أثر التنوع الإثني على الأمن القومي

                                                                                                       دراسة حالة العراق بعد إبريل 2003

                                                                                                                                                          

   سهام فوزي

 

المقدمة

عرفت المجتمعات البشرية التنوع والتعدد الإثني منذ قديم الأزل ،فلا يوجد دولة عرفتها البشرية إلا وتعرف بدرجه أو بأخري نوعا من التنوع والتعدد الإثني والمذهبي ،وهذا التنوع الإثني والمذهبي في حد ذاته لا يعد خطرا علي المجتمعات إلا عندما تتوافر البيئة والعوامل المناسبة ليتحول هذا التنوع إلي ظاهرة سلبية تهدد المجتمعات والدول وتنذر بتفككها وإنتشار العنف والصراع بين أفرادها مما يهدد الأمن القومي لهذه الدول .

ولقد أدي إنهيار الإتحاد السوفيتي السابق وإنتهاء عصر الحرب الباردة إلي زيادة الإهتمام بدراسة العلاقة بين التنوع الإثني والمذهبي والأمن القومي، حيث أدي تفكك الإتحاد السوفيتي إلي  عدة دول إلي إنتشار الصراعات الإثنية في العديد من الدول ومن هنا بدأ الإهتمام بدراسة كيفية حماية الأمن القومي للدول من الأخطار الداخلية النابعة من داخلها ومن نسيجها الذي يكونها ويعطيها وحدة وتماسك أمام الأخطار الخارجية تمكنها من مجابهتها والتصدي لها وأصبح الحديث متزايدا عن الدور الذي تلعبه الجماعات الإثنية والمذهبية في إستقرار المجتمع وتماسكه أو الخطر الذي قد تشكله علي الأمن القومي لهذا المجتمع ،وأصبحت ظاهرة الإثنيات تشكل تحديا للكثير من المجتمعات والدول في محاولتها للوصول للإستقرار والوحده خاصة في ظل نشوء العديد من الصراعات الإثنية التي وصلت في بعض الأحيان لدرجة الحرب الأهلية وإنقسام الدولة .

ويشكل العراق اليوم نموذجا يوضح مدي الخطر الذي قد تشكله التعددية الإثنية والمذهبية إن توافرت لها الفرصة السياسية المناسبة علي وحدة وأمن الدولة القومي، خاصة في ظل توافر العديد من العوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية والبيئية والنفسية والثقافية التي تدفع الجماعات الإثنية والمذهبية لإستغلال الفرصة السياسية المتوافرة من أجل القضاء علي حالة اللامساواة التي عانت منها طويلا وأن تحصل علي النفوذ والقوة،ولقد تعرضت الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق خاصة الشيعة والأكراد لسنوات طويلة من القمع والحرمان والتمييز مما دفعها لإستغلال فرصة الحرب والإحتلال الأمريكي للعراق من أجل أن تصل للسلطة وتحاول الإستئثار بها، مما أدي إلي إندلاع الصراعات الإثنية والمذهبية والإقتتال في داخل الجماعات الإثنية والمذهبية التي وصلت أو كادت تصل إلي مرحلة الحرب الأهلية وأصبح الحديث عن الفيدرالية في رأي الكثيرين غطاءا لمحاولة تقسيم العراق وإستئثار جماعات معينة فيه بالثروات والنفوذ والقوة دون غيرها من الجماعات الإثنية الأخري وعوضا عن إستخدام لغة الحوار والتفاهم والتسامح والتعايش مع الآخر أصبح صوت السلاح والعنف والقتل والخطف هو اللغة السائدة في العراق خاصة مع الغياب الواضح لدور الدولة العراقية مما أدي إلي أن يصبح الأمن وخاصة الأمن الإنساني هو حلم المواطن العراقي البسيط والدافع له إلي أن يتمسك بإنتماءاته الإثنية والمذهبية أكثر وأن يلجأ اليها كي توفر له الأمن والخدمات الأساسية التي عجزت الدولة عن تقديمها له .

وعلي الرغم من تواجد الجماعات الإثنية والمذهبية منذ فترات طويلة علي أرض العراق إلا أنها ورغم كل ما تعرضت له من قمع ورغم ثوراتها ضد هذا القمع إلا أنها لم تشكل خطرا حقيقيا علي الدولة العراقية ما عدا الأكراد الذين خاضوا صراعا طويلا منذ بداية تكون الدولة العراقية من أجل الحصول علي حقوق مثل (حق تقرير المصير –الحكم الذاتي )كان يراها الأكراد مصيرية وتعد خطوة أولي لتكوين دولتهم المستقلة الخاصة بهم ولكن النظام السياسي في العراق قبل الإحتلال، كان دائما قويا وقادرا علي إخماد أي ثورة وتمرد يحدث والحفاظ علي الدولة العراقية الموحدة .

ولكن إحتلال العراق أضعف الدولة العراقية إلي الحد الذي أصبحت فيه أداة تستخدم من أجل الوصول إلي ما فيه مصلحة بعض الجماعات الإثنية والمذهبية بغض النظر عن الخسائر التي ستعود  علي الجماعات الإثنية الأخري أو علي الدولة العراقية ووحدتها بل وعلي وجودها ذاته وأصبح السؤال الذي يحتاج إلي إجابه هل إنتهي العراق الموحد ؟وأصبح يجب علينا الحديث عن العراق الشيعي والعراق الكردي والعراق السني .وهل هذا الإنقسام هو إنقساما نهائيا ؟أم أنه بعد الإنتهاء من تقسيم العراق بين هذه الجماعات الإثنية والمذهبية سيتم تقسيمه مرة أخري بين القوي المتنفذه داخل الجماعات الإثنية والمذهبية ،فيصبح هناك العراق الشيعي التابع للمجلس الأعلي الإسلامي والعراق الشيعي التابع للتيار الصدري .وهل سيصبح هناك العراق الكردي التابع للإتحاد الوطني الكردستاني والعراق الكردي التابع للحزب الديموقراطي الكردستاني؟وهل سيوجد العراق السني التابع للحزب الإسلامي والعراق السني التابع لمجالس الصحوة؟ وهو ما يعبر عن تزايد حدة الإنقسامات التي يعاني منها العراق وإمتدادها إلي داخل الجماعة الإثنية الواحدة كما هو الوضع داخل العراق اليوم .

إن هذه الدراسة تهدف للوصول إلي العوامل التي تؤدي إلي ان تصبح هذه الجماعات خطرا يتهدد الأمن القومي للدولة التي تتواجد بها وتطبيق هذه العوامل علي الوضع في العراق بعد الإحتلال الأمريكي له واثرها في وصول العراق إلي حافة الحرب الأهلية والتقسيم .

أولا:مشكلة الدراسة :

تنطوي المشكلة البحثية الرئيسية التي تسعي الدراسة إلي حلها علي تساؤل رئيسي مفاده :

ما هي العوامل التي يؤدي توافرها أو غيابها إلي أن تصبح الجماعات الإثنية والمذهبية عاملا يهدد الأمن القومي للدول التي تتواجد بها ؟ إن هذا التساؤل الرئيسي يتفرع عنه تساؤلان آخران :

أولهما:هل يؤدي إنعدام الشعور بالأمن الإنساني لدي الجماعات الإثنية والمذهبية إلي تحول هذه الجماعات إلي ممارسة العنف الإثني والمذهبي لكي تحافظ علي بقائها ووجودها وهويتها ؟

ثانيهما :هل وجود هذه العوامل في حد ذاته يدفع الجماعات الإثنية والمذهبية لكي تشكل تهديدا للأمن القومي ؟ ام أن هذه العوامل تحتاج إلي وجود فرصة سياسية مناسبة وتغيرات في النظام السياسي الموجود لكي تقوم هذه الجماعات بالتمرد وتصبح خطرا حقيقيا يهدد وحدة المجتمع وتماسكه؟

وستحاول هذه الدراسة الوصول إلي إجابه لهذه التساؤلات وتطبيق الإجابه علي العراق بعد الإحتلال الأمريكي له ،حيث أنه بعد إحتلال الولايات المتحده للعراق عام 2003 بدأت الصراعات الإثنية تنفجر في العراق بشكل عنيف لم يكن مألوفا من قبل ،إن بعض تلك الجماعات الإثنية والمذهبية كانت تعمل دائما ضد النظام السياسي القائم في بغداد فقط دون أن يكون هناك صراعات إثنية بين الجماعات الإثنية وبعضها البعض فما الذي حدث في العراق بعد عام 2003 لتحل الثقافات الفرعية مكان ثقافة المجتمع الواحد؟ ما الذي جعل الوضع ينفجر إلي أن يصل أو أن يكون وصل فعلا لمرحلة الحرب الأهلية ؟هل أدي غياب الأمن الإجتماعي والإنساني بالإضافة الي وجود الإحتلال العراقي إلي تزايد حدة الإنتماءات الإثنية والمذهبية وعدم قدرة الجماعات الإثنية والمذهبية علي التوحد والوقوف صفا واحدا أمام التحديات الخارجية.

ثانيا:أهمية الدراسة :

تأتي أهمية هذه الدراسة من كون ظاهرة التنوع الإثني والمذهبي أصبحت في الآونه الأخيرة وفي ظل العولمة مشكلة تعاني منها الكثير من الدول وتهدد أمنها وإستقرارها ،حيث أدت العولمة التي كان يفترض بها أن تحطم الحدود بين الجماعات الإثنية والمذهبية إلي أن تشعر هذه الجماعات بالتهديد وأن تسعي للتمرد علي اوضاعها القائمة خاصة في ظل إحساسها بالظلم وممارسة السياسات التميزية ضدها .

كما تكتسب هذه الدراسة أهمية علمية كون أن الدراسات التي تتناول العلاقة بين الجماعات الإثنية والمذهبية والأمن القومي تعد قليلة نوعا ما ،خاصة الدراسات العربية والتي تتميز بندرة نسبية في هذا المجال

كما تكتسب هذه الدراسة أهمية عملية كون ما يحدث في العراق حاليا يعد دليلا عمليا علي ما يمكن أن تشكله الجماعات الإثنية والمذهبية من خطر علي الأمن القومي للدول .

ثالثا:هدف الدراسة :

تهدف هذه الدراسة للوصول إلي الأسباب التي تجعل الجماعات الإثنية والمذهبية خطرا يهدد الأمن القومي ،كما تهدف إلي دراسة الأسباب التي جعلت العراق يسقط في دائرة العنف الإثني والمذهبي غير المسبوق في تاريخه وأشكال هذا العنف ،ومحاولة الوصول إلي كيفية إنهاء حالة العنف السائدة هناك .

رابعا:فرضيات الدراسة :

الفرضية الرئيسية في هذه الدراسة تتمثل في أن وجود التنوع الإثني في حد ذاته لا يشكل تهديدا للأمن القومي للبلد الذي يتواجد فيه ،بل لابد من وجود عوامل تدفع الجماعات الإثنية والمذهبية للشعور بالظلم والرغبة في تغيير الواقع الذي تعيشه ، كما أنه لابد من وجود فرصة سياسية كبري تحدث تغيرات جوهرية في النظام السياسي تستغلها الجماعات الإثنية والمذهبية للعمل علي تغيير الأوضاع القائمة لصالحها .

أما الفرضيات الفرعية التي تحاول هذه الدراسة إثباتها هي :

1)إن العلاقة بين الجماعات الإثنية والمذهبية والأمن القومي هي علاقة تبادليه فكلاهما يؤثر ويتاثر بالآخر .

2)إن التضامن بين الجماعات الإثنية والمذهبية يزداد في حالة الخطرالخارجي وفي حالة العمل من أجل الوصول للمكاسب ولكن بعد إنتهاء الخطر وبعد أن تحقق الجماعة أهدافها قد يحدث الإنقسام فيما بينها الذي قد يصل إلي حالة الإقتتال الداخلي .

3)يمثل العراق حالة خاصة وفريدة من نوعها فالوسائل الصالحة للتطبيق والتي يؤدي إستخدامها إلي تحقيق الأمن والإستقرار والإندماج الإثني في مجتمعات أخري تتواجد فيها العديد من الجماعات الإثنية والمذهبية،أصبح في العراق وسيلة لزيادة العنف الإثني والمذهبي والإقتتال الداخلي .

4) العنف في العراق لم يكن نتيجة للإختلافات الإثنية والمذهبية ولكنه أدي إلي تقوية الشعور والإحساس بهذه الإختلافات الإثنية والمذهبية ،وأن تلعب هذه الإختلافات الإثنية والمذهبية دورا في إستمرار العنف

5)أدي الإحتلال الأمريكي وضعف الدولة وإنهيار مؤسساتها وعدم قدرتها القيام بمهامها الأساسية وتوفير الأمن وتلبية الإحتياجات الأساسية لمواطنيها إلي خلق الفرصة المناسبة لأن تقوم الجماعات الإثنية والمذهبية بملأ هذا الفراغ وأن تصبح بديلا عن الدولة يقدم الخدمات الأساسية والأمن لأعضائها مما أكسبها ولاؤهم وأدي إلي أن تصبح هذه الجماعات الإثنية والمذهبية قوة لا يستهان بها تهدد وحدة ووجود الدولة العراقية ككل .

خامسا:حدود الدراسة :

إن هذه الدراسة تقوم بدراسة الدور الذي تلعبه الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق بعد الإحتلال الأمريكي له ،ونقطة البداية ستكون إبريل 2003 وحتي الآن وذلك بعد الإحاطة المختصره بدورها قبل ذلك التاريخ .

ولقد قامت الباحثة بإختيار العراق لدراسة الوضع فيه لأن العراق يعد نموذجا واقعيا قد يكون صالحا للتطبيق في أية دولة تتوافر فيها البيئة والظروف والعوامل التي توافرت في حالة العراق لكي تصبح جماعاتها الإثنية والمذهبية عامل خطر يهدد المجتمع والدولة التي تتواجد بها .

