ يفكك ويخرب الحياة الاجتماعية والاقصادية ، ثم عاد الى كردستان وألتقينا في شقلاوة وقد درسنا كل التطورات والاوضاع والاخبار العامة والخاصة وأمكانيات العمل ومخاطرة ، وكان دلك آخر لقاء تم بيننا ، حيث أختفى ولم يعرف مصيرة الى الان رغم كل المحاولات والجهود التي يبذلها رفاق وأصدقاء سامي منذ سقوط الفاشية؟؟
لقد كانت حياة سريعة وخاطفة مليئة بالمثابرة والمواجهات المتنوعة والاكتشافات والمخاطر ، فهو لم يرتح يوما في حياتة القصيرة ولم يعرف المسرات ، فقد ألتحق بالجبل فور تخرجة من الجامعة وأنهاءه للخدمة العسكرية ، ليخوض تجربة مرة فيها الكثير من المفارقات القاسية والمجازفات والتعب بعدها تصدى لمهمة خطيرة وهي العمل السري في داخل معاقل الفاشية ، ليختفي وتختفي آثاره بهذه الطريقة الغامضة والماساوية ، لكنهاتبقى بطولية وأسطورية وخارقة بكل مقاييس الشجاعة والاقدام ، وظل سامي صامتا وصامدا مدافعا عن شعبة وكادحية الذين هو واحد منهم ،حيث لم يكن يملك شيئا ولايملكه شئ مثل المتصوفة ، وظل دون بيت خاص دون زوجة أو أطفال دون أي شئ خاص عدا قناعاتة وحلمة الثوري الجميل وصلابته النادرةفي هذا الزمان الرخو ،وهو مفخرة من مفاخر شعبنا وحركتنا اليسارية الثورية ، وقد ساهم سامي بحياتة في الجهد والعمل من أجل أسقاط الفاشية المقيتة المتخلفة دون أن يهرب أو يتراجع أو يتوقف؟؟
لقد فقدت صديقي منذ 1993ويبدو إن سامي كان في الجب يواجه المحنة السوداء بإنسانية خاصة لاتنهزم أو تنكسر ، وبطولة عجيبة تعكس طينتة وقناعاتة الثابتة التي لاتهزم ، ومن المؤسف أن أسجل هنا وبينما كنا نحاول متابعة أخبارة من بغداد المحاصرة بكلاب الفاشية المسعورة ، بغداد البعيدة ، ونحاول أن نلتقط أي خيط يدلنا على سامي أو جدثة او مصيرة أو بقايا قميصة أو رائحتة ، كانت بعض عناصر اليمين الانتهازي تبث وتسرب معلومات سقيمة تافهة عن وضع وهمي لسامي المحاصر ، في محاولة لتشويهه حتى يقتل مرتيين ، وربما وفي لحظة الاشاعة كان سامي في غرفة الاعدام أو قد أعدم فعلا ، وقد جاءني أحدهم وهو من العناصر المشكوك في نزاهتها ليبلغني معلومات تافهة سقيمة ، يومها لذت بالصمت لحين تكشف الحقيقة ، ويخرس المتكلم وتنكشف دوافعة الدنيئة، ثم عاد نفس هذا العنصر ليبلغ صديق آخر بمعلومات تافهة أخرى
لقد كان موقفنا مبدئيا وإنسانيا وأخلاقيا ثابتا أزاء حالات إعتقال الرفاق المتسللين الى الداخل ، وكنا نشعر بالحزن والصدمة للحالات الكثيرة التي أكشفها العدو وسقطت بسهولة ويسر بيدة ، وكنا نسكت حتى عن العناصر المنهارة والمتعاونة مع النظام ، ونحن نعرفهم بالاسماء ولم نشهربهم ولم نختلق القصص حولهم تقديرا منا للظروف التنظيمية الخاصة والقاسية والاهوال والاخطاء التي مروا بها ، ولكن ماذا نفعل أمام هذا السلوك المشين ؟؟ وهذه التربية الهابطة التي تخدم العدو دائما
لقد سمعت من صديق قريب جدا ، بأن الحزب الشيوعي العراقي يرفع صورة سامي في المقر العام الى جانب شهداء الحزب ، وأنا لست متأكد من الخبر تماما ، وهو أمر طبيعي وجيد ولآ إعتراض علية فسامي شهيد الشعب العراقي والحركة الشيوعية العراقية ، ولكن الاعتراض والمطالبة تنصب على ضرورة أن تتقدم قيادة الحزب الشيوعي بالاعتذار العلني والرسمي لعملية أعتقال سامي ورفاقة والتي نتج عنها إستشهاد منتصر على أيدي عناصر ثبت أرتباطها بالسلطة من خلال الوثائق المكتشفة وخاصة من حرض على الاعتقال والتعذيب ومن مارس التعذيب فعليلا وبقسوة ووحشية ، هذه القضايا لاتسقط بالتقادم ، ونطالب بفتح ملفات القضية فورا ، لقد سكتنا في السابق خوفا من تفسير عملنا بإنه يخدم السلطة ؟؟ والان وقد سقطت السلطة وشماعاتها؟؟
لقد كان سامي نزيها طيبا ، يحب رفاقة وإصدقاءة ويمزح معهم مزحا بريئا ويعمل لهم المقالب الصداقية البسيطة ، وكان يقول لي مازحا بأنة سيترك العمل السياسي في أول يوم من بلوغه الخمسيين من العمر ويتفرغ للزراعة والفلاحة وتربية الدواجن والعمل الفكري والبحوث والعائلة القادمة ، وراية ناتج عما يراة من حالة بعض القياديين وقد بلغوا من العمر عتيا وبدات حالات الذهان وفقدان الذاكرة وأوجاع المفاصل والسعال الدائم مع الاصرار على الاستمرار على خشب الكراسي المتاكل والمرتعش ، ضدمنطق الحياة والبايلوجيا
ها أنت تقترب من خمسينك الأثيرة والتي لم تبلغها جسديا ، فقد أجبروك على الرحيل المبكر دون طلب من الحياة نفسها بل بسبب ممن هم ضد الحياة وسارقيها ، كم أتنمى أن لايكون هذا رثاء ، وأن تتحقق معجزة ما وتظهر بيننا لآنني لم أقفل الخط معك ولم أستسلم لقدر قاسي صنعه شيطان الفاشية البغيض ؟؟
-3
الى سامي
آه لو كنت حيا
آه لو إن عقلك أكمل دورة إستنطاقه
آه لجسمك النحيل معلقا كاخيط
لقميصك دون ألوان
لفقرك الدائم
لإيامك المالحة
لحبك للدنيا والناس
أهدي دمعي ، أهدي فرحي ، أهدي إنتظاري المفتوح
لوريدك المذبوح
كم أتعبني ذاك الصديق الذكي ، ذاك الصديق الودود
............
عشنا في عراء الكون ، في لحظة الوحشة النائية
العيش بلا مكان ، حيث العراء عاريا
والدنيا بدائية التكوين
كنا بلا وقت
بلا أسيجة أو حدود
بلاطرقات أو مدن
كأننا نعيش مع المطلق
ونموت بلا مواعيد أو أضرحة
نموت بلا شاهدة
..............
كم تمنينا أن نكون معا
أن نركب الباص العمومي معا ، أن نشاكس النساء الجميلات
أن ندخل البار المفضل في مدينتنا البعيدة
أن تلامس أقدامنا ترابك يا بغداد
لكننا إلتقينا في هامش رطب
ثم هوينا في عتمة السنوات
نتنفس من ضوء الاعشاب ونتدفأ على كومة من قش الطبيعة
ونسافر دون جوازات أو أختام لحكومات تكرهنا
ونحن نراقب الجنود
ونراقب الحدود ونتابع السير الحثيث الى المجهول
.......................
وكنت أنت المبادر
وأنت المثابر
وأنت الصموت
وأنت النبيل وأنت الجميل الجميل

صديقك الخاص أمين

 

**************


كلمات أخرى الى ستار غانم راضي العابر في الزمن المفقود

أحمد الناصري

2006 / 9 /25

 

ستار غانم راضي ( سامي حركات ) ذلك الإسم اللامع الذي ملأ جبال كردستان وحركة الكفاح المسلح بآراءه ومواقفه النقدية الجديدة والجرئية، ذلك الإسم الذي خرج من أحياء الفقراء وبيوتهم وطرقاتهم المتربة، وتمرد على التابوهات الغبية والتقليد، وعلى الأسماء والرموز المتهرئة، ومقدسها اللفظي البائر، ورفض الإمتيازات الرخصية التي أغوت البعض ومسختهم، وإستخدم العقل النقدي الى أقصى حدوده، دون أن يتوقف عند النصائح السطحية والمتطلبات الشكلية للنقد والجدل والمراجعات، وأعتبر النقد منهجاً وفضاءاً مفتوحاً، يحتاج الى شروط صارمة وأدوات معرفية هامة وكثيرة، وهكذا بدأ مشروعه الكبيرفي نقد الحالة الحزبية والإجتماعية والسياسية العامة، وكان يتطلع الى آفاق واسعة في المعرفة والكتابة والجدل، لكن يد الفاشية المتخلفة تمكنت منه، وأختطفته وهو لم يزل في بداية مشواره وبداية مشروعه النقدي الثوري، في ساعة مجهولة لكن حزينة، تلك الساعة هي زمنه السري ووقته الخاص المنطقع من سياقه الطبيعي والوجودي، والذي توقف فيه عن الحضور، ودخل لحظة الغياب السرية التي لاتزال قائمة الى هذه اللحظة الحزينة أيضاً.
سأظل أكتب عنك يا صديقي القريب، ويا صديقي الغريب في غيابه المأساوي، سأظل أبحث عنك، وأظل أرقبك وأراقبك، وأظل أنتظرك في منعطف العمر، لعل معجزة حياتية تحصل، ولعل شيئاً غير مألوف يدخل في المألوف، ولعل الإنتظار يموت ويسقط، مثل بعض الظواهر الحياتية والطبيعية الأخرى التي تنبثق من العدم ولو بشروط خاصة، أو كما في الميتافيزيق والتخيل والحلم، سأكتب عن سجاياك وعن تجربتك الخاطفة لكن المركزة والمعمقة، سأكتب عن أحلامنا المتواضعة والمغدورة، عن تجربتنا في مواجهة الخطأ، عن الجرأة الزائدة، وعن الحكمة والعقلانية والخطر، وعن الوضوح والمواجهة الواعية والمخططة، عن لغة التهكم والفجاجة، وعن التطور والتخلف والضعة، وعن آلاف الكيلومترات التي قطعناها سوية، بعضها أفقياً، وبعضها طولياً، حيث كنا ندور في نفس المكان ونحن نبحث عن حجر الفلاسفة، عله يساعدنا على تغيير الأوضاع بشكل سحري، أوكنا نحث الخطى في جب أخوة يوسف في شتاء عام 84 الطويل والقاسي، متكورين على أجسادنا المنهكة والمنتهكة، حيث هرير ليالي الشتاء الطويلة، التي فرضها أخوة يوسف أو تلاميذ يهوذا، والذي واجهناها ببطانية عسكرية سوداء واحدة وقذرة، ونحن ننام على الفضلات البشرية، وسط الخطر الداهم والتهديدالمنفلت، في مفارقة ملفتة وسوداء ومضحكة وغريبة في آن، سأكتب عن صبرك الطويل والبالغ، عن صبرك الجميل، وعن ذوقك الرفيع في كل شيء، وعن تجاربك العاطفية العابرة والمستقرة، وموقفك من المرأة، وعن المكابدة الخاصة والعامة، وعن حبك للدنيا والناس، وعن مساهماتك السياسية والنظرية، وسعة بصيرتك ونظرتك للظواهر والحالات المتنوعة التي واجهناها أو التي واجهتها وحيداً، رغم العزلة شبه الإختيارية، ورغم الشح في المصادر وفي كل شيء تقريباً ، لكنك كنت تفاجئنا يومياً برأي جديد أو بمعلومة جديدة، ولاندري من أين تأتي بها ونحن في ذلك الحصار وتلك العزلة الباذخة، ربما هي الموهبة والقدرة على المجالدة وعبور الحواجز والموانع مهما علت ومهما تعددت أو كبرت.
لا ندري للآن نحن أصدقاء سامي ورفاقه وخاصته، متى جرى إعتقاله وأين وكيف ؟؟ ومن هي الجهة الفاشية التي قامت بذلك ؟؟ وعدد الجلاوزة وأسمائهم وسحنهم الكريهة ؟؟ وأين إقاتدوه ؟؟ وكيف وصلوا إليه ؟؟ أو من الذي وشى به إذا كانت هناك وشاية أو إعتراف وتراجع أو خيانة أو إندساس وإختراق تنظيمي ؟؟ لانعرف الساعة واليوم والشهر الذي جرى إعتقال سامي حركات به ؟؟ ولا نعرف كم من الوقت بقي في المعتقل لحين تصفيته وقتله ؟؟ وماهي الأساليب المتبعة ضده ؟؟ وهل كان في زنزانة إنفرادية، أم في موقف جماعي ؟؟ كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى ظلت حائرة ومن دون جواب أو توضيح ولو بسيط لها، ولقد بذلنا جهداً كبيراً في تتبع آثار سامي والوصول الى نتيجة محددة، عبر عائلته أو أصدقاءه وزملائه من طلاب وخريجي كلية الزراعة في بغداد، أو المجال الذي نشط فيه بعد تسلله الى بغداد في مرحلة ما بعد الإنتفاضة، وقيادته لعمل تنظيمي وفكري وإعلامي وجماهيري واسع وهام جداً، وكنا نأمل في الوصول الى نتيجة ما بعد الحصول على جميع وثائق المؤسسات الأمنية الفاشية المفككة، لكن هذه الأمكانية تراجعت وتلاشت تقريباً، بسبب إتلاف هذه الوثائق أو التصرف الخاص بها من قبل جهات غير وطنية أو أفراد أو من قبل المحتل، كما إن غياب الإستقرار الأمني وإنفلاته وخراب الوضع السياسي وطغيان الإرهاب الجماعي والفردي، قد أنهى تقريباً إمكانية متابعة مشكلة المفقودين وكشف مصائرهم، وتبيان الحقائق لإهلهم وعوائلهم وأصدقاءهم، وللرأي العام الذي يتطلع الى أجوبة شافية وقاطعة، لكن الرأي العام منشغل الآن بأكداس الجثث المرمية في الشوارع والمزابل والمجاري، في مفارقة دموية صارخة، تشكل الصفحة الثانية والخطيرة من مسيرة الدم والقتل العراقي.
أقدر وأعرف الظروف القاهرة والشاذة التي يمر بها وطننا، لكنني أستغرب من الصمت المريب الذي يسود في أوساط أصدقاء سامي ومعارفه وكل الشهداء الأبطال، ولماذا هذا الجحود والنسيان والتناسي ؟؟ هل خلاف سامي أو منتصر سبباً لذلك الصمت ؟؟ لكن لماذا لم يكتب عن الأسماء الأخرى ؟؟ أين هي الأرشفة المنظمة والعلمية وتسجيل الشهادات والذكريات عن الأصدقاء ؟؟ أين هي الأعداد الكبيرة التي عاشت في الجبل أو مرت به، من أن تسجل أو تحكي أو تنقل لو قصاصات بسيطة أو شذرات من ذاكرة طويلة لأيام وشهور وسنين طويلة ؟؟ وتجربة قاسية ومتنوعة ؟؟ أين هي الذاكرة الصداقية والإنسانية، الطيبة والبسيطة لكن الصادقة، لكي تسجل الأحلام والأمال والأحزان المشتركة ؟؟ وتسجل مالها وما عليها ؟؟ أين هي وثائق تلك التجربة وتقييمها وتدوين يومياتها وتفاصيلها ؟؟ هل جف حبر الذكريات، أم إنها ذكريات لاتستحق التسجيل والتدوين والنقل ؟؟
سأقترح يوم إفتراضي لإستشهاد صديقنا الكبير والجميل ستار غانم راضي ( سامي حركات )، وهو واجب وحق لنا، بعد محاولة أخيرة للتعرف على مصيره، ولكي يصل هذا النداء الجديد الى كل من يهمه أمر صديقنا سامي، لمن يعرف عنه أية معلومة أو إشارة مهما كانت بسيطة، ربما توصلنا الى الخيط الأساسي لكي نتمكن من كشف هذا المصير المأساوي لسامي ولغيره من المفقودين والضحايا في زمن الفاشية القذرة والغادرة، أو في زمن الإحتلال القذر والغادر، وفرق الموت المتعددة، وهم للأسف كثر ، ويشكلون مشكلة وطنية وإجتماعية وإنسانية ونفسية بالغة الخطورة والتعقيد، مشكلة مأساوية بقدر محنة الوطن الحزين الراهنة، وجزء بارز منها، وهي تغطي خارطة البلاد من أقصاها الى أقصاها.
في ذكرى غيابك وفقدانك أهدي لك كل الكلمات الجميلة التي تحبها، وكل الأغاني والقصائد التي تعشقها، وكل الكتب التي تهتم بها، أهدي لك الياس ( الآس ) العراقي المحبب لك، أهدي لك وردة الصداقة والموقف المشترك وذكريات التجربة العميقة والجرئية، أهدي لك رايتنا وكتبنا وأشرطتنا التي دارت بها البغال الوفية في أرجاء الوديان والقمم والشُعب والكهوف الجبلية، ولم تسترح منا، ولم نسترح منها، في مواجهة طويلة كأنها لاتنتهي، ومازلت أحمل الحلم المشترك، وأتطلع الى لقاءك كي نراجع التجربة، ونكتشف أين أخطأنا وأين أصبنا، وماهو المطلوب الآن من مهام وطنية جديدة وصعبة ومختلفة، لمواجهة طوفان الدم الراهن، ولبناء وطن يحمي أطفاله وأحلامة ومستقبله، وطن يطعم فقراءه بالسخاء العراقي المعهود، ويخلصهم من الموت وفقر الدم وسوء الحال .. والسؤال هل لنا أن نقوى ونقدر على الإستمرار والمجالدة في هذه المحنة الطويلة ؟؟ أعرف أنك تقدر.

بطاقة شخصية
الأسم الكامل : ستار غانم راضي
الأسم الحركي : سامي حركات
مواليد 1954 مدينة الثورة بغداد
خريج كلية الزراعة – بغداد
كادر طلابي معروف في بغداد
أعتقل في عام 79 على يد السلطة الفاشية في بغداد
إلتحق بصفوف حركة الأنصار في كردستان منذ بدايتها عام 79
كادر حزبي وعسكري بارز.
قاد حركة فكرية وسياسية في كردستان، ضد أخطاء ومواقف القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي، وقد أعتقل على يد عناصر القيادة اليمينية مع مجموعة الشهيد منتصر المعروفة.
أسس مجموعة ( الشيوعيين العراقيين) .
أصدر وساهم في كتابة العديد من الكراسات والدراسات والبيانات الهامة.
ساهم في الكثير من الحوارات والنقاشات مع منظمات وشخصيات ماركسية.
عاد الى بغداد بشكل سري، بعد فشل الإنتفاضة الوطنية عام 91، ويبدو إنه أعتقل عام 93 ولم يعثر له على أثر للآن، لا في المقابر الجماعية ولا في الوثائق والسجلات المكتشفة في الأجهزة الأمنية الفاشية، رغم جهود إصدقاءه.

 

**************

 

 

منتصر في ذكراه الخالدة ، بين جريمة القتل وجريمة الصمت

أحمد الناصري

2006 / 3 / 14

رغم توقفي المؤقت عن الكتابة لأسباب قاهرة ، ورغم الحزن الجارف الذي يشل كياني من المأساة الدموية المفتوحة التي يمر بها شعبنا ، فأنني أجد من واجبي أن أتذكر الشهيد الغالي منتصر ، شهيد الصراع الفكري الداخلي ، وأكتب عنه لكي لاننسى ، ولكي لايفرح القتلة ويطمأنوا الى مصيرهم بعد إن نجحوا في فرض الصمت !! قررت أن أتذكر منتصر وأن أقف دقيقة صمت ، وأن أذرف دموعي في ذكراه الخالدة ، حتى لو بقيت آخر من يتذكر منتصر وبقية الشهداء الأبطال!!
حيث تمر هذه الأيام وفي شهر آذار من كل عام ذكرى خاصة وأليمة ، ذكرى قتل وإستشهاد منتصر ( مشتاق جابر عبدالله ) في شهر آذار من عام 1984 في منطقة بارزان بأيدي عناصر تابعة للقيادة اليمينية المتخلفة للحزب الشيوعي العراقي ، بعد إعتقال تعسفي جائر بدء يوم31- 1- 1984 وإستمر حتى حزيران من نفس العام ، مارست فيه هذه العناصر الإنتهازية الفاشلة والمعزولة كل أساليب التعذيب والتحقيق القذرة والإنتقامية ضد مجموعة من الرفاق ، على خلفية آراء وخلافات وصراعات فكرية وتنظيمية وسياسية داخلية ، والتي إنتهت بقتل الشهيد منتصر ، ونحن لم نزل في زنازين العزل والتعذيب والتهديد.
لاأعرف في أي يوم من أيام شهر آذار الحزين تمت جريمة تصفية منتصر، ولم يجر كشف وتحديد العناصر التي نفذت الجريمة ولا الأساليب التي أستخدمت ضد منتصر وأدت الى إستشهاده ، لأن قيادة الحزب الشيوعي لم تكشف عن التفاصيل السرية وتكتمت على الموضوع الى الآن ، رغم مرور أكثر من عشرين عام ورغم تبدل الأحوال !! لكننا نعرف العناصر التي كانت تقود التحقيق والتعذيب المتمثلة باللجنة التحقيقية وهي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الجريمة الى جانب العناصر القيادية التي كانت تشرف على التحقيق مباشرة وفي مقدمتهم عزيز محمد وبعض عناصر المكتب السياسي واللجنة المركزية.
أخصص هذه الكلمات الى رفاق وأصدقاء منتصر وأتعجب من صمتهم المريب !! لم أزل أتساءل لماذا هذا الصمت ؟؟ ولماذا لم يكتب أحد منهم عن ذكرياته مع منتصر مثلاً ؟؟ أو أن يطالب ولو بمطالبة ( حزبية ) داخلية أصولية خجولة كي تكشف القيادة عن تفاصيل الجريمة وظروفها ، ومن ثم الكشف عن القبر ( الحفرة ) الذي أخفوا فية جثة منتصر الطاهرة ؟؟ ولماذا لم يسلم جثمانه الى إهله حتى الآن ؟؟ لاأجد تفسيراً منطقياً واحداً لهذا الصمت الذليل أمام هذا الحدث الرهيب ، أو أحداث رهيبة أخرى ؟؟ طبعاً أعرف إن هناك تبريرات كثيرة و( الإنسان ) يستطيع أن يكون كائن تبريري بإمتياز إذا ما أراد ذلك ، كما يمكن له أن يتخلى عن إرادته وذاكرته وأحلامه وكرامته طوعياً ، أو تحت ظروف قسرية قاهرة ، كما حصل في كل تاريخ البشرية منذ الأنسنة ، أوفي تجربتنا العراقية مع الفاشية وتلويناتها . وربما يعتقد البعض من إن الوقت لم يزل غير مناسب ، وإن الظروف ( الموضوعية وغير الموضوعية ) ليست جاهزة أو ملائمة ؟؟ ولاأدري متى سيكون الوقت مناسباً وطبيعياً جداً لفتح ركام الملفات العالقة ؟؟ وهل حصل إن توفر وقت مناسب في قضية أو مناسبة سابقة واحدة على الأقل ؟؟ أم أن القضايا الجديدة والمتلاحقة تطرد القضايا القديمة مهما كانت أهميتها ، وأن هذه هي الطريقة والوصفة الجاهزة والمجربة في ( اللفلفة ) والتسويف ومخادعة الذاكرة واللعب على الموقف حتى الفشل المريع الراهن ؟؟
لا أدري لمصلحة من يصمت بعض قادة وكادر الحزب الشيوعي عن هذه الجريمة ، وخاصة من كان منهم في كردستان أبان الحادث الأليم ؟؟ أين الموقف الشخصي والإجتماعي والإنساني والأدبي والأخلاقي من تغييب إنسان ورفيق وصديق بطريقة ظالمة وتعسفية ؟؟ ولماذا لم يكتبوا ولو سطراً واحداً عن الجريمة المروعة والسابقة الخطيرة في حياة الحزب الداخلية ؟؟ أم أن دم منتصرضاع هدراً بسبب إنتهازية مقيمة ، أو بسبب تسويات خاصة إعتاد عليها البعض ؟؟
أتذكر اليوم منتصر ذلك الفتى الحالم ، الفتى الشامخ والجميل والمتواضع .. أتذكر منتصر المقاتل الجسور والمحاور الرائع .. أتذكر منتصر المبادر، ومنتصر المقتول في الغفلة .. وأعرف وجه القاتل العلني والقاتل المتواري .. أني أبصق في وجة القاتل ، أني أبصق في وجوه القتلة في كل زمان ومكان .. ستبقى صورة منتصر تطاردكم ، ولن تحميكم التقلبات و( الترديات ) والمنظمات الوهمية والشهادات الملفقة مهما طالت أو طال الزمن .. سيبقى صوت منتصر يصرخ في وجوه القتلة المسوخ ، ويعلن أسماءهم ويشير الى سحناتهم وأيديهم وتاريخ الجريمة .. لن تحميكم الفوضى الشاملة مهما طالت .. لن يحميكم طوفان الدم المسفوح على تراب بلادي ، لن تنقذكم بلدان اللجوء البعيدة ، ولن تختلط الأوراق ، ولن تهتز الرؤيا ، فسيظل القاتل مجرم ملعون ومطارد ، الى أن يقوم دم الشهيد وردةً عاطرةً ، وينتصر حقه المطلق في البقاء والحضور والخلود ، ويدان القاتل باللعنة الأبدية والخروج من التاريخ الإنساني ، ولا حل آخر أو تسوية أخرى . هكذا قالت الحياة ، وقالت الأرض ، وقال الإنسان ، فدم منتصر لا يسترجع ولا يسترد بالصفقات أو بالقرارات الحزبية البائرة!!
البطاقة الشخصية
مشتاق جابر عبد الله ( منتصر(
من عائلة شيوعية كادحة ، فوالدة شهيد شيوعي من تنظيم ( القيادة المركزية(
ولد في بغداد ( مدينة الثورة ) عام 1958 .
خريج الدراسة الإعدادية
أستشهد في آذار 1984 في منطقة بارزان.
منتصر لن تموت ... منتصر بيننا أبداً.

أحمد الناصري
آذار 2006

**************

 


الشهيدان الخالدان سحر أمين منشد وصباح طارش ( ثائر ) . نجمان عليا في سماء الوطن

أحمد الناصري

2004 / 12 / 25

 

دم وأجداث وحزن عميم ، وبيوت مخربة ، ومدن ذاهلة مليئة بالأوحال والرماد ، وأوطان محتلة ومنسية وجائعة ، وخراب شامل ، هذا ما تخلفه الفاشية عندما تضرب أرض ما وزمن ما ، فهي طاعون حقيقي وطوفان جامح يأتي على كل شيء خيّر وجميل .

واليوم ونحن نجلو الذاكرة ، ونعيد تجميع شظاياها التي تطايرت مع الأعوام ، ونستنطق خزينها ، كي تقول شهادة الحق ، وقول الحق ، في محراب الشهداء ، لنتذكر قوافلهم الجليلة وأطيافهم وأحلامهم التي طوحت بها الفاشية وطحنتها فوق تراب الوطن فاختلطت به ، وصارت منه وله ، الوطن الذي جمعها بيديه وحماها ، فأصبحت غالية وعالية لا يطولها أحد .

سحر أمين منشد ، تلك الصبية الجميلة والرقيقة و( النادرة حسب تعبير مشترك عامي وفصيح . وهما قريبان في المعنى ، لكني أريد العامي لأنه أعمق وأكثر شيوعا وأقرب إلى ما أريد ) ، تلك الصبية الصلبة ، التي تّربت في عائلة شيوعية مثقفة ومتعلمة وكادحة ، في مدينه مثقفة وكادحة بل معدمة هي مدينة الناصرية ، عائلة تسربلت وتعمدت وتشبعت بالعمل السياسي والثقافي والحزبي ، وقد تربى الجميع على يد أمهم المناضلة الشعبية الكبيرة ( أم داود ) ومنها خرجت وتخرجت أختها الشهيدة الغالية موناليزا أمين منشد ( أنسام ) التي كان يختصر أسمها في الناصرية إلى ( منى ) شهيدة العمل المسلح في كردستان ، وشهيدة الوطن والناصرية . ومنها خرج بالسلاح ثلاثة من أخوتها على السلطة الظالمة وحاكمها الدكتاتور الظالم ، في بيت لا تتوقف فيه الاجتماعات والنشاطات الحزبية والمهنية ، حيث يصعب أن يخلو يوم واحد من اجتماعات اللجان والخلايا الحزبية ، ولجان الاختصاص ، إلى جانب الحلقات الطلابية والشبابية والنسوية ، وتستمر الاجتماعات ساعات طويلة ، بينما تنتظر في الصالة لجان وهيئات وحلقات أخرى ، بعدها تطعم يد ( أم داود ) الكريمة الجميع بسخاء وود عجيبين !! في هذه الأجواء تربت سحر ، لذلك كانت تمتلك قناعة حقيقية وثابتة ، تحولت مع التجربة القاسية إلى إرادة صلبة ، فرغم أنها كانت في بداية حياتها القصيرة ، طالبة في الدراسة المتوسطة ، فقد تركت الدراسة ورفضت وتحدت عمليات التبعيث ، وانتقلت إلى العمل السري الخطير في تنظيم بغداد في نهاية عام 79 على أثر الحملة الفاشية الإرهابية .

فبعد انفلات الحملة الفاشية الإرهابية المنظمة عام 78 ، وانهيار التحالف الخاطيء ( الذي لم يكن لنا نحن الجيل الجديد فيه لا ناقة ولا جمل ولا حتى حمار، ولم نطل على كواليسه الكثيرة !! ) وتوسع حملات الاعتقال والتعذيب ، وعمليات التبعيث سيئة الصيت الشاملة والعامة ، والتي شملت الجميع وركزت على التعليم بجميع مراحله عدا المرحلة الابتدائية ، ولما كانت عائلة الشهيدة سحر أمين من العوائل ( المكشوفة ) والمعروفة الانتماء ، وقد هرب واختفى جميع أخوتها بعد أن تعرضوا للملاحقة والإعتقال ، لذلك أزداد الضغط على الشهيدة سحر وشقيقتها انتصار في المدرسة من أجل الانتماء إلى إتحاد السلطة الطلابي ، أو مواجهة عقوبة الطرد من المدرسة والملاحقة والاعتقال ، وهكذا اختارت سحر الخيار الصعب والقاسي ، وهو ترك الدراسة وما يعنيه هذا القرار من مواجهة وتحدي للسلطة ، وضياع للمستقبل ، وقد انتقلت المضايقات إلى البيت والمحلة والشارع ، عندها قررت سحر وشقيقتها انتصار الانتقال إلى بغداد والالتحاق ببقايا التنظيم السري في بغداد ، وقد اتصلت ببغداد وأجرينا ترتيبات وإجراءات نقلتهما إلى بغداد ، وقد أشرف على العملية الشهيد البطل صاحب ناصر ( أبو جميل ) ، وقد أوصلتهما إليه ، ونقلهما إلى مكان آمن ، وبقيت أتابع أخبار هما من بعيد حتى انتقالي إلى كردستان .

الحكاية هنا تستمر معي وتترابط بمحض الصدفة العجيبة ، وكيف ستتابعد بنا الأيام والأمكنة ، ثم تعود وتلتقي في مشهد بدايته جميلة ورومانسية ونهايته مفجعة ودموية، واليكم الحكاية العجيبة التي أشرفت على جزء من فصولها ، فبعد انهيار الجبهة المشؤومة ، وانطلاق الحملة الإرهابية بشكل علني عام 78 ( لأن الإرهاب موجود منذ عام 68 ) حاولنا نحن الشباب إن نتمسك بالحلم وندافع عنه في المعتقلات والسجون وبقايا العمل التنظيمي وخطوطه التائه وخيوطه المتقطعة ، لذلك عملنا ليل نهار ومن دون توجيهات عليا ( فقد سمح للقيادة والكادر المتقدم بالهروب والمغادرة الرسمية حسب اتفاق مسبق !! ) ومن دون إمكانيات حقيقية ، وسط هزيمة وانهيار شاملين ، أن نعمل ونصمد ، وأن نتحدى فرق الموت !! لذلك قررت مع البقية الباقية من التنظيمات ، أن نعمل ( وهذه حكاية طويلة لابد من سردها في يوم من الأيام ) ونبحث عن المنقطعين تنظيميا ، هنا التقيت واستلمت الشهيد البطل صباح طارش في بغداد ، وهو في عداد مجموعتين كلفت بنقلها إلى كردستان مع بداية تكون القواعد الأنصارية في الجبال القصية . وقد وصلت المجموعتان بسلام إلى القواعد الجديدة عبر مدينة السليمانية ، مرورا بمدينة حلبجة ، وأقمنا في قاعدة ( هيرتا ) التي كان يقودها عسكريا الصديق ملا علي وعدد من الكادر السياسي ، والتي تطورت فيما بعد لتصبح قاطع السليمانية .

في قاعدة (هيرتا ) الواقعة في الأراضي الإيرانية المقابلة لجبال هورمان ومناطق طويله وبياره ومدينة حلبجة الشهيرة وقرية عنب ، والتي يفصلنا عنها نهر سيروان ، وتقع مقابل جبل بيفره ميري الشاهق ، بدا لنا كل شيء صعب وغريب وجديد ، وبدت الأشياء والمدن بعيدة وقصية ، والظروف المعيشية والجوية صعبة ولا تطاق والتعامل الاجتماعي غريب بعض الشيء ولا يتوافق مع صفات ومميزات سكان المدن أو القرى الفاضلة !! وهذا ما انعكس بصورة مباشرة وجلية على وضع الشهيد صباح طارش الذي أصبح أسمه الحركي الجديد ( ثائر ) ، وبدأ الخلاف مع المحيط القاسي الجديد يظهر ويتعمق ، والذي كان يعترض ويسخر من كل الأشياء ، بما فيها حلاقة الشارب أو تنظيف الأسنان بالفرشاة بعد الأكل أو قبل النوم ، ربما لاعتقاد البعض من هؤلاء الخلق بأن هذه العادة انتقلت لنا من البرجوازية الرخوة !!

باختصار شديد فقد أصطدم الرفيق ثائر بهذا الوضع وأختلف معه ، ومع كل التفاصيل الجديدة القائمة هناك في معزلنا ألغرائبي الذي كنا نطل من خلاله على العالم ، وأتخذ قراره الخطير بالعودة إلى تنظيمات الداخل ، وهنا دخل في مشاكل جديدة وخلاف جديد ، فهل يعود بشكل شخصي ، أم يعود مع الحزب ؟؟ وقد سمع كلاما كثيرا وقاسيا ، لكنه لم يتنازل أو يتراجع في مطلبه بالعودة ، لشعوره بعدم فائدة وعدم جوى البقاء ، وهكذا عاد في النهاية بعد صراع طويل ، وقد أرسلت معه رسائل طويلة خاصة إلى الناصرية ، ويبدو أنه ومن سياق الأحداث التالية عثر على التنظيم الحزبي ، والتقى بالشهيدة سحر من خلال الشهيد الجميل صاحب ناصر ( أبو جميل ) ثم تزوج من سحر التي كان يعرفها ، وتربطيهما علاقة عائلية قوية جدا ، فصباح كان واحد من أعضاء الخلايا واللجان والحلقات الطلابية التي تجتمع في بيت سحر ، وهو صديق جميع أخوة سحر ، وهما يسكنان في محلة واحدة وهي محلة الإسكان في الناصرية ، ومن هنا تجمعت خيوط الحكاية الرومانسية الحزينة ، ويبدو أنهما عادا إلى الناصرية بشكل سري ، وكونا بيتا للزوجية وللعمل الحزبي ، واقتحما مكامن الخطر ، ومارسا العمل والنشاط في الخطوط الأمامية كما يوصف هذا العمل البطولي الجريء . ويبدو كذلك أن كلاب السلطة وجواسيسها وصلوا إلى ذلك البيت ، من خلال عنصر تافه يعرفهم ووشى بهم تلك الوشاية القاتلة ، وجاءت القوات الحكومية وطوقت البيت وطالبت سحر وصباح بالاستسلام ، لكنهما كانا قد اتخذا القرار الصعب بالمقاومة حتى النهاية ، وعدم الاستسلام الذي ستكون نهايته بشعة ومأساوية كذلك ، ودخلا في مواجهة عسكرية بطولية مع أوغاد وكلاب السلطة ، انتهت باستشهاد صباح واعتقال سحر التي كانت حاملا ، ونقلها إلى معتقلات الفاشية السوداء ، وتعرضا الى صنوف العذاب والإنتقام الوحشية ، ثم محاكمتها في محاكمهم الخاصة وإصدار حكم الإعدام الظالم بحقها ، وانتظار موعد ولادتها ، وبعد الولادة نفذ حكم الإعدام بالصبية الجميلة والصلبة سحر أمين منشد في سجن أبو غريب الرهيب ، لتقوم دورة الحياة بميلاد الطفل الذي ربما أسموه على أسم أبيه صباح ، وتكتب الحياة صيرورتها ومشيئتها الخاصة التي تعاند وتتجاوز أعدائها دائما !!

مثلما كانت سحر صبية جميلة وبرئية وصلبة وقوية ، كان صباح طارش شابا وسيما ، فارع القامة وقوي البنية مليء بالحيوية ، ومؤدبا أدبا جما وعاليا ، لذلك ن قتلتهما الفاشية القذرة ، لأنها ببساطة تكره الجمال والحياة ، لكن على الفاشية أن تدفع الثمن في القصاص الوطني العادل لكل من قاد ونفذ وشارك في هذه الجرائم البشعة ، والتي لاتنسى مهما طال الزمن !!



سحر أمين منشد وصباح طارش ( ثائر ) . نجمان عليا في سماء الوطن

 

**************


الشهيد مناضل عبد العال موسى / مؤيد

أحمد الناصري

2004 / 12 /13

ولد الشهيد الخالد مناضل عبد العال موسى ( مؤيد ) في مدينة الناصرية / قضاء الشطرة عام 1959 ، ونشأ وتكون في عائلة شيوعية ثورية ومناضلة ، حيث إن والدة الشهيد عبد العال موسى ( أبو مؤيد ) من المناضلين البارزين في مدينة الناصرية والمنطقة الجنوبية . وهو كادر قيادي بارز ومعروف بمواقفه الماركسية الفكرية والسياسية الثورية ، وبمناقبه الشخصية والاجتماعية ونشاطه الجماهيري الواسع ، ورفضه ومعارضته للأفكار اليمينية الانتهازية ، وهو من الرافضيين الثابتين لنهج التحالف الذيلي المهين ، في الجبهة الوطنية مع الفاشية .

في هذا البيت الشيوعي ، وهذه الأجواء الفكرية والسياسية والاجتماعية تربى مناضل ، وهو يحمل هذا الاسم الخاص ذو الدلالة المباشرة والبالغة ، وقد اضطرت العائلة لتغير أسم الطفل إلى فاضل أبان المحنة السوداء بعد انقلاب 63 الفاشي الدموي ، حيث كانت تعيش حالة التخفي والعمل السري ، وتعاني من خطر الملاحقات والمداهمات والمطاردة التي تقودها قطعان الحرس القومي الفاشي ، وتضطر إلى التنقل بين المدن والبيوت الحزبية السرية ومواصلة العمل الحزبي ، وقيادة المقاومة للفاشية .

في مدينة الناصرية ، تلك المدينة اليسارية والثورية ، تلك المدينة الثرية بتناقضاتها الفادحة ، والثرية بالفقر والإهمال والحرمان المتعمد ، مدينة الثقافة والوعي الاجتماعي والسياسي الراقي ، مدينة لا تثق إلا بنفسها ولا تؤمن بالرئاسات ، مدينة الأهوار والفرات والنخيل والمقاهي والغناء والشعر ، ومدينة الطيبة والبساطة والوضوح . في هكذا مدينة بدء يتكون الشاب الواعد مناضل ، وقد انتسب إلى إتحاد الطلبة العام منذ الصف الأول المتوسط ، وبذلك يكون عمره عندما بدء العمل السياسي والتنظيمي لن يتجاوز 13 عام !! وهذا العمر المبكر جدا يجعله يكسب خبرة ومعارف جديدة ، كما ينقله إلى عالم صعب ومعقد وخطير ، فيه كل أنواع العذاب والقلق والمشقة خاصة في بلداننا الإستبداية ، وهذه من المفارقات العجيبة الخاصة بمجتمعاتنا .

في بداية السبعينات كانت مدينة الناصرية لا تزال مركزا للحركة الشيوعية العراقية ، وهوما يمثل امتداد طبيعي لتاريخ المدينة الطويل ، ومحاولات التأسيس الرائدة في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي ، وكان إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ، قد شكل حركة طلابية جماهيرية واسعة ونشيطة ، رغم الملاحقة والإرهاب الشرس الذي مارسته المنظمة الطلابية الفاشية التابعة للسلطة بقيادة طاهر خلف البكاء ، الوزير الحالي في الحكومة التي نصبها الاحتلال ، وكل المنظمات والهيئات القمعية من أمن وجيش شعبي ومنظمات حزبية !!

لقد شارك شهيدنا مناضل في جميع نشاطات وفعاليات اتحاد الطلبة المهنية الثقافية والاجتماعية والسياسية ، ثم أصبح عضوا نشيطا في الحزب الشيوعي العراقي ، وتعرض إلى الضغط والمسائلة من قبل المنظمة الطلابية الإرهابية ، بعدها انتقل إلى بغداد حيث أصبح طالبا في الجامعة التكنولوجية ، في بغداد أيضا ساهم في عمل ونشاط الحزب الشيوعي أثناء وبعد الحملة الإرهابية الشاملة عام78 وانتهاء وفشل التحالف الذيلي المشئوم ، وظل يواصل عمله السري الهاديء ، وساعد أعداد كبيرة من الرفاق الهاربين والمتخفين في بغداد ، ووفر لهم أماكن التخفي ومستلزمات الإقامة والمعيشة رغم الظروف الخطيرة التي يمر بها شخصيا .

بعد إنهاء دراسته الجامعية أنتقل إلى كردستان والتحق بقاطع أربيل لحركة الأنصار التي بدأت بالتجمع والتكون منذ نهاية عام 79 في المعاقل الحدودية الجبلية البعيدة . وفي كردستان ساهم الشهيد في العمل الفكري والسياسي والعسكري والتنظيمي ، وأقام عدد من المعارض التشكيلية والفنية في قواعد الأنصار ، حيث كان يهتم بالرسم والخط والتصميم، وهو طاقة شابة رائعة وواعدة ، خسرناه في حومة الصراع والمقاومة ضد عدو شرس !!

وقد عانى الشهيد البطل من إضظهاد القيادة اليمينية المتخلفة له ، نتيجة مواقفه الفكرية والسياسية الرافضة للنهج اليميني المسيطر على الحزب ، ونتيجة لجهلها و عدم فهمها لظروف وإمكانيات وأساليب العمل في الداخل وقد أدليت بشهادتي لصالحه وكتبت رسالة توضيحية لقيادة الحزب ، ومن الأحداث والمفارقات النادرة والمؤلمة التي تعرض لها الشهيد على يد لجان التحقيق التي كان يقودها شرطي ودكتور معروف في كردستان ، إن الشهيد كان قد خطط قصيدة مشهورة ومتداولة بيننا للشاعر سعدي يوسف أسمها الرايات ، والقصيدة فيها إشارات واضحة للرايات الرطبة والتي تعاني من النسيان و العفن ، وقد استدعاه الشرطي - الدكتور ليحقق معه ، ويسأله لماذا ترسم قصيدة الرايات ؟؟!! هل سمعتم بهكذا تحقيق وهكذا سؤال في داخل حزب شيوعي ، يفترض أنه يحترم الفكر والشعر والتشكيل ؟؟

استشهد الرفيق مؤيد وكان هذا أسمه الحركي ، وهو أسم شقيقة مؤيد المقيم في هنكاريا ، في أحد قرى بهدينان في كردستان - العراق بعد معركة بطولية خاضتها مفرزة أنصارية ضد أعداد من الجحوش المرتزقة والقوات الحكومية في عام 86 ، وكان بن27 عام فقط ، ليؤكد ويرسم صفحة خاصة من صفحات النضال معمدة بالدم الطاهر الثمين للبطل مناضل عبد العال بن مدينة الناصرية ، التي قدمت العشرات والمئات من أبناءها في الصراع المرير والطويل مع الفاشية المتخلفة .
كان الشهيد مناضل عبد العال (مؤيد ) مثالا رائعا للإنسان الطيب المتسامح والحميم في علاقاته الاجتماعية والإنسانية ، وكانت تربطني به علاقات شخصية وعائلية قوية وخاصة ، امتدت من الناصرية إلى بغداد و كردستان وتشابكت مع عائلة الشهيد ، وكان (مناضل ) حضاريا وأنيقا رغم الظروف الصعبة المحيطة به ، وهذا شيْ نادر في حياة الجبل الصبعة والقاسية ، كما كان شجاعا في مواقفه الفكرية والسياسية والعسكرية ، وقد أختار الوقوف مع التيار الثوري ضد النهج اليميني المتخلف في الحركة الشيوعية العراقية.

للمجد الخالد صديقنا ورفيقنا مناضل عبد العال ( مؤيد )
ستبقى معنا في الناصرية وفي كردستان ، ستبقى معنا في عراقك الذي دافعت عنه حتى الموت !! سنبقى نحمل الرايات الناصعة ، التي هي راياتك ، وسنبحث عن قبرك المجهول ونقيم لك مأتما وذكرى تليق بالشهداء والصدقيين الأبطال ، سنحملك إلى مدينتك الأولى والتي لا تنسى أبناءها مهما بعدوا ، ونقيم لك ضريحا ومقاما خاصا ، ونرفع فوقه تلك الراية التي تعشق وتحب!!

صديقك ورفيقك أحمد الناصري ( أمين (

 

**************

 

المجد والخلود للشهيد منتصر- مشتاق جابر عبد الله

محسن صابط الجيلاوي

2005 / 3 / 27

لقد قرأت بحزن مقالة الأخ- أحمد الناصري- عن المناضل والإنسان - الشهيد منتصر - الذي عايشناه عن قرب وعرفنا معدنه القوي والشجاع..، أشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بالمرارة والأسى وحجم الخسارة عن ضياع أحلام شبيبتنا بعراق يحفظ تطلعاتهم وأملهم بغد أفضل...لقد ضيعنا وحرمنا الطغاة وأشباههم بان تكون لنا ولو فسحة بسيطة من الحرية ومن احترام الإنسان كقيمة عليا حافظة ومنتجة للفكر الإنساني...


الشهيد منتصر هو صورتنا جميعا، نحن أبناء الصدفة أن نبقى أحياء..كانت الخطة أن نموت بلا قبور وبلا شواهد، لكي تبقى قلة قليلة سارقة لهذا الوطن ولروحه ولأي جذوة للخير والحب...منتصر أنتمي للوطن بروحة وجسده الشاب، دافعا أغلى ما يملك – الحياة- ثمنا لذلك...، سيرته إدانة لحماقة الايدولوجيا وتلك القيادات الأمية السافلة، انها سيرة تعبر عن وجع العراق، عن وجع الذين حلموا بأن الوطن قادم في صورة أبهي وأجمل.. لكن أولئك الذين امتهنوا دمنا وحولوه إلى مغانم ومزايدات ومهنة وعيش رغيد، كان لابد لسلطتهم من دماء تُسفح ومن غدر لكل من يقول لا جريئة وقوية..أعترف أن ما أراده منتصر كان بسيطا وعاديا بكل معايير النقد التي نعرفها اليوم..كان يريد حزبا نظيفا منتميا للناس، قائما على الحب والسعي المخلص من أجل العراق...لهذا لم يكن لسكرتير نكره إلا أن يوعز بسجنه مع رفاق آخرين، وسواء نتفق أو نختلف مع أفكارهم لم نكن نصدق أن تقوم قيادة جبانة بهكذا ممارسة وتتفتق عقيرتها عن سجون وعن جلادين قاموا بواجبهم إزاء جسد وروح رقيقة وشفافة وشاعرة كالتي يمتلكها الخالد أبدا الشهيد منتصر...

أتمنى من الحزب الشيوعي وبروح ديمقراطية ملحها التجديد الذي يدعيه أن يمارس النقد العلني والواضح إزاء هذه الجريمة ومرتكبيها..

نحن أصدقاء الشهيد وأهله وسائر محبيه نريد وبلا تأخير معرفة مكان جسده الطاهر، ظروف استشهاده، ممارسة علنية بنقد هكذا تصرف، تحديد من وقف وراء هكذا جريمة، إبلاغ أهله وأن يعاد تكريمه كشهيد قدم حياته من أجل حريتنا جمعيا...تلك هي أبسط الخطوات التي على الحزب واجب إتباعها للتخلص من ماضي مريض ومهزوم...وليعرف بعض المدعين ان هزيمة الحزب في الانتخابات كان وبلا شك أحد أسبابها هو دم الشهيد منتصر الذي هو محل تساؤل من كل شريف ووطني ينتمي حقا ليسار عراقي نظيف...

إذا للسياسة بعض من حساباتها التافهة لتغييب جرائم- كما( يُفعل) مع جلال الطالباني- اليوم، لكن المؤكد ان أهالي الضحايا الذين سقطوا بالحروب الصغيرة العبثية سواء في بشتشآشان أو بارزان أو غيرها سيحملون هذا الهم دوما حتى يعاد لهم ثمن الدماء الغالية التي لا تعوض والتي ذهبت غدرا وعدوانا...!

هل في التاريخ أم أو أخت أو أخ أو أب أو عم أو....ينسى ذلك العذاب بفقدان عزيز..؟؟هل جربتم مرارة ذلك..؟؟

لا تصدقوا أن الدم يذهب بلا حساب، فالدائرة تدور، وليس من حد يستطيع أن يوقف عجلة التاريخ...!

والله ! أرى كل شهيد يتجول مرفوع الرأس، أما القاتل له( الحيط)، يجلله الخزي..!

القاتل يتلفت مذعورا، يعيش الخوف كل لحظة تلاحقه دائما لعنة وعار وهول الجريمة... ، أي حياة يمتلكها..؟

أهالي الضحايا على يد هذا وذاك تقول بالتصالح وبالحوار وبالمعروف لماذا لا، فهذا نصف الطريق للاعتراف بالخطأ.....عكسها الثأر قادم...ويا الويل: للقتلة...!

قد يكون القاتل رئيس قادم أو سياسي فاشل ولكن ليعرف كل من استرخص دمائنا ان خلف كل شهيد راية وحناجر تصدح بالحق

( وين يروح المطلوب إلنه )..نقولها دائما: الأيام هي الفاصلة..!!

 

**************

 

في ذكرى 14 نيسان الطلابي :

رسالة الى الشهداء قادة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية

(علي جبار سلمان ـ خالد يوسف ـ منعم ثاني)

لن يفلت الجلاد

صباح زيارة الموسوي

2005نيسان 14

رفاقي وأعز الاصدقاء

انني حين استرجع لحظات اللقاءات الاخيرة معكم , والوحش يطاردكم في بغدادكم عام 1979لا ارى الا صورة التحدي الصارم ترتسم على وجوهكم الجميلة
صورة وقورة لم تفقد الابتسامة رغم تقدمكم نحو الموت المحقق , في معركة ابيتم الا ان تعلنوا فيها لصدام وللقادة الهاربين ايضا , بانكم سوف تستشهدوا شامخين

وجوه مصممة على امر واحد … تحدى الجلاد صدام حسبن مهما كلف الثمن… وكنتم لها فاستشهادكم البطولي رفعكم الى السماء , ودفن المجرم في حفرة خوفا من الموت , وهاهو يقبع ذليلا في سجن اسياده الامريكان

لقد وقفتم في حفل زواجي لتستقبلوا الضيوف , في صف شبابي طلابي رفيع المستوى , تحدى قرار الطاغية المجرم بحل اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية عام 1975 . فقد كان اختيرنا ليوم 14 نيسان 1976 ليكون عرسا طلابيا , احتفاءا بذكرى تأسيس اتحاد الطلبة رغم الطغاة , وكنتم انتم منارات عرس طلابي , وماكان لحضور المئات من طلبة بغداد الا تعبيرا واحدا هو تحدي الجلاد واتباعه القيادة اليمينية الانتهازية

وحين نعود الى الوراء , بسنوات قليلة , تتصدر وجوهكم المتحدية المشهد الطلابي , فانتم طلبة ثانويات الجعفرية ـ الشرقية ـ قتيبة , من قاد معركة الحلوى " الجكليت" حين اشرفتم على حملة توزيعه في ذكرى تاسيس الاتحاد في يوم اعلن فيه اتحاد السلطة " الاتحاد اللاوطني " بانه لا يوجد اتحاد طلابي عراقي يحمل اسم اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية , اذ وزع " الجكليت" ملغوم بشعار ـ عاش اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية, فكان شعار تحدي وفضح لنظام العفالقة الدموي

لقد قدتم ايها الشهداء الاحبة المسيرة الطلابية الكفاحية , الديمقراطية والحزبية وانتم على مقاعد الدراسة الجامعية في الفلسفة والاقتصاد والتكنلوجيا, فلم يطق الجلاد ذرعا بتحديكم المتواصل لنظامه الفاشي فاصدر امره بحل اتحادكم المجيد , وهدد بالغاء " الجبهة الوطنية " ان لم تذعن قيادة عزيز محمد لذلك , فاذعنت كعادتها ونفذت , غير ان المجرم صدام كان واهما كعادته هو ايضا , فقد حافظتم على رباطة الجأش وواصلتم قيادة الحركة الطلابية برمتها عبر القيادة الطلابية الحزبية

ولكن … لم تمر سوى اعوام معدودة لتتركوا فريسة للجلاد المتعطش لدمائكم الزكية , جلاد حاقد لا يشبع من مص الدماء , مدججا بكل انواع الاسلحة , وانتم لا تحملون سوى سلاح الايمان بقضية شعبكم وارادتكم الحديدية التي لا تقهر …. ومرت سنوات التعذيب المريرة حتى يأس الجلاد من امكانية تنكيس رؤوسكم الابية , فأختار طريقة الجبناء في تصفيتكم لترتفعوا الى السماء لا طمعا بجنة ولا خوف من نار , بل وهبتم حياتكم في عز الشباب من اجل الشعب والوطن دون مطمح الا باقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية

ان اسياد الجلاد يطيلون بعمره , لكنه سوف لن يفلت من عقاب الشعب , هاهو يعيش مرارة عار الهزيمة على يد اسياده الذين جاؤا لانقاذه ذليلا من ثورة الشعب الا انهم واهمون

لكم مني رفيق وصديق ابطال خيرة شباب العراق كل المحبة والتهنئة في ذكرى تأسيس اتحادكم المجيد اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية
فوجوهكم لم تفارقني ابدا

المجد للشهداء قادة الحركة الطلابية العراقية

علي جبارسلمان ... خالد يوسف ... منعم ثاني

رفيقكم وزميلكم
صباح زيارة الموسوي

**************

 


هلهلي أم علي فقد شنق المجرم صدام قاتل عليا البطل

صباح زيارة الموسوي

2007 / 1 / 8



اليك ام الشهيد علي جبار سلمان القائد الطلابي الديمقراطي المقدام الذي قدم حياته فداء لحرية الوطن ابان الحكم البعثي الفاشستي, في زمن كان يجثم فيه اعتى واقوى نظام فاشي دموي على صدور ابناء العراق

ان اعتقال عليا في 1980 واذاقته ابشع انواع التعذيب على مدى سنوات ثلاث في اقبية المجرم صدام حسين, حتى استشهاده مرفوع الراس في عام 1983 قد قدم المثل الاعلى للشباب العراقي في الموقف الوطني الحق ضد اعتى جلادي العصر

لقد بقيت يا ام علي تبكين عليا لربع قرن من الزمان , وحين التقيتك والعائلة الكريمة للمرة الاولى في بيت الشهيد الغالي علي , بعد ربع قرن من الزمان, لم اجد الفرحة في عينيك الذابلتين حزنا , رغم اعتقال الجلاد , بل جريان الدموع من عينيك ظل يسري نحو حلم رؤية بكرك العزيز على وحبيب قلوبنا جميعا , صديقنا ومثلنا

اليوم وقد شنق المجرم صدام حسين , لم يبكيه سوى مرتزقته , قاذروات المجتمع , اما انت يا أم الشهيد الوطني الثوري علي , فأرجوك بأسم علي وذكراها العطره ان تهلهلي , هلهلي , هلهلي , فأن الشهيد الحبيب علي يسمعك

,
صدقني يا أم علي , فقد حلمت به وقبلته , فعاتبني على دموعي , الدموع ذاتها المنهمرة الان , وأنا أكتب اليك , اذ قال لي , ما بالك؟ حينها ظهر الى جنبه أعز الاعزة اليه والي , القائد الوطني الوطني الشهيد خالد يوسف والقائد الوطني الشهيد منعم ثاني


وما ان صحوت سجلت سطورا متواضعة لك .. عساها تصلك

المجد للشهداء من أجل الوطن ...الشهداء من أجل الشعب

المجد لشهداء الوطن من أجل التحرر واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية
المجد للشهيد علي جبار سلمان
مزبلة التأريخ هي مصير صدام وامثاله من الفاشيين والطائفيين والعنصريين
النصر للعراق ... الخزي والعار للخونة والعملاء



**************

 

ام الشهيد علي جبار سلمان ..انك الرمز للأم العراقية المعطاء ..فمنحت الوطن الشهيدالقيادي الطلابي علي جبار سلمان من اجل وطن حر وشعب سعيد

صباح زيارة الموسوي

2006 / 3 / 8


حين عدت الى العراق بعد ربع قرن من المنفى , سوية مع صديق الصبى والعمل الطلابي الديمقراطي ابو سلام , لم نتحدث لا هو ولا انا عن ماهية وطبيعة مشاعرنا لحظة دخول ارض الوطن. لكننا ودون اي ترتيب انخرطنا في الحديث عن ذكريات الشباب والرفقة والصداقة ورموز هذه المرحلة من الرفاق الذين كانت قد خطفتهم منا يد البعث الفاشي في نهاية السبعينيات وغيبتهم في اقبية التعذيب الجهنمي حتى لحظة الاستشهاد بعد سنوات من البربرية البعثية الفاشية في تعذيب هؤلاء الشباب الذين كان غالبيتهم في السنة الاخيرة من دراساتهم الجامعية , تلك الفرحة المنتظرة التي قد طال انتظارها من قبل الاهل عموما والامهات خصوصا

فعلي كان في سنته الاخيرة -فلسفة- والشهيد القائد الطلابي منعم ثاني كان في سنته الاخيرة - الجامعة التكنلوجيا وهو ابن خالة رفيق رحلة العودة الى الوطن وصديق طفولته وصباه وشبابه الرفيق ابو سلام , اما الشهيد خالد يوسف فقد كان في سنته الاخيرة -كلية الادارة والاقتصاد

لقد كانت ام الشهيد علي مثالا للام المكافحة في ظل ظروف عائلية صعبة الزمتها ان تكون المعيل المساعد للأب الاقتصادي للعائلة , فقد امتلكت العائلة بسطية لبيع الفواكه والخضروات في سوق المحلة الشعبي , وحين كانت تضع ربع دينار يوميا تحت وسادة ولدها علي لتمكنه من التخرج وبالتالي مساعدتها على استكمال مشوار العائلة الى بر الامان , كان اكثر مايؤرقها الوضع الصحي لعلي , فتشكي لنا نحن اصدقاؤه وهي تقدم البيبسي لنا مقاطعة علي للفاكهة فهو لا يحبها ويدخن كثيرا !! فما كان منا سوى مداهرة عليا امامها باعطائه النصائح المكرورة الي يكره سماعها

ظلت ام علي على هذا المنوال من الكفاح , وظللنا نزور علي في غرفته النظيفة دوما فأم علي لا تسمح بدخول ايا كان غرفة عزيزها علي خلال غيابه من المنزل , وهو الذي يعود متأخرا في المساء لانشغاله في العمل الطلابي النضالي وتطوعه لدار الرواد من اجل توزيع جريدة الحزب " طريق الشعب " فجر كل يوم قبل الذهاب الى الجامعة او القيام بحراسات مسائية في مقر بغداد للحزب الشيوعي العراقي

كانت ام علي تمتلك حسا شعبيا كبيرا , ولديها القدرة على تقييم الناس , مما يغضب علي احيانا خصوصا حين يتناول تقييمها احد اصدقاء علي , وقد دارت الايام لتثبت صحة الحس الشعبي لام علي فكم حذرته من احد اصدقاؤه { الخائن ناجي حسين } الذي تطوع لاحقا للتعاون مع اجهزةالامن الفاشية للايقاع برفاق الامس اما الاخر فقد لعب دورا قذرا ليس مجال ذكره الان

لقد خطف البعث الفاشست حلم ام علي , فاعتقلوه امام عينيها , بعد ان "زاره" ثلاثة من كلاب البعث محذرين , فما كان من علي ابن ام علي البطلة سوى ان يؤدبهم ويرميهم في مجاري الجادة , وهو الشاب النحيف الاسمر , الذي اطلقت عليه انا شخصيا اسم علي بوتو لشبه بينه وبين رئيس الوزراء الذي كان قد اعد م في باكستان وسرى لقبا له , فهربوا مرعوبين مهددين

هاهي ام علي تشهد لحظات زفاف العزيز علي نحو الاستشهاد فتتابع اخر حركاته التي ستنطبع في ذاكرتها الى الابد , وهي تراقب اغتسال علي وتطيبه بالعطور وارتدائه احلى ملابسه ليجلس منتظرا متحديا الكلاب البعثية المسعورة في طريقها لالقاء القبض عليه , ولم يطل مشهد زفاف علي طويلا حتى جاء جلاوزة صدام ليخطفوا عليا من الام مرة واحدة والى الابد , ذهب علي ومعه كل احلام ام علي الا حلم جديد احتواه رأس ام علي وقلبها وروحها منذ لحظة الاعتقال … الامل برؤية علي ثانية … حلم لم يتحقق فاستشهاد علي حل محله صورة غامضة في ذهن ام علي التي اصبحت تكنى منذ سقوط الطاغية وتأكد الاستشهاد البطولي .. بأم الشهيد علي , الذي تراه نجمة تسبح جنب الى جنب مع نجوم الشهداء جميعا واصدقاؤه الاقربون خصوصا النجوم السابحة في سماء العراق الشهيد منعم ثاني الذي احب عليا حتى الموت سوية والشهيد خالد يوسف الذي ابى الا ان يلتحق برفيقيه وصديقي مسيرته البطولية , نجوم تسبح في سماء العراق من اجل وطن حر وشعب سعيد

لقد بكيت على كتف ام الشهيد علي صديق عمري ورفيق الدرب, بكيت وهي تبكي وتقول اشم رائحة علي .. المجد والخلود لك يا علي والخزي والعار لقتلتك الذين سلموا الوطن للمحتل , هاهم يرزحون في اقفاص اسيادهم اوغاد جبناء

الفخر والاجلال لأم علي في عيد المرأة كأم عراقية قدمت اغلى ما تملك في هذه الدنيا من اجل الوطن والشعب

الفخر والاجلال لأم الشهيد البطل منعم ثان وهي ترقد في ثراها اما لبطل من هذا الزمان

الفخر والاجلال لأم الشهيد البطل خالد يوسف وهي ترقد في ثراها أما لبطل من هذا الزمان

الفخر والاجلال لامهات وزوجات واخوات وحبيبات شهداء الحرية والكرامة الانسانية في قافلة سوف لن تنقطع حتى انتصار قضيتنا العادلة في اقامة وطن حر وشعب سعيد



 

**************

 

رسالة خاصة جدا.. وبرقية تهنئة الى الشهيد الشيوعي العمالي جواد كاظم الموسوي:

رسالتي.. اتذكر يا جواد كيف اغتال انقلاب 8 شباط الاسود طفولتنا؟

برقيتي.. لقد شنق قاتلك المجرم العميل صدام حسين

صباح زيارة الموسوي

2007 / 2 / 8



الا زلت تذكر لعبنا الطفولي وذهابنا المشترك الى مدرسة الموارد ؟ وخروجنا قبل وقع الانقلاب الاسود في تظاهرات , نحمل فيها سعف النخيل , هاتفين " ديغول اطلع بره الجزائر صارت حرة

الا زلت تذكر المضمد الكردي ابو شكرية ؟ الطيب القلب , الحنون , فقد كان طبيب المحلة بالمعنى الحرفي للكلمة , بيته- عيادته مفتوح ليلا نهارا , ليستقبل الجميع بلطفه المعهود , صغارا وكبار

الا زلت تذكر القابلة الماذونة التركمانية؟ مولدة جميع اطفال المحلة , وكيف تحول منزلها الى ما يشبه مركز اتصالات , بعد حصولها على اول تلفون في المحلة , كم كانت طيبة وكريمة هذه العائلة, فكم مرة طرق باب بيتها في منتصف الليالي لاجراء مكالمة طارئة , بل أن العائلة بجميع افرادها تستقيض من النوم وتحيط بالمتصل بكل حنو وقلق للاطمئنان عليه

الا زلت تذكر المدرس الصابئي ؟ مدرس اللغة العربية ومشيته الوقورة ذهابا وايابا الى المدرسة, كم كانت زوجته طيبة , وصديقة ودودة لجميع امهاتنا, فكانت هي من ضيفنا , حين سقط تلفزيوننا وتحطم , لنشاهد التلفزيون معا في بيتهم الانيق الترتيب حتى جاء والدي بعد ايام بتلفزيون جديد

الا زلت تذكر جارنا الشيخ ذو العمامة البيضاء؟ كم كنا نمازحه هو وجدنا ذو العمامة السوداء , خصوصا حين يصادف ذهابنا الى المدرسة صباحا , موعد خروجهما , الشيخ بعمته البيضاء والسيد بعمته السوداء, فقد كان كل منهما لا يكف عن ممازحتنا بعد تحية احدهما الاخر , بالرغم من مظهريهما الجدي الوقور

الا زلت تذكر مباريات كرة القدم بين الفرق المتنافسة الثلاث؟ فريق محلتنا( الوشاش) وفريقي المنكوبين وحي الزعيم, هذا الحي الذي غير اسمه انقلابي 8 شباط 1963 الاسود الى الحي العربي , لكننا بقينا نحن نسميهم فريق حي الزعيم رغم انف الفاشست

الازلت تذكر بقال عطار المحلة؟ و اللقطات الطريفة التي نشهدها عند محله , منها ان جاره المطرب داود العاني وخروجه غاضبا على الاطفال , بسبب حرمانه من قيلولة الظهيرة , ناهرهم بقولته الشهيرة " هو ماكو شباك غير شباك غرفتي لتلعبون لعبة مراهنات البيبسي تحته " , او منظر كناس – زبال المحلة طويل القامة المتصبب عرقا دوما , وهو يجرع مشروبا غازيا باردا مع لقمة خبز هي كل وجبة الغداء, وكم ضحك منا مرة حين سقطت ذبابة في طاسته فرماها واكمل الشرب , معلقا على اشمئزازنا " انشالله تريدوني اذب المشن",لا اعرف اسباب فضولنا بمشاهدته الممزوج بحبنا اليه , لكن اهم تلك اللقطات , واكثرها وقعنا في نفوسنا , حين شهدنا تجمعا كبيرا من رجال الحارة عنده , يضربون كفا بكف اسفا على سماع خبر انتحار شاب من شباب الحارة , فقد كان حدثا عظيما ان مات شابا , فكيف به ان مات منتحرا, فلم يكن يخطر ببال هؤلاء الرجال ولا حتى بالخيال , بان العراق كله , وليس محلتنا وحدها , سيتحول الى ساحة موت وقتل جماعي لشبابه منذ لحظة الانقلاب البعثي الفاشي الامريكي الصنع في 8 شباط 1963 الاسود


الا زلت تذكر يا جواد العزيز طفولتنا الجميلة ؟ التي حطمت فجاة على ايدي قطعان الحرس القومي البعثي الفاشستي , حين اقتحمت منزلنا الجميل في انقلاب 8 شباط الاسود 1963؟

الا زلت تذكر مشهد منتصف الليل ؟ حين هرعنا مرعوبين من فراشنا الدافئ في منتصف الليل على اصوات صراخ القطعان الفاشية, لنشهد اسلحتهم مشهورة بوجه ابي وعمنا وجدنا

اتذكر السجون في بغداد وكركوك التي زرناها بصحبة الاهل للقاء الاعمام والاخوال الشيوعيين الذي وقعوا في قبضة البعث الفاشست؟

لقد اغتالت قطعان البعث الفاشي طفولتنا , فمنذ ذاك اليوم الاسود لم نعد نلعب كما كنا, وشببنا على فكر ثوري يهدف الى تحرير الانسان , وقصة شبابنا هي ذاتها قصة كل الشبيبة العراقية الثورية

فقطعان البعث ذاتها التي كانت قد اغتالت طفولتنا , كما اغتالت ثورة الشعب العراقي , ثورة 14 تموز 1958 المجيدة , هي ذات القطعان السوداء التي اغتالت شبابنا بعد عودتها الى اغتصاب الحكم مجددا في انقلابها المشؤوم الثاني 1968 , فلم تمر الا سنوات , وكأن هذ القطعان تنتظر الاطفال ان يشبوا حتى تنقض عليهم كالوحوش الكاسرة , وهذا ما جرى معك بالضبط , ايها العامل الشيوعي البطل , حين وقفت بوجه القتلة , وتحملت كل اساليب التعذيب القذرة , لتستشهد واقفا عام 1983 بعد سنوات من التعذيب الهمجي في احدى اقبية التعذيب البعثية القومجية الفاشية , وانت في بدايات العشرينات من عمرك

لقك كنت ايها الشهيد البطل ورغم الظروف الحياتية القاسية التي عشتها , كنت انسانا متفائلا, ولا انسى طالما حييت تلك اللقطة الاخيرة في محطة حياتنا الاخوية والرفاقية المشتركة , خاتمة حياة الطفولة والصبا والشباب , أخر لقاء بيننا عام 1979 في شارع ابي نؤاس , وبعد حديث طويل عن ما آلت اليه الاوضاع , وما انت فاعل للخلاص من امكانية الوقوع في قبضة الفاشست , ورفضك عرضي في أن اساعدك على الذهاب الى كردستان العراق, فكان قرارك البقاء في بغداد العزيزة حتى الموت , واذا بك ترقص رقصة فرحة جميلة لحظة سماعك لاغنية عبدالحليم حافظ في صوته العذب القادم من احدى المقاهي البغدادية المترامية على نهر دجلة الخير, التي تقول " اي دمعة حزن لا لا" عندها قبلتك وافترقنا , فلم يدع البعث الفاشي لنا متسع من الوقت لنعيش معا او نلتقي مجددا , فكما اغتال طفولتنا في انقلابه الفاشي الاسود في 8 شباط 1963 , فقد اغتال شبابنا ونحن في مقتبل العمر , بين شهيد ومنفي


برقية تهنئة

ايها الشهيد العزيز على قلبي: اخي وصديقي ورفيقي العامل الشيوعي البطل جواد كاظم الموسوي

انبئك بخبر عظيم , فقد شنق قاتلك المجرم صدام حسين , فذهب الى مزبلة التأريخ

ارجوا منك ابلاغ الخبر للنجوم الساطعة معك في سماء العراق , شهداء حرية العراق وسعادة شعبه

رفيقك وأخيك

صباح زيارة الموسوي


**************

 

الشهيد البروفسور صفاء الحافظ

 

عبدالحسين الساعدي

2008 / 1 /6

قيل إن الثوار تقتلهم أفعالهم ، أما المفكرون فغالباً ما تقتلهم أقوالهم ، فهم يبحثون في المناطق الحساسة والأكثر عتمة لينيروا للآخرين طريق تقدمهم ، وهذا قطعاً لايروق للذين يعملون في الظلام من الحكام والطواغيت المستبدين ، فضلاً عن شعور هولاء الحكام بالنقص والدونية تجاه حملة مشاعل الفكر النير ، وتختزن ذاكرة التاريخ والشعوب قديماً وحديثاً الكثير من أسماء شهداء الفضيلة الذين ذهبوا ضحية لسادية الحكام القتلة ، لا لشيءٍ سوى أنهم كانوا يبشرون بغد البشرية المشرق ، ولنا في التأريخ القريب خير شاهد حيث وحشية النظام الصدامي التوتاري الذي فتك بالعلماء والمفكرين ومن جميع التيارات والمذاهب ، فمنهم من آثر المنافي ليموت فيها على أن لا تتلوث يده بمبايعة القتلة ، أمثال الجواهري الكبير ومصطفى جمال الدين وعبدالوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان ومحمود جنداري وغيرهم ، أما القسم الآخر فكان نصيبه الشهادة أمثال الشهيد محمد باقر الصدر وتوفيق رشدي وعزيز السيد جاسم والبروفسور صفاء الحافظ وضرغام هاشم ود. صباح الدرة وعايدة ياسين وحاكم محمد والمئات من أمثالهم.
لقد مهدت الطغمة الصدامية القمعية التي تسلمت مقادير حكم البلاد في صيف عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين ( 1979 ) ، الطريق الى صعودها المشؤوم في أنقلاب ثانٍ داخل حزب البعث ، بجملة من الخطوات والأجراءات التي بينت معدنها الحقيقي ، وقد ظهر ذلك في سلسلة التراجعات عن أتفاقيتها مع الأحزاب والقوى الحليفة لها ضمن إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ، فبدأت ملامح أنفراط عقد الجبهة من خلال مطاردة وأعتقال الكوادر الحزبية وقواعد ومؤيدي الحزب الشيوعي العراقي الحليف الرئيسي في الجبهة ، فأطلق العنان للأجهزة الأمنية التي أنشأها لهذا الغرض ، وجرت عمليات تصفية وأعدامات لهم ، كما زجَّ بالقسم الكبير منهم في السجون السرية الرهيبة ، وقد كان من بين الشخصيات السياسية والفكرية التي طالها الأعتقال وفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين ( 1979 ) البروفسور ( صفاء الحافظ ) ، وهو من كوادر الحزب الشيوعي العراقي ، ويعمل في مختصة العلاقات الوطنية ، ليطلق سراحه بعد إجباره بالأكراه على ترك العمل الحزبي ، ووضعه تحت مراقبة الأجهزة الأمنية والحزبية.
لقد كانت الحرب المجنونة التي شنها النظام الدكتاتوري ضد الجارة إيران في عام ألف وتسعمائة وثمانين ( 1980 ) مؤشراً آخر على دموية هذا النظام ، وقد لاقت معارضة شديدة من قبل الشعب ، الى جانب رفض وأستنكار قوى التحرر الوطني ، والقوى الديمقراطية في العالم لهذه المحرقة التي أتت على الأخضر واليابس ما حدا بالنظام الشمولي الى شن الحملات تلو الحملات ضد كلَّ من يشك في وقوفه السلبي تجاه هذه المغامرة الرعناء ، وقد أقدمت أجهزة النظام الأمنية على أعتقال العديد من العناصر التي كانت تخشى تحركهم بالرغم من وضعهم تحت المراقبة ، ففي شهر شباط من عام ألف وتسعمائة وأثنين وثمانين ( 1982) ، جرى أعتقال كل من البروفسور( صفاء الحافظ ) و د. ( صباح الدرة ) و ( عايدة ياسين ) الذين كانوا بأنتظار عملية يقوم بها الحزب الشيوعي العراقي لتهريبهم خارج العراق بواسطة أحدى المنظمات الفلسطينية العاملة في العراق ،إلا أن الصدفة كانت وراء إلقاء القبض في مطار بغداد على الشخص الفلسطيني المكلف بإيصال جوازات السفر المزورة والمرسلة من بيروت حالت دون ذلك ، وكانت سبباً في كشف المهمة ومن ثم أعتقال الثلاثة ، وأختفاء أخبارهم وجهل مصيرهم ، بالرغم من المساعي التي بذلها الحزب من خلال المنظمات والجهات الأجنبية الصديقة لمعرفة مصيرهم.
وبعد سقوط النظام الدكتاتوري البغيض ، ظهرت الكثير من الحقائق والأسرار لا سيما فيما يخص الكشف عن مصير السجناء السياسيين والمغيبين وتبين منها أن النظام الفاشستي والدموي قد أقدم على تصفية الشهداء البروفسور ( صفاء الحافظ ) و( د. صباح الدرة ) و( عايدة ياسين ) والآلاف غيرهم ، وبهذا العمل الخسيس قد أضاف هذا النظام المجرم جريمة أخرى الى سجله الحافل بالجرائم التي يندى لها الجبين ، وبذلك يكون العراق ، لا بل حتى الأنسانية قد خسرت البرفسور والمفكر القانوني
(
صفاء جميل صالح الحافظ ) ، الذي وضع السبيل الصحيح والعلمي لأصلاح النظام القانوني في العراق ، كما خسرته حركة السلم العالمي حيث كان عضواً بارزاً في مجلس السلم العالمي ن فضلاً عن خسارة المحفل الدولي للخبير القانوني حيث كان عضواً في اللجنة الدولية لتقصي الحقائق عن الجرائم العنصرية في أفريقيا الجنوبية

المجد كل المجد للشهداء
البروفسور صفاء الحافظ
ود.صباح الدرة
وعايدة ياسين
الخزي والعار للقتلة المأجورين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 )
ننشر هذا المقال بمناسبة الأحتفال بمرور 54 عام على صدور مجلة الثقافة الجديدة عام 1953 ، وقد كان الشهيد أحد مؤسسيها

 


**************

هَمسات حب إلى والدي الشهيد

سُلاف رشيد

2008 / 2 / 14

 

تهدأُ الروحُ حينَ تغفو بين كفيكَ ، وتتنفسُ طيبَ الحنان ِ ، إذ َتمسحُ بهما على شعري ،طفلة ً كنتُ ، وأنتَ تـُداري في روحي نضوجَ أمرأة ٍ ،وأمرأة ً أصبحتُ وأنتَ تــُداري في روحي براءة َطفلة ٍ ،نحلق ُ
بعيدا ً أنا وأنت َ بفضاء ٍ لايسكب ُ أثيرهُ بين جناحينا ، وفي سماء ٍلا تستوعب ُ كلَ أمانينا ، وكأن الكون َ قد خـُلقَ لنا وحدنا ،أنا وأنت َ.
تهدأ ُ الروح حين َ تستحمُ بكوثر ِ الحب ِ الرقراق بعينيك َ،وتنتشي وهي غارقة ٌ ٌبفرح ِطفولي لابتسامتك َ ،فمازالَ بعضٌ من ظلال ِ إبتسامات ِطفولتكَ ،تــُندي إبتساماتَ صباحات ألقوش،ومازال في روحي دفءٌ من ظلالها تلك ، أتدفأ ُ به من وحشة ِ زمهرير ِ الغربة ِ.
تهدأ ُ الروح ُحين َتـُلامسُ أناملكَ وجنتيَّ ،وهي تمسح ُ دمعة ً ، ذرفتها بدلال ٍطفولي ، أنت أشبعتني به ، فأزدادُ دلالا ً ، وتزداد ُ انت َأ ُبوة ً،وتغدو لروحي جنة ً، على ضفاف ِلمسات أناملك َ،فمازلتُ أغسل ُ عينيَّ برحيق ِتلك اللمسات ،حين تحاصرني أنيابُ ذئاب الغربة ِ.
تهدأ الروح ُ حين َتروي لي قصة ً ، عن حطاب ٍفقير ٍ، ينهضُ كل صباح ٍ ، يحملُ على كتفيه
حباله ُوبيده فأسهُ ، كانت طيورُ الغابة ِ تعشقُ غناءهُ ، يعمل ويغني ، حتى يجمعُ كمية ً من الحطب ِ، يكفي ثمنها طعاما لأطفاله الخمسة ،وفي يوم ٍ قائض ،لدغته الأفعى ، وقبل أن يموت ، قالَ لأطفالهِ ، ليس الفقرُ بعيب ٍ، ولكن َّ السرقة َهي العيبُ بعينه ، فأياكم والسرقة ،كنت تروي لي ،وأنا أحاولُ أن لاتغمضَ عيناي ،فصوتك موسيقى الحلم الساكن في كل خلاياي.
تهدأ ُالروح ُحين َأحاورُ خيوط َالذكرى في جدائلي ، وأنتَ تربطها بشريط ٍأحمرَ ، كي تزهو فرحا ً، وتتنفسُ ملئ رئتيكَ حبا ًوأنتشاءا ً ، وكأنني أصبحتُ ملكة ًبالشرائطِ الحمراء ِ ، فيغرق ُ كفي في كفك َ، لتصطحبني لعالم ٍهو الأنقى والأجمل والأبهى ،وتدعوني أفتخارا ًرفيقة َدربكَ.
تهدأ ُالروح ُحينَ أضع ُقدميَّ على مدار ِخطواتكَ ، في طريق ٍتلمستها أنتَ، من قبلِ أن أضع َعليها خطواتي ، فتزهرُ في مسامات جسدي ، زنابق ُ من حب ٍلكل كلمةٍ نطقتَ بها ، أو نظرة َحنان ٍعطرتني بها ، أو همسة َحب ٍ، علمتني كيفَ أن أهمسها لك َمن غربتي المرة ُهذه ،وانت تسكن ُهناك ، في وطن ٍهو أشهى ما أحببتَ ، وبين أحبة ٍ هم أصدقَ ما أخترت َ.
أهمس إليك من غربتي ، همسة َحب ٍ،لأنني أخشى على روحك َ، من حرقة ِالقلبِ التي أحملها بين ضلوعي ، لهذا الفراقُ الذي أمتدَ طويلا ً.
أهمسُ إليك همسة َحب ٍ، لانها تليقُ بك ، لأنك كنتَ تزرع ُالحب أبدا ً

 

**************

نجوم مضيئة في سماء الوطن-من سيرة الشهيدة بشرى صالح (أم ذكرى) في ذكرى مرور ربع قرن على رحيلها

منيرة أميد

27 تشرين الثاني 2008

 

كثيرة تلك الوجوه التي تتعرف عليها في غربتك الطويلة وخاصة اذا طالت لعقود ثلاث مع التغيير في المحطات والمراسي، ولكن القليلة منها تلك التي تنطبع في القلب والذاكرة الى الابد.

