موقع التيار اليساري الوطني العراقي

18/02/2010  - العدد71

alyasaraliraqi1934@yahoo.com


التيار اليساري

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية

المقالات

نناضل من أجل عراق حر واقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية 

اليسار العراقي

 

 

 

 

 

حملة إنتخابية تغيب عنها القضية الجوهرية  د. صباح علي الشاهر

 

 

 

 

أفلح الموالون والمهادنون للإحتلال قبل مرحلة الإنتخابات الحالية في حرف الصراع والحراك السياسي العراقي، هذا الصراع الذي كان بالغ الوضوح والتمايز، بين من هو مع الإحتلال وبين من هو ضد الإحتلال.  في مثل هكذا صراع ضد الإحتلال والمحتل لا يمكن أن يحدث تخندق قومي أو ديني أو طائفي  أو حزبي، لأن الصراع أكبر وأشمل من هذه الإصطفافات، ثم أن هذا التقسيم لا يصلح لتوصيف جهتي الصراع، فالذين جاءوا مع الإحتلال أو ناصروه كانوا من كل القوميات، عرباً وكرداً وتركماناً، ومن كل الطوائف والأديان، شيعة وسنة، مسلمين ومسيحين، وصابئة، ويزيدين، ومن كل الأحزاب، شيوعيين وقوميين، وإسلاميين، وبعثيين سابقين أو مرتدين، ورجال سلطة وموظفين غيروا ولاءهم، والذين واجهوه كانوا أيضاً كذلك ينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف والإنتماءات السياسية .

حدّة ووضوح الصراع لم تدع مجالاً لمناورة مناور، كما أن نتيجة هكذا صراع ستكون محسومة سلفاً، خصوصاً في وطن كالعراق.

إنصار الإحتلال، الذين كانوا يدافعون عن الإحتلال بإعتباره تحريراً، كانوا قلة بائسة ، ضعيفة الحجة، هزيلة المنطق. في حين كان أنصار التحرير كثرة واعية،  قوية الحجة ، متماسكة المنطق . 

 في لقاء جمعني بالإعلامي الراحل ماهر عبد الله في بيروت، وكان عمر الإحتلال وقتها بضعة أشهر، قال هذا الإعلامي الرائع الذي غطى تفاصيل إحتلال بغداد  لقناة الجزيزة، ( إذا ظل الشيعة والسنة على نفس هذا الموقف الموّحد حالياً فإن الإحتلال سوف لن يدوم أكثر من سنة ) ، لكن الإحتلال ظل حتى عام 2010 ، وكل الدلائل تشير إلى أنه سيظل وقتاً آخر أطول . أغلب الظن أن السبب الجوهري في هذه النتيجة المُخيبة للآمال، أن أعداء العراق أفلحوا في حرف الصراع من صراع بين أعداء الإحتلال ومريدية، إلى صراع مفتعل إستحدثوه هم، بين ( العملية السياسية ) وأعداء هذه العملية . كان هذا إجراءاً ذكياً لتمييع الفوارق الجوهرية بين الفريقين، فعندما يكون الصراع هكذا فإنه سوف لن يكون ، على الأقل ظاهريا، بين وطني وعميل، بين مؤيد للإحتلال ومعارض له،  وإنما بين من يريد بناء العراق عن طريق الديمقراطية والإنتخابات ( أي العملية السياسيىة كما صوروها) وبين من يقف ضد العملية السياسية ، أي ضد الديمقراطية وصناديق الإقتراع .

وكان من المُفيد جداً لتمرير هذا التوجه إحداث شروخ عميقة في المجتمع العراقي، عبر تصوير الصراع كما لو كان صراعاً بين شيعة كانوا مُستبعدين من السلطة وقد أستحوذوا عليها، وسنة كانوا قد إستأثروا بها وقد فقدوها، وبهذا تم لهم تمييع القضية الأساسية للشعب العراقي، ألا وهي قضية الإحتلال، وضرورة تحرير البلد، وبات الصراع لفترة سوداء عصيبة من تأريخ البلد صراعاً دموياً بين السنة والشيعة، فرسانه أولئك المتعصبين الحمقى من الطرفين، ومما يثير الشك أن الصراع الطائفي أستبعد المحتل كلياً وأنصب جهاده على تدمير الجوامع والحسينيات، وذبح العراقيين على الهوية ، في حين تنفس المحتل الصعداء ، وبات خشبة النجاة لهذا الطرف أو ذاك ، وأصبح بإمكانه التوجه لمن كان يرفع السلاح بوجهه لدعوته إلى الإشتراك بالعملية السياسية كي لا يُفرط بنصيبه من السلطة التي سيستأثر بها الآخرون في حالة إبتعاده عن المساهمة في العملية السياسية، وهكذا تم توسيع قاعدة هذه العملية، بإدخال عناصر وفعاليات مهمة كانت محسوبة لا على المعارضين للإحتلال فقط ، بل المقاومين له بقوّة السلاح .

واليوم إذ نكون على مشارف إنتخابات يقولون أنها مصيرية في حياة العراق والعراقيين ، فإن فرسان العملية السياسية يدخلونها وكلهم مجمع على عدم الإشارة إلى النقطة الجوهرية، ألا وهي وجود الإحتلال والموقف من هذا الوجود، وإذ تتجاهل القوائم كلها ، تلك التي تنسب لنفسها الوطنية، إسلامية أو ليبرالية، أو علمانية، قضية الإحتلال فإنها تواصل الزعيق عن مخاطر التدخل العربي أو الإيراني، جاعلة من هذا التدخل الكارثة التي تهدد العراق، والكيان العراقي، علماً أن العراق والشعب العراقي يعيشان الكارثة التي لا مثيل لها منذ التاسع من نيسان عام 2003 ، أي منذ وطأت أرض العراق بساطيل المحتل الأجنبي.

قد لا يعتبر فرسان العملية السياسية العراق في كارثة، لذا فهم ليسوا في وارد التفكير في إنقاذ العراق منها . أنهم يخشون الكارثة الآتية ، الكارثة الإيرانية أو السعودية ، وحيث أن الإنتخابات الحالية تجري بين أهل الدار من صناديد العملية السياسية ، فإنه لم يعد مجدياً أو مفيداً وصف الصراع بأنه صراع بين أنصار العملية السياسية وأعدائها ، إذ لا يصح لأحدهما أن يدعي أنه مع العملية السياسية والثاني ضدها، فالإثنان هما نتاج العملية السياسية ومحركها، لذا توصلوا إلى إستحداث صراع آخر ، بين ( الرافضين لعودة البعث) والعاملين( على عودة البعث ) ، وهذا صراع مختلق ومفبرك آخر، فبين من يزعمون أنهم معادون لعودة البعث، من هم بعثيون صلاً، أو مؤيدون للبعث، وبين من يزعمون أنهم مؤيدون لعودة البعث  من هم أعداء البعث ، وحتى ضحاياه..

الصراع بالشعار المرفوع شعار مراوغ وكاذب ، فلا نهرو عبد الكريم ، ولا الهاشمي بعثياً ، ولا قياديين بارزين، عسكرين ومدنيين في دولة القانون أو الإئتلاف العراقي كانوا بعيدين عن الإنتماء للبعث .

الصراع الآن يقع ضمن مستلزمات الحملات الإنتخابية ، والكل يكذب في كل ما يدعيه ، إنهم يحاولون كسب الإصوات عن طريق حملة إنتخابية  تقترب من كل شيء ، وتأجج كل شيء، إلا القضية الأساسية التي تهم الناس حقيقة، ألا وهي الموقف من الإحتلال والمحتل الذي أهدر كرامة الشعب والوطن .