سادسا:منهج الدراسة :

إن هذه الدراسة تجمع بين ظاهرتين مختلفتين تنتمي إحداهما وهي الجماعات الإثنية والمذهبية إلي حقل السياسة المقارنة وتنتمي الثانية وهي الأمن القومي إلي حقل العلاقات الدولية ولذلك فإن الباحثة ستستخدم المناهج التالية :

أ-منهج الجماعة :-

وحدة التحليل في هذا الإقتراب هي الجماعة والتي يتم دراستها وفقا لهذا الإقتراب بالتركيز علي قضايا مثل حجم الجماعة وحجم مواردها ونشاطها من حيث كثافته وتنوعه والأساليب والطرق التي تستخدمها الجماعة لتحقيق أهدافها وعلاقتها مع الجماعات الأخري الموجودة في المجتمع وكذلك ستستخدم هذه الدراسة مفهوم هيكل الفرصة السياسية في بحث أثر الجماعات الإثنية في الأمن القومي ويساعد هذا المفهوم في تقديم العديد من العوامل التي تفيد في تقييم الجماعة مثل :

كيفية ظهور هذه الجماعة ،وتوقيت نشأتها ،شكل الجماعة ودرجة تطورها وتنظيمها وعلاقتها بالجماعات الأخري ،كما يساعدنا مفهوم الفرصة السياسية في معرفة أسباب نجاح جماعة ما في تحقيق أهدافها في فترة زمنية معينة ومكان ما ،وإخفاقها في في تحقيق هذه الأهداف في فترة زمنية أخري أو في مكان آخر في نفس الفترة الزمنية ،هذا ويقصد بمفهوم الفرصة السياسية "تلك التغيرات التي تطرأ علي النظام السياسي القائم وتطال هياكله المؤسسية بما يضيق من الفجوة في عناصر القوة النسبية بين الدولة والقوي المناهضة التي تستفيد من هذه الفرصة للوصول إلي ما تسعي إليه من أهداف "[1]،والفرصة الكبري التي تمكن الجماعات من تحقيق أهدافها كما يراها جور فيتش تأتي في أعقاب حرب كبري أو أزمة إقتصادية دولية يدخل علي أثرها الفاعلون في مساومات من أجل ترتيب الأوضاع السياسية الداخلية وهذه المرحلة يكون فيها إنقطاع في المسار أو إنهيار وسقوط تام لأركان النظام القائم[2].

ب- منهج دراسة الحالة :-

ستستخدم هذه الدراسة منهج دراسة الحالة حيث أنه سيفيد في دراسة المشكلة البحثية في العراق وهذا المنهج يقوم علي جمع البيانات العلمية المتعلقة بأي وحدة محل للبحث والدراسة وهي في هذه الدراسة الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق ويساعد هذا المنهج في التعمق في دراسة الوحدة محل البحث للوصول إلي تعميمات علمية متعلقة بوحدة الدراسة وبغيرها من الوحدات المشابهه لها.

ج- نظرية الدور :-

تقوم نظرية الدور علي دراسة سلوك الفرد والجماعات وإرتباطه بالواقع الإجتماعي وتقوم هذه النظرية علي عدد من الإفتراضات الأساسية التي ستساعد الباحثه في دراسة الجماعات الإثنية والمذهبية وما تملكه من قدرات وإمكانيات معينة وخصائص جغرافية وإقتصادية تؤثر في الأمن القومي للدولة التي تتواجد بها ،وأهم هذه الإفتراضات هي :

1) إن بعض أنماط السلوك تعد صفة مميزة لأداء الأفراد الذين يعملون داخل إطار معين .

2) ترتبط الأدوار بعدد معين من الأفراد تجمعهم هوية واحدة.

3)يدرك الأفراد أبعاد الدور الذي يقومون به .

4) تستمر الأدوار بسبب النتائج المترتبه عليها من ناحية ،ولأنها ترتبط بسياق نظم إجتماعية أكثر إتساعا من ناحية أخري .

5) يجب تأهيل الأفراد للقيام بالأدوار المطلوب منهم أداؤها .

6)إن أي دور يمارسه الأفراد والجماعات لا يقوم في فراغ ولكنه محدد بظروف موضوعية نابعة من البيئة المحيطة به ،بما تمثله من قيود وما تمنحه من فرص.

سابعا:الدراسات السابقة :- 

علي الرغم من وجود العديد من الدراسات السابقة التي تناولت موضوعي الجماعات الإثنية  و

 

الأمن القومي كموضوعين منفصلين إلا أن هناك عدد محدود من الدراسات التي تناولت العلاقة بين المفهومين ومن بين تلك الدراسات :

الدراسات التي تناولت موضوع الجماعات الإثنية أو الأقليات بشكل عام أو مع ربطها بمفاهيم أخري مثل :

1-تيد روبرت جار،أقليات في خطر ،230 أقلية في دراسة إحصائية وسياسية وإجتماعية (القاهرة :مكتبة مدبولي 1995)

ويتناول هذا الكتاب مشكلة الأقليات في العالم والظروف والأسباب التي تدفع الجماعات الإثنية للتمرد كما يستعرض الكتاب مشكلة الأقليات في العديد من دول العالم

2- د سعد الدين إبراهيم ،الملل والنحل والأعراق ،هموم الأقليات في الوطن العربي (القاهرة: مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية ، الطبعة الثانية ،1994)

ويتناول هذا الكتاب مفهوم الجماعة الإثنية والفرق بين مفهوم الإثنية وغيره من المفاهيم المتداخله معه مثل مفهوم الأقلية ومعايير دراسة وتصنيف الجماعات الإثنية ،كما يتناول الكتاب الجماعات الإثنية في الوطن العربي وأوضاعها .

الدراسات التي تناولت موضوع الأمن القومي :

1- دحامد ربيع ،نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط (القاهرة:دار الموقف العربي ،1989)

في هذا الكتاب يحلل د/حامد ربيع مفهوم الأمن القومي ،فيبدأ في صياغة مقوماته العسكرية ثم يبحث في تطور هذا المفهوم تاريخيا ثم يبين نقاط القوة والضعف في الوجود الإستراتيجي العربي ونتائج صراع القوي الكبري عليه

2 Considerations  In The Analysis Of National Security In The Third World

رسالة لنيل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية مقدمة من عبدالمنعم المشاط عام 1982 وفي هذه الدراسة يتناول الباحث مشكلة الأمن القومي في الدول النامية ،وأهم المدارس التي تناولت مفهوم الأمن القومي والعوامل التي تؤثر فيه وأهمية الجانب غير العسكري في تحقيق الأمن الداخلي .

3- لواء دكتور صلاح سالم،تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والأمن القومي للمجتمع ، (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية ،2003)

يبين الكتاب أثر تكنولوجيا المعلومات والإتصالات علي الأمن القومي للمجتمع ،ويوضح كيف أدي التطور العلمي إلي خلق أخطار جديدة  علي الأمن القومي يصعب علي الدول بمفردها أن تتغلب عليها .

الدراسات التي تناولت الوضع في العراق بعد الإحتلال الأمريكي له

1-ليام أندرسن وغاريث ستانسفيلد،عراق المستقبل ديكتاتورية ،ديموقراطية أم تقسيم ،ترجمة رمزي بدر (لندن :شركة دار الوراق للنشر ،2005)

يقوم المؤلفان في هذا الكتاب بدراسة التطور في النظام السياسي العراقي منذ إنشاء الدولة العراقية وحتي سقوط الدولة تحت الإحتلال الأمريكي عام 2003، كما يتناول الكتاب أوضاع السنة والشيعة والأكراد ،وأثر العصبية القبلية علي العراق ومستقبل الديموقراطية في العراق .

2-Ahmed S.Hashim ,Insurgency And Counter-Insurgency In Iraq (London: Hurst,2006)

يحاول الكاتب تقييم الوضع في العراق بعد الإحتلال والأسباب التي أدت إلي تفجر العنف فيه ودوافعه ونطاقه ومواقف الجماعات الإثنية والمذهبية من العملية السياسية وموقفها من العنف كما يتناول الكاتب محاولات الولايات المتحدة مجابهة حركة المقاومة العراقية.

3-باسيل يوسف بجك وآخرون،إستراتيجية التدمير آليات الإحتلال الأمريكي للعراق ونتائجه (الطائفية، الهوية الوطنية،السياسات الإقتصادية )،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،2006)

ويسلط هذا الكتاب الضوء علي الوضع في العراق ،ودور الإحتلال الأمريكي في تصاعد أحداث العنف في العراق وأثره في خلق الطائفية والتحزب الإثني كما يتناول قضايا الفساد والسياسات الإقتصادية المتبعة في العراق بعد الإحتلال .

ولعل الجديد الذي تحاول هذه الدراسة تناوله هو محاولة توضيح العلاقة بين الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق ،وظاهرة الأمن القومي والعوامل المؤثرة علي جوهر هذه العلاقة والعوامل المشكلة لها .

 

                      

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

التعريف بمفهومي الجماعة الإثنية والمذهبية والأمن القومي

 

 

 

 

 

 

 

 

نقوم في هذا الفصل بشرح المقصود بمفهوم الجماعة الإثنية والمذهبية ومفهوم الأمن القومي وأهم التطورات التي حدثت لهذا المفهوم ،كما يحاول هذا الفصل أن يشرح العلاقة بين هذه المفاهيم .

المبحث الأول:

التعريف بمفهومي الجماعة الإثنية والمذهبية :

اولا: التعريف بمفهوم الجماعة الإثنية والمذهبية وتطوره

إن التنوع الإثني أو المذهبي ظاهرة عالمية تكاد لا تسلم منها إلا دول قليلة تعد علي أصابع اليد الواحدة من أصل مجموع دول العالم البالغة حاليا 191 دولة .

ويري الجغرافي برنارد نيتشمان أنه يوجد حاليا مابين 3,000 إلي 5,000 أمة في العالم ، ولقد وجدت الجماعات الإثنية تاريخيا قبل ظهور نظام الدولة المعاصرة وظلت في معظم البلدان رغم سياسات الإستيعاب والإلحاق تصر علي البقاء وتعود للظهور .[3] هذا ويمكن تقسيم تعريف الاثنية وفقا لتطوره التاريخي الي:

1-التعريف عبر مراحل الفكر السياسي .

2-التعريفات الحديثة .

1: التعريف عبر مراحل الفكر السياسي :

إن الإثنية كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية إثنوس والتي تعني الشعب وكانت تستخدم للإشارة إلي غير اليونانيين مما يعني أن الكلمة تشير إلي الأجانب حيث كان المجتمع في أثينا يقوم علي التفريق بين المواطن الذي تجري في عروقه دماء أثينية فقط وبين غيره ممن يسكنون أثينا والإستخدام الحديث للكلمة يرتبط بالمعني الوارد في اليونانية .[4]

هذا ونجد منذ أقدم العصور أن كثيرا من المفكرين نظروا إلي الإختلافات العرقية والسلالية وعدم التجانس كسبب من أسباب الحروب وعدم الإستقرار ، فأفلاطون طالب بالقضاء علي الولاءات الضيقة وحذر من خطورة عدم شعور جماعة معينة بالإنتماء إلي دولتها أو بالتقارب مع الجماعات الأخري وتحولها بهذا الولاء إلي جماعات تعيش داخل دولة أخري .

ويري أرسطو في حديثه عن الثورات أن إختلاف الأصول والسلالات داخل الدولة يعتبر عامل من عوامل الخطورة لأن عدم التجانس والإختلافات السلالية والعرقية داخل المجتمع قد تؤدي إلي الفتنة والعصيان حيث ان الإختلافات العرقية قد تكون تربة مناسبة لحدوث الثورات [5]وفي الفكر الروماني رفض شيشرون وجود إنقسام في ولاء المواطنين ورفض أن يكون هناك أي ولاءات أخري تشغل المواطن عن واجبه تجاه مجتمعه الذي يعيش فيه .

ولتفسير نظرية الدولة ابتكر ابن خلدون نظرية العصبية التي كانت تعني لديه "نعرة كل أحد علي نسبه وعصبيته وبها يكون التعاضد والتناصر " [6]وتطرق مكيافيللي إلي الإختلافات العرقية عندما رأي أن هناك صعوبه كبيره في حكم الشعب الذي يختلف أفراده في اللغة والعادات .

2:التعريفات الحديثة :

ويرجع أغلب الكتاب الغربيين والعرب إزدياد الإهتمام بظاهرة الأقليات إلي مطلع القرن 19 حينما تضمنت إتفاقيات فيينا (1814-1815) نصوصا تدعو إلي الحرية الدينية والمساواة السياسية وأشارت إتفاقيات مؤتمر السلام بفرساي في (1919-1920) إلي الحقوق الثقافية والقومية للأقليات[7]

وتزايد الإهتمام بالإثنية بعد سقوط الإمبراطوريات في منتصف القرن 20،حيث أستخدمت الإثنية كوسيلة فعالة لتحريك الجماهير للصراع من أجل القوة ،وبدأ إستخدام المفهوم بين السياسيين وعلماء الإجتماع والعامة في الغرب منذ الخمسينات من القرن العشرين، ومنذ أوائل السبعينات أصبح مفهوم الإثنية يحتل مكان الصداره كمفهوم سياسي وإجتماعي مهم نظرا للدور الذي بدأت تلعبه الإثنية في الحياة السياسية والإجتماعية وتزامن الإهتمام بهذا الموضوع مع تزايد النقد الذي وجه إلي نظريات الحداثة وعودة الإثنية لتعبر عن نفسها علي شكل حركات سياسية وحركات إحتجاج[8].

وأصبح هناك محاولات عديدة لدراسة هذه الظاهرة ووضع تعريف لها والتعرف علي أهم خصائص هذه الظاهرة، ويعرف فيبر الجماعة الإثنية بما يلي " بأنها تلك الجماعات البشرية المؤمنة إيمانا ذاتيا بأصلها المشترك " ولابد أن يكون هذا الإيمان قويا لكي تتكون الجماعة [9] الإثنية .