كانت مدينة عدن محطتي الاولى في الغربة الطويلة- وجدت نفسي فيها ،وانا لم أفكرحتى بمغادرة مدينتي ،ربما لعشقي والتصاقي بالامكنة عند تعودي عليها حتى اشعر انها باتت جزء مني لا اريد مفارقتها ، فكيف ببغداد حيث الاهل والاصدقاء ومرابع الصبا والشباب. كانت أزقة عدن يومها تعج بمئات العراقيين (فجأة دون سابق أنذار) ممن لم يجدوا لهم ملاذاً من بطش الطاغية سوى في هذا البلد العربي البعيد على حافة الخليج – والذي كان قد تحول بفضل ابناءه الثوار وتجربتهم النادرة الفريدة (التي للاسف لم يكتب لها العمر الطويل نتيجة تأمرالجيران وسذاجة الاخوان؟؟!!) الى مركز لحركات التحرر.

كان لقائنا في عدن اوائل عام 1979، عرفتها بصراحتها ووضوحها وببساطتها منذ اللحظة الاولى ، قالت لي ضاحكة اخذنا عنك نظرة مخالفة لما عن الحقيقة ، كنا نراك من بعيد ، لا تحبين الاختلاط فلقبناك ب"البرجوازية" ، ضحكنا معاً ذلك اليوم ، كما لم افعل منذ مغادرتي الوطن ؟؟؟!!!
كان لقائنا ذاك بداية لصداقة فريدة عميقة وخاصة مع استمرارنا في السكن في نفس الفندق ومن ثم انتقالنا للسكن المشترك. انجذبت لها لعفويتها وصدقها وروحها المرحة ، لم تكن تفارقها النكتة في احلك الضروف وأقساها،

عرفت انها من السماوة ولدت وترعرعت فيها في كنف أخوالها بعد ان رحل والدها مبكراً وفي ضروف صعبة لم يتقبلها ابنائه ، كان الوالد قد ذهب للعمل في الكويت كحال الكثيرين من ابناء الجنوب ، مع تأسيس دولة الكويت ، وعاد في نعش (تابوت) الى عائلته، تلك الفرقة المبكرة للاب وهي طفلة أثر كثيراً في نفسيتها ، وكان يعمق من احساسها بالغربة وربما بالذنب تجاه اسرتها ، لانها و رغم تفوقها الدراسي ، ارتضت لنفسها ان تلتحق بمعهد المعلمات لتختصر الطريق ، وتتولى رعاية اهلها مبكراً . كانت قد اضافت الى عاتقها تربية ابنة خالتها الصغيرة – والتي كانت شديدة التعلق بها و دائمة الاشتياق لها – لم تصدق يوم استلمت صورة من اهلها –والتي اصبحت سلوتها الوحيدة، كانت تخاطب كل من في الصورة في صباحاتها كأول عمل تقوم به ، وكذلك قبل ان تخلد الى النوم.

تعرف اليها زوجها ، في مقر الحزب في السماوة فأعجب بها ، لم تستطع الرفض عندما تقدم لخطبتها ، لانها تصورت انه أمر حزبي ؟؟؟!!! او هكذا كانت تتندر ، أنتظرت مولودها كثيراً ، لعله يضئ حياتها ، ولكن القدر كان قاسياً عليها مجدداً – اصيب وليدها بمرض مفاجأ بعد ولادته لم يمهله طويلاً– لا يمكن وصف معاناتها – وهي تراه يرحل عنها رويداً رويداً..

تلك المعانات خلقت منها انسانة جادة قوية طيبة القلب رقيقة، كما كانت مبدعة في عملها ، احبها جميع زملائها وزميلاتها في المدرسة حيث كانت تعمل وكذلك طلبتها واولياء امورهم. كانت مثالاً للألتزام . كما ساهمنا معاً في فتح مراكز لتعليم الكبار، فيما كان يتبقى لنا من وقت فراغ وفاءاً لشعب استقبلنا كأبنائه.

من المواقف التي لا تنسى – حضر الى عدن المفكر اللبناني الشهيد حسين مروة – ولدى تذكره العراق ومدينة النجف حيث تتلمذ وتخرج من مدارسها ، لم يكن لنا بد سوى ان نعيد له بعض من ذكرى تلك الايام ، فوجهنا له دعوة للغداء – في فندق لا يسمح لنا فيه بالطبخ – فتركنا الامر لها - فلا نعلم كيف تحايلت على عمال المطعم واقنعتهم بالسماح لنا ، ولحظات وجدناها قد عادت الينا بادوات الطبخ وموادها ، لنقوم بواجب العزيمة ونحن نطبخ في شرفة غرفة في فندق 5 نجوم؟؟؟ ولا يمكن ان ننسى كيف ادخلنا السرور الى قلب مضيفنا الذي ذاق ( القيمة والفسنجون) النجفية بعد هذه السنين الطوال؟

والموقف الاخر – كانوا قد قرروا الانتقال لمسكن جديد ، وجاءت لحظات الوداع ، تعانقنا معاً والدموع تغمرنا – كأننا لا نريد الافتراق – استمر عناقنا طويلاً – حتى تحامل الأزواج علينا – مستنكرين فعلتنا – لانها سوف لا تبتعد كثيراً ، ولا بد ستكون هناك زيارات متبادلة – ولكن يبدوا ان حدسنا كان هو الاقوى - فكان الوداع الاخير الذي لم يأتي بعده اي لقاء؟؟؟

في أوائل الثمانينيات كانت العودة المعاكسة لارض الوطن ، في أوجها وخاصة للشباب غير المتزوج او العوائل دون أطفال ،كانت تلتحق بحركة الانصار ، بعد تهيئة لبضعة شهور تحت سرية تامة ، ذات مساء استلمت منها بضع كلمات وداع مع اعتذار اودعتها مع زوجي لانها لا تتمكن من زيارتي لضيق الوقت ولانها ذاهبة بمهمة سرية ؟؟؟!!!

انتظرت أخبارك طويلاً أيتها الغالية .. عرفت انك ستكونين نصيرة رائعة وانت تتمتعين بخصال نادرة من نكران الذات مع ذكاء متقد ونشاط وحيوية و أيمان كامل بمبادئك – لم يكن غريباً ان تصبحي آمرة لحضيرة النصيرات مع وصولك لقاعدة بهدنان عام 1981، ولا أن تدرسي في المدرسة الحزبية في بشت آشان وانت خلقت لتلك المهمة النبيلة منح الغير علموك، ولا ان تعملي بمهمات حزبية خاصة في قاطع السليمانية، وانت صندوق سر أمين، ولا ان تلتحقي بتنظيم الحزب في الداخل ، وانت التواقة للعيش بين الجماهير. ولكن ما لم انتظره اني سأعرف بعد سنين وبالصدفة خبر استشهادك- كنت اعلم انك ستعملين جاهدة لتعودي الى احضان وطن احببته بعشق. ولكن ما لم افكر به رغم علمنا ببطش الطاغية وحكمه وازلامه، ان خيانة ووشاية ستدفعك الى ان تضحي بحياتك وانت في عنفوان ربيعك السابع والعشرين من اجل استمرار حياة الاخرين .. لم ترتضي ان تقعي فريسة سهلة ، بايدي اوغاد وجلاوزة المخابرات البعثية ، وانما وبشجاعتك المعهودة لم ترجف لك يداً وانت تتناولين قنينة ( النفط) و اعواد الثقاب ، لتشعلي النيران في ما تحملينه من وثائق وأسرار، و في نفسك ايظا وهو اعز ما يملك الانسان ( والجود بالنفس اسمى غاية الجودِ).

في مثل هذا اليوم من عام 1983، كان حبيبك ورفيق دربك ، ينتظر وصولك ، لكن دون جدوى فقد وصل الخبر المفجع ، ان بشرى– سوف لن تعود – فلم يرتضي لليوم انك سوف لن تعودين – فأنه ما زال ينتظر..

فالف تحية لك ولذكراك يا أروع الصديقات – ضحكتك ما زالت ترن في اسماعي ، وكذلك ذلك النشيج وتلك الدموع التي ودعنا به بعضنا في آخر لقاء؟؟؟

ذكراك خالدة في نفوسنا ونفوس من عرفوك واحبوك – ذكراك شاخصة في ذرى كوردستان – تسأل عنك سهول الجنوب- ونخيل السماوة، تسأل عنك بغداد بكاظميتها – حيث رحلتِ من أزقتها الضيقة في هذا الشهر من عام 1983.

د. منيرة أميد
27
تشرين الثاني 2008



**************

يوم الشهيد الشيوعي، عظمة الشهيد، وقبح ونفاق الطبقة السياسة التي استرخصت الدم العراقي..!

محسن صابط الجيلاوي

2008 / 2 / 23

 

عقود عشت وعاش غيري وفي كل شباط على ترديد ( اليمشي بدربنا شيشوف لو موت لو سعادة ) ولا أعرف أي سادي كتب كلمات هذه الأغنية البائسة التي وضعت الموت عنوان للحياة وعكرت لمس أي وسطية تنصر للبقاء وللأمل وللنضال..وبالتأكيد ليست الأغنية هي من غيب مئات الآلاف من العراقيين وأزالهم والى الأبد من الوجود والعمل والإنتاج الإنساني بل تلك العقلية التي تماثلت مع ذلك ونفذت وجعلت من الدم حقل ومن كثرة الشهداء ( غلة ) يتنومس فيها..؟!
كل سنة يحتفلون بيوم الشهيد الشيوعي، نحن جميعا نفعل ذلك، كل على طريقته، فالشهداء حاضرون أبدا فينا هم جزء من أرواحنا ودمائنا وقلوبنا وعقولنا وتاريخنا وذاكرتنا..ولكن أن تتحول الاحتفالات لمراسيم للإعلان والدعاية السياسة الرخيصة فهنا يقع الاختلاف العجيب والمأساوي...لم يبقى للحزب في وضعه الحالي سوى التشبث بالشهداء فهو المالك الوحيد وما عداه خائن وانتهازي ومهزوم..!
يتفاخرون بالصور المعلقة على الحيطان بازدحام واضح..ولكن دون السؤال المطلوب من المسئول..؟ هل السلطات والأحزاب التي تحالفنا وعملنا معها فقط أم العقلية التي لا تكترث بالبشر وسلامتهم والحرص على حياتهم...؟!
قرأ البعثيون أيام الجبهة كلمات تشيد بشهدائنا، وكذلك فعل البارزانيون بعد أن غيبوا عشرات من الشيوعيين وهم في طريقهم إلى الوطن، من يستطيع أن ينسى عيسى سوار؟ وقرأ الجلاليون ذلك البارحة وهم صناع ملاحم مجازر بشتآشان وقتال( الأخوة) كما يسمى زورا ومسخرة..وقرأ الجميع اليوم كلمات في كرنفال الموت، وعلى الحزب أن يفعل نفس الواجب في نفس مراسيم المقابل، فالآخر لديه شهداء أيضا، الحزب قتل من الآخر بالتأكيد، ليس هناك شريف وأفضل من الآخر في عرس الدم هذا..، ذلك هو النفاق الواجب القيام به، الجميع يتطلع في الصور المعلقة بعجالة والتي ترك عليها الزمن ندوبه وذكراه، يبتسم أحدهم سرا بالتأكيد ذلك أرسلناه شهيدا ببنادقنا...من يستطيع أن يكذب ذلك ؟ فقط السياسة وعهرها قادرة على لي الحقائق.. لا تنسوا أن كل ذلك حدث باسم الشعب..والشعب وين وطنبورة وين..جوع وفقر وتشرد تلك هي أهم عناوين لحياتنا ( الجميلة ) اليوم التي هي نتاج كل هذه المعارك التي تتطلبها السعادة.. واو وأي سعادة حيث لا كهرباء ولا ماء ولا تعليم ولا أمان ولا صخام...!؟؟
مهرجانات تنز بقادة الأحزاب ومنظماتهم ( الديمقراطية ) وومثليهم ومساعديهم، نفس الوجوه والسحن، هذه المرة لبسوا بدل زى الثوري المتواضع ربطات العنق وعقلية السلطة، تلك هي واجبات وأعراف متبادلة وتقليدية، تبدو القاعات ممتلئة ذلك ما يثير نشوة الحزبي ويرضي غرور المسؤول الأول، وحدهم الشهداء ينسلون بهدوء من الحيطان التي وضعوا عليها عنوة يجدون أنفسهم في وحشة من هذا المكان، ينظرون بدهشة إلى هذا الوئام العجيب الكاذب الباهت..فتخرج أرواحهم الطليقة، السامية لتحلق بحرية بعيدا فوق أرض وتحت سماء العراق غير آبهين بما هو مُكرر وغشاش وعقيم..فالشهيد له قضية ويجد أن دمه سُرق في حفلة الذئاب التي حطمت وطن كامل..!
في كل مرحلة تتغير خارطة ولوحة الشهداء، فتحت الجبهة خففنا من الحديث عن شهداء شباط الأسود، وبقربنا من الحزب الديمقراطي مسحنا أسماء العشرات، أما مع جلال فشطبنا من الذاكرة والوقائع أكبر مجزرة جماعية تعرض لها الحزب في تاريخه..فشرط الاحتفال وظروفه مرهون بالسياسة ومصالحها( ودراهمها ) تلك هي عقلية الطبقة السياسية مجتمعة التي جعلت الأرض العراقية تنز دما قانيا وثمينا وغزيرا على الدوام..!
والآخرون يفعلون ذلك أيضا عرفانا ومودة للقربى الجديدة فصور جلال ومسعود تُعلق كما البكر وصدام ولكن خلفها سماء حمراء من دماء سُفحت عبثا في حروبهم المجنونة...دماء الناس ليست أهم من تبويس لحى بعضهم البعض عندما تحين المصالح ولغة الحسابات فهم صفوة هذه الأمّة ورجالها الأشاوس..!
سكرتير الحزب يوزع دبلومات لعوائل الشهداء، هل هذا أقوى من دبلوم الدم الذي حفر في الأرض عميقا..؟
والدبلومات وشكل الاحتفال يبدو أنه مستمد من شكل ( العصرنة) الذي يعيشه الحزب، طبعا لازم نرجع بشيء جديد ومختلف ( بلابوش دنيا )..وهي شبيهة بأنواط الشجاعة وسيارات الشهداء التي كانت يتكرم بها النظام المقبور ولو هنا تبدو أقل فقرا وبؤسا، لكن كل ذلك لم يستطع أن يمحي السواد والدموع وكثرة اليتامى والأرامل ومرارة الفراق للابن أو الزوج أو الأخ أو الصديق في عراق خيم عليه شبح الموت والحزن والسواد بفعل شطارة تتغيب الناس التي توافق الجميع على تنفيذها وتفعيلها وممارستها..!
ألم يسال البعض كيف حصل السكرتير ولجنته المركزية على رواتب وحقوق ولغف من هنا وهناك، من بلدان اللجوء ومن العراق معا كما فعل طويلهم وزملاءه في السويد وهم الأحياء في مرابع الاشتراكية والإمبريالية لعقود في حين قضايا الشهداء معلقة حتى في الحد الأدنى ( إعادة الاعتبار ) ولدي شواهد كثيرة على ذلك..؟
إذا لم ينتصر هؤلاء لحقوق وكرامة شعب فمن يصدق أنهم ينتصرون للأموات والشهداء وهم تحت التراب..؟!
لا يحق للبعض المعروف ورثة فهد وسلام عادل، هؤلاء الأفذاذ كانوا رجال ثقافة ووعي وفقراء وطلاب وحدة ومسعى من أجل أن يكون العراق أفضل وأجمل، هم ملك العراق النقي النبيل النظيف وليس من يزحف حد المذلة طلبا للغنى والجاه الرخيص المعجون بالغش والخداع والمذلة وبيع الضمير والحق والشرف والانحدار المروع في لذة سرقة العراق والعراقيين...!

يحتفلون بالشهداء ويتطلعون إلى أجساد أولادهم وأقاربهم وخصوصا الفتية المتشحين بالسواد والحزن ومرارة الأيام فهم ( الغنيمة ) الأهم فمن اليد الممتدة إلى الدبلوم إلى لقط الصداقة إلى الترشيح ومعها تورط المرء في الغسيل الأيدلوجي المقيت وتبقى عين القائد تتطلع إلى الروح والدم والجسد والعنوان كم هي مفيدة لزيادة الحقل والغلة معا في وضع أي هزيمة ( وشردة ) محتلمة، فالرزايا كثيرات ومتكررات بنفس السيناريو..!
بالأمس القريب أتصل بي ابن عم الشهيد منتصر، المعروف لدى أهله وأقاربه انه استشهد في بشتآشان وأن قبره موجود في مقبرة الشهداء في أربيل وتلك فرية وكذبة لا تريد أن تفضح الحقيقة..اليوم عرف أهل الشهيد التفاصيل المروعة ولا أعرف كيف سيبرر الحزب فعل تصفية الشهيد وفعل الكذبة الهشة عن ظروف استشهاده..؟؟!
كما وضعوا صورة ستار غانم ( سامي حركات ) على أبواب احدى مقراتهم، وسيرة سامي واستشهاده البطولي معروفة ومحط إدانة لهم...!
يعدون ملف عن الشهيد ( حميد الجيلاوي ) في الثقافة الجديدة مكتوب بالتأكيد بصيغة الأوامر الحزبية والأهم مكتوب من ناسهم فقط لكي يتهيأ للناس أن الشهيد قريب منهم وملكهم وحدهم بعد أن عرف الجميع مدى جماهيريته الراسخة وسط أهالي مدينة الكوت منعكسا ذلك في حب عشرات من الكتاب والمثقفين العراقيين الذين كتبوا عنه بروح ملؤها الصدق والفخر، و لكن الأهم حقوقه المهدورة وفي المقام الأول فيها إعادة الاعتبار له وظيفيا وشهيدا والتي تكابد عائلته منذ سقوط النظام لإنجازها دون جدوى، ولم تجد أي عون منهم على تحقيقها..ولا أعرف حد اللحظة هل حصلوا على الدبلوم..؟
كما قرأت خبر الحفل الذي أقيم في مدينة الحلة بيوم الشهيد الشيوعي حيث كانت هناك كلمة لوالد الشهيد ( باسل/ أبو تغريد ) طبعا ذكروا الخبر كالتالي وقد ألقى( كاظم الطائي) والد الشهيد دون ذكر أي شهيد ؟ وكان أبو تغريد لم يكن نجما كردستانيا ووجها أنصاريا معروفا وأعتقد جازما أن ذلك أمر مقصود.. يعرف الجميع اني أحد الذين يمتلك علاقة متميزة مع الشهيد أبو تغريد أمتدت من أيام بشتآشان( وبولي) وكون لي أصدقاء من عائلته وأقاربه عندما كنت داخل الوطن لهذا كان بيننا دوما شيء مشترك وخاص وإنساني في ظروف معروفة..وأعرف أن الشهيد بتصويت الهيئة الحزبية التي كنا فيها معا وبالإجماع حصل على منحة دراسية..لكن بعد أحداث بشتآشان سُرقت منه ومن غيره عقابا ولعل ابرز الأسباب هي مواقفه المبدئية الجريئة المعروفة....كانت هناك عقلية واضحة في كوردستان هي محاولة إرسال البعض إلى مواقع الخطر فإذا حقق نجاحا في عملية فبها، وإذا استشهد فقد تخلص من رفيق غير مرغوب فيه ووضع اسمه على قوائم الشهداء، الحالتان مربحتان ومريحتان بلا شك، تلك هي مكائد الإعدام النظيفة..وتلك هي العقلية الرخيصة التي دفع عشرات من الأنصار حياتهم بسببها..ولو تحقق أن حصل أبو تغريد على الحق الذي منح له لكان اليوم بيننا بحيويته وروحه وفتوته البهية المعروفة..!
هناك جبهات وانكسارات ومؤامرات وسرقات وسياسات وهزائم وقيادات وخيانات كلها ساهمت في صنع مشهد هائل ومؤثر عن عدد الشهداء المفتوح والضخم، كان الأجدر مناقشة ذلك لوضع حد لاسترخاص الدم البشري، فعندما تكون روح واحدة أو ألف تعطي قانونيا وإنسانيا محتوى شكل جريمة متساوية الأبعاد والحكم عندها سيكون لنا ولو لمرة واحدة أفضلية إيقاف استرخاص القتل في عراق تحول فيه سفح الدماء إلى ما يشبه لعبة للتسلية، فثقافة القتل واستسهالها وتعليم قطعان مدججة بالأسلحة عليها هي نتاج مُجتمِع لهؤلاء الذين القوا كلمات في يوم الشهيد الشيوعي..!
نحن كنا نتقلى الطعنات دائما وهزائمنا فيها انتصار وحيد هو طول أكثر لقائمة الشهداء..!
نحن نتلقى، يمر الآخرون فوق أجسادنا لنعود اليهم ثانية وثالثة متبرعين بشطب أسماء من قوائم الماضي..فالتحالفات من اجل الوطن هي الأسمى..ومع هذه العقلية الساذجة والهزلية والمصلحية ضاع الوطن، وضاعت أهم مادة لرفعته إلا وهي إنسانه..!
البديل أن نحتفل بالشهداء بالصمت وبالإجلال، بلا كلمات ومهرجانات نفاق سياسي، فدم الشهيد أخضر تسقيه الحياة تجربة وغنى وبهاء وعزة..علينا أن نتمثل وجودهم أحياء وان لا نصافح أي يد ملوثة بالدم وخصوصا الدماء التي سُفحت غدرا وظلما وتعسفا وعدوانا...!
الحرية الحقيقية المنتمية لعالم اليوم وحدها تفضح القاتل وتُكرم الشهيد..!
هؤلاء الذين قسموا الوطن إلى مشيخات وواجهات وولاءات هم الأبعد عن فهم كون الإنسان قيمة عليا..!
لدينا شهداء كُثر..أقول ضع إكليلك وأمض...تلك هي أرض سقيت بدماء الناس آن لها أن تعيش حرة وسعيدة ولكن ليس تحت سقف أحزاب تحتفي بالموت وبمهرجانات القتل..أحزاب يقودها القتلة..بل على أيدي أجيال جديدة عليها أن تتعلم حب الزهور والحياة والعطور والإنسان والأغاني والجمال والمرأة والطبيعة ولمسات البراءة والرفق بالحيوانات والطيور، أجيال تتعلم أن نشيد الحياة وازدهار الأوطان والأمم لا يتم إلا بوقف نزيف الدم..!
المجد للشهداء....!

 

**************

 

(من أوراق الشهيد حميد ناصر الجيلاوي )

محسن صابط الجيلاوي

2008 / 10 / 11

 

عن دار النشر السويدية ( فيشون ميديا ) صدر كتاب تحت عنوان ( من أوراق الشهيد حميد ناصر الجيلاوي ) وقد تم جمع وإعداد الكتاب وكتابة مقدمته من قبلي والتي جاء فيها (إن عملي هذا ما هو إلا واجب أقوم بتأديته وفاء لإنسان وأخ وهب حياتي وأعطاها الكثير من المضامين في التطلع إلى مثال إنساني رفيع ومتميز سلوكا وخلودا ورفعة..وهو بهذا الغنى الشخصي المليء بالانتماء إلى أحلام وتطلعات ملايين العراقيين نحو عالم أفضل وفي ظروف صعبة ومعقدة فقد أعطى عائلتنا وبسخاء لا حدود له فخرا كبيراً نعتز به... مثلما منح حميد الجيلاوي – أبو شفيع – نفسه خلودا دائما وأبديا...) وقد تضمنت المقدمة أيضا تذكارات من بنات الشهيد ( سوزان وصوفيا).
وتضمن الكتاب أربع قصص كتبها الشهيد ونشرها أواسط السبعينات، والقصص على التوالي الحفيد، ولادة، الفتية، وشم بالمسمار، وتحت باب كتبوا عن الشهيد، مساهمات لعدد من الكتاب والمثقفين العراقيين الذين زاملوا وتعرفوا على الشهيد إنسانا ومناضلا وأديبا..فتحت عنوان ( أية شمس ؟ وأي شجر ؟ اين البيت ؟ ) كتب الناقد العراقي المعروف الأستاذ حاتم الصكر مقالة تحدثت عن الشهيد كمبدع وكإنسان نقتطف منها (أستذكره بعيداُ في الزمان والمكان
ولكن بقرب القلب والضمير...
شاهداً على نزف هذا الوطن وجرحه المفتوح وسواده الأبدي...
)
وفي مكان آخر يقول (السياسة لم تكن مهنة أو احترافا بالنسبة لحميد ناصر. إنه نموذج نادر لمناضل تشده الأرض إلى ترابها...، في نقاشاتنا لم يكن يذكر شيئا من قراءاته واستدلالات النظرية الماركسية التي يؤمن بها رغم إحاطته بها بدقة وصبر.. فهو لا يمل القراءة في أي ركن أو واسطة..كان يحيلنا إلى الحياة التي تغلغل حميد في مساماتها وتخللت مساماته أيضاً...)
كذلك ساهم الناقد والشاعر حميد حسن جعفر بدراسة نقدية معمقة عن قصة الوشم بالمسمار يقول في ثناياها (في تلك القصة المتقدمة فنياً- بناءً ولغةً وفكراً- استطاع القاص- الذي غيبه النظام البائد بعد تصفيته جسدياُ مدة تزيد عن العشرين عاماً- الذي غيبته سلطة القوة- أن يمتلك سلطة الإبداع التي هي الأقوى والأفضل والأبقى ) فرغم قصر هذه القصة لكنها عميقة بأسلوبها وغناها الداخلي والإسقاطات الفكرية والاجتماعية التي تضمنتها ..وهناك مساهمة للشاعر ( هاشم شفيق تحت عنوان ( عن الحرب والجوع والموت ) وفيها يتحدث عن ثقافة الدكتاتورية وحروبها وشرورها وسلطتها القمعية وأدواتها البشعة وعن نقيضها الثقافي والجمالي......كما قدم الروائي والمترجم ( علي عبد الأمير ) تحت عنوان (حميد الجيلاوي القاص الذي أعدمه الطاغية وتناساه النقاد ) نقتبس منها (قطع الكاتب حميد ناصر الجيلاوي شوطا كبيرا على طريق التمكن من أدوات الكتابة القصصية والروائية وامتلاك النفس السردي . لم يلجا حميد في معظم قصصه القصيرة إلى تقنيات السرد الحداثية - أو الطليعية - ، بل استخدم تقنيات واقعية معروفة.. ومثل أي كاتب أو فنان ملتزم يتحسس ما يجري في العالم المحيط به عبر حميد عن هموم مجتمعه وأبناء جيله .. إلا إن حميد لم يتحول إلى داعية تضج أعماله بالشعارات السياسية والاجتماعية.. فالكاتب، قناعاته وأرائه بوسائل التعبير الأدبية.. فالكاتب ، أي كاتب ، لا يمكن أن يبقى طرفا محايدا في الصراع الأزلي بين الظالم والمظلوم .. بل انحاز إلى الطبقات المسحوقة وانتصر للفلاحين في معتركهم الباسل ضد العبودية والاستغلال. لم تكن الكتابة عنده نزوة ولا بطرا ولا تباهيا .. كانت بالنسبة له رسالة وطنية واجتماعية وإنسانية وثقافية وسياسية...)
كذلك ساهم الشاعر ( حميد العقابي ) بمقالة تحت عنوان (الشهيد القاص حميد الجيلاوي/ بيت للشمس والشجر- كم كان اليساريون مبتدئين ) حيث يقول( لابد من الاعتراف هنا بأن أولئك اليساريين ما كانوا مبتدئين بكل الأمور بل إن هناك أموراً برعوا بها براعة تفوق التصور فبعد أن كشّرت زمرة الذئاب عن أنيابها المدماة حتى تسرب السادة من الفخ كما يتسرب الماء من بين الأصابع بعد أن سربوا أبناءهم إلى جامعات ومدارس موسكو وبرلين الشرقية ليدرسوا الباليه ، أما الذين أثقلتهم طيبتهم وأعباء العائلة فقد وجدوا أنفسهم وحيدين في وجه عاصفةٍ هوجاء لا سلاح لهم سوى صدورهم العارية يلقون بها سموم الهجمة الشرسة ، وكان من الصعب عليهم أن يتخلوا عن إنسانيتهم التي لا يمتلكون سواها والانضواء تحت راية زائفة ، فدفعوا الثمن أرواحهم ويتم أطفالهم . القاص والفنان حميد ناصر الجلاوي واحد من تلك الأرواح النزيهة التي ضمت كوكبة أخرى كالقاص جليل المياح والشاعر خليل المعاضيدي وآخرين)
كما ساهم الأديب ياسر العطية بمقالة تحت عنوان (الشهيد القاص حميد الجيلاوي- ألق البطولة ...والجمال في مواهبه الفنية ) جاء فيها السطور التالية (لست الوحيد الذي يحار في تحديد المواهب الفنية وملكة الإبداع والخلق التي ينفرد بها الشهيد القاص حميد ناصر الجيلاوي رغم السنين الطويلة التي طوينا صفحاتها معاً على جانبي مدينة الكوت وقبالتها (العزة) حيث المسكن المتواضع الفقير الذي احتضن (حميدا) ثلاثة عقود من الزمن ممتلئة صاخبة بالقراءة والكتابة والتجريب والابتكار لتجعل من ذلك الشاب الأسمر النحيف المتواضع الساخر الدمث.. عملاقاً أسطوريا يقض مضجع الطاغية الدكتاتور وجلاوزته الأميين، الأمر الذي دفعهم للغدر به واختطافه من مدينته ثم تصفيته جسديا)
وكتب إبراهيم الخزعلي خاطرة تحت عنوان ( الطريق الذي اعادني إلى وطني ) ومثلها كتب طارق صبري طخاخ عن علاقتهم وانطباعاتهم عن الشهيد ، وتحت عنوان شهادة فوق العادة كتب حميد الياسري مقالة تجمع التحليل عن تاريخ العراق المتداخل وذكرياته عن الشهيد جاء فيها ( . ومثلما كان الشهيد مشروعاً للاستشهاد، فهو أيضاً كان مشروعاً للفرح والتفاؤل وشخصيته تنطوي على كم من الأريحية وخفة الظلّ تنطلق منها النكتة، كما لا يمكن اختزال رائحة الفولكلور من أحاديثه، تماماً كما البسمة التي لم تغادر مُحيّاه.. )
كما كتب القاص والإعلامي صباح علي الشاهر مادة تحت عنوان ( أبو الشفيع ونلسن ما نديلا ) ذكر فيها ( كنا بإزاء ولادة مبدع كان مُقيضاً له أن يثري وعلى نحو بالغ العمق عالم القصة العراقية والعربية، لكنه أحتُطب بجهل وبلادة. لقد اغتيل نمط قصصي بالغ الفرادة وتلكم لعمري جريمة لا تغتفر ولا تسقط بتقادم الزمن)
اما الناقد ياسين النصير فقد تناول نقديا المجموعة القصصية ( بيت للشمس والشجر ) قصة قصة والتي أصدرها الشهيد أواسط السبعينات...كما ساهم عدد من الشعراء بقصائد إلى روح الشهيد فهناك قصيدة ( زهرة الدماء ) كتبها الشاعر كريم ناصر ، وابراهم الخزعلي ( مراثي الحب السرمدي ) ، الشاعر حميد حسن جعفر (حميد ناصر الجيلاوي )، (أبو شفيع ) لمحسن الجيلاوي ، كما تضمن الكتاب عدد من اللوحات والتخطيطات التي أبدعها قلم وريشة ومخيلة الشهيد ، وكذلك مجموعة صور شخصية أيضا....
بقي ان نعرف ان الشهيد لحد هذه اللحظة لم تتحرك مؤسسات الدولة في إعادة الاعتبار له وظيفيا والتي سحبها النظام بشكل رسمي ولم تحصل عائلته على تقاعد أو تعويض أو أي بادرة معنوية يستحقها كمناضل وهب حياته من أجل الوطن وغد أفضل لإنسانه ..في حين تسربل البعض إلى الوطن ومعهم ملكية وصك بالشهداء ليحصلوا بقدرة قادر على وظائف ومستشريات وحقوق تقاعديه لهم ولعوائلهم وعشائرهم وليوسخوا ويدنسوا تلك التقاليد التي ذاد عنها الشهداء بدمائهم الطاهرة وإذا مروا على هذه العائلة أو تلك فقط تغريهم أجساد الأولاد والأحفاد كدماء جديدة في تعويذه ( كثرة غلة الدماء ) دون أن يعرفوا ان الشهداء هم ملك وطن وأهل وشعب وأرض وفقراء وجياع وليس إقطاعيات يستفيد منها السياسي الرخيص في ترويج شعاره الرخيص أيضا ، وبفسادهم وبفساد تحالفاتهم وتلك الطبقة السياسية التي رهنوا أنفسهم لها ومعها وضعوا العراق جنبا إلى جنب على منصة واحدة مع الصومال التي تعيش منذ عقود بلا دولة ، فالعراقي في المركز الثالث في الفساد، كما لم يقدم اتحاد الأدباء أو نقابة الصحفيين أو التشكيليين العراقيين أي جهد في الالتزام بالدفاع عن حقوق الشهيد وعائلته حيث كان عضوا فعال في جميع هذه المنظمات ، وهنا لا يسعني إلا تقديم وافر الشكر والامتنان لأهالي الكوت ومثقفيها وكتابها وشعرائها وقصاصيها على موقفهم النبيل المُنتمي للعشرة الصادقة والموقف النبيل النظيف والشجاع والمكتوب والمُمارس والمعجون بصدق تلك الأيام الصعبة التي عاشوها تحت رحمة دكتاتورية هوجاء لا تعرف الرحمة ، عبر استذكارهم حميد الجيلاوي في كل مناسبة ولقاء والقيام بفعاليات أبنت وكرمت وقدمت الشهيد كرمز إنساني وثقافي ونضالي لمدينة الكوت بعيدا عن التوجيه الحزبي في الكتابة عن هذا الشهيد أو ذاك المُفرغ من أي احساس حقيقي والبعيد برمته عن الوصول إلى قلب القارئ حيث هناك كتاب حسب الطلب مما جعل كتاباتهم فارغة من أي استدلال صادق وشفاف يبتعد عن أغراض الكسب الرخيص لمصائد الايدولوجيا اليسارية الماضوية العفنة في استخدام دم الناس، فالشهداء يسمون إلى العلى أما الآخر ( التجاري ) فإلى الحضيض يلفه عار أبدي ، وأي عار يلاحق هؤلاء اللصوص والجبناء وفاقدي الضمير( وشلايتية ) السياسة وما أكثرهم في عراق اليوم المريض والخرب والمليء بنعيق اللصوص وكلاب النهب العجيب ...؟ ويقينا ان دماء الشهداء ستزهر يوما غابات وورود وحب وأماني وعيش كريم ولكن في عراق نظيف قادم لا وجود فيه أمثال أولئك الذين مرغوا سمعته بالوحل.....!


**************


رجال في الذاكره_ياسر عبود مارد _شاكر جاسم عجيل _من شهداء مدينة الثورة

عبد الرزاق حرج

2005 / 6 /4

ولدت مدينة الثورة من رحم حكومة عبد الكريم قاسم أبان فترة الستينات من القرن الماضي ...سكنها المهاجرين من محافظاتهم ذو الأصول الفلاحيه بالدرجة الأولى ....اي من جنوب العراق ووسطه وشماله ..هذه الأفواج المهاجرة من أرياف وقرى المحافظات بسبب اضطهاد الأقطاع وشيوخ العشائرفي فترة الحكم الملكي في أعوام الخمسينات من القرن الماضي ....هذه الأقوام التي سكنت >بغداد >الخمسينات في بيوتهم الريفيه على امتداد العاصمه ..>في مناطق زراعيه وأعمال بدائيه مثل ..الشاكريه والسكك والداودي والفضل ومناطق أخرى >.لذلك كانت أعمالهم وحرفهم هي من صلب محافظاتهم الأولى ...هذه ألأقوام النازحه من الهجرات المتعاقبه على شكل دفعات هاربه من ظلم الأقطاع وشيوخ العشائر ...اصبحت ذو كثافه سكانيه ويد عامله بدائيه في بغداد ...شكلت هذه التجمعات البشريه احد الروافد الأقتصاديه والسياسيه والأجتماعيه المهمه في العاصمه سابقا ولاحقه..بعد حكومة >عبد الكريم قاسم >أعطت هذه الحكومه هذه الرقعه الجغرافيه المحايده من منطقة القناة ومرورا في منطقة الحبيبيه والسده الترابيه الى المناطق والمدن المجاوره الى >حي الشعب >...بعد ما وزعت هذه الأراضي على هذه الأفواج الفلاحيه ...هدمت بيوتهم النشاز في قلب العاصمه !!لذلك سميت >مدينة الثورة>أبان الحقبه الثوريه أنذاك ...يسكنها العرب والكرد والتركمان والصابئه وبعض العوائل المسيحيه ...في بيوت بدائيه ومتراصه تبعا الى العشيره والنسب والدين والقوميه ...تاره تصبح يساريه الى حد العظم في فترة انتعاش اليسار ..لهذا سميت >مدينة الثورة>...تاره تلبس ثوب القوميه ...يطلق عليها >مدينة صدام >...الأن سميت> مدينة الصدر >لأن هذه الحقبه دينيه ...ومن التسميات الأخرى اطلق عليها مدينة >الشراكوه>!!! كم تلاعب فيها تجار السياسه على عواطف هذه الأقوام البسيطه في وعودهم الورديه ..اعطت كثيرا ولاتزال خيرة الشباب والعوائل في الصراعات السياسيه والحروب العسكريه ...>في مطاحنهم الحربيه وقتالهم السياسي ...مدينة الثوره هي نصف بغداد وتشكل عمودها الفقري في كل مستلزماتها الحياتيه ...استغلت وشوهت تحت تسميات جديده في زرع فيها المافيات المجنده من قبل تجار السوق والعسكر في فترة الحصار والحروب على النظام السابق...تعلمت من هذه المافيات العسكريه في مكاتبها التجاريه المنتشره في المدن الغنيه ...في بيع السلاح وتزوير العمله وسرقة الجوازات ووووالخ بعد تفكيك الوحدات العسكريه والوزارات الأخرى ...اصبح قواد هذه الجرائم المنظمه هم رجال العسكر والأمن وتجار السوق في استغلال الشباب العاطل عن العمل من هذه المدينه البائسه !!! ..في هذه المدينه ظهر شباب في ساحات الأدب والثقافه والرياضه والسياسه والتعليم والطب والحرف والمهن ووو الخ..اسماء لامعه سجلت من أعمدة العاصمه في تسير معالم التحضر والمدنيه ...في فترة السبعينات من القرن الماضي تعلى عروشها وتربى بين مدارسها الفكريه والأدبيه والسياسيه والمهنيه شبابها الحالم في بناء عراق الغد ...لكن هذه الشباب التي بنت انفسها من صعوبات الحياة ...أكلتها الحروب الحديثه والسياسات القذره المنضويه تحت يافطات وأفكار الفاشيه الحديثه بتنظيرات شرقيه لعبادة الشخص ...هذه العباده الشرقيه ظلت ولاتزال هي الموروث والمحور الوثني والطوطم الساكن في كافة الأديان والقوى السياسيه !!! ...بعد سقوط الصنم!! انتشر الأرهاب المنظم في تنظيماته المعمده من بقايا نظام الصنم وهو يقوم في فعاليات لايصدقها العقل !!!,,,قام رجال الأرهاب بزرع متفجراتها الموقوته في أحد بيوتات اليسار الرسمي الواقع في بغداد الجديده عام 2004...راح ضحيتها كل من >ياسر عبود الملقب ابو جمال>شاكر جاسم عجيل الملقب ابو فرات >..تشظت اجسادهم وتتطايرت أرواحهم مع ركام البناء الخرب الذي مزقته متفجرات الأرهاب وهم يتلذذون في هذه المتعه اليوميه من صنيعت مدارس الغرب القادم ...هذا الخبر والعمل اصبح مانشيتات في غالبية الصحف في العراق والصحافه اليساريه في العالم ...أدانات وأحتجاجات دوليه بمطالبة ومحاسبة الأرهاب ..لكن الأرهاب اصبح من يوميات الشعب العراقي !!!!...سوف اسرد بعض التفاصيل عن هذه الشخصيات التي نذرت انفسها في سبيل الحريه والديمقراطيه للشعب العراقي ....في أحد الأحياء من مدينة الثورة كان شارع وسطي يسمى شارع الفلاح> الممتد من بداية الثورة الى نهايتها >الفاصل بين منطقة >الداخل >ومنطقة >الجوادر>...كانت تعيش وتسكن هذه العوائل الكوتاويه اي عوائل >ابو جمال وأشقائه في هذه الأحياء الفقيره والشعبيه ...تعتاش من حرف وأعمال بدائيه !!!..لعبت دورا كبيره هذه العوائل في التصدي الى الظلم والطغيان المستشرس على البلد كانت انتمأتهم الى قوى اليسار هي محور حياتهم ..كان ياسر نشطا بين صفوف الشباب في ترويج الفكر اليساري في كافة اعماله الذي يرتزق منها ..عمل في عدة أعمال ..بدأ كان شرطيا في مسلك الشرطه في رعيان شبابه وعامل وسائق وصاحب ورشه وأخيرا عامل شاي ...لكن هذه العوائل هي نبراس ضاوي لنشر التقدم والحريه ..لذلك كانت عرضه للملاحقه والمطارده من قبل الأجهزه الأمنيه على طول فترة حكم الصنم ......حتى بعد ماتحولوا من هذه المدينه الى مدن اخرى ..بقى نفس الأسلوب الأمني يطاردهم!!!... ..اما> شاكر جاسم ثجيل >ابو فرات>القريب من نفس الحي هو وأشقائه ..هذه العوائل البسيطه وقفت في وجه الفاشست وتعرضت الى الأعتقال والمطارده اليوميه بسبب مواقفها الشجاعه في وجه الطغيان !!!..كان شاكر من الشعراء الشعبيين ومن جيل المثقفين الذين يرتادون القمم الثقافيه في دارها وبيوتها الثقافيه في حضوره اليومي في ساحات اتحاد الأدباء والنوادي الثقافيه .....تعرضوا الى الملاحقه والمطارده في فترة انتهاء الجبهه الوطنيه >سيئة الصيت تركوا اعمالهم الوظيفيه وأختفوا عن انظار هذه الأجهزه الأمنيه ...عملوا في شتى الأعمال في سبيل العيش اثناء المطارده وفي اعوام الحرب الأيرانيه العراقيه ...تم القاء القبض من قبل الأجهزه الأمنيه في مدينة الثوره بأواخر عام 86 على كل من
أولى..علي حسين الملقب >علي تكنلوجيا >..خريج الجامعه التكنلوجيه ..من سكنة مدينة الثورة
ثانيا..استاذ سعدي .مدرس اجتماعيات ..من سكنة مدينة الثورة
ثالثا ..شاكر جاسم ثجيل ..موظف في التعليم وشاعر شعبي ..من سكنة مدينة الثورة
رابعا ..ياسر عبود مارد..اعمال حرة ..من سكنة مدينة الثورة
خامسا..حسن القصير ..اعمال حرة ..من سكنة مدينة الثورة
تم تسليمهم من قبل التنظيمات الوهميه المرتبطه بأجهزة الأمن ..عذبوا بطرق حيوانيه ووحشيه ..لكن وقفوا في وجه البطش والأرهاب كمقاومين في الخطوط الأماميه في ساحة المعركه ..حكموا بالأحكام الطويله ..الا.. من >علي تكنلوجيا >في الأعدام عام 87 ..دخلوا سجن ابي غريب بعد ماتركوا رفيقهم >علي> في ايداعه في زنزانة الأعدام ...تعرضوا من قبل دائرة الأمن في ابي غريب ..في الحجر اليومي ..ضريبة السجن اليوميه ..كان من بين هذه الشخصيات الرائعه شخصية >ياسر عبود>التي استذكرها في مثل شعبي عراقي >اتخليه على الجرح أيطيب>كان روح الدعابه والمرح والمقالب اليوميه التي يقيمها بين رفاقه في السجن ..صادروا املاكه وسيارته وبقيت عائلته الكبيروأطفاله الصغار في عوز مالي ..لكن لم تضيع الضحكه من شفايفه وقفشاته المعروفه لدى رفاقه ....استشهد رفيقهم >علي تكنلوجيه>عام 87 في التنفيذ فيه بحكم الأعدام ...كم اسطورة نثرت اجسادها في سبيل هذا الشعب الطيب !!...كان علي >يشهد له الكل في مواقفه الجديره في الشجاعه والأحترام من خلال مواقفه الأخلاقيه بين رفاقه في المعتقل ...بعدها تعرضت عائلة >علي>الى الأعتقال والأضطهاد اليومي ...لكن بقى له ولد يدعى >سلام>يكابر في مواقف والده ...خرجوا رفاق علي>عام 88 في عفو عام..من سجن ابي غريب ...بقوا متفانين في العمل اليومي والألتزام العائلي بالرغم المضايقات الأمنيه وشظف العيش ..لكن الضحكه والنكته لم تفارقهم وخصوصا >ابوجمال>أخر أعمال >ياسر>في العمل اليومي ..فتح له كشك >صغير لبيع الشاي هو وأولاده جمال وكمال!!وسط الورش الفنيه وفي احضان اصدقائه ومعارفه,,, لم يتهاون يوما في مساعدة الفقراء بالرغم فقره وعوزه المالي ...اما >شاكر>كان يسكن في احد عربات القطار المتروكه مع زوجته وأطفاله لايوجد عنده سكن بالرغم من هذا الوضع كان زوار الليل يأتون اليه شبه يوميا!!! ...نهكه الجوع والتشرد والضيق المالي في فترة التسعينات ..والأسباب معروفة لدى الكل ...لكن بقى ذلك الشخص الذي يدافع عن الفقراء ويغني لهم بأشعاره الشعبيه ومداعباته الفكاهيه ..اما اذ التقوا هولاء الثنائي في جلسه شعبيه يتحول ذلك اليوم الى قفشات ومقالب تحكى الى الناس عن هذه النكات ...الجوع والعوز والتشرد والمضايقات الأمنيه هي في وسطهم ويومياتهم لكن كانوا أقوياء يحبون قضيتهم الأنسانيه ..اما استاذ >سعدي >ترك التدريس ويعمل في سوق >امريدي>في بيع المتروك والقديم من بقايا هياكل السيارات والتلفزيونات ووووالخ ....هولاء بعد سقوط الصنم رجعوا الى انتمأتهم السابقه وشمروا على سواعدهم في سبيل نشر الديمقراطيه والحريه والسلم ...لكن يد ألأرهاب تطاولت في اخذ من خيرة الرجال في وضع المتفجرات في بيوتاتهم الحزبيه وفجرت اشلائهم وتناثرت جثثهم وسط الخراب والتدمير الأرهابي .....لكن بقيت حكاياتهم وشفاههم تروي لنا طرائفهم وقفشاتهم ومقالبهم تروي الى الماره ومحبيهم وسكنت الأرض التي يسير فيها اولادهم واصحابهم في نشر الغد القادم ...في الحريه والديمقراطيه والسلم ...لذلك لايزال يعطي هذا الشعب خيرة كوادره العلميه والفنيه والشبابيه الذي لاذنب لديه سوى هو أول من بنى حضاره في العالم !!!يالك من شعب مقاوم

 

 

**************

 

موت ياسر عبود (أبو جمال)وتجيير الشهادة في دكاكين الحزب الشيوعي العراقي

خلف الفريجي

2004 / 2 / 3

 

ياسر عبود (أبو جمال)وفاءآ لروحك ..أكتب وقد تأخرت حيث كان لابد لي أن أبحث عن صيغة لوصف موتك فهل ياترى أنت شهيدآ أم قتيلآ ..؟ أم تسمو روحك وترفرف فيما بينهما...! ياصديق ألأمس أضنك ستظل ترشح خلف نافذتي أسئلة موجعة لا أجد لها أجوبة وسط نحيبي وها أنا أستذكر نبلك ودفء روحك فقد كنا معآ ولفترة ليست ببعيدة (نهاية التسعيينات) قلبنا فيها المواجع وأستحال علينا حينها فهم صور الغدوالذي لم أكن أتوقعه أبدآ بأنك ستموت فيه ضحية لأنفجار أحدى المقرات المفتوحة والمحروسة ببركات ألأمريكان . كنت طيلة فترات الثمانينات والتسعينات شجاعآ..لم يثنيك ويقتل النبل والدفء في روحك كل أنواع المطاردات والسجون وكان آخرها أقتلآع أحدى عينيك..لم تكترث للجوع والفقر والتشرد والضيم الناتج عنهما والذي أنعكس على عائلتك الكريمة المتكونة من جمال وفوج البنات وأمهم الصابرة وكنت أضحك من ألمي لسماعي آخر أخبارك بأنك وجدت مجزرة في منطقة الفضيلية تبيع عظام الحيوانات المذبوحة بسعر التراب وأقنعتني بالفوائد الجمة لتشريب العظام في زمن الفاقة..........! تناقشنا كثيرآ وتباصرنا وأخبرتك بأني راحل لامحالة وأتفقنا بأن مبادئنا باتت عقيمة وخاصة بعد أن تأكدت لنا خيانات من كانوا رفاقنا بالأمس ووافقتني الرأي حينها بأن المنفى قد أغناهم وما وجود الدكاكين والمواقع الا نتيجة لتمويلاتهم التي يضخوها وفاء لأيام نسوها ولم ينسوها...! نسوها :لآنهم وصموا جهارآ كل من بقي في الداخل يعاني ويتألم بالخيانة والتخاذل لأنه لم يلحق بهم معتاشآ ومستثريآ من دول اللجوء, ولم ينسوهالأن الدولارات التي عندهم يسخروها لخلوات (ونسة الروح) وتبادل الذكريات والمواويل وألأنخاب وألأستئناس بجاهزية رفاق العوينات السميكة من (البايرين) لدبلجة كل مواضيع الساعات وتأويل الحكايات وتجميل ألأزمنة الرديئة. ألتمستك حينها أيها العزيز بأن تصحو من سكرات موتك والتي هي بالتأكيد قادتك لتكون جليسآ في دكاكين (الكسبة) لتنثرك أشلآءآ بقنابل الموت... لماذا يا ياسر ....هل نسيت كلامك عن غدر الرفاق وهل تجيبني روحك الغافية الان عن أسئلتي وهل تتذكر روائع من فقدناهم نتيجة غدر الرفاق : ألم تبكي معي راهي كاظم وعبد الكريم حسن وهاني جلود وغيرهم حينما ذهبوا اليهم في عقر دكاكينهم في كردستان وألتمسوهم كي يعطوهم فرصة حمل السلآح وأسقاط النظام ليطردوهم من هناك بحجة كونهم ساقطين ليتركوهم في درب الصد مارد حيث كانت دوريات ألأمن لهم بالمرصاد ...لبعدموا فيما بعد...؟ لآربع سنين يا ياسر من بعد آخر لقاء بيننا وأنا مستمر في البحث عن تفاصيل القاء القبض عليهم ومراسلآتي موثقة ومنها ماهو معنون لحميد مجيد نفسه.....ولاجواب سوى تأكيدات من جاسم محمد سهراب الحلفي ...بأننا (السائلين) من أزلام المخابرات ..هل نست روحك الغافية هذا الفلطح والذي كنا نسدي المعونة لآهله المرضى وهو كان يدخر الوف الدولارات من محلات القمار في استوكهولم ليعود على أشلاءك المتناثرة الآن سارقآ البيوت والعمارات في زمن الفلتان (التحرير)....وكنت أبحث عن وسيلة لأزف لك البشرى فقد أعلن الرفاق عن نفاقهم الأخير وبكل وقاحة فأصدقائنا المعدومين الذين أنكروهم هم الأن شهداء الحزب جيرهم لصالحه بعد العثور على أشلآئهم في المقابر الجماعية وأسمائهم مدرجة في قوائم شهداء الحزب.....كنت أريد أن أستعجل الزمن كي أجد لديك ألأستعداد لأن تفضحهم بين العراقيين المنكوبين ليخبروا الحزب بأنه هو القاتل الحقيقي لآبنائهم قبل النظام...! ولكنك رحلت ولم تستلم رسالتي..كنت أمني النفس بلقاءك والشد على يديك بأن تبني روحك من جديد فالقادمين جاءوا ليعيدوا لعبتهم القذرة القديمة فلا تمكنوهم ...هل تتذكر حديثنا عن من ضحى بنا وجعلنا طعمآ بأفواه(دوائر ألأمن وألأستخبارات) أنها تقارير تحسين العلاقة مع الحزب الحليف وذكرتك بها حينما كانت مقياسآ للنشاط الجيد للرفاق في العمل الخلوي...لم لا والرفاق في قيادة الحزب روجوا ( للرفيق كاسترو العرب :صدام حسين). لتنم روحك الغافية أيها الحبيب ولترتح فالحليف الجديد ألأن هو أخطر وأرعب من الذي شفناه...أنه صاحب الدبابة وألأقمار والجاسوسيةوأعتى نظام يهدد البشرية وألأيام القادمة ستجعل الرفاق ينسون أيام الحليفالسابق لهول ماجلبوه للعراقيين الحليف الجديد ودباباته التي تحرس المقرات (الدكاكين). ولكنني أيها العزيز يزداد ألمي ألآن وأنا أتذكر فوج البنات وجمال وأمهم..من يرعاهم..يا ياسر...؟ فلا ثقة تذكر بحميد مجيد وأعوانه فهم تجار سياسة وعبدة دولار فحتى موتك وحياتك النضالية لم يتطرق لها كتاب حميد مجيد ومواقعه ال بالقدر العمومي المقصود منه أستدرار العطف على مواقف الحزب وتجيير الحادثة له وبالتحديد حميد مجيد وأعوانه للنيل من المناصب والأمتيازات وصك براءة للأمريكان من قيم الوطنية ومقاومة المحتل.

 

**************

 

 

لمناسبة الذكرى الرابعة لاستشهاد النصير المقدام وضاح عبد الأمير- ( سعدون)

محسن صابط الجيلاوي

2008 / 11 / 15

 

كنت دوما أفكر في بداية تصلح للكتابة عن رفيق درب وشهيد مثل سعدون ، شيء يبعد ويقلل التفسيرات المبتسرة والاختزالية وخصوصا داخل بقايا حزب أعرف جيدا آليات العمل والتفكير بداخله أو مع المختلف فكريا معه ..خصوصا أن سعدون أصبح في موقع قيادي متقدم وأنا خارج الحزب ، بل أكثر من هذا خارج الإطار الفكري الذي يعمل عليه الشهيد سعدون وأقصد ( الشيوعية ) كفكر وممارسة ، ولكن كل تلك الإشكالية وكل تلك الطرق والدروب والمفترقات التي قادتنا لها الحياة وحب الوطن والناس والمنافي والتجربة وتنوعها المطلوب لا تلغي أبدا إلا أن أُعبر عن احترامي وتقديري للمحطات وللذكريات العطرة لهذا الإنسان المتميز في سلوكه النضالي والأخلاقي والاجتماعي...
التقيت الشهيد سعدون لأول مرة في قاعدة ( هيركي ) وهو في طريقه ضمن مجموعة كبيرة من الأنصار الملتحقين حديثا من الخارج إلى ( ناوزنك ) حيث قيادة الحزب، ومن اليوم الأول لاستراحتهم هناك وبعد أحاديث وأسئلة وحوارات متفرقة يحملها عادة حدث قدوم الأنصار الجدد تكونت علاقة ودية معه وأعتقد أن لشخصيته في هدوئها وكياستها والمُشبعة بثقافة سياسية وأدبية تجعل من سعدون شخص محبب على القلب ومشروع تعارف سلس وطليق ومفتوح لكل من يلتقي به ...ومن حسن الصدف انني مع المرحوم أبو جنان أُنيطت بنا مهمة إيصال وقيادة مفرزتهم إلى قاعدة ( كوستا ) وكان حينها يتطلب ذلك حوالي 5 أيام من المسير الشاق ، وكان في مفرزتهم المُشكلة من القامشلي كما أعتقد عدة مشاكل تنظيمية واجتماعية أفرزتها صعوبات رحلة طويلة في دروب وعرة ولأيام طويلة ، ورغم أن سعدون الشاب والقادم حديثا من مقاعد الدراسة التي قطعها في الاتحاد السوفيتي يشكل عنصر عادي في المفرزة لكن طيلة مسيرتنا من ( هيركي ) إلى ( كوستا ) وعند حدوث إشكالات ومتاعب نراه يتقدم بهدوء وبثقة وبلا ضجيج أو افتعال إلى مساعدتنا في تذليلها مما جعل حضوره اللافت هاما ومحوريا وأساسيا في عمل المفرزة في مختلف الجوانب وهذا ما أكسب سعدون محط احترام خاص منا نحن كإدلاء ومحط احترام عموم المفرزة التي هو عضو فيها ..ومن مسيرة تلك الأيام تكونت لدي علاقة شفافة ودافئة مع سعدون ، فبعدها بأشهر انتقلت شخصيا من ( هيركي ) إلى( ناوزنك ) وعند عودتي من الأخيرة في الطريق إلى ( بشتآشان ) التقينا في مقر فصيل ( شقولگا ) وكم أسعدني وأمدني بفرح عامر طريقة استقباله الأخوية الودية لي حيث كنت حينها أعاني من متاعب صحية ..بعدها تكررت لقاءاتنا في محطات القاعدة وبعد مجزرة بشتىآشان في مناطق مختلفة من كوردستان وكانت مشبعة دوما بالنقاشات والحوارات فسعدون مستمع ومحاور جيد يفرض الاحترام ويجعل الحوار معه فيه إمتاع حقيقي كونه رفيق بسيط وعذب ومتواضع ، وكنت أرى دائما سعدون بتلك الطلعة العراقية السمراء وبتلك الابتسامة الهادئة الواثقة وكان هو ومجموعة أخرى متميزة يشكلون بالنسبة لي ولغيري شخصيات طموحة تنتمي لنا نحن جيل الخيبات المتتالية تحاول أن تشد وتحمل وتقلل وبإصرار عجيب وزر احباطات وفشل الحركة الأنصارية سواء بالممارسة أو بالتضحيات غير المبررة التي قدمتها وبالشكل القيادي المهزوم وخصوصا بعد بشتآشان ..كانت هناك نواتات في بهدنان وفي أربيل وفي خواكورك رغم قلتها لكنها كانت تحلم بالتغيير سواء على صعيد محنة حزب أو وطن ، وبلا شك كان سعدون احد هؤلاء ...، مرة التقينا في خواكورك حيث كنا نعمل قرب قيادة الحزب ومكتبها العسكري وعبرت عن رغبتي أنا وزوجتي بالعمل في المفرزة التي يقودها في أربيل فقد مللت تلك القيادة والكوادر القريبة منها وفقط وجود شخصيات مثل ، أبو سم...ح ، أبو اس...يل ، ع مالية ، م.ق تجعل الحياة لا تطاق ، فأجابني بطريقته المحببة ليش تنتقلون الحياة هنا أفضل لكم كعائلة وعندما شرحت له الأوضاع المزرية ، أجابني أن هناك قرار في قاطع أربيل لا يسمح بعمل النصيرات في مفارزها وبعد أيام من تواجده في قاعدتنا التقينا ثانية وعلى محياة ضحكة هازئة بمجمل الوضع الذي نعيشه وعلى شفتيه كلمة الله يساعدكم ، الآن عرفت لماذا لا تريدون البقاء ، فقد كان مستاءا من كل الوضع الذي تعيشه القيادة وحاشيتها ، كما أجاب عن أسئلتنا بصدد محاولة البعض تحويل عمل المفارز إلى شكل عصابات تنتهك حقوق الناس بلا تدقيق ولا إجراءات منضبطة حيث كان رافضا لهكذا مسلكيات لا تليق بموقفنا كحركة سياسية في التعامل مع حياة البشرية التي حاول البعض استرخاصها لأغراض واهية من حب الزعامة والظهور من أولئك الذين تحولوا إلى ما يشبه قطاع طرق في أربيل ....وأعتقد ولمعرفتي الجيدة بالذين تسلقوا بعد ما يسمى المؤتمر الخامس إلى اليوم عبر فعاليات تنظيمية متخلفة يشكل وصول سعدون إلى أعلى موقع قيادي وبشكل سريع هو ما يمكن وصفه بشكل جازم أن جميعهم كانوا بحاجة إلى سعدون ولم يكن هو بحاجة إلى أي واحد منهم للوصول إلى ذلك ، فالغلة التي زرعها بنشاطه الأنصاري والتنظيمي والإنساني والحياتي والأخلاقي كان وحده يحفر شكل واقع من يمتلك مفاتيح القوة المستحقة التي حازها بصر وعناد وجلد وبلا ثرثرة ..وكنت دائما اسأل البعض المتنفذ في الحزب عنه فترى في إجاباتهم خوف وحسد لان سعدون نبيل ونظيف ويعمل لتبرير موقعه في قيادة الناس عبر الاختلاط والاندماج بهم ، وبنفس القدر كان يعرف طموحات ولصوصية وتاريخ البعض من نهازي الفرص ، بل حاول بعضهم تشويه مواقفه ...فسعدون عكسنا جميعا بقى مع الناس وأندفع إلى قلب الوطن ليكون هناك حيث التنظيم والصلات والأيام المحفوفة بالمخاطر ..ورجل شجاع ووطني مثله كان قدا لها...

ورغم اختلافي مع الحزب ومع دخول ما يسمى مجلس الحكم ودخول سعدون إلى ما يسمى المجلس الوطني لكن كل ذلك الاختلاف في الاجتهاد والذي اُمني نفسي أن نعرف يوما أن لسعدون تحفظات سيكون ذلك مفخرة تضاف إلى مفاخره الكثيرة وتاريخه الناصع... !
أربع سنوات على رحيل رجل صاحب تجربة عسكرية وصاحب حس أمني جعل من أيام وسنوات العمل السري ممكنة أن يقع في كمين غادر وبشكل سهل محل تساؤل كبير بالنسبة لي ولغيري من الذين يعرفون إمكانيات سعدون وتاريخه ، إن الأندساسات ومحاولة وقف تطور نموذج قيادي كانت كل الأبواب مفتوحة أمام مواهبه لكي يكون قائدا صاحب كاريزما ونموذج لشكل القيادات التاريخية التي قادت الحزب سابقا يجعل من أعداءه كٌثر بحق، فهناك أسماء باعت نفسها للأحزاب الكردية ، وهناك أسماء ظهرت على جداول اجتثاث البعث ، وهناك أسماء ظهرت كونها متورطة في التعامل مع النظام السابق ،وهناك أسماء حولت كل شيء زاهر في تاريخنا إلى بزنس وشركات ، مضافا إلى ذلك وجود إرهاب منفلت كل ذلك جعل من أمر اغتيال سعدون ممكنا...!

لقد كان سعدون وردة وسط كم من غث قيادي ، وكنت أتسائل مع نفسي كيف تستطيع هذه الرقة والبسالة التي اجتمعت بشخص أن تتفاعل وتعيش وسط خراب حقيقي ...؟؟؟

كان بقايا من بصيص أمل أطفأته إرادة شريرة أرادت أن تخنق حلم الناس بغد له رجالات وفكر جديد كان سعدون أحد العناوين القليلة ولكن العريضة المفترضة في ذهني وذهن الكثير من عاشوا واقع وتجربة يسار مريض حقا..!

أربع سنوات لم يتعرض أي قيادي لأي محاولة اغتيال حتى ولو بخرطوش ماء ،وأغلبهم لا يملك أي خبرات كالتي يمتلكها سعدون يجعلني أفكر مليا هل تعرض سعدون لتصفية منظمة من الطامحين بلا حق للمال والسلطة والجاه والمسؤولية ومن المشبوهين والمرتبطين بأجنده مختلفة المشارب والاتجاهات في حزب فقد القدرة على التغيير وعلى إيجاد قيادات تحظى باحترام الناس وفي بلد يعج بالفوضى حيث تضيع فيه يوميا عناوين وهوية وجرائم القتلة ...؟!

ورود حمراء جبلية على قبرك ولذكراك العطرة أيها الفتى العراقي الجميل...!

المجد للشهيد النصير المقدام سعدون والخزي والعار للقتلة المجرمين مهما كانت عناوينهم ونواياهم...!



**************


لتبقى متوهجا في سماء العراق توهج طبقتنا العاملة على ارضها ابو فرات

سعاد خيري

10/1/2005


يا ابو فرات
تميز الرفيق ابو فرات وزوجته الرفيقة كوريا بحبهما المعجون بدمائهما للحزب الشيوعي العراقي واستعدادهما لتنفيذ سياسته بكل اخلاص وتفاني دون أي تردد او تمحيص.
وما ان بدأت الحرب الامريكية البريطانية ضد العراق لبيا نداء الحزب الشيوعي للعودة الى الوطن والعمل بكل حماس وتفاني كل في مجال عمله . فقد عمل الرفيق هادي صالح في سبيل اعادة تأسيس اتحاد النقابات العراقية وكوريا في مجال اعادة نشاط رابطة المرأة العراقية. واستطاع هادي صالح تنفيذا لسياسة الحزب ان يعيد تأسيس اتحاد النقابات العراقية وان يصبح عضوا في هيئته القيادية وممثلا للعلاقات الخارجية ، بقبول مساومات تنازل فيها العمال الثوريون عن اكثريتهم وتحولهم الى اقلية بعد ان هاجمت قوات الاحتلال الهيئة التأسيسية للاتحاد واعتقلت معظمهم.
واستمر هادي صالح في نشاطه المتقد حماسا وفقا لخط الحزب في التعويل على بعض النشاطات السلمية لتحقيق مطالب العمال الكثيرة والملحة رغم تعنت قوات الاحتلال واصحاب العمل، وقام بنشاطات واسعة في تعزيز مواقع الحركة العمالية العراقية على الصعيد العالمي، رغم كل التهديدات التي كان ورفاقه يواجهونها من القوات الامريكية وادواتها من الارهابيين وايتام النظام الدكتاتوري، والتي راح ضحيتها العشرات من العمال النقابيين.
واستشهد هادي صالح فور عودته من اليابان لتجرؤه على حضور مؤتمر لمنظمة العمال الامريكين المناهضين للحرب في العراق والتقى برئيس المنظمة جون سويني . تلك المنظمة التي تطالب بانهاء احتلال القوات الامريكية للعراق وانهاء الحرب والارهاب على شعبه.
وفي كلمته في المؤتمر المفعمة بالثقة بقدرة شعبنا وطبقتنا العاملة على بناء مستقبل زاهر للعراق اسوة بما حققته الطبقة العاملة اليابانية لشعبها اظهر هادي الروح الوثابة لشعبنا وعمالنا التي عملت الادارة الامريكية على قتلها ..ولطالما ارق قادتها السؤال كيف لهذا الشعب رغم كل وسائل القهر والارهاب الذي مارسناه ضده منذ اجهاض ثورة 14/تموز حتى اليوم ولاسيما على يد الدكتاتور صدام حسين وعلى يد الارهابيين الدوليين من العسكريين الامريكان والمدنيين ولا زال شامخا ..متفائلا ..لا يحس بالانكسار!!
نعم هذا هو شعبنا وعمالنا وسيبقى ابطال مثل هادي صالح، ابو فرات واخرين اسهما حادة تخترق قلوب اعداء شعبنا والانسانية.
سعاد خيري
10/1/2005

 

 

**************


بيان أتحاد الشيوعيين في العراق حول اغتيال الرفيق أنصار عبد الأمير مهدي

اتحاد الشيوعيين في العراق

2005 / 7 /6

في ليـلة 28/6 أقدمت قوى الإرهاب والدكتاتورية وكعادتها وبطريقتها المعروفة على اغتيال الخيريـن من أبناء شعبنا على اغتيال عضو اتحادنا الرفيق أنصار عبد الأمير مهدي (رئيس مهندسين في كهرباء محافظة ديالى) محاولة من هذه القوى لمنع أبناء شعبنا من بناء الوطن الذي تركه الطاغية المجرم أكوام من الأنقاض حيث أخذ الرفيق الشهيد على عاتقه نصب مولدات الديزل لكهرباء ديالى الآمر الذي دفع القوى الضلامية لإرسال تهديد له بترك العمل لانهم لايريدون لشعبنا آن يرى النور الذي يظهر قبحهم وسواد نفوسهم ولم تثني تهديداتهم رفيقنا الشهيد من الاستمرار في عمله خدمتا لأهله وابناء مدينته الآمر الذي دفعهم لقتله أمام داره في منتصف الليل . وأننا في الوقت الذي نعاهد الرفيق الشهيد على آن نكون في طليعة المدافعين عن حرية شعبنا واستقلاله وتخلصه من براثن الاحتلال الأمريكي ومن كل أصحاب النوايا السيئة التي تبيت له الشر من سلفيين وصداميين وقومويين وغيرهم .نقدم عزاءنا الى كل أعضاء اتحادنا الشيوعي وأصدقائه وجميع فصائل الحركة اليسارية والديمقراطية في العراق ونطالبهم بالوقفة الجادة المخلصة والعمل سوية على قطع دابر الإرهاب بكافة تلا وينه وأشكاله وان نضع يدا بيد من اجل بناء عراق علماني تعددي فدرالي خالي من كل أساليب القهر والاضطهاد وبعيدا عن الطائفية والمذهبية والتمييز القومي الديني .وفي الختام لايسعنا الى آن نقدم عزائنا الى عائلة الشهيد وكل منتسبي وزارة الكهرباء والى رابطة الدفاع عن حقوق موظفي الكهرباء بصفته مسؤول اللجنة الثقافية فيها . المجد لشهيدنا الغالي والخزي والعار لقتلة شعبنا واعداء الشيوعية.