أما السوسيولوجي البريطاني أنتوني دي سميث فهو يعرف الإثنية بأنها "جماعة بشرية يشترك أفرادها في أساطير واحدة عن الأصل والنسب وفي ذاكرة تاريخية وأنماط ثقافية وقيم مشتركة وفي الإرتباط بإقليم محدد و الإحساس بالتضامن بين النخب علي أقل تقدير" [10]

ويعرف تيد روبرت جير الجماعة الإثنية " بأنها الجماعة التي يتشارك أعضائها في هوية متميزه وجماعية تقوم علي سمات ثقافية ونمط حياة خاصة بهم تميزهم عن الآخرين الذين يتفاعلون معهم[11]

وعرفت الموسوعة البريطانية الجماعةالإثنية بانها "جماعة إجتماعية أو فئة من الأفراد في إطار مجتمع أكبر تجمعهم روابط مشتركة من العرق واللغة القومية أو الثقافة " [12]

أما معجم العلوم السياسية فيري أن المصطلح يشير إلي "جماعة لا تعرف بالنظر إلي المؤسسات السياسية ولكن بالنظر إلي علاقات الدين أو اللغة أو الروابط الإقليمية السائدة بين أعضائها "[13]ويري ستيفن ريان أن الأثنية "هي طريقة تفكير بشان العالم تتجلي طوال التاريخ المدون وهي تستند إلي المشاعر التي تربطنا بمن يشتركون معنا في ثقافة واحدة وهي تحتاج إلي أسطورة تتعلق بمنبت واحد وتاريخ مشترك وإحساس بالتضامن وإرتباط بأرض معينة [14]

ويعرف فردريك بارث الأثنية بأنها "جماعة من البشر تتسم بالتفاعل والإتصال فيما بين أفرادها ووجود ثقافة مشتركة مميزه لها عن باقي الجماعات وقد يقوم هذا التمييز علي أسس لغوية،عرقية دينية،تاريخية بل وجغرافية في بعض الأحيان بالإضافة إلي وجود وعي بأهداف الجماعة وإتصال بين أفرادها" [15]

ويري فردريك بارت أن السمات الثقافية تمثل له علامات مميزه تفرق الجماعات بعضها عن بعض إلا أنها تتغير من موقف لأخر دون أن تخل بنظام هذه الجماعة فبالنسبة له هناك أربعة معايير تحدد هوية جماعة ما وهي الأرض ،التصور بوجود أصل واحد، اللغة، الدين وبينما يؤكد بارت أن وجود عامل واحد فقط من هذه المعايير كافي لفصل جماعة ما عن غيرها إلا أنه يعود ليقول ليس بالضرورة أن تكون الهوية التي ترتكز علي أحد هذه المعايير هوية إثنية في الأساس فالمهم هو الإحساس الخاص بالولاء للجماعة [16]

إذا فالإثنية هي جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأي سمات أخري مميزه بما في ذلك الأصل والملامح الفيزيقية الجسمانية وهي تستند إلي درجة عالية من الولاء والتضامن تسود بين أعضائها وتميزهم عن غيرهم وتجعلهم يشعرون بأنهم مختلفون عن غيرهم من الجماعات الأخري التي تعيش معهم في نفس المجتمع، والأفراد يصبحون أعضاء في الجماعات الإثنية عبر عملية الغرس الثقافي فمنذ ولادتهم فإنهم يتعلمون ملاحظة أوجه التشابة والإختلاف بينهم وبين الآخرين ووفقا لهذا فإنهم يطورون نوع من السلوك الخاص بهم أحيانا بقصد وبوعي منهم وأحيانا بلا وعي وعنصر اللاوعي يتكون من المعايير والقيم التي أصبحت جزءا من تكويننا وبهذه الطريقة فإن الإثنية تعتبر شكل من أشكال التنظيم الإجتماعي .

وبناء علي كل هذه التعريفات يمكن التوصل إلي عدة سمات تشكل جوهر الجماعة الإثنية وهي :-

1) العضوية في الجماعة الإثنية عضوية غير تطوعية ولكنها تتحدد بالمولد فأفراد الجماعة يولدون فيها ويرثون خواصها الثقافية أو المزاجية فالفرد عند مولده لا يختار الجماعة الإثنية التي ينتمي إليها وبالتدرج يكتسب الأفراد بقية الخواص الثقافية والمزاجية، بل وإن بعض الخصائص الإثنية التي يمكن تغييرها مثل الإنتماء الديني أو المذهبي لا يتم عادة إلا بعد أن يصل الفرد إلي مرحلة عمرية أكبر أما عند ولادته فهو أسير للجماعة الإثنية التي ينتمي إليها والده ،لذلك يطلق عاده علي هذه الصفات إسم السمات الإرثية (Ascriptive Traits) [17]

(2التمايز: إن التمايز ينطوي علي عنصريين أولهما عنصر موضوعي وهو وجود الإختلاف أو التباين بالفعل في أي من متغيرات (اللغة ،الدين ،الثقافة ) والتي يمكن أن يطلق عليها إثنية عندما تنشأ نتيجة لتناقل أفراد الجماعة لقيما ما خاصة بهم وحدهم وتمسكهم بها جيلا بعد جيل من خلال عملية التنشئة الإجتماعية مما يكسب هذه القيم قوة وإستمرارية،وكذلك تنشأ هذه المتغيرات نتيجه للإختلاف في الأصل القومي والمكاني والسمات الفيزيقية وهذا التباين ولإختلاف هو ما يؤدي إلي الشعور بالإنتماء إلي جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخري ،والمهم هنا ليس التباين بل ما يترتب عليه من حده في الإدراكات الذاتية،فالإدراك وهو العنصر الثاني في عملية التمايزيؤدي إلي تبني  مواقف وإتجاهات إجتماعية و سياسية تنعكس في أنماط السلوك والعلاقات تجاه الجماعات الإثنية الأخري المجاورة لها أو المتفاعلة معها فقد يكون الإختلاف الموضوعي في أي من المتغيرات الإثنية كبيرا ولكن أفراد الجماعات المتفاعلة أوالمتجاورة لا يضفون علي هذا الإختلاف أهمية تذكر ولا يرتبون عليه نتائج موقفية أو سلوكية ذات بال[18]

ويري هوروتيز أن الإثنية تبني علي عوامل ذاتية إدراكية فقد توجد جماعة إثنية لديها روابط إثنية قوية ولكنها غير مدركة لوجود هذه الروابط والعكس صحيح فقد توجد جماعة تقل فيها الروابط الإثنية (الدين-الثقافة-العرق)و لكن لديها شعور إثني قوي ،بل إن البعض يميز بين الإثنية وبين الفئة الإثنية ،فالإثنية لا تشترك فقط في ميثولوجيا معينة عن الأصل والجذور والإرتباط برقعة أرض معينة وبعض العناصر الثقافية المشتركة بل وتشترك في الإحساس بالتضامن بين غالبية أفرادها،فالوعي بالإنتماء هو الذي يميز الإثنية عن الفئة الإثنية التي هي "مجموعة من البشر الذين لهم ثقافة مشتركة وميثولوجيا مشتركة عن الأصل المشترك ولكنهم يفتقرون إلي التضامن وإلي آليات مدروسة للحفاظ علي حدود جماعتهم " [19]

فالإثنية تعطي الأولوية للوعي الإثني لدي الأفراد والمجتمعات علي الوسائل والأشكال الأخري للوعي الفردي والمجتمعي وفي هذه الحالة فإن الإثنية هي النظام النوعي المسيطر علي مجمل الفراغ الإجتماعي والجماعة الإثنية تنمي في أفرادها هذه القدرة الإدراكية مبكرا كجزء من عملية التنشئة الإجتماعية وكضرورة لحفظ كيانها الجمعي وتراثها الثقافي أو لتكريس مصالح ومزايا مكتسبة[20] والشعور الإثني كامن في كل مكان ولكن يتم إدراكه فقط عندما تشعر الجماعة بأنها مهدده بفقدان مزايا تم إكتسابها سابقا أو أن تشعر الجماعة بأن الوقت أصبح ملائما سياسيا من أجل الحصول علي المزايا بعد سنوات طويلة من الحرمان منها [21]

فالكثيرون يرون أن الوعي الإثني يتكون في ظل ظروف معينة كرد فعل ضد تهديد ما نابع من المجتمع، وهكذا فإن الإثنية وفقا لذلك ليست شيئا في حد ذاته ولكنها قدرة ذاتية تتخذ شكلا واضحا كإستجابة لقوي خارجية، فالآخرون أحيانا يكونون عاملا أهم في تنمية الوعي الإدراكي الإثني من خلال ممارسة التفرقة في التمييز في المعاملة والسلوك مع من ليسوا من جماعتهم وبالتالي ينمو عند أفراد هذه الأخيرة وعي إثني متزايد ،أي وعي بإرتباطهم الروحي بهذه الجماعة لأنهم مختلفون عن الآخرين وهذا الوعي يكون نتيجة للإحساس بالإضطهاد ونتيجة للتناقضات الموجوده في العلاقات الإجتماعية .

بتعبير آخر تنطوي العلاقات الإثنية صراحة أو ضمنا علي آليات نفسية إجتماعية للإدماج (inclusion ) والإستبعاد (exclusion)أي شروط من ينطبق عليهم أن يكونوا من جماعة النحن وشروط من ينطبق عليهم الإستبعاد من هذه النحن الجماعية ووضعه في جماعة الآخرين ، ومن أهم مكونات الوعي الإثني المشترك هو فكرة الأصل المشترك أو القدر التاريخي المشترك الذي يشترك فيه جميع أعضاء الجماعة الإثنية .

3) إستخدام مصطلح الجماعة الإثنية عادة ينطوي علي وجود جماعة أو جماعات إثنية أخري تعيش معها في نفس المجتمع أو الدولة ،فالإثنية تظهر في ممارسة القوة فلابد أن يكون هناك جماعتين إثنيتين علي الأقل لكي تظهر فهي تعرف من خلال الآخرين فسيلفرمان يري بأن الجماعة تصبح إثنية فقط إذا كان هناك جماعات أخري مختلفة عنها وتتواجد معها داخل المجال السياسي الأوسع [22]

4)الحدود الإثنية : عندما تتكون الجماعة الإثنية فإن أعضائها يشعرون بوجود حدود تميزهم عن الآخرين ، فالإثنية لا تتحدد بسمات موضوعية فحسب بل إن الحفاظ علي حدود لها هو العامل التكويني الرئيسي فيها ،فثقافة جماعة إثنية قد تشف عن تنوع داخلي واسع فيها ويمكن أن تشهد تغيرا كبيرا بمرور الزمن ولكن لا هذا العامل ولا ذاك يؤثر في هويتها الإثنية ما دامت الجماعة الإثنية ذات العلاقة قادرة علي إقامة حدود واضحة بينها وبين محيطها ،وهذه الحدود هي التي تميزها عن الجماعات الإثنية الأخري وبالطبع يتطلب الحفاظ علي مثل هذه الحدود بفاعلية إستخدام مؤشرات تحديدية واضحة تكون رموزا لهوية الجماعة، والسمات الثقافية هي التي كثيرا ما تستخدم كمؤشرات لحدود الجماعة ، ولكن لا يوجد سبب واضح في أن تصبح سمات معينة مؤشرات لهذه الحدود

ويري الإنثروبولوجي النرويجي فريدريك بارت أن الجماعة الإثنية هي في المقام الأول مقولة تتعلق بالإنتساب وتعتمد إستمراريتها علي الحفاظ علي حدود مطاطية غير ثابته تسعي الجماعة إلي الإبقاء عليها لبناء هويتها الذاتية وبلورتها وإعادة إنتاجها [23]

وعادة يقوم قادة الجماعة في خلال عملية تكوين الإثنية بتقوية صورة الجماعة والتأكيد علي الروابط الأولية primordial feelings لكي يحددوا من هم أعضاء الجماعة؟ ومن أين أتوا؟وفي ظل هذه العملية يتم إنشاء الحدود بين الجماعات حتي تصبح الجماعة مميزة .

وتلعب الأسرة دورا هاما في تأكيد الروابط الإثنية وتزويد الجماعات الإثنية بأفرادها فمن خلال الأسرة تتعلم الأجيال الناشئة الفرق بينها وبين الآخرين وتحافظ الجماعات الإثنية علي موروثاتها وتقاليدها الثقافية عن طريق التزاوج الإثني الداخلي Endogamy الذي يساعد في خلق وحدة ثقافية بين أفراد الجماعة الإثنية الواحدة ،كما يساعد في خلق حدود بيولوجية تحمي الجماعة الإثنية .

إن الحدود الإثنية تتكون في الحياة الإجتماعية ولكنها ليست أمرا ثابتا والتغير في الحدود الإثنية قد يأتي من داخل الجماعة الإثنية فقد يكون المعيار في أحد الفترات هو اللغة ثم في فترة لاحقة قد تعطي الأولوية للدين فمثلا الهوية السنهالية في سريلانكا كانت تقوم علي عنصر اللغة ثم عنصر الدين ولكن بعد الإستقلال أصبحت الديانه العنصر الأساسي ومن ثم اللغة ،وهذا يغير كيفية رسم حدود الجماعة،إن إختيار الرمز الذي يجعلنا مختلفين عن الآخرين وفقا لبراس يعتمد علي مصالح الجماعة النخبوية [24]

كما قد يأتي التغيير من خارج الجماعة الإثنية فعندما يكون هناك تعريف لنظام سياسي أو إجتماعي قائم يفترض إرتباطات محددة أو إنتماءات وعندما يشعر أعضاء هذه الجماعة الإثنية بأنهم سيحصلون علي إمتيازات سياسية أو إقتصادية وفقا لهذه الحدود الإثنية الجديدة فإنهم سيعملون علي تغيير الحدود القديمة لكي يستطيعوا الحصول علي المنافع والمزايا المقدمة لهم [25]

ثانيا الإثنية علي المستوي التحليلي :

يتناول هذا الجزء الإثنية علي المستوي التحليلي وينقسم إلي الأجزاء التالية :

1-معايير تصنيف الإثنيات .

2-إقترابات دراسات الإثنية .

1-معايير تصنيف الإثنيات :-

هناك العديد من المعايير التي تطبق لتصنيف الإثنيات وأهمها ثلاثة معايير وهي :

ا-التنميط الوصفي الهيكلي .

ب-معيار التركز الجغرافي .

ج- التصنيف الحركي للجماعات الإثنية .

وفيما يلي توضيح ذلك :

ا)التنميط الوصفي الهيكلي :-

يرتكز علي تصنيف الجماعات الإثنية حسب أحد المتغيرات الموروثة بيولوجيا أو إجتماعيا مثل السلالة-اللغة –الثقافة والأصل القومي والدين فكل من هذه المتغيرات يعطينا تنميطا وصفيا للجماعات الإثنية في نفس المجتمع :-

1)السلالة أو العنصر:يفترض هذا التصنيف وجود إختلاف ظاهر في السمات والملامح الفيزيقية الجسمانية بين مجموعات السكان وهذه الإختلافات الفيزيقية السلالية تنطوي بدورها علي إختلافات أخري غير فيزيقية مثل درجة الذكاء والنشاط والإنظباط وروح المسئولية ،وجاء هذا التصنيف كنتاج للفكر الأوروبي الذي قسم البشر إلي ثلاثة أجناس رئيسية وهي القوقازية والمغولية والزنجية بالإضافة إلي بعض الأجناس الفرعية.