عاشت الطبقة العاملة العراقية

عاشت الشيوعية

اتحاد الشيوعيين في العراق

اللجنة المركزية

بداية تموز 2005



**************



صفحات الشهيد الخالد القائد التأريخي فهد ورفاقه الابطال

 

 

دقت جريمة اعدام قادة الحزب الشيوعي في 14/2/1949مسمارا في نعش الامبريالية البريطانية ودقت ردة 8 شباط 1963 في نعش الهيمنة الامريكية

سعاد خيري

2009 / 2 /5


يزخر تاريخ شعبنا بكوارث هائلة وردات صاعقة ولكنه لم يجتازها ببسالة فقط بل وليسجل من خلال مقاومته الجبارة وكفاحه الدامي مساهمته المؤثرة في مجرى التاريخ العالمي. فقد استثارت جريمة اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد وحازم وصارم، في 14/شباط 1949، بهدف تركيع شعبنا وحرمانه من طليعته الثورية المنظمة، والضمير الوطني والطبقي لشعبنا وادت الى توحيد قواه في ثورة جبارة هزت مواقع الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ليس في الشرق الاوسط برمته فقط بل وفي العالم، في 14/تموز/ 1958 . اما جريمة تنظيم وقيادة ردة شباط /1963 وكل ما ادت اليه وتبعها من ردات وصولا الى الردة الكبرى في احتلال العراق، فقد اصبحت من العومل الاساسية في الازمة العامة الشاملة للامبريالية الامريكية وفي انهيار هيمنتها على العالم، اقتصاديا وعسكريا واخلاقيا اليوم .
فاجأت بريطانيا العظمى العالم ولم تزل احتفالات البشرية بالنصر على الفاشية تتصاعد وتسجل المزيدا من القوانين والمواثيق الدولية لحماية البشرية من اعدائها من تجار الحروب ومستعبدي الشعوب ولضمان حريتها في اختيار سبيل تطورها ، باقتراف افضع جرائم الفاشية باعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد وحازم وصارم المعتقلين باحكام ثقيلة كبديل لاحكام الاعدام التي فرض الراي العام العالمي رفضها واستبدالها بالسجن قبل عامين فقط. و شغلت صحف العالم وبرلماناتها واعتبرتها اهانة لشهداء تحرير البشرية من الفاشية والعودة لتكبيل عقول البشر واستعبادهم. فقد ادى النصر على الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية وتصاعد حركات التحرر الوطني على الصعيد العالمي الى تصاعد طموحات شعبنا للتحرر من البعية للامبريالية البريطانية ومحاولاتها لتكبيله باتفاقية بورتسموث لادامة استعباده ونهب خيراته لعشرات السنين. ونجح في قبرها واسقاطه للحكومة التي حاولت تمريرها بانتفاضة كانون 1948، التي لعب فيها الحزب الشيوعي العراقي الدور الطليعي.فاستغلت القوات البريطانية واداتها الحكم الملكي العدوان الاسرائيلي المبرمج على الاراضي الفلسطينية وارسال الجيش العراقي الى الجبهة لفرض الاحكام العرفية وتنفيذ حكم الاعدام بقادة الحزب الشيوعي باشراف السفير البريطاني، قبل اعلان الحكم، المنافي لكل القوانين العراقية والدولية. وذلك من خلال اعادة محاكمتهم وتنفيذ اقسى الاحكام بسجناء مكبلين باثقل القيود، لايملكون سوى قوة الفكر والارادة بحتمية تحرر شعبهم وعموم البشرية . و بتهمة لايمكن تمرير كذبها "التآمر لاسقاط الحكم". فاثارت الراي العام العالمي بما في ذلك الشعب البريطاني واعتبره تسجيل لبدء مرحلة جديدة من نضال البشرية ضد اعدائها المتنافسين على استعبادها و دليل ضعف وليس قوة .
لقد كانت خسارة شعبنا فادحة بفقدان انضج قادته الثوريين وعيا واقداما فهد وحازم وصارم، ولكن شعبنا لم يفقد ثقته بقدراته على تنضيج طلائع ثورية قادرة على قيادة نضاله من اجل التحرر وبناء العراق الديموقراطي. وفي غمرة نضال جماهيري وطني واممي متصاعد لمدة عشر سنوات لم يعرف خلالها الموسمية ولاالتردد، وبالاستفادة من تجاربه وتجارب شعوب العالم، ورغم تظافر مخططات الامبريالية الامريكية الصاعدة مع مخططات الامبريالية البريطانية المتهالكة لتكبيل شعبنا بالاحلاف العسكرية العدوانية ولاسيما حلف بغداد، استطاع شعبنا بوحدة قواه الوطنية من تحقيق ثورة 14/تموز/1958الجبارة التي هزت اركان الامبريالية العالمية عموما والامبريالية البريطانية خصوصا وتهديم ما بنته من قواعد واسس لعشرات السنين، وقدمت لشعوب العالم عامة ولشعوب الشرق الاوسط خاصة تجربة رائدة بقدرتها وبوحدة قواها وتضامن شعوب العالم على التحرر من الهيمنة الامبريالية وبناء مستقبلها . ولعب الحزب الشيوعي العراقي دوره الطليعي المعهود فلا يمكن القضاء على الحزب الشيوعي العراقي لانه ضرورة موضوعية وتاريخية طالما بقي احتلال وظلم واستعباد في العراق وتبخرت كل احلام اعداء شعبنا بالقضاء على الحزب الشيوعي العراقي التي طالما تشدق بها اقطاب العهد البائد .
لم تغفر الامبريالية الامريكية لشعبنا ضربته الموجعة تلك لطموحها في الهيمنة على اخطر واهم مناطق العالم وهي في بدء انطلاقتها وفي اوج عنفوانها. واقسمت تارة باعادة الحصان الجامح الى الحضيرة وهي تعد لردة شباط 1963 واخرى بارجاعه الى ما قبل التاريخ وهي تعد لاحتلاله بعد ما يقرب من نصف قرن . ولم تجرأ في ردة شباط على استخدام قواتها العسكرية لتنفيذ مخططاتها رغم تواجدها في لبنان لخوفها من التهديد السوفيتي. فاستعانت هذه المرة باحد مكونات الشعب وقواه الوطنية حزب البعث، بشراء قادته لتنفيذ مخططاتها الاجرامية تحت شعارات قومية براقة ودعم عسكري واستخباراتي لتمرير انقلابهم العسكري واخطر جرائم العصر حتى ذلك الحين . فقد اطلقت قوات الحرس اللاقومي لقتل طلائع القوى الوطنية عامة والشوعيين خاصة وتحطيم كل منجزات ثورة 14/تموز الوطنية والحضارية بما في ذلك تعديل قانون الاحوال الشخصية باتجاه رجعي وتعطيل انشاء الشركة الوطنية للنفط وتعطيل تشريع قانون استثمار النفط وطنيا .
لم تصمد حكومة ردة شباط اكثر من بضعة اشهر خاض خلالها شعبنا مقاومة باسلة وقدم فيها الاف الضحايا واضطرت الامبريالية الامريكية الى استبدالها تحت ضغط الراي العام العالمي والعربي وذهبت مجللة بعار التبعية للامبريالية الامريكية التي عبر عنها احد قادتها "جئنا بقطار امريكي".وتتالت الانقلابات والبدائل لتنفيذ ما اقسمت عليه الامبريالية الامريكية من اعادة شعبنا الى عصور ما قبل التاريخ وكان ابشعها اجراما حكم صدام الذي اتاح للامبريالية الامريكية اقتراف افضع جرائم الحرب واستخدام افتك اسلحة الدمار الشامل تحت شعار حماية العالم من جرائمه وحروبه العدوانية التي كان ينفذها بالنيابة عنها كما اعترف علنا عن حربه ضد ايران وصولا الى تهيئة كل مستلزمات احتلال العراق بدون مقاومة الجيش العراقي المنهك والشعب العراقي المستنزف.
نعم ان الردة الاخيرة وهي من اخطر ما تعرض له شعب من ردات عبر التاريخ. و نفذتها قوات احتلال دولة عظمى مسندة بقوات دول تابعة، دولة تشغل موقعا متميزا في المحافل الدولية وتفرض عدوانها بالرغم منها!! واستمرت معاول الابادة والتهديم اكثر من خمس سنوات مدعمة بمختلف فصائل محترفي بيع الوطن والضميروالمستجدين من المتسترين بالدين وبالتاريخ الوطني لاحزابهم التي باعوها وبمختلف ادوات الارهاب المحلية والدولية وبتشكيل مختلف اشكال المليشيات الطائفية ومختلف اشكال المنظمات العسكرية. ابادت خلالها معظم المعالم الحضارية والبني التحتية وهدمت كل المؤسسات العلمية والتراثية وقتلت الاف العقول العلمية والتربوية . نعم اعادت العراق قرون الى الوراء ولكنها لم تستطع قتل الكرامة الانسانية للشعب العراقي ومقاومته للظلم والاستعباد ولم تستطع قتل طموح للتحرر والرقي الاسس المادية والمعنوية لبقاء الحزب الشيوعي العراقي كضرورة موضوعية ليكون في طليعة النضال الوطني والعالمي ، الامر الذي حول حلم الامبريالية الامريكية بادامة احتلال العراق الى كابوس يرعب جنودها ويدفعهم للانتحار. وحول جشعها لاستثمار ثرواته الى نزيف دائم لاموالها ومساهم بقسط كبير في تعميق ازمتها الاقتصادية ومواقعها المهيمنة في الاقتصاد العالمي ، وجرائم تركيع شعبه الى عار يلاحقها في جميع انحاء العالم ويعمق ازمتها الاخلاقية ويهدد مواقعها المهيمنة معنويا ...

 

 

**************

 

أيام فهد في سجن الكوت

سالم عبيد النعمان

يــوم الشــهيد الشــيوعي 14 شباط

في 24 حزيران سنة 1947دعينا عصرا إلى المحكمة الكبرى في بغداد. كانت ساحة المحاكم خالية من موظفي القضاء ومن المراجعين ولكنها ملأى برجال الأمن والشرطة، وعند دخولنا المحكمة الكبرى تلى رئيس المحكمة عبد العزيز ماجد قرار الحكم بصوت مرتفع بعد إن كان هادئا خلال بداية المحاكمة فصدر حكم بالإعدام على فهد وعلى رفيقه زكي محمد بسيم وإبراهيم ناجي وأرسلنا إلى سجن بغداد حيث أودع فهد وزكي ومحمد بسيم وإبراهيم ناجي في غرفة الإعدام لصدور الحكم عليهم بالإعدام، بقوا في هذه الغرفة مدة عشرين يوما حيث أصدرت محكمة التمييز قرارها بإبدال عقوبة الإعدام على فهد بالسجن المؤبد وعلى رفيقيه بالحبس خمسة عشر عاماً، وكان فهد مكبلاً بالحديد لأن ذلك مقرون بعقوبة السجن المؤبد.

وما أن وصل فهد إلى السجن معنا حتى بادر إلى تنظيم السجناء وطريقة حياتهم في السجن. فنقلنا إلى سجن الكوت حيث خصصت لنا ردهتان. واحدة كبيرة نسبيا لإقامة فهد وزكي وحسين وبقية السجناء. وعهدت إليّ مسؤولية الردهة الأصغر حيث اقمت مع عدد من الرفاق،.لقد نظم فهد حياتنا فغدا فكان السجن أشبه بمدرسة. كنا نمارس الرياضة صباحاً وننصرف إلى الدراسة كل باختصاصه.

كان فهد مؤسس وباني الحزب. وصاغ شعاره "قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية" الذي لا يزال يحتفظ بحيويته .وكان ينظر إلى بناء الحزب وتقويته قرينة وبناء جبهة وطنية واسعة باعتبارها السلاح الفعال لمجابهة الاستعمار واستكمال استقلالنا وسيادتنا الوطنية.

نزولا عند رغبة (طريق الشعب) اذكر بعض توجيهات فهد اليومية للرفاق السجناء وأقواله في هذا الصدد:-

اليقظة عند النصر

عشية سماعنا انتصار الشعب وحركته الوطنية في الوثبة وسقوط وزارة صالح جبر وفي غمرة فرحنا جميعا، تساءل فهد: ماذا لو كان الأمر معكوسا وانتصر نوري وصالح؟ ماذا كان سيحل بنا؟ واضاف: سيشن هجوما لا سابق له على الحركة الوطنية ويزج في السجن عددا لا يستهان به من انصارها. أما نحن هنا فسيشنق عددا منا في السجن أوفي أماكن غيره. فذلك تساؤل على القائد المحنك أن يضعه في حسابه حين تحقق النصر الأول كي لا يضيع في غمرة النصر.

ضد عبادة الفرد

كان فهد في كل اجتماع يعقد لمناسبة ما يطلب من بعض الرفاق أن يتحدثوا بهذه المناسبة و في أحد المرات أعطيت الكلمة إلى عدد من الرفاق ومنهم يعقوب رحمين الذي كان يسمي نفسه جاك رايمون ولكن فهد ظل يسميه باسمه الحقيقي يعقوب رحيمن، وقد هتف يعقوب بحياة مفكري الماركسية النظريين والعمليين ماركس وانجلز ولنين وستالين وفهد وسماها الماركسية اللينية الستالينية الفهدية. وهنا نهض فهد ولام يعقوب على إدخاله ضمن قائمة القادة الشيوعيين العظام وقال انه ليس إلا تلميذهم البسيط. ورجا الرفاق أن يمتنعوا عن المبالغة في الأشخاص.. وكان هذا درسا ضد عبادة الفرد

على اثر مظاهرة 24/حزيران سنة 1946 قابلنا الوصي الرفيق حسين الشبيبي وأنا محتجين على رمي المتظاهرين بالرصاص ووقوع عدد من القتلى والجرحى، فردّ الوصي إن المظاهرة طوقت السفارة البريطانية وخشينا أن تفلت الأمور. وحين نقلنا لفهد وقائع المقابلة وقول الوصي"خشينا أن تفلت الأمور"، فقال فهد" احنا شنريد غير أن تفلت الأمور على الحكومة ، هذا مطلب مهم" ، وكان تعبيرا صادقا عما نهدف إليه.

كنت أقابل فهد تقريبا كل يوم مساء لأعرض عليه وقائع الصحف البغدادية اليومية التي تأتينا إلى السجن حوالي الساعة الثالثة عصرا. وبعد الفراغ تجري أحاديث كثيرة، قلت له يوما" رفيق.. أنت أثناء المحاكمة عندما سألك الحاكم لماذا تلجأون إلى العمل السري؟ أجبته إن اضطهاد الحكومة لنا هو الذي اضطرنا إلى العمل السري واستشهدت بالنبي الكريم محمد الذي كان قد مارس العمل السري خشية من بطش سادة قريش. والسؤال : هل لك إلمام بدراسة الحضارة الإسلامية والعربية والفكر الإسلامي ونشاط التنظيمات السرية؟" أجابني ان دراستي قليلة في هذا الشأن واغلبها مستقى من كتاب الحركات السرية في الإسلام ل(بندلي جوزي) وغيره من بعض الحركات ثم أضاف" نحن إذا وصلنا إلى الحكم فان من أهم واجباتنا تكوين لجنة مؤلفة من مفكرين شيوعيين ومفكرين آخرين من الموضوعيين عميقي لدراسة الحضارة الإسلامية فهي تاريخنا الذي لا تستقيم دراسة المجتمع وتطورات مراحله بدونه".

تكوين القائد

قرأنا في الجرائد عن محاولة اغتيال قائد الحزب الشيوعي الايطالي الرفيق توغلياتي ونقد ستالين لرفاق الحزب الايطالي لأنهم لم يحسنوا حماية رفيقهم وسلامته من اختراق العدو. وقد علق الرفيق فهد بالقول لو كانت محاولة الاغتيال قد نجحت فلا شك إن الحزب الشيوعي والحركة الشعبية الايطالية سيخسران كثيرا... نحن هنا في السجن كم من الوقت نحتاج لإعداد طباخ جيد فينا وكم من يستغرق إعداد خباز؟ فكم سيعاني الحزب والحركة الوطنية نتيجة خسارة قائد وطني وشعبي. لا شك إن ذلك سيستغرق زمنا طويلا.

لا تدوس ببطنه!

1-
لا اريد الحديث عما عندي من ذكريات كثيرة عن حياة السجن اليومية وآراء حولها. ولكني أشير إلى شكوى شهدتها إذ.جاءه يوما رفيق يشكو من رفيق آخر.

فحقق فهد في الشكوى واتضح له إن نقاشا حادا بينهما كان سبب تهجم الآخرعلى الحزب. فقال فهد للشاكي: أنت كنت مسؤولا عن هذه المجموعة معك ودست على بطن المقابل حتى خرج من بطنه ريح أنت المسؤول أم هو عن هذا الريح؟ وقال له اذهب واحضره لأعطيكما درسا في النقاش وفي التعامل ألرفاقي بينكما.

2-
اذكر واقعة طريفة خلاصتها نزاع بين عبد الوهاب الرحبي ومراد بيرم وهو احد عمال السكك الحديد كان من عادته شفط الشوربة الصباحية بسرعة رغم سخونتها فيحرم رفاقه منها. نقل مراد بيرم اثر ذلك الى جورج تلو المؤلفة من أربع أشخاص. بعد يومين او ثلاثة جاء جورج تلو يشكو من أنفراد مراد بيرم في شفط الشوربة الساخنة. فعالج فهد الامر بحكمته حتى صار مراد يراعي رفاقه في الطعام الذي كان محدودا في تلك الأيام.

3-
اختتم بالقول كلمتي بالقول ان الرفيق فهد كان اباً وعطوفاً على رفاقه وفي الوقت نفسه صارماً في حرصه على راحة الرفاق ويعالج الاضطراب الفكري والجزع بصبر لا حدود له.

سالم عبيد النعمان

 

**************

 

 

بين اعدام فهد 14 شباط 1949 في ساحة المتحف الوطني العراقي ومحاولة اعدام الذاكرة الحضارية العراقية في 9 نيسان 2003

صباح زيارة الموسوي

2005 / 2 / 21


اختار الحكم الملكي المقبور ساحة المتحف الوطني العراقي لتنفيذ حكم الاعدام في الشهيد مؤسس وقائد الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ـ فهد, لقد دوى صوت الشهيد فهد عاليا وهو يرتقي اعواد المشنقة "الشيوعية اقوى من الموت وأعلى من المشانق" وقوله قبل ذلك وهو في طريقه من السجن الى موقع الاعدام في ساحة المتحف العراقي " لن يموت شعب يقدم التضحيات " وقوله ايضا " نحن أجسام وأفكار, فان أفنيتم أجسامنا فلن تقضوا على أفكارنا" ونفذ حكم الاعدام برفيقي فهد الشهيدين حسين الشبيبي وزكي بسيم الاول في باب المعظم والثاني في الباب الشرقي

لقد مر على اعدام فهد ورفيقيه ما يزيد على نصف قرن , لتجري اكبر محاولة في التأريخ بهدف اعدام ذاكرة الشعب العراقي الحديثة والحضارية على حد سواء , ولم تكن مصادفة ان يرى المحتل الامريكي بالمتحف الوطني العراقي موقعا لتنفيذ حكم الاعدام هذه في 9 نيسان 2003

ان اعدام فهد في ساحة المتحف العراقي للحفاظ على النظام الاستعماري وضمان الهيمنة على النفط العراقي , واعاقة تحول العراق الى قلعة للتحرر الوطني والعربي والعالمي , هي ذات الاسباب التي دفعت الامبريالية الامريكية لاحتلال العراق , لكنها لم تواجه هذه المرة فهدا لاعدامه فكان لابد من اعدام الذاكرة التاريخية لشعب فهد , وهكذا تم تنيفيذ حكم الاعدام بالمتحف الوطني العراقي على يد الحلف الغير مقدس بين المستعمر القديم بريطانيا العجوز التي كانت هي التي قد نفذ حكم الاعدام بفهد ورفيقيه في 14 ـ 15 شباط 1949 بواسطة الحكم الملكي العميل والاستعمار الجديد ممثلا بالولايات المتحد الامريكية لذات الاسباب القديمة ـ الجديدة

لقد كتب عن مسيرة القائد الشهيد فهد الكثير , وسيكتب عنه على تعاقب الاجيال , فقائد من طرازه لايتكرر بسهولة , فهو بحق من طراز القادة التأريخيين , وعليه ساكتفي بالكتابة عن صفة قيادية واحدة من صفات فهد , وكذلك عن موقفه المييز على صعيد الحركة الشيوعية العربية والعالمية انذاك من قرار تقسيم فلسطين الاستعماري

لقد عرف فهد ببساطته وتواضعه وعلاقاته مع الاوساط الكادحة من العمال والفلاحين , فهو لم يكن ابدا من قادة النخبة , بل انه حتى كتاباته ورغم عمقها الفكري , تميزت بالوضوح وسهولة الفهم , لقد واثب فهد ومنذ وعيه المبكر على المعايشة الوثيقة المباشرة للفقراء فتركت اثارها الواضحة في معالجاته للوضع السياسي العراقي الملموس دون شعارات رنانة لا يفقه الكادح محتواها , ولعل في حادثة علاقته مع فلاح بسيط في سجن الكوت مثالا قويا على ذلك [ يروى أنه في سجن الكوت اعتاد أن يعاشر الفلاحين الذين كان يزج بهم في السجن لأسباب واهية منشؤها جور الاقطاعيين وتقاليد المجتمع العشائري المتخلفة. وكان من بين هؤلاء واحد أعجب به فهد لخصاله الجيدة , وقد نشأت بين الاثنين مودة حقيقية , وكان من عادتهما أن يتمشيا سوية لفترات طويلة كلما سنحت لديه الفرصة. وكان فهد يحدث صاحبه بلغة بسيطة عن الحزب وسياسته. وكما هو شأن الفلاحين وحذرهم لم يكن الفلاح يسلم بما كان يطرحه فهد دائما… " الحكومة قوية يا أبو يعكوب .. شيشلعها ويبدلها" هكذا كان يجيبه
وكي يقرب فهد الأمر من ذهن الفلاح .. قال له : ألم تسمع بالمثل الشعبي الذي يقول " كثر الطك يفك اللحيم " ؟ وأقتاده الى خيمة نصبها احد السجناء . وكان من عادة السجناء الفرادى الذين لا يعثرون على محل يناسبهم , أن ينصبوا لهم خيمة في طرف ساحة السجن , يصنعها من احدى بطانياته ويرفعها على عصا من الوسط , ويثبت أطرافها بأوتاد يغرسها قوية في ألارض. اخذه فهد الى أحد الاوتاد وطلب منه أن يقلع الوتد بيده . هزه الفلاح مرات عديدة لكنه لم يتزحزح. قال له اتركه وواصلا السير , وكان يتعمد وهو يمشي ان يركله كل ما مر به وكان الفلاح يلحظ ذلك . بعد أيام قاد صاحبه الفلاح الى حيث الوتد , وقال له : الا تجرب حظك مع الوتد ؟ انحنى هذا عليه , وهزه يمينا وشمالا فجاء بيده .. أريأت هكذا شأننا مع الحكم . سنظل نركز الضغط عليه في نقطة معينة. ونظل نركله حتى تنهد قواه في اللحظة المؤاتية ..أذاك نقلعه من الاساس !! [ ونذكر هنا ان هذا الفلاح وجماعته غدوا من مناصري الحزب الثابتين في ارياف الكوت بعد أنتهاء محكوميتهم] ـ عزيز سباهي .. عقود من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي ج1

ان متاجرة الحركة القومية العربية يكل اجنحتها بالقضية الفلسطينية على مدى نصف قرن من الزمان , كانت محصلته ضياع فلسطين بالكامل , وكان لتكالب هذه الحركة على مختلف تسمياتها [ البعثية ـ الناصرية ـ القوميون العرب …الخ] على ثورة 14 تموز 1958 المجيدة بحجة عدم قيام الوحدة العربية الفورية وضرورة القضاء على المد الشيوعي في العراق الدور الاساسي بما الت عليه اوضاع العراق منذ انقلاب 8 شباط 1963 الاسود حتى تسليمها العراق للاحتلال الامريكي ـ البريطاني المباشر , وجرى كل ذلك تحت يافطة تحرير فلسطين من النهر الى البحر , فأين موقف الشهيد فهد من القضية الفلسطينية ؟ والم يكن موقفه هذا السبب الرئيسي الثاني لاعدامه ؟ فلنطالع الوثيقة التأريخية التالية التي صيغت من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في ضوء ملاحظات فهد بشأن القضية الفلسطينية ,ووزعت في رسالة داخلية الى اعضاء الحزب في كانون الاول 1947والتي اعلنت رفض الحزب القاطع لتقسيم فلسطين

اولا : ان الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية, ومزيفة بالنسبة الى الجماهير اليهودية
ثانيا : ان الهجرة اليهودية.. لا تحل مشكلات اليهودالمقتلعين من اوربا , بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية .. واستمرارها بشكلها الحالي .. يهدد السكان الاصليية في حياتهم وحريتهم
ثالثا : ان تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع امبريالي قديم.. يستند الى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب
رابعا: ان شكل حكومة فلسطين لا يمكنه ان يتحدد الا من قبل الشعب الفلسطيني,الذي يعيش في فلسطين فعلا, وليس من قبل الامم المتحدة او اية منظمة او دولة او مجموعة اخرى
خامسا: ان التقسيم سيؤدي الى اخضاع الاكثرية العربية للاقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة
سادسا: ان التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جديا على امال السلام في الشرق الاوسط
ولكل هذه الاسباب فان الحزب الشيوعي العراقي يرفض بشكل قاطع خطة تقسيم فلسطين ـ حنا بطاطو .. العراق, والطبقات الاجتماعية والحركات الثورية, الكتاب الثاني ص 256ـ 257

ان رؤية فهد الثورية لطبيعة المشروع الامبريالي ـ الصهيونية , سجلت سابقة تاريخية على صعيد استقلال القرار الوطني والقومي المستقل عن المركز العالمي للحركة الشيوعية انذاك , نعني به الاتحاد السوفييتى , ويوثق لرؤية تاريخية مبكره لاتجاهات هذا الصراع , والذي ترى صورته الحاضر الماساوية التي حذر منها فهد في نهاية الاربعينيات . لقد واصل فهد تاكيده هذا الموقف المبدئي من سجنه خصوصا حين وردت معلومات مدسوسة تشير الى تغير موقف الحزب هذا , في تقرير باسم " ضوء على القضية الفلسطينية" نشرفي اب 1948 بطريقة غامضة, [ويذكر الذين زاملو فهد في سجن الكوت انه حين تسلم التقرير طلب الى احد رفاقه ان يقرأه بصوت عال ليسمعه السجناء السياسيون في تنظيم الشيوعيين كما هي العادة في التعامل مع ادبيات الحزب التي تصل السجن . ـ ولم يكن قد اطلع على محتواه بعد ـ ولكن ما ان بدأ
القارئ بتلاوة الفقرات الأولى من التقرير حتى بادر الى ايقافه دون ان يخفي استياءه. ولم يقرأ التقرير بعدها . وقد اكد هذه الواقعة ايضا الشخصية السياسية والقانونية المعروف في العراق ـ سالم عبيد النعمان, الذي كان سجينا مع فهد يومذاك في حديث له مع بطاطو]عزيز سباهي … المصدر السابق

قام الشهيد سلام عادل في حسم امر هذا التقرير في الكونفرنس الثاني للحزب في عام 1956
زيف حقائق الوضع في فلسطين , وتستر على بشاعة الصهيونية وعدوانيتها, واساء الى فكر الماركسية اللينينية" ـ تقرير اللجنة المركزية الى الكونفرنس الثاني .. خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي ص 31

في الجانب الاخر , اعني به القوى القومية العربية , فقد واصلت سياسة التشويه والدعاية الكاذبة , ورفع الشعارات الرنانة عن الوحدة والحرية والاشتراكية, لتترجمها بابشع انقلاب دموي على ثورة 14 تموز 1958 الوطنية , لتتوجها باغتصاب الحكم في العراق على يد بلطجي اسمه صدام حسين ليمثل خير صورة عن هذا المشروع القومي لتحرير فلسطين واذا به يختم مسيرة اربعون عاما من السياسة التدميرية تحت شعار لا صوت يرتفع على صوت المعركة المركزية , ليلقي بالعراق قلب الامة العربية والشرق الاوسط في فم الاحتلال الامريكي , بعد حروب بالنيابة كلها في الاتجاه المعاكس لمعركة تحرير فلسطين

وفي العودة الى صفة فهد في الاحتكاك المباشر في الكادحين , والاستناد الى حس الجماهير في رسم سياسة الحزب,
التي واصلها وطورها الشهيد سلام عادل,فقد اوصلت الشعب العراقي الى انتصار ثورة 14 نموز 1958 المجيدة بعد ان تحول الحزب الشيوعي العراقي الى اكبر قوة يسارية في المنطقة , وخوض الشعب العراقي سلسلة كبيرة من المعارك الوطنية المشرفة
غير ان استشهاد سلام عادل في انقلاب 8 شباط1963 الاسود ورفاقه الاخرين , ادىبالمحصلة الى بروز قيادة نخبوية ارتهنت للسياسة السوفيتية , لتدخل الحزب في حلقة مفرغة من السياسة الذيلية للبرجوازية الصغيرة تحت يافطات متعددة, بدء بخط اب 1964 الذي دعى الى حل الحزب الشيوعي والانخراط في حزب عبد السلام عارف , مرورا باطروحة التطور اللارأسمالي والانخراط في التحالف المشؤوم مع البعث ,ورفع شعار الوصول سوية مع البعث للاشتراكية لتتوج بالضربة القاضية في الارتماء في احضان الاحتلال الامريكي للعراق , لتحول الحزب الشيوعي العراقي من اقوىحزب يساري في الشرق الاوسط الى حزب بمقعدين في اول جمعية عراقية منتخبة

 

**************


ذكراك فهد باقية لن تزول

منتدى الثقافة التقدمية

2008 / 2 / 20


قال المناضل الوطني الخالد فهد
كلما كنت شيوعيا كنت أكثر وطنيا
وكلما كنت وطنيا كنت أكثر شيوعيا
هكذا وبكل بساطة لخص وبكلمات معدودات أهمية الوطنية وترابطها ترابطا لا انفكاك له بينها وبين الشيوعية , فمن يريد أن يكون شيوعيا عليه أولا أن يكون وطنيا مخلصا يبذل الغالي والرخيص في سبيل الشعب والوطن , خاصة في مرحلة الاستعمار بأشكاله المتعددة , فما بال أولئك النيام على وعود الامبريالية والعولمة الأمريكية لخلق السعادة للشعب والوطن ؟ كأنهم البديل لحركة التحرير ! .
إن الحزب الثوري الاممي هو صاحب المبادرة في الدفاع الثابت عن حرية الوطن والشعب , فيسعى للقضاء على شرذمة الأعداء من القوى المساندة للاحتلال والبورجوازية المرتبطة والرجعية والنفعية الطائفية والقومية , هذا الكورس الهجين العجيب , المستعاد وليس بالغريب , .
-
سعى الرفيق الخالد فهد ورفاقه لبذل كل الجهود من اجل تحرير الوطن من الاستعمار , فقدم هو ورفاقه أرواحهم فداء له , إذ تم تعليقهم على أعواد المشانق في قلب بغداد من قبل السلطات العميلة للاستعمار البريطاني وهم قادة اكبر حزب شيوعي في الشرق الأوسط , كل أعضائه وقتها فداء للوطن ,قادوا الإضرابات والاعتصامات العمالية والطلابية والمهنية , في سبيل إلغاء المعاهدات الاستعمارية , ودخل الكثير منهم سجون جلاوزة نظام نوري السعيد ,اما كموقوفين ولفترات طويلة من دون محاكمة أو من حكم عليه بالإعدام او الأشغال الشاقة المؤبدة أو لسنوات طويلة مع تعرضهم لأنواع التعذيب الجسدي والنفسي و هذا النضال العنيد خلق تجمعا وتيارا وطنيا متحالفا تكلل كفاحه بانبثاق ثورة الرابع عشر من تموز حررت البلاد من الاستعمار والطغمة الباغية الفاسدة .
كان للشيوعيين دورا بارزا في الثورة بالاشتراك مع القوى الوطنية الأخرى .
-
ان ذكرى إعدام الرفيق فهد ورفاقه إذ تمر علينا هذه الأيام , هي تذكير للمناضلين بان يشدوا العزم أكثر مما مضى في تاريخ نضال القرن الماضي , للاختلاف والتنوع في سياسة الاستعمار الجديد الذي جاء على شكل احتلال مباشر مدمر للبلاد والشعب وإنتاج اكبر فوضى خلاقة عارمة بين مكونات الشعب العراقي استهدافا لتمزيق وحدته والوطن تحت شعارات ومسميات مختلفة , والمنفذين لهذه السياسة هم من جاء بهم المحتل لتحقيق مأرب الطرفين الخسيسة و إننا اذ نذكر أولئك الذين يفترض ان يرفعوا راية تحرير الوطن والدفاع عن شعبهم بان فهد لم يمت مادام هنالك عرق ينبض بالوطنية الثورية , والشيوعية الأممية التي لم يحملها إلا الأكثر وطنية .... وكيف يكون الأكثر وطنية ؟ هل هم المتخاذلون أو المساومون او التحريفيون من أدعياء اليسار المعولم ؟ طبعا ألف لا ... ان المشروع السياسي لم يكن ولحد الآن سوى خادم للاحتلال وأدواته , يمررونه على الشعب بشتى الوسائل والأساليب والشعارات يضللون بها الجماهير ويدفعونهم لقتل بعضهم بعضا على طريقة فرق تسد , فالوطني واللاوطني لكل منهم خطه الواضح أما مع او ضد , والنضال لا يكون عبر استجداء تحرير الوطن ولا عبر استجداء المساعدات الدولية او منظمات المجتمع المدني الوهمية , فكل هذه ألاعيب الاستعمار المعولم الناهب لثرواتنا في ماتحت الأرض وفوقها , وجعل وطننا ساحة حروب لمصلحة مشاريعه الاقليمية والدولية , مع تدخلات وأطماع دول الجوار من الأخوة الأعداء وان اختلف التكتيك .
-
اننا نقول لكل هؤلاء أشباه الرجال في الوطنية , عندما اعتلى فهد واقترب من حبل المشنقة ونطق قولته الخالدة ( إن الشيوعية اقوي من الموت وأعلى من أعواد المشانق ) لم يكن دعيا كاهنا او نبيا بل مناضل دفع بشكل مباشر روحه فداء للوطن مع رفاقه الشيوعيين .
ان الكبوة لن تدوم فالوطن الذي أنجبهم سيخرج من أمثالهم العشرات بل المئات متحالفين مع حركة التحرير العربية والعالمية .

 

 

**************



ياصليباً – مرثية المربي الراحل علي الشبيبي لأخيه الشهيد حسين (صارم)

محمد علي الشبيبي

2007 / 2 / 28

 

ياصليبا، مرثية أخرى لوالدي علي الشبيبي طيب الله ثراه لأخيه الشهيد حسين الشبيبي (صارم). يناجي فيها أخاه ويشكوه التأثير السلبي بفقدان الشعب لقادة الحزب الشيوعي ألأبطال وتأثير ذلك على مسيرة الحركة الوطنية. ويستعير الراحل بعض الأبيات (المحصورة بين قوسين) من قصيدة (موكب التأريخ) لأخيه الشهيد ليؤكد صحة مفاهيمه وتحاليله للواقع العراقي، وكيف أن الصراع مع قوى الطغيان طويل ومرير. وكيف أن الشهيد كان قوي العزيمة مصمما على السير في طريق النضال ولم يتهاون ولم يتوانى في التضحية بحياته من أجل المباديء التي آمن بها. ولابد من الأشارة الى أن قصيدة الوالد نظمت في فترة إنحسار الحركة الثورية بقيادة الحزب الشيوعي، أثر الهجمة التي رافقت أعدام قادة الحزب (فهد،حازم وصارم) وما صاحبها من حملة في زج الشيوعيين في السجون والمعتقلات. لذلك جاءت القصيدة وفيها شكوى من آثار هذه النكسة التي عانى منها الحزب لسنوات، لكنه في نفس الوقت يَعد الشهيد بأن الشعب لن يطلب الرحمة من الطغاة فيؤكد ماقاله الشهيد في قصيدته موكب التأريخ (نحن أهل الحق رغماً وأنتزاعا). ورغم النكسة التي حلت بالحزب والانحسار الوقتي في الحركة الوطنية، يؤكد الراحل في مرثيته أن نهاية الطغاة أقتربت ولذلك أصبحت ردود أفعال وممارسات الطغمة الحاكمة متهورة ورعناء أتجاه الحركة الوطنية. كما يعاهد الراحل أخيه الشهيد بأنه سيبق على العهد في مواصلة النضال من أجل المباديء التي أستشهد من أجلها كما في البيت التالي:
(
أنـا أنـبـيك بانـي لـم أزل........حـافـظا للـعـهد اولـيه اتـباعـا).
وبقي الراحل مادام حيا يشعر بالغصة والألم والمرارة لأنه لم تتح له فرصة اللقاء بالشهيد والتحدث معه وتقبيله قبلة الوداع. ويوضح والدي سبب ذلك في البيت الأخير من مرثيته، حيث أن حكومة العهد الملكي تمادت بالجبن والنذالة ولم تذع خبر أصدار حكم ألأعدام بقادة الحزب الشيوعي إلا بعد تنفيذه !! وقد أشار والدي الى ذلك وكتب في مخطوطته تعليقا على إنفراد البيت الأخير جاء فيه: (هذا البيت في مسودة القصيدة منفردا لايتلاءم مع غيره في التسلسل. يبدو أنه جاء كخاطرة خلال نظمي لها دون أن أربطه بابيات القصيدة. وهو يشير الى اسلوب حكام بغداد الذين أصدروا على أخي الشهيد حكم الاعدام. فقد صدر الحكم يوم الخميس 10 شباط ونفذ فجر الاثنين (14 – 15) شباط، بينما تريث هؤلاء الحكام في تنفيذ الحكم باليهودي الصهيوني شفيق عدس 25 يوما. ثم أنهم لم يذيعوا الخبر إلا بعد تنفيذ الحكم. وقد سمعت الخبر أثناء ماكنت في النادي، في الناصرية، وقمت مسرعا لأتوجه الى النجف أبحث مع أبي مايجب عمله، معتقدا أني سأجد مجالا خلال المدة القانونية لتمييز الحكم. ولكن وا أسفاه وجدت أهلي يعلنون العزاء والنواح. والبيت مطوق بشرطة الشعبة الخاصة !!!).


يـاصلـيبـا
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
12/1/1950

مـرت الايام يجـرين سـراعا..........بعـد أن خـلفن في القلب التياعـا
وتوالـت محـن لـم نـنسـها..........باطـل الـغي بـها للـحق راعـا
كم ثـكـول فـقدت مـهجـتها..........صبرها من صدمة الخـطب تداعى
هالـها يـوم أبـنها فانـذهلت..........كالـذي قد زاده السـكر صـداعـا
حـرمـت مـنه وزادت ألـما..........انـها قـد حـرمـت حتى الوداعـا

ويـتـامى فـقـدوا والـدهـم..........أمـل كان لـهم فـيه فَـضـاعـا
واذا فـيـهم حـيارى مثل من..........سار في درب وقد خاف السـباعـا
وهـنا أرمـلـة أخْـرَسْـنهـا..........خـطب أرسـلها الـبغي تـباعـا
ريـقـها والـدرَ جـفا فأنـثنى..........مرضع يرجو ولم يسعف رضاعـا
الضـنا والـبـؤس والارهـاق..........عَـمـتها من الـظـلم جـماعـا
فـتهاوت لاتـعي مـن أمـرها..........ترقب الـموت لها ساعا فسـاعـا

ياخي والخـطب يـفري كبدي..........والاسى يـزداد في قلبي إتسـاعـا
وغـيـوم الحزن في افـاقـنا..........كالـحات تـملأ النـفس إرتـياعـا
عشـر أعـوام توالت وأنقضت..........(أنت والـباغي إحترابا وصراعـا)
لم تهـن عزما ولم تضعف حجا..........لم تكن نـكسا ولم ترض إرتجاعـا
صــارم مـافـل لـولا أنـه..........رضي الـمـوت بأن يفنى قراعـا
طامـح لم يـثـنه عـن عزمه..........شـبح الـموت ولم يـبد انصياعـا
(
كاهـل يحـتـمل الدنيا جهادا..........ويـد مافـتـئت تـبني صناعـا)
ونـضال لـم يَشُـبهُ شـائـب..........في سبيل الحـق لم يذهب ضياعـا
كـم تـمـناه مـمارٍ نـفسـه..........من قتام الحرب قد طارت شعاعـا
واذا الخـذلان يلـوي جـيـده..........وكـبنـيان مـن الـطل تـداعى

يـاخي واللـيـل مازال مقيما..........موحشـا غـيّر في الناس الطباعـا
والغـيوم السـود في أجـوائنا..........تـنذر الحـزن بلاءً والـبـقاعـا
لـيس الا فـي كـفـاح دائب..........لاخـنوع أنـها تأبى انـقـشاعـا
نحـن لـن نطلب منهم رحمة..........(نحـن أهل الـحق رُغما وانتزاعأ)
نحن أهل الارض نحي تـربها..........(نحن أهـل الارض كداً وأجتماعا)

يا أخي والسير مضن مـرعب.......... في طريق لم تـزل ملآى ضباعـا
هـاهـو الـجاني تدانى حـتفه.......... جـن فاهـتاج ولـن يقوى دفاعـا
فالشـباب الـحر والى سيـره.......... جاهـدا يـبدي نـضالا ماستطاعـا
حـاقـدا لم ينـس يوما ثـأره.......... والى هـيـجائها قـاد الـجـياعـا
دك صرح الظلم في شرقـيهـا.......... وأخـاف الـغرب مذ هزّ القلاعـا
لا بـمرشـال ولا فـيـما أتى.......... حـل أزمـاتٍ اتت تترى تـباعـا
لا ولا يجـديه حـلف فـاشـل.......... لـم يـكن الا ريـاء أو خـداعـا
لا سجون لا حـراب اُشـرعت.......... تـنقذ الـموقف أوتـجدي انتفاعـا
كلـما حـاك قـناعـا سـاترا.......... مـزق الاحـرار ذيّاك الـقـناعـا
انـها السـاعـة حانت ودنـت..........وهـو يزداد جـنونا لا اقـتـناعـا

ياصليـبا مـذ علا أعـوادهـا.......... لاح كالـنجم سـمـوا وارتـفاعـا
عَـلَـم رف عـلى سـاريـةٍ.......... هـاديا من يـطلب الحق المضاعـا
يـانـشـيـدا رددت اصـداءه..........السـما والارض وازدادت شـعاعـا
أنـا أنـبـيك بانـي لـم أزل..........حـافـظا للـعـهد اولـيه اتـباعـا
غـير أني في فـؤادي حرقـة..........كـيف غادرت ولـم أبصرك ساعـا
لـم أقـبل منك نـحرا وفـما..........طـالـمـا أمـلى دروسـا وأذاعـا
ومـحـيا كـنت ان طـالعـته..........اجـتـلي مـنه بـيانا واطـلاعـا
وحـنـانـا ونـضـالا ونُهىً..........وعـلى اللأواء صـبرا واضطلاعـا
نـم أخ الاحرار يكفيك افتخارا..........أنـك أسـتحقـرت ذي الدنيا مـتاعا
وتـعالـيت عـلى اغـرائـها..........فـغـدت أقـصر في الاغراء باعـا
وأستطبت السـجن والقبر بديلا.......... ولأهـدافـك أخلصـت الـدفـاعـا
نـم أخ العليا فقد كنت الشجاعا.......... (مـن مريديـها فـطاما ورضاعـا)

ظـالم مـن جـبنه في حـكمه..........بـعد ان نـفـذ مـاشـاء اذاعـا


 

**************

 

ألشهيد حسين محمد ألشبيبي أديب وثائر

محمد علي الشبيبي

2006 / 5 / 15

اواخر عام 1916 غادر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد صارم مدينة النجف هاربا من جحيم الاحتلال البريطاني، ليقيم بين اقاربه وبعض اعمامه المقيمين في قرية تدعى الكوت بين الناصرية وسوق الشيوخ. وفي اوائل 1917 ولد له ولدا سماه حسين استجابة لمقترح ابن له اسمه جابر.
وجاءت وفود من اهالي سوق الشيوخ تطالب الشيخ بالاقامة عندهم، كرجل دين وخطيب منبر، فلبى دعوتهم، وانتقل باهله الى هناك، حيث يحتل سوق الشيوخ جنود الانكليز من السيخ ويحكمها الكابتن (دكسن) ابو رويشات كما يسمونه، وقد زج برؤساء العشار في السجون.والبسهم الثياب الملونه، واجبرهم على كنس الشوارع اهانة لهم واذلالا.
واعتلى الشيخ المنبر يندد بسياسة المحتلين المستعمرين، ودكسن يحضر المجالس، ويسمع كيف يثير شعور المواطنين بالكرامة ويحرضهم على التحرر من نير المستعمر الاجنبي. حاول دكسن اول الامر ان يغريه بالمال، فدفع له بواسطة زعيم سوق الشيوخ – انذاك- الحاج علي ألدبوس (1)، مبلغا من المال قائلا: هذا لفقراء البلد فليوزعه الشيخ حسب معرفته وعلمه ......
فأعلن الشيخ من على المنبر: يا اهالي سوق الشيوخ، هذا مال ارسله دكسن ليوزع عليكم، وانتم تعلمون ان دكسن من امة ليست على دينكم ولا من قومكم، احتلو بلادكم، واستذلوا رجالكم وها انا ارد المال الى الحاج علي الدبوس الذي يريد ان يكون سمسارا بيني وبين من يريد ان يشتري ديني ومروءتي!! ورمى بالرزم المالية الى الحاج علي الذي كان حاضرا المجلس.
وشاءت الظروف ان يصاب ابنه جابر بحصى المثانة فأشار عليه بعض اصحابه ان يعرضه على طبيب انكليزي في الناصرية، وهكذا مات طفله اثناء العملية، فغادر لواء الناصرية حزنا وكمدا عليه مدة شهرين وعاد وهو شديد الوله بصغيره حسين وكأنه يجد فيه ريح اخيه الذي سماه، وغادر الحياة ليخلو له وجه ابيه. واصيب الطفل حسين بمرض الجدري اصابة فظيعة، شملت كل جسده وطالت وامتدت لفترة عجيبة، صحبها قيح وجراحة. فنفر الاب للمنظر الكريه، رغم حبه وحنوه، وقال ذات مرة وهو ينظر اليه بعين الاسى والعطف الابوي: لو كتب لهذا الطفل ان يعيش ليكونن شديد البأس قوي الشكيمة!! وقد شفي الطفل حسين من داءه ولكن المرض ترك اثرا في عينيه ، فراحت امه تذر فيهما انواع الذرور وترسم نقاط الوشم على صدغيه تارة وتلصق عليهما لزقات من حبوب البخور تارة، دون جدوى وفائدة فالطفل لايقوى على مقابلة الضوء الشديد.
تجددت الحرب بين دكسن واشياعه من الاذناب والعملاء وبين الشيخ الخطيب. وضاق صدر دكسن فاصر على اعتقاله. ولكن الشيخ علي الدبوس كفاه شر القتال، فاحتال للامر، وناقش الشيخ وهو في ديوانه بكلمات اثارت حميته وكرامته ، حيث قال: الله ياشيخ محمد شطول لسانك ؟؟!! هذا وانت غريب!!! فما كان من الشيخ محمد إلا ان يرمي الحاج علي – ودون ترو - بنعله وهو يصيح: انا غريب ايها الحقير، هذا بلدي ولكنكم جبناء اذلاء. ونادى تلميذه اذ ذاك حسين غازي ليكتري السفينة اللازمة فهو لن يقيم بارض يعتبر فيها غريبا.
وعاد الغريب، سنة 1920 الى بلده (النجف) بلد المنابر والمشانق، وكان حسين صبيا في الثالثة من عمره. وانطوت مرحلة من الزمن على النجف كلها جهاد مرير وجوع وعطش، حتى اذا بلغ الطفل سن الدراسة، ادخل الى مدرسة الغري، المدرسة التي شادها نخبة من ابناء النجف المجاهدين في حقلي السياسة والفكر، ومن ابرز رجالها سعد صالح وآل كمال الدين. فكانت حقلا زاهيا برعايتهم واهتمامهم ينتدبون اليه كل استاذ فذ في علمه ووطنيته، ويغذون الطلبة ويوجهونهم الوجهة الوطنية والنزعة الفكرية المتحررة.
وذات مرة ظل الصبي في فراشه صباحا ولم ينهض كالعادة الى المدرسة، رغم نداءات امه له وتذكيره بفوات الوقت. علم الوالد فقصده الى فراشه يستفسر منه عن سبب تاخره، ولكنه اجاب بصراحة، لايوجد سبب سوى عدم رغبته بذلك. ولكن الوالد اصر الا ان يرده عن عناده، فانذره لدقائق معدودة بالعقاب الصارم ان هو لم يتهيأ للذهاب للمدرسة ولكن الصبي اعلن رفضه بكل برود وبساطة، فما كان من الوالد الا ان شده الى عمد في الدار بحبل وثيق، وهو يستفهم منه – أتذهب؟ ويرد الصبي ببرود لا. واعلن الشيخ انه سينزل العقوبة بكل من يمد يده ليخلي سبيله.... لولا امرأة من الجيران تندفع منددة بهذه القسوة، وما ان حلت الحبل حتى سقط الصبي على الارض لخدر جسمه. واعادت هذه الحادثة الى ذهن الوالد مابقي الفتى ايام نضاله في سجون نوري السعيد ولاقى فيها من ضرب وتعذيب تحملها بصبر وجلد. فكان الشيخ يعلق وعيناه تفيضان بالدمع، كان القدر يدفعني لتدريبك على تحمل المشقة يوم اردت ان اردك عن عنادك ، ويريني قدرة بأسك واصرارك، فامض راشد يابني!!
ويروي والدي علي الشبيبي رحمه الله هذه الطرفة التي تدلل عن موهبة حسين الادبية منذ نعومة اظافره، حيث كان تلميذا في الصف الثالث الابتدائي، وبقي والدي طول حياته يتذكرها ويشيد في قدرته الشعرية المبكرة. يقول والدي: عصر يوم كان عند والدي صديقه الحميم – اذ ذاك – العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري، وقد عاد الصغير من مدرسته متأبطا كتبه ودفاتره وصعد الى ابيه يحيه وصديقه. تناول الشيخ الجزائري دفترا كان مكتوبا عليه – كراسة للرسم والخرائط – فالتفت الى الصغير وقال له : حسين اقرا هذا ...... انه نصف بيت شعر فاكمله انت. ورد الصغير على البديهة: كراسة للرسم والخرائط يحملها شويخ المضارط !!!! فراح الجزائري يضحك ويفرك برجليه واغرق في الضحك ثم اعاد الشيخ استحسانه لهذه البديهية الفذة ومنحه جائزة نقدية.
اتم حسين دراسته الا بتدائية ودخل المتوسطة، حيث كان موضع حب ورعاية من بعض اساتذته ورفاقه كالجواهري الكبير والاستاذ محمد حسين الشبيبي. وحين اشغل ادارة ثانوية النجف – اذ ذاك – الاستاذ ذنون ايوب والمرحوم المناضل الجريء كامل قزانجي تفتحت في الصبي ازاهير نضجه الفكري ووعيه السياسي وشعوره الوطني، فكان احد اركان النضال مع شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم فشارك في كل الحركات بحماس ونشاط، من ذلك الاحتفال في ذكرى ثورة العشرين في الرميثة حيث تشددت سلطة العهد الملكي في منع الشباب الثوري في بغداد والنجف من هذه البادرة الخطيرة.
وقد اهتم الشهيد بالادب منذ صغره عندما كان في الاول المتوسط، فكان يملأ فراغه بالقراءة ويتابع المجلات المتحررة التي تصدر انذاك كالعصور والدهور ويقرأ المقتطف والهلال. وقد نظم اول قصيدة وهو في الصف الثاني متوسط وقد جرب الشهيد عدا الشعر كتابة القصة، فقد نشر في مجلة الروائع البغدادية قصة بعنوان ( الفصل الاخير من المأساة) تناول فيها محنة فلسطين.

بدايات نشاطه السياسي
وفي عام 1935 حين ازمعت حكومة الايوبي على ضرب عشائر الفتلة، كان بحر العلوم وحسين وصحبهم يخطون النشرات المحفزة للشعور الوطني في صفوف الجيش المرابط في ابي صخير (احدى نواحي النجف) وتثبيطهم عن ضرب اخوانهم، ومساندين للحزب الهاشمي الذي تبنى سياسة وطنية – اذ ذاك – معادية للاستعمار. كانوا يتسللون ليلا من الجهة الغربية في النجف ليصلوا الجيش ويوزعون عليه نشراتهم، وفي النهار يثيرون المظاهرات الصاخبة.
وبعد انهائه الثانوية عين معلما للغة الانكليزية في النجف في الابتدائية الاولى. كما عمل محاضرا في درس الواجبات الوطنية على طلبة السنة الثالثة للدراسة المتوسطة، اذ تم له ذلك بمساعدة الشخصية الديمقراطية عبد الرسول نجم مدير ثانوية النجف الذي تعاقد مع الشهيد لالقاء تلك المحاضرات.
ثم انتقل الى بغداد ليدخل كلية الحقوق التي كانت امنيته الغالية – على حد قوله – ليقوم بالدفاع عن القضية الوطنية. وفي سنة 1938 اصدرت وزارة المعارف تعميما منعت فيه الجمع بين الدراسة في الكلية والوظيفة، حيث كان يعمل مديرا لمكتبة دار المعلمين العالية في بغداد، فانسحب من الوظيفة مؤثرا دراسته في الكلية. قبيل انتهاء السنة الدراسية طالبت الكلية بدفع القسط الاخير. وانذرت بعدم السماح لاي طالب لايدفع بالاشتراك بالامتحان وكان حسين يصارع نفسه كيف يصبح عبئاعلى ابيه فيما يحتاج للعيش والدراسة فانسحب من الكلية وعاد الى التعليم وعين بمدرسة باب الشيخ مدة تزيد عن السنة ثم انتقل الى النجف وعاد للتعليم في مدارسها.
ومن النجف كتب عدة مقالات، تناول فيها الاوضاع السياسية في العراق والنجف بشكل خاص مع بداية الحرب العالمية الثانية، بعث بها عام 1940 الى مجلة المجلة، فاعجبت بها هيئة التحرير وارسلت اليه تستدعيه لمقابلتها. ولبى الشهيد الدعوة والتقى هناك لأول مرة بالشهيد الخالد فهد، الذي ابدى ارتياحه لمقالاته وطروحاته وتحليلاته السياسية الناضجة فيها، وطلب منه المواصلة بالكتابة واللقاءات. وعند عودته من لقاءه بالخالد فهد حدث والدي بطبيعة اللقاء ومادار فيه من افكار ومقترحات، وقد شجعه والدي بالمواصلة في تلك اللقاءات، ولم يكن والدي قد سمع من قبل باسم الخالد فهد. ومن هنا ابتدأ ارتباط الشهيد بركب المناضلين وبالحزب الشيوعي الذي وهبه حياته.
وهكذا توطدت العلاقة بين الشهيد حسين والخالد فهد. وبدأ الشهيد بتشكيل اول الخلايا الحزبية في النجف، كان من اول اعضائها شقيقه الاكبر والدي علي الشبيبي، كما انتمى لخلايا الحزب الناشئة العديد من اصحاب الميول السياسية من معلمين وطلبة ممن عرفوا بحماستهم الوطنية، وارتبط الاصدقاء ممن لم يكونوا مؤهلين للعمل الحزبي وما يقتضيه من انظباط وصلابة بحلقات للاصدقاء. كان الشهيد يذهب الى بغداد ويلتقي بالشهيد الخالد فهد ويتدارس معه الاوضاع السياسية بالعراق واوضاع النجف بصورة خاصة، ويعود الى النجف محملا بالمجلات التقدمية، كمجلة المجلة، الطريق البنانية، نضال الشعب السورية، مجلة الغد الفلسطينية، الاسبوع والفجر الجديد المصريتين وام درمان السودانية اضافة الى جريدة الحزب الشرارة ونشرياته الاخرى.
وقد ساهم الشهيد في الكتابة الى الشرارة، وهي توزع في النجف وبين صفحاتها مقالات عن النجف ورسائل عن الوضع السائد فيها من نهب موظفيها الكبار لحصص جماهير النجف الكادحة من الكساء والغذاء، وبيعها في السوق السوداء ومشاركة تجار النجف في بيع ورق السكاير وغيره، كل هذه المواضيع كانت تنشر في الشرارة تحت عنوان رسالة النجف.
وقد حضر الشهيد اول اجتماع للجنة المركزية في تشرين الثاني 1941 (2)، وتم فيه تثبيت اعضاء اللجنة المركزية واعضاء مكتبها السياسي وكان الشهيد من ضمن اعضاء المكتب السياسي كما صوت الجميع على تثبيت الخالد فهد سكرتيرا للحزب.
اهتمت السلطة واعوانها من تجار جشعين بأمر الشهيد حسين ونشاطه الجماهيري، بما يكتب وينشر عما يجري في النجف، فكتبوا الى المراجع العليا في بغداد طالبين التخلص من الشهيد ومن كتاباته، حتى انتهى الامر بنقله برقيا الى لواء العمارة اواخر عام 1941 في احدى مدارس المركز.
ولم يحول نقل الشهيد الى العمارة من ممارسة نشاطه في النجف، حيث انه قد اسس ولأول مرة التنظيم الشيوعي في مدينة النجف، وبقي الشهيد يتنقل بين العمارة وبغداد والنجف للاشراف على عمل التنظيم الحزبي الناشئ ويزوده بتوجيهات مؤسس الحزب الخالد فهد، الى ان تم تسليم محلية النجف لشقيقه الاكبر علي الشبيبي (3)، وتفرغ الشهيد للعمل في قيادة المنطقة الجنوبية التي تشمل لواء العمارة ولواء البصرة ولواء المنتفك.
ومن العمارة واصل الشهيد نشاطه الحزبي. وفي العمارة كتب كراسه الاستقلال والسيادة الوطنية، وقد حدثني الطيب الذكر المرحوم صالح عمران عيسى العقابي (الواسطي) كيف انه كان يزور الشهيد في بيته في العمارة وكان الشهيد يجلس بفانيلته البيضاء الى منضدة متواضعة منهمكا في كتابة كراسه (الاستقلال والسيادة الوطنية) وهو يعاني من شدة حرارة الصيف، وان المرحوم صالح ساهم في تدوين الكراس حيث كان الشهيد يتلو عليه بصوت عال مايريد كتابته مستعينا ببعض المسودات.

في مطلع عام 1943 نقل الشهيد الى قرية المشرح في العمارة، وذلك محاولة من السلطات المحلية لمضايقته والضغط عليه وابعاده عن مركز المدينه الذي اصبح مركزا للنشاط الشيوعي، خاصة بعد ان اصبح الشهيد مسؤولا عن المنطقة الجنوبية التي تشرف على الوية العمارة، البصرة والمنتفك. ولم يلتحق الشهيد بعمله بالمشرح وفضل التفرغ للعمل الحزبي، وامعنت سلطة العهد الملكي في مضايقة الشهيد في العمارة فأعتقلته في 9/6/1943 ونقلته مخفورا الى موقف العبخانة في بغداد.
شارك الشهيد بنشاط في التحضير للكونفرنس الحزبي الاول الذي انعقد في اذار 1944 وقدم ورقة عمل تناولت الواجب التعليمي في الحزب. كما ساهم الشهيد في التحضير للمؤتمر الاول للحزب، واعيد انتخابه في المؤتمر عضوا في المكتب السياسي (4).
وانسجاما مع قرارات المؤتمر الوطي الاول للحزب تم تكليف الشهيد حسين الشبيبي ومجموعة من الشباب منهم سالم عبد النعمان والشهيد محمد حسين ابو العيس ومحمد علي الزرقة واخرون لتقديم طلبا ايام حكومة توفيق السويدي في 22 ايلول 1945 لأجازة حزب سياسي بأسم حزب التحرر الوطني، وارفقوا طلبهم ببرنامج الحزب ونظامه الداخلي، وقد جاء البرنامج تطويرا للميثاق الوطني للحزب الشيوعي العراقي (5). ليكون حزبا يستوعب الوطنيين الغير مهيئين للعمل في الحزب الشيوعي والعمل الثوري الذي يقوده. وتم تاليف لجنة طلابية لحزب التحرر ضمت طلبة من كليات مختلفة منهم عبد الوهاب القيسي وعبد اللطيف السعدي واخرون وكان يشرف عليها محمد علي الزرقة عضو الهيئة المؤسسة لحزب التحرير الوطني والمرشح للجنة المركزية للحزب الشيوعي (6). وقد رفضت اجازة الحزب، ولكن حزب التحرر مارس نشاطه العلني لعدة اشهر على الرغم من عدم حصوله على ترخيص رسمي. وانغمر الشهيد بالجهاد والكفاح بين اصدار نشرات الحزب والمحاضرات في المنظمات الوطنية مثل عصبة مكافحة الصهيونية والمناسبات الوطنية التي اهتم بها حزب التحرر كل الاهتمام، حتى اعتقاله بذريعة ان اخاه الاصغر ذوعلاقة بنشاطات الحزب الشيوعي.
ولم يثني الاعتقال الشهيد فواصل نشاطاته تحت مضلة حزب التحرر الوطني فقاد عدة احتجاجات وتظاهرات بالاشتراك مع عصبة مكافحة الصهيونية. ففي الشهر الخامس من عام 1946 وصلت الى العراق لجنة التحقيق – الانكلو امريكية – في قضية فلسطين وقررت الاحزاب الوطنية القيام باضراب عام. لهذا اصدر حزب التحرر الوطني بيانا دعا فيه الى الاضراب ايضا. واقف الشهيد حسين بسبب الاضراب وقدم للمحكمة بتهمة تنظيمه مظاهرة جماهيرية. وفي المحكمة كان دفاع الشهيد حسين، ان بيان حزب التحرر لم يتضمن غير الدعوة للاضراب وطلب شهادة قادة الاحزاب. ولم يحضر للشهادة غير رئيس حزب الاستقلال (الاستاذ محمد مهدي كبه) وكانت شهادته لصالح حسين.
كما نظم حزب التحرر مظاهرة في 28 حزيران 1946 وسار فيها 3000 عامل وطالب، ضد الظلم في فلسطين والمطالبة بطرد الانكليز من العراق، حيث قمعتها حكومة ارشد العمري بالرصاص وسقط فيها اول شهيد شيوعي هو الشهيد شاؤول طويق. وتعرض الشهيد حسين الى عدة اعتقالات واعتداءات خلال تلك التظاهرات من قبل شرطة بهجة العطية، وقدم بسبب ذلك للمحاكمات.
وفي 9 ايلول 1946 نظم حزب التحرر مظاهرة ضخمة سارت في شارع الرشيد، وكان الشهيد وبعض اعضاء الهيئة المؤسسة لحزب التحرر يسيرون في مقدمة التظاهرة. وكان لدى الشرطة امرا برمي الشهيد حسين بالرصاص ان شاهدوه فيها. وعلم الشهيد محمد حسين ابو العيس اثناء اشتباك الشرطة بالمتظاهرين بالامر، فحمل حسين بين يديه الى الرصيف، قرب بناية السينما الحمراء الصيفية سابقا، وقصده بعض الشرطة، وهم لايعرفونه فجذبه صاحب حانوت مرطبات الى داخل الحانوت. لكن الشرطة انهالوا عليه بهراواتهم حتى ادموه، ثم نقلوه بسياراتهم للتداوي والتوقيف. وعند المحاكمة اجاب انه شارك في المظاهرة لشعاراتها الوطنية، واخذ يذكر الشعارات فزجره الحاكم وطلب ان يكتفي بانه كان في المظاهرة ام لا. لكنه اصر إلا ان يثبت الشعارات لأنها كانت سبب اشتراكه في المظاهرة. وهكذا ثبت جميع شعارات المظاهرة مع شرح لمراميها في سجل المرافعة.
وفي احتفال اقيم في بناية ملهى الفارابي اعد له الشهيد خطابا (كما انه طبع ايضا ) ليلقى فيه بعنوان موقفنا من الوزارة الحاضرة ويعني بها وزارة نوري السعيد. ولما حضر المدعون وجدوا ان شرطة بهجة العطيية قد اغلقت المحل واوقفت عليه شرطة مسلحة، فاوعزوا الى المدعوين بالتجمع هناك. واعلنوها مظاهرة احتجاج صاخبة على موقف الحكومة ذي الوجهين اذ هي اجازت الحفل ثم ارسلت شرطتها وصادرت الكراس في المطبعة؟! واعتقلت الخطيب وبعض زملائه.
تعرض الحزب الشيوعي في سنواته الاولى لمحاولات تكتلية وتخريبية قادها بعض اعضاء اللجنة المركزية بدوافع غير مبدئية وذاتية ولم تأخذ بنظر الاعتبار حداثة بناء الحزب. وكانت اول محاولة انشقاقية لذنون ايوب واصدروا صحيفتهم الى الامام، محاولين زرع الفوضى داخل الحزب من خلال مطالبتهم بعقد مؤتمر للحزب. وقد اتخذت اللجنة المركزية قرارا بطرد ذنون ايوب ومجموعته يوم 16 آب 1942. وتم الاتفاق داخل اللجنة المركزية على العمل لعقد مؤتمر الحزب بعد عودة سكرتير الحزب (فهد) من سفرته من موسكو. لكن عبد الله مسعود الذي استلم قيادة الحزب اثناء سفر الرفيق فهد، تحرك بالضد من قرارات اللجنة المركزية التي تم الاتفاق عليها وبالتنسيق مع بعض اعضاء اللجنة المركزية المقربين اليه ومن دون اشعار بقية اعضاء اللجنة المركزية الى عقد مؤتمر للحزب في 20 تشرين الثاني 1942، وانتخب المؤتمر لجنة مركزية جديدة مبعدا عنها رفاق فهد المخلصين (حسين الشبيبي وزكي بسيم وامينة الرحال) وابقى على فهد. وتلى هذه الانشقاقات انشقاق لداوود الصائغ عام 1944. وقد وقف الرفاق حسين الشبيبي وزكي بسيم بصلابة ومبدئية عالية ضد هذه التكتلات و الأنشقاقات التخريبية، وخاصة انشقاق مسعود اثناء غياب سكرتير الحزب الرفيق فهد، حيث بادر زكي بسيم لدعوة اعضاء اللجنة المركزية للاجتماع (كان حسين الشبيبي في العمارة) واصدروا بيانا ادانوا فيه عبدالله مسعود ومجموعته (7) وانكروا شرعية مؤتمرهم واصدروا صحيفة جديدة للحزب وهي القاعدة.

لقد واكب ألشهيد حسين الشبيبي الكفاح الوطني بصرامة ويقظة وباصرار على المضي في الجهاد والكفاح المرير وعلى التضحية والفداء. وطالما ترنم مؤمنا بحتمية النصر:
سنهدمُ اركان ماشيدوا فلا العبد يبقى ولا السيدُ
وقد ذكر شقيق الشهيد الاصغر الطيب الذكر محمد علي، يقول استفسرت من الشهيد مرة: متى ستنجلي الامور وتحصد مازرعت ابا علي؟ اجاب وهو يقف مكبلا في باب المحكمة: كلا ياعزيزي اننا نجاهد ونحن نعلم اننا القرابين التي تقدم على مذبح الحرية، ان لم يكن اليوم فغدا. وبعد ان قضى في احد موقوفياته اكثر من شهرين كتب الى والده رسالة مقتضبة في 21/1/1946 جاء فيها: تمر عشرة الايام الاولى من الشهر الثالث في الموقف اوهي الايام السبعين، لابأس انها راحة في لحظة سفرنا كما يقولون ...! وكتب في احدى رسائله لوالده الشيخ: .... ان دماء الشهداء والضحايا ستروي ارضنا الطاهرة لكي تثمر ويقطف شعبنا ثمارها ..... ). وحين فكر في الزواج اعلم والده بما يزمع له. رده الوالد في رسالة يقول فيها ( انت في طريق يحتاج ان تكرس له كل وقتك والمثل يقول – العيال في حينه – فكنْ خال العلقة من اجل كفاحك. ) واذا به يرد على ابيه برسالة مقتضبة ( الزواج وانجاب الاطفال يزيدني تشبثا بالحياة والكفاح من اجل ان تكون افضل .....!!)
قال الشعر السياسي والوطني قبل ان ينتظم في منظمة سياسية وطنية وقد احتفظت – زوجته اذ ذاك – بمجموعته الشعرية وبعض ماكتب قبل سجنه الاخير، من ذلك كراسة بعنوان – من نحن وماذا نريد – ولكن لا احد يدري بمصير ماترك من اثار نثرية وشعرية. ومن مؤلفاته المطبوعة – الاستقلال والسيادة الوطنية
وعندما اعتقل الشهيد اخر مرة وكان ذلك في نهاية عام 1946 في زمن وزارة نوري السعيد، وطال اعتقاله، اضرب مع مجموعة من رفاقه اعضاء حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية داخل المعتقل عن الطعام مدة تجاوزت العشرين يوما نقلوا على اثرها الى المستشفى وهو في حالة خطرة. وتناقل الناس اشاعة وفاة حسين نتيجة اضرابه ذاك، فتجمعت جماهير غفيرة في ساحة باب المعظم، قرب الموقف العام، من اجل المطالبة بتسليم جثمانه. وعند التأكد من سلامة حياته انتظمت مظاهرة صاخبة (كان والدي علي الشبيبي مشاركا فيها) وكان من ضمن المسؤولين عن قيادتها الشهيد حمزة سلمان. وصادفت المظاهرة مقاومة عنيفة من قبل الشرطة قرب مقهى الزهاوي.
يوم 23 حزيران 1947 اصدرت المحكمة حكمها ... وحكمت على فهد وزكي بسيم وابراهيم ناجي شمل بالاعدام ..... وعلى رشيد حاتم وعبد الوهاب الرحبي وهما اعضاء في محلية ديالى ب 15 سنة، وعلى علي شكر المسؤول العمالي المرتبط ب ل م وحسين الشبيبي عضو م س وسكرتير المنطقة الجنوبية ب 4 سنوات لنشاطه في قيادة حزب التحرر بدون ترخيص، اما عبد تمر عضو م س فقد بريء.
وبعد خيانة مالك سيف وتعاونه اللامحدود مع التحقيقات الجنائية وكشفه كل المعلومات والاسرار الحزبية عن قيادة الحزب، حيث كان مالك سيف المسؤول الحزبي الاول، بعد الخالد فهد، خارج السجن. وعلى اثرتلك الاعترافات اعيدت محاكمة فهد ورفاقه حازم وصارم، ففي 10 شباط 1949 احيلوا الى محكمة عسكرية شبه ميدانية، ووجهت للثلاثة تهمة قيادة الحزب من داخل السجن، واصدرت حكمها عليهم بالاعدام شنقا حتى الموت.
ولم تترك سلطة العهد الملكي اية فرصة لتمييز الحكم او للاحتجاجات وسارعت لتنفيذ جريمتها النكراء بقادة الحزب الشيوعي بعد اربعة ايام من اصدار الحكم. واعدم الخالد فهد يوم 14 شباط في فسحة الكرخ ( ساحة المتحف حاليا)، وفي اليوم التالي اعدم زكي بسيم (حازم) في باب الشرقي، والشهيد حسين ألشبيبي (صارم) في باب المعظم. وذكر الذين شاهدوه وهو يتقدم الى خشبة الاعدام انه صعد اليها وهو ينشد من قصيدة الجواهري ( اتعلم انت ام لا تعلم .... ) فقد كان مولعا بهذه القصيدة حتى انه قام بشرحها في سجن الكوت وضمن شرحها تأريخ الحركة الوطنية ولا يعلم احد اين مصيرها بعد. ولما استقر فوق الخشبة قال: ( من الصدف الجميلة ان يدق لي عود المشنقة في نفس المكان الذي كنت اثير منه المظاهرات الوطنية )
تروي والدته حين زارته في زنزانة الاعدام انه راح يوصيها برباطة جأش عما يريد ان يقام له من فاتحة ومراسيم دفن وشرح لصورة المحاكمة – صاح الضابط المسؤول – رجاء لاتتحدث هكذا انه محظور. اجابه حسين: اصدروا حكما اخر بالاعدام! وهكذا انتهت حياته من نضال بطولي الى حكم بالاعدام وهوفي ريعان الشباب وعمره 32 عاما.
واستمرت مضايقات العهد الملكي ضد والده الشيخ محمد فمنعوه من ارتقاء المنبر لكنه ازداد تصلبا وراح يشنها حربا شعواء ضد حكومة العملاء من على منبره الذي كانت تحضره الالاف من الجماهير النجفية مما ادى الى اعتقاله عدة مرات رغم تقدمه بالسن واحيل الى المحاكم اكثر من مرة، واصبح بيت الشيخ الخطيب هدفا، اعتادت عليه شرطة بهجت العطية في حملاتها التفتيشية. لقد حاربوا الشيخ بشتى الاساليب فمنعوه من السفر للأهواز لأقامة مجالسه الحسينية وذلك من خلال التنسيق مع حكومة شاه ايران، وتعرض للاعتقالات خاصة بعد كل خطبة حسينية من منبره، ومنعوا الذين يدعونه الى احتفالاتهم الحسينية او يعتقلون القائمين والمشرفين على هذه المنابر، وبث الاشاعات السخيفة والحاقدة. فقد راحوا يؤولون قوله (ياحسين) حين يذكر الحسين سيد الشهداء، انه يقصد بذلك إبنه حسين ورد على هذا السخف: انه ارتقى المنبر الحسيني وهوابن الثلاثة عشر سنة، وسمى ابنه هذا حسينا حبا بالحسين وذكر الحسين وانه لفخور ان يكون ابنه هذا شهيدا ...... وفقا لما كان يردد:
وان الالى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسية

وهذه نماذج من شعر الشهيد.

تساميت آيـار
وهي قصيدة طويلة القاها في سجن الكوت عام 1948 بمناسبة الاول من آيار ونشرتها جريدة الاساس في نفس العام، ولا اعرف ان كنت ماسأدونه هو كل القصيدة ام لا لذلك ارجو من الاصدقاء ممن تتوفر لديهم اية معلومات يمكن ان تساهم في استذكار الشهيد وجمع اشعاره اوعن حياته او حتى تصحيح بعض المعلومات، الكتابة لي على الإيميل المدون ادناه وسأكون شاكرا، وندائي هذا موجه بصورة خاصة الى السيدة رضية (التي كانت خطيبة الشهيد) وعائلتها المحترمة.

ايومك ام يومنا الاوحد ومن يومه بدم يولد
ومن فجره مثلما فجرت رقاب على افق تحصد
وايهما ليس يرضى الفناء الا ليولد منه الغد
فايار للزهر والصارحات وايار للكادح المجهد
كلانا له من ربيع الحياة يوم فأيهما خلدوا
وذكراك ايار تهتاجنا اذا ماذكرت جوى توقد
من الحقد ماذره الطامعون تخسا او تسعف او تنجد
اذا انصب من حمم بطشه ومن هم فتكه الاسوَدُ
تساميت ايار في واحد نُسِبتَ له وهو الاوحد
السنا الرعاع؟ فمن روعوا السنا الجياع؟ فمن هددوا
السنا الطعام؟ السنا الشراب وما اعتصروا روحنا واليد
لنصرخ اذاً. ومن المستجيب وهذي السجون لمن اوجدوا
وهذي الكبول بمن اوصدوا وهذا السلاح لمن سددوا
وهذه القوانين ماحكمها؟ وهذا الجحيم بمن يوقد؟
لهم ولكي لاتكون الحياة شقاء لنا ولهم تسعد
ومن غيرنا يستجيب النداء وهل في المغاوير من يرقد؟
بناة اذا ماهدمنا الشقاء وعالمنا العالم الاسعد
سنهدم اركان ماشيدوا فلا العبد يبقى ولا السيد

هذه بعض الابيات ربما من قصيدة طويلة نظمت ايام وثبة كانون الثاني 1948، كما يشير معناها، وللاسف لا تتوفر لدي سوى هذه الابيات

رددي لحن الكفاح الحر ثوري وستأسدي
واصعدي ياموجة الثورة لاتجمدي
واصنعي التأريخ فالتاريخ من صنع اليد

كذلك القى قصيدته الطويلة في سجن الكوت سنة 1948 بمناسبة ثورة اكتوبر بعنوان- موكب التأريخ-

موكب التاريخ
موكب التاريخ للنصر اندفاعا والى النجم سموا وارتفاعا
واغذ السير مقرون الخطى بالدم القاني حماسا وانتجاعا
وبارواح الضحايا صعدا واماما لاانحدارا وارتجاعا
وبهدى الفكر من منبعه نحن والباغي احترابا وصراعا
قد دحرنا الظلم فانهد انصداعا واردنا المجد فانقاد انصياعا
ومشى التأريخ فازددنا اختبارا فدفعناه فزودنا اقتناعا
اننا نحن المريديه، حياة والمشيديه اصطبارا واضطلاعا
كاهل يحمل الدنيا جهادا ويد مافتئت تبني صناعا
******
موكب التاريخ مازلت شعاعا لمريديك فطاما ورضاعا
طالما تمناك نورا هاديا اذ تداعت انفس طارت شعاعا
قد صحبناك وكم من زورة لك كالفجر اذا الليل تداعى
هاربا لاينطوي إلا على ظلم تاكلها النار اندلاعا
كل عصر ثورة عارمة تمحق الظلم اجتثاثا واقتلاعا
كل جيل قوة زاحفة مزقت عن دنس الخصم القناعا
كل يوم قصة سطرها دم شعب اذ تبناها يراعا
نحن اهل الارض كدحا واجتماعا نحن اهل الحق رغما وانتزاعا
***********
موكب التاريخ لم تذهب ضياعا كم طريق جزتها ملآى ضباع
فتك الوحش ولم تحفل وكم سامك الفتك افتراسا وابتلاعا
يوم لم تملك سوى كينونة الانس لا الانسان عقلا وذراعا
فتحديت وقد كنت الشجاعا فملكت الصبر والباس جماعا
وانطوت مرحلة من عمر الدهر والعهد تلا العهد تباعا
منذ عهد الرق حتى زمن القن حتى سلب الجهد ابتياعا
زعموها سنة خالدة خلق الانسان عبدا او مطاعا
كل عصر بشر مستثمر قتل الانسان ان طال باعا
نحن اهل الارض كدحا واجتماعا نحن اهل الحق رغما وانتزاعا
**************
فتحديت ولم تقدم جهادا حين لم تملك قوى الشر دفاعا
تتخطى كل عصر ظافرا تهدم الطغيان شرعا وقلاعا
لم يعم في وجهك الظلم فما قوَمَ الظلم صروحا تتداعى

ايها الموكب زودنا متاعا نحن في ركبك لم نذهب ضياعا
امة ايقَظْتَها فانتفضت امم برحها السوط التياعا
امم لبت نداء الفجر فانفجرت تزحف للنور سراعا
الجوى والحقد والعزم وما حمل القلب ثباتا واتساعا
ووميض الوعي والنجم الذي شحذ الوعي مضاء واقتطاعا
ونظام القائد الاول في ركبنا السائر مانفك مطاعا
كلها اسلحة فتاكة ماحتويناها احترابا وصراعا
نحن هذا الشعب كدحا واجتماعا نحن اهل االحق رغما وانتزاعا
هذه انشودة التأريخ نتبناها غناء واستماعا
اننا نحن المريديه حياة والمشيديه اصطبارا واضطلاعا
كاهل يحتمل الدنيا جهادا ويد مافتئت تبني صناعا
*********
ايها الموكب
يوم اكتوبر يامجدا مشاعا لبني الدنيا وياعهدا تراعى
انت للعامل والفلاح والـ ـكادح المتعوب والحر جماعا
سنة المجد التي سطرتها ان للانسان بالنصر اقتناعا
كل عصر جزته معترك كل عصر كان حربا ونزاعا
هذه الاية اذ ادركها روع الخصم فلم يقو فراعا
************
موكب التاريخ: الانسان من صنع التاريخ خلقا وابتداعا
في غضون الدهر اورقت ازدهارا وبطون الارض اينعت ازدراعا
ايها الموكب زودنا متاعا واهدنا من عبرة الدنيا شعاعا
عبرة هزت كيان الارض هزا فهب المستغِلون ارتياعا
حطمت انظمة ماعرفت ان للانسان للنقمة ساعا
نظما جردت الارض سلاما وامانا وطعاما وصواعا

نظما خلدت اللاهي على لهوه يستثمر الارض بقاعا
ويسوم الكادحين، الخسف، والعسف،والذل، احتساء واجتراعا
عابثا يمتلك الارض وما اكتنزت والبحر امواها وقاعا
والسماوات وما حلق في جوها والله والآى المذاعا
والمجدين صباحا ومساء والمضامين عراة وضياعا
والمضامين على اعراقهم قوة خرقاء اقوتها رياعا
والملومين على اديانهم والمهانين رياء وخداعا
والذين اغتصبت اوطانهم مرتعا للمستغلين طماعا
كلنا نهفو قلوبا عمرها الـ ـحب ماضحت وداعا
ايها الموكب للنصر اندفاعا ايها النجم سموا وارتفاعا



*
المعلومات مؤخذة من كتابات وروايات المرحوم الوالد علي الشبيبي (شقيق الشهيد)، ومؤلف المؤرخ الكبير المرحوم حنا بطاطو (العراق) وكذلك من مؤلف الاستاذ عزيز سباهي (عقود من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي). وسأكون شاكرا لكل من يمكنه الكتابة لي لأضافة او تصحيح اية معلومة.
(1) –
هذه المعلومات من المرحوم جدي الشيخ محمد كان قد حدث بها والدي ( أبنه ) علي الشبيبي.
(2) –
حنا بطاطو ـ العراق، الجزء الثاني ـ ص 152. لاحظ كذلك جدول رقم 9-1 لجنة فهد المركزية الاولى ص 150.
(3)
حنا بطاطو – العراق ـ الجزء الثاني، الحزب الشيوعي ـ حنا بطاطو جدول رقم 9-3 ص 176 لجنة فهد المركزية الثانية وقد ذكر بطاطو اسم شقيق الشهيد حسين الاصغر ـ محمد علي ـ خطأ والصحيح هو شقيقه الاكبر علي الشبيبي وقد صحح ذلك في الجدول أ-2 ص406 الخاص باعضاء المؤتمر الاول للحزب الشيوعي
(4) –
حنا بطاطو – العراق - الجزء الثاني ص 176 جدول رقم 9-3
(5)
عزيز سباهي – عقود من تأريخ الحزب الشيوعي العراقي – الجزء الاول ص 285
(6)
نفس المصدر السابق ص 276
(7)
حنا بطاطو، الجزء الثاني ص (153-163)

 

 

**************

 

صفحات الشهيد الخالد القائد التأريخي سلام عادل ورفاقه الابطال

 

 

في ذكرى الاستشهاد الاسطوري لسلام عادل على يد البعث الفاشي : القتلة في قفص اسيادهم الامريكان … الكتلة الانتهازية في خدمة الامبريالية الامريكية … رفاق سلام عادل عن الدرب لن نحيد

صباح زيارة الموسوي

2006 / 3 / 10



في كلمته امام مؤتمر لندن عام 1954 للاحزاب الشيوعية في الاقطار الواقعة تحت نفوذ الاستعمار البريطاني خاطب الشهيد سلام عادل الحضور بقوله ( ان النفط يسيل ممتزجا بدماء العمال , وتسيطر على النظام الحالي زمرة من اللصوص باعت وطننا الى الاستعماريين) يعلق الحزب الشيوعي البريطاني في معرض تأبينه للشهيد سلام عادل بعد ورود خبر " اعدامه" في 7 اذار 1963( لكأن كلمات سلام عادل هذه تبعثه من القبر. ان كان له قبرا …. ان الزمن الذي كان فيه الاستعمار يستطيع استخدام الملوك العرب مخلبا له, قد ولى وانقضى . فالأدوات الجديدة الان هم أولئك القادة العرب المتخفين وراء شعارات اشتراكية زائفة. وهذا بدوره ستار مفيد يستخدمه الاستعمار الامريكي في اضعاف النفوذ البريطاني في العراق وتشديد قبضته على موارد النفط كما فعل بعد اسقاط مصدق في ايران عام 1953…. ان موت سلام عادل , سكرتير الحزب العام, هو من بين الخسائر الاخيرة . وقد تسربت الانباء في الاسبوع الماضي في انه لم يعدم وانما عذب حتى الموت . وقد اقتلعت عيناه قبل الموت. حقا ليس من حد لسفالة عصابة القتلة هذه ! … لقد كان سلام عادل قائدا شيوعيا شابا مقداما
ومحبوبا) ويضيف الحزب الشيوعي البريطاني في معرض تقييمه لطبيعة انقلاب 8 شباط 1963 الاسود ( ان التباين بين عامي 1958 و1963 دليل لا يحتاج الى ايضاح . فقد استقبلت ثورة تموز 1958 الوطنية داخل العراق بحماس وغبطة وبمظاهرات اسبشارية واسعة. ولكن الاستعماريين ارتعبوا بشدة. وانزلت القوات الامريكية في لبنان والبريطانية الاردن. ولكنهم لم يجرأوا على المخاطرة بعدوان مباشر . ولكن في شباط 1963 كان الوضع معكوسا , اذ أن الاستعماريين هم الذين عبروا عن الغبطة والحماس بينما داخل العراق لم تخرج اية مظاهرة تأييدية . والتجأ النظام الجديد الى اعلان منع التجول وشن ارهاب شامل) ما الذي نستنتجه من الكلمات الهامة هذه , وقبل الدخول في
مجال طرح الاستنتاجات علينا التوقف عند تقييم الشهيد البطل سلام عادل لانقلاب البعث الامريكي الفاشي , لقد علق سلام عادل على قول الشهيد جمال الحيدري له " ان الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح1 "
فعلق الشهيد سلام عادل قائلا : ( كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره) 2 (وسرعان ما خط الرضي بيانا تم لصقه على الجدران عندما لم تكن الساعة قد تجاوزت العاشرة الا قليل, كما تم توزيعه باليد وتلاه خطباء الحزب . وكانت لهجة البيان قاسية وشديدة الانفعال . وجاء فيه: الى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الامبريالية!
أيها المواطنون , ياجماهير شعبنا العظيم المناضل , أيها العمال والفلاحون والمثقفون وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين!
قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداد لاعادة بلدنا الى قبضة الامبريالية والرجعية. وبعد أن سيطروا على محطة البث الاذاعي في ابو غريب وانكبوا على انجاز غرضهم الخسيس, فأنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق ابناء جيشنا الشجاع.
ياجماهير شعبنا المناضل الفخور ! الى الشوارع ! طهروا بلدنا من الخونة!
الى السلاح دفاعا عن استقلال شعبنا ومكتسباته!
شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية وكل مؤسسة وكل حي وكل قرية
سيلحق الشعب , بقيادة قواه الديمقراطية, الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة , كما فعل بمؤامرات الكيلاني والمتآمرين الآخرين!
الى الأمام الى الشوارع ! اسحقوا المؤامرة والمتآمرين)3

لكن الانقلاب الفاشي قد نجح لاسباب عديدة اهمها:

اولا: دور الكتلة الانتهازية التي اعاقت تطور مسيرة الحزب التصاعدية , وشلت دور التنظم العسكري

ويقيم ابوسعد هنا هذا الامر بالتالي :ان اهم أسباب النجاح الذي حققه الانقلابيون هو بسبب:
1
ـ عدم تبليغ اللجنة العسكرية ومسؤولي الخطوط بالانقلاب
2
ـ عدم مساهمة عدد من أعضاء اللجنة المركزية المعروفين بالمقاومة في بغداد وبقاؤهم في بيوتهم يوم الثامن من شباط
3
ـ سيطرة الافكار الاستسلامية الذيلية للسلطة بسبب افكار الكتلة الانتهازية اليمينية على جزء غير قليل من التنظيمات وقيادة الحزب وشيوع ما أطلق عليه بالدفاع السلبي أي عدم الفهم الواضح لخطة الطوارئ . ولا شك ان الكتلة وافكارها التخاذلية الأستسلامية قد عاثت فساد بالحزب4

ثانيا : الموقف الخياني للحزب الديمقراطي الكردستاني : يقول زكي خيري بهذا الشأن " واعاق موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني المؤيد للانقلاب , عددا من المبادرات التي كانت قيادة الاقليم للحزب الشيوعي تحاول القيام بها , لدعم المقاومة في بغداد, ومنها علىسبيل المثال
استخدام الاذاعة لاذاعة بيانات الحزب منها وحث الشعب العراقي وابناء القوات المسلحة لاحباط المؤامرة " 5

و" شل الحزب الديمقراطي الكردستاني استخدام قوى الحزب وامكانياته المدربة على السلاح في كردستان اضافة الى الوحدات العسكرية المؤيدة للحزب جراء وقوفه الى جانب الانقلابيين"6

ثالثا: موقف الرجعية دينية واقطاعية المناوئة لانجازات الثورة خصوصا الاصلاح الزراعي وقانون النفط 80 وقانون الاحوال الشخصية , فالرجعية الدينية ممثلة بمحسن الحكيم اصدرت فتاوى تحرم صلاة الفلاح في ارضه الحاصل عليها بموجب قانون الاصلاح الزراعي وفتوى ابادة الشيوعييين وغيرها , كما سهل الاقطاع وصول الدعم والسلاح للمتأمرين من جهة الحدود السورية

رابعا : دور فرعون مصر في تقديم كل اشكال الدعم للاطاحة بثورة تموز ودعمه اللامحدود لقطعان البعث تحت شعار اقامة الوحدة العربية المزعومة

اليوم , وبعد اربعة عقود ونيف على الانقلاب الفاشي يمكننا ان نثبت الاتي

اولا : ان دخول الامبريالية الامريكية للمنطقة لتحل محل الاستعمار البريطاني الفرنسي جاء عبر افتعال انظمة " تقدمية" مزيفة معادية للديمقراطية وحقوق الانسان

ثانيا : ان الكتلة اليمينية الانتهازية المبعدة من قيادة الحزب ابان قيادةالشهيد سلام عادل التأريخية قد عادت بشكل لا شرعي وسيطرت على قيادة الحزب بعد ان سهل الانقلابيون هروبها من العراق , وكانت اولى خطواتها ودماء الشهداء لم تجف بعد , الاعلان عن خط اب 1964 القاضي بحل الحزب الشيوعي العراقي اسوة بالحز ب الشيوعي المصري لضمه الى حزب عارف الرجعي . وواصلت هذه القيادة الانتهازية سياستها الذيلية للانظمة الرجعية حتى حولت الجلاد صدام حسين الى " كاسترو العراق" وهاهي تعلن افلاسها التام بعد ان تفسخت خلال تواجدها في المنفى , فالتحقت بالسيد الامريكي علنا , جهارا, لتطبيق المرحلة الثالثة في المخطط الاستعماري في المنطقة , ونعني به التعاون المباشر مع الامبريالية الامريكية تحت شعار " الديمقراطية" المزيفة للسيطرة التامة على مقدرات المنطقة , بعد ان كانت المرحلة الاولى , هي مرحلة الاستعمار البريطاني الفرنسي المباشر وغير المباشر المدعوم بانظمة ملكية عميلة , وكانت المرحلة الثانية , هي مرحلة الهيمنة الامريكية بعد الاستقلال وافول القوى الاستعمارية القديمة , سيطرة عبر انظمة جمهورية شعاراتية دكتاتورية , كان ابرز الامثلة عليها هو نظام البعث الفاشي في العراق

ثالثا : الانخراط العلني للقوى الرجعية دينية واقطاعية في المشروع الامبريالي الجديد محاولة الوصول به ومعه وباسم الطائفية والعنصرية الى تقسيم العراق الى امارات اقطاعية طائفية , يشاركها في مشروعها القذر هذا القيادة الاقطاعية الكردية ممثلة بقطبيها الطالباني والبارزاني

رابعا: انهيار المدرسة القومية العربية بعد ان ركب موجتها حزب مصنع امبرياليا لهذا الهدف , ونعني به حزب البعث الفاشي و الذي افقد كل مفردات المشروع القومي من محتواه التاريخي كالوحدة العربية و سقوط رموز هذا الحزب في العراق في فخ المخطط الامبريالي الامريكي طوعا , وهاهم قادة البعث يرزحون في قفص اسيادهم بعد انتهاء الحاجة لهم

خامسا : السقوط المروع للمدرسة الانتهازية في الحزب الشيوعي العراقي في احضان المشروع الامبريالي الامريكي الجديد " الديمقراطية " وهاهي رموز هذه المدرسة تتحول الى ابواق للعدو الطبقي دون اي رتوش " ثورجية" كما عهدناه في العقود الماضية

ان رفاق البطل سلام عادل , الذين ساروا على درب مؤسس الحركة الثورية العراقية الشهيد الخالد فهد , سوف لن يحيدوا عن الدرب الذي سار عليها كل المناضلين الثوريين من اجل تحقيق مصالح الطبقات الكادحة , الدرب الطبقي الجذري المفضي حتما الى اقامة العراق الديمقراطي في ظل دولة القانون والعدالة الاجتماعية , فسنمضى ونمضى الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد

ان المعركة اصبحت سهلة وصعبة في آن , فانها سهلة لوضوحها من حيث القوى المكونة للثورة , قوى الشعب العراقي وفي طليعتها الطبقات الكادحة التي تعيش ابشع اشكال الاضطهاد في تاريخنا الحديث على يد المحتل والعملاء والانتهازيين. وصعبة لكون العدو الطبقي العالمي , اي الامبريالية الامريكية , يجثم على ارضنا وصدورنا بقواته وجنوده وعملاؤه الطبقيون جميعا من الرجعية الدينية الاسلاموية والاقطاعية مرورا بالقوى الاقطاعية الكردية وانتهاء بالقوى الانتهازية وفي المقدمة منها بقايا المؤسسة اليمينية الذيلية المنخرطة على الجبهتين المعاديتين للشعب والوطن , جبهة الاحتلال وعملاؤه , وجبهة فلول البعث والقوى الارهابية

الشهيد سلام عادل يقيم انقلاب 8 شباط 1963 الامريكي البعثي الاسود

يقيم الشهيد سلام عادل الانقلاب الفاشي في اخر رسالة كتبها حملت عنوان ( ملاحظات أولية) موجهة الى لجان المناطق والألوية:

ان انقلاب ( الردة) في 8 شباط قد بدأ فكريا وسياسيا واقتصاديا منذ اواسط 1959 حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي أخذت تسترجع المواقع واحدا بعد آخر, في الجيش والدولة والحياة الاقتصادية والمجتمع , ومنذ ذلك الحين فان الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي, وتفاقم أخطار الردة قد تموج لعدة فترات صعودا ونزولا, ولكن كخط عام بقى يتصاعد . وفي 8 شباط 1963 أسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم )7

ويتحمل المسؤولية بدرجات متفاوتة كل اولئك الذين ساندوا ردة قاسم منذ أواسط عام 1959 , وحملوا شعارات ضد ما
دعوه " بالفوضوية" و " الحزبية الضيقة" . ووقفوا موقف التأييد أو المساهمة أو تجاهلوا خطر النشاط الرجعي والعصابات الفاشية التي ذر قرنها منذ ذلك الحين)8

ان القوميين الأكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء وطلبوا العون والمساندة من أية جهة لاسقاطه , وغازلوا القوميين العرب اليمينين وتعانوا معهم وتصوروا بأن انقلاب 8 شباط 1963 كما لو انه انتصار لهم . ان هذه السياسية تنم عن ضيق الافق القومي وقصر النظر البرجوازي . انهم يجابهون عدوا ا شرس من قاسم . ان مطامح الشعب الكردي تتعارض مع أهداف الانقلاب على خط مستقيم تماما . ان قادة الانقلاب أذاعوا بعض الاقوال التخديرية ولكن حتى الأطفال بأستطاعتهم أن يدركوا أن هذه الأقوال لا هدف لها سوى التخدير , وكسب الوقت لتركيز سلطتهم .ان قادة الانقلاب وأعوانهم كانوا يضغطون على قاسم بأعتباره لا يقمع الحركة القومية الكردية بالقسوة اللازمة . كانوا ولا يزالون يطمحون الى قمع عسكري أشد دموية وقسوة ضد الشعب الكردي . ان منشوراتهم حتى قبل انقلابهم بأيام اعتبرت حركة القوميين الأكراد حركة استعمارية مشبوهة . ان القوميين الاكراد يتحملون مسؤولية خاصة من بين الحركةالوطنية في تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب الرجعي الفاشي)9

ان الدكتاتورية السوداء الجديدة لم تأت للقضاء على الدكتاتورية كما تزعم , ولم تأت من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية , ان طبيعة الدكتاتورية السوداء الجديدة لا يمكن أن تسترها بغربال من الديماغوجية والتهويش . انها طبيعة رجعية قومية يمينية شوفينية عنصرية طائفية. وبطبيعتها هذه تخدم بالدرجة الاولى الاستعمار والرجعية والاقطاع, انها تمثل حركة سوداء للنكوص ببقايا مكتسبات ثورة 14 تموز لنها تحمل راية الاستعمار الامريكي والانكليزي وشركاتهما النفطية, انها تحمل راية تخريب الاصلاح الزراعي ….. انها تحمل راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه اهداف الحركة الشعبية وحرفها لصالح الاستعمار والاقطاع , انها تحمل راية معاداة الشيوعية والديمقراطية والوطنية . راية ميثاق بغداد. غلاة دعاة الاستعمار والعدوان والحرب , وفرض أبشع اساليب الحكم البوليسية الفاشية على بلادنا , انها تحمل راية تدمير جيشنا الوطني جيش 14 تموز وتصفية عناصره الوطنية الاشد اخلاصا للشعب والوطن . انها سلطة معادية للقوميات والاقليات التي يتألف منها شعبنا ,انها تحمل راية العداء القومي والطائفي وضد الشعب الكردي وضد الاقليات القومية والدينية والطائفية , أنها تحمل راية معاداة العمال والفلاحين , ومعادة المثقفين والثقافة والعلم. ) 10


في ذكرى الاستشهاد الاسطوري للخالد سلام عادل , وفي ظل الاحتلال والفرهود والخيانةلا يسعنا الا ان نستعيد كلمات الشهيد سلام عادل
المفعمة بالثقة بالشعب رغم حجم الكارثة الماسوي الناتج عن انقلاب البعث الامريكي الفاشي الاسود( ان الشعب لا يمكن افناؤه , أو فل ارادته, والمغامرون والخونة والذين يحاولون حكم الشعب رغم ارادته هم الذين دائما مصيرهم الفناء والدمار . والفاشست الانقلابيون الجدد المنعزلون كليا عن الشعب سيجدون مثل هذا المصير بصورة عاجلة وسريعة وبشكل استثنائي) 11

فهل هناك حاجة لكلمات اخرى لوصف الواقع الامبريالي اللصوصي الراهن الذي لا يمثل سوى استعادة للعهد الاستعماري ولكن باسلوب القرصنة المكشوفة وبايدي عبيده من العملاء العلنيين


ان حزب فهد وسلام عادل ,حزب الكادحين , يقف في طليعة المعركة التاريخية الكبرى التي يخوضها شعبنا , والنصر حليف شعبنا العراقي المجيد , اما الخذلان فهو من نصيب المحتل واعوانه


المجد والخلود للشهيد سلام عادل في ذكرى استشهاده , فانت ورفاقك الخالد الى الابدفي سماء بلادنا

الخزي والعار للخونة والعملاء القابعين في مزبلة التأريخ تحت اقدام سيدهم المحتل


الهوامش
-----------
1
ـ ثمينة ناجي يوسف,سلام عادل - سيرة مناضل ج2 ص337
2
ـ حنا بطاطو - الكتاب الثالث ص 292
3
ـ ثمينة ناجي يوسف - نزار ناجي يوسف , سلام عادل - سيرة مناضل ج2 ص 337
4
ـ المصدر السابق - ص345
5
ـ المصدر السابق- ص344
6
ـ المصدر السابق ص 347
7
ـ المصدر السابق ص 352
8
ـ المصدر السابق ص353
9
ـ المصدر السابق ص353
10
ـ المصدر السابق ص 356
11
ـ المصدر السابق ص 357


**************


ما اشبه اليوم بالبارحة

 

صباح زيارة الموسوي

 

(1)

الشهيد سلام عادل يقود اضرابات عمال نفط البصرة 1953 ضد الاستعمار وشركاته الاحتكارية وعملائه .وهاهم عمال نفط البصرة في اضرابات ضد الاحتلال وشركاته وعملائه

 

2007 / 12 / 26



ان الهدف الاساسي لاضراب عمال شركة البصرة كان سياسيا , وهوفضح العلاقة بين الشركات الاحتكارية ,وتعاون الطبقة الحاكمة معها في استغلال العمال , من ناحية , وابراز دور الطبقة العاملة الجرئ والثابت في النضال الوطني ضد الشركات النفطية الاحتكارية ووقوف الطبقة الحاكمة الى جانب الشركات ومصالحها بالضد من مصالح الشعب العراقي الوطنية .1

شهدت البصرة في الربع الأخير من عام 1953, موجة كبيرة من الاضرابات العمالية , اثر تسلم الرفيق سلام عادل قيادة تنظيم المنطقة الجنوبية , عندما أخذت سماته القيادية وقدرته التنظيمية , تتجسد في الحياة السياسية , فالبصرة مدينة عمالية فيها المئات من عمال الموانئ وعمال النفط والسكك ... الخ .2

وبدأت الاضرابات العمالية تتوالى صعودا واتساعا وبخطوات مدروسة بعناية , " ففي شهر تشرين الأول - أكتوبر- 1953 , أضرب 300 عامل من مصلحة نقل الركاب في البصرة مدة ثلاثة أيام , لبيت بعدها مطالبهم . وفي 17 من شهر تشرين الثاني - نوفمبر- أضرب عمال اللاسلكي في الميناء والذين يقدر عددهم ب 150 عاملا مدة تسعة ايام لبيت أكثر مطالبهم .
وفي 5/12 اضرب عمال نفط البصرة . وكانت كل الاضرابات تقاد من قبل " لجان اضراب " لعب فيها الشيوعيون دورا قياديا. وبعد بدء اضراب عمال النفط , نظم الحزب الشيوعي اضرابات عمالية وغير عمالية تضامنا معهم , فقد اضرب عمال مصلحة نقل الركاب ليعلنوا تضامنهم مع عمال النفط , واضرب كذلك مائتا عامل من شركة تاجريان الهندسية اضرابا تضامنيا وكذلك عمال الكوكا كولا , وعمال التجارة والمقاولات (البرزون) وعمال شركة هولواي اضرابات تضامنية . 3


ذكر عبد الوهاب طاهر ( ابو رجاء) وهو كادح من البصرة عاش احداث هذه الحركة الكبيرة من الاضرابات العمالية التي تبلورت في اضراب عمال النفط , أن " الساحة الوسطية (المكينة) وهي مركز الشركة قد تحولت الى مراكز للاجتماعات اليومية لجميع عمال شركة النفط الذين يعملون في الزبير والفاو ومناطق الحفر والانتاج .. الخ.وكانوا يفدون هذه الاماكن بسيارات النقل اللوريات وهم يرددون الأناشيد والهتافات , لينزلوا الى ساحة المكينة ويبدأ العمال بالقاء الكلمات التي تعبر عن مطالب كل مجموعة من المجموعات العمالية القادمة.

وكانت لجنة الاضراب متواجدة بشكل مستمر في الساحة تستمع الى مطاليب العمال وتساعدهم على تقديمها الى مسؤولي العمل والمسؤولين الاداريين في الشركة وكان سلام عادل على تماس يومي مع لجنة الاضراب , والى جانب لجنة الاضراب تشكلت ( لجنة المفاوضات) كانت تتصل مباشرة بالرفيق الشهيد سلام عادل وبصلات دائمة مع رفاق ضمن هذه اللجنة.. وكان سلام عادل نفسه يتواجد هناك في الساحة باعتباره مراسلا صحفيا لجريدة اتحاد
العمال ( السرية ) يقوم باجراء المقابلات مع مختلف القادة العماليين وعن هذا الطريق يتعلم منهم ويساعدهم على تعلم المبادئ النضالية الاساسية.

عاشت مدينة البصرة اسبوعين , ينبه خلالها ابناؤها العمال المضربون , الى مسألة سرقة شركات النفط , لثروة الشعب العراقي , وأخذت عوائل المضربين تتصل بممثلي فروع الاحزاب الوطنية في البصرة لتبلغها بتطوارات الاضراب لتعكسها جرائد هذه الأحزاب في البصرة.وفي بغداد العاصمة , حيث برز الكثير من تعاطف الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال مع العمال المضربين والتضامن معهم "4

وفي مواجهة الاجراءات الارهابية التي اتخذها وزير الداخلية سعيد قزاز ضد العمال المضربين " نظم الحزب الشيوعي اضرابا عاما في البصرة احتجاجا على الاساليب الدموية التي استعملتها الحكومة ضد العمال حماية لمصالح الشركة الاحتكارية الاستعمارية . قابل سلام عادل مسؤولي الحزب الوطني الديمقراطي في البصرة جعفر البدر صاحب جريدة ( نداء البصرة ) وعبد الامير العوادي كما اتصل بممثل حزب الاستقلال فرع البصرة وساند ممثلوا الحزبين الاضراب مما لعب دورا بارزا في تطوره الى معركة وطنية متجددة "5

لقد جاءت اضرابات عمال النفط في البصرة عام 1953 ضمن سلسلسة الكفاح الوطني العراقي المتصاعد منذ وثبة كانون 1948 مرورا بانتفاضة تشرين 1952 المجيدة , وترافقت مع تقدم الرفيق الشهيد سلام عادل صفوف الحزب الشيوعي العراقي وتوحيده , بعد مرحلة استشهاد مؤسس وقائد الحزب الرفيق الخالد فهد , الذي اعتلى اعواد المشانق في 14 شباط 1949 من اجل استقلال العراق وحرية شعبه , هذا الاستشهاد لفهد ورفيقيه صارم وحازم , الذي ترك فراغا قياديا كبيرا , ادى الى تصدع الحزب , فكان تقدم سلام عادل صفوف الحزب في خضم قيادته للمعارك الطبقية والوطنية , العامل الحاسم في تصفية الاتجاهات الانتهازية الطفيلية التي برزت خلال تلك المرحلة , واعادة بناء الحزب الشيوعي العراقي , ليتصدر المعركة الوطنية الكبرى من اجل تحرير العراق من عبودية الاستعمار البريطاني

هاهم اليوم , ابناء واحفاد عمال النفط في البصرة , يخوضون المعركة تلو الاخرى , في مسيرة كفاحية وطنية مديدة الجذور في الارض العراقية الطاهره , المعمدة بدماء الشهداء , بغية تحقيق النصر على القوى الاستعمارية والاحتلالية والفاشية والارهابية والطائفية والعنصرية , هذه المعركة الوطنية العظمى التي ستقرر مصير العراق كوطن للعراقيين , وطبيعة دولته القادمة , دولة القانون والعدالة الاجتماعية.

فقد أعلن قادة النقابات العمالية في البصرة(أن هذا الموقف جاء بسبب مواقف اتحادنا من مشروع الاستعمار الأمريكي المسمى قانون النفط والغاز الذي نرى بان هذا القانون يصادر ثروة العراقيين دون وجه حق ودون مبرر اقتصادي او سياسي...

لا يخفي على الجميع بان النظام الدكتاتوري البائد عمل بكل جد للتصدي لنقابات العمال من خلال إلغاءها في القطاع العام وفق القرار المرقم 150 لسنة 1987 ,وبعد سقوط النظام قام الناشطون من العمال في قطاع النفط بإعادة تأسيس نقاباتهم .

بدأت أللبنه الأولى في شركة نفط الجنوب لتمتد إلى جميع شركات القطاع النفطي ,ولقد وقادت النقابة عدة إضرابات في جميع الشركات النفطية لطرد الأجانب من العمل في قطاع النفط .
وتم إعلان تأسيس اتحاد نقابات النقط الذي وضع هدفين أساسيين لعمله في قطاع النفط وهما ..
1
ـ المحافظة على ثروة العراق النفطية .
2
ـ النضال من اجل الحصول على حقوق العمال .
وقد عقد الاتحاد المؤتمرات العلمية التي تناقش أوضاع القطاع النفطي ومنها المؤتمر العلمي الأول ضد الخصخصة عام 2005 والمؤتمر العلمي الثاني ضد الخصخصة عام 2006 ولازال الأعداد قائما لعقد المؤتمر العلمي الثالث ثم التصدي لقانون لنفط والغاز المزمع تمريره تحت ضغط الإدارة الأمريكية وعلى اثر ذلك تم عقد الندوة النقاشية حول هذا القانون في 6/2/ 2007 .
أن اتحاد نقابات النفط الذي يقود نضالات الطبقة العاملة في القطاع النفطي من اجل نيل حقوقهم والدفاع عن ثروة العراق النفطية ,يتعرض ألان لهجمة شرسة يقودها السيد وزير النفط حيث اصدر قراره المرقم 12774 في 18/7/2007 يمنع العمل النقابي استنادا الى حجج واهية سقفها الأساسي القرار 150 لسنة 1987 الذي أصدره النظام الدكتاتوري .
أن موقف السيد الوزير الذي يتقاطع تماما مع كل الاتفاقيات الخاصة بمنظمة العمل الدولية وما يتعلق منها ( بحرية العمل النقابي ) والتي وقع عليها العراق وبالتالي فهو ملزم بتنفيذها .
أن هذا الموقف جاء بسبب مواقف اتحادنا من مشروع الاستعمار الأمريكي المسمى قانون النفط والغاز الذي نرى بان هذا القانون يصادر ثروة العراقيين دون وجه حق ودون مبرر اقتصادي اوسياسي .)6

وفي كلمته في ندوة جماهيرية أعلن رئيس اتحاد نقابات النفط( وجميعنا يعلم أن احد الأهداف الرئيسية لأمريكا هو كيفية السيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط ومن هذا المنطلق الذي بات يراود الوطنين في قطاع النفط وقفوا جميع العاملين في القطاع النفطي بكل حزم وثبات أمام هذا التحدي والجميع وقف وقاوم بطريقته الخاصة واستمرت المخاوف لدى قيادة النقابة ومن خلال تدخل الأجانب في القطاع النفطي.... ومرت الأيام وبدء الحدس لدى الأخوة في الاتحاد أن النفط في العراق سيخضع إلى الخصخصة من قبل الحكومة العراقية وفعلا تفاجئنا بصدور مسودة قانون النفط والغاز ومن المؤسف حقا أن هذه النسخة من القانون قد صدرت وبسرية تامة من قبل المسئولين في الحكومة المنتخبة من قبل الشعب عكس ماجاء بالمادة 111من الدستور العراقي التي تقول أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي أذا كان النفط ملك للشعب لماذا تصدر نسخة القانون وبالسرية التي تلفت الانتباه لذلك كان أول المبادرين على المستوى المحلي والدولي لمناقشة هذه المسودة هو اتحاد نقابات النفط في العراق حيث عقد الندوة النقاشة الأولى لمسودة 15/1 في 4/2/2007 حضرها اختصاصين في المجالات الاقتصادية من أساتذة جامعة البصرة واختصاصين في مجال النفط وخرجت الندوة ببيان ختامي أرسل إلى رئاسة الوزراء والبرلمان العراقي وضحنا فيه كافة السلبيات التي لاتخدم الشعب العراقي وبعد الندوة التي عقدها الاتحاد توالت الندوات والمؤتمرات من قبل كافة أطياف الشعب العراقي في الداخل والخارج مما حدي بالحكومة العراقية إلى أجراء بعض التعديلات على المسودة الأولى حيث صدرت المسودة الثانية في 15/2/2007 ولم تكن موفقة كسابقتها وبعدها صدرت النسخة الثالثة في الشهر الثالث وبعدها صدرت النسخة الرابعة في 3/7/2007 وبعدها صدرت النسخة الخامسة في 30/7وجميع النسخ لم يجري عليها التعديل الجوهري الذي يخدم الشعب العراقي بل هنالك تعديلات بسيطة غير ملفتة للنظر بالنسبة للمتطلعين على مهزلة المسودات عمل الاتحاد كما أسلفت بعد أحدى عشر يوما في حين لم يكن هنالك اتصال مع بغداد ولاتوجد حكومة اصلاا في بغداد وأصبح القادة النقابين هم الأمناء على حماية الثروة النفطية وتعرضوا إلى الاعتداء والى المشاكل العشائرية في سبيل الحفاظ على الثروة النفطية من الذين يريدون العبث بها وحصل ماكان لم يتوقع أن يصدر السيد وزير النفط الشهرستاني آمر بعدم التعامل مع النقابة وغلق المقرات وسحب العجلات بحجة عدم الشرعية وعدم وجود قانون علما أن المادة 122 من الدستور العراقي تطرقت إلى التنظيم النقابي ومن حيث لايدري الوزير أنة تجاوز على حقوق أكثر من 36 ألف منتسب ولم يعطيهم الحق في اختيار ممثليهم علما أن شرعية الاتحاد في الوقت الحاضر جاءت من صناديق الاقتراح أسوة بالحكومة والبرلمان لذلك يعلن اتحاد نقابات النفط في العراق أن قرار الوزير قرار غير صحيح ولاتوجد فيه الشرعية القانونية والدستورية وعلية أن الاتحاد غير ملزم بتنفيذ هذا القرار الجائر وسيعمل الاتحاد وأكثر من الأول خدمة للمنتسبين والثروة النفطية وسنبقى الأمناء على الحفاظ على حقوق المنتسبين ومهما كلفنا ذلك .)7


اعلان الاضراب لعمال النفط في البصرة

وبعد المداولة المستفيضة وبناءا على ما اقر في الاجتماع الموسع للمكتب التنفيذي يوم الخميس المصادف 26/4/ 2007والمنعقد في شركة تعبئة الغاز في البصرة قرر الحاضرون وبالإجماع الإضراب العام بتاريخ 10/ 5/2007 في كافة الشركات النفطية العاملة في المنطقة الجنوبية وفي المحافظات / البصرة / ميسان /ذي قار / المثنى/ وسيكون ذلك في حالة عدم تنفيذ المطاليب المدرجة ادناة وبالكامل
1-
حسم موضوع قطع الأراضي بالمقاطعة 52 الشعبية الخاصة للشركات النفطية وقطعة الأرض الواقعة في منطقة التنومة والخاصة لشركة نفط الجنوب
2-
حسم موضوع الأرباح الخاصة بالشركات النفطية وعلى أساس التعديلات التي وافقتم عليها وعلى أساس احتساب نسبة الربح وفق مصادقة الرقابة المالية للمنطقة الجنوبية وليس معادلة الوزارة التي فيها غبن واضح للمنتسبين
3-
صرف الأجازات الاعتيادية المتراكمة وما زاد عن 180 يوم حيث لايوجد أي مبرر بعدم الصرف ونعتقد ان قرارات شؤرى الدولة غير ملزمة لأنها لم تستند إلى السند القانوني ونوكد على عدم استقطاع مبلغ الإجازات المصروفة للسنوات السابقة
4-
تثبيت العمالة المؤقتة بغض النظر عن الخدمة واعتبار الموضوع أنساني وفي كل الأحوال هو عراقي ويستحق العيش في هذا البلد
5-
تعين خريجي معاهد النفط بالدورتين الأخيرتين
6-
إيقاف العمل بسلم الرواتب الجديد الموحد وبعد القراءة تبين ان نسبة الذين يستفيدون في القطاع عدد قليل جدا
7-
تسكين حملة الشهادة الإعدادية إلى الدرجة الثانية اسؤة بأقرانهم المفصولين السياسيين وكذلك معالجة الدرجات المتوقفة للدرجات العمالية والدرجات الأخرى
8-
إيقاف استقطاع 20%من الإرباح المصروفة للجيش وتوزيع المبالغ للسنوات السابقة على المنتسبين
9-
نطالب بتمليك الدور لشاغليها من الموظفين أسوة بدوائر الدولة ونعتبر قرار التريث في التمليك غير صحيح ولماذا يعامل القطاع النفطي بهذا الأسلوب المجحف
ونحن اذ نتقدم بهذه المطاليب المشروعة للمنتسبين نأمل من الذين وضعنا الثقة فيهم وخرجنا ودماؤنا على اكفنا متحدين الصعاب لإنجاح العملية السياسية في العراق الجديد وكذلك نأمل أنصاف المظلومين من قبل المسئولين في الدولة العراقية ورفع المظلومية عن اهل الجنوب لاننا نشعر ولحد إعداد هذا البيان ان الفرو قات لاتزال موجودة وان الجنوب هو البقرة الحلوب الذي تقدم للعراق الكثير ولم يحصل على ابسط الحقوق هل تعلمون ايها المسئولين في الحكومة العراقية الموقرة إن نسبة التلوث في المواقع النفطية وصل الى ذروته وان نسبة الإصابات الأمراض الخبيثة قد تجاوز الحد المقرر والوزارة لاتعير الأهمية إلى مثل هذه الحالات لان الذين يصابون هم من أهل الجنوب وهذا هو قدرهم وعليهم ان يقدموا ولايحصلوا على شي إننا نحذر من غضب الحليم اذا غضب ونكرر ضرورة الاستجابة وبالسرعة لان الكيل قد طفح)9


لقد اسقطت الاضرابات العمالية لعمال النفط في البصرة (اقنعة دعاة " المظلومية الشيعية" وكشفت هويتهم الحقيقية, انهم "مافيوية تهريبية"والجماهير تطالب بتغيير اسم وزارة النفط الى وزارة اللفط
هاهو شعار " المظلومية الشيعية" يتكشف عن زيف وتزوير
هاهم دعاة " المظلومية الشيعية" المزعومة يخلعوا عمائمهم فتتكشف دعارتهم السياسية
هاهي اكذوبة " المظلومية الشيعية" تنقلب على روؤس اصحابها وتفضح لصوصيتهم وقرصنتهم
هاهي بدعة " المظلومية الشيعية " تعلن هويتها الحقيقية … عصابات مافيوية تهريبية للنفط العراقي , تتذابح فيما بينها معلنة عن كونها فئات طفيلية شرهة تستبيح سيادة الوطن وتنهب ثروات الشعب
هاهي الاحزاب التي طالما حاولت خداع الجماهير الكادحة بدعاية طائفية صفراء تعلن عن اهدافها الحقيقية التي طالما غلفتها بشعارات ال البيت ومظلومية اتباع ال البيت , هاهي تصل الى الطريق المسدود , فالجماهير الكادحة تمتلك الوعي والتجربة التأريخية لترد على هذه الدعاية الرخيصة
فها هي جماهير البصرة الكادحة تدق المسمار الاخير في نعش امراء " المظلومية الشيعية"المنافقة
هاهي جماهير البصرة الوطنية العراقية تهب منتفظة ضد الفرهود
هاهي جماهير البصرة تهب مطالبة بحقوق الشهداء التي فرهدها حيتان " المظلومية الشيعية" المنافقة
هاهي جماهير البصرة تلعن عصابات التهريب المعممة كما لعنت بالامس عصابات المقبور عدي
هاهي جماهير البصرة الكادحة تطالب بتغيير اسم وزارة النفط الى وزارة اللفط
فأذا كان لدى السيد حسين الشهرستاني " وزير " النفط شيئا من الكرامة الوطنية! فماعليه الا ان يعلن استقالته من منصبه
اذا كان لدى السيد الشهرستاني ذرة خوف من الله فما عليه الا ان يستقيل فورا
اذا كان لدى السيد الشهرستاني بقية من الضمير الوطني العراقي فما عليه الا ان يستقيل فورا
وان لم يستقيل فهنيئا له منصب وزير اللفط)9
---------------------------------------------------------------------------------------
(1)
ثمينة ناجي يوسف , سلام عادل سيرة مناضل , الجزء الاول ص51
(2)
سعاد خيري , من تاريخ الحركات الثورية المعاصرة , ص 203
(3)
سعاد خيري , من تاريخ الحركات الثورية المعاصرة
(4)
ثمينة ناجي يوسف , سلام عادل سيرة مناضل, الجزء الاول ص51
"
عبد الوهاب طاهر عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
عندما سجل هذا الحديث في محاضرة القيت على الرفاق الانصار في كردستان..
(5)
ثمينة ناجي يوسف , سلام عادل سيرة مناضل, الجزء الاول ص53
(6)
بيـــــــــان اتحـــــاد نقــــــابات النفط
(7)
حسن جمعة عواد الاسدي,رئيس اتحاد نقابات النفط في العراق
(9)(8)
بيانات
اتحاد نقابات النفط في الجنوب , الى كافة منتسبي القطاع النفطي, الثلاثاء , 14
اغسطس, 2007
(10)
صباح زيارة الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 1576 - 2006 / 6 / 9

 


(2)

.( أحداث كركوك14-16 تموز1959)(المادة 140التقسيمية)... الشهيد سلام عادل:الانقلاب حدث ليس في 8 شباط 1963, بل في 1959.وسهلت الكتلة مروره

 

2007 / 12 / 24

 

" تقع كركوك، وهي مركز نفطي، على بعد 180 ميلا(280 كيلومترا) إلى الشمال من بغداد. وكانت مدينة تركية بكل ما في الكلمة من معنى حتى ماض غير بعيد. وانتقل الأكراد تدريجيا من القرى القريبة إلى هذه المدينة. وتكثفت هجرتهم إليها مع نمو صناعة النفط. وبحلول العام 1959 كان الأكراد قد أصبحوا يشكلون حوالي ثلث السكان، بينما انخفض عدد التركمان إلى ما يزيد قليلا عن النصف… وشهدت مدن تركية أخرى، مثل اربيل، عملية مشابهة. ولقد تكردت(أصبحت كردية) اربيل نفسها إلى حد كبير وحصل التغيير سلما. أما أهل كركوك، فكانوا اصلب عودا وحافظوا على روابط ثقافية حميمة مع تركيا وتوحدوا من خلال شعور أعمق بالهوية العرقية1.

وكان بطاطو قد تطرق إلى التوزيع الجغرافي للمجموعات العرقية-الدينية الأساسية ويقول في ذلك:
"
هناك على امتداد طريق البريد القديمة بغداد-الموصل-اسطنبول شريط من المستوطنات التركمانية منها تلعفر وداقوق وطوز خورماتو وقرة تبة، وهي شيعية، وآلتون كوبري وكركوك وكفري، وهي سنية.2)
ان العودة الى التاريخ في قضية كركوك قد تساعدنا على الوصول الى حلول وطنية عراقية , بطابع انساني أممي لمسألة كركوك , على خلاف الحلول المطروحة اليوم , خصوصا الخيار الوارد في المادة 140 , هذا الخيار المودي حتما الى بلقنة كركوك , ومن ثم العراق كله

أحداث كركوك 14 - 16 تموز 1959
------------------------------------
لم يكن غريبا أن تستعيد القوى المعادية للحزب مجريات أحداث يوم الاستعراض التمهيدي )
في (5) تموز وفشلها في تحقيق هدفها في توجيه ضربة مباشرة للحزب وما تمخضت عنها تلك الأحداث من نتائج عكسية , وأن تستفيد من تجربتها وتحاول استعادة المبادرة التي فقدتها في " لحظة تاريخية " معينة ولمنع القوى التقدمية والحزب من امتلاك زمام المبادرة.

وقد شهدت تلك الفترة تلاقيا في الاهداف رغم اختلافها , بين القوى المعادية للثورة ككل وبين قوى اليمين البرجوازي وحدتها مؤقتا معادة الحزب والقوى الثورية التقدمية. وكان من نتائج ذلك التلاقي المؤقت افتعال أحداث كركوك في الذكرى الأولى لثورة تموز وهي من قبل تلك " الاعمال المدمرة " والتي " ستلقي مسؤوليتها على كاهل الشيوعيين"!! وال " وشيكة الوقوع" كما حذرت جريدة الحزب " اتحاد الشعب " في اعدادها الصادرة في
16
و17 و22 / حزيران 1959 وقد وجدت السلطة في تلك الأحداث فرصتها المواتية لتوجيه ضربة عنيفة للحزب وحلفائه من خلال الاجراءات المبيتة التي اتخذتها بعد الأحداث مباشرة . )3

ومن شهود العيان الذين نشروا شهاداتهم حول أحداث كركوك عضو الحزب الشيوعي العراقي عادل مصري (أبو سرود) الذي كان وقتها عضوا في لجنة المحلية في كركوك , يقول فيه" تقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية مكان تجمع المشاركين في المسيرة . ومنها تنطلق عبر الشارع الرئيسي في - قوريه- ثم تمر أمام الثكنة العسكرية وتعبر الجسر قرب القلعة القديمة ثم الجسر الثاني وتتجه بعد ذلك عبر شارع أطلس حتى تنتهي قرب المدرسة الثانوية التي كانت قد انطلقت منها . وكذلك جرى تثبيت الشعارات والهتافات الرئيسية للمسيرة ووضعت قائمة بالمنظمات والهيئات التي ستشارك فيها وحدد موقع كل منها ...وجرى التأكيد على تشديد الحراسة وعلى اليقضة ازاء محاولات التخريب التي قد تلجأ اليها الفئات المعادية خاصة من أوساط عملاء شركة النفط .وفي ما يتعلق بالطريق الذي اختير للمسيرة أرى من الواجب الاشارة الى أن اللجنة المحلية قررت أن لا تعبر المسيرة الصوب الصغير الى محلة - المصلى -التي يسكنها كثير من المواطنين التركمان وذلك تجنبا لأي احتكاك مع المتعصبين منهم الذين قد يندسون من خلال آلاف الناس في المسيرة .... وبدأت المسيرة كما كان مقررا.

قبل الظهر شهدت المدينة عرضا عسكريا لقطعات الجيش والقوات المسلحة الاخرى و ... انطلقت بصورة نظامية تعلوها الشعارات المقررة وليس غيرها واجتازت شارعا في - قوريه - ثم الثكنة العسكرية وحسب المقرر لم تعبر الصوب الصغير بل أتجهت في الطريق المؤدي الى شارع أطلس ... ولم يحدث أي اشكال قبل دخولها مرحلتها الأخيرة . كانت تتقدم المسيرة مجموعة من الأطفال بملابس بيضاء وهم يحملون الأزهار وجاء بعدهم أنصار السلام ورجال الدين ثم عمال النفط وأعضاء النقابات الأخرى والشبيبة والطلبة والجمعيات الفلاحية ورابطة الدفاع عن حقوق المراة ... والتحق بالمسيرة جنود كثيرون وكان واضحا , أن أبناء جميع القوميات المتعايشة في كركوك دون استثناء يشاركون فيها وكان هذا أكثر مما أثار حنق عملاء شركة النفط الذين فشلوا حتى اللحظة في القيام بأي عمل تخريبي ضد المسيرة ...الا أنهم وكما تبين فيما بعد , كانوا يبيتون لمجزرة ضد المواطنين العزل المشاركين في المسيرة السلمية فبعد دخول المسيرة شارع أطلس ومع وصولها كازينو الشباب وسينما أطلس أنهالت عليها من السطوح الحجارة وقطع الآجر ثم سرعان ما انهمرت زخات الرصاص من سطح أحد المنازل المطلة على الشارع وفوجئ الناس بهذل العمل العدواني الغادر فتزاحموا متدافعين من الشارع الضيق وشق البعض طريقه مفتشا عن مصدر النيران لا سكاته وفاض الشارع بالجموع التي راحت تزحف فوق بعضها في جو من الفزع والفوضى وتوالت المشاهد المفجعة خاصة منظر الأطفال الهلعين المولولين والاقدام تدوسهم ...وتطورت الأمور بسرعة ولم يمكن السيطرة عليها وانطلقت عناصر يبدو أنها مهيأة سلفا من قبل عملاء شركة النفط تشيع وتؤجج الفوضى وتحرض الناس على كسر ابواب الدكاكين وعلى القتل والنهب واشعال الحرائق خاصة من بعض المتاجر العائدة لمالكين من التركمان وغيرهم وبلغ هياج الناس حدا اصبح كل انسان في الشارع أيا كان مهددا بالموت لمجرد أن يرتفع بوجهه اصبع اتهام مهما كان مصدره.

ولم ينج عدد من رفاقنا الشيوعيين وبعض التقدميين من محاولات القتل والسحل .. بيد أن العناصر المعادية لم تكف عن الاستفزاز والعدوان وبقي الرصاص يطلق من قلعة كركوك القديمة بصورة منقطعة طيلة ثلاثة ايام ولم يمكن اسكاته الا بعد تمشيط القلعة من قبل الجيش والمقاومة الشعبية وجاءت مشاركة المقاومة الشعبية في عملية التمشيط استجابة لطلب تقدمت به قيادة الفرقة الثانية ولتوجبهات وصلت من بغداد بوضع حد لاجرام العناصر الرجعية المعدية للجمهورية ...ان ما حدث في كركوك وما تعرضت له مسيرة الذكرى الأولى لثورة تموز فيها , لم يكن غير عدوان آثم دبره عملاء شركة النفط وقوى الردة في المدينة)4

اذن فان الشهادة اعلاه وعشرات الشهادات الاخرى , وتطورات الاحداث السياسية لاحقا , تثبت جميعا دون ادنى شك , مسؤولية الشركات النفطية الاستعمارية عن احداث كركوك , ومن جهته الباحث حنا بطاطو, قد خلص الى استنتاج في دراسته الاكاديمية الموسوعية الحيادية لتأريخ العراق الحديث, يبرأ قيادة الحزب الشيوعي العراقي من اي مسؤولية عن احداث كركوك فهو يقيم الامرب " لا شئ آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 -16 تموز- يوليو- ومع ذلك فقد اصبح مؤكدا الآن أن هذه الأحداث لم تكن من قبل زعمائهم ولاهم سمحوا بها)5

أما الشهيد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم , فأنه بالرغم من استغلاله لاحداث كركوك ذريعة لاتخاذ اجراءات قاسية شاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي بهدف تحجيم دوره المتنامي , فقد أعترف بخطأه في الساعات الاخيرة قبل أستشهاده , عبر الاتصال الهاتفي الذي كان قد أجراه معه الشهيد سلام عادل زعيم الحزب الشيوعي العراقي لحظة قيادته المقاومة الشعبية لانقلاب الفاشست, وحينما كان الزعيم الشهيد يتصدى للانقلابيين من مقره في وزارة الدفاع " واستمر سلام عادل بالأتصال تلفونيا بوزارة الدفاع بين فترة وأخرى مستفسرا عن وضع الموجودين فيها مقدما اقتراحاته لهم . وقد رد عبد الكريم قاسم على أحد الاتصالات التلفونية التي أجراها سلام عادل مع وزارة الدفاع , وقال له بأننا أخطأنا مع الشيوعيين وقدم له الاعتذار قائلا بأنه سيضعهم في المكان المناسب واعدا بمعالجة الأخطاء التي اركتبت بحق الحزب , لكن سلام عادل قطع حديثه بلباقة موضحا له بأن الوضع حرج يحتاج العمل السريع وعدم مناقشة الماضي وطلب منه اذاعة بيان موجه الى القوات المسلحة بصوته من الاذاعة السرية التي كان الحزب يعتقد بوجودها في وزارة الدفاع يدعو فيها الجماهير الى مقاومة الانقلاب وتسليم السلاح للجماهير"6

وكان موقف الكتلة اليمينية الانتهازية في قيادة الحزب , هو استغلال احداث كركوك استغلال انتهازيا بشعا , بهدف تصفية الحساب مع قيادة سلام عادل للحزب , والعمل على ابعاده , وهو ما عبر عنه الشهيد سلام عادل بعد عودته للوطن من فترة الابعاد تلك, بجملته الشهيره حينما قال له الشهيد جمال الحيدري" ان الانقلاب كما يبدو قد بدا منذ الصباح . فعلق الشهيد سلام عادل - كلا . لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره" 7

ان العدو الذي افتعل فتنة كركوك في تموز 1959 , هو العدو ذاته الذي يبلقن كركوك بالمادة 140 سيئة الصيت, انه الاستعمار والاحتلال والشركات النفطية الاحتكارية والعملاء المحلييين

فلم تتمكن صياغة المادة 140 الخادعة من اخفاء الهدف الحقيقي من وراء اصدارها ,الا وهو اثارة الفتن العصبية القومية المتخلفة في تقليد اعمى للسياسة البعثية القومية الشوفينية

أن صناع فتنة كركوك الجديدة لا يتعلمون من التأريخ , فكركوك هي العراق المصغر المتآخي , وثروات كركوك النفطية , كثروات البصرة النفطية , وجميع الثروات العراقية , هي ملك للشعب العراقي , وما الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين وسائر الكادحين الا حراس هذه الثروة واصحاب الحق في توزيعها العادل

(
أن تغير البنية الديمغرافية للمدن هو ظاهرة تاريخية موضوعية , والتبدل الذ ي طرأ على مدينة كركوك يدخل في هذا الباب , فالعامل الاقتصادي , وقبل اي عوامل أخرى , دينية او اثنية , هو الاساس في حركة تطور مدينة كركوك في هذا الاتجاه او ذاك, وفي صيرورتها التارخية الراهنة.

ان نزوح فقراء الاكراد من الريف الكردي الى كركوك , كان قد بدأ منذ لحظة أكتشاف النفط في مدينة كركوك , هذا الاكتشاف ( العامل الاقتصادي) الذي أعلن بأن مدينة كركوك تقع على ارض يكمن في باطنها ما يقدر ب 6% من احتياطي البترول في العالم . وتزايدت هذه الهجرة الفلاحية الكردية هربا من ظلم الاغوات الذين حولوا حياة الفلاحين الى جحيم لا يطاق

هذه الهجرة الفلاحية التي تعاضمت بعد ثورة 14 تموز 1958 وصدور قانون الاصلاح الزراعي , والتي لم تقتصر على الفلاحين الاكراد فحسب, بل شملت الفلاحين العرب في ريف الجنوب والفرات الاوسط , الذين نزحوا الى البصرة ( العامل النفطي ايضا) والى بغداد العاصمة بحثا عن فرصة عمل , وهربا من جحيم الاقطاع ايضا

فأذا كانت هجرة الفلاحين الاكراد قد أثرت على التركيبة الديمغرافية من الناحية القومية ( الاكراد – التركمان) لمدينة كركوك , فأن هجرة الفلاحين العرب الى بغداد لعبت هي الاخرى دورا في تغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة بغداد من الناحية المذهبية ( شيعة – سنة)8


أن كركوك التأخي قادرة على أن تكون المفتاح لاخراج العراق من النفق المظلم , وبالتالي استعادته لوجهه الحضاري المشرق , وجه بلاد الرافدين منبع الحضارة الانسانية قاطبة , دعونا نأمل ونعمل من اجل تحقيق هذا الهدف العظيم9

فخيار الفتنة في تموز 1959 أدى الى ضياع ثورة الشعب , ثورة 14 تموز 1958 المجيدة , ومجئ نظام الردة والرجعية الفاشية , الذي ادخل العراق في دوامة القتل والتدميير على مدى اربعين عاما , اختتمت بأحتلال البلاد على يد اعتى قوى امبريالية استعمارية عرفها التأريخ الحديث

اما الاصرا ر على تنفيذ خيار البلقنة في المادة 140 فسيمزق العراق اربا اربا , وتسيل انهار الدماء كما لم تجري من قبل , ولن يبقى من الثروات المتصارع عليها, الا ما ينهب على يد الشركات الامريكية الاحتكارية , وبعض الفتات الذي سيرمى بشكل سلاح لامراء الاقطاع والطائفية والعنصرية
المصادر
-------
(1)
حنا بطاطو “ العراق – الكتاب الثالث، الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار “، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى – بيروت 1992 ص 224 .

(2)
حنا بطاطو، العراق- الكتاب الأول، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية"، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث
العربية- بيروت 1990، ص 57-58

(3)
ثمينة ناجي يوسف, سلام عادل سيرة مناضل, الحزء الثاني ص66
(4)
المصدر السابق , ص 68-69
(5)
حنا بطاطو . الكتاب الثالث , ص 223
(6)
ثمينة ناجي يوسف . سلام عادل سيرة مناضل , الجزء الثاني و ص 339
(7)
المصدر السابق .ص 337
(8)
صباح زيارة الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 1837 - 2007 / 2 / 25
(9)
المصدر السابق

(3)

الشهيد سلام عادل يحدد أهداف وقوى ودوافع مؤامرة الشواف 1959وهي ذات القوى المتعاملة اليوم مع الاحتلال ضد حق الشعب العراقي في الحرية والتقدم

 

2007 / 12 / 23


في 8 آذار " مارس " 1959أعلن عبد الوهاب الشواف قائد حامية الموصل في شمال العراق ( وهي محافظة حدودية مع سوريا) عن تمرده على السلطة المركزية في بغداد.عن أهداف وقوى ودوافع هذه المؤامرة تحدث سلام عادل في مقابلة صحفية أجرتها جريدة " أتحاد الشعب" الناطقة بأسم الحزب الشيوعي العراقي ونشرتها في 30/3/1959. جاء فيها:*

سؤال- من المعلوم أن مؤامرة الخائن الشواف كانت حلقة من سلسلة المؤامرات الاستعمارية التي حيكت ولسوف تحاك ضد جمهوريتنا . فما هو - برأيكم - المخطط العام لتلك المؤمرات؟

جواب- اذا استعرضنا الاحداث الماضية منذ 14 تموز الخالد , نرى أن خطة المستعمرين كانت تعتمد في البدء على محاولة تدخل أنكلو أمريكي مكشوف لا سقاط الحكم الجمهوري الوطني في العراق. وقد فشلت تلك المحاولات لأن ثورة 14 تموز جاءت محكمة خاطفة ساحقة رؤوس النظام البائد , وحازت مساندة ومشاركة أوسع جماهير الشعب منذ لحظاتها الأولى. وكان العامل المساعد الحاسم في احباط تلك المحاولات هو الموقف الحازم الصلب الذي وقفه صديق شعبنا العراقي والامة العربية الاتحاد السوفياتي وانذاره للمستعمرين , ومساندة سائر قوى الحرية والسلم في العالم.

وعلى اثر فشل خطة التدخل الخارجي , اتجه الاستعمار الى العمل من الداخل , ولذا فان القوى الرجعية الداخلية دابت على عرقلة سير الثورة الذي يستلزم تعبئة الشعب وتنظيمه وتسليحه , وتطهير أجهزة الدولة ( المدنية والعسكرية ...) بغية الحفاظ على مواقعها فيها. وعملت على تجميع قواها وتنظيم صفوفها , هي نفسها , تمهيدا للقيام بعمل تآمري موحد يستند الى الضغط الخارجي والتهديد الاستعماري , السياسي والعسكري , ولكن سياسة القوى الوطنية التي استهدفت تعبئة الشعب وتطهير أجهزة الدولة ومنع الرجعية من تنظيم نفسها , والمحافظة على يقظة الشعب والجيش , والمواقف الصائبة لسيادة الزعيم عبد الكريم قاسم , كل ذلك احبط سلسة من المؤامرات , دلت الوقائع بوضوح على أنها كانت بتدبير ومشاركة الامريكان وسائر المستعمرين وعملائهم وأيتام العهد البائد والاقطاعيين وبعض الاوساط الرجعية العربية, وبوجه خاص ,بعض حكام العربية المتحدة. فضلا عن الارتباطات الصهيونية بهذه الشبكات التآمرية , تلك التي وضعت عليها اليد في حينه , وكشفت عنها مؤخرا جلسات محكمة الشعب . ان تطور الأحداث , على هذا الشكل , أدى بأعداء الجمهورية مرة أخرى الى اعداد خطط التدخل السافر والعدوان الخارجي على أسس جديدة من التعاون الاوثق بين كل القوى المعادية للجمهورية العراقية ولسياستها التحررية الديمقراطية , واعطاء التآمر والعدوان صفة نزاع " عربي داخلي " أو " محلي اقليمي" على خلاف محاولات التدخل الاستعماري الانكلو أمريكي المكشوف التي حدثت غداة 14 تموز . وكان أعداء الجمهورية يأملون من هذا الاتجاه الجديد - الاتجاه الاستعماري " المستعرب" -أن يؤدي أولا : الى شق الصفوف الوطنية داخل العراق. وثانيا : التمويه على الشعوب العربية وعلى القوى " المحايدة ". ثالثا: كما كانوا يأملون أنهم بذلك يستطيعون أن يخلقوا ظروفا متلابسة تؤدي الى احراج الدول الصديقة وخاصة الاتحاد السوفييتي, ولوضع العقبات في طريق ابداء معونتها الحازمة للحفاظ على استقلال الجمهورية العراقية عندما تقتضي الضرورة مثل هذا العون .

ومن السهل أن يربط المرء بين نشاطات حلف بغداد العدواني ( في دورتي كراجي وأنقرة ) والتحشيدات العسكرية على الحدود الايرانية والتركية وحركة الاساطيل الامريكية والانكليزية وزيارات راونتري وغيره , والمعاهدات الثنائية الأمريكية , بين هذا كله من جهة , ومن الجهة الأخرى النشاط المحموم الذي جاء على شكل حملة صليبية من قبل بض حكام الجمهورية العربية المتحدة ضد العراق وضد الشيوعية وضد الاتحاد السوفييتي.

ولقد كانت مؤامرة الشواف حصيلة هذا المخطط . وتدل المعلومات الكثيرة المتوفرة -قبل وبعد حوادث التمرد - أن المؤامرة كانت واسعة وتمتد خيوطها ومجال تنفيذها الى مناطق أخرى غير الموصل . ولكن بفضل يقظة القوى الوطنية وتأهبها واتحادها تحت زعامة ابن الشعب البار عبد الكريم قاسم تم عزل المؤامرة واجهاضها واحباطها . وخرجت الجمهورية وهي أشد مراسا واقوى ساعدا في مقارعة المستعمرين والمعتدين.

ولا شك أن محاولات التخريب والتآمر الاستعماري والعدوان ستستمر ما دمت جمهوريتنا تواصل السير في نهجها الوطني المستقل , وما دامت تعتمد على اطلاق قوى الشعب الخلاقة . وكما كان في الماضي , فان وعي الشعب ويقظته وتضامنه التام مع الجيش والحكومة , والتدابير الحازمة والسريعة , كل ذلك سيؤدي دون شك الى تخطي العقبات مهما كانت والخروج منها برأس مرفوع وقدم ثابتة لا تتزعزع في طريق الحرية والتقدم والرفاه.

سؤال- كشفت مؤامرة الشواف الأخيرة عن أن بعض العنااصر المنضوية تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني , قد اشتركت بالمؤامرة , فما هو الموقف من هذه العناصر؟

جواب - ان هذه المسالة تمتد جذورها الى الايام الأولى لثورة 14 تموز . فقد ظهر بجلاء منذ تلك الايام أن بعض القوى كانت سائرة في طريق تجاهل أهداف جبهة الاتحاد الوطني والتنكر لها ولمستلزمات التعاون مع القوى المؤتلفة فيها . فقد حاول البعثيون مثلا الاستئثار بالحكم وتوجيهه وجهة حزبية ضيقة والاستئثار بالحريات العامة وتضييقها على القوى الأخرى . وذلك بغية حرف اتجاه الثورة وعرقلة مسيرتها في الاعتماد على أوسع الجماهير وضمان مصالحها. ونظرا لعمق وسعة الوعي الشعبي الوطني الذي كشفت عنه ثورة 14 تموز , وقوة الحركة الديمقراطية , فانهم قدروا أن الاستعجال في ضم العراق للجمهورية العربية المتحدة يمكن أن يحقق لهم اغراضهم تلك . وعملوا بنشاط مفتعل محموم وفق هذا الاتجاه جاذبين حولهم , لا العناصر القومية اليمينية وحسب , بل ايضا مختلف فئات الرجعيين الذين نظروا بهلع الى مستقبل تطور الثورة في طريقها الوطني الديمقراطي.

وليس ببعيد عن الذاكرة الفعاليات والظواهر الرجعية التي مارسها وشجعها المرتد عبد السلام عارف ومن ورائه عملاء العهد البائد والاقطاعيون وغيرهم . ولما عجزوا عن تحقيق أهدافهم بأساليب العمل السياسي الصحيحة في ظل حكم وطني ديمقراطي وعجزوا عن كسب تأييد الجماهير لآرائهم وشعاراتهم - برغم أن كل الامكانيات كانت متوفرة لهم ,أكثر من توفرها لغيرهم - انزلقوا شيئا فشيئا في طريق التآمر والعنف لتحقيق اغراضهم ورغم ارادة الشعب ومن خلف ظهر جبهة الاتحاد الوطني وقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم . وكان من نتيجة ذلك أنهم كلما أوغلوا في السير في هذا السبيل , انعزلوا عن الشعب أكثر فأكثر , وانحدروا الى درك العداء الصريح للجمهورية وخيانتها .

أما بالنسبة لنا , نحن الشيوعيين , فقد اكدنا منذ فجر 14 تموز على ضرورة تنشيط جبهة الاتحاد الوطني وتعزيز وحدة القوى الوطنية على اساس صيانة الجمهورية والسير بها قدما في طريق أهداف الثورة , وعملنا بكل ما كان في وسعنا لتعزيز هذه الوحدة برغم نظرة التمييز التي كنا ضحيتها , ونبهنا الى الأخطار الناجمة من السياسات والمواقف الانقسامية وأكدنا على ضرورة تآخي كل القوى المعادية للاستعمار والاقطاع استنادا الى ضمان تكافؤ الفرص أمام كل القوى الوطنية في ما يتعلق بحقها في التمتع بالحريات والمشاركة في مسؤولية الحكم , وكنا ولا نزال - نبني راينا هذا لا على اساس المغانم الحزبية الضيقة أو غير المشروعة , بل على أساس وعينا العميق لمستلزمات وحدة الصفوف الوطنية ومن أجل صيانة الجمهورية ضد جبهة أعدائها المتربصين . وبالرغم من تنكر هذه العناصر لميثاق جبهة الاتحاد الوطني وتجاهلها لهذه الأسس السليمة لوحدة الصفوف , فاننا واصلنا بثبات وأمانة مهمة الشرف في الحفاظ على وحدة الصفوف ومساندة الجمهورية ولف الجماهير حول زعامة عبد الكريم قاسم . ووضعنا كل امكانياتنا وطاقاتنا في هذا السبيل السليم. واليوم اذ تمر أكثر من ثمانية أشهر على ثورتنا الخالدة , يمكن لكل منصف مخلص أن يستعيد في ذاكرته الأحداث ليستخلص حقيقة أننا حافضنا بثبات على العهد الذي قطعناه حينئذ ولم ننحرف عنه قيد شعرة , ورغم الظروف المعقدة والاعاصير المتبدلة الاتجاهز وأكثر من ذلك اننا كنا نحذر تلك العناصر بالذات من مغبة الانزلاق في طريق التآمر ومعاداة الجمهورية , وننصحها بضرورة التمسك بالاساليب الديمقراطية السليمة في الدعاية لشعاراتها , وبأن الشعب العراقي الذي يتمتع بتجربة سياسية زاخرة ستكون له الكلمة الاخيرة في اختيار أو نبذ هذا أو ذاك. وقلنا , آنئذ لتلك العناصر بصراحة بأنها أمام مفترق طريق , أمام منزلق خطر قد يؤدي بها الى أن تتحول من قوى سياسية وطنية الى عصابات استفزازية لن يكون نشاطها نافعا لغير الاستعمار وعملاء الاستعمار.

ومع الاسف فان عددا كبيرا من تلك العناصر انساق وراء توجيهات المغامرة الصادرة من وراء الحدود من جهات لم تقدر مسؤولياتها ولم تبد الحرص اللازم على سمعتها الوطنية والقومية وانساقت وراء دوافعها الضيقة وخضعت لخداع المستعمرين وأضاليلهم. اقول مع الاسف ان تلك العناصر اندفعت أكثر فأكثر في طريق التآمر والتخريب والعداء للجمهورية , وبذلك وضعت نفسها خارج القوى الوطنية المخلصة , واستحقت غضب الشعب والجمهورية .

وبالطبع ينبغي أن لا يعني ذلك أن جميع المنتمين الى حزبي البعث والاستقلال أو سواهم من الأفراد الذين يصطلح على تسميتهم " القوميين" قد انزلقوا الى طريق التآمر والعداء للجمهورية . فهناك دون شك عدد من العناصر وخصوصا من الشباب الذين عملوا مع هذه الجماعات بدوافع الاخلاص التام للشعب والأمة العربية . منهم من كان لديه الوعي الكافي فلم ينسق أو يتلوث بأساليب التآمر والتخريب , ومنهم من سار شوطا أو ساهم الى حد ما في هذه الاساليب , ولكنه تنبه الى مخاطر هذا السبيل المعادي للجمهورية والضار بالتضامن العربي والقومية العربية , فأظهر استعداده المخلص للتراجع وتصحيح موقفه.

وعلى هذا ينبغي الا ينظر الى جميع القوميين والمدعين " القومية " نظرة واحدة , وأن بفسح المجال في صفوف القوى الوطنية , لأولئك الذين يستطيعون أن يبرهنوا عمليا للجماهير على اخلاصهم لنظامنا الجمهوري المتجاوب مع قضيتنا القومية على اساس تحرري ديمقراطي سليم وشجبهم كل متآمر على هذا النظام . وهؤلاء الأخوان مدعوون من جانبهم الى مساعدة الجمهورية في فعالياتها لكشف المتآمرين والمتربصين ومحاربتهم وانزال العقاب الصارم العادل بهم .كما أن الجماهير مدعوة لمساعدتهم وجذبهم ثانية الى صفوفها .اذ ليس في صالح الجمهورية التفريط بأولئك الصادقين في أخلاصهم , ومعاداتهم ومعاملتهم كغيرهم من المتآمريين والمخربين .

سؤال- كيف يمكن - في رايكم - تنشيط جبهة الاتحاد الوطني وزيادة فعالياتها الى مستوى ما يتطلبه الوضع الراهن؟

جواب - ان حزبنا انتهج على الدوام وبثبات سياسة الجبهة الوطنية ز وأن الشعب العراقي , نتيجة لتجربته الطويلة في الكفاح الوطني , قد ادرك جيدا اهمية وحدة القوى الوطنية في النضال ضد الاستعمار.

وكانت كل الاحزاب والقوى الوطنية مقتنعة , قبل ثورة 14 تموز , بأن ليس باستطاعة أ ي حزب بمفرده أو أ ي جهة وطنية أن تأخذ على عاتقها مهمة تحرير البلاد وتحقيق الاستقلال الوطني . وغداة 14 تموز , عندما اصبحت الحلقة المركزية في النضال الوطني , هي صيانة الجمهورية , أعلن حزبنا بصراحة أن هذه المهمة هي الأخرى , لا يمكن تحقيقها بجهود حزب معين أو قوة معينة , وأن السبيل الوحيد لصيانة الجمهورية واستقلالها الوطني هو سبيل تظافر جهود كل الأحزاب والقوى الوطنية . وقد استرشد حزبنا بأمانة تامة وتمسك بقوة بهذه السياسة الوطنية . ورغم التطورات التي حدثت منذ 14 تموز حنى الآن , فان هذا الاستنتاج ما يزال صائبا كل الصواب . ومن الواجب ان يتم الاقرار بصوابه والعمل بموجبه من جانب كل الاطراف وكل القوى الوطنية من الشعب والجيش على السواء.

ان جبهة الاتحاد الوطني مدعوة الآن الى اعادة النظر جدية في بنائها واسلوب عملها . فقد كانت جبهة الاتحاد الوطني - كما هو معلوم - قد تاسست في ظروف استعمارية قمعية بغيضة وانتهجت سبل العمل السري الضيق . واكتفت بارتباطات ممثلي القوى الوطنية من الاعلى دون أن يكون لها مجال الاعتماد على المنظمات الجماهيرية التي هي الأخرى تجابه ظروف القمع والتضييق .

ولكن الاوضاع الراهنة تختلف اختلافا جوهريا - وخصوصا بعد الانسحاب من حلف بغداد - في ظل جمهورية وطنية تعتمد على تنظيم الشعب وارادته الى حد بعيد . وهذا يستوجب أن تجري اعادة النظر في بناء الجبهة واسلوب عملها , على اساس السياسة الديمقراطية التي عبرت عنها الغالبية الساحقة من جماهير الشعب والتي تحدد المعالم العامة لسياسة جمهوريتنا البطلة تحت زعامة ابن الشعب البار عبد الكريم قاسم .

اذن هكذا كانت هي صورة البارحة, كما عبر عنها قائد وطني ثوري برؤية وطنية مسؤولة , زعيم ثوري قدم حياته جنبا الى جنب مع الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقهما واخوتهما من قادة الحزب الشيوعي العراقي وقادة الجيش العراقي والالاف من الشهداء من الشيوعيين والديمقرطيين العراقيين دفاعا عن ثورة 14 تموز المجيدة, في مقاومة انقلاب 8 شباط 1963 الفاشي , هذا الانقلاب الذي اشرفت على رعايته وتنظيمه المخابرات الامريكية , ونفذته القوى القومية الشوفينية والعنصرية والقوى الدينية الرجعية المتحالفة مع بقايا الاقطاع .

ومر العراق بمرحلة طويلة بين صورة ثورة 14 تموز 1958 وصورة اليوم في مرحلة سقوط النظام البعثي الفاشي الثاني واحتلال العراق

فما بين الانقلاب الفاشي الاول في 8 شباط 1963 واحتلال العراق في 9 نيسان 2003 ,استخدم حزب البعث الفاشي كرأس حربة بيد القوى الامبريالية العالمية , اذ رفع الشعارات اليسارية المزيفة لمواجهة المد اليساري الثوري المتصاعد في فترة الستينيات والسبعينيات , ضمن استراتيجية امريكية لقطع الطريق على صعود اليسار الثوري الحقيقي من الوصول الى الحكم.

ولما بدا المد الديني في الصعود على حساب القوى القومية واليسارية معا , خصوصا بعد سقوط الشاه وخطف الثورة الشعبية الايرانية من يد الطبقة العاملة والقوى الثورية لصالح القوى الاسلاموية , شن نظام البعث الفاشي بدفع من السيد الامريكي ايضا, حربه على ايران وتبرقع زعيمه ببرقع الدين عبر حملته الايمانية سيئة الصيت , التي اضاع فيها المشيتين , فهو لم يعد يساريا " مزيفا" حسب المودة القديمة , ولا اسلامويا" مزيفا" وفق المودة الجديدة.

كان العراق وشعبه في مطحنة الاستراتيجية الامبريالية الامريكية على مدى تلك العقود الاربعة , الممتدة من الانقلاب الامريكي الاول في 1963 , مرورا بالانقلاب الامريكي الثاني في 1968 حتى الاحتلال المباشر للبلاد في 2003

لقد امتطت الامبريالية الامريكية القوى القومية العربية ( البعث ) والقوى القومية الكردية ( البارزاني والطالباني) والقوى الاسلاموية الشيعية( ال الحكيم , بحر العلوم, والدعوة ) والسنية ( الحزب الاسلامي) والقوى الاقطاعية( على مستوى العراق كله), امتطاء جماعيا كما في انقلاب 1963 أو امتطاء جزئيا كما في انقلاب 1968, وامتطاءا شاملا
متعدد الاوجه , معقد, لكنه مكشوف في 9 نيسان 2003

ان صورة اليوم تعلن عن هويتها بالابادة الجارية للشعب العراقي , التطهير العرقي والطائفي , التهجير المليوني للسكان , التدمير الشامل للبنية التحتية للبلد , النهب الشامل للثروات, وصولا الى الهدف النهائي , تقطيع اوصال الوطن الى اقطاعيات طائفية عنصرية

ان الطبقة العاملة العراقية المتحالفة مع الفلاحين وسائر الكادحين , ممثلة بحزبها الثوري , الحزب الشيوعي العراقي , هي القادرة بالتعاون مع كل القوى الوطنية المعادية للاستعمار والاحتلال , على مواجهة هذا المشروع الامبريالي الجهنمي , وبالتالي انقاذ الوطن من التقسيم وتحريره واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية

الجمهورية العراقية الحرة الديمقراطية هي الهدف التي كافح من اجلها بنات وابناء العراق الابرار جيل تلو الجيل الاخر, منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى يومنا هذا , مسيرة معمدة بدماء الشهداء الزكية من اجل وطن حر وشعب سعيد

ان كلمات الشهيد سلام عادل التي نستعيدها اليوم بعد اربعة عقود من استشهاده , هي ذاتها التي صرخ بها بوجه الجلادين الذين اذاقوه اهوال العذاب حتى استشهاده مرفوع الهامة , مؤمن بالشعب العراقي واثق من النصر , اننا اذ نخوض المعركة التأريخية الكبرى , معركة وجود او عدم وجود بلادنا , معركة الحرية في مواجهة العبودية , نجدد العهد للشهداء بأن دمائهم لن تذهب هدرا , ويم حرية الوطن والشعب لقريب , وما مصير الغزاة وعملائهم الا مزبلة التأريخ
*
ثمينة ناجي يوسف - سلام عادل سيرة مناضل , الجزء الاول , ص 266


(4)

الشهيد سلام عادل يفضح دور البعث الفاشي والقيادة الكردية العشائرية والزمرة الانتهازية في التمهيد لانقلاب المخابرات الامريكية في 8 شباط 1963

 

2007 / 12 / 20

 

قدم الشهيد سلام عادل السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي تقييما لا نقلاب 8 شباط 1963 الاسود في آخر رسالة كتبها حملت عنوان(ملاحظات أولية الى لجان المناطق والالوية :
( أن انقلاب ( الردة) في 8 شباط قد بدا فكريا وسياسيا واقتصاديا منذ أواسط 1959 حينما تصرف قاسم بما يشبه الاستسلام للقوى السوداء التي اخذت تسترجع المواقع واحدا بعد آخر,في الجيش والدولة وفي الحياة الاقتصادية والمجتمع , ومنذ ذلك الحين فان الخط البياني لتفاقم التهديد الرجعي , وتفاقم أخطار الردة قد تموج فترات صعودا ونزولا, ولكن كخط عام بقى يتصاعد. وفي 8 شباط 1963 أسقطت الرجعية الفاشية السوداء حكم قاسم واستولت على الحكم.

ان قاسم الذي أعاد الروح للقوى الرجعية وغذاها , ودافع عنها , اتهم كل من ينبه للتآمر ولخطر الرجعية , بالخيانة , لذلك فان الكثير من قواها الخاصة قد فقد تدريجيا الامل في امكانية استمرار حكمه وفي جدوى الدفاع عن ذلك الحكم , بحكم عقليتها البرجوازية المتساومة. وفي اللحظات الحاسمة سلمت أجهزتها وسلمت نفسها لقوى التآمر السوداء متخاذلة جبانة واعلنت الولاء للمتآمرين.

وعندما انفجرت جماهير الشعب الكادح للوقوف بوجه المتآمرين بعزم واصرار ووعي عظيم , اصطدمت لا بالعناصر الرجعية المتآمرة من أجهزة الجيش والدولة فحسب , بل جابهت قمع عدد غير قليل من أعوان قاسم نفسه ممن كان يعتمد عليهم والذين فضلوا الركوع أمام الرجعية وتسهيل مهمتها في استلام الحكم والوقوف ضد المقاومة الشعبية الباسلة .

ان مشكلة قاسم واجهزته والقوى التي تدين له بالولاء هي مشكلة البرجوازية الوطنية كطبقة . ونقاط ضعفه المدمرة هي نقاط الضعف المدمرة في الطبقة التي ينتمي اليها ويمثلها,ولقد ظهرت هذه الصفات تبعا لوضع القوى الاجتماعية في بلادنا ولشروط النضال فيها . ونقصد بذلك بالضبط عمق واتساع الوعي الجماهيري الديمقراطي الثوري والقوى النسبية التي تتمتع بها الرجعية وضعف البرجوازية الوطنية .

ويتحمل المسؤولية بدرجات متفاوتة كل أولئك الذين ساندوا ردة قاسم منذ اواسط عام 1959 , وحملوا شعارات ضد" الفوضوية" و" الحزبية الضيقة ". ووقفوا موقف التاييد أو المساهمة أو تجاهلوا خطر النشاط الرجعي والعصابات الفاشية التي ذر قرنها منذ ذلك الحين .

ان القوميين الاكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء وطلبوا العون والمساندة من أية جهة لاسقاطه, وغازلوا القوميين العرب اليمينيين وتعاونوا معهم وتصوروا بأن انقلاب 8 شباط 1963 كما لو أنه انتصار لهم .ان هذه السياسة تنم عن ضيق الأفق القومي وقصر النظر البرجوازي. انهم يجابهون عدوا اشرس من قاسم. ان مطامح الشعب الكردي تتعارض مع أهداف الانقلاب على خط مستقيم تماما. أن قادة الانقلاب أذاعوا بعض الاقوال التخديرية ولكن حتى الاطفال باستطاعتهم أن يدركوا أن هذه الاقوال لا هدف لها سوى التخدير ,وكسب الوقت لتركيز سلطتهم.