2)اللغة والثقافة : تنبع أهمية هذا التصنيف من أن اللغة هي أداة للتواصل والتخاطب بين الأفراد كما أنها وعاء للثقافة ونمط التفكير ومخزن للتراث تجمع بين أفراد جماعة ما وتميزهم عن غيرهم من الجماعات التي تتحدث لغات أصلية أخري وأحيانا يطلق علي هذه اللغة الأصلية اللغة الأم وهي الأداة التي تمت بها التنشئة الإجتماعية والتي ترسي الدعائم الأساسية للشخصية فاللغة كنظام رمزي هي مرآة للهيكل الإجتماعي ولنسق القيم والمعايير ولقواعد السلوك السائدة في الجماعة ،وأهمية العامل اللغوي في تصنيف الجماعات الإثنية يرجع بإختصار إلي ما يترتب عليه من تباين ثقافي أو حضاري .

3)الدين :تعتبر الإثنيات الدينية من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية حيث كان هناك ثلاث ديانات سماوية والعديد من الديانات الوضعية ولم يكن هناك دين يلغي ما قبله حيث كانت الديانات جميعها موجوده ولها معتنقيها[26]

والتنوع الديني في نفس المجتمع لا يكتسب أهمية إلا إذا ترتب عليه تنافس أو صراع في مجالات القيم أو الثروة أو السلطة ، هذا وفي إطار الإختلافات الدينية يدور الحديث عن الطائفية أو المذهبية فالمعني الإصطلاحي والمتواتر حاليا هو ربط الطائفية بالدين ،فالطائفية تعني اليوم بشكل أساسي عندما تستخدم في الحديث السياسي أو العلمي العصبية الدينية أو المذهبية

هذا ويفرق كثير من الكتاب بين مفهومي الطوائف   sects   والطائفية sectarianism فالمفهوم الأول يشير فقط إلي التنوع في المعتقدات والممارسات الدينية بين الأفراد أو المجموعات التي يتكون منها المجتمع ، أما المفهوم الثاني الطائفية فهو يشير إلي إستخدام هذا التنوع الديني أو المذهبي لتحقيق أهداف سياسية أو إقتصادية أو ثقافية ، وتصنيف الجماعات الإثنية علي أساس المتغير الديني –الطائفي (المذهبي) [27]يكتسب مغزي سياسيا في الحالات الآتية :-

1)حين يكون الإنتماء الديني أو الطائفي محورا أساسيا لعصبية الجماعة .

2)حين يترتب علي هذه العصبية أنماط محددة للعلاقة بين هذه الجماعة وغيرها من الجماعات الأخري التي تتمحور بدورها علي عصبياتها الدينية سواء أكانت أنماط هذه العلاقة تسامحية أو صراعية أو تنافسية .

ب- معيار التركز الجغرافي :-

فالجماعة الإثنية قد تتجه للتكتل في منطقة جغرافية معينة وتعتبرها الموطن الأصلي وترفض السكن في أي منطقة أخري غيرها وقد تعيش الجماعات الإثنية في مناطق متعددة من الدولة مما يسهل من عملية إندماجها في الدولة نتيجة لإختلاطها بغيرها من الجماعات الإثنية ،أما إن كانت هذه الجماعات متركزه في منطقه جغرافية معينة فإن خطرها يزيد علي عملية التكامل القومي ،فإنعزال هذه الجماعة في منطقة معينة يبعدها عن غيرها من الجماعات الإثنية ويقلل من فرص الإحتكاك بينها مما يعزز الإنقسامات الإثنية في المجتمع ، كما قد تعيش هذه الجماعات في مناطق قريبة من حدود الدولة مما يجعلها في بعض الأحيان تشكل خطرا علي الدولة خاصة إذا تم إستقطابها من قبل قوي خارجية معادية للدولة ،هذا ونري أن الكثير من الأقليات تتركز في مناطق بعينها يعتبرونها موطنهم الأصلي ويرفضون تغيير هذه المناطق بل ويسعون أحيانا للحصول علي استقلال الإقليم الذي يعيشون فيه مثل الأكراد في شمال العراق . 

ج-التصنيف الحركي للجماعات الإثنية :-

يقوم هذا التصنيف علي ما تحدثه الجماعات الإثنية من حركات إجتماعية وسياسية نظرا لعدم قبول الجماعات الإثنية لوضعها الراهن في المجتمع وتمردها علي نمط العلاقات السائدة فيه وتصنف هذه الحركات علي أساس ما تسعي إليه من أهداف ، وأهم هذه الأهداف :

1-الأهداف الإنصهارية :

قد تري الجماعة الإثنية أن أحد خصائصها الأساسية هو المسئول عما تعانيه من تعصب وتفرقه ضدها وبالتالي قد تقوم بالتخلي قدر الإمكان عن بعض الصفات المميزه لها مثل (ثقافتها أو لغتها أو ديانتها الأصلية )وأن تتبني بقدر الإمكان كل الخصائص الهيكلية للأغلبية أو لجماعة إثنية أخري تعتبرها أكثر حظا ومكانة في المجتمع ، وبعض عمليات الإنصهار والذوبان لجماعة إثنية في جماعة إثنية أخري قد يتم تدريجيا وتلقائيا وعلي مدي زمن طويل .

2-الأهداف الإندماجية :

في عمليات الإندماج تفقد كل الجماعات المتفاعلة خصائصها الإثنية المميزه وتكتسب خصائص أخري تنبثق بمقتضاها جماعة توليفية موحده تختلف عما سبقها ،وهذه العملية تفترض أن الجماعات الداخلة فيها متقاربة في السلطة والمكانه ولا تشعر إحداها بالإستعلاء أو التفوق علي الجماعة أو الجماعات الأخري والمؤرخون الإجتماعيون لنشأة الدول القومية يذهبون إلي أن نواة معظمها كان إتحادا بين العشائر والقبائل في رقعة جغرافية متجاورة .

3- الأهداف التعددية:-

يهدف هذا النوع إلي إحتفاظ كل جماعة بخصوصيتها الإثنية مع حصولها علي المساواة في الحقوق السياسية والمدنية وتكريس هذه الحقوق دستوريا ومؤسسيا دون الإخلال بالحقوق الطبيعية والمكتسبة لأي جماعة .

4- الأهداف الإستعلائية :

قد تشعر بعض الجماعات الإثنية بالتفوق والإستعلاء علي غيرها من الجماعات التي تعيش معها في نفس المجتمع  وفي نفس الوقت تدرك هذه الجماعة أن مصالحها تملي عليها البقاء والتعايش في نفس المجتمع السياسي مع جماعات إثنية أخري فتتبلور أيديولوجية صريحة أو ضمنية تؤمن بالتعايش مع عدم المساواة فهي لا تريد أن تنفصل أو أن تنفصل الجماعات الأخري عن المجتمع السياسي المتعدد الإثنيات ولكنها في نفس الوقت لا تقبل مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية .

5- الأهداف الإنفصالية :

قد تشعر بعض الجماعات الإثنية أن إستمرار تعايشها مع غيرها في نفس المجتمع السياسي لا يلبي مطالبها وطموحاتها أو أنه قد يؤدي إلي الإضرار بمصالحها وإمتيازاتها المكتسبة وبالتالي تبدأ في المطالبة بالإستقلال الذاتي في إقليمها أو الإستقلال الكامل في دولتها الخاصة ، ومما يساعد الحركات الإثنية الإنفصالية في دعوتها تركز أبناء الجماعة في إقليم واحد أو رقعة جغرافية واحدة وخاصة نحو الأطراف وبعيدا عن مركز الدولة[28]

إن التصنيف الحركي هو تصنيف ديناميكي فبعض الحركات الإثنية تبدأ مسيرتها وهي تهدف للذوبان أو الإندماج و لكنها تنتهي بالتعددية .

2- إقترابات دراسة الإثنية :

توجد عدة إقترابات في دراسة الإثنية وتشير الدراسة فيما يلي إلي ستة إقترابات رئيسية في هذا الصدد وهي :-

ا-الإقتراب الطبيعي

ب-الإقتراب الذرائعي .

ج-الإقترابات النظمية والبنيوية .

د- الإقتراب السيكولوجي الإدراكي .

و- الإقتراب الإنثروبولوجي .

ه-الإقتراب التطوري .

ا- ألإقتراب الطبيعي :-

يري أصحاب هذا الإقتراب أن الإثنية صفة ثابته للأفراد والمجتمعات ويصعب علي الأفراد تغييرها ويري أنصار هذا الإقتراب أن الإنقسامات والإضطرابات أمور طبيعية والفرد وفقا لهذا الإقتراب لا يختار الفئة الإجتماعية التي يولد فيها ، وهذا يضفي عليه هوية أولية ما ،وتعتمد هوية الجماعة الإثنية علي عدد من السمات المشتركة بين أعضاء الجماعة بحيث كلما زاد عدد هذه السمات مثل الدين والثقافة والتاريخ المشترك ومحل الإقامة والعرف زادت قوة الهوية .

وأعضاء هذه الجماعة مستعدون للتضحية بلا حدود من أجل رفاهية الجماعة ولكن هذا الإقتراب تم توجيه النقد إليه لأنه إفترض ثبات الهوية عبر الزمن ولأنه عجز عن تفسير كيفية ظهور هويات جديدة أو متحولة .

ب- الإقتراب الذرائعي :-

الإثنية وفقا لهذا الإقتراب هي وسيلة يستخدمها الأفراد والنخب لتحقيق أهداف مادية كبري فأساس التضامن هنا هو المكافآت المادية التي تقدمها هذه الهوية لأعضائها ، ويري أصحاب هذا الإقتراب أن أفرادا وأحيانا مجموعات قد يتخلون عن هوية لصالح أخري ما دامت تحقق لهم إمتيازات .

ج- الإقترابات النظمية والبنيوية :-

تركز هذه الإقترابات علي التفاعل بين الجماعات ، والإثنية وفقا لهم هي ظاهرة إجتماعية وتؤدي كثافة الإتصال والتفاعل بين أفراد الجماعة الإثنية للتمسك بهويتهم ويصبحون أكثر إستعدادا لوضع مواردهم وطاقاتهم في العمل بإسم مصالحهم المشتركة ، ويقل التماسك لدي الجماعات التي يوجد بها حركات وتنظيمات سياسية متنافسة .

د- الإقتراب السيكولوجي الإدراكي :-

يقوم أصحاب هذا الإقتراب بدراسة ما يسمي القوالب الجامدة التوافقية والتي هي عبارة عن معتقدات مشتركة حول الخصائص التي يمتلكها أعضاء جماعة ما ،كما أنها تتمثل في المعتقدات الرمزية التي تشمل إدراك الجماعة لكيفية التعايش في المجتمع الذي توجد فيه ، والتباين في هذه المعتقدات يؤدي إلي أحكام مسبقة وتوجهات قد تكون سلبية تجاه جماعة أخري .

و- الإقتراب الإنثروبولوجي :-

يفيد هذا الإقتراب في دراسة الإثنية لأنه يوفر معلومات أولية عن الحياة الإجتماعية في خلال مستويات التعامل اليومي ويساعدنا في معرفة الطرق التي تعرف بها العلاقات الإثنية وتدرك من قبل الأفراد ويمكن أن يكون نظام مقارن يساعدنا في معرفة عوامل التشابه والإختلاف فيما بين الظاهرة الإثنية وتقدم رؤية مفصلة للإثنية في العالم المعاصر .

ه-الإقتراب التطوري :-

يقوم هذا الإتجاه بتوصيف الوضع القائم وتطوره من منظور القوي الفاعلة علي الساحة السياسية

أفرادا كانوا (نخب) أو مؤسسات وتكوينات وقوي اجتماعية دونما إعتبار لأسباب تلك المواقف والتطورات .[29]

الإثنية المسيسة :-

إن الإثنية كظاهرة إجتماعية تحدث عندما يلاحظ الأفراد وينظمون حياتهم اليومية وفقا للإختلافات الإثنية ، ولكن الإثنية تسيس عندما ينظم تحالف سياسي وفقا للخطوط الإثنية أو عندما يتم الإستفاده من المزايا السياسية والإقتصادية وفقا للإثنية .

هذا وترجع أهم أسباب ظهور الإثنية المسيسة إلي ما يلي :-

1)الإنتماءات الأولية حيث يري أصحاب هذا الإتجاه أن بعض الطبقات الإثنية لازمة إجتماعيا وبالتالي فإنها لازمة سياسيا .

2)العوامل الإقتصادية ويري أصحاب هذا الإتجاه أن الجماعات الإثنية تعامل أحيانا علي أنها شكل متطرف من اشكال جماعات المصالح يشتركون في تفضيلات مشتركة بخصوص السياسات العامة

3) الإتجاه التوزيعي في تناول الجماعات الإثنية ووفقا لهذا الإتجاه فإن الإثنية قد توفر أساسا جذابا لتشكيل التحالفات في الصراعات التوزيعية حول السلع السياسية ، فالجماعات الإثنية تستطيع توفير منافع لأعضائها في السباق نحو المزايا السياسية والإقتصادية ولكنها لا تستطيع تعظيم هذه المزايا [30]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني :

مفهوم الأمن القومي :-

إن ظاهرة الأمن القومي من الظواهر التي ثار خلاف شديد حولها ، فهناك إختلافا حول تعريفها ، كما أن هناك إختلاف حول مصادر تهديد الأمن القومي ، والأدوات والإستراتيجيات التي تساعد في تحقيق الأمن القومي ، وكذلك هناك إختلاف في المدارس التي درست هذا المفهوم .[31]

أولا :التعريف بالمفهوم :-

إن التعريف اللغوي للأمن يعني الطمأنينة والتحرر من الخوف ، كما يعني الإستقرار والقدرة علي مواجهة المفاجآت دون أن يترتب علي ذلك إضطراب في الأوضاع السائده ، والأمن للإنسان هو الطمأنينة والسكينة[32]

ويمكن التفرقة بين مدرستين رئيسيتين في هذا المجال وهما :

أ‌-       المدرسة القيمية الإستراتيجية .

ب‌-  المدرسة الإقتصادية غير الإستراتيجية .