ان قادة الانقلاب وأعوانهم كانوا يضغطون على قاسم باعتباره لا يقمع الحركة القومية الكردية بالقسوة والشدة اللازمة . كانوا ولا يزالون يطمحون الى قمع عسكري أشد دموية وقسوة ضد الشعب الكردي . ان منشوراتهم حتى قبل انقلابهم بايام اعتبرت حركة القوميين الاكراد حركة أستعمارية مشبوهة.

ان القوميين الاكراد ييتحملون مسؤولية خاصة من بين الحركة الوطنية في تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب الرجعي الفاشي رغم ان المسؤولية الأولى والاساسية تتحملها دكتاتورية قاسم .

لم ندافع عن الدكتاتورية , دافعنا عن مكتسبات الثورة ضد الردة , ضد دكتاتورية سوداء اشد فضاعة تجاه الشعب , تجاه العمال والمثقفين الثوريين وسائر القوى الديمقراطية .

انهم يهاجمون قاسم لا بسبب دكتاتوريته , بل ساندوا دكتاتوريته بكل قواهم طيلة ثلاث سنوات ونصف , أنهم يهاجمون وطنية قاسم وعدائه للاستعمار لصالح الاقطاع والرجعية وبالتالي لصالح الاستعمار
.
ان سياسة قاسم فرقت القوى الوطنية , والانقلابيون انتهجوا منذ 14 تموز سياسة تمزيق الوحدة الوطنية ,واتضح بعد انقلابهم بأنهم اشد عداء لوحدة القوى الوطنية من قاسم.

ان معاداة الشيوعية هي سياسة استعمارية , سياسة غلاة دعاة الحرب المستعمرين , هي السياسة الرسمية للأحلاف العسكرية, أنهم يطبقون الآن ذات السياسة وبحماس كبير , أنهم يعادون جميع الأحزاب الديمقراطية والوطنية , بما في ذلك الأحزاب البرجوازية , انهم لا يطبقون سياسة الاستعمار والرجعية وحسب , بل يطبقون سياسة غلاة الاستعماريين دعاة الحرب والعدوان و سياسة الاحلاف العسكرية العدوانية.
يقول المتآمرون بأن حركتهم هي امتداد لثورة 14 تموز , وأنها جاءت لتعديل الانحراف. وهذا بهتان واضح.ان أهداف ثورة 14 تموز يجسدها ميثاق جبهة الاتحاد الوطني , التي كانت تضم الاحزاب الاربعة والمستقلين , والتي ايدها والتف حولها العسكريون في العهد الملكي . ان اهداف الجبهة معروفة وهي اسقاط حكم عملاء الاستعمار والخروج من ميثاق بغداد وضد الاحلاف , أنتهاج سياسة وطنية مستقلة محبة للسلام والتضامن مع البلدان العربية المتحررة واعادة تقوية العلاقات مع البلدان الاشتراكية , التصنيع , الاصلاح الزراعي , حكم ديمقراطي و وحريات ديمقراطية لجميع القوى القوى الوطنية والشعبية . هذه هي أهداف الجبهة , أهداف ثورة 14 تموز . وبعد الثورة مباشرة عمل القوميون على الزوغان عن هذه الاهداف وادخال شعارات الوحدة وفرض الدكتاتورية ومعادة الشيوعية ... الخ . أين هذه الشعارات من أهداف ثورة 14 تموز , من أهداف الجبهة ؟ .
يقولون بأننا ( الحزب الشيوعي) حاولنا الانفراد بالثورة وحرفها . ومعروف البهتان في هذا القول . ان الحزب الشيوعي هو الوحيد الذي لم يشارك في الحكومة من بين أحزاب الجبهة , فاين الانفراد وأية شعارات نحن رفعناها خارجة عن شعارات جبهة الاتحاد الوطني ؟ , شعارات ثورة 14 تموز . أن نضالنا لم يتجه الا بالضبط لتحقيق أهداف الجبهة , أهداف الثورة المتفق عليها من قبل الجميع . ويصح هذا القول طوال نضال الحزب حتى انقلاب 8 شباط الرجعي . تمسكا بالنضال بصورة ثابتة لتحقيق مهمات الثورة في صيانة وتعزيز الاستقلال الوطني وارسائه على اساس ديمقراطي , بما فيها الحقوق الديمقراطية للشعب الكردي , ومن أجل تقوية التضامن العربي ضد الاستعمار والرجعية والصهيوينة , وتقوية العلاقات مع البلدان الاشتراكية , وتنشيط التصنيع وحماية تطوير الاقتصاد الوطني وضد الاستعمار والشركات النفطية الاحتلكارية , وضد الاقطاع والرجعية وضد الدكتاتورية .
ومنذ ثورة 14 تموز فان الانقلابيين كانوا يمثلون حركة نكوص عن أهداف الثورة , أهداف جبهة الاتحاد الوطني التي صادقوا عليها وعملوا تحت لوائها في العهد الملكي . فقد حاولوا فرض دكتاتورية عسكرية منذ الايام الاولى للثورة , وحملوا راية العهد الملكي والاستعمار , راية مكافحة الشيوعية واستندوا في ذلك الى الاقطاعيين والرجعيين .وكان لا مناص لاية قوة وطنية مخاصة لأهداف ثورة 14 تموز أن تقف ضدهم . ومن كان أكثر اخلاصا من الحزب الشيوعي الذي رفع راية الكفاح ضد مؤمراتهم الرجعية القذرة؟ اننا عبأنا الشعب والقوى الوطنية ضد المؤامرات ولكن السياسة الرسمية لم نكن نحن مسؤولين عن تفاصيلها , فهي لم تكن من وضعنا باي حال, كحزب خارج الحكم . ونحن ايدنا وساندنا خطها العام الصحيح ضد الاستعمار وضد الاقطاع والرجعية وضد أية حركة ردة.

انهم يعارضون بالدرجة الاولى سير الامور في العام الاول من الثورة ويصبون سخطهم على تلك الفترة بينما الجماهير الشعبية الكادحة وسائر القوى الديمقراطية والوطنية هي اكثر اعتزازا بتلك الفترة بالذات التي كانت اكثر تجاوبا مع أهداف جبهة الاتحاد الوطني , أهداف ثورة 14 تموز المتفق عليها من قبل الجميع .

أنهم يتبجحون الان بمعارضة الدكتاتورية وهذا بهتان , ففي الاشهر الاولى من الثورة التي يعادونها بشكل خاص كانت الجماهير تمارس عمليا الكثير من حقوقها الديمقراطية وكانت المبادرة الشعبية ذات شأن سياسي في مسيرة الثورة . وليس عبثا أن تحققت في تلك الفترة خيرة منجزات الثورة , القضاء على الحكم الاستعماري وانتهاج سياسة مستقلة , صدور قانون الاصلاح الزراعي والعمل السريع لتطبيقه , الخروج من حلف بغداد ومن الاتفاقيات الثنائية مع بريطانيا , عقد اتفاقيات اقتصادية وثقافية متعددة مع البلدان الاشتراكية والبلدان المستقلة مما يعزز استقلالنا الوطني ويطور اقتصادنا الوطني , قيام نقابات وجمعيات مهنية واجتماعية ... الخ انهم يعادون هذه الفترة اكثر من غيرها يينما هم ساندوا دكتاتورية قاسم منذ اواسط 1959 وكانوا ادواته المنفذة ضد الشعب والقوى الديمقراطية في كل القطاعات . وهذا كان شانهم طوال أكثر من ثلاث سنوات ونصف خدما اذلاء للدكتاتورية .ان انقلاب 8 شباط لم يحصل الا لغرض دكتاتورية أشد وطأة على الشعب ومختلف قومياته وطبقاته الوطنية , وعلى كل القوى الديمقراطية. ان الذين كافحوا بعناد ووعي ضد دكتاتورية قاسم , وفي طليعتهم الشيوعيون , كافحوا ببسالة ضد الدكتاتورية في جميع قطاعات الحياة السياسية والمجتمع . ليس عبثا أن قدم الشيوعيون وسائر الديمقراطيين مئات الشهداء وسجن واوقف منهم عشرات الالوف من المناضلين من أجل صيانة الاستقلال الوطني وضد الدكتاتورية , وقدموا التضحيات التي لم تشهدها بلادنا حتى ابان الحكم الملكي الاستعماري , ان سجون قاسم ملئت بآلاف المناضلين الديمقراطيين ضد الدكتاتورية ولم تكن تحوي منهم سوى افراد قلائل وعشرات ممن يعتقلون لبضعة أيام ثم يطلق سراحهم على اساس قاعدة " عفا الله عما سلف "التي كان يحرص قاسم أن يتخذها أسلوبا في علاقاته معهم . ان لآلاف المناضلين ضد الدكتاتورية من الشيوعيين والتقدميين الشجعات قد قبعوا سنوات في سجون قاسم وجاء الاتقلاب الرجعي الفاشي ليضيف اليهم آلافا جديدة ومضاعفة وليغتالوا في الشوارع والبيوت والثكنات آلافا آخرين من المناضلين ضد الدكتاتورية السوداء الجديدة الأشد بشاعة ورجعية , خادمة الاستعمار والاقطاع

ان الدكتاتورية السوداء الجديدة لم تات للقضاء على الدكتاتورية كما تزعم , ولم تأت من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية أو " العدالة الاجتماعية " ان طبيعة الدكتاتورية السوداء الجديدة لا يمكن أن تسترها بغربال من الديماغوجية والتهويش. انها طبيعة رجعية قومية يمينية شوفينية عنصرية طائفية.وبطبيعتها هذه تخدم بالدرجة الأولى الاستعمار والرجعية والاقطاع, انها تمثل حركة ردة سوداء للنكوص ببقايا مكتسبات ثورة 14 تموز انها تحمل راية مهادنة الاستعمار الامريكي والانكليزي وشركاتهما النفطية , انها تحمل راية تخريب الاصلاح الزراعي , تخريب علاقات التعاون النزيه المتبادل بين بلادنا وبين الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية ,انها تحمل راية تخريب البقية الباقية من النزر اليسير من حريات الشعب ومنظماته ونقاباته وجمعياته المهنية والثقافية والاجتماعية , انها تحمل راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه أهداف الحركة الشعبية وحرفها لصالح الاستعمار والاقطاع , انها تحمل راية معاداة الشيوعية والديمقراطية والوطنية . راية ميثاق بغداد . غلاة دعاة الاستعمار والعدوان والحرب , وفرض ابشع اساليب الحكم البوليسية الفاشية على بلادنا , أنها تحمل راية تدمير جيشنا الوطني جيش 14 تموز وتصفية عناصره الوطنية الاشد اخلاصا للشعب والوطن. انها سلطة معادية للقوميات والأقليات التي يتألف منه شعبنا , تحمل راية العداء القومي والطائفي وضد الشعب الكردي وضد الاقليات القومية والدينية والطائفية , أنها تحمل راية معاداة العمال والفلاحين, معاداة المثقفين والثقافة والعلم.

ان السبب الرئيسي الذي أدى الى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجيا دكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة اشد من تلك العزلة التي انتهت اليها دكتاتورية قاسم . ولا بد لمثل هذا الحكم المعزول أن يجابه نهايته السريعة جدا على يد شعبنا المجاهد الباسل. وبتضافر سائر طبقاته وقومياته وقواه الوطنية والديمقراطية وبالدرجة الأولى بتحالف العمال والفلاحين وسائر الكادحين والمثقفين والثوريين عربا وأكرادا وغيرهما وبالقيادة الحازمة الواعية للطبقة العاملة والحزب الشيوعي.

ان المتآمرين الخونة ينهجون الآن السبيل نفسه الذي انتهجه المغامرون أعداء الشعوب على مر التاريخ انهم يتصورون أن الارهاب والبطش يمكن أن يخيف الشعب , يمكن أن يرعب القوى الوطنية والديمقراطية الثابتة والمخلصة , يمكن أن يرهب الشيوعيين الأبناء البواسل لطبقتنا العاملة المكافحة ولشعبنا العظيم ولا يحتاج الى برهان جديد بأن من المستحيل فرض حكم غادر على الشعب بالنار والحديد وبأساليب الاعتقال والتشريد والتقتيل الجماعي.

ان الشعب لا يمكن افناؤه , أو فل ارادته , والمغامرون والخونة والذين يحاولون حكم الشعب رغم ارادته هم الذين دائما مصيرهم الفناء والدمار. والفاشست الانقلابيون الجدد المنعزلون كليا عن الشعب سيجدون مثل هذا المصير بصورة عاجلة وسريعة وبشكل استثنائي

تلكم هي الكلمات الاخيرة للشهيد الخالد سلام عادل السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي , التي أختتم بها تقييمه الثوري للانقلاب البعثي الفاشي في 8 شباط 1963 الاسود , كلمات مفعمة بالثقة بشعبنا العراقي , ولم تمر على ذلك التقييم الا شهورا معدودات وسقط حكم الفاشست هذا

تلكم هي كلماته الاخيرة , المؤمنة بقدر المناضل للسير حتى النهاية , حيث حياته فداء للشعب والوطن ( ورغم خسائر الحزب الجسيمة خلال الايام الاولى من الانقلاب حيث اشارت التقديرات الى أن عدد شهدائه خلال تلك الأيام قد وصل الى حوالي 5000 شهيد واعتقل 29 ألفا من الشيوعيين واصدقاء الحزب . وقد تمكن سكرتير الحزب سلام عادل وثلاثة من أعضاء المكتب السياسي وهم جمال ومحمد صالح العبلي من الاختفا ء اضافة الى عدد من أعضاء اللجنة المركزية وقيادة منطقة بغداد وكوادرها من الاختفاء وتنظيم التراجع ولم شتات المنظمات الحزبية واعادة الصلة بها وبالتنظيمات في منطقة الفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية واقليم كردستان كما سلمت مطبعة الحزب السرية وظلت تطبع البيانات والمنشورات في تلك الايام الصعبة , لذلك بدا سلام عادل في الرسالة التي كتبها " ملاحظات أولية " متفائلا بسرعة القضاء على الانقلاب) ثمينة ناجي يوسف:سلام عادل - سيرة مناضل-الجزء الثاني-ص 357

ان الرايات التي رفعتها القوى القومية الشوفينية والعنصرية المتحالفة مع القوى الدينية الرجعية وبقايا الحكم الملكي العميل , هي ذات الريات المرفوعة اليوم في عراق الاحتلال والمرحلة البربرية :

راية التبعية والعمالة للمستعمر الجديد , الامبريالية الامريكية

راية نهب الثروات الوطنية , النفط خصوصا عبر الشركات الاحتكارية

راية تدمير الارض الزراعية وافقار الفلاح , واستعادة الملكية الاقطاعية

رايةالتقسيم على اسس طائفية - عرقية

راية قمع الحريات العامة وضرب الاحزاب والمنظمات والجمعيات المهنية والثقافية

راية استعباد المرأة , وذبحها بأسم الدين

راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه اهداف شعبنا في التخلص من الفاشية وحرفها لصالح الاحتلال , والمعاهدات الاستعمارية العبودية

راية فرض نظام فاشي بربري اشد بشاعة من النظام البعثي الفاشي المقبور

راية معاداة العمال والفلاحين وتطلع الطبقات الكادحة نحو اقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية

راية معادة المثقفين والثقافة والعلم

انها ذات الرايات السوداء لا نقلاب 8 شباط 1963 الاسود , وهي ذات الرايات التي تلتقي اليوم في ظلها فلول البعث الفاشي ورموز المرحلة البربرية برعاية ذات السيد الاستعماري , السيد الامريكي عراب الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963 والانقلاب الفاشي الثاني في 17 تموز 1968 , واحتلال العراق في 9 نيسان 2003

اننا نؤمن كما كان الشهيد سلام عادل ورفاقه الابطال يؤمنون , بأن مصير كل هذه الرايات مزبلة التأريخ , لترفرف في نهاية المطاف على ارض العراق , الراية الاعلى , راية الحرية والعدالة الاجتماعية , واننا على الدرب لسائرون , عن الدرب الذي اختاره سلام عادل ورفاقه الشهداء سوف لن نحيد حتى النصر الاكيد


 

**************

السجينان سلام عادل و صدام حسين !!!

أميرالجنابي

2005 / 7 / 15

قد يستغرب المرء للوهلة الآولى , وهو يقرأ العنوان , وربما سيقول مع نفسه ما الذي جمع الحمامة بالغراب, أو الملاك بالشيطان , وما شابه ذلك , ولكن الذي حدا بي لكتابة الموضوع ووضع العنوان اعلاه ,هو إطلاعي مؤخراً على ما نشر من معلومات عن السجن الذي ينعم به صدام حسين منذ الامساك به في كانون الاول 2003 ولحد الان , مقارنة بالطريقة والظروف التي أعتقل بها الشهيد سلام عادل , وهو أحد أبرز قادة الحزب الشيوعي العراقي ,في 19 شباط 1963 من قبل زمر ضالة من الحرس القومي , وتصفيته جسدياً في ظرف لا يتجاوز الآسبوعين ... إنها لمقارنة او مفارقة مؤلمة تلك التي تميزت بها ظروف الاثنين , وليحكم القراء ويقيسوا بانفسهم مدى الخسة والدناءة ومستوى حجم الجريمة التي اقترفها قادة حزب البعث ومعاملتهم الوحشية لخصومهم السياسيين ابتداءاً من 8 شباط 1963 ولحين القضاء عليهم في 9 نيسان 2003 , وكيف تطول السنتهم الآن فيطالبون بان يعاملوا بمنتهى الرحمة والعدالة والآنسانية , وان توفر لهم كل المستلزمات الآنسانية اللائقة بالبشر داخل زنزاناتهم , من اكل صحي لذيذ وطازج ,الى معاينة طبية دورية , الى زيارة منتظمة للاطباء المتخصصين , وعرض قضاياهم على المحامين وعلى الصليب الآحمر الدولي أو الهلال العراقي .. او نقل رسائلهم الى ذويهم داخل العراق وخارجه .. او عمليات التفقد التي يقوم بها وزير حقوق الانسان العراقي لهم بين اونة واخرى , ووقوفه شخصياًعلى ( معاناتهم ) داخل السجن !!وحتى لا يخدش مشاعرهم الرقيقة جداً فقد طلب من صدام , إذا اراد ان يرى حفل تنصيب السيد جلال الطالباني رئيساً جديداً للعراق !من على شاشة التلفزيون , والذي وافق عليه صدام بكل مودة وكرم أخلاق ! ولكن يقال انه كان ينظر للمراسيم بامتعاض !!
في ليلة 19 شباط وبينما كان الشهيد سلام عادل في احد بيوت الشعب مع ابناء وبنات حزب الفقراء والناس الطيبين , الحزب الشيوعي العراقي , يحاول معهم تضميد الجراح العميقة التي اثخنهم بها ( فرسان عروس الثورات ) بوغت الجميع تلك الليلة الشتائية الباردة بشلة اجرامية باغية من قطعان الحرس القومي الفاشي , تقتحم البيت بعد محاصرتهم له من كل الجهات وتطويق المنطقة التي يقع بها البيت ايضاً, كان افراد الحرس القومي يصرخون أين سلام عادل ؟ محطمين اثاث البيت وكل ما تقع عليه اعينهم الجبانة .. لحظات قليلة وينزل اليهم الشهيد سلام عادل من الغرفة التي كان يتواجد فيها والتي تقع في الطابق الثاني من البيت , مرتدياً بدلته وربطة عنق حاملا حقيبة صغيرة كان قد وضع فيها بجامته متهيئاً للاعتقال , ورد عليهم بصوت واضح ,أنا سلام عادل . وأقتيد مع جميع الذين كانوا معه معصوبي العيون مقيدي الآيادي الى مركز المأمون وفيما بعد الى قصر النهاية .. علماً ان الحرس القومي كانوا قد ذهبوا أولاً الى بيت سلام عادل الكائن على الطريق بين تل محمد وبغداد الجديدة وإعتقلوا ساكنيه ومعهم ابن الشهيد الآصغر علي البالغ من العمر سنتان وثلاثة اشهر .
ومنذ الساعات الاولى لتواجد الشهيد سلا م عادل ( بضيافة الحرس القومي ) بدءوا معه فصول ساخنة من التحقيق والتعذيب في أن واحد . وشوهد بعد اسبوع من قبل احدى السجينات وقد شوه جسده ولم يعد من السهل التعرف عليه , وقد فقأت عيناه وكانت الدماء تنزف منهما ومن أذنيه وكان اللحم المدمى يتدلى من يديه المقطعتين وقد رش الملح والفلفل فوق جسده المثخن بالجراح وكان يشرف على تعذيبه بشكل وحشي وشرس , إبن مدينته النجف ,المجرم محسن الشيخ راضي بالاضافة الى عدد من المجرمين ومنهم بهاء شبيب والمجرم التافه حازم جواد وزير الدولة في حكومة شباط الاسود الذي كان يحقق معه ( علماً انه بعد سقوط النظام في 9 نيسان وبعد القبض على صدام نشر المومىء اليه سلسلة مقالات في صحيفة الحياة كان في احداها يتفاخر بانقلاب 8 شباط وبتحقيقاته مع الشهيد سلام عادل وادعائه بان الشهيد لم يقاومهم وطلب منهم المفاوضات وما الى ذلك من الكلام السفيه ) مما حدا بالمناضلة والسيدة الفاضلة ثمينة ناجي , زوجة الشهيد سلام عادل , من بين عدد من الشرفاء من ابناء شعبنا الذين فندوا إدعاءاته ومزاعمه الممجوجة , ان تلقم فمه قطعة من الروث من خلال رسالة بعثتها الى الصحيفة , منددة باكاذيبه وتخرصاته البعيدة كل البعد عن الحقيقة . وأستمر الشهيد ابو علي في سرداب القصر الرهيب يئن بخفوت نشيداً ثورياً , كان ذلك يوم 24 شباط بعد ان لم تبق قطعة من جسده النحيل لم يشملها التدمير , وامتلآ جسده كله بالجروح وكسرت عظامه وقام بعد ذلك المجرم محسن الشيخ راضي بقطع عضلات ساقه واصابع يديه بألة جارحة .. وفي السابع من اذار أعلن الحرس القومي ان سلام عادل قد فارق الحياة !
ويقال انه استشهد اما في الخامس او السادس من اذار ذلك العام وسيبقى اليوم الحقيقي لسموه شهيداً في سماء الوطن يعرفه الجلادون وخصوصاً حازم جواد الباقي منهم على قيد الحياة وربما هناك اخرون غيره لانستطيع معرفتهم !
ونشير هنا الى ان احدى السجينات انقذت الطفل علي من قبضتهم لآنه كان ينادي إحداهن بكلمة ماما فلم يعرفوا انه ابن الشهيد سلام عادل الذي رفض طلبا لاحدى المعتقلات بانها تستطيع جلبه اليه لكي يراه( لاسيما وانه كان موجودا في احدى غرف قصر النهاية ) خلافا لمشاعره الابوية الجياشة باحتضانه وتقبيله تلك اللحظة المثيرة للشجن !!
.
ونعود للسجين صدام حسين الذي وجد في كانون الاول 2003 في حفرة العنكبوت وبالطريقة المزرية التي شاهده بها ملايين الناس داخل العراق وخارجه , فحالما نشر الخبر وبثت الصور حتى انبرى الاف المستفيدين والمطبلين من اسلاميين وقومانيين وغربيين وشرقيين بتسليط الضوء عليه وتبرير بعض ( أخطاءه! ) لا جرائمه واعتباره رئيس دولة لا يمكن ان يهان بهذه الطريقة التي ظهر بها مع احد الاطباء الامريكان وهو يقوم بفحص اسنانه ..وتطوع عدد من المحامين من الدول العربية للدفاع عنه , من الاردن ومصروليبيا وغيرها وايضاً من العراق كالمحامي خليل الدليمي الذي بدا يطمئن القاصي والداني بان صدام بصحة جيدة ومعنوياته مرتفعة , لكنه كان منزعجا فقط من التحقيق الذي اعتبره سخيفاً! اما المحامي عصام غزاوي فيلتقي به أربعة ساعات للوقوف بدقة على وضعه ! و المحامي جيوفاني دي ستيفانو فأنه يقول لشبكة cnn ان المحاكمة يجب ان تقام خارج الآراضي العراقية بسبب الظروف الآمنية في البلاد , وتقوم شبكات الاعلام العربية والعالمية بنقل مقترح صدام عبر الهواء بنقل محاكمته الى مملكة السويد .. الخ إذن يعيش صدام في وضع صحي جيد وهو متمتع باعلى المعنويات وليس نادماً على اي شىء عمله في السابق ..يفطر صباحاً بالورن فليكس ويتناول وجبات تعتمد أساساًعلى الدجاج والآسماك , ويستحم مرتين بالاسبوع .. لكن المسكين يقوم بغسل ملابسه بيديه حيث لا توجد عنده غسالة كهربائية !وهذه المسألة ستضاف يوماً ما الى تأريخه النضالي الذي ابتدأه حسب ما ذكر عنه في احدى المرات بأنه كان يستلم بيانات ونشريات حزبه موضوعه بقماط الرضيع عدي حينما كانت تزوره زوجته الاولى أم عدي ( لا ادري اين؟ ) لا سيما وأنه لا زال يحلم بل هو على ثقة تامة بأنه سيعود الى القصر الرئاسي يوماً ما لذلك وجه دعوة لاثنين من حراسه الامريكان بأنه سيستضيفهم في أحد قصوره ! كما ان الاطباء الامريكان او العراقيين فانهم يعودونه كل حين , وتهتم وسائل الاعلام وخاصة القنوات التي تفوح منها رائحة كوبونات النفط بمتابعة اخباره وشد ازره ازاء المحنة والموقف الصعب الذي يمر به ! كما ان وزيرحقوق الانسا ن العراقي يزوره بين الفينة والفينة ناسياً او متناسياً ما فعله بشعبه الكردي خصوصاً والشعب العراقي عموماً من دمار لا مثيل له , ولكنه يتلبس الوزارة عند الزيارة , وهذه حقوق كل سجين ! او انه يعرف المثل القائل بان المتهم بريء حتى تثبت ادانته !وكأن الجرائم التي قام بها صدام وحزب البعث منذ 8 شباط 1963 بحاجة الى ادلة وبراهين !
وحينما نعود قليلا للسجين الاول في المقال , وهو الشهيد سلام عادل ونتسائل , ماذا عمل سلام عادل من جرائم بحق الشعب العراقي لكي يعامل بكل هذه القسوة والوحشية, هو واكثر من خمسة الاف شيوعي عذبوا وقتلوا في قصر النهاية ومسالخ الحرس القومي البشرية في الاشهر الاولى لانقلاب 8 شباط , ألآنهم احبوا وطنهم العراق وشعبه من صميم قلوبهم ؟ ابسبب غيرتهم على وطنهم الحبيب , ام بسبب إستماتتهم في الدفاع عن مصالح الشعب العراقي , وخصوصا الفقراء والمضطهدين ! بماذا سيحكم على سلام عادل لو انه على سبيل الافتراض قام بما يلي :
1_
لو انه اغتصب السلطة واعدم معظم رفاقه عام 1979 .
2_
لو انه دمر الجبهة الوطنية اعوام 78|1979 وشن حملة شعواء على الحزب الشيوعي والحركة الوطنية العراقية .
3_
لو انه قام بتهجير مئات الوف العراقيين بحجة تبعيتهم الى ايران وخاصة من الاكراد الفيلية ورميهم على الحدود .
4_
لو انه اعتدى على الجارة ايران عام 1980 وازهق ارواح مئات الالاف من الجانبين , وخلف ملايين الارامل واليتامى والثكالى والمعوقين والاسرى والمفقودين .
5_
لو انه ضرب في 5 حزيران 1987 مقرات الاحزاب العراقية المعارضة بالاسلحة الكيمياوية
6_
لو انه ضرب حلبجة عام 1988 بالسلاح الكيمياوي وقتل من سكانها في لحظات اكثر من خمسة الاف كردي بريء وقبلها عام 1982 دمر الدجيل وشرد اهلها .
7_
لو انه احرق حوالي 4500 قرية في كردستان , وغيب عن الوجود 8 الاف من البرزانيين .
8_
لو انه دفن عوائل بكاملها احياء او بطلقة واحدة في مؤخرة الرأس , بحيث جاوز عددهم 182 الف في عملية اسماها الانفال .
9_
لو انه جفف الاهوار وشرد سكانها .
10_
لو انه اغرق انتفاضة اذار1991 بالدم.
ولو انه فعل كذا وكذا الى اكثر من 500 جريمة , لو عمل سلام عادل السكرتير الاول للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي , هذه الافعال العنصرية والاجرامية ,فهل سيقوم بتوكيل محامي للدفاع عنه !؟ وهل يستطيع احد الدفاع عنه ! وهل ستتوفر له في سجنه المستلزمات التي يتمتع بها الان صدام حسين !
لن اعلق بشيء سوى انني اطلقت ( مع نفسي طبعاً ) على صدام اسم او لقب السجين المدلل في زمن المصالح والصفقات المشبوهة !
_________________
*
جرى استقصاء المعلومات عن استشهاد سلام عادل من كتاب ( سلام عادل سيرة مناضل ) الجزء الثاني , كذلك من تاريخ وتراث الحزب الشيوعي العراقي لذلك جرى التنويه .

 

صفحات الشهيد الخالد القائد التأريخي حسن سريع ورفاقه الابطال

الشهيد الخالد حسن سريع

حسن سريع وحركة 3 تموز1963 البطولية... الاسطورة والانتفاضة

استشهد ابنا بارا لحزبه وشعبه العراقي في مواجهة زمرة 8 شباط 1963 العميلة . ضاربا المثل الثوري في مواجهة الروح الانهزامية الجبانة لزمرة عزيز محمد

 

في الثالث من تموز 2003حلت الذكرى الأربعون للانتفاضة المقتدرة للجنود الشيوعيين ضد طغمة الفاشست من انقلابيي 8 شباط 1963، واذ نستعيدها، انما نعيد للأذهان المعاني و الدلالات التاريخية العميقة التي تحققت باندلاع الانتفاضة، فكانت بحق دفعا جديدا وزخما ثوريا أعادت الثقة الى النفوس، وبعد ان توهم الفاشست ان بامكانهم تصفية الحزب الشيوعي بكوادره وقيادته بعد حملة سوداء شنتها اجهزة البعث لتحقيق هذا الهدف. فبادر حسن سريع ورفاقه بما امتلكوه من وعي ثوري وطبقي كبيرين، ليلقنوا ويعطوا درسا بليغا للدكتاتوريات والسلطات العراقية بان ليس هناك قوة على الارض قادره على تصفية الشيوعيين.

لم تكن انتفاضة معسكر الرشيد بقيادة الشيوعي البطل الشهيد حسن سريع ردا على الانقلابيين الفاشست فحسب , بل كانت ردا على انهزامية زمرة عزيز محمد الانتهازية و وترسيخا اصيلا للخط الثوري للقيادة التأريخية الاولى قيادة الرفيق الشهيد الخالد فهد ورفاقه والقيادة الـتأريخية الثانية قيادة الشهيد الخالد سلام عادل ورفاقه

وعلى الرغم من الفشل العسكري الذي ألت اليه نتيجة الانتفاضة لاسباب تنظيمية وعسكرية، الا ان حركة 3 تموز التي قادها الجنود الشيوعيون واصدقاؤهم تظل حية في ذاكرة العراقيين كحلقة مهمة من حلقات الصراع ضد كل اشكال العنت و الصلف الديكتاتوري. وعلامة بارزة في مسيرة النضال الوطني من اجل عراق ديمقراطي حر ينعم فيه شعبنا بحياة مزدهرة كريمة. ويكتسب احياء ذكرى هذا العمل المجيد في تاريخنا النضالي اهمية خاصة بعد سقوط نظام صدام الدموي واحتلال بلادنا من قبل الامبريالية الامريكية. اهميتها في مغزاها المعبر عن الاردادة الحرة للشعب العراقي من اجل التحرر واقامة دولة العدالة الاجتماعية

 

اقوال ماثورة للشهيد حسن سريع

 

< لاتقتلو الاسرى، سنقدمهم الى المحاكمة"

 

< اثناء محاكمته في المجلس العرفي العسكري – سأل رئيس المجلس الشهيد حسن سريع : كيف تتقلد رتبة ملازم اول وانت نائب عريف؟

 

اجابه الشهيد : وكيف يتقلد العقيد عبد السلام عارف "رئيس الجمهورية انذاك" رتبة مشير وهو عقيد!

 

< وجوابا على سؤال اخر امام المحكمة الصورية قال :"انا المسؤول الاول عن الثورة، وقد ارغمت الاخرين على حمل السلاح، انهم ابرياء".

 

< وجوابا على سؤال رئيس المحكمة : هل تريد ان تصبح رئيسا للجمهورية؟

 

< اجاب الشهيد :"ما اردت ولا أريد ان اكون رئيسا للجمهورية او ضابطا في الجيش انما اردت ان اسقط حكومتكم".

 

< الحياة حلوة ولكن الموت في سبيل الشعب احلى

 

الشهيد الخالد حسن سريع في سطور

تاريخ الولادة: عمر الشباب والفتوة في ربيعه الثالث والعشرين.

المدينة: السماوة الموطن الاصلي للعائلة.

السكن: بغداد.

ظروف الاستشهاد: أعدم على ايدي انقلابيي 8 شباط 1963 الاسود.

الحياة الاجتماعية و النضالية: ولد في عائلة فلاحية وترعرع في كوخ من القصب.ابعد ابوه وكل العائلة بقرار اقطاعي الى مدينة عين تمر شمال مدينة كربلاء.

اكمل دراسته الابتدائية، وبسبب ظروف عائلته الاقتصادية انتسب الى الجيش العراقي متطوعا في مدرسة قطع المعادن في معسكر الرشيد ببغداد، وصار نائب عريف ومعلما في المدرسة نفسها، ثم التحق في احدى المدارس المسائية لاكمال دراسته. وبعد زواجه من قريبة له، اقام في حي الشاكرية بالكرخ وصارت له ابنة واحدة.

مدبر ومنفذ وقائد انتفاضة معسكر الرشيد في 3 تموز 1963، ابت روحه النضالية وشرفه العسكري ان يخضعا لسيطرة القتلة، انقلابيي 8 شباط الفاشي فأعد بالتعاون مع عدد من رفاقه خطة انتفاضة 3 تموز في معسكر الرشيد. قبل مغادرته الاجتماع الاخير في الساعة الثانية عشرة والنصف (ليلة تنفيذ الانتفاضة) اقسم الشهيد حسن سريع (نقسم بتربة هذا الوطن ان نحرره من رجس المجرمين) وقف برباطة جأش وشموخ شيوعي وهو يستمع الى حكم الاعدام الصادر بحقه من المحكمة العسكرية الصورية. استشهد ابنا بارا لحزبه وشعبه العراقي . ضاربا المثل الثوري في مواجهة الروح الانهزامية الجبانة لزمرة عزيز محمد

 


تاملات امراة ...... بمناسبة ذكرى إنتفاضة معسكر الرشيد تموز 1963

سُلاف رشيد

2008 / 7 /3

أمنيات متأخرة
كنت ُولازلت ُفي لحظات ِ الانزواء مع الروح ، أو في تلك الأوقات التي أشعرُ فيها ، بعمق ِالأزمة التي تحاصرُ وطني وشعبي ، تكون ُمفردة ُاللو ، هي التي تسيطرُ على تفكيري ، فتتكاثرُ أسئلتي التي لا أجد َلها جوابا ، حيث ُتبدأ دائما ، بماذا لو ... ؟؟
وحين أستعرض ما قرأت من محطات في تاريخ الحركة الوطنية العراقية ، تكونا مفردتا ماذا و لو ، تحاصران كل تفكيري ، فأهربُ منهما بالأمنيات التي أتصورُ أنها تتحقق ُ، بمجرد الإجابة بنعم ، على هذه الـ ماذا ..؟؟
ومن تلك المحطات ِالمهمة ِفي هذا التاريخ ، هي انتفاضة ُمعسكر الرشيد ، وقائدها العريف الشيوعي الجريء حسن سريع . وأمنياتي في أسوء الأحوال، بسيطة جداً، لا تتجاوز حدود الواقع .
فماذا لو انتصرت إنتفاضة معسكر الرشيد ؟؟
لكنت الآن أعيش في وطني ، ولم أعرف مذلة الغربة ،وهذا البعد القاتل عن بغداد ، الذي يستنزف كل لحظات حياتي بحزنه ، ولتعلم أطفالي في مدرسة عراقية ، يقرأون ويكتبون ويتكلمون اللغة التي نتكلمها أنا وأمي وأبي ، ولكنت أنهض كل صباح ، وأحيي َّ جيراننا بتحية الصباح ، وأشتري صحن القيمر من الخالة أم حسين ،ولذهب أطفالي إلى مدرستهم مع أصدقائهم ، وأنا أكون في عمل يخدم وطني ، وليس فقط من أجل أن أعيش ، ولربما ذهبنا جميعا ، للتنزه في أحب شارع إلى روحي ، هو شارع أبو نؤاس ، ولربما ذهبت يوم الجمعة إلى شارع المتنبي ، أو زرت أقرباء ٍ لنا ، أو ربما قمنا بجولة للتبضع أو لإشباع الفضول في شارع النهر.
ماذا لو انتصرت إنتفاضة معسكر الرشيد ؟؟
لما كانت تلك الحروب التي أشعلها ، شخص مأفون يدعى صدام ،ولما قتل وتعوق الكثير من شباب وطني ،ولما كانت أحذية جنود المحتل ، تدوس أرض وطني ، ولما هاجر أربعة ملايين منا إلى بؤس الغربة ، ولما قتل َ العراقي أخاه العراقي ، لسبب ما مر يوما بخاطر أي منا ، ولما وجد خمسة ملايين طفل يتيم ، ولما انتصرت عصابات القتل والخطف والمليشيات .
ماذا لو انتصرت إنتفاضة معسكر الرشيد ؟؟
لما استشهد والدي على أيدي عصابات البعث.. . ولما أختطف أخي الذي لا نعرف مصيره إلى الآن.

 

 

صفحات الشهيد الخالد القائد التأريخي خالد احمد زكي ورفاقه الابطال

 

 

خالد احمد زكي... جيفارا عراقي

شهيد بطل ومحط إعتزاز اليسار الثوري العراقي في مواجهة نموذج الخونة والانتهازيين من امثال العار عزيز الحاج و زمرة عزيز محمد الانتهازية التصفوية وخليفته الخائن حميد مجيد.

 

 

مثلما فعل ارنستو تشي جيفارا الوزير في حكومة كوبا الثورية، اواسط ستينات القرن الماضي، حين هجر كرسي الوزارة وتوجه الى غابات القارة الامريكية الجنوبية، ليحولها قاعدة لتحريض جماهير الارياف المظلومة المسحوقة على النضال من اجل الحرية والكرامة، وتعبئتها وقيادة ثورتها ضد مستعبديها الطغاة ... ترك خالد احمد زكي عام 1967 لندن بكل إغراءاتها، وعاد سرّاً الى العراق، ونزل في مطار بغداد متنكراً.

 

نشط في الوسط السياسي والجماهيري، وراح يرتاد شتى المحافل، ويلتقي اناسا مختلفين، مركزا على بعض الشيوعيين.فلم يكن يتصور لمشروعه ان يبدأ حتى، من دون شيوعيين..

 

إستمر اشهرا يتحرك، ويلتقي، ويجتمع، ويناظر، ويقنع، حتى استطاع بصدقه وايثاره وشجاعته، ان يستقطب عددا من المتحمسين لتبني "الكفاح المسلح" وسيلةً لإسقاط السلطة العارفية المعزولة. وما ان حلّ أيار 1968 حتى غادرالعاصمة مع كوكبة صغيرة من رفاقه المخلصين صوب الاهوار في الجنوب، ليتحدوا هناك مع مجموعة صغيرة اخرى، كانت تخطط مثلهم للكفاح المسلح ضد السلطة الحاكمة. وكانت الآمال تعمر قلوب الجميع، بان تعضد الجماهير المضطهدة كفاحهم من اجل حقوقها ومصالحها، وتلتحق بهم زرافات ووحدانا، ليكبر جيش الثورة الشعبية ويلحق في النهاية الهزيمة بالسلطة المتعفنة المتهاوية.

 

أطلق المناضل خالد شرارة الثورة : هجومات على مراكز الشرطة مع تفادي استهداف أفرادها، معارك للإعلان عن الهوية، "زركات" للحصول على الاسلحة، محاولات للتحصن في عمق الأهوار، متابعة لترتيبات الصمود والدفاع في حال اتساع الحركة الثورية الفتية من باب، ودرءاً لنوايا السلطة القامعة الخائفة من باب آخر.

 

ولم تنقضِ ايام على بدء "العمل المسلح" حتى اخذت النجاحات تكلل كلّ غارة، وتدخل بعض السرور الى البيوت المحزونة منذ صباح 8 شباط الدامي.

 

لكن ذلك لم يكن سوى البداية، التي فاجأت الحكام على غير انتظار. فما ان ادركوا حقيقة ما يجري وخطورته عليهم، حتى تملكتهم الخشية، بل وطار صوابهم وكشروا تلقائيا عن انيابهم. سيـّروا حملة عسكرية ضمت ألفاً من العسكر والجندرمة، وعشرات الآليات والدبابات البرمائية، ومئات السيارات المدولبة، فضلاً عن حّوامة ضخمة .. كلّ تلك القوة الحكومية المدججة لمواجهة اثني عشر مناضلاً !

 

لم تكن المعركة متكافئة، لكن الثوار المتفانين كتبوا فيها ملحمة الهور المجيدة. الحقوا بعسكر الحكام خسائر كبيرة، اعطبوا الآليات، أخرسوا الأسلحة، أسقطوا طائرة الهليوكوبتر فقتل قائدها ومساعده. مرغوا جبروت السلطة الغاشمة بالوحل!

 

لكنما العتاد نفد في جعبهم، ولم يكن ثمة من يأتيهم بعتاد بديل. وعندما تلفتوا حولهم، لم يروا اثرا لأحد يلتحق بهم وينضم اليهم مقاتلا، او يمد لهم يد العون. وتبين لهم وهم محاصرون يقاومون، انهم لم يعدوا العدة جيدا للمعركة، وأن الظروف المحيطة (الموضوعية) غير ناضجة ولا مواتية لاشعال الثورة وتأمين انتصارها.

 

في 3 حزيران 1968 تبدد غبار المعركة. ووقتها كان المناضل الجسور خالد احمد زكي واثنان من رفاقه الشجعان قد تساموا شهداء، فيما اصيب ثلاثة آخرون. وأسر جندرمة السلطة خمسة غيرهم، حُكموا بالإعدام، لكن سخط الداخل وتضامن الخارج حالا دون تنفيذ الاحكام الظالمة.

 

الشهيد الخالد خالد احمد زكي

 

< ولد عام 1935 في بغداد.

 

< نشأ في أسرة علم ويسر مادي، والده مهندس ري، ونظرا الى طبيعة عمله عاشت الاسرة متنقلة بين المدن المختلفة.

 

< انضم عام 1952 الى الحزب الشيوعي العراقي.

 

< وفي عام 1953 أنهى الدراسة الاعدادية في الكوت.

 

< عين معلما في النعمانية.

 

< سافر عام 1955 لدراسة الهندسة في لندن، على الحساب الخاص لأسرته .

 

< وفي لندن انتخب رئيسا لجمعية الطلبة العراقيين في بريطانيا.

 

< بعد انقلاب شباط الاسود 1963، انضم الى منظمة (برتراند راسل) للسلام، وأصبح سكرتيرها.

 

< تعرف على شخصيات أممية كثيرة، وزار بلدانا عدة، لا سيما الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا وكوبا.

 

< حضر عدداً من مؤتمرات ومهرجانات الطلبة والشبيبة العالمية.

 

< مثقف ثوري من الطراز الشعبي، مناضل مسلح بالعزم والارادة، صديق حميم للعمال والفلاحين، قيادي بالفطرة، شهيد بطل ومحط إعتزاز اليسار الثوري العراقي في مواجهة نمودج الخونة والانتهازيين من امثال العار عزيز الحاج و زمرة عزيز محمد الانتهازية التصفوية وخليفته الخائن حميد مجيد.

 

صفحات الشهيد الخالد القائد التأريخي ستار خضير ورفاقه الابطال

الرفيق القيادي الشهيد شاكر محمود

- عامل - البصرة - اغتيل بتاريخ 7 نوفمبر 1972· عن طريق دهسه مع ابنته في أحد شوارع بغداد بسيارة تابعة لأجهزة أمن السلطة البعثية الفاشية حيث توفرت معلومات!! عن رفض الشهيد شاكر محمود لفكرة التحالف الذيلي مع البعث·

 

الرفيق القيادي الشهيد محمد الخضري

. لقد إشتد الإرهاب العبثي الفاشي بعد أيام من إتفاق الحزب الديمقراطي الكردستاني والنظام البعثي على بيان 11 آذار 1970، الذي يقر بالحكم الذاتي للشعب الكردي...

إختطف الرفيق القيادي الشهيد محمد الخضري يوم 20 آذار، في وضح النهار، على يد جهاز الأمن الذي يديره الثنائي المقبور ناظم كزارـ صدام حسين، وهو في طريقه الى منطقة صدر القناة ببغداد لحضور حفل، أقيم من قبل مجلس السلم والتضامن، بمناسبة صدور بيان 11 آذار. حيث توفرت معلومات!! لدى قيادة البعث عن معارضة الشهيد محمد الخضري لفكرة التحالف الذيلي مع النظام البعثي الدموي !! وقد عثر عليه، في اليوم التالي، مقتولا، في سيارته المتروكة في طريق بغداد ـ بلد، و قد إخترقت جسمه 18 رصاصة وعلى جسده آثار التعذيب.

 

يوم الشهيد الشيوعي

والذكرى الـ 40 لإستشهاد المناضل ستار خضير

 

آرا خاجادور

 

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الستون لإستشهاد قادة الحزب الشيوعي العراقي المؤسسين فهد وحازم وصارم، هؤلاء الأبناء للشعب العراقي الذين أسسوا بدمائهم قيم الوحدة الوطنية العراقية الحقة، وتابع من بعدهم أبطال آخرون طريق التضحية، وفي مقدمتهم شهيد الشعب والحزب سلام عادل، وبقية الشهداء من كل قرية ومدينة عراقية الى يومنا هذا، وهم جميعاً يقفون اليوم حماة شرفاء لوحدة شعب وتراب العراق، بل ويقاتلون بالقيم والعقيدة التي زرعوها من أجل إستقلال وسيادة وحرية ورفاهية الشعب العراقي المنكوب حالياً بالإحتلال والخونة واللصوص والمجرمين، والمتخلفين أيضاً، وفي ذات الوقت يحفظ هؤلاء الشهداء الأحرار هيبة وشرف وأصالة فكر الطبقة العاملة، وكل فكر مخلص للشعب وللكرامة الوطنية.

 

وبعد عشرين عاماً من ذلك اليوم المجيد في سلسلة المجد والبطولة والتضحية تحل علينا الذكرى الأربعون لإستشهاد الرفيق والصديق ستار خضير عضو اللجنة المركزية لحزب فهد وسلام عادل وكل أعضاء وأصدقاء هذا الحزب المجيد، في تأكيد أصيل للفتح الذي أوقده فهد ورفاقة، وواصله سلام عادل ورفاقه.

 

وأقول بهذه المناسبة الجليلة لكل من يظن أن هنالك إمكانية لقطع التراث الوطني للشيوعيين العراقيين فهو من الخائبين، والشعب يمنح الشيوعيين القوة من خلال دعم الشيوعيين، وحتى من خلال التبرم من أخطائهم، ومن خطايا من قد يحمل الإسم زوراً. والشيوعية من وجهة نظر الشعب تتجسد بالبرنامج السياسي وبالأخلاق أيضاً، ولا يغيب عن الصورة وعن وعي الجماهير وضميرهم كذلك إسلوب الحياة ونوعيته لمن يضع إسمه تحت هذا الإسم المجيد، والشعب في كل الظروف والمراحل لا تنعدم لديه وسائل الدعم أو المعاقبة، والقدرة على التعبير عن مصالحه. وربما المحن التي تمر بها الآن حركتنا الثورية وكل شعبنا تجعل مسألة التوقف عند الذكرى العطرة لهؤلاء الأبطال ضرورة ملحة، لطرح الأسئلة الهامة: من أجل ماذا قدم هؤلاء الأبناء حياتهم؟. وما هو دورهم في البناء العظيم لتاريخ الحركة الثورية؟. وكيف ينبغي التعامل مع ذكرى الشهداء؟.

 

أتبنى الرأي الذي يؤكد على ضرورة إنصاف الشهداء جميعاً، أولاً وقبل كل شيء، من خلال الإخلاص لما ضحوا من أجله، وحماية عوائلهم وتراثهم الشخصي، وأيضاً أنصاف مدنهم بمعنى الإهتمام بكل شهداء العراق، وعلى المستويات والأدوار والأهميات المختلفة، والأهم من المنظور الوطني والطبقي عدم الحط من قيم الشهادة العظيمة وتحويلها الى ميدان للإنتقام أو الإبتزاز، وينبغي أيضاً إحترام كل شهداء الحركة الوطنية لأن في ذلك مدخل الى تصحيح العلاقات بين القوى الوطنية الحقة.

 

تجتاحني طموحات عارمة للكتابة عن كل شهداء الوطن، والحزب، وأنا في هذا الطموح على يقين من أن ذلك مجرد طموح طيب أكبر من الإمكانات المتاحة أمامي، ولكن أناشد الجميع الى المساهمة بهذا العمل الجليل، ودون تحويله الى مجرد مجلس عزاء بائس يثير حزن الشهداء أنفسهم، لو قدر لهم المشاركة في هذه المناسبات.

 

خلال الفرص التي أتيحت لي للكتابة عن أي موضوع أشعر بوجود هؤلاء الشهداء الأبطال الى جانبي، وكأنهم مازالوا في ميدان النضال ضد كل جائر وفاسد ومحتل وغادر.

 

كنت ومازلت أكتب عن أدوار العديد من شهداء حزب الطبقة العاملة العراقية، حزب الوطنية الحقة بإنصاف حقيقي، كما أعتقد، وأتناول أدوارهم بالملموس، وكما هي، وكأنهم مازالوا في ميدان النضال الفعلي، ولأول مرة أخصص موضوعاً كاملاً عن جندي وقائد مجهول إختطفته يد المنون، كان عن هادي أحمد علي، عضو اللجنة المركزية غير المعلن سابقا، ونشرته في 19/5/2005 وقدمت الراحل كتجربة ملموسة للأجيال الجديدة من المناضلين الشباب.

 

وهذه هي المرة الثانية التي أتناول فيها مناضلاً بذات الأوصاف، كادت سيرته تقترب أو تتماثل من سيرة هادي من حيث الأداء النضالي، والتضحيات العائلية أيضاً، حيث تضم عائلتا العلي والحيدر كوكبة من الشهداء.

 

إن إستشهاد ستار كان مدوياً هز شوارع بغداد والعراق بأسره، حيث إغتيل على يد المجرم مدير الأمن العراقي ناظم كزار. كما أن الشهيد شيوعي في أعلى هيئات الحزب، ومارس أخطر الأدوار الحزبية، ولكن أسمه كان غير متداول بين الناس، ولا حتى في الأوساط الحزبية، لا على نطاق واسع، ولا على نطاق ضيق، نعم بمثل ستار وهادي وخلافهما كان الحزب قوياً وعظيما، ويستحوذ على عقول وقلوب الجماهير، كانوا قادة صادقين متعففين يحبون عوائلهم وشعبهم، ويكرهون الإستعراضات الزائفة الخادعة، ويكرون الطائفية والعنصرية وكل أنواع التعصب.

 

تمر علينا هذه الأيام الذكرى السنوية الستون ليوم الشهيد الشيوعي العراقي، وتقترب منا الذكرى الأربعون لإستشهاد الشهيد ستار خضير الحيدر، وهي الذكرى التي نحن بصددها الآن، إنها مناسبة تملي على كل من لم يساوم على القيم الطبقية والوطنية أن يطرح المزيد من الأسئلة عن فكرة الشهادة على طريق تحرير الوطن المحتل، وأن يحذر ويُحذر من تقزيم دور الشهداء وقيم الشهادة من خلال الإكتفاء بالسؤال: على يد من فقدنا الشهداء؟. وعلى أهمية ذلك، يظل السؤال ناقص القيمة دون طرح السؤال العظيم: من أجل ماذا فقدنا الشهداء؟. وهذا يعني أن النضال متواصل على الرغم من كل النكبات، وعلى الرغم من كل القهر.

 

ولد الشهيد ستار خضير في ناحية الكحلاء ـ محافظة ميسان في عام 1929 وسط عائلة كبيرة ومعروفة في وطنيتها وأخلاصها لقضايا الشعب والوطن، وقدمت خدمات للحزب والشيوعية من الصعب أن يتسع لها المجال في مقال واحد، ووجد ستار نفسه في خضم النضال السياسي الوطني وهو في مقتبل العمر. ومن المعروف عنه أنه كان متفوقاً في الدراسة، وإنغمر مبكراً في النضال الطلابي، وفي وثبة كانون عام 1948، كان له شرف قيادة إحدى المظاهرات الكبيرة في مدينة العمارة.

 

في عام 1950 تخرج الشهيد ستار خضير من الثانوية العامة، وعمل معلماً في ناحية الكحلاء لمدة عام واحد، بعدها إنتقل الى بغداد معلماً في "أبو غريب". وفي عام 1952 إلتحق بدار المعلمين، وبعد التخرج منها، واصل نشاطه السياسي الثوري في مدينة العمارة.

 

وشارك في العمارة بدعم أحداث إنتفاضة تشرين 1952 التي إنطلقت في العاصمة بغداد، مما أدى الى إعتقاله وإيداعه السجن لمدة عام ونصف في سجن الكوت بتهمة تحريض أبناء العمارة ضد الحكومة وقيادته للتظاهرات هناك. وبعد إنتهاء محكوميته تلك عاد الى ناحية الكحلاء بصفة كاسب في محل لبيع القرطاسية والأدوات المنزلية البسيطة. وكانت غايته من ذلك هو توفير المكان المناسب لمواصله نضاله الحزبي، وهذا إسلوب كان يعتمده الكثير من الكوادر الحزبية لتغطية نشاطهم أمام الأجهزة الحكومية.

 

في عام 1954 ألقي القبض على المناضل الشاب في ناحية الكحلاء، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، وأرسل الى سجن بعقوبة لقضاء محكوميته هناك.

 

أبعد في عام 1957 الى قضاء بدرة منفياً لمدة سنة، بعدها أطلق سراحه وذلك قبل أشهر من قيام ثورة 14 تموز 1958.

وبعد الثورة عمل موظفاً لأشهر في بغداد، وبعدها تفرغ للعمل الحزبي، حيث أرسل الى مدينة الموصل في ظل الظروف الإستثنائية التي عاشتها تلك المدينة بعد حركة الشواف 1959 وإشتداد الهجمات على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، وكانت هذه النقلة إختباراً شديداً لصلابته وسعة تفكيره ودقة وسائله التنظيمية، حيث عمل عضواً في اللجنة المحلية، التي كان يقودها آنذاك الرفيق الشهيد طالب عبد الجبار، وتضم في عضويتها كلاً من: يوسف القس حنا وعابدين احمد وعادل الصبحة وآخرون.

 

إن خبرته في الموصل أعدته للعمل في مدينة كركوك، وعمل هناك حتى بعد إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي، حيث ساهم بنشاط ومثابرة نادرة في صيانة تنظيمات الحزب.

 

بعد ذلك تنامى نشاطه في إقليم كردستان، وكلف في عام 1965 بالإشراف على فصائل الأنصار في السليمانية وأربيل، وبالتنسيق مع قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني. ومن ثمة قيادة الإقليم.

 

في عام 1967 وبعد أكثر من أربعة أعوام قضاها مع رفاقه في قرى ومدن وجبال كردستان عاد الشهيد الى بغداد لينتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب، وتتعدد مسؤولياته ونشاطاته الحزبية من بينها مسؤولية الخط العسكري في الحزب.

 

وكانت يد الغدر تتربص به، تتربص بهذا السجل البطولي والتجربة الغنية، من أجل حرمان الحزب من تجاربه الفذة وشخصياته الإستثنائية، ففي مساء يوم 23 حزيران من عام 1969 وفي أثناء عودته من لقاء مع رفاقه الى داره في منطقة الوزيرية، باغتته عصابة أمنية لإختطافه، ولكن الشهيد الأعزل قاوم خاطفيه بضراوة، وبشجاعته المعهودة، فإستخدموا سلاحهم الغادر بجبن وحقد، وأصابوا الشهيد في مناطق متعددة في جسمه إصابات قاتلة، وولوا هاربين.

وفي تلك اللحظات العصيبة والحرجة لم يفقد ستار ثقته بالشعب وكل مواطن يسير في شوارع بغداد الرشيد العظيمة على عادة الشيوعيين العراقيين الحقيقيين هتف بإسم الحزب الشيوعي العراقي وجراحه تنزف، وأعلن عن إسمه وصفته الحزبية. فبادر المواطنون الى نقله الى مستشفى الطوارئ في رصافة بغداد.

 

فارق الشهيد الحياة في صباح يوم 28 حزيران 1969 تاركاً عائلته؛ بناته الصغار وزوجته في معترك حياة قد لا يرحم في بعض الحالات، وذاكرة أم مي تختزن الكثير الكثير من الجراح والآلام. وترك أيضاً تجربة زاخرة وحية في النضال والصبر على أعباء النضال، ودرساً يقول ويؤكد على أن الوطنية العراقية ثمارها لكل العراقيين، وأعباؤها على كل العراقيين.

 

لم ولن يُقفل دور وسجل الشهيد ستار خضير الحيدر بمراسيم الرحيل، التي شاركت فيها حشود كبيرة من العراقيين تضم قوى وطنية ونقابات عمالية ومنظمات مهنية وجماهير واسعة، إن الشهيد ستار جسد قدرة المناضل على الإبتسام في مواجهة كل أنواع المحن.

 

 

صفحات شهداء بشتآشان


شهداء للبيع! البحث عن رفات الشهيد كاظم طوفان

سلام عبود

2007 / 6 /16

كاظم طوفان!
لا أعرف أية صورة يرسمها هذا الاسم في خيال القرّاء!

المزج الغريب بين الكظم والغضب هو ما استوقفني في هذا الاسم الفريد. الكظم كمقدرة على كبح جماح النفس في حالة الغضب، والتي هي صفة لأحد أئمة الشيعة، والطوفان أي هياج الماء وجموحه وثورته، كما ورد في الكتب السماوية وفي الأساطير العراقية القديمة. لكننا لا نعثر على معنى الطوفان في العامية العراقية، التي لم تعد تستخدم الكلمة إلا كاسم. وهو المصير ذاته الذي آل اليه الفعل كظم. فقد نسيته العامية العراقية واكتفت باسم الفاعل والمفعول منه: ”كاظم” و”مكظوم”. بيد أن اضمحلال معنى الطوفان في الاستخدام العامي لم يلغ صلة الكلمة بالماء, فلم تزل هذه الكلمة تستخدم بمعنى العوم على سطح الأشياء، ومنها الفعل "طوٌف"، و"الطوف" أداة ركوب النهر. وترد كلمة طاف بمعنى تنقل في زياراته, وحصرت العامية الطواف بزيارة العتبات الدينية.

إذاً، نحن أمام "كاظم" و"طوفان". دين وأساطير ومذاهب وفصيح وعامي وهيجان وتحكم بالانفعال، كل ذلك يجتمع في اسم واحد؟

كم حاولت أن أرسم صورة أدبية في هيئة قصة أو مقالة لكاظم طوفان, لكّني فشلت في كل محاولة! ولو أني حاولت في وقت مبكر من حياتي ربما نجحت في مسعاي. وربما كان نجاحي أكبر لو أنني طبقت عليه مفاهيمي الثورية عن الفن والأدب، خاصة ما يتعلق بالنمذجة، وتعميم الخصائص الجوهرية للواقع، ومطابقة الشروط الاجتماعية، وعكس جوهر الواقع المعاش وغيرها من الوصفات السحرية، التي يتعلمها طلاب الأدب في معاهد الدول الاشتراكية سابقا، ومتذوقو علم الجمال الحزبي الاشتراكي. لو كنت فعلت ذلك آنذاك لنجحت نجاحا باهرا في رسم صورة شخصية للمناضل البروليتاري، الذي يولد بين الناس ويخدم قضاياهم بإخلاص ونزاهة وشرف. ولكن، لم يكن، ممكنا، حينذاك، ايجاد خاتمة منطقية لبطولته الثورية. فنضاله الثوري لم يبلغ مبتغاه حينذاك: النصر أو الشهادة. أما رفاق دربه فتشردوا وتشرذموا. وما كان من الممكن أن يكتب المرء عن شخصية حيّة، لا تتمتع بمركز قيادي مرموق، لم تصل بعد الى حدود البذل القصوى. فما معنى أن يكتب المرء عن كادر حزبي مغمور، حتى إذا كان من حزب الكادحين والمغمورين!

أما الآن، بعد أن أنجز كاظم الخاتمة الضرورية التي تشترطها القصة القصة البطولية والحزبية الناجحة عابرا لحظة الذروة: الاستشهاد، أصبح رسم الصورة أكثر استحالة. والسبب يعود الى أنني تغيرت خلال الفترة التي أرغمت فيها على انتظار موته. فلم أعد أؤمن إيمانا حرفيا، تقديسيا، بما كنت أسميه البناء الفوقي والتحتي، والانعكاس، والتعميم، والنمذجة وغيرها. المأزق الذي وقعت فيه هو أني لم أجد في كاظم صورة واقعية يمكن أن أرسم من خلالها لوحة فنية تعمم خصوصيات الواقع. قد تبدو هذه الفكرة شاذة ومعقدة عند البعض. وفي حقيقة الأمر هي كذلك. فكلما نظرت الى كاظم أجد أنه ليس شيئا واقعيا ينشد أن يتم ”عكسه” الى عمل أدبي، ”يعمم” خصائص الواقع فنيا كـ ”نموذج”. فهو في نظري لا أكثر من صورة فنية منجزة، رسمها الواقع، بالضبط كما يرسم الرسام أوكاتب السيناريو السينمائي صورة فنية عن شخص ما. هكذا بدا لي: مجرد صورة رسمها أحدهم، ريما تكون الطبيعة، أو الله، أو إحساسي الشخصي، أو تصورات الناس, وقال لها: ” انزلي وسيري على رصيف الحياة!”. كان صورة فنية منجزة الخلق. فلو قدر لي أن أرسم صورة أدبية عنه، فكيف أرسم صورة عن صورة! ذلك هو المأزق الذي وضعني فيه موت كاظم. لذلك عجزت عن رسمه وهو حي، وازداد عجزي حينما مات شهيدا، مغدورا به، فوق قمة جبل كردي، ذهب هو العربي ليدافع عنه.

عرفته قبل أن التقيه. فجميعنا، سكان وسط المدينة، الشباب، المهتمون بالسياسة نكاد نعرفه، أو أننا لاحظنا وجوده المحسوس على مقربة منا في مدينتنا الصغيرة. وجه جميل التقاطيع، يشبه وجوه الممثلين في أفلام البطولات الكبيرة. مشية هادئة. ثياب بسيطة قلما تتغير، لكنها عصرية ومعتنى بها. ود واضح، وهدوء وحذر يظهران بجلاء في مشيته وفي سلوكه وفي طريقة نطقه للكلام. وتلك خصال تؤهل أيّا كان في مدينتنا الجنوبية الفقيرة، المهملة، لأن يلعب دور البطل في أية قصة عاطفية، وقد لعب كاظم بحق دور البطل في واحدة منها. ولو أضفنا الى ذلك كله بعض البهارج كأن تكون قصة حبه الحقيقية من القصص المستحيلة، فسيغدو من دون ابطاء شخصا له صلة بأبطال القصص الخياليين. وفي حقيقة الأمر كانت قصة حبه العاطفية شديدة التعقيد. فلم يكن واعدا ومأمونا الجمع بين الشيوعية والفقر والحب والبطولة الرومانسية الى حد الاستشهاد. كان ذلك يشبه الجمع بين الكظم والطوفان. تلك إضمامة من الأفعال القاتلة! فموضوع اشتغاله بالسياسة ربما لم يكن عظيم الخطورة في نظرنا، فكثيرون عندنا مشغولون بها. لكن الاشتغال بها الى حد الاستشهاد أمر لا بد أن يكون عظيما شئنا أم أبينا. كان هذا الأمر سببا كافيا لجعل كاظم مغامرا من الطراز الأول، مغامرا في حبه وشيوعيته ورومانسيته الثورية. وربما لهذا السبب أيضا كان يجب أن يموت، كي يرث مكانه ولا نقول موقعه من هم أقل منه شيوعية ورومانسية وعاطفة! أما موقعه فقد مات بموته. لأن المواقع دائما هي البشر أنفسهم, تولد بولادتهم, وتموت بموتهم.

توطدت علاقتي وثقتي به وئيدا، لبنة لبنة، وسط مشاعر شديدة التعقيد تبادلناها وعشناها معا. فكلما اقتربت منه ازدادت ثقتي به وحبي له من جانب، ومن جانب آخر فسدت أجزاء من الصورة الجميلة التي رسمتها له في مخيلتي. فهو لم يكن مثقفا كما يتقول البعض ”متسلحا بالماديتين التاريخية والجدلية”. كان في حقيقة الأمر متسلحا بحب قضيته، وبشجاعة نادرة، مصحوبة بإخلاص لا حدود له. كان شريفا في حواراته معي، لأنه كان يعترف دائما، وبخجل، بأنه ليس محترف ثقافة مثلنا. إضافة الى ذلك فهو غير متعلم مثلنا نحن طلاب كليات الآداب والفنون والحقوق... وزيادة في جرعة المكاشفة اعترف لي بأنه مثلي، كلما اقترب مني أحس بشيء غريب ومتناقض أيضا. اكتشف, شيئا فشيئا, أن الشباب "المثقفين" المهوسين بالكتب والنظريات الثقافية ليسوا فاسدي قلب وضمير ودماغ، كما يشاع عنهم في الأوساط الحزبية القيادية. صعوبة التعامل معهم أمر لا يخفى على أحد، إلا أنهم أنهم بشر مثل غيرهم من الناس، فيهم الصالح والطالح. وتلك خلاصة خلاقة من حزبي بدأ يضع قدميه توا على سلم القيادة. وربما لذلك السبب اصطفاني كاظم في زمرة الصالحين, فنشأت بيننا ثقة كبيرة وألفة، جعلته يوما يباغتني من دون تمهيد قائلا:

أما آن للفارس أن يترجل؟ أما آن الأوان أن تحسم أمورك وتقرر؟

أقرر ماذا!

أن تعمل معنا.

وقع طلبه موقعا عجيبا في نفسي. لا بسبب أنه يدعوني الى العمل في صفوف حزب سري، هو الحزب الشيوعي العراقي، وإنما بسبب معرفته أني كنت أنتمي الى فصيل شيوعي آخر، عدو عداء لا صلح ولا هدنة فيه مع حزبه، الذي كان وما زال يعتبر من انتمي اليهم مجرد مغامرين طوباويين، يستحقون العقاب الحزبي المعهود: الطرد والمطاردة والتشهير، وإذا توفرت ظروف مؤاتية، فلا مانع من العقاب الأنجع: الموت، بطرق مباشرة، كما حدث لرفاق كثيرين، أو بالدس عليهم والتبليغ المباشر وغير المباشر للإيقاع بهم.

كيف يجرؤ "موسكوي", تحريفي, يميني على هذا! لكني سرعان ما ربطت الأمر بسلسلة من الحوارات المماثلة جرت مرات عديدة مع صديق شيوعي آخر, ظننتها حينذاك مجرد جدل عفوي, اعتدنا على خوضه في ملتقياتنا الخاصة.

أهذا رأيك أم رأي حزبك؟

رأيي ورأي حزبي واحد.

إذاً، لا لقاء بيننا، لأنني أعرف رأي حزبك جيدا.

اعتبره رأيي.

وهل سأعمل في صفوف رأيك أم في صفوف حزبك،؟ وكيف سيتقبل الآخرون الأمر؟ كيف سيقبلون رفيقا، لم يتخل عن أفكاره المغايرة لأفكارهم؟ أنا لا أعرف على الإطلاق بوجود هذا اللون من التسامح الحزبي عندكم.

ولكني أعرف من أنت.

من أنا؟

أنت عضو طلابي بسيط ,سابق, في تنظيم القيادة المركزية، الذي يرى أن تيار حزبنا هو تيار يميني واصلاحي، وربما رجعي. وأنتم تعتقدون أن الحوار مع فصائل العمل الوطني، خاصة البعث، ضرب من الخيانة الوطنية والطبقية، ونوع شنيع من أنواع الذيلية السياسية والتبعية للاتحاد السوفيتي. أما ما يخص للكفاح المسلح الذي تؤمنون به، فأنا واثق تماما أنك وصلت الى قناعة مماثلة لقناعتي وقناعة عدد كبير من الرفاق ممن كانوا يميلون الى الكفاح المسلح, مفادها أن الكفاح المسلح لم يعد الشعار الملائم، في الأقل الآن، بعد انهيار تنظيم الكفاح المسلح تحت ضربات السلطة.

وضرباتكم.

سوء حظنا.

- حظكم؟

- حظنا جميعا.

حسن! ما وجه اللقاء بيننا؟ ما زلنا عدوين بنظركم.

لسنا عدوين، في الأقل لي شخصيا.

هذا أجمل ما سمعته من شيوعي، أرجو أن لا تلام عليه.

أنا لا أخاف من أحد، وأعرف بالضبط ما أقول.

حقيقة، كان بودي أن أستجيب الى دعوتك الصادقة، التي أجدها بحق فرصة أخوية ورفاقية للتعاون، لكن المشكلة لا تتعلق بك، وإنما بحزبك، بتركيبته، بقيادته، بعقليته، بروحه، بتقاليده التنظيمية والسياسية. كل ذلك يحول دون أي لقاء واقعي بيننا. سنصطدم ببعضنا لا محالة، اليوم أو غدا أو بعد غد. وستبدأ سلسلة الاتهامات، ويبدأ التذكير بالماضي اليساري وبالانتهازية اليسارية المغامرة وبمرض اليسارية الطفولية.

لن يحدث هذا.

لماذا لن يحدث؟ سيحدث، ربما لن يحدث معك ولكن مع الآخرين، خاصة أنهم يعرفون أنني لم أتخل عن أفكاري فيما يتعلق بتهالك قيادتكم على التعاون مع السلطة.

لن يحدث. أنا على ثقة تامة من هذا، لن يحدث ما تخشاه.

حتى لو افترضنا ذلك، وهو أمر غير واقعي، فما نفعي لكم، وأنا لا أدعو الى سياستكم؟

- صدقني أنا لا أختلف معك إلا في أمر واحد فقط. أنا أؤمن بالتغيير من الداخل. يجب قلب المعادلة من داخلها لا من خارجها. بالمناسبة, لست وحدي من يؤمنون بهذا, هناك كثيرون مثلي, لكنهم الفئة الأقل نفوذا. يجب أن نكون الأقوى بتساندنا.

- وموجة التحالف؟

- لا أحد يستطيع إيقافها الآن, لا أنا ولا أنت, لا من الداخل ولا من الخارج, إنها عاتية وستجرف الجميع, ولكن لا حلول أمامنا. فهل نترك كل شيء, كل شيء للآخرين, ونستسلم لليأس؟

- وما نفعي لكم؟ أنتم حزب عريق، يملك تنظيما حديديا كما تدعون، وشبكة عظيمة السعة من الأعضاء، جيش البروليتاريا الحديدي، كما تسمونه.

لم يعلق كاظم، كان ينظر اليّ بهدوء وهو يبتسم ابتسامة صبر وتعقل، منتظرا أن أنهي فورة كلامي، التي توقع حدوثها وخمن فحواها مسبقا. طأطأ رأسه كعادته، ثم رفع خصلة الشعر الناعمة التي نزلت على جبينه بكفه، غارسا أصابعه في شعر رأسه مثل مشط، بحركة، ربما هي أيضا جزء من صورة رأيتها من قبل على شاشة ما، أو قرأتها في كتاب ما.

هل تريد أن أفشي لك سرا حزبيا لا يقال. هذا السر ربما لو عرف أحد به ستكون عقوبتي الطرد من الحزب؟

كان سؤاله مفاجئا حقا. فأنا لم أرد منه أن يصل في ثقته معي الى هذا الحد الجنوني، ولم أكن أبحث في حقيقة الأمر عن نقاط للثقة معه. فأنا أحس به صديقا مقربا موثوقا، رغم اختلافنا السياسي.

رغم اختلافي معك، فأنا لا أتمنى لك الطرد من حزبك، ولا أريد أن أخلق مشاكل لك أو لغيرك.

على أية حال سأسألك سؤلا تافها: كم عدد أعضاء الحزب الشيوعي في مدينتنا؟

وكيف لي أن أعرف!

قدّر الأمر تقديرا؟

في يوم ما، في زمن حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم ، كانت العمارة هي المنطقة الوحيدة في العراق التي توجد فيها لجنتان محليتان للحزب الشيوعي، واحدة في المدينة وأخرى في الريف. أما الآن فلا أعرف. ربما آلاف.

لا.

مئات.

ولا هذا.

عشرات.

ولا حتى هذا.

ماذا يوجد إذاً؟

لا يوجد شيء. نحن نعيش على تلك الخرافة التي كانت، والتي ما زالت تعيش في أذهان الناس. لقد قادت الضربتان الأخيرتان، اللتان وجههما جهاز الأمن الى تنظيمنا الحزبي الى تدمير قواعد الحزب تدميرا تاما. وحينما اعتقل واعترف عضو ارتباط المنطقة الجنوبية انهار بناء المنظمة الحزبية من أعلاه الى أسفله. كنا في السابق نعاني من ضربات توجه الى القواعد أو الى حلقات وسطية تتسبب في ضياع جزء من بنية المنظمة، لكن الضربتين الأخيرتين زلزلتا البناء من قمته حتى قاعدته. جاءت الضربة الأخيرة من الرأس ووصلت حتى الأسفل. لا يوجد جيش البروليتاريا الحديدي الذي يعتقد الناس بوجوده. هل تصدق؟

لم أصدق. لا يمكن لخيالي أن يقبل بذلك، حتى لو صدق عقلي ذلك؛ ولا يمكن لقلبي وعواطفي أن تقبل ذلك حتى لو أن خيالي تصور ذلك وقبل به. نحن شيوعيون، شيوعيون, لا لأننا ننتمي الى الحزب الشيوعي، نحن شيوعيون لأننا متهمون بذلك، سواء انتمينا أم لم ننتم. ماذا نفعل بمشاعرنا الشيوعية, ماذا نفعل بشهادات اضطهادنا؟ وماذا نفعل بتهمنا الجاهزة، المتوارثة إذاً؟

- عيب! لا يمكن.

"عيب!" هكذا نطق الكلمة، صديق طفولتي، الذي عمل معنا يوما ما في منظمة الشبيبة، رغم وجوده في موقع شبه عسكري. قلت لذلك الصديق يومئذ، مسرا له بمعلومات شديدة الدقة والخطورة: ”من الأفضل أن تقطع صلتك بالشيوعيين وبمنظمة الشبيبة الديموقراطية الشيوعية فورا”، فرد عليّ بغضب: ”أهذا أمر من الحزب تبلغه لي؟”, أجبته مهونا الأمر عليه: ”أنت لست عضوا حزبيا، أنت في منظمة ديموقراطية”. فنطق وهو يغص بالكلمات: ”وما الفرق! في حسابات أجهزة الأمن لا فرق”. قلت له على الفور: ”صدقت، لذلك أنصحك بأن تتخلى فورا ومن دون تردد عن أية علاقة بالشيوعيين، فقد صدر قرار من قبل السلطة يقضي باعدام كل من له صلة بالشيوعيين ويعمل في الجيش أو في أماكن عسكرية، وأنت تعمل في مكان تابع رسميا لمؤسسة عسكرية".

تعني... أبطل من الحزب!

أنت لست في الحزب على أية حال.

تعني أتخلى عن مبادئي ومعتقداتي.

لا، ولكن ابتعد عن التنظيم وعن أي شكل من الصلات التنظيمية.

أي أتخلى عن مبادئي.

....

لا يمكن.

قلت لك توجد عقوبة اسمها الإعدام. ألا تفهم! أما قيادة الحزب فلا يهمها أمرك، لأن استمرار التحالف يهمها أكثر من حياتك وحياة غيرك.

أنت تخرف.

أنا أغامر بهذا القول، لأنك عندي لست ”زميلا” فحسب، أنت صديق طفولتي.

أبدا.

لماذا؟

عيب!

مسك طرف ذقنه بأصابعه المرتعشة من فرط الانفعال، ونظر اليّ باحتقار شديد وحزن وخذلان عظيمين وظل يكرر: ”عيب. عيب” ومضى، من غير أن يعرف أن أول وجبة من الذين سيجرى تنفيذ حكم الإعدام بهم قد صدرت الأوامر بحقها، وأن قيادة الحزب الشيوعي، على لسان أحد زعمائها، عامر عبد الله، رجت الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر أن يعفو عنهم، وحينما أبى البكر، اقترح عليه الرفيق الشيوعي، القائد، مداعبا أن تسقط عنهم الجنسيات العراقية ويعتبروا بحكم اليهود ويعاملوا معاملة اليهود الذين سفروا الى اسرائيل!

عيب!

قلت لكاظم طوفان حينما كرر السؤال عليّ قائلا:

هذا هو وضعنا، سنبدأ من الصفر. أنت ومجموعة صغيرة من الأصدقاء، تعرفهم جميعا، ستبدؤون من الصفر. فهل أنت ضد هذا؟

عيب! أجاب فورا, نيابة عن ضميري، وعلى لساني، صديق طفولتي، فانخرطت في عمل لا يكل, بمعية أصدقاء آخرين, جرتّهم كلمات سحرية, غامضة, مشابهة. كانت كلمات السر الخفية التي نننطقها أوامر داخلية, فطرية, مبهمة لا صلة لها بالعمل السياسي أو الحزبي أو الآيديولوجي، لا صلة لها بالطبقبات والصراع الطبقي، لا صلة لها بالبناء الفوقي والتحتي. عهود ومواثيق والتزامات باطنية، ينطقها بألسنتنا بشر خفيون يقبعون تحت جلودنا. بشر أنقياء، صادقون الى حد الموت. بشر يهبون أنفسهم طوعا الى جلاديهم.