وفيما يلي توضيح ذلك :-

أ‌-       المدرسة القيمية الإستراتيجية :- 

تربط هذه المدرسة الأمن بالجانب العسكري فقط الذي يهدف إلي حماية القيم الرئيسية للدول وهذه المدرسة تري أن :-

1)    الأمن القومي يعني حماية الدولة ضد أخطار حالية أو محتملة .

2)    الخطر والتهديدات تدرك علي أنها ذات طبيعة عسكرية وتأتي من خارج حدود الدولة .

من ثم فإن مشاكل الأمن القومي هي من إختصاص المجال العسكري وجوهرها إستخدام القوة[33]

ويندرج تحت هذه المدرسة تعريف موسوعة العلوم الإجتماعية الأمن القومي بأنه "قدرة الأمة علي حماية قيمها من التهديدات الخارجية[34]

وكذلك تعريف د/حامد ربيع بأن الأمن القومي هو "مجموعة من القواعد حيث تجاوزها لابد و أن يقابل بطريقة مباشرة بإجراء عنيف لحماية الكيان الذاتي ، وهو بهذا المعني يرتب مجموعه من القيم القومية بطريقة متصاعده تسمح بتحديد المهم فالأهم فالأكثر أهمية ومن ثم فلا موضع للتردد حيث تتعين التضحية بإحدي هذه القيم ومن ثم فلا موضع لغموض أو إجتهاد " [35]

أما والتر ليبمان فيري بأن الأمة الآمنه هي "التي ليست في خطر التضحية بالقيم الأساسية إذا أضطرت إلي تجنب حرب ما وإنها قادرة إذا تم تحديها علي صيانتها بالإنتصار في تلك الحرب"[36]

أما تريجر وكروتبرج فيرون أن الأمن القومي هو "الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف إيجاد شروط سياسية دولية ووطنية ملائمة لحماية القيم الحيوية ضد الأعداء الحاليين والمحتمليين "[37].

ويعرف مدحت أيوب الأمن علي أنه "قدرة المجتمع وإطاره النظامي علي مواجهة كافة التهديدات الداخلية والخارجية بما يؤدي إلي محافظته علي كيانه وهويته وإقليمه وموارده وتماسكه وتطوره وحرية إرادته "  .[38]

وقد وجهت لهذا الإتجاه في تعريف الأمن القومي العديد من الإنتقادات أهمها :

1)    الإخلال في توزيع الموارد لصالح الدفاع ومن ثم يحرم المجتمع من توزيع هذه الموارد علي بقية القطاعات .

2)    يجعل من مفهوم الأمن القومي مجرد مفهوم يتعلق بحالة وقتية وليس تعبيرا عن عملية تطور بعيدة المدي ولا يمكن الحديث عن مفهوم الأمن إلا عندما يتم تهديده بواسطة قوة خارجية .

3)    هذا الإتجاه يحصر التهديدات الموجه للأمن القومي في التهديدات الخارجية فقط مما يجعلنا نغفل تهديدات داخلية أخري لا يقل خطرها علي الأمن القومي عن التهديدات الخارجية .

4)    تتلخص كل التعريفات التي تنتمي لهذا الإتجاه في حماية الأمة لقيمها من التهديدات الخارجية ولكن تعريف القيم الداخلية أمر يعتريه بعض الغموض فأحد مشاكل هذا التعريف هو تعريف المقصود بالقيم الحيوية والمشكلةالثانية من هو المؤهل لتعريف القيم الحيوية .

5)    يعلي من شأن الإدراك في عملية صنع القرارات المتعلقة بالأمن القومي أكثر من الوسائل المتحررة من القيم مثل تحليل البيانات .

6)يؤدي إلي ظهور الدولة البوليسية ، وهي دولة يسيطر عليها المتخصصون في المجال العسكري[39]

ب-المدرسة الإقتصادية غير الإستراتيجية :-

منذ الستينات دخلت أبعاد جديدة لمفهوم الأمن نتيجة لإستقلال العديد من دول العالم الثالث ، ويركز المحللون المنتمون لهذه المدرسة علي أمرين  أساسيين :-

1)    تأمين تدفق الموارد الحيوية والوظيفة الإقتصادية للحرب .

2)التنمية الإقتصادية كجوهر للأمن[40].

جاء الإهتمام بهذه المدرسة بعد إندلاع حرب أكتوبر 1973 وتوقف تدفق البترول علي الغرب مما جعل تأمين مصادر الطاقة وضمان تدفقها علي الغرب هو الهدف الذي تسعي اليه الدول الغربية وبالتالي برز مفهوم الأمن القومي في هذه الفترة "كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخري وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلي زيادة معدل الرفاهية "  . [41]

ويري كروز وناي الأمن الإقتصادي بأنه "غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الإقتصادية "ويريا أن "الأمن الإقتصادي كهدف من أهداف الدولة يصبح واضحا للعيان حينما تفضل دولة ما وبصورة واعية عدم الكفاءة الإقتصادية علي الرضوخ للضغوط الإقتصادية من الخارج أو حينما تركز دولة ما علي المناهج القطرية علي حساب المكاسب والمزايا الإندماجية"

ويعرفه هولسن ويلبوك بأنه " القدرة علي التحكم في أكبر عدد ممكن من أدوات السياسة في المجال الإقتصادي ".[42]

وكذلك تعريف ماكنمارا الذي كان يري أن "الأمن يعني التنمية فالأمن ليس هو تراكم السلاح بالرغم من أن ذلك قد يكون جزءا منه ،والأمن ليس هو القوة العسكرية بالرغم من أنه قد يحتوي عليها .إن الأمن هو التنمية ، ومن دون التنمية فلا محل للحديث عن الأمن ، وكلما تقدمت التنمية تقدم الأمن ،فكلما نظمت الأمة مواردها الطبيعية والإنسانية لكي تمد نفسها بما تحتاج إليه وبما تتوقعه لحياتها وكلما تعلمت كيف توفق سلميا بين المطالب المتعارضة فإن مقاومتها للإخلال بالأمن والعنف ستزداد بصورة مطردة "  .[43]

ومن أهم الإنتقادات التي وجهت لهذه المدرسة :-

1)الحرب ونفقات الدفاع تحقق وظيفة إقتصادية فقط في الدول المتقدمة حيث أنها تفتح فرص عمل أوسع وتساهم في زيادة الدخل القومي أما في الدول النامية فإنها تصبح عبئا علي الدول النامية يضاف إلي أعباءها الكثيرة .

2) غياب تعريف محدد لماهية الموارد الحيوية فدول الشمال تري هذه الموارد هي المتعلقة بموارد الطاقة،بينما دول الجنوب تري هذه الموارد تتمثل في الخوف من نقص الغذاء والإحتياجات الأساسية .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ،هو لماذا الفصل بين المدرستين في التعريف ؟ إن إجابة هذا السؤال تتلخص فيما يلي :-

1)    الفجوة التقليدية بين دراسة سلوك الدولة الداخلي وبين سلوكها الخارجي الذي ينعكس في فجوة بين دارسي السياسة المقارنة والتطور السياسي من جانب ودارس العلاقات الدولية والسياسة الخارجية من جانب آخر .

2)    الأساس الليبرالي الذي يتجه للتفرقة بين المجال الإقتصادي والمجال السياسي والعسكري ،وكانت قضايا التنمية الإقتصادية تدرس عادة دونما إهتمام بمضمونها الأمني وكونها مصدر للتهديد .

3)    سياسات الحرب الباردة والتي كانت تربط به القوة الرئيسية بين الأمن ووضع الدولة العسكري مع الإهتمام بالإنفاق العسكري والتحالفات وأصبحت المساعدات العسكرية أداة هامة للتأثير في الدول النامية .[44]

إن هناك شبه إجماع علي صعوبة تحقيق الأمن الكامل ، وعوضا عن ذلك فإن الفرد يسعي لتعظيم أمنه في ظل ظروف سيئة ،ومع ذلك فإن الأمن يمثل سلعة عالمية تسعي جميع المجتمعات لتحقيقها سواء القوية أو الضعيفة فالقوية تشعر بالحاجة إلي إستمرار قوتها وحماية ما تمتلكه والضعيفة يشغلها هاجس الأمن حتي تستطيع المحافظة علي بقائها .

ويري بوذان أن الأمن القومي يبقي مفهوما ضعيفا وغامضا في تحديده ،ولكنه مفهوم سياسي قوي لأن التعريف الغير واضح للأمن القومي يقدم مجالا لزيادة القوة الإستراتيجية للنخب السياسية والعسكرية.[45] 

ثانيا:تطور مفهوم الأمن القومي :

برز مفهوم الأمن القومي مع ظهور الدولة القومية في أوروبا الحديثة وبصفة خاصة خلال القرون الثلاثة السابقة علي الثورة الفرنسية حيث أدت الحروب العديدة التي شهدتها القارة الأوربية خلال هذه الفترة إلي ظهور هذا المفهوم .

وقامت سياسات الأمن الوطني الأوروبي علي أساس من المنافسة بين الدول الأوربية الكبري علي جبهتين الأولي داخل أوروبا من أجل الحصول علي زعامة القارة الأوربية والثانية خارجية وكانت تقوم علي التنافس علي المستعمرات خارج القارة الأوربية .

ونتيجة لتوسع الدولة في تلك الفترة لتحمي مجتمعها ظهر مفهوم الأمن القومي الذي كان يعني أنه بإسم الضرورة لابد أن يتسع الإقليم القومي ليشمل أجزاء لا يسكنها المجتمع القومي ولكن السيطرة عليها أمرا ضروريا لحماية الكيان القومي من المخاطر .

وكان مفهوم الأمن في هذه الفترة مفهوما إستراتيجيا يتلخص في معرفة عناصر الضعف الإستراتيجي في الإقليم القومي ومحاولة معالجته عن طريق القيام بإجراءات وقائية تمنع تحول هذا الضعف لمصدر للتمزقات ،وبظهور الدول الكبري إتسع هذا المفهوم ليصبح متعلقا بكل ما يشكل خطرا علي الدولة وأصبح يتخطي الناحية الإقليمية[46]

وظهر مفهوم الأمن القومي في عام 1947 في الولايات المتحدة مع إنشاء مجلس الأمن القومي ووكالة الأمن القومي ،وكان المفهوم في بدايته ونتيجه للمواجهة مع الإتحاد السوفيتي  يركز علي الجوانب العسكرية ولكن إستقلال عدد كبير من بلدان العالم الثالث وحدوث أزمة الطاقة في السبعينات أدي إلي حدوث تطور في تعريف الأمن القومي فلم يعد يقتصر علي الجوانب العسكرية والسياسية بل تعداها للجوانب الإقتصادية والإجتماعية .

وشكل إنتهاء الحرب الباردة مرحلة جديدة في تطور هذا المفهوم حيث تعقد مفهوم الأمن وتشابكت الأبعاد الإجتماعية مع الأبعاد العسكرية والسياسية للمفهوم ،وتعدت قضايا الأمن قضايا الحدود لتشمل قضايا إجتماعية وإقتصادية وسياسية وبيئية متعددة ومتنوعة ومهمة ،واتسع مفهوم الأمن القومي من مجرد أمن الدولة والنظام السياسي إلي أمن المجتمع والدولة بإعتبارها أحد عناصر المجتمع وأصبح يركز الإهتمام علي المجتمع وكيف ييسر له الأمن القومي أكبر قدر من الفاعلية التي تدعم الدولة والنظام السياسي من ناحية وتدبير إشباع الحاجات الأساسية للبشر في المجتمع من ناحية ثانية[47].وأصبح هناك حاجة إلي مفهوم للأمن يستطيع معالجة النوعية الجديدة أو المتجددة من الصراعات الداخلية الإثنية علي إعتبار أن العدو فيها يكون أحيانا غير مرئي وحجم التعقيد في مثل هذه الصراعات يكون أكبر بكثير منه في حالة الصراعات الإقليمية .

وهناك العديد من التغيرات التي حدثت وأدت إلي التغير في مفهوم الأمن القومي وأهمها :-

1)    الثورة التكنولوجية الهائلة التي حدثت وأدت إلي حدوث تغيرات إجتماعية فالمجتمع يعتبر نتاجا للتطبيقات التكنولوجية التي تبلور مطالب وقيم جديدة وجعلت الأفراد في كل مكان أكثر قدرة علي تحدي سلطة الدولة وأكثر قدرة علي الدخول في أفعال جماعية للضغط لتحقيق مطالبهم .

2)    التغير في المجال الإقتصادي : لقد أصبح رأس المال يلعب دورا هاما في الأسواق العالمية ، ونشأ نظام مالي عالمي المجال ولكنه يتركز في مدن رئيسية معينة مثل (نيويورك –طوكيو-لندن) وحل الإقتصاد العالمي محل السلطة السياسية التقليدية للدولة ,واصبح دور الدولة هو محاولة تكييف الإقتصاد الوطني مع التغيرات الحادثة في المجال العالمي ، كما أدت التغيرات الإقتصادية إلي تزايد الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة وبين المواطنين داخل الدولة الواحدة وتعاظمت مخاطر هذه اللامساواة الإقتصادية خاصة في ظل عدم مقدرة الدول النامية التقليل من صعوبة الفقر أو توفير فرص العمل ، وكرغبة لتوفير النقد لإستيراد السلع الضرورية والوقود تلجأ الدولة إلي الإستجابة إلي شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمستثمرين مما يقلل من قدرة الدولة علي الإستجابة لإحتياجات وتوقعات من هم في أسفل ووسط طبقات المجتمع وتزيد من جاذبية الجماعات المتطرفة والمنظمات الإجرامية .

3)    وجود قضايا تفرض الإعتماد المتبادل :فلقد ظهرت العديد من المشكلات التي فرضت أهميتها علي الأجندة العالمية وهذه المشكلات لا تدخل في نطاق سلطة الدولة ولا تستطيع بمفردها أن تجد لها حلولا وهذه المشكلات تتلخص في : 1) التلوث البيئي 2)أزمات النقد 3)تجارة المخدرات 4) الإرهاب 5)الإيدز 6) تدفق اللاجئين . هذه القضايا تهم قطاعا كبيرا من المواطنين وتتجاوز حدود الدولة القومية ،إن إنفجار مفاعل تشيرنوبل في روسيا أدي إلي تلوث بيئي في العديد من الدول وأثر صحيا علي مواطني هذه الدول هذه المشكلة لا يمكن التعامل معها كأنها مشاكل داخلية أو التعامل معها وفق القنوات الدبلوماسية التقليدية . أن هذه القضايا الستة أدت إلي إضطراب البيئة الأمنية من خلال إفتقاد المواطنين الثقة بأن الدولة هي التي تجد الحلول لجميع المشاكل دائما .