هكذا استمر عملنا ”نضالنا”، حتى اليوم الذي تم فيه انجاز بناء منظمة شبيبة المدينة، ثم ”منظمة الأطراف” أي ما يحيط بها من نواح وأقضية، ثم توحيدهما في قطاع واسع، ظهر من العدم ورسّخ الوهم القديم بشيوعية مدينة العمارة، وزاد في تأكيد تهمة الشيوعية لسكان المدينة الوادعين، الطيبين. في مساء يوم الانتهاء من اللقاء الموسع، الذي كرس لمناقشة أوضاع ما بعد استكمال بناء المنظمة الشبابية، تسلمت أمرا ”حزبيا”، يقضي بتسليم مهامي التنظيمية كافة الى رفاق آخرين، والتفرغ للعمل العلني في مقر الحزب الشيوعي في العمارة، كمراسل متفرغ لجريدة ”طريق الشعب”. فجأة، اكتشف أحد رفاق التنظيم أنني أصلح الأعضاء في المدينة للعمل الصحفي. قبلت الأمر من دون تردد، بشعور مزدوج, متناقض بشكل حاد: ارتياح خفي لتخلصي من عبء لا يحتمل، ولكن بحزن من يطعن طعنة يعرف أنه يستحقها, طعنة الخيانة!

قال كاظم:

من حقك أن ترفض.

عيب! أجبته وشعورعظيم بالخذلان يملأ روحي.

لم يمض وقت طويل بعد ذلك، حينما اكتشفت أن البعث اكتشف أنني مندس في صفوف الشيوعيين لصالح قوى معادية لمصالح التحالف! وشيئا فشيئا أخذت أعي أن الدائرة بدأت تضيق, والحصار يشتد. وكلما التقيت كاظما وتناقشت معه مذكرا إياه باللحظة العجيبة التي تصارحنا فيها واتفقنا على العمل معا، قال لي:

امسحها في ذقني. على الرغم من أنني واثق أنك, عمليا, الرابح حتى الآن. فلولا وجودك بيننا لكنت في خبر كان.

بيد أن تلك الحماية الوهمية التي ظن كاظم أنهم قدموها لي مجانا كانت خداعا للذات محضا, خداعا لا يشتريه الحزب بفلس ولا يشتريه البعث بأقل من فلس. لذلك أدرك كاظم, بفطرته النقيّة, أنه حقا متورط، وأن ذقنه لم تعد قادرة على تحمل مسحات جديدة، خاصة أنه بطرقه الشخصية، كقيادي، عرف أن ذقنه ستتلطخ بالدم قريبا. فإذا كانت الشكاوى سابقا ضدي مجرد اتهامات من قبل جهاز الأمن، فإن شعورا خادعا أخذ يسود داخل التنظيم ويسيطر على عناصره، مفاده أن الجبهة أهم من كل شيء، وعلاقات التحالف هي الهدف، وفق شعار ”خندق واحد لا خندقان”. خندق واحد حتى لو كان مليئا بالدم والغدر والوقيعة.

جاءني كاظم وهمس في أذني:

ما رأيك في الدراسة... والسفر؟

لم أجب عن سؤاله، لكنني التقطت الإشارة. وحينما اعتقلت وأنا في الطريق الى أهوار ناحية السلام تأكدت إشارة كاظم، ففهمت ما كان يدور في عقله، وأصبح الخيار إلزاما. وفي لقائي بكاظم بعد عودتي من ناحية السلام، حيث ذهبت لعمل تحقيقات صحفية في ريف العمارة، لكنني منعت واعتقلت بصحبة مسؤول العلاقات الوطنية السابق في العمارة, الصديق العزيز "أبو حارث" هشام الطائي, عدت وبجعبتي عدد من التحقيقات الصحفية، مسحت فيها أحوال الناس من مدينة السلام حتى العمارة، بما في ذلك تحقيق شديد الطرافة عن عمليات اعتقال جماعية واستعباد بشري من قبل مسؤولين حزبيين للفلاحين، بعثتها كلها الى "طريق الشعب" ولم ينشر إلا النزر اليسير منها، لأن الجريدة لم تكن معنية بالخلاف، بقدر ما كان يعنيها الاتفاق. وبما أن اعتقال الناس قضية خلافية، وبما أن أعمال السخرة قضية خلافية، فلا مكان لها في صحافة حزب الكادحين.

لم يتخلف كاظم طوفان عن مد يد المساعدة المالية لي ، وساهم في هذه المساعدة صديق شيوعي، استشهد الى جوار كاظم طوفان في بشت آشان، هو أبو على (عبد الحسين علي)، الذي أقرضني خمسين دينارا، رغم فقره. فحينما استفسرت منه عن وضعه المالي، لم يجب، سكت لحظات، ثم نطق بحزن كلمة واحدة:

عيب!

نطق الكلمة وذهب مسرعا الى بيتهم، الذي هو صريفة من قصب في حي شديد البؤس يقع على الضفة المقابلة للمدينة من نهر دجلة, لكنه ما لبث أن عاد وعلى محيّاه تعابير محيّرة. عاد يحمل, بمشقة بالغة, ابتسامه حزينة، هي مزيج من الفرح الخفي الغامض والخوف من شيء مجهول، لا أحد يعلمه، حتى هو. قبّلني مودعا ودس المبلغ في جيبي. ربما كان يدرك، مثل كاظم، أنني لا بد أن أذهب. فقد أضحى وجودي جزءا من الدم الذي سيلطخ ذقن كاظم، ومن الممكن أن يلطخ ذقنه أيضا، فقد كان زميلي في منظمة الشبيبة، وهو الذي تولى مسؤوليتها بعد استكمال بناء تنظيمها.

كاظم طوفان ”أبو ليلى”، و”أبو علي” لم ينتظراني كثيرا. فقد استشهدا معا على يد ميليشيات الاتحاد الوطني الكردستاني الغادرة, وهما يدافعان مع عشرات من الرفاق عن مقر قيادة الحزب الشيوعي العراقي، في جبل ناء من جبال كردستان، تلطخ الى الأبد بدم أبرياء لا ذنب لهم، سوى أنهم وثقوا بمن سيفتكون بهم. أما أنا، فما زلت أحيا، تؤرقني صورتاهما، وتجهش نفسي حينما أتذكر وجهيهما وهما يقبلاني ويودعاني داعيين لي بالسلامة، من دون أن يعرفا أن الموت كان يتربص بهما. كان الموت أقرب اليهما مني. وكلما عادت الصور القديمة الى خيالي، تدوّي في أعماقي كلمة ” عيب”, مثل صفعة، فأحس كما لو أنني المسؤول عن موتهما، وأن دمهما الطاهر ذكرى حارقة تبقع وجهي، وتحملني ذنب رحيلهما المبكر، رحيلهما الغادر برصاص الحلفاء. فقد هربت, بمساعدتهما, من بطش الحلفاء, وجعلتني نجاتي شاهدا على موتهما بفعل الحلفاء أيضا. فما أكثر الحلفاء، وما أشد غدرهم!

في الأيام التالية لسقوط صدام حاول بعضهم, تزلفا حينا وطمعا في تذكرة سفر الى مهرجان ثقافي حينا آخر, تزوير الهويات, فجعلوا شهداء بشت آشان يسقطون " في المواجهات ضد الديكتاتورية", بما يوحي ببراءة الذئب القاتل. ووصل الأمر بأحد المواقع الحزبية أن أورد العبارة التالية عن أحد شهداء بشت آشان " استشهد في أقبية التعذيب"! ففي زمن الخراب يبيع الورثة كل شيء, يبيعون حتى شهداءهم!

سافرت الى بغداد مرورا بالبصرة. بصحبة أبي زيتون، أحد أكبر واشهر قياديي المنطقة الجنوبية العلنيين, سافرت أولا الى البصرة بسيارة الفولغا، التي كنا نسميها سيارة الحزب. كان شعوري لا يضاهى وأنا أقطع المسافة من العمارة الى البصرة جالسا في سيارة الحزب. فلم يكن شعوري هو شعور من يركب سيارة، قال عنها صديق برجوازي من أيام الدراسة الجامعية، إنها متعفنة ومتخلفة كالشيوعية. كنت أحس بزهو لا مثيل له ودغدغة طبقية عجيبة، ربما لا توازيها سوى دغدغة الكرسي الوثير, الذي جلس عليه ستالين في مكتبه الفاخر أول مرة عقب اطلاق النار على لينين. فقد دهمني وتلبسني شعور عميق، صادق، بأنها السيارة الوحيدة التي امتلكها فرد من أفراد عائلتي، عائلتي الكبيرة، التي هي جماهير حزب الكادحين . إنها سيارة الجماهير, سيارة الشعب بأسره!

(بعد فترة وجيزة سقط أبو زيتون وسيارته الروسية سقوطا مدويا, فتلقفه البعث بالأحضان!)

في مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، بعد جدال متعب وعبثي مع السيدين ماجد عبد الرضا، بدرجة رئيسة، وثابت حبيب العاني، اختتما الكلام بأن طبعا لي رسالة فيها تأكيد على هويتي الشخصية الى الجهات اليمنية في عدن، استلمتها بعد تلكؤ وخصام ومناكدات، (اكتشفت بعد أشهر أن الرسالة كانت تتضمن عبارات ليست في صالحي)، وحينما ودعتهما وخرجت، استوقفني صوت ماجد وهو يقول ساخرا، مداعبا:

الى أين تعتقد أنك ذاهب يا رفيق، الى الجنة؟

التفتت اليه، وقلت بجفاء اليائسين:

ربما لن تكون عدن هي الجنة، لكنني أترك جنة التحالف لكم.

بعد سنوات ذكرّت ماجدا بذلك، في مؤتمر الحزب الاشتراكي اليمني الأول. حضر ماجد ممثلا عن الحزب وحضرت أنا مراسلا لـ "طريق الشعب"، وكان بصحبة قيادي من الجبهة الديمقراطية، حينما سألته:

سمعنا أخبارا تتحدث عن حل المنظمات الديموقراطية!

قلت ذلك وأنا أعرف أن ماجدا نفسه يقف على رأس الاتجاه الرامي الى حل المنظمات، أو في الأقل يتولى مهمة ترجمة و"أدلجة" وتسويق القرار لصالح القيادتين البعثية والشيوعية.

لا، ليس حلا. نحن خيّرنا أعضاء المنظمات الديموقراطية التابعة للحزب، بشكل ديموقراطي وطوعي، بين أمرين: أن يتحولوا الى أعضاء حزبيين، أو أن يتركوا الحزب.

والذي لا يريد أن يكون حزبيا؟

هذا من حقه أيضا، هو حر، يستطيع أن يفعل ذلك.

كيف؟

كيف! يحل عن, عن رقبتنا.

لا أعرف ماذا سيقول الرفيق الذي خاطر بحياته وانضم الى المنظمات الديموقراطية وهو في جهاز عسكري حينما يسمع اليوم, وهو في قبره, أن قيادة الحزب اعتبرت شيوعيته قيدا يغل رقبتها، وأنها ترجوه أن يحل عن رقبتها؟ وماذا سيقول الشهداء الآخرون، الأحياء منهم أو الأموات!

### # ###

في شباط 1969 سقطت أقوى شخصية شيوعية عراقية معارضة بيد الشرطة. جاء النبأ صاعقا مثل ضربة برق. لم يصدق كثيرون ذلك، رغم أنهم اعتادوا، من حين الى آخر، قراءة أخبار في نشرة الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يجري غزلا جبهويا مع السلطة، تشير علنا الى تحركات مشبوهة يقوم بها ”ر” أو غيره من قياديي الفريق الشيوعي المناويء، الذي يرفض التحالف مع البعث. بعض هذه الأخبار كان يشير بدقة متناهية الى مواقع البيوت الحزبية ” الأوكار السرية”، التي يتحرك فيها الخصوم. في هذا المناخ المنقوع بالسموم وقع عزيز الحاج، الشخصية الشيوعية الأسطورية بيد السلطة، وتقرر عرضة على الملأ في التلفزيون.

حينما سمعنا الخبر، سارعنا مثل أغلب العراقيين الى أقرب جهاز تلفزيون. كنا آنذاك مجموعة من طلاب الجامعة نتسكع عند الغروب، بعد جولة القراءة اليومية المعتادة، في شارع أبي نؤاس، في رأس الزقاق المؤدي الى مقهى المعقدين. حينما سمعنا النبأ رأينا الشارع يقفر والناس يسرعون بصمت وقلق وخوف ليحتشدوا أمام أقرب جهاز للتلفزيون، بانتظار مشاهدة الرجل الأسطورة. حبسنا أنفاسنا جميعا حينما ظهر المقدم ذو الصوت الخشن، الذي اعتاد الناس رؤيته في الأحداث الجسام: محمد سعيد الصحاف، مدير التلفزيون سابقا، ووزير الإعلام لاحقا، مما زاد من حدة الرهبة في نفوس الناس وعمق وقع اللحظة الأسطورية في خيالهم المضطرب.

لم تدم مشاهد الأسطورة طويلا لدى شاب دون العشرين مثلي، غارق في بحر متلاطم من الخيالات الغامضة. لم يدم شكل الأسطورة سوى ثوان، رأيت فيها عزيز الحاج لا كما ظننته. فلم يكن طويلا، ذا شوارب كثّة. ولم يكن يجلس متحديا، ولم يكن يملك نبرة الثوار الشجعان، الخارجين توا من غابات القصب. كان نحيلا، أميل الى الاصفرار، بطيء الكلام، متقطع وخافت الصوت. كان مشوشا، مترددا، تغلب عليه الحيرة، وتتقافز على ملامحه البسيطة أسئلة، ينحدر، جلها، من نبع واحد، اسمه الخجل. الخجل الخفي من أمر ما يصعب تشخيصه وإدراكه. أمر ما أبعد غورا من التفسير السطحي، الجاهز، الفظ، للعبة السقوط السياسي، التي يساهم في صناعتها الجلاد والضحية والمتفرجون.

على الرغم من أنني منيت بخسارة روحية كبيرة, خسارة الشكل الفني للأسطورة, إلاّ أني سرعان ما وجدت تعليلا منطقيا، يرضي نفسي الحالمة ويعوضني, كذبا, عن خساراتي الفادحة: تلك هي آثار التعذيب! ومن يستطيع أن يصمد أمامهم! من يستطيع؟

لكن الطعنة الموجعة جاءتني من عزيز الحاج نفسه، حينما أجاب عن سؤال وجهه الصحاف اليه، مفاده: هل تتحدث الآن بملء حريتك أم أنك أكرهت على ذلك؟

جاء الجواب، بعامية بغدادية، لا أحبها كثيرا: "آني أحجي بكل حريتي".

لماذا؟ نطق المقدم ذو الصوت الخشن.

لأن الاستمرار في الكفاح المسلح، مثل أن ”ينطح الإنسان حائط، لما ينفجخ ( يشج رأسه) يحس الإنسان أنه تعور"!

بتلك النهاية البائسة أحرق عزيز الحاج أسطورة عجيبة، ظللت أحتفظ بها لنفسي في الخيال، على أنها الصورة الفريدة، لصاحب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشر. القائد الذي كان مؤملا له أن يظهر من بين أعواد القصب، على ظهر مدرعة مغنومة من الجيش، ترفرف عليها راية حمراء, يزهو في قلبها شعار المطرقة والمنجل.

كل ذلك حدث قبل أن يطفىء صاحب المقهى جهاز التلفزيون، لكي يلتفت الى الأعداد الغفيرة من الزبائن الذين أمّوا مقهاه، واحتشدوا فيه ثم غادروه صامتين مصابين بالخيبة والذهول، من دون أن يشربوا شيئا أو يدفعوا شيئا. كان عرضا مجانيا لأسطورة رثّة!

حاولت، مطعونا، أن أفلسف الأمر لأصدقائي، الذين كانوا لا يقلون ذهولا عني، فقلت لهم: كلنا نعرف أن عزيز الحاج لا يمثل اتجاه القيادة المركزية بثوبه النقي، وأنه منذ زمن أعلن للقيادة بأنه لا يؤيد خط الكفاح المسلح، لذلك فما قاله ليس جديدا، أو مفاجئا.

حقيقة، كان ما قاله جديدا، مفاجئا، مبكيا، وصاعقا الى حد الموت.

السؤال الوحيد الذي لم أضعه في حسابي آنذاك وأنا أحاول ايجاد تبرير لما حدث، وايجاد تبرير يحفظ لي شرف الإيمان بأسطورة رأيتها تتمزق إربا أمام عيني، هو السؤال المتعلق بعزيز الحاج نفسه كإنسان، لا كأسطورة.

لأن الأسطورة من صناعتنا, يحق لنا أن نحاكمها كما نشاء على هوانا, أما الإنسان فملك لنفسه, لحقيقته الشخصية. ترى ما الذي أبقى عزيز الحاج في التنظيم بعد أن أشاع عنه رفاقه أنه ”سقط تنظيميا وآيديولوجيا قبل سقوطه العلني”! لماذا ظل إذاً متربعا على رأس التنظيم، ولو اسميا؟

ذلك سؤال لا يخص عزيز الحاج وحده، بل يخص خيرة مبدعي بلادنا، وربما يخصنا جميعنا. يخص صديق طفولتي الذي أجابني بغضب وحقد واحتقار: ”عيب!” حينما أخبرته بأمر التخلي عن الحزب تجنبا للإعدام. يخصني أنا شخصيا، حينما نطقت كلمة :”عيب!” أمام كاظم طوفان، من دون قناعة حقيقية بنشاط سياسي لا تربطني به سوى عاطفة غامضة وأوهام أخلاقية. طعنة عزيز الحاج كررها كثيرون، بطرق متنوعة، منهم على سبيل التمتع بالعذاب الروحي، لا على سبيل المثال، شاعر أحببته يوما ما. شاعر رُبط بسلال حزبية من ذهب ووضع في فم الأفعى وقيل له : ”غرّد أيها الشحرور، غرّد على غصن التحالف!”. قالوا له ذلك وراحوا ينظرون اليه من بعيد, يراقبون ضعفه وينتظرون لحظة انكساره الأكيدة, وهم يقفون على قمة أعلى أشجار الغابة البعيدة. ذلك هو يوسف الصائغ, وغيره كثيرون.

### # ###

خلال السنوات المنصرمة، عصفت بحزب اليسار السويدي ثلاث عواصف أخلاقية. الأولى سقط فيها رئيس الحزب السابق لارش فارنر بسبب تعاطيه الخمور وإدمانه، وحلت محله غودرون شيمان، التي تمكنت بمهارة اللبوْة من رفع رصيد الحزب ليصبح قوة سياسية مؤثرة، شغل المرتبة الثالثة في الكثير من استطلاعات الرأي. لكن غودرون سرعان ما تعرضت مرتين الى فضيحة عاصفة، بعد أن وشت بها الصحافة، وتلقف ذلك الاعلام المتربص بها شخصيا كامرأة وكزعيمة لليسار، حينما اكتشفوا أنها تعرضت الى نوبات من الإدمان على الكحول؛ وهو أمر يتنافى مع موقعها كرئيسة لحزب، ويتعارض بشكل صارخ مع واجباتها كممثلة للناخبين في البرلمان. لكن غودرون التي لا يحتوي قاموسها السياسي والشخصي كلمة عيب، لم تخف رأسها تحت مظلة التبريرات الأخلاقية، فوقفت بصدق تام أمام الصحافة، وأمام عدسات التلفزيون، التي تسابقت لاصطياد طريدة من الوزن الثقيل.

لم تقل غودرون: عيب، ولم تتظاهر بالشجاعة والقوة، ولم تستتر خلف كوابح أخلاقية واهية، تتعارض مع ضميرها ومقدرتها وقناعاتها الحقيقية كفرد وكإنسان. قالت: أنا أعترف بما حدث، أنا آسفة لما حدث. ساعدوني، ساعدوني كي أستطيع أن أثبت لكم، ولنفسي أولا أنني قادرة على التغلب على ضعفي، وأعدكم بأنني سأتخلى عن كل مسؤولياتي الحزبية، لو أنني وجدت أنني غير قادرة على تبرير الثقة التي منحني الناس إياها.

ظلت غودرون شيمان على رأس أحد أقوى الأحزاب اليسارية في أوروبا، حتى دهمها خصومها مرة أخرى، مستغلين خطئا بسيطا في حساباتها الضريبية، فاقتلعوها واقتلعوا اسطورتها اليسارية في غضون ثلاثة أيام فقط، ماسحين وجودها كرئيسة لحزب اليسار وكسياسية، في واحدة من أفظع وأمهر التصفيات الديموقراطية للخصوم.

### # ###

في مجتمع لا يدخل فيه الناس السياسة من باب ”العيب”، لا يحتاج المرء الى استخدام كلمة ”مُضلّل” وهو حي، أو”شهيد” وهو ميت.

### # ###

خاتمة حزينة وجارحة: حينما سقط الصنم هرعت الأمهات المكلومات الى المقابر الجماعية يبحثن عن عظام أبنائهن, في مشهد عويل أسطوري مرعب. أما حزب الكادين, فلم يفكر, حتى هذه اللحظة, في البحث عن قبور شهدائه.

أهو موسم بيع الشهداء!

# فصل من كتاب "ذئب وحيد في البراري" الذي يتحدث عن تجربة المنفى. في النص إضافات صغيرة توضيحية كتبت حديثا لازلة بعض الغموض التاريخي.

 

 

**************



عن بشتآشان .......الصامتان : الذئب والنعجة !!!

ابراهيم البهرزي

2008 /4/ 30

 

مذ عاد احد أصدقائي الملتحقين بالأنصار عام ذاك ( 1983 ) عائدا هلعا ملتحقا إلى عراق ( القادسية ) حينها ....مفضلا ركوب الجندية وأهوالها على ر كوب مراكب الرفقة القراصنة ...وهو يحدثني حينها عما جرى ويجري في ( وادي الأحزاب ) ..وعما تعرض له رفاقه الشيوعيين( العربان )على أيادي رفاقهم ومضيفيهم من المعارضين (الكردان) في بشتاشان ...وأنا غير مصدق لشراسة الذئبية الحزبية وأطوار الاستحالة التي تلبست ( اليسار العراقي !) ليكون اليساري الكردي العراقي ذئب اليساري العربي العراقي !

كنت حينها غير مصدق للرواية ...وكنت احسبها من (تبريرات ) المهزومين من سوح القتال وتبريراتهم المشغولة بحرفة الخيال الأسطوري ...
صديقي هذا الذي عايش (جود ) و (جوقد )..وغيرها من رموز مخيبات الأمل روى لي كيف أن الشيوعي ( النصير ) ....بل حتى الشيوعية ( النصيرة )...صاروا يهربون مثل ريام الجبال المقتنصة في وديان وكهوف لا تخفى عن عين ( المناصر ) البيشمركة.والذي انقلب بسحر ساحر إلى صياد!! ....للشيوعيين العرب اللائذين برفقة إخوتهم الكردستانيين الذين جاؤوا لمناصرتهم ضد الدكتاتورية !!...ولذلك تم تسميتهم ...(أنصارا ) !
فصار ( النصير ) هدف ( المناصر ) ...وتمت تصفية قرابة الثمانين شيوعيا وشيوعية .بدم بارد ...وباخس وسائل الاستفراد والتنكيل !

كل الشهود الإحياء يقولون ويصرون ويوثقون ويعلنون بألم :
أن الجاني ..هو الفصائل المسلحة للاتحاد الوطني الكردستاني ...رئيسه يومذاك ..كما سيبقى ....هو الأستاذ جلال الطالباني ...الذي هو الآن رئيس (جمهورية العراق ) ...كل العراق !!...ومن ضمن شعب العراق ....عوائل ...وأيتام ...وثكالى ...ومنكوبي ...(شهداء ) موقعة بشتآشان !.........
أما المجني عليه:

هم عناصر الحزب الشيوعي العراقي من العرب ( المستجيرين )برفاقهم في كردستان العراق ..يساندهم بعض الشيوعيين من رفاقهم اليزيديين العراقيين....

إذن يكون المتهم الأساس بالقضية (ولا نقول المجزرة !!!.... حتى يتحقق جوهر الأمر بتحقيق علني ) هو السيد رئيس الجمهورية الحالي الأستاذ جلال الطالباني بحكم موقعه أيام حدوث الجناية كقائد سياسي وعسكري للميليشيا المذكورة ....................
ويكون الضحية هم الشيوعيين العراقيين الذين استشهدوا حينها .....ولا محام لهم الآن ولا مدع بالحق الشخصي أو العام ( شانهم شان كل قتيل شيوعي عراقي لن يترجل من ميدان شهادته حتى ظهور مناد بالحق الشرعي له .. ومن خارج اطار حزبه الشيوعي العراقي !!)
ولا صغرا بالسيد حميد مجيد موسى الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي الذي ( يستحي ) من المطالبة بدماء هؤلاء الشيوعيين المغدورين حرصا على ( المصالحة الوطنية ) كما ظل يحرص أسلافه على ( الجبهة الوطنية ) ..ويدفعون المغدور اثر المغدور ...ولا _مصالحة – في آخر الحكاية ...ولا جبهة ....ولا ذكرى لمن غدروا :
فالنصر معقود بمقعدين في البرلمان ...ووزارة لا تساوي قيمتها ...(.طمغة ) مختار حي الطرب ...
.....................
هذا هو الجاني ..واضحا وممثلا بأعلى سلطة في البلاد ...
وهذا هو المجني عليه ..حر ...وممثل بالبرلمان والوزارة ....وأشياء أخرى !
وهذه هي الجريمة واضحة التفاصيل والشهود ..
فلم الصمت ؟...ولم التكتم على هذا الملف الذي سيظل شوكة في التاريخ السياسي للجاني وللمجني عليه بصفتيهما الرمزيتين ......؟؟
(
قبل يومن اجتمعت قيادة رمز المجني عليه ....بالرمز الجاني ......وقال البيان الرسمي :
إن الحديث تناول الوضع الأمني والسياسي في البلاد ....المقصود طبعا هو الوضع الحالي !!!
والى الجحيم .....أيها الشيوعيين المغدورين في سالف الأزمان !!!

ويقال لك لماذا انفضت جماهير اكبر حزب جماهيري عن العمل الحزبي ؟؟؟؟
إن كان أكثر من ثمانين شهيدا ..من نخب شغيلة اليد والفكر يغيبون كالنعاج في ليل الذئاب
ويذهب ذوي القطيع ( وأسفا لهذه الصفة التي لابد منها في زمان النطائح والمتردين ) إلى الذئب ...متداولين سبل تعزيز الديمقراطية ؟؟
فاي ابن طرطور يؤمن ذريته بعد المقتل (وديعة) لرفقة سريعي النسيان ....والهذيان ؟؟؟؟!!!
....................................
احد ما مجرم !!
...
يتحمل وزر أكثر من ثمانين ضحية من نخب اليسار الثوري :

أما المتهم حينها بالجناية ...وهو الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمهورية ..........
أو :
قائد هذه الكوادر!!!

الذي ربما يكون قد أودى بها للتآمر .كما قد يدعي الجاني!! .
..
ولهؤلاء قيادة حزبية معلنة ...وممثلين بالبرلمان والحكومة الحالية ....

افتحوا ملف بشت آشان لينال المجرم بحق أكثر من ثمانين ضحية عقابه العادل ..

اعرف أن دم الشيوعي في العراق وعبر كل تاريخه ارخص من دم خروف بالنسبة لحزبه !.... ..كما تثبت وقائع الأيام ..
لذا فأنني لن أطالب بدماء ضحايا بشت اشان من الحزب الشيوعي الحالي

بل أطالب المحامين المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني التي تدعي الاستقلالية بدماء هؤلاء الأبرياء ...

افتحوا الملفات :
وليقل االمتهم بهذه الجناية (وهو رئيس جمهوية العراق الان .. وحقوقي مرموق قبل ذلك ....ان كان بريئا ):
إنهم كانوا خونة فنالوا جزاءهم العادل !!
او فليطالب بالحق الشخصي ذوي المجنى عليهم باعتباهم ضحايا جرائم قتل عادية لا سياسية !!!
(
ولا حول ولا قوة إلا بالله)


أنهم كانوا مغدورين وينبغي أن ينال القتلة جزاءهم العادل مهما كانت مناصبهم .......
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
اليوم بدأت محاكمة عدة مسئولين كبار في النظام السابق بتهمة إعدام سبعة أفراد كانوا يعملون بالتجارة ,...

عدد ( المعدومين ) في بشت اشان ....يتجاوز الثمانين ....مثقفا .....وتكنوقراطا !!!!!!

العنصرية بعينها أن تفرق بين الموتى ....أقياما ومقاديرا....


**************

بشتاشان ذاكرة التاريخ

خالد صبيح

 

في الأول من ايار أبّن الأنصار الشيوعيين وأصدقائهم، في غرفة المحادثة ينابيع ـ على شبكة الانترنيت ـ شهداء معركة بشتاشان التي تصدى فيها أنصار الحزب الشيوعي العراقي قبل ثلاث وعشرين عاما لعصابات الاتحاد الوطني الكردستاني التابعة لجلال الطالباني (رئيس جمهورية العراق الحالي) المتعاونة والمسنودة مع/ ومن قوات النظام ألبعثي ( ألصدامي) حينذاك، في معركة غير متكافئة اتسمت بالغدر( وليس المباغتة) وروح الحقد العنصري.

وما ميز تأبين هذا العام، وهو الثاني، هو التنظيم الجيد والإعداد والتهيئة المناسبين، وهو أمر افتقده تأبين العام الماضي، الذي شكل المحاولة الأولى ، شبه الرسمية ، لإخراج ذكرى هذه المعركة من زاوية النسيان المراد ، لأسباب سياسية انتهازية ، حشرها بها. إذ شاب ذاك التأبين نوع من الارتجال والبكائية التي لاتليق لا بالمؤبنين ولا بالشهداء.

ولأجل أن يخرج التأبين لهكذا مناسبة كبيرة، لها أبعاد وامتدادات متشعبة طالما كانت تثير إشكالات سياسية وفكرية، من المحدودية العاطفية( البكائية) كان ينبغي عليه بالضرورة الدخول، فضلا عن الذكريات الشخصية التي لاينبغي، برأيي، أن يفارقها المرح الضروري الذي طبع شخصية غالبية الشهداء، في دائرة المتابعة التاريخية للحدث والتي لامفر لها من تناول الخلفية السياسية والظروف العملية التفصيلية المحيطة به. وهذا ماحاول مديرو التأبين الوصول إليه من خلال تقديم عرض للمقدمات السياسية والظروف العسكرية التي تزامنت وواكبت تلك الواقعة. الا أن العرض الذي أحاط إحاطة جيدة بالموضوع تغاضى، ولأسباب لا تخفى، عن ذكر أهم عنصر في معالجة أي إشكال أو مأزق يقع فيه أي حزب أو قوى سياسية وهو القصور والأخطاء الذاتيين. فقد لوحظ إن من كان يدير جلسة التأبين أراد أن يبعد النقاش عن هذه النقطة مما أوقع بعض الإرباكات. صحيح أن هناك من يريد توظيف هذه المناسبة البطولية لإغراض سياسية بعيدة عن جوهر ما يجب تذكره ومناقشته،ـ وهو أمر لم يقع على أية حال ـ الا أن ذلك لاينبغي أن يمنع المناقشة الجادة للموقف للخروج بنتائج ستعمق الوعي بطبيعة الواقع السياسي المحيط بنا وتوسع أفق رؤيتنا للمستقبل.

وبالتأكيد إن إحياء ذكرى هذه المعركة وشهدائها هو أمر ايجابي يجب أن يدعم وان يحول إلى تقليد ثابت، وهي ممارسة ليست غريبة على الشيوعيين العراقيين فقد
اعتادوا على إحياء ذكرى شهدائهم ووقائع نضالهم البارزة، كما أنها ممارسة ذات أبعاد تعبوية وتربوية جيدة لأي حزب سياسي يهمه أن يكون قريب من جمهوره الحزبي، فجميع الأحزاب تفاخر عادة بتضحياتها وبطولاتها. لكن المفارقة هي أن الساكت الوحيد من بين المعنيين بإحياء هذه المناسبة ، بل المعني الأكبر بها، كان الحزب الشيوعي العراقي. فقد صمت الحزب كعادته متجاهلا هذه المناسبة ولم يقدم أي إشارة، ولو بكلمة عابرة، عنها في منابره الإعلامية العلنية. والاكثر من هذا إن الموقع الرسمي للحزب الشيوعي العراقي( الطريق)، وفي مفارقة لافتة، لم ينشر لأحد كتابه ممن اعتادوا النشر فيه مقالا(نشر في مواقع اخرى) يحيي فيه ذكرى احد شهداء بشتاشان من الكوادر الحزبية المميزة( الشهيد كاظم طوفان ). ودليل الامتناع هنا منطقي بحت فهل يعقل أن لا ينشر هذا الكاتب مقاله عن شهيد شيوعي مهم في موقع للحزب الشيوعي اعتاد النشر فيه؟!!.

إن مناقشة مايمكن أن يكون أسبابا لصمت الحزب الشيوعي العراقي تتطلب توسعا لا يتسع له المقام هنا. الا انه ينبغي التنبيه إلى أن الحزب، ومن خلال فهمنا لممارساته التنظيمية والسياسية، وبتقصي دواعي صمته المريب، يمكن أن يسعى في المستقبل للحيلولة دون استمرار إحياء هذه الذكرى في كل عام أو حصره، في أسوأ الاحتمالات، في الدائرة المحدودة الضيقة بين الأنصار القدامى وبمحافل محدودة ( غرف المحادثة مثلا) على أن لاتتبعه إجراءات وخطوات عملية كإصدار بيانات وحملات توقيع وماشاكل تؤدي إلى إحراج تحالفاته المزمنة.

لا يغفل المطلعون على خفايا وخلفيات الوضع في الحزب الشيوعي العراقي عن إن مسعى تناسي أو نسيان هذه الذكرى لاينطوي على قلق تحالفاتي فقط وإنما يتعلق بخوف حقيقي من إثارة إشكالية مسؤولية الحزب وقيادته آنذاك، التي تشكل القيادة الحالية امتدادا عضويا لها، في إدارة المعركة ومعالجة آثارها. لان هذا سيفتح، وباختصار، بوابة ستقلق وضع الكثيرين. لهذا يتوقع أن هناك نوع من القبول والحث الخفيين لأطروحة نسيان الماضي وغلق هذا الملف. وهذه ألأطروحة حين كتبت لقيت قبولا لدى الحزب(نشرت دون غيرها في موقع الناس المقرب للحزب)، لكنها، رغم نزاهة من أطلقها، تبقى أطروحة غير موفقة لأنها انطلقت بشكل أساس من رؤية خاطئة أحالت الموقف من فكرة إحياء هذه المعركة وتفعيل ملفاتها إلى عقلية الثار وهو أمر بعيد تماما عن عقل وإمكانية من يهتم بتطوير شان هذا الملف. فالسعي لمعاقبة مجرم ليس ثارا وإنما هو إجراء لحماية المجتمع وأفراده وضمان لعدم تكراره، وإلا لاعتبرنا محاكمة صدام وجلاوزته هي أيضا ثار، وينبغي، وفق أطروحة النسيان، على من يسعى لعراق جديد أن ينسى أيضا مافعله هؤلاء بحق الآخرين لان الأرضية السياسية والتاريخية المليئة بسوء الظن والتي (سادت< فيها> لغة التخوين والاتهام والاستصغار) هي ذات الأرضية التي مارس فيها النظام ألبعثي جرائمه. ثم لماذا ينبغي على الشيوعيين دون غيرهم( من أجل إزاحة التراث الاستبدادي المتراكم عن بنية الفكر السياسي العراقي الراهن) نسيان الماضي بينما لم ينس رئيس البرلمان، مثلا، ماوقع في عام 1959 وما وقع آنذاك لايرقى، في أسوأ الاحتمالات، إلى مستوى جريمة بشتاشان؟.

كما إن معركة بشتاشان لم تكن معركة عادية خاضها وخسرها مقاتلون وطنيون ضد مرتزقة عنصريين لينتهي أمرها بالنسيان. فهي معركة حركت كوامن الوضع الداخلي للحزب الشيوعي العراقي وفتحت فيه بوابة التساؤلات المرة. لأنها استتبعت على خلفيتها داخليا ممارسات قمعية واسعة أدت فيما أدت إليه إلى تصفيات جسدية واعتقال وقمع ومصادرة لكل الحقوق الحزبية وغيرها للكثيرين، وهذا أمر مفصلي ومهم يتجنبه البعض بإصرار. وهي كذلك معركة لاتزال مفاعيلها السياسية وعناصر تحريكها قائمة سواء على شكل أفراد وتنظيم أو على شكل عقلية ونمط تفكير. ونسيانها وغلق ملفها سوف لن يؤدي سوى لاستمراء القتل والتصفية السياسية وتزكية لكل فعل إجرامي قادم ومستقبل العراق (يبشر!!) بأنواع من الفاشيات سيدوخ التاريخ في توصيفها. ثم إن تفعيل هذه الذكرى وتنشيط فعاليات هذا الاستذكار هما لدواع تستهدف توعية الجماهير واطلاع الرأي العام ونخبه بما يستبطنه أدعياء الوطنية والديمقراطية من ساسته الحاليين من عقليات القمع والكراهية العنصرية.
وأخيرا، وهو الأهم، كيف يغلق ملف لم يعالج أصلا؟

على الضفة الأخرى لهذا الموقف طرح بإلحاح وجدية في ذكرى إحياء هذه المناسبة، رأيا عمليا وهو إدانة الجريمة وتقديم مطالبة رسمية للطالباني، باعتباره المجرم الأول في هذه الجريمة، بالاعتذار وإنصاف الشهداء. وهذا موقف عملي يستحق الدعم ولكن هناك فاصلة مهمة فيه هي عدم قدرته على تحديد الجسد الحامل لهذه المطالبة، ودار نقاش حول من سيكون هذا الناقل أو الممثل، هل سيكون من المشاركين في التأبين أم من الأنصار وباسمهم، ولم يجرؤ احد على تحديد الجهة المسؤولة مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن حمل هكذا مطالب وهي الحزب الشيوعي العراقي، على الأقل لأنها مطالب لمناضلين ولأعضاء في الحزب. وأكيد أن الجميع يدرك من أن حمل الحزب لهكذا مطلب سيمنحه( الحزب) مصداقية أمام أعضائه وأصدقائه، ويضيف ثقلا للقضية المثارة أمام الهيئات الاجتماعية والسياسية. لكن ماهو أكيد أيضا هو أن الحزب، في وضعه الحالي، سوف لن يحمل هكذا مطلب ولن يدعمه،هذا إن لم يحاول إعاقته. من جانب أخر، يعرف الجميع كذلك أن ليس هناك من يستطيع انتزاع اعتذار أو إنصاف للشهداء، نحن بكل الأحوال في غنى عنه، من الطالباني المحصن بلا أخلاقيته وبحزبه الفاشي وبالحماية الأمريكية، الا أن ذلك لاينبغي، برأيي، منع أصحاب الضمائر الحية والحريصين على بناء عراق خال من عقليات القمع والقسوة والعنصرية عن حمل ملف بشتاشان ووضعه أمام هيئات الرأي العام العراقي والعالمي وفي ذاكرة التاريخ.


5-5-2006

 

**************

 

حالة انسانية ........ في ذكرى الشهيدة عميدة عذبي

كامل الشطري

2006 / 5 / 17

 

طقس مشمس و جميل من ايام فصل الربيع ، تغريد وعطر وحياة بعد موجة برد من شتاء المنافي الباردة الطويل، كان اليوم....استراحتي من آلة العمل الطاحنة . انة ..... يوم التحرير من النازية. جلست امام التلفزيون اشاهد و اسمع أخبار الوطن الجريح و ما آلت الية الاحداث ، احداث العراق المذبوح لمغدورالذي يقاتل الاعداء بسيف معثوث منخور و كعادتي بعد الاستماع الى نشرة الاخبارأعود الى حالة الكآبة و الانزواء و الاحباط التي لازمتي منذ فترة طويلة متخبطآ شاردآ ، تساورني الافكار و الهواجس و الشكوك، تمتد بداخل اعماقي ذكريات الماضي البعيد اعود معها الى سنين العمر الذي فات في منافي الغربة والضياع انتابني شعورغريب و حزن عميق اتسائل عن رحيق العمر الذي فقد شذاة و هجرتة الفراشات دون وداع وأحلام الشباب لآمال اصبحت سراب وضرب من الخيال، شدني الشوق والحنين الى امي ، الوطن، شهرزاد الاهل و الاصدقاء. يشدني بقوة كالام التي تنتظر عودة وحيدها المقاتل،عيناها شاخصتان نحو الطريق تردد مع نفسها عَلّهُ يعود و لم تدري ان المنايا سبقتها و القدر المحتوم ، احسست بشىء يضغط على صدري يكتم انفاسي، فكرت سريعآ بعمل ما صعدت الى شرفة الدار تنفست هواءآ نقيآ متجددآ لا زفير فية عادت اليّ انفاسي ، جلست على الكرسي للراحة بعد أن احسست برائحة الموت تطرق بابي ، نزلت الى الصالة ثانية لإحضارشيء ما تدفعني الرغبة الية وجدت فية علاجآ للروح في سهر الليالي ، سلوة لضعفي وتخفيف آلامي اخذت شيئآ باردآ ، صعدت الى شرفة الدار، جلست وحيدآ اتأمل حركة السفن واعيدُ شريط الذكريات ، مع الوقت شعرت بشيء ما يدغدغني ، يدب في جسدي يحفزني ، يدفعني ,بعده هزني الشوق الى ايام الصبا و الشباب ، الى الاهوار و بساتين النخيل , الى الفقراء و الكادحين الى طيبة العراقيين و نسائم رائحة العنبر و هيل الدواوين و الى داخل حسن وصوته الملائكي " زاد روحي في غربتي واحزاني" قلت مع نفسي، ها قد اكتملت عناصر ضعفي واسأبدأ انة........ يوم راحتي والنسيان يوم تخفيف الآلام ,ارخيت لروحي العنان استمع باصغاء الى صوت داخل حسن ( الغيبه طالت يسعد يبوية ) كان صوته يمزق القلب و يُقَطّع الاحشاء يعود بيّ الى زمن الزعيم و الثورة و الثوار و الاهوار و الانصار ومذابح الاحرار، بقيت على هذه الحالة في شرفتي مع داخل حسن و شيء بارد حتّى الغروب ، عانقتْ الشمسُ البحرَ ترسم لوحة ميخائيلية رائعة الجمال ، امتد خيالي بعيدآ اراقب حركة ألسفن و الصيادين و صفارات الانذار و مناراة المراقبة و قلعة قديمة على رأس جبل تحكي قصص القراصنة وغزوات الحروب القديمة بدأ الليل يرخي سدوله و الشمس تغيب و تبتعد في الافق رويدآ رويدآ حتى نقطة التلاشي . استفزني غروب الشمس ومشهدها الجميل ، فكرت كثيرآ، في شروقها و غروبها. في النهارو ضجيجه والليل و ظلامه و سكونه. بقيت في الشرفة جالس اعيد شريط ذلك المنظرالذي سلبَ مني دوران رأسي نظرت بدهشة وانبهار الى غروب الشمس الليل يزاحمني و يضايقني بظلامة، يحجب عني كل شيء جميل لكني تمسكت بسلوة ضعفي و تخفيف آلامي..... داخل حسن وشيء بارد ، قاومت اندفاع الليل و سكونه، سألت نفسي عن سر وجودي ها هُنا منسيآ في شرفتي هذه غريب وحيد لاجليس و لانديم، احدث نفسي اعاتبها و اتسائل بعد ان زاد الدبيب في جسدي وعجزت اطرافي عن حمله اردد مع نفسي هل فعلا تحولت من س ....الى......فيلسوف في سرمدية الحياة وسر الوجود ام هذا مجرد هذيان بعد انكشاف الليل ليس لة وجود. صدقت نفسي اني اطلقت العنان لروحي و اجنحتي طرت محلقآ في اعالي السماء ، تذكرتها شهرزاد جميلةُ الجميلات خيالها عني لايغيب, نويت الرحيل لملمتُ اشيائي، حملت امتعتي بحثآ عنها على امل اللقاء، تذكرت ايامها احلامها كانت مهرجامح يسابق الريح تحمل بين كفيها هموم الوطن الجريح و معاناة شعب على الظلم و الذل لايستريح ، كانت بعمر الزهور تحلم احلام النساء ترفض الذل و مساومات الجناة، تطالب بالمساواة للجميع.قتلوها .... اوباش العصر في منتصف الطريق رحلت شهرزاد غابت شمس الشموس دون لقاء لاتملك من زينة النساء غير بندقية للوطن و وردة حمراء للعمال و الفقراء واغاني للناس و الشهداء.


*
عميدة عذبي مهندسة زراعية،عراقية مندائية كانت بعمر الزهور تحلم بوطن حر وشعب سعيد
لبت نداء الوطن وحزبها الشيوعي العراقي و التحقت بحركة الانصارالشيوعيين سقطت شهيدة غدرآ
في موقعة بشتاشان في اقليم كوردستان-العراق في 1-5- 1983

 

**************

 

ربع قرن ومجرم بشتآشان طليقا ..بل ونصب دمية صهيونية برتبة - رئيس- وسط تهليل حفنة من خونة الشيوعية : فما العمل؟

صباح زيارة الموسوي

2008 / 4 /30

لم لم يلقى القبض على المجرم جلال الطالباني ؟

ماهو سر الصمت الدولي على جرائم قربة الفساء - الطالباني؟

ماهو سر عدم تحرك ذوي شهداء بشآشان لمقاضاة قاتل بناتهم وابنائهم؟

اين هي منظمات حقوق الانسان من هذه الجريمة البشعة؟

ما الذي حل بمنظمة الانصار؟ أم أن مائتي دولار شهريا كانت كافية لاخراس الانصار وتحويلهم الى جحوش؟

اين هي ضمائر رفاقهم ورفيقاتهم من هذا الاهمال المريع؟

هل اصدار البيانات وكتابة المقالات في ذكرى الجريمة كافيا ؟

ما هو الوصف المناسب لخونة الشيوعية وهم يحتفون بقاتل رفيقاتهم ورفاقهم المجرم الطالباني؟

ما هو الوصف المناسب لخونة الشيوعية وهم يصافحون يد القاتل الباردة بحرارة وامتنان؟

ما هي الصفة التي تليق ب " نصير" يسطر المقالات فخرا بعشاء على مائدة المتصهينة حرم المجرم قاتل اخته شخصيا؟

ما هي الصفة " الشيوعية" التي تليق ب " نصير" يتسابق للاشتراك في وفد الحزب " الشيوعي"لتهنئة برميل الدم الطالباني قاتل اخوين له في مجزرة بشتآشان؟

ماهو شعور الاسطبل الامريكي والحكومة العميلة وهما على علم بأن " الرئيس" مجرم من الطراز الاول؟

اين هو القاضي رزكار من هذه الجريمة البشعة؟

اين هو القاضي رؤوف من جريمة بشآشان؟

اين هو القاضي العريبي من "الرئيس" القاتل ؟

اين هو المدعي الدعي المنافق جعفر الموسوي من هذه المجزرة ؟ ام انه لا يعلم بأن المجرم جلال الطالباني ما هو الا الوجه الاخر للمجرم المشنوق المقبور صدام حسين ؟ فأن كنت تعلم فتلك مصيبة وان كنت لا تعلم فالمصيبة اعظم

اسئلة كثيرة قد لا تنتهي , لكن السؤال الراهن هو : هل نكتفي بأحياء الذكرى على قاعدة اضعف الايمان؟

الجواب قطعا لا .. بل ينبغي تشكيل لجنة قانونية لاتخاذ الاجراءات اللازمة المفضية الى تقديم المجرم الطالباني وعصابته الى المحكمة لينالوا العقاب اللازم مهما طال الزمن فجريمة بشآشان لا تسقط بتعاقب الايام والشهور والسنين

فلنجعل من ذكرى مرور ربع قرن على جريمة بشتآشان منطلقا لنشاط واسع ومنظم ,عراقيا وعربيا ودوليا ,من اجل احقاق الحق بمعاقبة هذا المجرم على جريمته الكبرى بحق خيرة بنات وابناء العراق .. شهداء بشآشان

ان الواجب الوطني والاخلاقي يلزمنا بكشف هوية القاتل الى الشعب العراقي , ليعلم هذا الشعب المظلوم ونعلمه, بأن قربة الفساء المنصبة عليه بحراب الاحتلال " رئيسا" ما هو الا مجرم محترف امتهن التهريب وسفك الدماء

لقد قمت ورفاقي بأداء جزء من هذا الواجب حين كرسنا العدد الرابع من صحيفة اتحاد الشعب الصادرة في بغداد لفضح القاتل وابعاد جريمته , وكانت الصفحة الاولى كلها مانشيتات الجريمة , فما كان من عصابات هذا القاتل سوى الهرولة المرعوبة لجمع ما يمكن جمعه من نسخ الصحيفة , وتطويق المطبعة يتقدمها ادلاء "انصار" الامس جحوش اليوم من خونة الشيوعية. لكن بعد فوات الاوان, فالصحيفة وان توقفت بعد هذا العدد فقد اخذت طريقها الى كل المدن العراقية دون استثناء , بل قمنا بتوزيعها بأنفسنا في كل ساحات وشوارع بغداد الرئيسية - الصحيفة مرفقة للاطلاع

نعود ونسأل في هذه الذكرى الجليلة .. ما العمل؟

ان المسؤولية الرفاقية والوطنية والاخلاقية تلزم كل واحد منا , بالاجابة المحددة عن ما يكمن ان يقوم به شخصيا لايصال هذا المجرم الى قفص العدالة , وانا هنا لا اقلل من اهمية الكتابة والاستذكار , بل اعتبره كما اسلفت من اضعف الايمان!! , غير ان حق الشهداء المغدورين يضع على عاتقنا واجبا لابد من اداؤه كل حسب قدراته , وعليه اعلن من جهتي عن الاجراءات التي قد قمت بها والمتمثلة بالاتي

اولا : الحصول على موافقة منظمة محامون بلا حدود على رفع الدعوة ضد المجرم الطالباني

ثانيا: ابلاغ عدد من الرفاق الشهود بأهمية التطوع للادلاء بشهادتهم

ثالثا : الطلب من رفاق الشهداء باهمية تطوع رفيق يجيد اللغة الانكليزية ورفيق يجيد اللغة الفرنسية ليكونا لجنة ارتباط بين منظمة محامون بلا حدود واصحاب الدعوى

رابعا: توجيه نداء لذوي الشهداء لتقديم الدعاوى

لقد ابلغني رئيس منظمة محامون بلا حدود بأن موفدا من قبل المجرم جلال الطالباني قد زاره بعد تسرب المعلومات عن نيته في رفع الدعوى ضده عارضا عليه بالنص (ان الرئاسة تكن لكم كل الاحترام ومستعدة لتلبية جميع طلباتكم) وما جرى بعد هذا (العرض - الرشوة ) ليس للنشر راهنا


ايتها الرفيقات العزيزات
ايها الرفاق الاعزاء
يا اهالي واصدقاء شهداء بشآشان

اني ادعوكم جميعا للتعهد , بل والقسم بأسم شهداؤنا الابطال في ان نجعل من ذكرى مرور ربع قرن على الجريمة هي الاستذكار الاخير!! ما قبل ايقاع العقاب بالمجرم جلال الطالباني , ولنعزي انفسنا في الذكرى ال 26 بأن يكون القاتل قد حوكم ونال عقابه

فلنجعل من العام الحالي , عاما لانهاء ملف بشتآشان قانونيا , اما الذكرى فستبقى خالدة جيل بعد جيل

واوجه نداء خاصا لرفيقاتنا ورفاقنا على ارض الوطن بأن يحيوا الذكرى في الاول من ايار بتحويل عيد العمال العالمي الى مناسبة ترفع فيها اللافتات التي تمجد شهداء بشتآشان والمطالبة بمعاقبة المجرم الطالباني ولنشعل الشموع المضائة بأرواح شهداؤنا واحبتنا الذين قدموا حياتهم من اجل عراق حر وشعب سعيد

المجد والخلود لشهيدات وشهداء بشتآشان
الخزي والعار للقتلة والخونة المتسترين عليهم

 


**************


على ضوء رسالة كفاح أسعد خضير

فائز الحيدر

 

الى الشهداء الذين سقطوا في المعارك
الى الشهداء الذين روت دمائهم أرض الوطن
الى الرفاق الأحبة الذين ما زالوا في الذاكرة والضمير

الفقيد النصير سلام الحيدر

بشت آشان

بعد رحلة شاقة دامت خمسة وأربعين يوما" وصلنا بشت آشان في أوائل تشرين الثاني / 1982 ، تلك الرحلة الشاقة التي لا أتخيل أن ينساها أي رفيق جديد ، لقساوة أيامها ، وهي تجربة ومقياس لقوة التحمل والصبر لأي رفيق ونصير جديد .
كانت بشت آشان في حركة مستمرة يوميا" ، رفاق يبنون قاعات جديدة وحيوانات تنقل مواد تموينية لفصل الشتاء القريب ومقرات وفصائل في طور التكوين ، وكانت مقراتنا ( المكتب السياسي والأعلام والحماية ) قد أنسحبت من منطقة ناوزنك على الحدود التركية لمخاوف من تقدم القوات التركية أثر أتفاقيات سرية وقعتها تركيا مع نظام صدام حسين . أما الرفاق الذين تراكمت لديهم خبرة في العمل الأنصاري أعتبروا المنطقة غير آمنة من حيث موقعها الجغرافي المحصور بين مرتفعات ضيقة من كل جوانبها وتحاذي الحدود الأيرانية من خلال أحد أعلى جبالها وهو جبل قنديل وهو الطريق الوحيد للأنسحاب في حالة تقدم قوات معادية .

بشت آشان قرية صغيرة مهجرة . تحولت بمر الأيام الى مركز ثوري للأنصار الشيوعيين مما حفز الأهالي على العودة لها لفلاحة الأرض والأهتمام ببساتينها العامرة ، تحولت هذه القرية المهجرة الى خلية نحل ، بناء قاعات ، مفارز قتالية ،خدمات طبية ، أجتماعات حزبية وعسكرية ، ندوات ثقافية وأذاعية , عندما أكتملت زينة بشت آشان وتوسعت بأبنائها وبأنصار الحزب الشيوعي العراقي أحتضنها السكان وفرح بها الأنصار ولكنها بدت مخيفة للنظام الدكتاتوري والفاشيون من الأتحاد الوطني الكردستاني وقرروا منعها من النمو . في بشت آشان تجسدت البطولة وغرفة العمليات التي تدفع المفرزة تلو المفرزة نحو مقرات السلطة ومرتزقتها ، ذلك الموقع الذي عجزت قوات السلطة وطيرانها عن أزاحته من تربته العراقية ... تحول الى جريمة سوداء بعد أن مرت مفارز الأتحاد الوطني الكردستاني من أمام ربايا ومعسكرات الحكومة وبالأتفاق معها ! وبقوة تفوق قوة الموقع عشرات المرات وبعد أن رسم وخطط للعملية النظام الدكتاتوري قبل مدة من بدأ العدوان .

كان السكون يسبق العاصفة لتلك الأيام من نهاية شهر نيسان من عام / 1983 وكل منا يتوقع بأن أحداث لا تحمد عقباها ستحصل . وكان توقعنا في محله ، ففي 26 نيسان أطلقت مدفعية خفيفة عدة قذائف على مقراتنا ، حيث جرح فيها النصير الشهيد أبو ماجـد من فصيل الأدارة في كتفه ، وكنا نعتقد بأن الجحوش يودون جس نبض قواتنا وتحديد أماكن المقرات المتواجدة من خلال سقوط القذائف وهو ما يسمى عسكريا" تعيين الأحداثيات . ذهبت مع النصير ملازم قصي وعدد من رفاق فصيل بولي الى الأماكن التي أطلقت منها القذائف وكانت تبعد عن مقراتنا ثلاث ساعات سيرا" تقريبا".

لم يخطر في بال أحد من القيادة أو أي رفيق بأن قوات كردية حليفة ( الأتحاد الوطني الكردستاني ـ أوك تستعد لشن هجوم واسع على مقراتنا في بشتآ شان . كان الحزب في تلك الأيام يستعد للأحتفال بمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من آيار . كان الرفيق عماد الطائي يفترش سقف مقر سريتنا ويرسم جدارية كبيرة على القماش . ولرفع المعنويات وزيادة روح المتعة والمرح كان الرفيق طبيب الأسـنان أبو بـدر مع عـدد من الرفاق يرفعـون الأعـلام الحمـراء مرددين الأغنية الرمضانية (ماجينا .. ماجينا حلي الجيس وأنطينا ) .

ترافقت مع تلك الفعاليات خطوات أقدم عليها رفاقنا في مكتب الفوج فقد نقلت عوائل الى قرية قريبة هاجر أهلها قبل فترة من الزمن ، وتمت زيادة نوبات الحراسة الليلة ووضع فصيل بولي المتقـدم ربيئة متقدمة تحسبا" للطوارئ . في تلك الربيئة وفي الأول من مايس/ آيارسقط لنا أول شـهيد في بشت آشان وهو الرفيق المسرحي شهيد عبد الرضا / أبو يحيى الذي كان يحلم بأنجاز عمله المسرحي لتموز المجيد . حيث سيطرت قوات ( أوك ) على الربيئة في وقت مبكر وجرح أبو يحيى وعذب حتى الموت وبالرغم من جراحه أطفأت أعقاب السكائر على جسده ودفن أمام المستشفى .

في ذلك اليوم بدأ الهجوم الذي شنته قوات الأتحاد الوطني الكردستاني على مقراتنا ومن مناطق عدة محيطة ، كنا نرى بالناظور كيف كانت هذه القوات تهبط من قمم الجبال المغطاة بالثلوج الى الوادي ، ووصلت ألينا أخبار متفرقة وقليلة من هنا وهناك بالهجوم مما خلق نوع من الأرتباك بين الرفاق لكونه مفاجئ ولم يسمح لهم الوقت لترتيب الأوضاع بشكل أفضل ، حيث لم يتبين في البداية من الذي يقوم بالهجوم . أنتشر الانصار في أماكن عديدة ورابض الرفاق حول مواقع الدوشكات ووضعت كمائن متقدمة ، أما أنا فقد كنت مع بعض الرفاق في كمين متقدم قرب مقر ألأعلام من الصباح وحتى اليوم الثاني ، وعند عودتي للفصيل طلب مني الرفيق أبو آيار المستشار السياسي للسرية بالتوجه للقرية التي نقلت أليها العوائل سابقا" وذلك لعلاج أحد رفاقنا الذي جرح هناك . وصلت القرية التي تبعد حوالي الساعة عن المقر ووجدتها فارغة ولم أجد أحد من الرفاق وتبين أنهم قد أنسحبوا الى قمم الجبال خوفا" من سقـوط القذائف في الوادي والقرية نفسها . عدت الى مقر السرية ولم أجد أحدا" غير الرفيق ملازم قصي الذي أخذ يناديني بصوت عالٍ ويخبرني بأن قوات أوك تتقدم وهي على بعد أمتار قليلة وطلب مني التوجه الى مقر المكتب السياسي .... كان ذلك ظهر يوم الثاني من مايس / آيار ، كان الرفيق أبو عامل في المقر وعدد من الرفاق بينهم الرفيق أبو زينب وهم يجمعون بعض الأوراق والوثائق وحاجات أخرى لحرقها . جمعنا الرفيق أبو عامل وطلب منا الأنسحاب للحاق بالرفاق الذين سبقونا وأشار الى قمة جبل بعيدة جدا" وقال أنها قمة جبل قنديل وهي هدفكم في المسير ، وبعد ساعات قليلة تبعنا الرفيق أبو عامل وبقية الرفاق بعد أن أحرقوا المقر .

بعد مسيرة حوالي الساعة في داخل الوادي بدأنا نتسلق المرتفع وننظر الى المشهد المؤلم ، طابور طويل من عشرات الرفاق يسيرون ببطئ شديد نتيجة الجوع والعطش وشعور بالأحباط ، شاهدت على الطريق الجبلي حاجات مختلفة تركها الرفاق لعدم أستطاعتهم حملها ... راديوات ، حقائب شخصية ، ملابس ، وحتى بعض الأسلحة . أتذكر الرفيق أبو علوان الذي كان يحمل سلاح الستريلا والقذائف , كان متعبا" لحد الأعياء , لم يبادر أحدا" من الرفاق بمساعدته على حمله فأضطرالى تحطيمه بالحجر ولم يصل غير سلاح ستريلا واحد حمله الرفيق أبو حسين ناصرية الى آخر نقطة آمنة وأتذكره كيف كان يروي بفخر للرفاق في القيادة كيف بوحده وبدون مساعدة أوصل السلاح بأمان .

كانت المسيرة متعبة جدا" وكل منا يفكر متى نصل الى القمة ! ؟ بدأ الظلام يخيم على المنطقة ونحن نسمع أصوات طلقات نارية متقطعة بعيدة وضوء نيران خافتة ، كنا نلتهم الجليد الذي غطى الطريق بالرغم من شهرمايس / آيار ليروي عطشنا بسبب التعب الذي رافق مسيرتنا . ومن شدة التعب والأعياء لم ينطق أحد من الرفاق بأي كلمة , وربما لم يتسنى لأي رفيق بالنظر الى رفيقه الذي يسير جنبه وكل رفيق يود أن يسير لوحده لكثرة الأسئلة التي تشغل رأسه .
أتذكر تناوب أحد الرفاق مع أخيه على حمل والدتهم التي جاءت قبل أيام من الأحداث من مدينة كركوك وكانت طاعنة في السن ونحيفة ولم تطاوعها قدماها بالسير فأضطروا لحملها ، ومشهد آخر لرفيق يصرخ من التعب والأعياء بصوت عالي ، وعدد من الرفاق وصل بهم اليأس . درجات الحرارة بدأت بالأنخفاض كلما أقتربنا من القمة وأخذ البرد يسيطر علينا بسبب ملابسنا المبتلة بالعرق .

وصلنا قمة جبل قنديل الواقع على الحدود الأيرانية في الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي وبعد مسيرة عشر ساعات متواصلة . البرد شديد جدا" ، تولدت فكرة لدى الرفاق للأستراحة قليلا" فجمعـوا ما لديهم من أوراق شخصية في جيوبهم وأشعلوا النيران فيها طلبا" لدفء كاذب ولدقائق معدودة ، ولحسن الحظ لم نقع في الكمائن العديدة التي التي نصبتها قوات أوك في طرق عدة .
حدثني الرفيق أبو جعفر فيما بعد بأنه أثناء الأنسحاب تردد وأختلف مع ثلاثة من رفاق الحزب الأشتراكي الحليف بالسير من خلال أحد الطرق الفرعية وذهب وحده من طريق آخر وعلم بعدها بأن الثلاثة قد أستشهدوا بعد وقوعهم في كمين قاتل نصبته قوات أوك التي كانت تقتنص أي شخص يمر من خلال كمينهم .

بعد وصولنا قمة جبل قنديل أصبح لزاما" علينا الهبوط من ا لجهة الثانية حيث الأراضي الأيرانية وكانت سفوح الجبل هذا مغطاة بكميات هائلة من الجليد وقد ساعد هذا عدد من الرفاق بالنزول السريع . أخبرني في حينها الشهيد الرفيق الدكتور أبو ظفر ذو المعنويات العالية دوما" بأنه ساعد العديد من الرفاق ورفع معنوياتهم لمواصلة السير وسط الجليد أو مواجهة الموت سيما وأن أمامهم ساعات معدودة للوصول الى الوادي . كما أنه أنقذ الرفيق أبو ليلى السراج زميل الدراسة في الأتحاد السوفياتي حيث تخرج من معهد النفط في أذربيجان بعد أن ساءت حالته الصحية وأخذ يرتجف من شدة البرد حيث تم لفه في بطانية وسحبه من قبل بعض الرفاق بسرعة الى أسفل الجبل وتم أسعافه هناك ، كما شاهدت العديد من الرفاق وهم يتدحرجون كالكرة على الجليد .

في الساعة السادسة صباحا" كنا في أسفل الجبل ، حيث الرفيق أبو آسوس وعدد من الرفاق يستقبلون القادمين المنهكين وهم يعدون الشاي وقليل من الخبز ويعقبها أستراحة قصيرة ثم التحرك بمجاميع عدة يرافقها أدلاء يعرفون المنطقة بالسير في عمق الأراضي الأيرانية . وبعد مسيرة ساعات وصلنا الى أحدى المقرات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني الحدودية وبسيارات عسكرية كبيرة تم نقلنا الى العمق الأيراني وبأسماء كردية مستعارة حيث أدعينا بأننا من أنصار الحزب المذكور بلغ عددنا العشرات ، تحولنا الى ضيوف وشحاذين في نفس الوقت ، كنا نقف طوابير طويلة لتناول وجبات الطعام ووزعنا في بيوت القرية وهي شبه أسطبلات للحيوانات . كان السؤال المطروح من قبل جميع الرفاق ... ماذا سـيعمل الحـزب الأن .. ؟ وكم يوم سنبقى هنا .. ؟ وهل سنعود الى كردستان أم ماذا ... ؟ وكانت قيادة الحزب في حالة تشاور مستمر مع السيد مسعود البرزاني سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي زار المكان وقد ألتقيته لأول مرة .

في الليالي كنا نتحدث بما لدينا من معلومات ، وكل رفيق محمل بالعديد من المآسي عاش أحداثها أو سمعها من رفاق آخرين ويرويها بألم ومرارة وكأنها نسج من الخيال وليست وقائع عاشها الرفاق بساعاتها وأيامها . عندما ألتقيت الرفيق ملازم قصي عند رجوعي من القرية وطلب مني التوجه الى مقر الكتب السياسي توجه بدوره الى الأذاعة التي نقلت الى مكان مرتفع متقدم قبل أيام الهجوم وفجرها بقذيفة ( أر . بي . جي 7 ) ثم ألتحق مع مفرزة كان فيها أكثر من سبعين رفيقا" ورفيقة أنسحبوا من طريق آخر ولكنهم وقعوا في الأسر وكان بينهم الرفاق كريم أحمد ، أحمد باني خيلاني ، أبو آدم ، أبو عادل وملازم قصي وقد نقلوا جميعا" الى قرية ( ورته ) مقرالأتحاد الوطني الكردستاني وأدعت أذاعتهم حينها أنهم ليس أسرى بل ضيوف لدى المجرم مام جلال ولكنهم نسوا بأنهم أطلقوا النار على الجرحى ومثلوا بجثث الشهداء .

لقد أطلقوا النار على الرفيق سمير مهدي شلال / أبو تيسير المهندس الزراعي / خريج جامعة طاشقند . عندما وقع في الأسر مع بعض الرفاق كان جريحا" بعد أن أصيب بشظية قنبلة يدوية في يده ولم يتمكن من السير، أستفسروا عن الأسماء وأتصلوا في اللاسلكي لتلقي التعليمات من قيادتهم التي كانت زخة رصاص في جسده فأستشهد بطلا" أمام رفاقه ورفيقاته اللواتي صرخن بوجه القتلة ( أنذال ، فاشست ) . كذلك على الرفيق الجريح نصير محمد حسن الصباغ وهو أبن أخت الرفيق الفقيد مهدي عبد الكريم / أبو عباس حيث كنت على معرفة بأخيه الذي غرق في نهر موسكو قبل سنوات . كما أطلقوا النار على الرفيق المناضل حامد الخطيب / أبو ماجد وهو جريح وسرقوا مالية الأدارة التي عثروا عليها في ملابسه . كان أبو ماجد متحدث لذيذ المعشر ، أحد المناضلين اللذين حملهم قطارالموت عام 1963 الى نقرة السلمان وهو ضابط برتبة ملازم ثاني .

أكثر من خمسين رفيقا" ورفيقة أستشهد لنا في تلك الأيام المعدودة . أستشهد الرفيق أبو يحيى في كمين صباح بوم الهجوم بعد أن جرح وعذب وسمع صراخ مهندس أذاعة صوت الشعب العراقي سمير يوسف كامل / عمار وهو يسقط في الوادي شهيدا" وكان الشهيد كاتب قصة قصيرة وقارئا" ممتازا" وشيوعيا" متفانيا" والرفيق عماد شهيد هجول/ أبو المعالي وهو خريج بلغاريا / فرع الأقتصاد ، والشاب الوسيم توفيق وقريبه ( س ) كاتب القصة مرهف الحس ، والشاعر ( س ) . كذلك سقط الشهيد الرفيق محمد فؤاد زميل الدراسة في موسكو حيث سقط شجاعا" في المعركة ولم يستسلم وأوصى بالحفاظ على الرفيقات حتى أصابتة في رأسة رصاصة قاتلة . وأستشهدت البطلة عميدة عذبي حالوب /أحلام بعد أصابتها بساعدها ولكن نبضها ما زال حارا" حتى أطلق النار على وجهها وسلبت قلادتها وخاتم زواجها بعد قطع أصبعها ، ومن فصيل ( الكويت ) أستشهد لنا رفيقان رعد وسعد وأمر الفوج ملازم عبد الرزاق مع الرفيق مؤيد عبد الكريم الذي قاتل في صفوف الثورة الفلسطينية لسنوات وألتحق بالأنصار لأيمانه بأن قضية التحرر العربية لا تتجزأ وأن نصرة الشعب الفلسطيني وثيقة الصلة بالنظال ضد طغمة بغداد ، والرفيق رعد عبد المجيد عندما وقعوا في كمين غادر قرب مقر المكتب السياسي ولم يكن لديهم علم بأن المقر قد سقط بيد قوات أوك . ومن الفصيل المتقدم أستشهد الرفيق حمه سور آمر الفصيل العسكري ، كما روى القرويون كيف أستشهد ببطولة الرفيق ( س ) خريج هندسة من ألمانيا وهو يقاتل الأعداء من صخرة الى أخرى وجرح عدد منهم حتى حوصر وأستشهد في قمة التلة . كما أستشهد زميلي عبد الحسين خريج هندسة طيران من أنكلترا وقد سبق وشكلنا معا" لجنة لأتحاد الطلبة قبل شهر من الهجوم على أمل عقد أجتماع موسع كذلك الرفيق المحبوب أبو حنان خريج هندسة بريطانيا وقد علمنا بأن الجامعة التي تخرج منها أطلقت أسم سـلام وهذا أسمه الحقيقي على أحدى قاعات الجامعة ، وأكثر مأساوية الطريقة التي أستشهد فيها الرفيقان أبو سمير ورفيق آخر من مدينة السماوة وهما من الكوادر الحزبية وقد وصلوا قبل أيام من الهجوم حيث أستشهدا بطلقات الدوشكا التي تركها الرفاق في أماكنها ولم يطلق منها ولا طلقة واحدة ، كما لم يبادر رفاق الحراسة عليها ولربما نتيجة الخوف والأرتباك من نزع قطعة الزناد الصغيرة والتي تشل السلاح تماما" أذا سحبت منها ، فعندما كنا نتناوب الحراسة على سلاح الدوشكا نتركها مساء" بعد ان ننزع منها هذه القطعة .

عندما كنت في فصيل دراو السفلى وبعد فترة من الهجوم أخبرني الرفيق خالد عرب بأن أحد القرويين الذي كانت لنا علاقات طيبة معه ويسكن بالقرب من مقرنا أخبره بأن الجلاليين وضعوا جثة أحد الرفاق الشهداء على صخرة للتهديف عليها وبالتناوب أخذوا يطلقون النار عليها من مسافات قريبة وهم يمرحون ويرقصون فرحين وكأنهم في مسرحية ، كذلك أخبر الرفاق بأنه قد أخفى أحد الرفاق في بيته بعد أن ظل طريق الأنسحاب و لمدة ثلاثة أيام وكان الرفيق متتردد بالأستسلام وألقاء السلاح ولكن القروي أقنعه بأنه سوف يضمن سلامته وأخبر الجلاليين وتوسل أليهم بالمحافظة على حياته فخدعوه بأنهم سوف يأخذونه أسير ولكنه مجرد ألقاء سلاحه أفرغ أثنان كامل عتاد رشاشاتهما عليه وواصلوا أطلاق النيران بالرغم من أستشهاده وسقوطه على الأرض ولم يكتفوا بذلك بل جاء ثالث مسرعا" بعد أن سمع أصوات الرصاص وعندما علم بالموضوع أفرغ طلقات أخرى عليه وبصقوا على القروي الكردي لايواءه العربي حسب قولهم وقد دفنه القروي قرب داره .

لم نعلم في البداية من هو هذا الرفيق ولكني أخبرت الرفيق ملازم قصي وقد وافقني في الرأي بأنه الشهيد أبو علي / أحسان الهاشمي خريج زراعة بغداد ، الرفيق الهادئ الوسيم ألأشقر وكنا معا" في القامشلي عدة أشهر أستعدادا" للدخول الى كردستان وكانت قد أنقطعت أخباره ولم يشاهده أحد أو يسمع عنه أي خبر . ....ستبقى بشتآشان ذكرى أليمة في تأريخ حركة الأنصار حيث فقدنا في أيام قليلة رفاق رائعون .... فقدناهم الى الأبد .

حملة تضامن واسعة عربية ودولية ساندت حزبنا وأدانت الأعتداء على مقراته وبقية الأحزاب الكردية ونشروا ما طبعه حزبنا من وثائق وكراريس تحمل معلومات حول الأحداث في بشت آشان ، كما أصدر الحزب كراسا" يصور الشهداء الذين دافعوا عن مقراتنا ونبذة عن حياتهم وكتب الرفيق زهير الجزائري في حينها مذكرات حول الموضوع على أمل نشرها في كتيب ولكن الحزب لم يسمح بنشره وتوزيعه لأن العلاقات مع أوك قد تغيرت ولم يرغب الحزب بخلق حساسيات جديدة ، وقد سنحت لي الفرصة بقراءة مسودات هذا الكتاب وهي أنطباعات حقيقية لرفاق ورفيقات عايشوا الأحداث وتكلموا عنها بمرارة وألم .

لقد تبين فيما بعد بأن قوات أوك كانوا بحدود 1700 مقاتل معظمهم حملوا سلاح B K C وهو سلاح ذا مدى بعيد زودهم به النظام الدكتاتوري أضافة الى تسهيلات المرور جنب الربايا وتزويدهم بأجهزة المخابرة والعتاد وفق الأتفاقية السرية المعقودة بين الطرفين .
أما قواتنا فكانت بحدود 300 رفيق ورفيقة بما فيهم الرفاق في القيادة والعوائل والرفاق المرضى وهم تحت العلاج في المستشفى ، أضافة الى أن معظم الرفاق لم يدخلوا معارك حقيقية ولم تكن لديهم خبرة في القتال الأنصاري بعكس قوات أوك المتمرسة بالقتال منذ سنوات وكانوا يعرفون المنطقة ومداخلها معرفة جيدة وهم مزودين بأسلحة حديثة .

قسم من رفاقنا كانوا قد وصلوا كردستان من الخارج خريف عام / 1982 ولم تتسنى لهم فرص التدريب في دورات عسكرية وكان من المقرر أن يتم تدريبهم في صيف السنة القادمة في دورات عسكرية خطط الفوج لها . ولم يكن في الفوج حسب ما أذكر سوى جهاز أتصال واحد وهذا سبب أشكالا" كبيرا" في تبادل المعلومات والأخبار بين الفصائل وأنقطعت الأتصالات فزادت الفوضى لعدم وجود الأوامر العسكرية ، أضافة الى منطقة بشت آشان وصلنا منذ فترة رفاقنا من ناوزنك على الحدود التركية بعد لأنسحاب منها ولم يكونوا على دراية بالمنطقة بشكل جيد ولا مداخلها وطرق الأنسحاب منها ، أضافة الى أن الكثير من الرفاق تحدثوا في وقت سابق عن عدم صلاحية الوادي مقراتنا . أضافة الى هذه الثغرات كانت قيادة الحزب تولي ثقة عالية بالأحزاب الكردية وخاصة أوك . أتذكر أن الرفيق أبو أحلام آمر فصيل بولي أوقف قبل يومين أو ثلاثة من الهجوم عدة سيارات محملة بقوات أوك وكان يقودها م. فاروق أحد قيادي أوك ومنعهم من المرور بل هددهم بضرب القوات وكانت قواتنا قد أحتلت كل القمم والمرتفعات القريبة ، وأخبر فاروق أبو أحلام بأن قواته ذاهبة الى السليمانية ومع ذلك رفض أبو أحلام مرورهم فأتصل فاروق بالرفيق كريم أحمد الذي طلب من أبو أحلام بالسماح لهم بالمرور ومع الأسف كانت هذه القوات هي القوة الأساسية بالهجوم على مقراتنا حيث عبرت من الجهة الثانية . لذلك لم تشك قيادة الحزب بأوك وقبل شهرين كان الحزب مشغولا" بأعداد موائد الطعام للحزبين الكرديين في مسعا" منه لفض النزاع المسلح بينهما ، في حين كان مام جلال يوقع على الأتفاقية السرية مع الطاغية صدام .

لقد كتب المناضل الثوري ( تشي جيفارا ) في الصفحات الأخيرة من مذكراته قبل ألقاء القبض عليه وعلى رفاقه بعد أن ألتقى مع أمرأة طاعنة في السن ترعى الحيوانات في الغابة بأنه على يقين بأن هذه المرأة سوف تخبر الأعداء على مكان تواجدهم بمجرد أعطائها قطعة من النقود لأنها لا تعرف بأننا نقاتل من أجل سعادتها ، وقد أيقن ( تشي ) حينها بأن الوقت لم ينضج لبدء بؤرة ثورية جديدة .

لقد أستقبل أهالي بشت آشان الجلا ليين بالهلاهل والترحيب وبقيت جثث رفاقنا مرمية لأيام عديدة بالعراء . كم ساعد الرفيق الدكتور الشهيد أبو ظفر هؤلاء القرويين بالعلاج والأدوية المجانية ، وهل يعلمون بأن لدى رفاقنا نية لفتح مدرسة لتعليم أولادهم ومستشفى كبير بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وفعلا" تم أعلام رفاقنا الأطباء في قواطع أخرى بالتوجه الى بشت ئاشان ولكن الأحداث أجلت ذلك .