4)    ضعف الدولة وإعادة تشكيل الولاءات :- كانت الدولة ولمدة 300 عاما تقوم بتلبية جميع إحتياجات المواطنين ولكن في ظل التغيرات التي حدثت في البيئة الدولية لم تعد الدولة الكيان الخالد ،ولكنها أصبحت مثل أي نظام إجتماعي عرضة للتغير وأصبح هناك إمكانية في تناقص سيادتها التي تستمد منها الشرعية وتآكلت قدرتها علي حل المشاكل مثل (تزايد الكثافة السكانية وعولمة الإقتصاد الوطني والديون الخارجية )، وبعد أن ثبت عجز الدولة عن حل بعض المشاكل بدأ المواطنين في البحث عن كيان آخر يساعدهم في حل هذه المشاكل ولذلك بدؤا بالعودة إلي إنتماءاتهم الأولية، كما ضاق الفارق بين الداخل والخارج ،فانقسام المجتمعات مثلا داخل الدولة القومية إلي جماعات إثنية أو دينية نجده متصلا بصورة أو بأخري بقوي خارجية إقليمية أو عالمية .

5)    الزيادة السكانية: تتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد سكان الأرض فيما بين 8-12 بليون نسمة في العام 2050 مما يضع ضغط علي قدرة البيئة والقدرة علي توفير الموارد اللازمة لمواجهة الزيادة السكانية [48] .

6)    مشاكل البيئة : إن تآكل البيئة وندرة الموارد يفرض تحديات علي الأمن العالمي (تآكل طبقة الأوزون-زيادة تلوث الهواء) ولكن هذا التلوث لن يصيب جميع الدول بصورة متساوية مما سيدفع الجماعات إلي الهجرة إلي أماكن أقل تلوثا في البيئة وأكثر وفرة في الموارد مما يؤدي إلي الصراع بين سكان هذه المناطق الأصلية والمهاجرين الجدد وستؤدي ندرة الموارد إلي الإقتتال بين البشر ويتوقع الكثيرون أن تكون الحروب المقبلة بسبب المياه

الأمن الإنساني :

ظهر في فترة ما بعد الحرب الباردة مفهوما جديدا للأمن وهو الأمن الإنساني وعلي الرغم من أن تقرير التنمية البشرية لعام 1994 يعد هو بداية طرح هذا المفهوم ،إلا أنه يمكن تتبع بدايات هذا المفهوم خلال فترة الحرب الباردة وذلك من خلال بعض الكتابات مثل كتابات دبلليو إي بلاتز والتي إستخدمت تعبير الأمن الإنساني ولكن من خلال مفهوم التنمية بمعناها الشاملة .

كما تم في خلال فترة الحرب الباردة مناقشة العلاقة بين مفهوم الأمن الإنساني وتحديات التنمية الشاملة حيث أكدت العديد من التقارير الصادرة في تلك الفترة أهمية تحقيق متطلبات الأمن الإنساني وتحقيق الأمن الغذائي والزراعي وتوفير الطاقة الآمنة ،ولكن انتهاء الحرب الباردة أدي إلي ظهور هذا المفهوم وذلك للأسباب التالية :-

1)    بعد إنتهاء الحرب الباردة بدأ الباحثون الإهتمام بالمشاكل الإنسانية التي يعانيها المجتمع الدولي و بدؤا بالإهتمام بالتغير في طبيعة الصراع فلم يعد الصراع بين الدول ولكن أصبح يدور بين الأفراد داخل الدولة القومية وبالتالي لم يعد ملائما التركيز علي أمن الدولة في وقت يتناقص فيه أمن مواطنيها .

2)    جاء مفهوم الأمن الإنساني لسد الفجوة بين ما يوجد من إتفاقيات وقواعد قانونية تشكل القانون الدولي الإنساني وبين مدي تنفيذ الدول لتعهداتها المنصوص عليها بحيث أصبح وجود القاعدة القانونية لا يعني بالضرورة الإلتزام بها .

3)    أدت العولمة لإهتمام الكثير من الباحثين بالربط بين تحدياتها وبروز مفهوم الأمن الإنساني فالعولمة وفقا لتقرير التنمية البشرية الصادر عام 1999 أدت إلي تشكيل مخاطر علي الأمن الإنساني .

والأمن الإنساني مفهوم يعني "حماية الأفراد من كل ما يهدد أمنهم سواء تمثل في ظروف الفقر أو الحرمان الإقتصادي أو الحماية من الحروب والنزاعات المسلحة" كما يعني هذا المفهوم "السعي لتحقيق أمن الأفراد وذلك من خلال الإصلاح المؤسسي وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إصلاح المؤسسات الأمنية التقليدية يمكنها من تبني إقتراب إنساني في التعامل مع المشكلات الأمنية وكذلك إنشاء مؤسسات أمنية جديدة تعني بالأساس بوضع السبل الكفيلة بحماية جوانب حياة الأفراد كافة " [49]

إن الأمن القومي بعد إنتهاء الحرب الباردة يجب أن يكون هو الحالة التي تستطيع فيه الدولة حماية كيانها ومجتمعها من الأخطار الخارجية المختلفة وتستطيع فيها أن تحقق تجانسا داخليا كاملا سلميا ودون إجبار حيث تتعاون كافة فئات المجتمع من أجل حماية مجتمعهم وأفراده ،كما يؤدي هذا التعاون إلي مشاركة جميع أفراد المجتمع في كل مصادر الثروات السياسية والإقتصادية والإجتماعية بلا إستبعاد لأحد وبالمساواة الكاملة بين السكان .

نظريات الأمن القومي :-

هناك ثلاث نظريات يتم من خلالها دراسة الأمن القومي وهي :-

النظرية الواقعية :

يمكن تتبع جذور هذه المدرسة في اليونان القديمة ثم في أفكار نيكولاس مكيافيلي وتوماس هوبز وتري النظرية الواقعية أن الدولة هي الفاعل الرئيسي إن لم يكن الوحيد ،وتختار الدولة سياستها الأمنية وتعرف أمنها علي أساس من الرشادة في الحساب والإدراك في ظل نظام دولي يتصف بالفوضوية لغياب سلطة دولية مركزية آمرة والوسيلة الوحيدة لحماية أمن الدولة والدفاع عن مصالحها هو إستحواذ القوة ،والحرب وفقا لهذه المدرسة هي الأداة الرئيسية في مجال العلاقات الخارجية التي تهدف للحفاظ علي النظام القائم وهي أي الحرب لا تغير هذا النظام ولكنها قد تؤدي إلي تغيير الدولة المهيمنة علي هذا النظام[50].

النظرية الليبرالية :

تهدف هذه النظرية إلي إصلاح النظام القائم من خلال إجراءات ووسائل تدرجية ، والدولة وفقا لهذه المدرسة ليست هي الفاعل الوحيد بل قد يوجد فاعلين آخرين ،إما داخل الدولة أو عبرها والدولة تتكون من عدة مؤسسات وجماعات يمتلك كل منها رؤي مختلفة للأمن القومي ،هذه الجماعات تدخل في مساومات مع غيرها لكي تصل إلي توافق عام في الرؤى والمصالح وتري هذه المدرسة أن هناك ثمة فرصة دائما للخطأ في الإدراك أو الحساب أو المعلومات التي تساعد في إتخاذ القرار في مجال الأمن بما يؤدي إلي تحركات غير رشيدة في مجال علاقات الأمن ،والأمن وفقا لهذه المدرسة لا يقتصر علي الجوانب العسكرية فقط وإنما يتعداها إلي الجوانب الإقتصادية والثقافية والإجتماعية وتهتم هذه النظرية بأهمية التعاون بين المجتمعات الذي يؤدي إلي فوائد متبادلة تبعد شبح الحرب عن العلاقات الدولية.[51]

النظرية الثورية :-

تهدف هذه النظرية لتغيير العالم وليس إصلاحه نتيجة للظلم البين الذي يعانيه العالم وتعلي هذه النظرية

 

من شأن قيمة العدالة وتري أن تغيير العلاقات الإقتصادية الغير عادلة سيؤدي إلي تفادي خطر الحرب[52] .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلاصة:

ويستخلص مما سبق أن هناك علاقة بين مفهومي الأمن القومي والجماعة الإثنية ،فالربط بين المفهومين جاء كما رأينا بعد إنتهاء الحرب الباردة حيث أن إنتهاء هذه الحرب أدي إلي إندلاع الصراعات الإثنية في العديد من بلدان العالم ،ولم تستطع العولمة بما حملته من أفكار تدعو لقيام مجتمع عالمي واحد من القضاء علي هذه الإنتماءات الإثنية ،بل علي العكس فلقد أدت إلي إنبعاث هذه الإنتماءات نتيجة لمحاولتها تغيير الثقافات الوطنية مما دفع هذه الجماعات للتمسك بهوياتها أكثر،كما يلاحظ أن العلاقة بين كلا المفهومين علاقة تأثر وتأثير متبادل فكل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر ،فغياب الأمن القومي يجعل الجماعات الإثنية تقوي الروابط بين أفرادها أكثر وتحاول أن تحقق أمنها كما تراه، كما أن الجماعات الإثنية قد تصبح عاملا يهدد الأمن القومي .  

وأدت الإنقسامات الإثنية التي عرفتها كثير من المجتمعات في مرحلة الحرب الباردة إلي تعدد مفاهيم الأمن داخل المجتمع الواحد إذ سعت كل جماعة إلي تحقيق أمنها فقط دون الإهتمام بأمن الآخرين مما أدي إلي زيادة عجز الدولة عن تكريس مفهوم الأمن القومي في بعض الأحيان حيث أخذت كل من القوي الإثنية المتصارعة داخل المجتمع الواحد بالتمسك بتصور معين للأمن يحقق أمنها هي بالدرجة الأولي وليس أمن المجتمع ككل ومحاولة إضفاءه علي مفهوم الأمن القومي حتي وإن كان مفهوم الجماعة للأمن مفهوما خاطئا ويعرض سلامة الدولة للخطر [53].

هذا ويرتبط الأمن القومي للدولة بقوتها، الأمر الذي لا يتحقق إلا بزيادة محصلة قدراتها في مختلف المجالات ويجب أن تعمل الدولة وفقا لذلك علي أن تكون الجماعات الإثنية فيها قوة مضافة لها وليست إنتقاصا من قوتها هي ،ولذا يجب التفريق بين الأمن القومي وبين التأمين الذاتي للنظام الذي يعني الإجراءات التي تتخذ للحفاظ علي بقاء نظام من النظم السياسية وهذه التفرقة هامة جدا في التعامل مع الجماعات الإثنية ،حيث أن هناك العديد من المطالب التي قد تكون مشروعة بالنسبة لهم ولكن النظام قد يراها تهديدا لأمنه الذاتي فيرفضها بحجة أنها تشكل تهديدا علي الأمن القومي مما يدفع بتلك الجماعات فعلا أن تصبح خطرا يهدد الأمن القومي [54]

هذا وكلما زاد معدل العنف إنخفض الإحساس بالأمن السياسي والإستقرار مما يؤدي إلي اللجوء أكثر وأكثرللإنتماءات الضيقة خاصة إذا أحس الفرد بأن العنف يوجه إليه نتيجة لصفته الإثنية وليس لذنب إرتكبه ،فالجماعات الإثنية تصبح خطرا علي الأمن القومي إذا كانت هناك محاولات للقضاء عليها وعلي ثقافتها وهويتها ،ولكن إذا سمح لهذه الهوية أن تعيش وأن تندمج وأن تضيف للمجتمع الأم ستصبح هذه الجماعات عنصر إضافة للأمة ،ولكن إذا هددت هذه الهوية أو إذا أضطهدت هذه الجماعة فهذا سيؤدي إلي تنامي شعور قوي من قبل هذه الجماعات بالرغبة في الإنفصال وتكوين مجتمعاتهم وربما دولهم الخاصة بهم فتصبح عنصر تفتيت وتفكيك يسهل إستخدامه من قبل أي دولة خارجية ،ويزيد خطر هذه الجماعات إن كانت تسيطر علي بقعة جغرافية هامة أو تحتوي علي موارد هامة مما يزيد من خطر هذه الجماعات الإثنية علي الأمن خاصة إذا كانت هذه الجماعات تمتلك تنظيمات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة المركزية والتي قد تكون في بعض الأحيان أقوي من جيش الدولة نفسها مما يؤدي إلي إضعاف مركز الدولة في المجتمع الدولي أو أن يكون لها إرتباطات بجماعات أو قوي إقليمية خارجية مما يؤدي إلي قيام الحروب بين الدول فعلي سبيل المثال فإن أحد اسباب الحرب العراقية –الإيرانية الرئيسية هو خوف العراق وخشيته علي وجوده كدولة موحدة إن حاولت الثورة الإيرانية تحريض شيعة العراق ودفعهم للثورة علي النظام

 

 

 

                         الفصل الثاني

 

دوافع وأنماط تهديد الجماعات الإثنية للأمن القومي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يوضح هذا الفصل الأسباب التي تدفع الجماعات الإثنية للتمرد علي أوضاعها ومحاولة تغيير هذه الأوضاع والحصول علي مكاسب ما، كما يقوم هذا الفصل بتحديد أهم الطرق العنيفة التي تستخدمهاالجماعات الإثنية لتغيير هذه الأوضاع والتي يؤدي إستخدامها إلي تهديد الأمن القومي و ينقسم هذا الفصل إلي مبحثين :يتناول المبحث الأول دوافع الجماعات الإثنية لتهديد الأمن القومي ويعرض المبحث الثاني: أنماط تهديد الجماعات الإثنية للأمن القومي.

المبحث الأول :

دوافع الجماعات الإثنية لتهديد الأمن القومي :

إن ظاهرة العنف تختلف بإختلاف المجتمعات وترتبط بحالة المجتمع وقيمه السائدة ،مما يجعل مصادر ومظاهر ودوافع العنف تتباين ،بحيث يصعب الوصول إلي أسباب قاطعة تقف وراء إندلاع العنف،ولا شك أن إنقسام أي مجتمع إلي جماعات إثنية لا يمثل في حد ذاته مشكلة بيد أن المشكلة تنشأ وتتجسد حينما تتم تعبئة عوامل الإنقسام وعدم التجانس ،فالإثنية في حد ذاتها لا تعد سببا للصراع العنيف، إذ أن الجماعات الإثنية تسعي غالبا لتحقيق مصالحها بسلام ومن خلال القنوات السياسية المتاحة ،ولكن عندما ترتبط الإثنية بعدم تأكد إجتماعي حاد وتاريخ من الصراع والخوف مما قد يحمله المستقبل، فإنها تصبح من العوامل التي تساعد في تمزيق المجتمع [55] .

هذا وتعد النزاعات الإثنية مؤهلة أكثر من غيرها لكي تنقلب إلي عنف مسلح وذلك لأن الإثنية تتضمن أخوية مجازية فيصبح أعضاء الجماعة الإثنية وكأنهم أعضاء أسرة واحدة ،كما أن الصراع الإثني يتضمن إحساسا بتهديد بقاء الجماعة ذاتها وهنا يظهر قتل الآخرين وكأنه رد فعل أكثر عقلانية وتبريرا .

وفي إطار تحليل العنف السياسي فإن هناك تعددا شديدا ،فعلماء السياسة والإجتماع يفسرونه علي إنه نتاج للقيادات أو المصالح الذاتية أو الصراع حول الموارد النادرة مما يؤدي إلي تفجر العنف الإثني ،بينما يرجع الإنثربولجيون ومحللوا الحركات الإجتماعية أسباب العنف الإثني إلي المقاومة الثقافية للسيطرة والإخضاع ويحاولون تفسير العنف علي إنه نتيجه لمحاولة السلطات الحكومية السيطرة علي الثقافات الفرعية الأخري المتواجدة في المجتمع[56]

ويري أنصار المذهب الذرائعي أن الجماعات الإثنية تتواجد في مجتمعات تعددية تحتوي علي تكوينات إجتماعية أخري متشابهة والعلاقات بين هذه الجماعات المختلفه تنشأ من خلال آلية السوق أو من خلال العملية السياسية التي يتم فيها توزيع الثروة والقوة والنفوذ وعملية التوزيع هذه تؤدي إلي وجود خاسر ورابح ،وعندما يرتبط الربح والخسارة بالجماعات الإثنية فذلك لإن الفرصة تصبح سانحة لنشوء الصراع الإثني ،وعلي الرغم من أن الصراع حول هذه الموارد من الممكن حدوثه داخل الجماعة الإثنية الواحدة إلا أن وجود الصلات العضوية النابعةمن الروابط البيولوجية والثقافية غالبا ما يمنع حدوث مثل هذه الصراعات العنيفه[57].

وعلي الرغم من هذا التعدد بين الباحثين إلا أنه يمكن تحديد العوامل التي تدفع الجماعات الإثنية إلي تهديد الأمن القومي بما يلي:

ا- الدوافع السياسية والتاريخية                            ب-الدوافع الإقتصادية والإجتماعية

                                                                  والثقافية

ج-الدوافع البيئية والجغرافية                               د-الدوافع النفسية

ا-الدوافع السياسية والتاريخية :

يمكن الحديث هنا عن العديد من الأمور التي تدفع الجماعات الإثنية إلي التمرد والثورة وتتلخص هذه الامور في:

1-أزمة المشاركة السياسية:إن عدم وجود قنوات مشروعه للمشاركة السياسية يؤدي إلي أن تلجأ الجماعات الإثنية إلي العنف كوسيلة للحصول علي ما تراه حقوقا مشروعه ،ويري هانتجتون أن مستوي المؤسسية في أي مجتمع وخاصة وجود الأحزاب السياسية يرتبط بصورية عكسية مع العنف وعدم الإستقرار فوجود الأحزاب السياسية خاصة في حالة عدم قيامها علي أساس إثني يساعد علي دمج هذه الجماعات في المجتمع ويساعدها علي أن تستطيع إيصال مطالبها إلي النظام دونما اللجوء إلي العنف ،ولكن وجود التنظيمات السياسية القائمة علي أسس إثنية يؤدي إلي الشحن العاطفي وتعميق إحساس هذه الجماعات بهويتها وتزداد خطورة هذه الأحزاب إن توافر لها تنظيمات عسكرية تساعدها علي تحدي النظام القائم .

2-أزمة الشرعية السياسية:إذا كان النظام السياسي ضعيف الشرعية فإن قدرته علي مواجهة الصراعات الإثنية تكون محدودة لإفتقاده الدعم والمسانده والتأييد الشعبي مما يؤدي إلي خلق الظروف الملائمة للعنف من جانب الجماعات المعارضة.

هذا وقد يلجأ النظام ضعيف الشرعية إلي إثارة الصراعات الإثنية وإستغلالها من أجل إطالة مدة بقائه والسيطرة علي الجماعات المختلفة الموجودة في الدولة مما يؤدي إلي أن تسعي الجماعات الإثنية إلي الخروج علي النظام القائم

ويري بعض الباحثين أن الصراع الإثني يعتمد بصورة كبيرة علي عدالة النظام السياسي ،وأكبر ظلم تعاني منه أي جماعة إثنية هو حصر مزايا النظام لجماعة إثنية دون غيرها ،والدولة التي تريد أن تحقق المجتمع الآمن يجب أن تحسن حالة الرفاهية فيها إلي الدرجة التي تلبي حاجات وتوقعات مواطنيها ،ولايجب أن تكون الرفاهية فقط بتلبية المطالب الإجتماعية والإقتصادية ولكن بتلبية المطالب السياسية التي يؤدي عدم تلبيتها إلي عدم التحسن في الجانب المعنوي للحياة مما يزيد من إمكانية وقوع العنف[58]،وعدم إعتراف هذه الجماعات بشرعية النظام .

كما تؤدي السياسات التميزية القائمة علي أساس إثني إلي  زيادة العنف فكلما كان النظام تسلطيا ويراعي مصالح جماعات إثنية معينة علي حساب غيرها ،كلما أدي هذا إلي إرتفاع إحتمالات نشوب الصراع الإثني حيث تبدأ الجماعات الإثنية بالثورة ضد مايرونه إضطهاد لا يغتفر تقوم به الجماعة المسيطرة ويعبر عن هذا الإضطهاد عادة في رفض الإعتراف بهم وإقصائهم وتهميشهم وربما التهديد بإبادة ثقافتهم أو تصفيتهم جسديا [59]

3-أزمة التكامل : إن عدم التكامل الوطني يشيرإلي تعدد الجماعات الإثنية والمذهبية الموجودة في المجتمع وغياب الإجماع حول هوية واحدة في المجتمع ،كما تشير إلي تعدد الولاءات والإنقسامات التي قد تشكل تهديدا للكيان الإجتماعي والسياسي،إن هناك علاقة طردية بين عدم التكامل والعنف السياسي الإثني فكلما زادت أشكال عدم التكامل في المجتمع تزايد العنف السياسي نظرا لأن الهويات والإنقسامات المتعددة داخل المجتمع تتجه إلي التناقض والصراع، الأمر الذي يولد التوتر والعنف ،خاصة عندما تسعي جماعة معينة إلي تذويب هويات الجماعات الأخري وتهميشها، فقد تتجه الجماعة المسيطرة لممارسة العنف المادي لتقليص وتحطيم رموز الكيانات الأخري الأمر الذي يخلق ردود فعل عنيفة،إن فشل الدولة في تحقيق وترسيخ مبدأ المواطنة الحقة والتي تعني "العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات"[60]يثير مشكلة إدماج الجماعات الإثنية المختلفة في النسيج المجتمعي لدولة ما وكيفية تحويل ولائهم للوطن عن طريق المشاركة العادلة في الخيارات وإتخاذ القرارات مما يساعد في أن تترسخ المواطنة والولاء للوطن سلما وليس عن طريق إستخدام الدولة للعنف لقمع أي تمايز داخلها لتحقيق التكامل القومي .

4- الدولة الضعيفة :يري بعض الباحثين أن نقطة البداية لتحليل العنف الاثني هو مدي قوة الدولة أي بنيتها ،فعندما تضعف بنية الدولة فإن العنف يلي هذا الضعف ويكثر الصراع حول القوة بين السياسيين والقيادات وتبدأ الجماعات الإثنية في البحث عن طرق تؤمن لها الوصول للقوة والموارد ومحاولة الهيمنة علي هذه الدولة أو الإنفصال عنها خاصة الجماعات الإثنية التي تعرضت للقمع سابقا فتسعي إلي إستغلال هذا الضعف من أجل تحسين أوضاعهم بينما تسعي الجماعة الإثنية التي كانت في السلطة الي التمسك بهذه السلطة بشتي الطرق ،وكلما زاد ضعف الدولة كلما أصبحت هناك حاجة أكبر لدي الجماعات الإثنية من أجل القيام بتجهيزات عسكرية مستقلة تهدد أمن الجماعات الأخري التي تقوم بتجهيزات مماثلة مما يخلق معضلة الأمن التي تهدد الجميع ،إن الدولة الضعيفة حتي ولو لم تكن حديثة التأسيس يمكن أن تساهم في إثارة صراع الجماعات الإثنية مع بعضها البعض وذلك لإفتقادها الحزم في مواجهة بعض الجماعات وتزداد المشكلة صعوبة في حالة ضعف الدولة عسكريا مما يجعل لديها صعوبةفي مواجهة أي تمرد تقوم به إحدي الجماعات الإثنية داخلها .

5-سقوط الحكومة المركزية:قد تتيح فرصة سقوط الحكومات التسلطية المركزية في المجتمعات المتعدده إثنيا الفرصة لنشوء عنف إثني في ظل سجل تاريخي للعداء بين هذه الجماعات حيث ستنشأ مشكلة الإلتزام التي تنتج بسبب عدم وجود طرف ثالث يستطيع توليد الإتفاق بينهم بمصداقية ،ويري جيمس فيرون أنه في بعض الحالات فأن الأغلبية تكون غير قادرة علي إقناع الآخرين بأنها لن تستغل الأقليات ،وتري الجماعات الأثنية أنه بغض النظر عما يوافق عليه قادة الأغلبية الإثنية فإنه لا يوجد ما يضمن وفاءهم بالعهد عند إستقرار الأمر لهم[61].وفي كثير من الأحيان فإن تضاؤل سلطة الدولة يؤدي إلي نشأة المنظمات الإجرامية التي تتكون عادة وفقا للخطوط الإثنية مثلما حدث في يوغسلافيا السابقة وتقوم هذه المنظمات بالسيطرة علي البنية التحتية للإقتصاد وتمول الثوار الإثنيين بالأسلحة[62]

6-دور القيادات والجماهير :قد تنشأ الحروب الإثنية عندما تبدأ الجماعات الإثنية بالخوف علي بقائها وتبدأ القيادات الإثنية في تغذية هذا الخوف نتيجه لرغبتها البقاء في السلطة وتشرع في إتباع سياسات عدوانية وإستغلال سيطرتهم علي وسائل الإعلام من أجل إشعال العداء الإثني الذي يتم إستغلاله من أجل خلق معضلة أمنية تبرر سياسات القيادات الإثنية المتطرفة وهنا يكون التحدي الذي تواجهه الصفوة والذي يكمن في كيفية تفسير مصالح الجماعة بطريقة تتوافق مع مصالح بقائهم في السلطة،هذا وقد ينشأ العنف الإثني نتيجة لمعتقدات ثابتة في أذهان الجماهير لفترة طويلة عن الآخرين، وقد تؤدي ضغوط الجماهير إلي أن تتبني القيادات مواقف متشددة وتؤدي إلي زيادة مستوي العنف مما يقود لاحقا إلي نشوب الحروب الإثنية .

7- العامل السياسي الخارجي :قد يساهم النظام العالمي في نشوء العنف داخل أي من المجتمعات [s1] عن طريق خلق الظروف الإجتماعية والبنائية التي تؤدي إلي ظهور العنف ،فالضغوط التي تمارسها بعض القوي العالمية تخلق ظروفا داخلية قاسية يعاني منها سكان المجتمع النامي مما يدفع بعض الجماعات إلي التمرد،وقد تستخدم الجماعات الإثنية خاصة التي لها إمتدادات في أكثر من دولة واحدة كأداة لإثارة نوع من عدم الإستقرار في بعض الدول ،فعدم التكامل يفسح المجال أمام بعض الأطراف الخارجية للتدخل في الشئون الداخلية للدول الأقل تكاملا وذلك من خلال تقديم المسانده والدعم لبعض الجماعات الإثنية مما يساعدها في الإستمرار في تحدي النظام السياسي كما أن إنتصار بعض الجماعات الإثنية في تحقيق أهدافها والحصول علي حقوقها من شأنه أن يدعم معنويا صراع أي جماعة إثنية تخوض صراعا من أجل الحصول علي حقوقها .

8-العولمة:علي الرغم من أن العولمة ترفع شعار إنتهاء عصر القوميات وتحطيم الحدود وإلغائها إلا أنها أدت لأن تشعر الجماعات الإثنية بالتهديد لأن العولمة تجاوزت الحدود الجغرافية لتصل إلي المستوي القيمي لتحاول تغييره وتحاول خلق نماذج جديده ولكن تلك النماذج التي خلقتها العولمة ليست محايده بل هي مرتبطه إرتباطا وثيقا بوجهة نظر عالمية محدوده وتشمل نشر ثقافة معينه هي الثقافة الغربية ،مما أشعر الجماعات الإثنية بالخطر وأجبرها علي الدخول في مواجهات عديدة وغير متكافئة في أغلب الحالات،وأن تعلن الجماعات الإثنية عن عداء مستمر لكل القيم الدخيلة املا في الحفاظ علي هويتها ،وتبدأ في الإنغلاق علي ذاتها وتحاول البحث عن صيغ كفيلة تحفظ لها البقاء وتحاول العودة إلي الماضي بحثا عن ملجأ يوفر لها الحماية مما يزيد من إقصاء الذات وخلق إستقطابات جديده تصبح بؤرا للصراع مما يؤدي إلي نشأة النزاعات الإثنية التي ساعدت العولمة علي تدويلها .