لقد ذكر رفاقنا بعد فترة بأن أكثر من جاسوس ومندس كانوا يعملون لأوك وكانوا يرسلون المعلومات والأخبار عن تواجد مقراتنا والأسلحة وأماكن الدوشكا ليس هذا فقط بل وكما يقال شر المصيبة ما يضحك كان آمر حضيرة فصيل مدفع الهاون من عناصر أوك وكذلك النصير صوفي وهو ملتحق أيضا" قد ألح على الرفيق ملازم قصي بالسفر الى أهله بحجة الزواج وتبين بأنه على علم بموعد الهجوم .

شهداء بشت آشان
ـــــــــ معذرة لأرواح الرفاق الشهداء الذين لم تسعفني الذاكرة بتذكر أسماء من
لم يرد في القائمة أو ألتباس في الأسم أو مكان الأستشهاد : ــ

عميدة عذبي حالوب / أحلام منير رمزي يونس
بهاء الدين أحمد مجيد رسن / حميد
محمد فؤاد هادي /أبو طارق عبد الوهاب عبدالرحمن سالم / أبو هندرين
سلام شهاب أحمد /أبو عادل باسم محمد غانم الساعدي / أبو صلاح
شهيد عبد الرضا / أبو يحيى علي جبر / عادل بهديني
سمير يوسف كامل / عمار سمير عبد الحسن / أبو صابرين
ثائر عبد الرزاق أحمد / سعد وهاب عبد الرزاق / ملازم حامد
يحيى حسن مرتضى / رشدي صلاح حميدي / أبو مهدي
الدكتور بهاء....... / طارق د . سلمان جبو
سيدو خلو اليزيدي / أبو مكسيم سمير مهدي شلال / أبو تيسير
هيوا نائب عبد اللة نصير محمد حسن الصباغ / أبو نادية
نعمة فاضل / أبو سليم رسول صوفي / مام رسول
سرباز أحمد ملا قادر عطوان حسين / أبو علي
رعد يوسف عبد المجيد / ابو بسيم حسين محسن سعيد العباس / أبو خليل
عبد الأمير عباس علي / سمير عبد الحسين أحمد / أبو سمير
كاظم طوفان / أبو ليلى ناصر عواد / أبو سحر
طارق عودة / رعد نزار ناجي يوسف / أبو ليلى
قيس عبد الستار القيسي / أبو ظفار مؤيد عبد الكريم / حامد
جعفر عبد الأئمة / أبو ظفر جبار شهد / ملازم حسان
صامد أحمد الزنبوري / أبو خلود أنور حاج عمر / رستم
أحمد عبد الأمير مرتضى / أبو سلام غسان عاكف حمودي / الدكتور عادل
حسن أحمد فتاح ماموستا دارا رشاد عباس حسين / أبو توفيق
هيوا مقديد عمر / بختيار علي حسين بدر / أبو حاتم
هاشم كاظم محمد / أبو محمد محمد صالح الساعدي / أبو وطفاء
علي عبد الكريم النعيمي / عبير عيسى عبد الجبار / سلمان
حامد الخطيب / أبو ماجد سعد علوان هادي / أبو صوفيا
شهيد فؤاد سربست محمد صالح ئازاد ئاغوك نادر / له زكين
أبراهيم عبد اللة شمسة / أبو يوسف حسان عباس الهاشمي
دارا حسين شريف / قاره مان خالد كريم علي / هيمن
محمد أمين عبد اللة / دهشتي أحمد بكر أبراهيم / هاور
عطوان حسين عطية / أبو علي مازن محي الدين كمال الدين
زهير عمران موسى / سليم
عماد شهيد هجول / أبو معالي


بعض الرفاق الذين أستشهدوا على يد عصابات أوك في معارك متفرقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحسان عباس الهاشمي
دارا حسين شريف / قاره مان
خالد كريم علي / هيمن
محمح قادر محمد
آزاد عزبز صالح
خليل رضا كبابجي / بيستون
فاخر محمد حسن
آزاد رضا أغجله ري / آرام
ماموستا قادر
شهيد فؤاد سربست محمد صالح

ملاحظة
ـــــ
1 -
س .... أسماء لرفاق لم تسعفني الذاكرة لمعرفة أسمائهم
2 -
بشت ئاشان هي الحلقة السادسة عشر من سبعة عشر حلقة عن حركة الأنصار . لقد كتب النصير الفقيد سلام الحيدر هذه المذكرات بكل أمانة قبل أشهر قليلة من وفاته ولم يسعفه القدر بأتمامها وهي مساهمة متواضعة لكتابة تأريخ الحركة الأنصارية ككل ، وللأمانة التي قطعتها مع أخي الفقيد وحبا" وتقديرا" لشهدائنا الذين سقطوا على يد القتلة من عصابات الأتحاد الوطني الكردستاني في معارك بشتآشان صممت على نشرها للأطلاع عسى أن تكون يوما" شاهدا" عينيا" على القتلة .



فائز الحيدر
كنــــدا
24 / 3 / 2005
**************

 

 

التحديث اليومي- أضغط

ارشيف بلا رتوش

موقعجريمة بشـتآشان

وثائق الحركة الثورية

اصدارات اليسار العربي الثوري

كتاب المبادرة العراقية

بيانات

ارشيف صحيفة اتحاد الشعب

ارشيف اعداد المبادرة العراقية

مواقع صديقة

حقوق الانسان العربي

 

هكذا يتم ذبح العراقيين على يد ارهابي القاعدة وفلول البعث والمليشيات الطائفية العنصرية بأمر وإشراف الأمريكيين

شاهد الصورة على الصفحة الاولى

 

 


الأخ المحترم / الأخت المحترمة

تحية عراقية خالصة

لقد كتب لنا اخوة واخوات اعزاء جوابا كريما على رسالتنا اعلاه يتضمن دعما معنويا كبيرا للصحيفة , وموافقة كريمة على نشر الكتابات.

اننا في الوقت الذي نعتز اشد الاعتزاز بهذا الموقف النبيل, نود ان نعلم الاخوة والاخوات الذين لم يتسع وقتهم لاجابتنا , باننا نعتبر عدم الاجابة بمثابة الموافقة على النشر , الا في حالة ان يتكرموا بأرسال رسالة عدم موافقة

مع كامل التقدير والاعتزاز

صباح زيارة الموسوي

صحيفة المبادرة العراقية

الموقع

almubaderealiraqia.com

المراسلة
almubaderealiraqia@yahoo.com

*************

الاخ المحترم / الاخت المحترمة

تحية عراقية خالصة

نود اعلامكم عن نيتنا نشر عدد من مقالاتكم المنشورة على المواقع الالكترونية المختلفة والتي تتوافق مع سياسة صحيفتنا , ننشرهاعلى صفحات صحيفة المبادرة العراقية , التي ارسلت اعدادها اليكم تباعا

نتمى عليكم ابلاغنا في حالة عدم موافقتكم على هذا النشر

مع كامل التقدير

صباح زيارة الموسوي

المبادرة العراقية

*************

 


 

الشهداء خالدون أبدا

 

 

الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف -فهد-

 مؤسس الحزب الشيوعي العراقي 

 وقائد ثورة العراق الوطنية التحررية

 

 

 

 

 

 

الشهيد الخالد سلام عادل 

 شهيد ثورة 14 تموز 1958 الخالدة

 

 

 

الشهيد الخالد حسن سريع

 شهيد حركة  معسكر الرشيد

الاسطورية 3 تموز 1963

 

 

 

الشهيد الخالد خالد احمد زكي

 شهيد انتفاضة الاهوار المسلحة 1969

 

 

 

الشهيد الخالد محمد الخضري

 شهيد رفض التحالف مع النظام البعثي الفاشي في 1973

 

 

 

الشهيد الخالد علي جبار سلمان 

 شهيد الصمود في وجه الحملة البعثية الفاشية 1979

 

 

 

الشهيد  الخالد منتصر رمز انتقاضة القاعدة الحزبية الشيوعية في وجه الفاشية والانتهازية

 

 

 

الشهيد  الخالد ستارغانم( سامي حركات )رمزالكادرالحزبي الثوري المقدام المنتفض في  وجه الفاشية والانتهازية

 

 

   

         الشهداء خالدون ابدا

 

 

موقع التيار اليساري الوطني العراقي

أرشيف شهداء الحرية

شهداء الحرية

 

 

 حكمت خليل محمد : ( الرفيق فهد كما عرفته وسمعت عنه ) -61عاماً على استشهاده

صدر في بغداد قبل أيام كراس بعنوان ( الرفيق فهد كما عرفته وسمعت عنه ) 61عاماً على استشهاده / فهد    النضال في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية

بقلم حكمت خليل محمد ( أبو ناظم )

وقدم للكراس السيد سالم عبيد النعمان، وأعتقد إنها مقدمة تستحق القراءة والاطلاع والتأمل :

تقديم

بقلم الأستاذ سالم عبيد النعمان

تدل الكراسات العديدة التي كتبها الأخ حكمت خليل محمد ( أبو ناظم )، عن حب وإعجاب دون إفراط، ( بفهد ) باني ومؤسس الحزب الشيوعي العراقي .

أن هذا الحب، لم يأت اعتباطاً، أنه يتم عن تقويم لانجازات ( فهد ) في بناء الحزب، ودوره في الحركة الوطنية، التي تضم قوى الوسط الديمقراطي والقومي، فكان كونفرنس الحزب الأول، الذي أنعقد في سنة (1944)، والمبادئ التي صاغها، والمهمات التي التزم الحزب بها، مناراً لمسار الحركة الوطنية .

لقد عزم مناضلوا الحزب الشيوعي، على تطبيق النهج الذي رسمه هذا (الكونفرنس)، شعاراً ونهجاً يومياً للعمل .

1)ــ نناضل من أجل سيادتنا الوطنية، لجعل استقلال قطرنا حقيقة لا لفظاً، (م2)ــ نناضل لإيجاد حكومة تعمل لمصلحة الشعب، وجهاز حكومي ديمقراطي لائق صحيح . . . . وهكذا بهذا الأسلوب، صيغت مبادئ المنهج (الخمسة عشر) فقرة، وجمعت فيها، أهداف المرحلة الوطنية التحررية، أي أهداف مرحلة الوطني التحرر الديمقراطي .

وأني بعلاقتي المستمرة (بفهد)، سواء قبل كارثة توقيفه في 18/1/1948، أو في سجنه، في سجن (الكوت)، حيث كُنت محظوظاً، لألتقي به مساء كل يوم تقريباً، لأعرض عليه، ما أنجزته ((لجنة الصحافة))، والتي كُنت مسؤولها، من تعليق على الصحف اليومية، التي تصلنا عصر كل يوم، وعلى بعض الأخبار المهمة، وكنت استمع إلى تعليقاته على هذه الصحف وأهمية الأخبار .

وبهذه المناسبة، أضيف شيئاً، عن رعاية الرفيق (فهد)، لرفاقه سواء في السهر عليهم، وتهيئة أمور حياتهم المعاشية، أو تدبير وسائل تثقيفهم عصر كل يوم تقريباً،صباحاً، يقوم بإيقاظ الرفاق المسؤولين عن اعداد الصمون، وهو يعمل معهم حتى إنضاج الدفعة الأولى من وجبة الصمون، وفي هذا الوقت يكون موعد تهيأة الإفطار، فيوقظ المسؤولين عن ذلك، ويعاونهم في تدبير ذلك، ثم يذهب إلى الفراش، بعد أن تيقن، بان كل شيء قد أكتمل .

وإنني أبقى مع الرفيق فهد حتى الساعة الواحدة ليلاً، ثم أذهب للنوم، وكذلك كان يسهر معه، الرفيق رشاد حاتم (فنان يجيد رسم الطبيعة ويصعب عليه رسم الأشخاص)، وكان فهد يقول لرشاد، لم تنجح في تصويري، فكان رشاد يتألم ويتأفف، لفشله في الرسم الطبيعي (لفهد)، وقد كان رشاد من المفرطين بالتعلق (بفهد) كأي فنان يعشق، ما يفضله على من يتعلق به .

لقد كانت المشاهد التي يمارسها الرفاق مع القائد (فهد) سواء في علاقاتهم معه أو أثناء تثقيفهم، أشبه بمدرسة حزبية على أرفع مستوى .

وأسمح لنفسي، أن أعبر مثلاً بسيطاً، على تواضع الرفيق فهد، من أمثلة كثيرة، يصعب على الشخص في تعدادها، إذ كان من المعروف، أن نحتفل في مناسبات (وطنية أو قومية أو أممية) وكانت الحفلة عادة، تبدأ بإلقاء بعض الكلمات بالمناسبة وكان الرفيق فهد، يحرص على أن يقف على آراء الرفاق، وخاصة العمال وبعض المثقفين .

وفي هذه الأثناء، رأى الرفيق فهد، بأن أحد السجناء، يرغب في إلقاء كلمة، وكان هذا السجين هو (يعقوب رحمين) وكان يسمي نفسه (جاك رايمون)، مع العلم أن (فهد) لا يستسيغ أن يغير بعض اليهود أسماؤهم، فأذن (فهد) ليعقوب، الذي كان يسعى جاهداً كتلميذ في مدرسة ابتدائية، يتسابق مع الآخرين من أنداده، في إلقاء كلمته بهذه المناسبة، وإذا به يعلن عن إيمانه، ( بالماركسية اللينينية الستالينية الفهدية )، وحالاً أوقفه الرفيق فهد، عند سماعه (الفهدية)، فقال له، أنني لست أنا، سوى تلميذاً لمنظري ومؤسسي الحركة الشيوعية، ولا أرضى أن يطلق عليّ هذا النعت العاطفي، الذي هو غريب عن المفهوم الماركسي، والذي لا أستحقه، أن الرفيق فهد، قد قال الحقيقة التي تدل على مدى تواضعه وكرهه لمثل هذه المواقف وخاصة إذا جاوزت العواطف، الحقائق الثابتة .

أكرر تقديري للأخ حكمت خليل محمد (أبو ناظم)، على هذا الكراس الذي حققه بصبر وثقة، شأن الكراريس التي أصدرها .        

 

 

 

مهدي عامل وأياره المتكرر
الكاتب/ Administrator   

21/05/2010

موقع الحزب الشيوعي اللبناني

ثلاثة وعشرون عاماً على استشهاد مهدي عامل في 19 أيار 1987 في شارع الجزائر- بيروت، برصاصات الغدر التي راحت تُغرق بيروت... جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية... في يم ظلامية ظلامييها، الذين اطفأوا مشاعلَ في دروب النضال: سهيل طويلة، خليل نعوس، حسين مروة، مهدي عامل......

وفي أيار المتكرر نعاود اللقاء مع مهدي عامل... نحاول الوقوع عليه في ذكرى اغتياله فلا نقع عليها، بل نجذب الى قهقهة أهازيج آتية من الأمام، أهازيج مناضل شيوعي يصر على اجهادنا في أثره... اجاد التسابق والدخول في الزمن المتقدم...
دأبه المشاكسة – حتى في شعره: فضاء النون وتقاسيم على الزمان- الخروج على القوالب الجاهزة المألوفة، وبمشاكسته إجترح مكونات المعرفة والمواجهة... إجترح أدوات الثورة ومنهجها من الموقع الماركسي بالذات.
وفي ذكرى استشهاد مهدي عامل، وفي ظل التحولات التي نشهدها وما حملته من ارتدادات على الماركسية نطرح على أنفسنا ما اذا كانت القضايا الفكرية التي بحثها مهدي مازالت راهنة، وطرح السؤال يضعنا أمام تحدي اثبات راهنية الفكر الماركسي اللينيني الذي به بحث مهدي القضايا الفكرية، والاثبات ليس فعلاً دغمائياً، انه فعل تفكر موقعه الموقع النقيض لفكر ينبهر باليومي وينظّر له على قاعدة الالتحاق بالايديولوجية السائدة. ليس بفكر مهزوم منبهر باليومي وايديولوجيته السائدة تنتقد الماركسية، وليس بفكر يطبق القوانين الماركسية المتكونة على واقع متميز ينتج الفكر الماركسي ويتطور،فالماركسية اللينينية فكر مادي علمي علميته في ماديته وماديته في كشفه ما يحرك الظاهر من الواقع، اي كشف ضرورته، والضرورة ليست معطى من الواقع بل تكمن في الواقع الذي يحتم ضرورة استخراجها وهذه علمية الفكر الماركسي اللينيني التي استعصت على فهم من ينقدها وينظر الى نزع، بوهم الانبهار باليومي، العلمية عنها، والاستخراج لايحدث بمفاهيم جاهزة في العقل بل العقل ينتجها وبانتاجه لها ينتج معرفة علمية بالضرورة التي يستخرج. انها العلاقة التناقضية التي اوضحها لينين بين مادية المعرفة وتاريخيتها. انه المنهج المادي العلمي يستحث النقد يثيره يكتشف التناقض في الواقع الذي التناقض فيه قائم ومنعكس في الفكر وتجاوزه يمر بتجاوز الفكر في الواقع.
ورد الحلاج
مؤلفات مهدي عامل
حسن حمدان (مهدي عامل) 1936-1987.(صورة)
تعتبر فترة 1968-1976 من الفترات المهمة في حياة مهدي عامل، حيث بدأ فيها ممارسة مشروعه الفكري والكتابة باللغة العربية، ودراسة واقعه الاجتماعي في ضوء المنهج المادي الماركسي-اللينيني وتمييز كونية قوانينه، لتبدأ بحسب مهدي عامل "صيرورة الفكر العربي فكراً علمياً"، مبتعداً عن القولبة وتكرار المقولات المتكونة، ومنذ البداية أدرك مهدي خطورة ما يقوم به بقوله:"إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا واقعه باللغة العربية".
بدايات مهدي كانت مع مجلة "الطريق" وكانت دراسته الأولى تحت عنوان:"الاستعمار والتخلف" في العدد الثامن- أيلول 1968 التي مهدت لكتابه الأول في العام 1972:"مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني". ولقد قسمه الى قسمين: القسم الأول:"في التناقض"، والقسم الثاني:"في نمط الانتاج الكولونيالي" الذي صدر عام 1976.
كتابه الأول- الأساس الذي بحث فيه، في مجال جديد في الفكر الماركسي-اللينيني، انتاج ادوات المعرفة، تحديد طبيعة نمط الانتاج في مجتمعاتنا العربية، وهناك جزء ثالث من "مقدمات نظرية..." لم يكمله مهدي وبقي على شكل مخطوطة بعنوان:"في تمرحل التاريخ". صدر عن دار الفاربي عام 2001.
عمل مهدي في "مقدمات نظرية..." على تمييز كونية القوانين الماركسية في مجتمعاتنا، وبتمييزه عمل على انتاج الاساس النظري لسيستامه الفكري الذي اعتمده في كتاباته اللاحقة جميعها.
ولقد طرح مهدي في "مقدمات نظرية..." القضية الاساس التي صاغها على النحو التالي:
"ما هو الشكل، أو بالأحرى ما هي الأشكال المحددة التي تتميز فيها حركة القوانين التاريخية الكونية في الحركة التاريخية للمجتمعات العربية المعاصرة؟".
القسم الأول من الكتاب:"في التناقض" بحث نظري بحث فيه علاقة الفكر بالواقع وفي أزمة البنية الاجتماعية التي فيها:زمان التكون وزمان التطور وزمان القطع. وكشف ببحثه ان الفكر علاقة تناقض في صراع ايديولوجي مميزاً بين التناقض الهيغلي والتناقض الماركسي.
كما عرف بأزمة الطبقة المسيطرة وبآلية تحول البرجوازية الصغيرة المسيطرة الى برجوازية كولونيالية متجددة. وحلل أشكال ترابط المستويات البنيوية في البنية الاجتماعية الشاملة وتمييز كونية الماركسية "فان القانون النظري الذي له بالضرورة طابع كوني لايوجد إلا مميزاً وما هذه الحقيقة سوى قانون تفاوت التطور".
القسم الثاني: "في نمط الانتاج الكولونيالي":
عمل مهدي عامل في هذا القسم على انتاج نظرية العلاقة الكولونيالية وصاغها في"تمييز الشكل الكولونيالي لنمط الانتاج الرأسمالي" كاشفاً القانون العام لتطور نمط الانتاج الكولونيالي والاضاءة على اهمية الدور التاريخي للطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني.
كما بحث في "علاقة الفكر بالفكر" وفي "علاقة الاختلاف بين البرجوازية الامبريالية والبرجوازية الكولونيالية".
في هذا القسم تكشفت اهمية عمل مهدي عامل من اعادة انتاج النظرية الثورية في ظروف الواقع الاجتماعي، على قاعدة النظرية إياها، في واقع متميز، بمعنى آخر "ان نفكر الأدوات المفهومية التي بها نفكر حتى نتمكن من ان نفكر واقع هذه الحركة التاريخية".ولقد انهى مهدي "في نمط الانتاج الكولونيالي" بقوله:"بقي علينا إذن أن نحاول تحليل التطور التاريخي لهذه العلاقات، أي أن نحدد الصيرورة الطبقية لمختلف طبقات المجتمع الكولونيالي، في الوحدة البنيوية لعلاقاتها. فتحديد البنية الطبقية الكولونيالية لابد ان يتبعه تحديد لمنطق صيرورتها التاريخية [...]. هذا ما سنقوم به في القسم الثالث من هذه الدراسة".
وفي عام 1974صدر كتابه الثاني "أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟" ناقش فيه أعمال الندوة الفكرية التي عقدت في الكويت تحت عنوان:"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي" (نيسان 1974). وفي نقاشه كشف مهدي عامل أن الأزمة ليست أزمة الحضارة العربية، بل أزمة الفكر الناظر في هذه الحضارة أي فكر البرجوازيات العربية، ونقض بعض المفاهيم التي وردت في سياق أعمال الندوة من مثل:"الإغتراب"، و"الوراثة"، و "الانقطاع الحضاري"، و"العقل العربي"، و"التخلف"، و"الأصالة والحداثة" وبنقضه استنتج مهدي ان المشكلة هي مشكلة الفكر الحاضر الناظر في الماضي وفي التراث، وان مشكلة الحاضر هي مشكلة تحرره الوطني.
ثم جاء كتابه " النظرية في الممارسة السياسية. بحث في اسباب الحرب الأهلية في لبنان" وذلك بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب الأهلية (1979). والكتاب بحث في واقع يعيش حركة تحوله حرباً أهلية في لبنان. التي هي ليست بمعزل عن حركة التحرر الوطني للشعوب العربية كما لايمكن النظر الى هذه الحرب من خارج أزمة القيادة البرجوازية وأزمة النقيض الثوري. وذلك لأن الساحة اللبنانية حقل مركزي للصراع بين الخطين الأساسيين النقيضين في حركة التحرر الوطني للشعوب العربية. كما نظر مهدي في تطور البنية الاجتماعية اللبنانية وبحث في علاقة التمثيل السياسي الطائفي واسباب فشل الاصلاح الشهابي ومفهوم الطغمة المالية والعلاقة بين الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية.
"مدخل الى نقض الفكر الطائفي القضية الفلسطينية في ايديولوجية البرجوازية اللبنانية" صدر عام 1980.
طرح مهدي السؤال التالي:"كيف تنظر البرجوازية اللبنانية بين ايديولوجيتها الطبقية الى القضية الفلسطينية؟".
والكتاب اجابة على السؤال المطروح، حدده مهدي بخطوتين منهجيتين:
- الأولى: عرض لمعالم ايديولوجية البرجوازية اللبنانية، وتحديد لمفاهيمها الاساسية التي ينتظم بها بنائها الفكري.
- الثانية: نقض هذه الايديولوجية.
إختار مهدي في نقضه للبرجوازية اللبنانية نصوصاً لميشال شيحا الأب الروحي للبرجوازية اللبنانية، قرأ فيها تلك الأيديولوجية، واختار أيضاص نصوصاً لحزب الكتائب الذي في فاشيته هو الوليد الشرعي والطبيعي لهذه الايديولوجية.
قراءة مهدي النقضية لايديولوجية البرجوازية اللبنانية عبرت عنها العناوين التالية:
- تكون الطغمة المالية في اقتصاد التجارة والخدمات.
- العلاقة بين الفكر الطائفي والفكر الانعزالي والفكر القومي.
- سلاح الدين والتقاليد في الايديولوجية البرجوازية اللبنانية.
- الايديولوجية المتوسطية، في خطر اسرائيل، في الشكل الطائفي للصراع الطبقي... وغيرها من العناوين.
وفي عام 1985صدر كتاب:"في علمية الفكر الخلدوني" برز فيه الوجه الآخر لمهدي، الاستاذ المعلم، حيث اعتمد فيه اسلوباً تحليلياً تعليمياً من ممارسة إبن خلدون الفكرية نقض مفهوم للتاريخ سابق، غير علمي. والكتاب بحسب مهدي تمرين لقراءة نص تراثي بفكر مادي علمي، حيث قرأ مهدي نصاً مقتطفاً من مقدمة إبن خلدون بعنوان:"في فضل علم التاريخ"، ويقف فيه امام مفهومين نقيضين للتاريخ:
-الأول: تجريبي، كان سائداً في "تاريخ" المؤرخين السابقين على إبن خلدون لايسمح بتكون التاريخ في علم.
- الثاني خلدوني يقوم على نقض المفهوم التجريبي نقضاً جذرياً، فالتاريخ بمفهومه الخلدوني ليس سرداً للاخبار، بل علم يستخرج الواقع من ظاهر يحجبه.
من هنا يحدد مهدي عامل علمية الفكر الخلدوني التي شكلت قفزة في حقلي الفكر الاجتماعي والفكر التاريخي.
قراءة مهدي لنص إبن خلدون قراءة لنص تراثي بفكر مادي علمي يعيد فيه انتاج التراث فيميزه في حاضره ويقيم الحد المعرفي الفاصل في تاريخية هذا الفكر. و"علمية الفكر الخلدوني" قصد منه مهدي ايضاً، ، إبراز دلائل على علمية الفكر الخلدوني كمثال في مقابل علمية فكر إبن رشد التي كانت موضوع جدال واختلاف في الرأي، اغلب الظن، بين الشهيدين حسين مروة ومهدي عامل.
خاض مهدي عامل معركة فكرية-سياسية في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب. ماركس في استشراق إدوارد سعيد"، ضد محاولات ادراج النظرية الماركسية في البناء النظري للفكر البرجوازي، وفي كتابه هذا ناقش مهدي عامل أربع صفحات فقط (ص170-173) من كتاب"الاستشراق" تحدث فيه ادوارد سعيد عن علاقة ماركس بالفكر الاستشراقي وبالفكر الآسيوي.
لقد غيّب ادوارد سعيد الطابع التاريخي للثقافة واعتمد بدلاً منه الفكر القومي أو فكر الأمة، اي الفكر الواحد في بنيته، يؤول الكاتب نصاً لماركس فيرى فيه استثناء لقاعدة، أي خروجاً على فكر الأمة.
وفي كتابه هذا وضع مهدي عامل، انطلاقاً من الأمانة العلمية، نص ماركس المؤول من قبل سعيد ووضع كذلك نص سعيد التأويلي، وقارن بينهما وصولاً الى كشف منطق الفكر الذي يؤول النص.
وفي عام 1986صدر كتاب "في الدولة الطائفية" آخر كتب مهدي الصادرة قبل استشهاده، قرأ فيه مجموعة نصوص تعالج الطائفية وتقارب أزمة النظام السياسي في لبنان لتخرج من ثم بحلول هي في منطقها الداخلي واحدة. قرأ مهدي أولاً نصوصاً أربعة من موقع فكري مختلف عن الموقع الذي تحتله هذه النصوص في حقل الفكر في لبنان، والاختلاف هذا حد معرفي فاصل بين الفكر البرجوازي المسيطر والفكر الثوري النقيض.
والنصوص الأربعة الأولى هي لأنطوان مسرة، وناصيف نصار، وبسام الهاشم، وإيليا حريق. عمل مهدي على تفكيك بنيتها اللغوية لابراز المفاهيم التي تحملها، ثم كشف فكر هذه المفاهيم، وانتقاده بفكر ماركسي ينتج الواقع في انتاج هذا الواقع له.
ويرى مهدي ان الفكر التوافقي الكامن في هذه النصوص شكل متجدد من الفكر البرجوازي، يؤبد النظام البرجوازي كأن حرباً أهلية لم تكن.
من ثم يتصدى مهدي لنصين آخرين لمسعود ضاهر وأحمد بعلبكي ينتقد فيهما ما يراه من انزلاقات في حركة انتاج الفكر الماركسي الى موقع الفكر البرجوازي في شكله الطائفي المسيطر. وفي نقده يعيد مهدي عامل التاكيد على اهمية كشف موقع الفكر المؤسس للكتابة، على القراءة بتبيانه كي تكون نقداً منتجاً للمعرفة.
وآخر ما كان يعمل عليه الشهيد مهدي عامل قبل أن تغدره رصاصات الغدر الظلامية الطائفية كتاب:"نقد الفكر اليومي" الذي صدر لاحقاً ومنتقصاً في ما بعد.
"نقد الفكر اليومي" من الأعمال النادرة في اللغة العربية يتتبع فيه مهدي عامل الفكر المنتشر على صفحات الصحف والمجلات ليصل الى تعرية وكشف موقعه الطبقي، وبنقده للفكر اليومي وصل مهدي الى هدم الفكر اليومي، والكتاب يحتوي ايضاً على قسم بعنوان:"في عدم وجود نمط معين من الانتاج يمكن تمييزه بأنه نمط اسلامي" نقد فيه مهدي الفكر الاقتصادي الاسلامي كاشفاً تماثل بديله مع الاقتصاد البرجوزاي لتماثل موقعهما الطبقي.
وفي عام 1991صدر كتاب:"في قضايا التربية والسياسة التعليمية" والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات بحث فيها مهدي قضايا التربية والتعليم نشرت ما بين 1968-1973في مجلة "الطريق" ودوريات اخرى، حلل فيها الآلية السياسية التعليمية للدولة في لبنان، التي تعمل من خلالها على ضرب التعليم الرسمي وتعميق الانتماء للطائفة لاعادة انتاج النظام السياسي الطائفي المسيطر.
والكتاب ينتظم في قسمين يحويان مجموعة مقالات منها:- دور الجامعة اللبنانية في انتاج ثقافة وطنية.- الاتجاهات الجديدة لسياسة البرجوازية اللبنانية في حقل التعليم.- حول منهجي الفلسفة العربية والفلسفة العامة.- حول منهج تاريخ الفكر.- نقل المفاهيم الاجتماعية وانتاجها باللغة العربية. 

 


 


حسن عوينة . . . الإنسان والمناضل والشهيد

صدر في بغداد كتاب بعنوان ( حسن عوينة     الإنسان  والمناضل والشهيد ) عن دار الخالدي للطباعة والنشر / بغداد، من إعداد مسلم عوينة وخالد حسين سلطان، يقع الكتاب في 72 صفحة من القطع المتوسط ، وهو محاولة لتدوين سيرة الشهيد البطل حسن عوينة والذي تم تصفيته جسدياً في قصر النهاية سيء الصيت على يد انقلابي 8 شباط الأسود، من خلال كتابات رفاقه وأصدقائه ومحبيه، وجاءت فقرات الكتاب بالشكل التالي :

* المقدمة         مسلم عوينة

* حسن عوينة . . ثوري وهب الشعب والوطن حياته      باقر إبراهيم

* بعض اللقطات من حياة الشهيد حسن عوينة      صاحب الحكيم

* من الذاكرة     مسلم عوينة

* رحلتي مع الشهيد حسن عوينة      ناصر حسين

* ذكريات مرة في ضيافة التحقيقات الجنائية في العهد الملكي ( اليوم الخامس )      د. كاظم حبيب

* قصص مأساوية من جرائم الثامن من شباط الاسود ! ؟ / خامساً : وشهد شاهد من أهلها ( في قصر النهاية !!!! )       د. جبار ياسر الحيدر

* جريدة صوت الفرات     محمد علي محيي الدين

* حسن عوينة ضمن مؤيدي طلب تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1960     خالد حسين

* بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي

* قالوا في حسن عوينة  

* آل عوينة

وتتقدم صفحات الكتاب صورة الشهيد، وتخللت تلك الفقرات الكثير مما حفظ من أشعاره .

ومما جاء في مقدمة الكتاب :

 كثيراً ما تساءل محبو الشهيد " حسن عوينة " ومَنْ بقي منهم على قيد الحياة منْ أصدقائه عن سبب عدم المبادرة إلى كتابة ذكريات عن هذا الرجل الذي اقترن اسمهُ بإسم الشهيد " سلام عادل " ... والحقيقة ان ذكرياتي عنهُ لا تعدو ذكريات الطفولة، وأياماً هي كالحلم بعد ثورة  " 14 تموز 1958 " المجيدة، فلا أتذكر غير أنهُ معتقل أو سجين، أو غائب عن الأنظار، يواصل نضاله في صفوف حزبه متخفياً عن أعين جواسيس حكومات العهد الملكي ... لذلك لم أكن ألتقيه إلا لماما، حتى تناهى إلى سمعي نبأ إستشهادهم يوم 7/3/1963 وكنت آنئذٍ وراء القضبان مع الآلاف من أبناء الشعب، ومن ثم توالت تفاصيل تعذيبهم البشع حتى الإستشهاد ...

  خلال شهر حزيران 1963 حينما كنت مع المعتقلين في سجن بغداد المركزي ـ الباب المعظم ـ الحقوا بنا المرحوم " صالح اليوسفي " نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث اعتقلوه والوفد المفاوض الذي كان يترأسه للتفاوض مع الإنقلابيين حول القضية الكردية، وكانوا يعانون من آثار التعذيب الذي تعرضوا له، وخصوصاً المرحوم اليوسفي، وقد دارت بيني وبينه الكثير من الأحاديث، ومنها ما تعرض له الشهيد " سلام عادل " ورفاقه الأبرار، حتى فارقوا الحياة تحت التعذيب !!! فأجابني بالحرف : (( هؤلاء الرجال أساطير، ولسنا أساطير )) هكذا وصفهم هذا الرجل المنصف ...

 من قصيدته بمناسبة أربعينية المرحوم " الشيخ محمد الشبيبي " والد الشهيد " حسين الشبيبي " :

         هذا أبو المســـــــتبسلين وشبلهُ    

                             سَلْ عنه ميدان الكفاح العـــــارما

         سل عود مشنقة الطغاة وحبلها    

                             كيف ارتقى بالموت يسخر باسما

         يشـــــــــدو بمقوله البليغ مكلما    

                             ركب الحياة إلى الأمـــام تزاحما

        يا موكب التاريخ للنصر اندفع     

                              فلنا الخــــــــلود ولن نبقي ظالما

*          *          *

ختاماً أتوجه بالشكر والتقدير إلى كل الإخوة الأعزاء الذين دونوا ما لديهم من ذكريات عن الشهيد

 

 


الشهيد محمد الخضري . . . ثوري من الطراز الأول خالد حسين سلطان

 

2010 / 3 / 26

في العشرين من آذار لهذا العام 2010 مرت علينا الذكرى الأربعين لاستشهاد ثوري من الطراز الأول في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، ألا وهو الشهيد محمد أحمد الخضري ولا بد من التوقف عند هذه الذكرى المؤلمة واستذكار مسيرة هذا المناضل الثوري بعد أن شح الثوريين في عراق اليوم وأصبحت الثورية وبالاً على أصحابها في بعض الأحيان، وامتزجت خيوطها مع خيوط أخرى ليست بعيدة عن الإرهاب وبشكل مقصود .
* ولد الشهيد محمد الخضري في ثلاثينيات القرن الماضي في ناحية الخضر / محافظة الديوانية .
* تخرج من دار المعلمين في بعقوبة وعين معلماً عام 1953 وكان من الناشطين في المطالبة بتشكيل نقابة للمعلمين في ذلك العهد، وبعد ثورة 14 تموز المجيدة أصبح عضواً في إدارة نقابة المعلمين ورئيس فرعها في الديوانية وعضو محلية الديوانية للحزب الشيوعي العراقي ومسؤول التنظيمات الحزبية لمدينة الخضر، ومن اسم هذه المدينة استمد الخضري لقبه .
* عام 1962 أوقف بسبب نشاطه السياسي الوطني متنقلاً بين سجن نقرة السلمان ومواقف السماوة والديوانية والحلة وبغداد، ليستقر به المقام في سجن الكوت بعد أن حكم عليه بالسجن لمدة (3) سنوات .
* عام 1963 وبعد انقلاب 8 شباط الأسود هرب من سجن الكوت بعد أن تمرد هو ورفاقه على إدارة السجن وتمكنوا من تحطيم الأبواب، ليلتحق برفاقه في ريف الفرات الأوسط مشياً على الأقدام ويساهم في قيادة مفارز المقاومة ضد أزلام النظام وحرسه القومي، وأصبح عضواً في لجنة منطقة الفرات الأوسط .
* تعرض للاعتقال في العهد العارفي ومورس معه أشكال التعذيب الوحشي ثم أطلق سراحه بكفالة .
* في أيلول 1967 تصدى بوعي وحماس لانشقاق ( القيادة المركزية ) ونشط في تجميع التنظيمات الحزبية في بغداد وكذلك في أعوام 1968 ــ 1969 .
* أعيد إلى الخدمة كمعلم عام 1968 وساهم في قيادة حركة المعلمين الديمقراطية .
* في يوم الجمعة الموافق 20 آذار 1970 توجه من داره إلى صدر القناة في بغداد للمشاركة في حفل تكريم الوفد الكردي بعد عقد اتفاقية 11 آذار، ولكنه لم يصل إلى مكان الاحتفال، وظهر انه اختطف من قبل جلاوزة النظام ووجدت جثته في اليوم التالي في ناحية بلد وفيها عدة أطلاقات نارية، وكان ذلك ضمن سياسة الجزرة والعصا التي اتبعتها قيادة البعث مع الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب تموز 1968 لغرض دفعه نحو سياسة العمل الجبهوي وبالمواصفات التي تناسب قيادة البعث .
* شيع جثمانه الطاهر في يوم 22 / 3 / 1970 من قبل ذويه ورفاقه ومحبيه إلى مدينة النجف ليدفن فيها، وهو ينتظر طفله الأول حيث كان قد تزوج حديثاُ .
* والده كاسب، صاحب مقهى صغير في ناحية الخضر .
* أم محمد مناضلة ومجاهدة في صفوف الحزب الشيوعي، عانت ما عانت من العذاب والشقاء محبةً واعتزازاً بالحزب وبولدها محمد. على اثر هروب محمد من سجن الكوت بعد أحداث 8 شباط الدامية أحيلت أم محمد إلى المجلس العرفي بعد جولة من المداهمات والضغوطات، وقد حكم عليها الحاكم العسكري بالسجن لمدة عامين بعد ترديدها لعبارة " على الله . . . وما يخالف . . . تنقضي وتصير سوالف " وقضت أم محمد محكوميتها في سجن بغداد عامين كاملين .
* في ذكرى استشهاد الخضري لا بد من استذكار الفلاح الشهيد هادي الكعبادي، حيث كتب المناضل باقر إبراهيم : ( . . . حظي محمد الخضري بحب الفلاحين، وكان يقيم في دار الفلاح الشهيد هادي الكعبادي، في ريف الشامية، حين طوقت الدار من قبل " زركة " للشرطة والأمن في المنطقة فأبدى هادي بسالة وتضحية مشهودة، لإنقاذ محمد من الوقوع في أسرهم، ودفع لموقفه ثمناً، هو حياته الغالية حينما قتل برصاصهم في ربيع 1964 )
المجد والخلود
للشيوعي المبدئي والقائد الثوري والمثقف الناضج
الشهيد محمد أحمد الخضري
__________________
المصادر :
ــ مذكرات باقر إبراهيم
ــ مذكرات كاظم فرهود ( سيرة . . . وذكريات . . . وود مقيم )
ــ مجلة الثقافة الجديدة / العدد 12 / آذار ، نيسان 1970


العدد(42)                                                14/01/2010

بشتا شان؛ الصوت والصدى-

بشتآشان : الصوت والصدى - سامي حسان

عضو هيئة التحرير

 

ِلكل صوت صدى إلا صوت شهداء بشتا شان فقد تم خنقه قبل خروجه من البلعوم " بعد صمت رهيب دام عشرات السنين كادت إن تمحي اثأر الجريمة " تعالت أصوات الناجين من ألمذبحه لتمزق السكون" وتعلن عن أسماء ألقتله وظروف المجزرة ودوافعها " مماحدى بالمتسترين على الجريمة للتحرك في الظلام واستخدام إذنابهم في محاولات بائسة للإفلات من العقوبة " وطرح حلول يعتقدون أنها قادرة على غلق القضية " متناسين إنه لا يوجد شهداء للبيع "  

في وادي عميق تغفوا قرية صغيرة تتوسد  ذراع  قنديل " كان صوت القادمين من الجنوب عشاق الحياة يبعث الأمل في نفوس الفلاحين والفقراء " يحملون أدواتهم يبنون" يصلحون ما تم تخريبه " دخلوا البيوت يعالجون المرضى يحرسونهم في الليالي الباردة "يتقاسمون الطعام البسيط معهم " مجموعه من الشباب الشيوعي يحلمون بوطن جميل وقرى هانئة ووديان خضراء وغناء أصيل وحب عامري " يحملون الأماني بعودة الأهالي إلى موطن الطفولة والى حقولهم  " ولكن إصرار السفلة على اغتصاب القرية  "واستمالة المدعين المتاجرين في أسواق السياسة في عقد صفقه رخيصة للنيل من هؤلاء الثوار الذين تركوا إلام والولد وعبروا الوديان والجبال للدفاع عن القرية "  يجلبون لها الدفيء والطعام "يرغبون في تصحيح أخطاء قيادتهم التي ورطتهم بتحالف ذليل " فحملوا سلاحهم ثأرا لشرف تاريخهم الذي ثلمته التحالفات الذيليه "  للبدا بعمل يليق بالثوار " عمل يعيد ألق التاريخ " عمل يرى فيه المناضلين ابعد مما يراه المتخاذلين " متحدين ثلوج الشتاء " ولهفة اللقاء بالأم والحبيبة "انه العاشق الجنوبي الذي عبر المسافات الطويلة " متحديا الأعراف القبلية والفروق الطبقية " ليتقدم بطلب يد محبو بته الجميلة( بشتا شان)"

 في ربيع 83 وحين خلع جبل قنديل ثوبه الثلجي ليرتدي ثوب الزفاف الربيعي الأخضر " كان رفاق العاشق الجنوبي منشغلين بالإعداد لحفلة الزواج" حيث جاءوا من الناصرية والعمارة والكوت وكربلاء والنجف والرمادي وتكريت واربيل وسليمانية " يتقدمهم العاشق يلوح بعلم العراق "الجناة في مخابئهم يحملون أسلحتهم المعبأ ه بعتاد الحقد العنصري " لا يروق لهم ذلك يتربصون بموكب الزفاف يتساءلون من هؤلاء " ومن علمهم الحب الطاهر "  من علمهم إن الخيانة عمل حيواني  " وأخذوا يطلقون الرصاص بتشفي ليغتالوا الحليف "و ليثبتوا إن القيادة وللمرة الثانيه سقطت في وحل التحالفات ألذيليه والتخاذلية "

أنهم الشيوعيون  " عشقوا الحياة فأحبوا الإنسان "

 

 

24/11/2009                  العدد 12  


 

خالد صبيح

 

 

شهداء

 منسيون

 


شهداء منسيون

 

حسنا فعل السيد رضا الظاهر، وهو كاتب يعبر بطريقة حرة عن رأي الحزب الشيوعي العراقي، حينما أشار بنبرة نقدية للجهات الرسمية المعنية بأمر شهداء الوطن في مقاله ذي العنوان المعبر( طبقات الشهداء) المنشور في طريق الشعب، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي،( 28/4/2009) منتقدا التمييز الذي تمارسه هذه المؤسسات ضد الشهداء الشيوعيين. وهذا النقد هو نقد صحيح رغم ما شاب لغته من ليونة وعمومية لا تمس أحدا في الطرح.

والاستحسان لفعل السيد الكاتب يأتي بالضبط لأنه طرح في نهاية مقاله تساؤلا انطوى على شعور كبير بالمرارة أورد هنا نصه:

(أأنست كراسي النعيم من يستريحون عليها أولئك الذين لولا تضحياتهم لما قيض للمتنعمين الجلوس على هذه الكراسي الوثيرة ؟ أغرَّ البعض أنهم باتوا يكنزون الذهب والفضة حتى أمسوا في شغل عمن فقدوا أحبتهم، بل لا يعرف كثير منهم قبور هؤلاء الأحبة ؟)

ولا اعلم ما إذا كان السيد الكاتب يعرف بأنه بتساؤله هذا قد فتح باب التساؤلات المرة على مصراعيه. وأنا هنا استعير نبرته ذاتها وأتساءل بدوري: ألا يعطينا هذا التساؤل والمرارة التي حملتها شكوى التمييز ضد الشهداء الشيوعيين الحق في أن نفكر حول الموضوع ونسحبه إلى أرضية أخرى هي واقع ممارسة الحزب الشيوعي العراقي نفسه مع شهدائه، (ولن أقول قيادته لان الحزب أضحى كيانا واحدا موحدا تشترك قيادته وقاعدته في كل تفاصيل خططه وتفكيره وسلوكه). الم يصنف الحزب، بطريقة وبأخرى، شهدائه إلى طبقات؟ الم يقدم شهيدا ويمنحه أهمية اكبر من شهداء آخرين لا يقلون شجاعة ولا روح تضحية عنه؟ لماذا يكرس قيادي شهيد( مع الاعتزاز بشخصه وبشهادته) ويهمل شهداء آخرون هم أيضا قياديون ومضحون، كالشهيدة عايدة ياسين والشهيد على حسن( أبو حيدر) على سبيل المثال؟. ألا تنطبق الشكوى من الذين أنستهم( كراسي النعيم) رفاقهم على موقف الحزب الرسمي من شهداء بشتاشان؟ وهم الشهداء الأكثر إحراجا للحزب بسبب من خوفه من التطرق إلى ذكراهم وأسباب استشهادهم ومن الذي قام بقتلهم وكيف ولماذا؟ الم يهمل الحزب شان هؤلاء الشهداء ويدارى الموقف عن ظروف وأسباب استشهادهم تكريما لتحالف ركيك مع قتلتهم؟

قبل أيام قليلة مرت ذكرى هذه المجزرة البشعة التي باتت تفاصيلها وأشخاص مرتكبيها معروفة للقاصي والداني، ولم يحرك الحزب ساكنا، رغم ما قدمه من إيحاءات عن نواياه بأجراء مراجعة لسياسته ومواقفه على ضوء الانتقادات التي وجهت إليه من رفاقه أنفسهم، وخصوا بها علاقته التابعة مع القوى القومية الكردية، بل والأكثر أن الحزب قد ركز إعلاميا في هذا اليوم على فعاليته في أعياد آيار غاضا الطرف عن ذكر (ولو مجرد ذكر) إن جريمة بشتاشان وقعت في هذا اليوم بالذات، وأنها أخذت مذاك تشكل غصة وشرخا في يوم الفرح الاياري هذا.

يبدو ان شهداء بشتاشان، كما يهمس بين الأنصار القدامى، قد خسروا باستشهادهم مرتين، مرة حين فقدوا حياتهم ومرة لأنهم بخسوا حق احترام تضحيتهم، بذكرهم وبادانة مرتكبي جريمة اغتيالهم على اقل تقدير، علما إن هؤلاء استشهدوا بالضبط وهم يدافعون عن مقر قيادة الحزب وقادته.

لكن صمت الحزب الرسمي من قضية بشتاشان بات شيئا لا يطاق ولا يمكن السكوت عليه، بل والأكثر انه صار مثيرا للاهتمام ويحفز على البحث والتفكير في الأسباب الحقيقية التي تكمن وراءه. ولنحاول هنا أن نتأمل في ما يمكن أن يعتبر سببا حقيقيا يمكن أن يكون كامنا وراء هذا الصمت المخزي للحزب من شهداء هذه المعركة الشجاعة.

في الحالات النادرة التي يجري فيها التطرق بنطاق ضيق ومحدود لهذه الواقعة من قبل قياديي الحزب يجري التأكيد على أن هذه القضية ماثلة في ضمير الحزب وتفكيره، ولكن الحزب يرتاي أن الأوان لم يان بعد لمعالجة هذه القضية وطرحها. ولا احد يستطيع الجزم بأنه فهم معنى أو شكل هذا الأوان الذي يبدو انه لن يأتي أبدا إلا حينما يسمح الخصم بذلك، وتجربة جرائم شباط 1963 التي موه الحديث عنها إبان التحالف مع البعث دليل جيد ويمكنها أن تشكل خلفية للفهم وتعطي بعض التفسير لموقف الحزب الحالي من جريمة بشتاشان.

وبما إن القضية أساسها سياسي فلنبحث بالدوافع السياسية أو المصالح السياسية التي يمكنها أن تشكل خلفية لهذا الموقف والسلوك المريب إزاء هذه القضية.

صار مفهوما للجميع أن الحزب الشيوعي العراقي يعقد علاقة استراتيجية مع القوى القومية الكردية فيها قدر كبير من التبعية، وأسباب ودواعي هذه العلاقة في مراحلها المختلفة لم تكن بسبب ضرورات عملية بقدر ما كانت تعبر عن انقياد لتأثير توجهات قوموية كردية داخل الحزب الشيوعي نفسه، وعلى وجه الخصوص قيادته السابقة، والتي قادت إلى تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني الذي انتقل بتنظيم الإقليم كليا إلى مستوى علاقة تبعية كاملة مع الأحزاب القومية الكردية. لكن المفارقة ان هذا التحالف الاستراتيجي لم يحقق على ارض الواقع في الظروف الجديدة، بعد سقوط النظام البعثي، نتائج سياسية ملموسة، فقد سعى الحزب الشيوعي العراقي إلى التحالف التكتيكي لأغراض انتخابية مع الأحزاب القومية الكردية لكن رغبته هذه جوبهت بالرفض، وتم الاكتفاء بإلحاق الفرع الكردي من الحزب في الائتلاف الذي شكلته الأحزاب القومية الكردية. وإذا كان لهذا التحالف الاستراتيجي مع القوى القومية الكردية إبان معارضة النظام ما يبرره، لأسباب تتعلق بهيمنة هذه الأحزاب على منطقة العمل المسلح التي كان ينشط فيها الحزب في كردستان العراق، نتج عنه مسارا للأمور فيه قدر من الإلزام حول بعض الاولويات التي تقررها مصلحة الأحزاب القومية الكردية، مما أعاق قدرة الحزب على اتخاذ مواقفه باستقلالية تامة، واضطر بسبب هذه الظروف، وبمفاهيم التحالف التي فرضتها المرحلة السابقة، على القيام ببعض التنازلات، فان هذا التوجه بعد سقوط النظام، وانتهاء مرحلة تواجد الحزب الاضطراري على ارض كردستان، بات يثير الانتباه والشك في طبيعة الدوافع التي تكمن وراء انقياد الحزب لهذه القوى. ولاشيء يفسر، برأيي، هذا الانحدار سوى ما يمكن نعته بانعدام ثقة الحزب بالقوى السياسية القائمة على العملية السياسية، وهي تخوفات مشروعة إلى حد ما، وفي نفس الوقت، وهذا الأخطر، هو نوع من التعبير عن انعدام ثقة الحزب بنفسه وبقدراته وبجماهيره، بحيث بات لا يرتكن لغير التحالف مع طرف قوي يؤمن له وجودا سياسيا يقيه من العزلة والتهميش، كما بررت في حينه بذلك قيادة الحزب سبب انخراطها في العملية السياسية واشتراكها في حكومة بريمر.

بيد أن هذا المستوى السياسي لايمكن له أن يشكل وحده سببا حقيقيا كافيا لهذا السلوك من قبل الحزب، فالسياسة هي عملية متحركة وتحتمل التغيرات ولا يمكن لأسبابها أن تدوم إلى ما لانهاية. وهي تتطلب أيضا، لكي تخاض بطريقة صحيحة، الكثير من الجرأة والاستعداد للتضحية بمواجهة المصاعب. وبالتأكيد إن الحزب يدرك في ظروفه الحالية أن من أولى اولويات عمله الآن، لكي يخوض المعترك السياسي بنجاح، هي إعادة بناء الحزب ومد خيوط علاقته مع الجماهير من خلال اتخاذه مواقفا جريئة وصادقة ومعبرة عن تطلعاتهم ومصالحهم ليشكل من الجماهير، ما اعتادت أن تسميه الأدبيات الشيوعية الكلاسيكية، سياجا يحميه في صراعه السياسي. وهذا من شانه أن يضعه في موقع الاستقلالية وبالتالي الفاعلية السياسية الحقيقية. لكن الحزب عجز عن أداء هذا الدور، والدليل هو النتائج الهزيلة التي حصل عليها في الانتخابات الثلاث التي جرت في العراق، وكذلك في انعدام قدرته على الحضور المؤثر في الشارع وفي العملية السياسية. وهنا ينبثق بالضرورة ظن وتقدير آخر، غير الظرف السياسي، يمكن أن يضاف كسبب لتفسير الدوافع الكامنة وراء هذه المواقف والتبعية للقوى الكردية التي تعيق الحزب عن اتخاذ ابسط المواقف لكي لا يمس علاقته ببعض هذه القوى. وعلى وجه التحديد الجلاليين، حزب رئيس الجمهورية الحالي، القوموي الكردي، والمسؤول الأول عن مجزرة بشتاشان، جلال الطالباني.

وينبغي الانتباه بهذا الصدد إلى ظاهرة جرت الإشارة الصريحة لها ليس من منتقدي الحزب فحسب وإنما من بعض المدافعين عن الحزب بحماسة، وهي ظاهرة اشتغال الكادر القيادي الحزبي في مراكز حكومية رفيعة، وهي مراكز ووظائف لم تأت في حقيقة الحال نتيجة لحضور الحزب في السلطة كمحصلة عادلة لنتائجه الانتخابية. فالجميع يعرف أن هناك عدد من الكادر القيادي يعمل في وظائف كبيرة: وكلاء وزارات، ومديرون عامون، سفراء، ومديرو مكاتب لمسؤولين كبار في الدولة، كان أكثرها لوزرارت ومكاتب تابعة للقوى القومية الكردية. ومرت جميعها عبر المرشح الكردي، وهذا بطبيعة الحال يلقي بظلال من الشك حول قدر المنفعة الشخصية التي يجنيها هذا الكادر من وظائفه، هذا غير بعض الاستثمارات المالية والشراكات التجارية التي يعقدها كادر آخر لا يشغل وظائف في الدولة. لاسيما إذا ما عرفنا أن هناك ضمن الكادر القيادي بعض التجار الصغار الذين يؤثرون مصالحهم الشخصية على عملهم الحزبي نتيجة لما تمليه عليهم ذهنية التاجر الصغير من سلوك والتي تتسم عادة بضيق الأفق والنفس القصير والميل لعقد الصفقات. هذا إذا تغاضينا عن بعض المصالح الصغيرة الأخرى: قطع أراضي، رواتب تقاعدية، منح مالية، وهذا الأمر يؤثر سلبا،كما لا يخفى، على قدرة هذا الكادر على اتخاذ مواقف تؤثر على مصالحه الشخصية.

هذان السببان، كما يمكن أن يسشفه أي مدقق في الواقع، يمكن أن يكونا هما اللذان يكمنان وراء هذا المستوى من التبعية للقوى القومية الكردية. وفي كل الأحوال فهما ثمنان رخيصان لمقايضة موقف وتاريخ وشهداء. وإذا كان الحزب الشيوعي العراقي يدين الآخرين وينتقدهم بمرارة على عدم إنصافهم له ولتاريخه ولشهدائه فحري به أن ينصف شهدائه هو أولا قبل أن يطالب الآخرين بهذا الإنصاف. لكن يبدو أن الحزب يراهن كعادته على الصمت كموقف نهائي من كل شيء لا يريد الوقوف أمامه، ويراهن على ما يفترضه ذاكرة الناس القصيرة التي يمكنها أن تنسى بسرعة، وهو غير مدرك بهذا التصور من أن التاريخ لا ينسى، إن نسي بعض الناس، وانه سيعاقب بطريقته الخاصة.

 

 

 

سلام عبود

 

 

شهداء للبيع!

البحث عن رفات الشهيد

 كاظم طوفان

 

 

 لا أعرف أية صورة يرسمها هذا الاسم في خيال القرّاء!

 المزج الغريب بين الكظم والغضب هو ما استوقفني في هذا الاسم الفريد. الكظم كمقدرة على كبح جماح النفس في حالة الغضب، والتي هي صفة لأحد أئمة الشيعة، والطوفان أي هياج الماء وجموحه وثورته، كما ورد في الكتب السماوية وفي الأساطير العراقية القديمة. لكننا لا نعثر على معنى الطوفان في العامية العراقية، التي لم تعد تستخدم الكلمة إلا كاسم.  وهو المصير ذاته الذي آل اليه الفعل كظم. فقد نسيته العامية العراقية واكتفت باسم الفاعل والمفعول منه: كاظم” و”مكظوم”. بيد أن اضمحلال معنى الطوفان في الاستخدام العامي لم يلغ صلة الكلمة بالماء, فلم تزل هذه الكلمة تستخدم بمعنى العوم على سطح الأشياء، ومنها الفعل "طوٌف"، و"الطوف" أداة ركوب النهر. وترد كلمة طاف بمعنى تنقل في زياراته, وحصرت العامية الطواف بزيارة العتبات الدينية.

 إذاً، نحن أمام "كاظم" و"طوفان". دين وأساطير ومذاهب وفصيح وعامي وهيجان وتحكم بالانفعال، كل ذلك يجتمع في اسم واحد؟

كم  حاولت أن أرسم صورة أدبية في هيئة قصة أو مقالة  لكاظم طوفان, لكّني فشلت في كل محاولة! ولو أني حاولت في وقت مبكر من حياتي ربما نجحت في مسعاي. وربما كان نجاحي أكبر لو أنني طبقت عليه مفاهيمي الثورية عن الفن والأدب، خاصة ما يتعلق بالنمذجة، وتعميم الخصائص الجوهرية للواقع، ومطابقة الشروط الاجتماعية، وعكس جوهر الواقع المعاش وغيرها من الوصفات السحرية، التي يتعلمها طلاب الأدب في معاهد الدول الاشتراكية سابقا، ومتذوقو علم الجمال الحزبي الاشتراكي. لو كنت فعلت ذلك آنذاك لنجحت نجاحا باهرا في رسم صورة شخصية للمناضل البروليتاري، الذي يولد بين الناس ويخدم قضاياهم بإخلاص ونزاهة وشرف. ولكن، لم يكن، ممكنا، حينذاك،  ايجاد خاتمة منطقية لبطولته الثورية. فنضاله الثوري لم يبلغ مبتغاه حينذاك: النصر أو الشهادة. أما رفاق دربه فتشردوا وتشرذموا. وما كان من الممكن أن يكتب المرء عن شخصية حيّة، لا تتمتع بمركز قيادي مرموق،  لم تصل بعد الى حدود البذل القصوى. فما معنى أن يكتب المرء عن كادر حزبي مغمور، حتى إذا كان من حزب الكادحين والمغمورين!

أما الآن، بعد أن أنجز كاظم الخاتمة  الضرورية التي تشترطها القصة­ القصة البطولية والحزبية الناجحة­ عابرا لحظة الذروة: الاستشهاد، أصبح رسم الصورة أكثر استحالة. والسبب يعود الى أنني تغيرت خلال الفترة التي أرغمت فيها على انتظار موته. فلم أعد  أؤمن إيمانا حرفيا، تقديسيا، بما كنت أسميه البناء الفوقي والتحتي، والانعكاس، والتعميم،  والنمذجة وغيرها. المأزق الذي وقعت فيه هو أني لم أجد في كاظم صورة واقعية يمكن أن أرسم من خلالها لوحة فنية تعمم خصوصيات الواقع. قد تبدو هذه الفكرة شاذة ومعقدة عند البعض. وفي حقيقة الأمر هي كذلك. فكلما نظرت الى كاظم أجد أنه ليس شيئا واقعيا ينشد أن يتم عكسه” الى عمل أدبي، يعمم” خصائص الواقع فنيا كـ نموذج”. فهو في  نظري لا أكثر من صورة فنية منجزة، رسمها الواقع، بالضبط كما يرسم الرسام أوكاتب السيناريو السينمائي صورة فنية عن شخص ما. هكذا بدا لي: مجرد صورة رسمها أحدهم، ريما تكون الطبيعة، أو الله، أو إحساسي الشخصي، أو تصورات الناس, وقال لها: انزلي وسيري على رصيف الحياة!”. كان صورة فنية منجزة الخلق. فلو قدر لي أن أرسم صورة أدبية عنه، فكيف أرسم صورة عن صورة! ذلك هو المأزق الذي وضعني فيه موت كاظم. لذلك  عجزت عن رسمه وهو حي، وازداد عجزي حينما مات شهيدا، مغدورا به، فوق قمة جبل كردي، ذهب ­ هو العربي ­ ليدافع عنه.

عرفته قبل أن التقيه. فجميعنا، سكان وسط المدينة، الشباب، المهتمون بالسياسة نكاد نعرفه، أو أننا لاحظنا وجوده المحسوس على مقربة منا في مدينتنا الصغيرة. وجه جميل التقاطيع، يشبه وجوه الممثلين في أفلام البطولات الكبيرة. مشية هادئة. ثياب بسيطة قلما تتغير، لكنها عصرية ومعتنى بها. ود واضح، وهدوء وحذر يظهران بجلاء في مشيته وفي سلوكه وفي طريقة نطقه للكلام. وتلك خصال تؤهل أيّا كان في مدينتنا الجنوبية الفقيرة، المهملة، لأن يلعب دور البطل في أية قصة عاطفية، وقد لعب كاظم بحق دور البطل في واحدة منها. ولو أضفنا الى ذلك كله بعض البهارج كأن تكون قصة حبه الحقيقية من القصص المستحيلة، فسيغدو من دون ابطاء شخصا له صلة بأبطال القصص الخياليين. وفي حقيقة الأمر كانت قصة حبه العاطفية شديدة التعقيد. فلم يكن واعدا ومأمونا الجمع بين الشيوعية والفقر والحب والبطولة الرومانسية الى حد الاستشهاد. كان ذلك يشبه الجمع بين الكظم والطوفان. تلك إضمامة من الأفعال القاتلة! فموضوع اشتغاله بالسياسة ربما لم يكن عظيم الخطورة في نظرنا، فكثيرون عندنا مشغولون بها. لكن الاشتغال بها الى حد الاستشهاد أمر لا بد أن يكون عظيما شئنا أم أبينا. كان هذا الأمر سببا كافيا لجعل كاظم مغامرا من الطراز الأول، مغامرا في حبه وشيوعيته ورومانسيته الثورية. وربما لهذا السبب أيضا كان يجب أن يموت، كي يرث مكانه­ ولا نقول موقعه­ من هم أقل منه شيوعية ورومانسية وعاطفة!  أما موقعه فقد مات بموته. لأن المواقع دائما هي البشر أنفسهم, تولد بولادتهم, وتموت بموتهم.

توطدت علاقتي وثقتي به وئيدا، لبنة لبنة، وسط مشاعر شديدة التعقيد تبادلناها وعشناها معا. فكلما اقتربت منه ازدادت ثقتي به وحبي له من جانب، ومن جانب آخر فسدت أجزاء من الصورة الجميلة التي رسمتها له في مخيلتي. فهو لم يكن مثقفا كما يتقول البعض متسلحا بالماديتين التاريخية والجدلية”. كان في حقيقة الأمر متسلحا بحب قضيته، وبشجاعة نادرة، مصحوبة بإخلاص لا حدود له.  كان شريفا في حواراته معي، لأنه كان يعترف دائما، وبخجل، بأنه ليس محترف ثقافة مثلنا. إضافة الى ذلك فهو غير متعلم مثلنا نحن طلاب كليات الآداب والفنون والحقوق... وزيادة في جرعة المكاشفة اعترف لي بأنه  مثلي،  كلما اقترب مني أحس بشيء غريب ومتناقض أيضا. اكتشف, شيئا فشيئا,  أن الشباب "المثقفين" المهوسين بالكتب والنظريات الثقافية ليسوا فاسدي قلب وضمير ودماغ، كما يشاع عنهم في الأوساط الحزبية القيادية. صعوبة التعامل معهم أمر لا يخفى على أحد، إلا أنهم بشر مثل غيرهم من الناس، فيهم الصالح والطالح. وتلك خلاصة خلاقة من حزبي بدأ يضع قدميه توا على سلم القيادة. وربما لذلك السبب اصطفاني كاظم في زمرة الصالحين, فنشأت بيننا ثقة كبيرة وألفة، جعلته يوما يباغتني من دون تمهيد قائلا:

­ أما آن للفارس أن يترجل؟ أما آن الأوان أن تحسم أمورك وتقرر؟

­ أقرر ماذا!

­ أن تعمل معنا.

 وقع طلبه موقعا عجيبا في نفسي. لا بسبب أنه يدعوني الى العمل في صفوف حزب سري، هو الحزب الشيوعي العراقي، وإنما بسبب معرفته أني  كنت أنتمي الى فصيل شيوعي آخر، عدو عداء لا صلح ولا هدنة فيه مع حزبه، الذي كان وما زال يعتبر من انتمي اليهم  مجرد مغامرين طوباويين، يستحقون العقاب الحزبي المعهود: الطرد والمطاردة والتشهير، وإذا توفرت ظروف مؤاتية، فلا مانع من العقاب الأنجع: الموت، بطرق مباشرة، كما حدث لرفاق كثيرين، أو بالدس عليهم والتبليغ المباشر وغير المباشر للإيقاع بهم.

 كيف يجرؤ "موسكوي", تحريفي, يميني على هذا!

 لكني سرعان ما ربطت الأمر بسلسلة من الحوارات المماثلة جرت مرات عديدة مع صديق شيوعي آخر, ظننتها حينذاك مجرد جدل عفوي, اعتدنا على خوضه في ملتقياتنا الخاصة.

­ أهذا رأيك أم رأي حزبك؟

­ رأيي ورأي حزبي واحد.

­ إذاً، لا لقاء بيننا، لأنني أعرف رأي حزبك جيدا.

­ اعتبره رأيي.

­ وهل سأعمل في صفوف رأيك أم في صفوف حزبك،؟ وكيف سيتقبل الآخرون الأمر؟ كيف سيقبلون رفيقا، لم يتخل عن أفكاره المغايرة لأفكارهم؟  أنا لا أعرف على الإطلاق بوجود هذا اللون من التسامح الحزبي عندكم.

­ ولكني أعرف من أنت.

­ من أنا؟

­ أنت عضو طلابي بسيط ,سابق, في تنظيم القيادة المركزية، الذي يرى أن تيار حزبنا هو تيار يميني واصلاحي، وربما رجعي. وأنتم تعتقدون أن الحوار مع فصائل العمل الوطني، خاصة البعث، ضرب من الخيانة الوطنية والطبقية، ونوع شنيع من أنواع الذيلية السياسية والتبعية للاتحاد السوفيتي. أما ما  يخص للكفاح المسلح الذي تؤمنون به، فأنا واثق تماما أنك وصلت الى قناعة مماثلة لقناعتي وقناعة عدد كبير من الرفاق ممن كانوا يميلون الى الكفاح المسلح, مفادها أن الكفاح المسلح لم يعد الشعار الملائم، في الأقل الآن، بعد انهيار تنظيم الكفاح المسلح تحت ضربات السلطة.

­ وضرباتكم.

­ سوء حظنا.

- حظكم؟

- حظنا جميعا.

­ حسن! ما وجه اللقاء بيننا؟ ما زلنا عدوين بنظركم.

­ لسنا عدوين، في الأقل لي شخصيا.

­ هذا أجمل ما سمعته من شيوعي، أرجو أن لا تلام عليه.

­ أنا لا أخاف من أحد، وأعرف بالضبط ما أقول.

­ حقيقة، كان بودي أن أستجيب الى دعوتك الصادقة، التي أجدها بحق فرصة أخوية ورفاقية للتعاون، لكن المشكلة لا تتعلق بك، وإنما بحزبك، بتركيبته، بقيادته، بعقليته، بروحه، بتقاليده التنظيمية والسياسية. كل ذلك يحول دون أي لقاء واقعي بيننا. سنصطدم ببعضنا لا محالة، اليوم أو غدا أو بعد غد. وستبدأ سلسلة الاتهامات، ويبدأ التذكير بالماضي اليساري وبالانتهازية اليسارية المغامرة وبمرض اليسارية الطفولية.

­ لن يحدث هذا.

­ لماذا لن يحدث؟ سيحدث، ربما لن يحدث معك ولكن مع الآخرين، خاصة أنهم يعرفون أنني لم أتخل عن أفكاري  فيما يتعلق بتهالك قيادتكم على التعاون مع السلطة.

­ لن يحدث. أنا على ثقة تامة من هذا، لن يحدث ما تخشاه.

­ حتى لو افترضنا ذلك، وهو أمر غير واقعي، فما نفعي لكم، وأنا لا أدعو الى سياستكم؟

- صدقني أنا لا أختلف معك إلا في أمر واحد فقط. أنا أؤمن بالتغيير من الداخل. يجب قلب المعادلة من داخلها لا من خارجها. بالمناسبة, لست وحدي من يؤمنون بهذا, هناك كثيرون مثلي, لكنهم الفئة الأقل نفوذا. يجب أن نكون الأقوى بتساندنا.

- وموجة التحالف؟

- لا أحد يستطيع إيقافها الآن, لا أنا ولا أنت, لا من الداخل ولا من الخارج, إنها عاتية وستجرف الجميع, ولكن لا حلول أمامنا. فهل نترك كل شيء, كل شيء للآخرين, ونستسلم لليأس؟

- وما نفعي لكم؟ أنتم حزب عريق، يملك تنظيما حديديا كما تدعون، وشبكة عظيمة السعة من الأعضاء، جيش البروليتاريا الحديدي، كما تسمونه.

لم يعلق كاظم، كان ينظر اليّ بهدوء وهو يبتسم ابتسامة صبر وتعقل، منتظرا أن أنهي فورة كلامي، التي توقع حدوثها وخمن فحواها مسبقا. طأطأ رأسه كعادته، ثم رفع خصلة الشعر الناعمة التي نزلت على جبينه بكفه، غارسا أصابعه في شعر رأسه مثل مشط، بحركة، ربما هي أيضا جزء من صورة رأيتها من قبل على شاشة ما، أو قرأتها في كتاب ما.

­ هل تريد أن أفشي لك سرا حزبيا لا يقال. هذا السر ربما لو عرف أحد به ستكون عقوبتي الطرد من الحزب؟

كان سؤاله مفاجئا حقا. فأنا لم أرد منه أن يصل في ثقته معي الى هذا الحد الجنوني،  ولم أكن أبحث في حقيقة الأمر عن نقاط للثقة معه. فأنا أحس به صديقا مقربا موثوقا، رغم اختلافنا السياسي.

­ رغم اختلافي معك، فأنا لا أتمنى لك الطرد من حزبك، ولا أريد أن أخلق مشاكل لك أو لغيرك.

­ على أية حال سأسألك سؤلا تافها: كم عدد أعضاء الحزب الشيوعي في مدينتنا؟

­ وكيف لي أن أعرف!

­ قدّر الأمر تقديرا؟

­ في يوم ما، في زمن حكومة الزعيم عبد الكريم  قاسم ، كانت العمارة هي المنطقة الوحيدة في العراق التي توجد فيها لجنتان محليتان للحزب الشيوعي، واحدة في المدينة وأخرى في الريف. أما الآن فلا أعرف. ربما آلاف.

­ لا.

­ مئات.

­ ولا هذا.

­ عشرات.

­ ولا حتى هذا.

­ ماذا يوجد إذاً؟

­ لا يوجد شيء. نحن نعيش على تلك الخرافة التي كانت، والتي ما زالت تعيش في أذهان الناس. لقد قادت الضربتان الأخيرتان، اللتان وجههما جهاز الأمن الى تنظيمنا الحزبي الى تدمير قواعد الحزب تدميرا تاما. وحينما اعتقل واعترف عضو ارتباط المنطقة الجنوبية انهار بناء المنظمة الحزبية من أعلاه الى أسفله. كنا في السابق نعاني من ضربات توجه الى القواعد أو الى حلقات وسطية تتسبب في ضياع جزء من بنية المنظمة، لكن الضربتين الأخيرتين زلزلتا البناء من قمته حتى قاعدته. جاءت الضربة الأخيرة من الرأس ووصلت حتى الأسفل. لا يوجد جيش البروليتاريا الحديدي الذي يعتقد الناس بوجوده. هل تصدق؟

لم أصدق. لا يمكن لخيالي أن يقبل بذلك، حتى لو صدق عقلي ذلك؛  ولا يمكن لقلبي وعواطفي أن تقبل ذلك حتى لو أن خيالي تصور ذلك وقبل به. نحن شيوعيون، شيوعيون, لا لأننا ننتمي الى الحزب الشيوعي، نحن شيوعيون لأننا متهمون بذلك، سواء انتمينا أم لم ننتم. ماذا نفعل بمشاعرنا الشيوعية, ماذا نفعل بشهادات اضطهادنا؟ وماذا نفعل بتهمنا الجاهزة، المتوارثة إذاً؟

- عيب! لا يمكن.

 "عيب!" هكذا نطق الكلمة، صديق طفولتي، الذي عمل معنا يوما ما في منظمة الشبيبة، رغم وجوده في موقع شبه عسكري. قلت لذلك الصديق يومئذ، مسرا له بمعلومات شديدة الدقة والخطورة: من الأفضل أن تقطع صلتك بالشيوعيين وبمنظمة الشبيبة الديموقراطية الشيوعية فورا”، فرد عليّ بغضب: أهذا أمر من الحزب تبلغه لي؟”, أجبته مهونا الأمر عليه: أنت لست عضوا حزبيا، أنت في منظمة ديموقراطية”. فنطق وهو يغص بالكلمات: وما الفرق! في حسابات أجهزة الأمن لا فرق”. قلت له على الفور: صدقت، لذلك أنصحك بأن تتخلى فورا ومن دون تردد عن أية علاقة بالشيوعيين، فقد صدر قرار من قبل السلطة يقضي باعدام كل من له صلة بالشيوعيين ويعمل في الجيش أو في أماكن عسكرية، وأنت تعمل في مكان تابع رسميا لمؤسسة عسكرية”.

­ تعني... أبطل من الحزب!

­ أنت لست في الحزب على أية حال.

­ تعني أتخلى عن مبادئي ومعتقداتي.

­ لا، ولكن ابتعد عن التنظيم وعن أي شكل من الصلات التنظيمية.

­ أي أتخلى عن مبادئي.

­ ....

­ لا يمكن.

­ قلت لك توجد عقوبة اسمها الإعدام. ألا تفهم! أما قيادة الحزب فلا يهمها أمرك، لأن استمرار التحالف يهمها أكثر من حياتك وحياة غيرك.

­ أنت تخرف.

­ أنا أغامر بهذا القول، لأنك عندي لست  زميلا” فحسب، أنت صديق طفولتي.

­ أبدا.

­ لماذا؟

­ عيب!

مسك طرف ذقنه بأصابعه المرتعشة من فرط الانفعال، ونظر اليّ باحتقار شديد وحزن وخذلان عظيمين وظل يكرر: عيب. عيب” ومضى، من غير أن يعرف أن أول وجبة من الذين سيجرى تنفيذ حكم الإعدام بهم قد صدرت الأوامر بحقها، وأن قيادة الحزب الشيوعي، على لسان أحد زعمائها، عامر عبد الله، رجت الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر أن يعفو عنهم، وحينما أبى البكر، اقترح عليه الرفيق الشيوعي، القائد، مداعبا أن تسقط عنهم الجنسيات العراقية ويعتبروا بحكم اليهود ويعاملوا معاملة اليهود  الذين سفروا الى اسرائيل!

­ عيب!

 قلت لكاظم طوفان حينما كرر السؤال عليّ قائلا:

­ هذا هو وضعنا، سنبدأ من الصفر. أنت ومجموعة صغيرة من الأصدقاء، تعرفهم جميعا، ستبدؤون من الصفر. فهل أنت ضد هذا؟

­ عيب! أجاب فورا, نيابة عن ضميري، وعلى لساني، صديق طفولتي، فانخرطت في عمل لا يكل, بمعية أصدقاء آخرين, جرتّهم كلمات سحرية, غامضة, مشابهة. كانت كلمات السر الخفية التي نننطقها أوامر داخلية, فطرية, مبهمة لا صلة لها بالعمل السياسي أو الحزبي أو الآيديولوجي، لا صلة لها بالطبقات والصراع الطبقي، لا صلة لها بالبناء الفوقي والتحتي. عهود ومواثيق والتزامات باطنية، ينطقها بألسنتنا بشر خفيون يقبعون تحت جلودنا. بشر أنقياء، صادقون الى حد الموت. بشر يهبون أنفسهم طوعا الى جلاديهم.

هكذا استمر عملنا ”نضالنا”، حتى اليوم الذي تم فيه انجاز بناء منظمة شبيبة المدينة، ثم منظمة الأطراف” أي ما يحيط بها من نواح وأقضية، ثم توحيدهما في قطاع واسع، ظهر من العدم ورسّخ الوهم القديم بشيوعية مدينة العمارة، وزاد في تأكيد تهمة الشيوعية لسكان المدينة الوادعين، الطيبين. في مساء يوم الانتهاء من اللقاء الموسع، الذي كرس لمناقشة أوضاع ما بعد استكمال بناء المنظمة الشبابية، تسلمت أمرا حزبيا”، يقضي بتسليم مهامي التنظيمية كافة الى رفاق آخرين، والتفرغ للعمل العلني في مقر الحزب الشيوعي في العمارة، كمراسل متفرغ لجريدة طريق الشعب”. فجأة، اكتشف أحد رفاق التنظيم أنني أصلح الأعضاء في المدينة للعمل الصحفي.  قبلت الأمر من دون تردد، بشعور مزدوج, متناقض بشكل حاد: ارتياح خفي لتخلصي من عبء لا يحتمل، ولكن بحزن من يطعن طعنة يعرف أنه يستحقها, طعنة الخيانة!

 قال كاظم:

­ من حقك أن ترفض.

­ عيب! أجبته وشعورعظيم بالخذلان يملأ روحي.

 لم يمض وقت طويل بعد ذلك، حينما اكتشفت أن البعث اكتشف أنني مندس في صفوف الشيوعيين لصالح قوى معادية لمصالح التحالف! وشيئا فشيئا أخذت أعي أن الدائرة بدأت تضيق, والحصار يشتد. وكلما التقيت كاظما وتناقشت معه مذكرا إياه باللحظة العجيبة التي تصارحنا فيها واتفقنا على العمل معا، قال لي:

­ امسحها في ذقني. على الرغم من أنني واثق أنك, عمليا, الرابح حتى الآن. فلولا وجودك بيننا لكنت في خبر كان.

بيد أن تلك الحماية الوهمية التي ظن كاظم أنهم قدموها لي مجانا كانت خداعا للذات محضا, خداعا لا يشتريه الحزب بفلس ولا يشتريه البعث بأقل من فلس. لذلك أدرك كاظم, بفطرته النقيّة, أنه حقا متورط، وأن ذقنه لم تعد قادرة على تحمل مسحات جديدة، خاصة أنه بطرقه الشخصية، كقيادي، عرف أن ذقنه ستتلطخ بالدم قريبا. فإذا كانت الشكاوى سابقا ضدي مجرد اتهامات من قبل جهاز الأمن، فإن شعورا خادعا  أخذ يسود داخل التنظيم ويسيطر على عناصره، مفاده أن الجبهة أهم من كل شيء، وعلاقات التحالف هي الهدف، وفق شعار خندق واحد لا خندقان”. خندق واحد حتى لو كان مليئا بالدم والغدر والوقيعة.

جاءني كاظم وهمس في أذني:

­ ما رأيك في الدراسة... والسفر؟

لم أجب عن سؤاله، لكنني التقطت الإشارة. وحينما اعتقلت وأنا في الطريق الى أهوار ناحية السلام تأكدت إشارة كاظم، ففهمت ما كان يدور في عقله، وأصبح الخيار إلزاما. وفي لقائي بكاظم بعد عودتي من ناحية السلام، حيث ذهبت لعمل تحقيقات صحفية في ريف العمارة، لكنني منعت واعتقلت بصحبة مسؤول العلاقات الوطنية السابق في العمارة, الصديق العزيز "أبو حارث" هشام الطائي, عدت وبجعبتي عدد من التحقيقات الصحفية، مسحت فيها أحوال الناس من مدينة السلام حتى العمارة، بما في ذلك تحقيق شديد الطرافة عن عمليات اعتقال جماعية واستعباد بشري من قبل مسؤولين حزبيين للفلاحين، بعثتها كلها الى "طريق الشعب" ولم ينشر إلا النزر اليسير منها، لأن الجريدة لم تكن معنية بالخلاف، بقدر ما كان يعنيها الاتفاق. وبما أن اعتقال الناس قضية خلافية، وبما أن أعمال السخرة قضية خلافية، فلا مكان لها في صحافة حزب الكادحين.  

لم يتخلف كاظم طوفان عن مد يد المساعدة المالية لي ، وساهم في هذه المساعدة صديق شيوعي، استشهد الى جوار كاظم طوفان في بشت آشان، هو أبو على (عبد الحسين علي)، الذي أقرضني خمسين دينارا، رغم فقره. فحينما استفسرت منه عن وضعه المالي، لم يجب، سكت لحظات، ثم نطق بحزن كلمة واحدة:

­ عيب!

 نطق الكلمة وذهب مسرعا الى بيتهم، الذي هو صريفة من قصب في حي شديد البؤس يقع على الضفة المقابلة  للمدينة من نهر دجلة, لكنه ما لبث أن عاد وعلى محيّاه تعابير محيّرة. عاد يحمل, بمشقة بالغة, ابتسامه حزينة، هي مزيج من الفرح الخفي الغامض والخوف من شيء مجهول، لا أحد يعلمه، حتى هو. قبّلني مودعا ودس المبلغ في جيبي. ربما كان يدرك، مثل كاظم، أنني لا بد أن أذهب. فقد أضحى وجودي جزءا من الدم الذي سيلطخ ذقن  كاظم، ومن الممكن أن يلطخ ذقنه أيضا، فقد كان زميلي في منظمة الشبيبة، وهو الذي تولى مسؤوليتها بعد استكمال بناء تنظيمها.

كاظم طوفان أبو ليلى”، و”أبو علي” لم ينتظراني كثيرا. فقد استشهدا معا على يد ميليشيات الاتحاد الوطني الكردستاني الغادرة, وهما يدافعان مع عشرات من الرفاق عن مقر قيادة الحزب الشيوعي العراقي، في جبل ناء من جبال كردستان، تلطخ الى الأبد بدم أبرياء لا ذنب لهم، سوى أنهم وثقوا بمن سيفتكون بهم. أما أنا، فما زلت أحيا، تؤرقني صورتاهما، وتجهش نفسي حينما أتذكر وجهيهما وهما يقبلاني ويودعاني داعيين لي بالسلامة، من دون أن يعرفا أن الموت كان يتربص بهما. كان الموت أقرب اليهما مني. وكلما عادت الصور القديمة الى خيالي، تدوّي في أعماقي كلمة عيب”, مثل صفعة، فأحس كما لو أنني المسؤول عن موتهما، وأن دمهما الطاهر ذكرى حارقة تبقع وجهي، وتحملني ذنب رحيلهما المبكر، رحيلهما الغادر برصاص الحلفاء. فقد هربت, بمساعدتهما, من بطش الحلفاء, وجعلتني نجاتي  شاهدا على موتهما بفعل الحلفاء أيضا.  فما أكثر الحلفاء، وما أشد غدرهم!

في الأيام التالية لسقوط صدام حاول بعضهم, تزلفا حينا وطمعا في تذكرة سفر الى مهرجان ثقافي حينا آخر, تزوير الهويات, فجعلوا  شهداء بشت آشان يسقطون " في المواجهات ضد الديكتاتورية", بما يوحي ببراءة الذئب القاتل. ووصل الأمر بأحد المواقع الحزبية أن أورد العبارة التالية عن أحد شهداء بشت آشان " استشهد  في أقبية التعذيب"! ففي زمن الخراب يبيع الورثة كل شيء, يبيعون حتى شهداءهم!

سافرت الى بغداد مرورا بالبصرة. بصحبة أبي زيتون، أحد أكبر واشهر قياديي المنطقة الجنوبية العلنيين, سافرت أولا الى البصرة بسيارة الفولغا، التي كنا نسميها سيارة الحزب. كان شعوري لا يضاهى وأنا أقطع المسافة من العمارة الى البصرة جالسا في سيارة الحزب. فلم يكن شعوري هو شعور من يركب سيارة، قال عنها صديق برجوازي  من أيام الدراسة الجامعية، إنها متعفنة ومتخلفة كالشيوعية. كنت أحس بزهو لا مثيل له ودغدغة طبقية عجيبة، ربما لا توازيها سوى دغدغة الكرسي الوثير, الذي جلس عليه ستالين في مكتبه الفاخر أول مرة عقب اطلاق النار على لينين. فقد دهمني وتلبسني شعور عميق، صادق، بأنها السيارة الوحيدة التي امتلكها فرد من أفراد عائلتي، عائلتي  الكبيرة، التي هي جماهير حزب الكادحين . إنها سيارة الجماهير, سيارة الشعب بأسره!

(بعد فترة وجيزة سقط أبو زيتون وسيارته الروسية سقوطا مدويا, فتلقفه البعث بالأحضان!)

في مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، بعد جدال متعب وعبثي مع السيدين ماجد عبد الرضا، بدرجة رئيسة، وثابت حبيب العاني، اختتما الكلام بأن طبعا لي رسالة فيها تأكيد على هويتي الشخصية الى الجهات اليمنية في عدن، استلمتها بعد تلكؤ وخصام ومناكدات، (اكتشفت بعد أشهر أن الرسالة كانت تتضمن عبارات ليست في صالحي)، وحينما ودعتهما وخرجت، استوقفني صوت ماجد وهو يقول ساخرا، مداعبا:

­ الى أين تعتقد أنك ذاهب يا رفيق، الى الجنة؟

التفتت اليه، وقلت بجفاء اليائسين:

­ ربما لن تكون عدن هي الجنة، لكنني أترك جنة التحالف لكم.

بعد سنوات ذكرّت ماجدا بذلك، في مؤتمر الحزب الاشتراكي اليمني الأول. حضر ماجد ممثلا عن الحزب وحضرت أنا مراسلا لـ "طريق الشعب"، وكان بصحبة قيادي من الجبهة الديمقراطية، حينما سألته:

­ سمعنا أخبارا تتحدث عن حل المنظمات الديموقراطية!

 قلت ذلك وأنا أعرف أن ماجدا نفسه يقف على رأس الاتجاه الرامي الى حل المنظمات، أو في الأقل يتولى مهمة ترجمة و"أدلجة" وتسويق القرار لصالح القيادتين البعثية والشيوعية.

­ لا، ليس حلا.  نحن خيّرنا أعضاء المنظمات الديموقراطية التابعة للحزب، بشكل ديموقراطي وطوعي، بين أمرين: أن يتحولوا الى أعضاء حزبيين، أو أن يتركوا الحزب.

­ والذي لا يريد أن يكون حزبيا؟

­ هذا من حقه أيضا، هو حر، يستطيع أن يفعل ذلك.

­ كيف؟

­ كيف! يحل عن, عن رقبتنا.

لا أعرف ماذا سيقول الرفيق الذي خاطر بحياته وانضم الى المنظمات الديموقراطية وهو في جهاز عسكري حينما يسمع اليوم, وهو في قبره, أن قيادة الحزب اعتبرت شيوعيته قيدا يغل رقبتها، وأنها ترجوه أن يحل عن رقبتها؟ وماذا سيقول الشهداء الآخرون، الأحياء منهم أو الأموات!

 

### # ###

 

في شباط 1969 سقطت أقوى شخصية شيوعية عراقية معارضة بيد الشرطة. جاء النبأ صاعقا مثل ضربة برق. لم يصدق كثيرون ذلك، رغم أنهم اعتادوا، من حين الى آخر، قراءة أخبار في نشرة الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يجري غزلا جبهويا مع السلطة، تشير علنا الى تحركات مشبوهة يقوم بها ر”  أو غيره من قياديي الفريق الشيوعي المناويء، الذي يرفض التحالف مع البعث. بعض هذه الأخبار كان يشير بدقة متناهية الى مواقع البيوت الحزبية الأوكار السرية”، التي يتحرك فيها الخصوم. في هذا المناخ المنقوع بالسموم وقع عزيز الحاج، الشخصية الشيوعية الأسطورية بيد السلطة، وتقرر عرضة على الملأ في التلفزيون.

حينما سمعنا الخبر، سارعنا مثل أغلب العراقيين الى أقرب جهاز تلفزيون. كنا آنذاك مجموعة من طلاب الجامعة نتسكع عند الغروب، بعد جولة القراءة اليومية المعتادة، في شارع أبي نؤاس، في رأس الزقاق المؤدي الى مقهى المعقدين. حينما سمعنا النبأ رأينا الشارع يقفر والناس يسرعون بصمت وقلق وخوف ليحتشدوا أمام أقرب جهاز للتلفزيون، بانتظار مشاهدة الرجل الأسطورة. حبسنا أنفاسنا جميعا حينما ظهر المقدم ذو الصوت الخشن، الذي اعتاد الناس رؤيته في الأحداث الجسام: محمد سعيد الصحاف، مدير التلفزيون سابقا، ووزير الإعلام لاحقا، مما زاد من حدة الرهبة في نفوس الناس وعمق وقع اللحظة الأسطورية في خيالهم المضطرب.

لم تدم مشاهد الأسطورة طويلا لدى شاب دون العشرين مثلي، غارق في بحر متلاطم من الخيالات الغامضة. لم يدم شكل الأسطورة سوى ثوان، رأيت فيها عزيز الحاج لا كما ظننته. فلم يكن طويلا، ذا شوارب كثّة. ولم يكن يجلس متحديا، ولم يكن يملك نبرة الثوار الشجعان، الخارجين توا من غابات القصب. كان نحيلا، أميل الى الاصفرار، بطيء الكلام، متقطع وخافت الصوت.كان مشوشا، مترددا، تغلب عليه الحيرة، وتتقافز على ملامحه البسيطة أسئلة، ينحدر، جلها، من نبع واحد، اسمه الخجل. الخجل الخفي من أمر ما يصعب تشخيصه وإدراكه.أمر ما أبعد غورا من التفسير السطحي، الجاهز، الفظ، للعبة السقوط السياسي، التي يساهم  في صناعتها الجلاد والضحية والمتفرجون.

على الرغم من أنني منيت بخسارة روحية كبيرة, خسارة الشكل الفني للأسطورة, إلاّ أني سرعان ما وجدت تعليلا منطقيا، يرضي نفسي الحالمة ويعوضني, كذبا, عن خساراتي الفادحة: تلك هي آثار التعذيب! ومن يستطيع أن يصمد أمامهم! من يستطيع؟

لكن الطعنة الموجعة جاءتني من عزيز الحاج نفسه، حينما أجاب عن سؤال وجهه الصحاف اليه، مفاده: هل تتحدث الآن بملء حريتك أم أنك أكرهت على ذلك؟

جاء الجواب، بعامية بغدادية، لا أحبها كثيرا: "آني أحجي بكل حريتي".

­ لماذا؟ نطق المقدم ذو الصوت الخشن.

­ لأن الاستمرار في الكفاح المسلح، مثل أن ينطح الإنسان حائط، لما ينفجخ ( يشج رأسه) يحس الإنسان أنه تعور”!

بتلك النهاية البائسة أحرق عزيز الحاج أسطورة عجيبة، ظللت أحتفظ بها لنفسي في الخيال، على أنها الصورة الفريدة، لصاحب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشر. القائد الذي كان مؤملا له أن يظهر من بين أعواد القصب، على ظهر مدرعة مغنومة من الجيش، ترفرف عليها راية حمراء, يزهو في قلبها شعار المطرقة والمنجل.

كل ذلك حدث قبل أن يطفىء صاحب المقهى جهاز التلفزيون، لكي يلتفت الى الأعداد الغفيرة من الزبائن الذين أمّوا مقهاه، واحتشدوا فيه ثم غادروه صامتين مصابين بالخيبة والذهول، من دون أن يشربوا شيئا أو يدفعوا شيئا. كان عرضا مجانيا لأسطورة رثّة!

حاولت، مطعونا، أن أفلسف الأمر لأصدقائي، الذين كانوا لا يقلون ذهولا عني، فقلت لهم: كلنا نعرف أن عزيز الحاج لا يمثل اتجاه القيادة المركزية بثوبه النقي، وأنه منذ زمن أعلن للقيادة بأنه لا يؤيد خط الكفاح المسلح، لذلك فما قاله ليس جديدا، أو مفاجئا.

حقيقة، كان ما قاله جديدا، مفاجئا، مبكيا، وصاعقا الى حد الموت.

السؤال الوحيد الذي لم أضعه في حسابي آنذاك وأنا أحاول ايجاد تبرير لما حدث، وايجاد تبرير يحفظ لي شرف الإيمان بأسطورة رأيتها تتمزق إربا أمام عيني، هو السؤال المتعلق بعزيز الحاج نفسه كإنسان، لا كأسطورة.

لأن الأسطورة من صناعتنا, يحق لنا أن نحاكمها كما نشاء على هوانا, أما الإنسان فملك لنفسه, لحقيقته الشخصية.  ترى ما الذي أبقى عزيز الحاج في التنظيم بعد أن أشاع عنه رفاقه أنه سقط تنظيميا وآيديولوجيا قبل سقوطه العلني”! لماذا ظل إذاً متربعا على رأس التنظيم، ولو اسميا؟

ذلك سؤال لا يخص عزيز الحاج وحده، بل يخص خيرة مبدعي بلادنا، وربما يخصنا جميعنا. يخص صديق طفولتي الذي أجابني بغضب وحقد واحتقار: عيب!” حينما أخبرته بأمر التخلي عن الحزب تجنبا للإعدام. يخصني أنا شخصيا، حينما نطقت كلمة :”عيب!”  أمام كاظم طوفان، من دون قناعة حقيقية بنشاط سياسي لا تربطني به سوى عاطفة غامضة وأوهام أخلاقية. طعنة عزيز الحاج كررها كثيرون، بطرق متنوعة، منهم على سبيل التمتع بالعذاب الروحي، لا على سبيل المثال، شاعر أحببته يوما ما. شاعر  رُبط  بسلال حزبية من ذهب ووضع في  فم الأفعى وقيل  له : غرّد أيها الشحرور، غرّد على غصن التحالف!”. قالوا له ذلك وراحوا ينظرون اليه من بعيد, يراقبون ضعفه وينتظرون لحظة انكساره الأكيدة, وهم  يقفون على قمة أعلى أشجار الغابة البعيدة. ذلك هو يوسف الصائغ, وغيره كثيرون.

 

### # ###

 

خلال السنوات العشر المنصرمة، عصفت بحزب اليسار السويدي ثلاث عواصف أخلاقية. الأولى سقط فيها رئيس الحزب السابق لارش فارنر بسبب تعاطيه الخمور وإدمانه، وحلت محله غودرون شيمان، التي تمكنت بمهارة اللبوْة من رفع رصيد الحزب ليصبح قوة سياسية مؤثرة، شغل المرتبة الثالثة في الكثير من استطلاعات الرأي. لكن غودرون سرعان ما تعرضت مرتين الى فضيحة عاصفة، بعد أن وشت بها الصحافة، وتلقف ذلك الاعلام المتربص بها شخصيا كامرأة وكزعيمة لليسار، حينما اكتشفوا أنها تعرضت الى نوبات من الإدمان على الكحول؛ وهو أمر يتنافى مع موقعها كرئيسة لحزب، ويتعارض بشكل صارخ مع واجباتها كممثلة للناخبين في البرلمان. لكن غودرون التي لا يحتوي قاموسها السياسي والشخصي كلمة عيب، لم تخف رأسها تحت مظلة التبريرات الأخلاقية، فوقفت بصدق تام أمام الصحافة، وأمام عدسات التلفزيون، التي تسابقت  لاصطياد طريدة من الوزن الثقيل.

لم تقل غودرون: عيب، ولم تتظاهر بالشجاعة والقوة، ولم تستتر خلف كوابح أخلاقية واهية، تتعارض مع ضميرها ومقدرتها وقناعاتها الحقيقية كفرد وكإنسان. قالت:  أنا أعترف بما حدث، أنا آسفة لما حدث. ساعدوني، ساعدوني كي أستطيع أن أثبت لكم، ولنفسي أولا أنني قادرة على التغلب على ضعفي،  وأعدكم بأنني سأتخلى عن كل مسؤولياتي الحزبية، لو أنني وجدت أنني غير قادرة على تبرير الثقة التي منحني الناس إياها.

ظلت غودرون شيمان على رأس أحد أقوى الأحزاب اليسارية في أوروبا، حتى دهمها خصومها مرة أخرى، مستغلين خطأ بسيطا في حساباتها الضريبية، فاقتلعوها واقتلعوا اسطورتها اليسارية في غضون ثلاثة أيام فقط، ماسحين وجودها كرئيسة لحزب اليسار وكسياسية، في واحدة من أفظع وأمهر التصفيات الديموقراطية للخصوم.

 

### # ###

 

في مجتمع لا يدخل فيه الناس السياسة من  باب العيب”، لا يحتاج المرء الى استخدام كلمة مُضلّل” وهو حي، أو”شهيد” وهو ميت.

### # ###

خاتمة حزينة وجارحة: حينما سقط الصنم هرعت الأمهات المكلومات الى المقابر الجماعية يبحثن عن عظام أبنائهن, في مشهد عويل أسطوري مرعب. أما حزب الكادحين, فلم يفكر, حتى هذه اللحظة, في البحث عن قبور شهدائه.

أهو موسم بيع الشهداء!

 

صائب خليل

 

 

جبار شهد

صديقي الذي قضى في بشتاشان , حلبجة العرب

 

 




لم تكن علاقتي بـ جبار شهد علاقة قوية، لكن النقاشات السياسية الساخنة في شوارع جامعة الموصل، تحت شمس الربيع الرائعة حفرت خطوطاً لازالت واضحة في ذاكرتي. كانت "الجبهة" تتآكل أواسط السبعينات والطلاب الشيوعيون يدورون كالنحل قلقين يشرحون لزملائهم الذين يثقون بهم - ولو بدرجة ما - ما يحدث وراء الكواليس، وكان (بعض) الطلبة البعثيين يرصدون أي وجود لجريدة طريق الشعب لدى أي طالب، بعضهم بحماس أمني قبيح، والبعض الآخر ينفذ التعليمات باستحياء ظاهر ورجاء خجول. من هذه التعليمات أذكر قرار منع ترك الجريدة على الرحلات أو على المناضد في المطاعم، وأذكر نقاشاً لي مع أحد الأصدقاء البعثيين المتورطين في مثل هذه المهمات المخجلة، حين حاول إقناعي أن شراء الجريدة وقراءتها ليسا ممنوعين، لكن تركها على المنضدة يعتبر محاولة نشر غير مسموح بها. دار النقاش بحضور مجموعة من الطلبة من الشيوعيين والبعثيين والمستقلين وكانوا الأكثرية.
بعد ذلك تفرقت الجماعة وبقي جبار يتابع الحوار معي عن تصرفات بعثية أخرى، ثم سألني بشكل مباشر إن كنت أفكر في الإنتماء إلى الحزب الشيوعي!
بعد ردود قصيرة متبادلة لم يقتنع بأسبابي تماماً لكنه لم يشأ أن يلح، فاختتم الحديث بأن قال لي: "على كل حال، فكّر بالأمر"، وقبل أن نفترق سألته كيف تجرأ ووثق بي ليطرح مثل هذا الإقتراح رغم أن معرفته بي ليست قوية، خصوصاً وأن مثل هذا السؤال قد يسبب له مشاكل كبيرة في تلك الظروف. قال إنه يحس بالمقابل ويعتمد على إحساسه، وأضاف: "من طريقة نقاشك، أعتقد أيضاً أن من يكسبك يكسب أمراً ليس بالقليل".
لم يكن إنطباعي حينها أن الحزبيين بشكل عام، ويشمل ذلك الشيوعيين، يتحمسون لـ "كسب" شخص كثير الجدل لتفاصيلهم حتى إن اتفق معهم في العموميات، فشعرت أن جبار كان يعبر عن رأي ومحبة شخصيتين بالدرجة الأولى.

بقيت هذه الجملة في ذاكرتي، ولم نلتق بعدها لقاءات خاصة أذكرها، لكن وجه جبار النحيف ذو الضحكة الخاصة الرائعة وجرأته التي كانت تشع من عينيه وتواضعه الشديد التأدّب تجعلك تشعر أنك قريب منه تماماً حتى حين يشير بيده من بعيد.

في يوم ما إكتشفنا أن جبار شهد إختفى ولم يعد إلى الدوام. كانت هناك نظريتان ألأولى هي أن الأمن البعثي ألقى القبض عليه، والثانية هي أنه هرب بعد أن إستشعر الخطر. أصدقاؤه ألمقربون أكدوا أنهم لايعرفون شيئاً عنه، ولم ألح عليهم بالسؤال. وفي يوم، بعد أكثر من ربع قرن، قرأت اسمه في مقالة عن شهداء الأنصار، فأرسلت إلى كاتبها مستفسرا ً، فأجابني إنه نفس جبار شهد الذي أعرفه وأنه التحق بالإنصار في السبعينات وأصبح ضابطاً وكان معروفاً بشجاعته النادرة وإنجازاته وانه استشهد في معركة بشتاشان!

في الفترات التي تلت قرأت عن هذه المجزرة وعن حرب الأنصار البيشمركة العديد من المقالات وتعرفت من خلال ذلك بشكل أكبر على صفحة هامة من تأريخ نظال الشعب العراقي ضد الدكتاتورية، قصصاً رائعة يتوجب تحويلها إلى أفلام روائية وأناشيد لتثير في الإنسان العراقي وليس الشيوعيين وحدهم، فخراً واعتزازاً هو بأشد الحاجة اليهما في ظرفه الصعب، فهو لايكاد يعرف سوى قصص الهزائم والإحباط تتلقفها وتنشرها أقلام كثيرة مغرضة وأخرى متبرعة.

لكن قصة بشتاشان تثير تساؤلات عديدة لم تتم الإجابة عنها حتى اليوم، وقد تمكن من فرضها على الساحة الثقافية نفر من الأنصار ذوي الذاكرة العنيدة، والإخلاص الشديد للأسئلة التي آنست ان تعشعش في رؤوسهم فوعدوها بإيصالها إلى كل الناس. أسئلة إلى حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي نفذ المجرزة بقيادة الرئيس الحالي جلال الطالباني وبقيادة مباشرة من نوشيروان مصطفى، وأيضاً إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي يلومه المطالبون، بمجاملة الحزب الديمقراطي الكردستاني على حساب ضحاياه.

من جملة ما قرأت ورأيت كانت مقابلة نوشيروان مصطفى مع قناة البغدادية (1)، وهو الذي اتهمه بعض من أرخ الجريمة بأنه من قاد المعركة وأمر البيشمركة لاحقاً بقتل جميع الأسرى. أثارت أجوبة نوشيروان في ذهني مقارنات مؤلمة مع مقولات صدام ومع جريمة حلبجة. فهاهو يبرر أن ما حدث قد حدث ضمن حالة حرب بين جبهتين، وأن الإتحاد الوطني كان في ذلك الوقت في حالة قتال مع الحكومة الإيرانية، وهو ما يقوله المدافعون عن صدام بالضبط، ممن لم يلجأوا إلى أكذوبة أن إيران هي التي قصفت حلبجة, فقالوا إن ضرب حلبجة كان خلال ظروف الحرب مع إيران، وإن حلبجة كانت تقف في الخندق الآخر وكانوا صادقين تماماً مثلما كان نوشيروان صادقاً في ما قاله، ولم يكن تبريره بأفضل من تبريرهم. كلاهما كان يجد في "حالة الحرب" مبرراً كافياً لإطلاق كل ما في داخله من وحشية!

مع ذلك فهناك حادثة تشير إلى أن "حالة القتال" التي تحدث عنها نوشيروإن لم تكن بالحجم الذي يفسر ما حدث في بشتاشان من قتل شامل وفضائع تمثيل بالجثث. فقد تحدث من نجا من المذبحة أن رتلاً عسكرياً تابعاً للإتحاد الوطني أراد عبور روابي بشتاشان إلى خلفها، وأحسَّ الشيوعيون وقتها بالخطر حيث أن ذلك يعطي هؤلاء فرصة لمحاصرتهم ومهاجتمهم من منطقة ذات أفضلية عسكرية، وهو على ما يبدو الهدف الحقيقي من هذا الإلتفاف. أوقف الشيوعيون الرتل ومنعوه من العبور دون أن يشتبكوا معه، مما يدل على أن حالة العداء بين الطرفين لم تكن قد عبرت خط المفاوضات والحديث. وقد طلب الرتل من المقاتلين الشيوعيين الإتصال بقيادتهم للإستفسار عن الأمر، وتم ذلك بالفعل، وأمرت القيادة بالسماح للرتل بالمرور، وهذا دليل آخر على أن العلاقة لم تكن قد وصلت إلى إنعدام كل ثقة بين الطرفين. وبالفعل نفذ البيشمركة الشيوعيون الأمر، ولو كانت المسألة بينهم وبين الإتحاد الوطني مسألة حياة أو موت كما يحاول شيروان أن يوحي لنا، لكانوا رفضوا تنفيذ أوامر القيادة، ولما صدّقوا قصة الرتل بأنهم ذاهبون لصد هجوم متوقع للجيش الإيراني (حسب اتفاق بينهم وبين بغداد!!). وقد تركهم المقاتلون يمرون تعاوناً منهم معهم لتنفيذ إلتزاماتهم، رغم ما يحسون بأنه قد يشكل خطراً جسيماً عليهم.

كل هذه النقاط تشير إلى أن العلاقة المتوترة بين الطرفين كان يشوبها بعض الأمل في التفاهم والتعاون، وأن قيادة الإتحاد الوطني الكردستاني كانت على علم بذلك وإلا لما أملت أن الشيوعيون سوف يسمحون للرتل بالعبور إلى وراء ظهورهم، وقد استغلت قيادة الإتحاد الوطني هذا الأمل للإيقاع بضحاياها.

كذلك حاول نوشيروان إعطاء انطباع بأن عدد الضحايا التي إدعاها الشيوعيون والتركيز عليهم لم يكن بسبب كثرة الضحايا منهم وإنما لأن الشيوعيين كانوا يملكون جهازاً إعلامياً قوياً (!) ولذلك "عملوا ضجة كبيرة في العالم، وضخموا من المسألة" حسب تعبيره. إنها نفس حجج المدافعين عن جريمة صدام في حلبجة والذين يؤكدون أن عدد ضحاياها قد بولغ به، وإنهم ليسوا خمسة ألاف وانما بضع مئات أو أقل. والحقيقة أن "الجهاز الإعلامي" الحالي الموضوع تحت تصرف الساسة الكرد يعتبر هائلاً بأية مقاييس عراقية، كما أن تجارباً سابقة تقول انه لا يوجد أي شيء يدعو إلى الثقة بالأرقام التي يعطيها هؤلاء الساسة، خاصة بعد فضائح نسبة الـ 17% وما تم كشفه من أحداث الإنتخابات وتزوير الجوازات من قبل السفارات. لكننا نرفض مناقشة عدد الضحايا، فمسألة الأرقام ليست موضوع النقاش، ولا يجب أن تكون، لا في حلبجة ولا في بشتاشان.

وعندما سأله مدير المقابلة إن كانوا قد راجعوا هذه الأحداث لاحقاً واتخذوا موقفاً آخر منها أجاب نوشيروان: "عندما تتعرض إلى هجوم من الآخرين، ألا تدافع عن نفسك؟". إنها مرة أخرى نفس دفاعات الصداميين. هم حاولو اقناعنا أن الجيش العراقي تعرض إلى الهجوم من قرية صغيرة استقبلت الجيوش الإيرانية ووفرت لهم موقعاً، رغم أنه لم يكن فيها وقت القصف سوى كبار السن والنساء والأطفال، ونوشيروان يريد أن يقنعنا بأن بشتاشان هي التي هاجمت محاصريها، وأن من حاصرها كان يدافع عن نفسه! إن قصة "الدفاع عن النفس" هذه مجانية تماماً ولم يسبق لمعتد ان قال انه اعتدى، بل كانوا دائماً يدافعون عن انفسهم. هتلر قال انه كان يدافع عن نفسه عندما احتل جيكيا، وصدام قال ذلك عندما احتل الكويت واميركا قالت إنها كانت تدافع عن نفسها في كل هجوم تقوم به من فيتنام إلى العراق، فلماذا لايحق لنوشيروان ان يستعمله؟ ما كان يفترض بمدير المقابلة ان يسأل ضيفه: لماذا لم يكن الرتل العسكري للإتحاد الوطني، والذي سمح له الشيوعيون بالمرور مشمولاً بهجوم الشيوعيين هذا؟

التشابهات بين الجريمتين كثيرة كما نرى، لكن هناك بلا شك فروق هامة أيضاً. ففي حلبجة إستخدمت أسلحة دمار شامل لاتفرق بين المقاتلين والمدنيين وبين الرجال والنساء والكبار والصغار، وكان المنظر الذي تركته بشعاً مقززاً لأي شعور إنساني. لكن من الناحية الأخرى فإن النساء في بشتاشان لم يتم إستثناؤهن من القتل، وأن الأوامر كانت بإعدام جميع الأسرى العرب خصوصاً بلا استثناء، ومن الصعب أن نقول لو أننا رأينا أشلاء الضحايا التي تم تشويهها والعبث بها بعد القتل، أيهما أشد إثارة للتقزز، هي أم منظر الأب الذي قتلته سموم صدام في أزقة قريته وهو يحتضن طفله!

ومن الفروق التي يجب الإهتمام بها أيضاً هي أن قادة ومنفذي جريمة حلبجة والأنفال قدموا للمحاكمة وبسرور العرب قبل الكرد، وطالب العرب بنيلهم لجزائهم العادل قبل الكرد، أما مجرمو بشتاشان فما زالوا طليقين أحرارا، بل مازالوا قادة في كردستان والعراق. ألفرق أيضاً أن جريمة حلبجة تم الإعتراف بها من قبل البرلمان العراقي وتقديم الإعتذار عنها، وهو إعتذار سخيف في الواقع طلبه القادة الكرد من نفس رفاقهم الذين كانوا معهم في معاركهم ضد دكتاتورية صدام حسين التي كانت توجه النار إلى صدورهم جميعاً بلا تمييز. لا يستطيع الكردي أن يشعر بمدى سخافة هذه المطالبة وهذا الإعتذار إلا إذا طلب أبناء الجنوب منه أن يعتذر عن مذابح الجنوب التي نفذها الرئيس العراقي باعتبار أن الكردي عراقي أيضاً، أو كان محسوباً كذلك حتى إن لم يشأ أن يسمى عراقياً، أو إذا طالبت الكويت من البرلمان الكردستاني أن يقدم اعتذاراً مشابهاً لنفس السبب! لقد تم تحويل هذه القضية الإنسانية إلى قضية قومية باهتة، رغم أن هناك الكثير من الكرد من المشاركين في الأنفال ورغم أن هناك الكثير من العرب الذين شارك الكرد القتال ضد صدام، لكن بعض الحقائق يجب ان تصمت!
بلا خجل يتقبل الساسة الكرد، وجود المجرمين المباشرين في الإنفال، من اكراد، وحتى من العرب، بين أحضانهم ويحمونهم من القانون الذي كان يريد الإقتصاص منهم، بل يسلمونهم المناصب القيادية الخطرة، ويحولون حساب جرمهم إلى الشعب العربي في العراق والذي كان يئن تحت الدكتاتورية مثلهم. لو أردتُ زيارة كردستان فيجب علي، حتى لو لم المس كردياً بأذىً في حياتي، أن أشعر ببعض الذنب لأني عربي، ربما أتصل جينياً بصدام حسين في أعماق التأريخ، أما كولن باول الذي منع العالم شخصياً من إدانة صدام في جريمة حلبجة، أو رامزفيلد ألذي أسهم في دعم صدام حسين وتسهيل حصوله على الإسلحة من الغرب حين كان يقصف الكرد بها، فيمكنهم أن يثقوا بأنهم سيستقبلون في كردستان إستقبال الأبطال، رغم أننا لانحتاج إلى الذهاب إلى أعماق التأريخ لنرى مساهمتهم الموثقة بالأفلام والوثائق!

هذه هي النتائج المثيرة للسخرية والألم، للجهود الكبيرة التي بذلها قادة الحزبين الكرديين الكبيرين ومن يشير عليهم من الخارج، من أجل تحويل الجرائم التي لحقت بالشعب الكردي إلى جرائم قومية ورفع ذنبها عن مقترفيها وتوزيعه على الأبرياء من قومه لتشمل حتى من حارب منهم هؤلاء الجناة وضحى بحياته أو خاطر بها للوقوف ضد الجريمة.
ليس هذا غريباً فالكثير من هؤلاء الجناة مازالوا يقودون كردستان ويتعاونون على نهبها ويريدون لهذا الحال ان يستمر.

بالمقابل فأن المطالبين بحق بشتاشان ترفّعوا جميعاً عن إفسادها بصبغة القومية العنصرية وهذا شرف لهم. فرغم إشارتهم إلى أن الضحايا العرب عوملوا بقسوة خاصة، فقد اقتصرت مطالبهم على تقديم المذنبين إلى المحاكمة باعتبارهم أشخاصا متهمين بجريمة ارتكبوها بأنفسهم وليس اقربائهم أو أبناء قومهم. لم يقل أي منهم أو يوحي بأن الشعب الكردي، الذي كانوا ومازالوا وسيبقون يعتبرونه صديقاً، مسؤولا عنها بأي قدر، ولم يرشّوا الذنوب عليه.

إن البعض من القادة الكرد الذي شوه قدسية حلبجة بصبغة ذنب عنصري، هو نفسه الرافض لفتح حساب قتلة بشتاشان وهو من يقرر اليوم كيف توزع الذنوب مثلما يقرر كيف توزع الثروات في كردستان. هم ماضون في سبيلهم، ورفاقك ذوي النفوس الآسرة مثل نفسك يا جبار، من عرب وأكراد، لم ييأسوا، وهم ماضون في سبيلهم أيضاً.


 

18/11/2009                  العدد 7  

 

كتابات الشهداء

 

حول انهيارات

 تنظيمات اليمين

 الانتهازي في

 الداخل

 

 

الشهيد البطل

ستار غانم

(سامي حركات)

مؤسس حركة

 ( شيوعيون عراقيون)

 في كردستان العراق

 

 

ا


رسالة الى الرفاق محدودة التوزيع -اذار 1989

حول انهيارات تنظيمات اليمين الانتهازي في الداخ
ل


كانت امام الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, عشية عقد المؤتمر الرابع خريف 1985 , احصائية تشير الى ان اكثر من 90% من الاعضاء والكوادر المرسلين الى الداخل , منذ انتقال حزبهم الى المعارضة, اما قبض عليها او استسلمت لاجهزة النظام بمحض ارادتها. ومن ضمن ال10%الباقية لا يزال الغموض يكتنف مصير بعضهم , وكان توجيه الاتهامات بين المجتمعين بديلا من مناقشة اسباب هذه الانتكاسات
واثناء المناقشات التي دارت في اروقة المؤتمر اشير فقط ـ كالعادة ـ الى الانجازات المتحققة على الصعيد التنظيمي ـ وهي على اية حال انجازات على الورق ـ خلال الفترة المنصرمة . اما ما حدث من اخفاقات , فرحل الى نشاط العناصر المتطرفة وسيادة الليبرالية والتسيب. وكان ان اعادوا تشكيل الهيئات المشرفة على خطوط الداخل ليس بما يضمن تجنب الاسباب التي ادت الى الانتكاسات , وانما باسلوب يتلائم والتوازن الذي افرزه المؤتمر
وبعد انفضاض المؤتمر, كان جل حديثهم عن الانجازات التنظيمية الهائلة التي لم تكن في حقيقتها سوى توهمات , ووصفوا مقررات مؤتمرهم بالتوجه الجديد الذي ستظهر نتائجه في عمل منظمات الداخل, لاحقا
وبغية دحض الادعاءات الزائفة , نضع بين ايدي الشيوعيين والوطنيين ممن تهمهم قضية الطبقة العاملة والوطن , الذين قد يتوهمون ويعقدون الامال على زيف هؤلاء , نضع الحقائق ادناه , ولا نستهدف من وراء ذلك التشهير , ويعلم قادة اليمين بان هناك الكثير من الحوادث يصلح كل منها مسلسلا لا ينتهي
سنركز بهذا الصدد على الفترة المحصورة منذ عقد المؤتمر الرابع ولغاية تشرين الاول 1988, وهي فترة طويلة نسبيا من الممكن ان تظهر خلالها نتائج ما ادعوه بتوجههم الجديد , هذا فضلا عن ان الفترة المذكورة كانت تعتبر فترة تطور هادئ نسبيا , اذا ما اعتبرنا سياسة القمع والارهاب التي تمارسها الفاشية عاملا ثابتا. حيث انجزت خلالها المصالحة بين القوى الوطنية , كما ان ـ ح ش ع ـ لم يكن يعاني من اية صعوبات فنية او غيرها
ولكن نلاحظ, على الرغم مما ذكر , بأن الانهيارات التي حصلت على صعيد الداخل تزايدت بالقياس تالى فترة ما قبل المؤتمر .

ماذا نستتنج من كل هذا ؟
ان الحالات المشار اليها اعلاه تشير الى حقيقة واحدة , وهي افتقار ما يسمى بالحزب الشيوعي لابسط المقومات التي يستند اليها التنظيم الطبقي . ويعود هذا الى طبيعة بناء الحزب الشيوعي التقليدي بما ينسجم مع السياسة الاصلاحية التي دأب على انتهاجها , تنظيم لم يعد له مهمات ثورية استراتيجية , فقط اعد لتنفيذ سياسة اللحظة الراهنة.فليس من المستغرب ان ينظم في صفوفه من العناصر التي استسلمت طواعية للعدو و ليس كاعضاء فقط , وانما تسلموا مراكز قيادية حساسة فيه , وتحوله الى مجرد هيكل بيروقراطي يكون الولاء فيه للقيادة والسياسة المرسومة هي المقاييس التي يتم في ضوئها اختيار الكادر
الا ان ما يثير الانتباه لما اشرنا اليه , اذا ما استثنينا ظاهرتي الانشقاقات والاستقالات الجماعية , هو تزايد حالات الاستسلام للعدو , التي ارتفعت نسبتها ما بعد المؤتمر بشكل خطير , واكثر هذه الحالات وقعت في صفوف الكوادر الوسطية والمتقدمة . وكاحصائية في عام 1986 استسلم اكثر من 15 كادر من بين الذين ارسلوا الى الداخل أ باستثناء اقليم كردستان ـ والكثير من هؤلاء كان قد شارك ولسنوات في تنفيذ السياسات الاصلاحية
ان قادة التقليدية يرجعون اسباب هذه الانهيارات الى الاخطاء الشخصية من هذا المسؤول او ذاك و او يرحلونها الى عوامل خارجية ـ مؤامرات الاعداء ـ ونشاط العناصر المتسيبة والليبرالية اللامسؤولة . الا ان تبسيط هذه الحالة التي اصبحت منذ زمن بعيد ـ ظاهرة تطبع منظمات اليمين باكملها , لا يؤدي الا الى المزيد من حالات الانتكاس والتردي . اذ ان دفن الرؤوس في الرمال واغماض العيون عن ما يجري لا يحول دون توقف هذه الظاهرة من السير في مجراها الطبيعي, هذه الظاهرة التي ولدتها , تولدها , اسباب فكرية , وهي طبقية من حيث الجوهر ايضا , وسياسية تتعلق بالخطاب النظري للشيوعية التقليدية وبرنامجها السياسي
ان الشيوعية التقليدية ظلت , منذ ان اصبحت سائدة داخل الحزب الشيوعي وفي الحركة الشيوعية العراقية , امينة لسياستها الاصلاحية المستندة على فكرة التعاون الطبقي . وهادنت منذ 1958 كافة اشكال حكم البرجوازية واسهمت في المنعطفات الحادة ـ وبفعالية بفك الحصار عن البرجوازية وانقاذ حكمها من الانهيار. وكان جل نشاطها السياسي يتمحور حول تجميل صورة هذا الحاكم او ذاك , واذا ما حدث وان ان اعنت معارضتها لنظام معين , فأن هذه المعارضة لا تكون سوى حالة طارئة تستهدف اما امتصاص او تدجين المعارضة داخل الحزب و او محاولة الضغط على البرجوازية بهدف ايجاد شروط افضل للتعامل معها . وعند انتقالنا الى جانب الممارسة نلاحظ ان الشيوعية التقليدية قد اتفقت مع كل انظمة الحكم ولم تدخل في صراع سياسي جاد معها . مثل هذه السياسة عانت وتعاني من الفشل تلو الفشل , لان البرجوازية لم تعد بحاجة الى تزكية الحركة الشيوعية التقليدية, بل احكمت طوق العزلة عليها ولم تستجب لتوسلاتها وكان اخرها دعوتها لانهاء الاوضاع الاستثنائية
ومن المعروف ان مؤتمرهم الرابع لم يكن الا تتويجا لمرحلة سبقت مؤشراتها عقد المؤتمر , هذه المرحلة , هي مرحلة التفسخ الفكري والتفتت التنظيمي . فعلى الصعيد الفكري لم يعد بمقدور التقليدية سوى الدفاع عن مواقع مخترقة اصلا , وعلى الصعيد التنظيمي , فأن بعض اقطاب اليمين انتظمت بتجمعات لا تختلف من حيث الجوهر عن الخط الفكري السائد سوى انها اكثر صراحة في الدعوة لسياستها التصفوية الداعية الى العودة لاحضان الفاشية
اما الاتجاه الذي افرزه المؤتمر فأنه معلق بين الضغط الذي يشكله سير
الاحداث الثورية , وبين الاساس الفكري والاجتماعي للشيوعية التقليدية, والذي يريد العودة سريعا نحو النظام . وكان ايقاف الحرب ايذانا ببدء موسم المرحلة نحو الفاشية, فكان ان طرحوا دعوتهم لانهاء الاوضاع الاستثنائية , ولا نعلم ماهي القاعدة التي يطالب اليمنيون بالعودة اليها حتى يكون الوضع الراهن استثناءا
وعموما ظلت السياسة المعلنة هي التمسك اللفظي بمعاداة النظام وفتح قنوات الاتصال معه من الجهة الاخرى, وهذا يعني ان العداء للنظام هو موقف اللحظة وليس موقفا ات ضمن تصور استراتيجي. وبالضرورة لا يمكن للسياسة التنظيمية ان تكون على النقيض مع الخط الفكري السائد , ولهذا صيغت بما يلائم الخط الفكري السائد خط العداء السطحي للفاشية , وحددت المهمات التنظيمية بما لا يتعدى السقف الفكري والسياسي المحدد. ولذلك عانت هذه السياسة التنظيمية من الاخفاق تلو الاخفاق بسبب ان طابع الصراع مع الفاشية وما يتطلبه من مواجهة حادة عنيفة , تستوجب اولا واخرا الركون الى بناء منظمات طبقية ثورية مكافحة وفي غاية السرية ووفق تصور فكري وسياسي استرتيجي يتحدد باسقاط الفاشية كهدف اني مباشر وباقامة دكتاتورية البروليتاريا وبناء الاشتراكية في العراق كهدف بعيد
الا ان البناء التنظيمي للحزب الشيوعي التقليدي وكما اسلفنا , وليد السياسات الاصلاحية ,واعد منذ سنوات لمهمة الاتفاق مع السلطة وليس النضال ضدها. ولذلك كان هذا التنظيم يعاني من البطالة السياسية ان جاز التعبير بانتظار ما تحركه الاحداث دون العمل على تهيئة وخلق الظروف الملائمة والانتقال الى صيغ ملموسة في النضال ضد الفاشية. كما ان اعداد العضو الحزبي وتربيته كانت تجري وفق الخط السياسي والفكري السائد . وهذا كما اسلفنالا يسهم الا باعداد عناصر تستطيع تنفيذ سياسة لا تستهدف اسقاط السلطة , وهذا يعني اعدادا لا يتوجب اثارة الحقد الطبقي ضد العدو يستوجبه من اطلاق للحماس والمبادرة الثوريين
فضلا عن ان الهيكلية البيروقراطية التي يتسم بها بناء الحزب التقليدي , لا تسمح الا بتربية عناصر تتسم بالجمود وضعف المبادرة.وان وجدت بعض العناصر التي تتجاوز هذا الاطار , فانه تجاوز يبقى مؤقت وسرعان ما تعالج البيروقراطية هذا ـ الخرق ـ بالصيغة التي تضمن استمرارية الممارسات التقليدية. لذلك حين طرحت مهمة القيام بنشاطات عسكرية ثورية داخل المدن , عولجت بالاسلوب الذي يضمن عدم التفكير بمثل هذه الاعمال لاحقا. حيث اعتبر اي نشاط ثوري بمثابة الكارثة التي ستؤدي الى القضاء على التنظيم, المطلوب تطور هادئ سلمي,يبتعد عن ما يثير الاشكالات , فكانت اغلب التوجيهات ( اذهبوا واقعدوا في بيوتكم وارسلوا لنا من هناك اسعار الطماطة والخضروات فقط )

فلا عجب ان لا تستطيع مثل هذه المنظمات مواجهة هجمات الفاشية واستيعاب المشاكل التي تعانيها الحركة الثوريةسواء في العراق او على الصعيد العالمي. ويأتي هذا الانهيار كمحصلة للانهيار الفكري , وللازمة التي تعانيها الشيوعية التقليدية. ازمة الطريق المسدود , او بالاحرى ازمة السير باتجاه واحد, اتجاه مغازلة الفاسية. هذه الازمة تؤشر عدم قدرتها على ادارة الصراع من خلال طروحاتها التي لم تخرج يوما ما من اطار سياسة التعاون الطبقي. وحالما تصاعد هذا الصراع وتجاوز المخطط المعد في الذهن التقليدية لم تجد منظمات اليمين امامها سوى الانهيار . وعليه لا نستطيع حين التحدث عن مأزق التنظيم اليميني ان نقارنه بالتنيمات الثورية المكافحة المبناة على القواعد اللينينية في العمل , وانما يفترض وضعه مقارنته مع المنظمات الاصلاحية التي تدير الصراع بوسائل اصلاحية

ووفقا لما اشير اعلاه , فأننا ندعو كافة رفاقنا ممن لديهم صلات معينة ببعض الخطوط التنظيمية للحزب الشيوعي , الى الحذر من دمج بعض الخطوط ضمن خطوطنا التنظيمية , والابقاء على صلا ت خيطية معها . لحين صدور توجيهات جديدة . ولا ينبغي قبول طلبات الانتماء من عناصر الخطوط المذكورة دون التمحيص المسبق والتأكد من الانحياز الفكري كشرط اساسي, والتركيز على هدفنا الاساسي الذي نناضل من اجله بناء منظمة ماركسية لينينية ثورية بمعزل عن المنظمات والتجمعات الشيوعية التقليدية , منظمة تشكل تجاوزا لهذه التجمعات ونفيا لها

والى امام
شيوعيون عراقيون
اذار 1989

 

 

 

8/2009/تشرين الثاني

الاعداد التجريبية

 

 

يا علي !

" لن تذهب ريحك مع الريح ، حتى لو اخذت الريح جسدك الطاهر "

 

جمال محمد تقي 

 

 

من نياط القلب الى روح المناضل والشيوعي الاصيل والانسان الشهم والنصير الشهيد علي منصور  الحسن ، ابا سرمد ومهند وزوج المناضلة الصبورة والمضحية العنيدة  فاطمة محمد تقي .

 

 

ثلاث يسمينات ،

هناك على ثنايا الصخر

يقدسن التراب الممزوج بنفحة الصديقين

ثلاث يسمينات

يفوح عطرها هناك

في ريف دهوك على تلة قاصية من زاخو

حيث حط الركاب

جسرا ليعبر الاحباب ،

 

يا علي

ثلاث يسمينات

تعشقها

الكوت والعمارة وبغداد

يحملن رائحة الجود وعلي

 

يا علي

يطفن بريحك

من كلية التربية الملغاة

الى الكاظمية والحرية

وكل خلايا التنظيم المسلح

والمجنح

 

ياعلي

يتناغمن مع ايقاع نبرات صوتك

حيث تخجل المنايا

فترحل لاقدارها

وكأن صوتك من يدق دقات اقدارها

 

ياعلي

طوبى للنجمة المسافرة

تلعب على الريح

لتحط حملها في الياسمين

 

يا علي

ثلاث ياسمينات

صرن وطن

 

وانت المحمول على اكتاف الياسمين

الموشوم في روح

فاطمة

والمخلد في خيالات 

سرمدومهند

 

 

هامش :

عرفته عن قرب نسيب حبيب ورفيق لا يهادن  ونصير مقدام ، لذكراه انحني واعزي زوجته واولاده ونفسي وكل رفاقه ومن عرفه عن قرب وبعد !

جمال محمد تقي 

 

 

 

رسائل لم تصل /الى ستار غانم راضي ...............سامي

أحمد الناصري

2004 / 6 /5

تحياتي وسلامي لك ..ومودتي الاكيدة
أغبطك من بعيد وأنت تعيش بين لحظتين ، لحظة الفرح بالعمل الجازف ، لحظة تجاوز المواقع والموانع والحواجز والوصول الى هدفك ، ولحظة الخطر ومعايشة الخطر اليومي الداهم ، حيث تعرف أن الخطأ الاول هو الخطأ الاخير
أعرف ذ كائك النادر ، وأقدر قدرتك الكبيرة في التحرك والتخفي وأكتشاف ا لأساليب الجديدة في العمل ، لكن الخطر قاثم وداهم ياصديقي ، والشراك في كل مكان والمدن مغلقة بالمصائد ، والشوارع مطوقة بالمراصد والعيون ، والحرس القومي الفاشي مستنفر .. فيا لتحدي روحك الوثابة وذهنك المتقد ، وأنت تخوض الصراع المرير ، الصراع القاتل وربما الصراع الاخير بينك وبين العدو المدجج لكن الخائف
كم كنت شجاعا في خيارك ، أن تذهب إليهم ، وتتحداهم في معاقلهم المحصنة ، حتى لو كانت المواجهة فاصلة ، المواجهة الاخيرة .. فأنت كضابط المتفجرات تعرف السر الكامن بين يديك ، أو بين ثيابك ، لكنك لاتتوقف عن السير الحثيث نحو النقطة التي رسمتها بوعي خاص وعالي.
في لقائنا الخاطف بعد نزولك الى بغداد وعودتك الى شقلاوه ثحدثنا كثيرا وبشكل مكثف ليل نهار وناقشنا كل الامور و الاوضاع ، وضع النظام وأساليبة وخططه وحالة النا س والجماهير وتوجهاتها ، والعمل المعارض البطي والمتلكأ ومشاكله وأزماتة ، وأساليب العمل الجديدة والمهمات المطروحة والانجازات البسيطة في بناء ركائز في بغداد والمدن الاخرى ، والمخاطر المحدقة بالعمل اليومي المباشر ، ثم تعود الى بغدادك المحاصرة والمطوقة.
تتجمد تلك اللحظة لتثبت وتصير خالدة خلودك أيها المقاتل الشجاع ، وأنت في هدئتك الاخيرة في هدوئك الطويل وصبرك وعملك ومساهماتك المتنوعة والجميلة في موقفك البطولي الاخير!!
لازلت أجمع شظايا المشهد الاخير ، وكل المشاهد الطويلة ، والاحلام والرؤى والمسرات والاوهام والاخطاء والخطايا لاضعها هناك قرب نصب المدينة الكبير لتكون شاهدة وشاهد لنا وعلينا!!
- 2
ستار غانم راضي ، أبن هذا المكان والزمان ، أبن مدينة الثورة / بغداد ، من مواليد 1954 لعائلة عراقية وطنية كادحة ، خريج كلية الزراعة ، أعتقلتة السلطة الفاشية في مديرية الامن العام سنة 79 ، ألتحق في نهاية نفس العام بحركة الانصار التي بدأت تتشكل في جبال كردستان القصية ، وبذلك يكون من أوائل الانصار اللذين تجمعوا وبدءو التجربة الجديدة بكل الامال العريضة التي كانت معقودة عليها لتصحيح تجربة التحالف الذيلي البائسة ، وحماية جسد الحزب من المذبحة التي أجتاحت الوطن وساهم بجدية كبيرة في العمل السياسي والفكري والعسكري ، كما ساهم في المطالبة الحزبية الواسعة في نقد وكشف الاخطاء الفكرية والسياسية في تجربة الجبهة الوطنية وتحديد المسؤولية الشخصية والجماعية لمن رسم وحدد تلك السياسة من قيادة الحزب ، كما عمل على رسم سياسية ثورية جديدة للكفاح المسلح منذ البداية ، وتجاوز الاخطاء الفكرية والسياسة والعسكرية الجديدة ، وذلك من خلال طرح برنامج جديد
تعرفت على سامي ، وهذا أسمه الحركي الشهير في كردستان في تموز1980بعد وصولنا من منطقة هورمان -هيرتا وقاعدة السليمانية الرئيسية في أول مفرزة للسلاح، ألقيت بة مع عدد كبير من الرفاق والاصدقاءفي منطقة ناوزنك وتوزله ونوكان وزلي ، وقد أمتدت علاقتنا وتطورت وتعمقت حتى إختفاءه المجهول ، وقد شكلوا فصيلا عسكريا بأسم فصيل بغداد يظم أغلب الرفاق القادمين من بغداد وبعض مدن الوسط والجنوب ، وكان فصيل بغداد يعد نموذجا رائدا لحركة الانصار الحديثة وآفاقها الواعدة، لانة تكون من الشباب الرائعيين المتحمسيين للعمل والواعديين بمستواياتهم الفكرية والسياسية والعسكرية وقدرتهم على التطور السريع ، في ظل ظروف النكسة الجديدة وألاحباط العام والبلبلة الفكرية والتنظيمية
كان سامي من أبرز الشباب في نشاطة وآرائه النقدية الجديدة والجريئة ، ودارت بيننا نقاشات طويلة وجدل حامي عن تجربة التحالف الذيلي التي تركناها خلفنا ، ومحاولة تشخيص الاخطاء الفكرية والسياسية والتنظيمة ، وعدم وجود خطة طوارئ للانسحاب وتقليل الخسائر الدامية وإفشال خطة الفاشية في تحطيم جسد الحزب والحركة الثورية ، وإعلان إنصار الفاشية بصعود المجرم صدام حسين الى الموقع الاول في مؤسسات الحزب والدولة ، كما طالبنا بتحديد المسولية الفردية والجماعية لقيادة الحزب ومحاسبة العناصر الخاطئة ،كخطوة أولى لابد منها لإنطلاق العمل الجديد ، وقد ساهم في هذه الحوارات والمناقشات في وقت مبكر عدد كبير من الرفاق كان من أبرزهم الراحل عبد الرحمن القصاب / أبو أحمد والرفيق عادل سفر / أبو شاكر ، وقد جرى تبلور خط فكري واسع يطالب بمعالجة ألازمة الجديدة التي يمر بها الحزب والحركة الشيوعية في بلادنا ورسم سياسة سليمة أخرى بعد محاسبة وعزل العناصر اليمينية التقليدية وإعادة بناء التنظيم على أسس سليمة ليكون قادر على قيادة العمل الصعب والنوعي الجديد
حول هذه القضايا الرئيسية والحاسمة دار الصراع ، ومن هنا بدء الإستقطاب والفرز والانقسام داخل قواعد الانصار التي بدأت بالتكون ، وخاصة في قاعة ناوزنك بإعتبارها القاعدة الرئيسية ولوجود بعض العناصر القيادية وبعض من الكادر المتقدم الذي وصل من الداخل ، وكان سامي يلعب دور المحرك النشيط لهذا العمل ، يقوده بهدوء ودراية كبيرة وبشجاعة وجرأة نادرةضد العناصر اليمينية المتخلفة والمتهافتةوالتقليدية؟؟
لقد قررنا خوض نضال فكري وسياسي علني ، بينما لجأت القيادة اليمينية الى أساليب بوليسية تتمثل في المراقبة والتجسس وجمع المعلومات عن الرفاق وآرائهم وتهديدهم بالتصفية والقتل ، ثم جاءت مجزرة وكارثة بشتآشان لتصعد الصراع وتنقلة الى مستويات جديدة بسبب مسؤولية القيادة عن الكارثة وتجدد عجزها وتخلفها عن فهم الاحداث والتطورات الجارية في كردستان ، وبعد أحداث بشتآشان الثانية والخسائر والفشل الجديدين ، وخروج وهروب وإنسحاب المئات من الرفاق الانصار الى الخارج ، مع تشكيل قواعد متباعدة ومبعثرة ، في هذه اللحظة أستغلت القيادة اليمينية الفراغ الحاصل وأنكشاف الرفاق لهم ، أنقضت على المجموعة التي تقود الصراع وتعتقلهم في ظروف قاسية وعجيبة وكان من بيننا سامي وقد فقدنا الشهيد البطل مشتاق طالب /منتصر تحت التعذيب الرهيب والرجعي القاسي ، وخرجنا من المحنة الجديدة بموقف ثابت ومتطور وتجربة متزايدة ومعمدة بالدم الطاهر لمنتصر ، عدا عنصر واحد تراجع تحت التعذيب والتهديد والضعط ليتنازل عن قناعاته وإدعاءاتة ويعلن التوبة والخنوع وخوفا من تهديدات لجنة التعذيب والتحقيق الخاصة والواسعة الصلاحيات
تم إطلاق سراح سامي ورفاقه في حزيران 1984بعد ستة أشهر من الاعتقال الدامي ، وطردناخارج حدود وطننا ألى إيران ، في إلتباس غريب ومتناقض لايمكن تفسيره أو تبريرة في كل الاحوال ، وقد رفضنا تسليم إنفسنا الى إيران وتمكنا من التسلل الى أرض الوطن من جديد والى منطقة قرداغ تحديدا ، حيث بدء سامي نشاطةالفكري والسياسي الجديد وأصدر كراسا هاما جدا عن تجربة الكفاح المسلح ، سجل فيه تقيمه للتجربة منذ بدايتها الى نكسة بشتآشان ، وساهم في كتابات أخرى عن الحرب العراقية الايرانية تظمنت آراء جديدة ومختلفة في الموقف من الحرب الكارثية الطاحنة ، المشتعلة أنذاك والتي تداخلت وتناقضت فيها المواقف الوطنية
بعدها إنتقلنا الى منطقة سركلو وبركلو في جبال السليمانية ، وعشنا وسط المخاطر الرهيبة ، من قصف يومي بالمدفعية والطيران وإنتشار شبكة قوية وفعالة من المندسيين عملاء المخابرات العراقية ، وأعمالهم التخريبية من تفجيرات وأغتيالات وحشية ودس سموم الثاليوم الشهيرة في المواد الغذائية والتي راح ضحيتها العشرات وجرى إعتقال أعداد من الذين بثوا هذه المواد القاتلة
ثم تركنا مناطق سركلو وبركلو وياخ سمر بعد معارك دابان الشرسةوأجتياح الجيش لها ، حيث تقهقرنا مرة أخرى الى منطقة نوكان ، أي الى نقطة الصفر والبدايات الاولى ، في نوكان جددعمله الفكري والسياسي وأصدر عددا من الكراسات تناول فيها موضوعات أساسية في عملنا وتوجهاتنا ومنها ردعلى تقييم أنتهازي وكتابات عن المهم الوطنية والديمقراطية وموضوعات في التنظيم ، وبدأ يفكر جديا للتوجه نحو الداخل الصعب الذي يبدو مغلقا من معزلنا الجبلي ، وقد أستطاع التسلل والوصول الى بغداد عدة مرات من قرداغ وسركلو وأقام عددا من الركائز التنظيمية البسيطة ومحطات الاتصال والبريد
وأستمر سامي في عملة الدؤوب والحثيث رغم المخاطر اليومية الكبيرة والهزيمة الشاملة والانحسار للحركة المسلحةبعد عمليات الانفال القذرة والاجتياحات الدموية للقرى والجبال وصولا الى الحدود الدولية مع إيران وتركيا مدعومة بعشرات الالاف من حجافل الحجوش والمرتزقة وجندرمة الدول المجاورة، رغم كل هذه الظروف ظل سامي متماسكا ومتفائلا وصابرا يتطلع الى حلول عملية أخرى ، ويحاول أن يدرس المأساة الجديدة والتحولات الشاملة التى جرت بعد توقف الحرب العراقية الايرانية ولإنطلاق عمليات الانفال وحرب الابادة الجماعية ضد شعبنا الكردي، وقد بدا لحظتها إن كل شئ قد إنتهي ونحجت الفاشية في مخططها التدميري العنصري، وساد اليأس أوساط كبيرة من السياسيين والناس العاديين
بعد نجاح عمليات الانفال تجمعت الاحزاب الكردية كلها تقريبا في منطقة نوكان وهي بقعة صغيرة ضيقة ، حتى إن المقار كانت متداخلة مع بعضها ، مع بقايا البيشمركة ،وكان نشاط أجهزة النظام الارهابية مكثفا وخطيرا للقضاء على البقية الباقية ومحاولةإصطياد بعض القيادات الخطيرة ، وقد تمت تصفية الرفاق سالم وزهير في نوكان على إيدي عناصر المخابرات وهما رفيقان من تنظيم الشيوعيين الثوريين وكان لهم مقرا هناك
في هذه الاوضاع الغامضة والصعبة حصل تطور دراماتيكي قلب كل الاوضاع القائمة وغير الحالة السياسية وخرائطها الموجودة قبل ذلك اليوم ، وكان الحدث الكبير والخطير دخول النظام العراقي الى الكويت وإحتلالها ونشوب حرب الخليج الثانية وإنطلاق الانتفاظة المجيدة ، وقد شارك سامي بفعالية كبيرةفي الاحداث ووصل الى كركوك وساهم في معارك طرد النظام ، وكتب العديد من البيانات والنداءات والرسائل والمقالات حول الانتفاضة وآفاقها ، ثم كتب فيما بعد عن أسبابها ونتائجها وأسباب سقوطها ، ثم أنسحب مع المنسحبيين من كركوك الى الحدود الايرانيةفي المسيرة المليونية الشهيرة وبعد أستراحة قصيرة من التعب والمرض أتخذ قراره الشجاع في التسلل الى والى بغداد تحديدا وفق توجة جديد وتحليل جديد يقوم على أساس منع السلطة من ترتيب أوضاعها ، ومحاولة الاستفادة من النتائج الكبيرة والكثيرة التي أفرزتها الانتفاضةوالبناء الميداني عليها، والقيام بنشاط فكري وسياسي وجماهيري وأعلامي والاعداد للعمل العسكري الذي يستهدف مؤسسات السلطة القمعية وأزلامها ، وساهم في تأسيس لجان الانتفاضة الشعبية ، وقد نجح في أقامة ركائز تنظيمية وخيوط فعالة في بغداد والمدن الاخرى ، وساهم في تجميع كادر سيلسي وتنظيمي وأعلامي ، وأستطاع تأمين عددمن البيوت السرية وأجهزة طباعة بسيطة ولكن متكاملة ومستلزمات العمل السري الأخرى
وقد أتخذ أسما سريا جديدا في بغدادوبدء يرسل المراسليين الى كردستان ويشرح تصوراتة وآرائه الميدانية عن النظام وخططة وأساليبة الوحشية في قمع الناس ، وأمكانات العمل في بغدادوالاخبار المهمة ، وموقف الناس وحياتهم والحصار الذي بدأ يفكك ويخرب الحياة الاجتماعية والاقصادية ، ثم عاد الى كردستان وألتقينا في شقلاوة وقد درسنا كل التطورات والاوضاع والاخبار العامة والخاصة وأمكانيات العمل ومخاطرة ، وكان دلك آخر لقاء تم بيننا ، حيث أختفى ولم يعرف مصيرة الى الان رغم كل المحاولات والجهود التي يبذلها رفاق وأصدقاء سامي منذ سقوط الفاشية؟؟
لقد كانت حياة سريعة وخاطفة مليئة بالمثابرة والمواجهات المتنوعة والاكتشافات والمخاطر ، فهو لم يرتح يوما في حياتة القصيرة ولم يعرف المسرات ، فقد ألتحق بالجبل فور تخرجة من الجامعة وأنهاءه للخدمة العسكرية ، ليخوض تجربة مرة فيها الكثير من المفارقات القاسية والمجازفات والتعب بعدها تصدى لمهمة خطيرة وهي العمل السري في داخل معاقل الفاشية ، ليختفي وتختفي آثاره بهذه الطريقة الغامضة والماساوية ، لكنهاتبقى بطولية وأسطورية وخارقة بكل مقاييس الشجاعة والاقدام ، وظل سامي صامتا وصامدا مدافعا عن شعبة وكادحية الذين هو واحد منهم ،حيث لم يكن يملك شيئا ولايملكه شئ مثل المتصوفة ، وظل دون بيت خاص دون زوجة أو أطفال دون أي شئ خاص عدا قناعاتة وحلمة الثوري الجميل وصلابته النادرةفي هذا الزمان الرخو ،وهو مفخرة من مفاخر شعبنا وحركتنا اليسارية الثورية ، وقد ساهم سامي بحياتة في الجهد والعمل من أجل أسقاط الفاشية المقيتة المتخلفة دون أن يهرب أو يتراجع أو يتوقف؟؟
لقد فقدت صديقي منذ 1993ويبدو إن سامي كان في الجب يواجه المحنة السوداء بإنسانية خاصة لاتنهزم أو تنكسر ، وبطولة عجيبة تعكس طينتة وقناعاتة الثابتة التي لاتهزم ، ومن المؤسف أن أسجل هنا وبينما كنا نحاول متابعة أخبارة من بغداد المحاصرة بكلاب الفاشية المسعورة ، بغداد البعيدة ، ونحاول أن نلتقط أي خيط يدلنا على سامي أو جدثة او مصيرة أو بقايا قميصة أو رائحتة ، كانت بعض عناصر اليمين الانتهازي تبث وتسرب معلومات سقيمة تافهة عن وضع وهمي لسامي المحاصر ، في محاولة لتشويهه حتى يقتل مرتيين ، وربما وفي لحظة الاشاعة كان سامي في غرفة الاعدام أو قد أعدم فعلا ، وقد جاءني أحدهم وهو من العناصر المشكوك في نزاهتها ليبلغني معلومات تافهة سقيمة ، يومها لذت بالصمت لحين تكشف الحقيقة ، ويخرس المتكلم وتنكشف دوافعة الدنيئة، ثم عاد نفس هذا العنصر ليبلغ صديق آخر بمعلومات تافهة أخرى
لقد كان موقفنا مبدئيا وإنسانيا وأخلاقيا ثابتا أزاء حالات إعتقال الرفاق المتسللين الى الداخل ، وكنا نشعر بالحزن والصدمة للحالات الكثيرة التي أكشفها العدو وسقطت بسهولة ويسر بيدة ، وكنا نسكت حتى عن العناصر المنهارة والمتعاونة مع النظام ، ونحن نعرفهم بالاسماء ولم نشهربهم ولم نختلق القصص حولهم تقديرا منا للظروف التنظيمية الخاصة والقاسية والاهوال والاخطاء التي مروا بها ، ولكن ماذا نفعل أمام هذا السلوك المشين ؟؟ وهذه التربية الهابطة التي تخدم العدو دائما
لقد سمعت من صديق قريب جدا ، بأن الحزب الشيوعي العراقي يرفع صورة سامي في المقر العام الى جانب شهداء الحزب ، وأنا لست متأكد من الخبر تماما ، وهو أمر طبيعي وجيد ولآ إعتراض علية فسامي شهيد الشعب العراقي والحركة الشيوعية العراقية ، ولكن الاعتراض والمطالبة تنصب على ضرورة أن تتقدم قيادة الحزب الشيوعي بالاعتذار العلني والرسمي لعملية أعتقال سامي ورفاقة والتي نتج عنها إستشهاد منتصر على أيدي عناصر ثبت أرتباطها بالسلطة من خلال الوثائق المكتشفة وخاصة من حرض على الاعتقال والتعذيب ومن مارس التعذيب فعليلا وبقسوة ووحشية ، هذه القضايا لاتسقط بالتقادم ، ونطالب بفتح ملفات القضية فورا ، لقد سكتنا في السابق خوفا من تفسير عملنا بإنه يخدم السلطة ؟؟ والان وقد سقطت السلطة وشماعاتها؟؟
لقد كان سامي نزيها طيبا ، يحب رفاقة وإصدقاءة ويمزح معهم مزحا بريئا ويعمل لهم المقالب الصداقية البسيطة ، وكان يقول لي مازحا بأنة سيترك العمل السياسي في أول يوم من بلوغه الخمسيين من العمر ويتفرغ للزراعة والفلاحة وتربية الدواجن والعمل الفكري والبحوث والعائلة القادمة ، وراية ناتج عما يراة من حالة بعض القياديين وقد بلغوا من العمر عتيا وبدات حالات الذهان وفقدان الذاكرة وأوجاع المفاصل والسعال الدائم مع الاصرار على الاستمرار على خشب الكراسي المتاكل والمرتعش ، ضدمنطق الحياة والبايلوجيا
ها أنت تقترب من خمسينك الأثيرة والتي لم تبلغها جسديا ، فقد أجبروك على الرحيل المبكر دون طلب من الحياة نفسها بل بسبب ممن هم ضد الحياة وسارقيها ، كم أتنمى أن لايكون هذا رثاء ، وأن تتحقق معجزة ما وتظهر بيننا لآنني لم أقفل الخط معك ولم أستسلم لقدر قاسي صنعه شيطان الفاشية البغيض ؟؟
-3
الى سامي
آه لو كنت حيا
آه لو إن عقلك أكمل دورة إستنطاقه
آه لجسمك النحيل معلقا كاخيط
لقميصك دون ألوان
لفقرك الدائم
لإيامك المالحة
لحبك للدنيا والناس
أهدي دمعي ، أهدي فرحي ، أهدي إنتظاري المفتوح
لوريدك المذبوح
كم أتعبني ذاك الصديق الذكي ، ذاك الصديق الودود
............
عشنا في عراء الكون ، في لحظة الوحشة النائية
العيش بلا مكان ، حيث العراء عاريا
والدنيا بدائية التكوين
كنا بلا وقت
بلا أسيجة أو حدود
بلاطرقات أو مدن
كأننا نعيش مع المطلق
ونموت بلا مواعيد أو أضرحة
نموت بلا شاهدة
..............
كم تمنينا أن نكون معا
أن نركب الباص العمومي معا ، أن نشاكس النساء الجميلات
أن ندخل البار المفضل في مدينتنا البعيدة
أن تلامس أقدامنا ترابك يا بغداد
لكننا إلتقينا في هامش رطب
ثم هوينا في عتمة السنوات
نتنفس من ضوء الاعشاب ونتدفأ على كومة من قش الطبيعة
ونسافر دون جوازات أو أختام لحكومات تكرهنا
ونحن نراقب الجنود
ونراقب الحدود ونتابع السير الحثيث الى المجهول
.......................
وكنت أنت المبادر
وأنت المثابر
وأنت الصموت
وأنت النبيل وأنت الجميل الجميل

صديقك الخاص أمين

 

 

 

المجد والخلود للشهيد منتصر- مشتاق جابر عبد الله

محسن صابط الجيلاوي

2005 / 3 / 27

لقد قرأت بحزن مقالة الأخ- أحمد الناصري- عن المناضل والإنسان - الشهيد منتصر - الذي عايشناه عن قرب وعرفنا معدنه القوي والشجاع..، أشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بالمرارة والأسى وحجم الخسارة عن ضياع أحلام شبيبتنا بعراق يحفظ تطلعاتهم وأملهم بغد أفضل...لقد ضيعنا وحرمنا الطغاة وأشباههم بان تكون لنا ولو فسحة بسيطة من الحرية ومن احترام الإنسان كقيمة عليا حافظة ومنتجة للفكر الإنساني...


الشهيد منتصر هو صورتنا جميعا، نحن أبناء الصدفة أن نبقى أحياء..كانت الخطة أن نموت بلا قبور وبلا شواهد، لكي تبقى قلة قليلة سارقة لهذا الوطن ولروحه ولأي جذوة للخير والحب...منتصر أنتمي للوطن بروحة وجسده الشاب، دافعا أغلى ما يملك – الحياة- ثمنا لذلك...، سيرته إدانة لحماقة الايدولوجيا وتلك القيادات الأمية السافلة، انها سيرة تعبر عن وجع العراق، عن وجع الذين حلموا بأن الوطن قادم في صورة أبهي وأجمل.. لكن أولئك الذين امتهنوا دمنا وحولوه إلى مغانم ومزايدات ومهنة وعيش رغيد، كان لابد لسلطتهم من دماء تُسفح ومن غدر لكل من يقول لا جريئة وقوية..أعترف أن ما أراده منتصر كان بسيطا وعاديا بكل معايير النقد التي نعرفها اليوم..كان يريد حزبا نظيفا منتميا للناس، قائما على الحب والسعي المخلص من أجل العراق...لهذا لم يكن لسكرتير نكره إلا أن يوعز بسجنه مع رفاق آخرين، وسواء نتفق أو نختلف مع أفكارهم لم نكن نصدق أن تقوم قيادة جبانة بهكذا ممارسة وتتفتق عقيرتها عن سجون وعن جلادين قاموا بواجبهم إزاء جسد وروح رقيقة وشفافة وشاعرة كالتي يمتلكها الخالد أبدا الشهيد منتصر...

أتمنى من الحزب الشيوعي وبروح ديمقراطية ملحها التجديد الذي يدعيه أن يمارس النقد العلني والواضح إزاء هذه الجريمة ومرتكبيها..

نحن أصدقاء الشهيد وأهله وسائر محبيه نريد وبلا تأخير معرفة مكان جسده الطاهر، ظروف استشهاده، ممارسة علنية بنقد هكذا تصرف، تحديد من وقف وراء هكذا جريمة، إبلاغ أهله وأن يعاد تكريمه كشهيد قدم حياته من أجل حريتنا جمعيا...تلك هي أبسط الخطوات التي على الحزب واجب إتباعها للتخلص من ماضي مريض ومهزوم...وليعرف بعض المدعين ان هزيمة الحزب في الانتخابات كان وبلا شك أحد أسبابها هو دم الشهيد منتصر الذي هو محل تساؤل من كل شريف ووطني ينتمي حقا ليسار عراقي نظيف...

إذا للسياسة بعض من حساباتها التافهة لتغييب جرائم- كما( يُفعل) مع جلال الطالباني- اليوم، لكن المؤكد ان أهالي الضحايا الذين سقطوا بالحروب الصغيرة العبثية سواء في بشتشآشان أو بارزان أو غيرها سيحملون هذا الهم دوما حتى يعاد لهم ثمن الدماء الغالية التي لا تعوض والتي ذهبت غدرا وعدوانا...!

هل في التاريخ أم أو أخت أو أخ أو أب أو عم أو....ينسى ذلك العذاب بفقدان عزيز..؟؟هل جربتم مرارة ذلك..؟؟

لا تصدقوا أن الدم يذهب بلا حساب، فالدائرة تدور، وليس من حد يستطيع أن يوقف عجلة التاريخ...!

والله ! أرى كل شهيد يتجول مرفوع الرأس، أما القاتل له( الحيط)، يجلله الخزي..!

القاتل يتلفت مذعورا، يعيش الخوف كل لحظة تلاحقه دائما لعنة وعار وهول الجريمة... ، أي حياة يمتلكها..؟

أهالي الضحايا على يد هذا وذاك تقول بالتصالح وبالحوار وبالمعروف لماذا لا، فهذا نصف الطريق للاعتراف بالخطأ.....عكسها الثأر قادم...ويا الويل: للقتلة...!

<FONT color=#0000