الدوافع التاريخية:يعتقد الكثيرون أن أسباب الصراع الداخلي واضحة ومباشرة ويرجعونها إلي العداء والكراهية القديمة التي تحملها العديد من الجماعات الإثنية لبعضها البعض بسبب ممارسات إرتكبتها هذه الجماعات في حق بعضها البعض في الماضي وعندما يحدث صراع ما أو إضطهاد ما فإنه يترك آثارا متواصلة في ذاكرة الشعوب ولفترة طويلة ويمكن إستدعاء هذه الذكريات بواسطة القادة كمحاولة لإستعادة ذاتية الجماعة والرغبة في الإنتقام من الأعداء القدامي ، ويري بعض الباحثين أن الجماعات الإثنية خاصة التي يكون لديها كراهية قديمة لبعض الجماعات الإثنية الأخري ستبدأ في التساؤل عن الكيفية التي تصرف بها أسلافها في مواقف مشابهه في مناسبات ماضية فإذا كان السلوك عدائيا فإن الإستجابه قد تكون عدائية مما يجعلنا نأخذ بعين الإعتبار العدائات القديمة كعامل مفسرلإندلاع العنف الإثني خاصة في الحالات التي يكون فيها التنازع حول أسبقية الوجود بالإقليم وإعتبار الجماعات الأخري دخلاء ،ولكن هذا العامل غير صالح للتطبيق في جميع الحالات[63]

ب:الدوافع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية:-

1:الدافع الإقتصادي:

1-الحرمان النسبي:في محاولة لتفسير أسباب عنف الزنوج في الولايات المتحدة عام 1940 فقد رأي كل من هوفلاند وسيرز أن الإقتصاد المتدهور تسبب في زيادة إحباط الناس مما أدي إلي زيادة العدوان ورأوا أن عدوان الأفراد قد لا يوجه إلي السبب الحقيقي لإحباطهم وهو الإقتصاد المتدهور وإنما يوجه إلي أهداف أكثر سهولة في الوصول إليها مثل أعضاء الجماعات الإثنية الأخري المتواجده في المجتمع ،وينشأ الحرمان النسبي الذي يعنيالتناقص المدرك بين القيم المتوقع الحصول عليها وبين القيم التي يمكن الحصول عليها فعلا[64] عندما يشعر الأفراد بأن هناك فجوة بين مستويات المعيشة التي يتمتعون بها حاليا وبين مستويات المعيشة التي يعتقدون أنهم يستحقون أن يعيشوها مما يؤدي إلي أن تشعر هذه الجماعات بعدم الرضا والتحيز للجماعات التي ينتمون إليها ،كما ينشأ الحرمان النسبي نتيجة للمقارنة سواء أكانت المقارنة بحال الجماعة ذاتها عبر فترات مختلفه من الزمن أو بين الجماعة الإثنية وغيرها من الجماعات الإثنية في فترة واحدة [65]

2-عدم المساواة والتمييز الإقتصادي :من اهم المفاهيم التي تستخدم للإشارة إلي ظاهرة التفاوت الإقتصادي والإجتماعي بين فئات وقطاعات المجتمع مفاهيم أزمة التوزيع والحرمان الإقتصادي وعدم المساواة الإقتصادية والإجتماعية، ومشكلة العدالة التوزيعية تعني أن هناك خللا وفجوة بين المطالب التوزيعية من جانب وقدرة النظام علي الإستجابة لها من جانب آخر، ويأتي هذا الخلل من مصدرين: الأول النقص في مصادر الثروة والسلع والخدمات المادية أي القيم المتنازع عليها بين أفراد المجتمع ،والثاني عدم العدالة في توزيع الثروة والأشياء ذات القيمة بين مختلف طبقات المجتمع وإنحيازها لصالح فئات دون أخري[66] ،ويري العديد من الباحثين أن الصراع الإثني هو صراع حول السيطرة والوصول إلي الموارد الإقتصادية وأن من يصل إلي السلطة سيسعي دائما للإستئثار بهذه الموارد الإقتصادية لذاته ومؤيديه فالصراع علي الموارد هو جوهر الصراع الإثني حيث أن هذه الموارد نادرة وبالتالي يحدث عليها تنافس وصراع، والوصول إلي هذه الموارد يتم عادة وفق الخطوط الإثنية ويتم توزيع هذه الموارد عادة بطريقة تميزية فيتم إقامة المشاريع التنموية في المناطق ذات الأغلبية الإثنية المسيطرة ،فعلي سبيل المثال فأن الأغلبية البروتستانيةالمسيطرة في شمال إيرلندا قامت في الفترة من 1945-1972بتوجيه أغلب المشاريع الصناعية إلي الجزء البروتستانتي من إيرلندا[67]،ومؤشرات التمييزالإقتصادي هي :-

ا-السياسات العامة التي تقيد الأنشطة الإقتصادية أو أدوار أعضاء الجماعات الإثنية .

ب- الدخل المنخفض وتضييق فرص العمل في القطاع الحكومي لأبناء جماعة إثنية معينة .

ج- الإقامة في مناطق فقيرة بالخدمات .

هذا ويطلق بعض الكتاب علي سيطرة إحدي الجماعات الإثنية علي الموارد وإستئثارها بها وحرمان غيرها تسمية الإستعمار الداخلي حيث تخضع إحدي الجماعات الإثنية أو غيرها للإستغلال فتصبح الجماعة الخاضعة كأنها مستعمرة داخلية [68]وتبدأ بالشعور بعدم الرضاء مما يؤدي إلي تزايد إحتمالات عدم الإستقرار وإحتمالية حدوث العنف الإثني .

3-التحديث والتنمية:يري بعض الدارسين أن التنمية والتحديث قد تكونا سببا في إثارة العنف لأنهما تحدثان العديد من التغيرات الإجتماعية مثل الهجرة والتمدن وتزيدان من نسبة المتعلمين وتقللان من الأمية وتوفران فرصا أكثر للإتصال بالإعلام مما يضع ضغوطا علي النظام السياسي والإجتماعي القائم حيث أنها تزيدان من التوقعات السياسية والإجتماعية ، ويري التحديثيون الجدد أن الولاءات الإثنية وليدة عملية التحديث في جميع القطاعات في الدولة حيث تؤدي إلي تفاوتات يسهل إستخدامها لبلورة وعي إثني ،فعندما تكون ظروف أعضاء الجماعات الإثنية أسوأ ما تكون إقتصاديا وإجتماعيا فإن عمليات الإتصال وأدوات التعبئة لا تسفر سوي عن مزيد من ترسيخ الفرقة بين جماعات المجتمع خاصة مع حرمان بعض الجماعات الإثنية من الوصول لتلك الأدوات ،هذا وقد تؤدي عملية التنمية إلي حدوث العنف في حالة :-

-حدوث التغيير بسرعة قبل أن يتمكن المجتمع من تكوين هوية قومية موحدة ،أو قبل أن يظهر قائد قومي يستطيع توحيد كل الجماعات الإثنية حوله .

-تقطع عملية التنمية يؤدي إلي خلق حالة من التوتر بين مؤيدي الأوضاع القديمة والجديدة .

-عندما تحدث التنمية بسرعة تفوق قدرة المواطنين علي التكيف مع الأوضاع الجديدة .

- إنتكاسة التنمية تؤدي إلي إثارة الصراع بين الأغلبية –الأقلية لزيادة مشكلات الحياة اليومية مما يؤدي إلي وجود توترات عالية، وانتكاس عملية التنمية من شأنه أن يضعف التماسك والوحدة الإجتماعية الأمر الذي يشكل ظرفا ملائما لتفجر الصراعات الإثنية .

2:الدافع الإجتماعي :

ظهر الإهتمام بالبعد الإجتماعي للأمن بعد سقوط الإتحاد السوفيتي نتيجة للخلل الإجتماعي والتحول القيمي الضخم وإنهيار الدولة وسلطتها مما أدي إلي ميلاد قوي إجتماعية متعددة تتضارب أهدافها وتوجهاتها وتحكم كل منهاسيطرتها علي جزء ضئيل من أرض الدولة عن طريق الإستخدام الصريح والمكثف للقوة[69]،ويعتبر مدي الضرر الجماعي الواقع علي جماعة إثنيةمن قبل الجماعات الأخري المصدر الرئيسي لشكاوي أعضائها وتصوراتهم عن وجود مصلحة مشتركة في العمل الجمعي ويعني الضرر عدم المساواة الإجتماعية والحرمان الإجتماعي مما يؤدي إلي إحساس الجماعات الإثنية بوجود فجوة بين حجم إسهامها في العملية الإجتماعية ككل وبين نصيبها من الكعكة الإجتماعية وتبدأ بالشعور بالإحباط نتيجة لعدم قدرة المجتمع علي إستيعابها إستيعابا كاملا مما يؤدي إلي نوع من العزلة التي يفرضها المجتمع علي تلك الفئات التي تبدأ في الإنعزال في أماكن محدودة وتبدأ بالشعور بالإغتراب ،وعندما تبدأ في إدراك ما تعانيه من حرمان إجتماعي وحرمان إقتصادي تبدأهذه الجماعات الإثنية في التماسك والإلتفاف حول قياداتها وتعمل علي رفع الظلم الذي تعانيه،إن هذا الإنعزال في أماكن محدودة أصبح يعبر عن ظاهرة التهميش الإجتماعي والتي أدت بدورها إلي نمو مايسمي بالعشوائيات والتي صارت بؤرا لحركات التطرف العرقي والأيديولوجي والفكري ،إن ذلك يصب فيما صار يطلق عليه الصراع حول المجال العام   Public Sphere.[70]

إن غياب التنمية البشرية التي تعني "إتاحة أفضل الفرص الممكنة لإستغلال الطاقات البشرية المتاحة من أجل تحقيق مستوي رفاهية أفضل للأفراد"[71]يؤدي إلي أن تصبح هذه الجماعات خطرا يهدد الأمن القومي لأن التنمية البشرية تعني النهوض بالأوضاع الثقافية والإجتماعية والصحية والتعليمية للأفراد وتمكينهم سياسيا وتفعيل مشاركتهم في المجتمع وحسن توظيف طاقاتهم وقدراتهم لخدمة أنفسهم ومجتمعاتهم وإذابة الفوارق بين الجماعات الأثنية

ومن أهم النظريات التي حاولت أن تفسر العنف الإثني وفقا لعلم الإجتماع نظرية البنية الإجتماعية للصراع التي لا تفسر لنا أسباب إندلاع أحداث العنف ولكنها توجه إنتباهنا إلي العوامل التي تجعل مجتمعا ما عرضة أكثر من غيره لمستوي معين ونوع معين من الصراع والعنف وتساعدنا هذه النظرية علي فهم من قد يبدأ الصراع ومع من وذلك إعتمادا علي موارد المجتمع وقواعده وتنظيم السلطة فيه وقوة المنظمات الإثنية فيه ،كما تأخذ هذه النظرية بنية المجتمع كأساس لتفسير كيفية تطور الصراع بعد إندلاعه والعلاقة بين المتنازعين والمدي الذي يمكن أن تؤدي فيه هذه العلاقة إلي تعزيز إنقسامات أخري وتساعدنا في تحديد ما إذا كان الصراع يتصاعد بسرعة أو يتوسع وكيفية التحالفات فيه بين الجماعات الإثنية المختلفة[72].

وتعد نظرية الحاجات الإنسانية من النظريات الهامة التي تحاول أن تتوصل للأسباب المؤدية للعنف رغم أن كثيرا من دراسات السلام تتجاهلها، وتري هذه النظرية أن الإنسان لكي يحيا وتتحقق رفاهيته فإن هناك إحتياجات إنسانية ضرورية يطلق عليهاالحاجات الإنسانية الأساسية وعدم تلبية هذه الحاجات يؤدي إلي العنف ،فالعنف يحدث عندما يكون هناك أفراد أو جماعات لا يرون سبيلا لتحقيق هذه الرغبات سوي العنف

ويعد إبراهام ماسلو من أهم من منظري نظرية الحاجات الإنسانية وركز علي تدرج الحاجات وبدء من الحاجات الأكثر أهمية من غيرها ، فالطعام والشراب والمأوي هم أهم الحاجات التي يسعي الإنسان لتحقيقها ،ثم يلي ذلك الحاجه للأمن والسلامة ،ثم تأتي الحاجه إلي الإنتماء والحب ويليهما الحاجه إلي إحترام الذات،ويري ماسلو أن الأفراد تسعي إلي تحقيق هذه الرغبات تدريجيا فعندما يشبع المرء حاجته إلي الطعام يبدأ في الإنتقال إلي إشباع باقي حاجاته إلي أن يصل إلي إشباع قمة هذه الحاجات وهي الحاجه إلي تحقيق الذات[73]

ولقد وضع أهم منظرو نظرية الحاجات الإنسانية جدولا حددوا فيه أهم الحاجات الإنسانية  والتي لا يؤدي إشباعها للعنف حيث يضطر المواطنون إلي اللجوء إلي الروابط التقليدية لتحقيق إحتياجاتهم مما يؤدي في الأغلب للتنافس والصراع بين الجماعات حول موارد الدولة.

انظر الجدول رقم (1) في الملاحق .

3-الدافع الثقافي:

إن الثقافة تحدد ما يقدره الأفراد ويرغبون فيه ومن الممكن أن يتصارعوا من أجله وتحدد الطرق التي يتصرفون بها في أنواع محددة من الصراع، وتحدد المؤسسات التي يحل فيها الصراع،و من  أكثر العوامل الثقافية المؤثرة في الصراع الإثني ،اللغة والدين ،فكلاهما جوهر إحساس الأفراد بهويتهم ومصدر كرامتهم وشرفهم الجماعي في أغلب المجتمعات الإثنية ،فاللغة ذات قيمة رمزية ووسائليه فهي ترمز إلي أن هناك  جماعة إثنية قوية وذات نفوذ يكفي لأن تصبح لغتها هي اللغة الرسمية للدولة والتعليم، بينما تصبح اللغات الإثنيةالأخري مجرد وسيلة للتخاطب في أقاليم معينة أو في داخل جماعات إثنية بعينها ،وهي وسيلة لأن يحصل أفراد الجماعة الإثنية التي تعتبر لغتهم الإثنية هي اللغة الرسمية في الدولة علي العديد من المزايا أكثر من أبناء الجماعات الإثنية الأخري مما يؤدي إلي النزاع الإثني ،أما الدين فهو لا يعكس الهوية الجماعية فقط ولكنه يتضمن نظام معتقدات حول الحياة ومستقبل البشرية لدي أغلب الناس ،فالدين له مكانه سامية في حياتهم ويضحون بحياتهم في سبيله [74]،والدين يصبح أحيانا محددا رئيسيا للهوية ،فإن وجود عدة ديانات أو حتي عدة مذاهب في إطار دين واحد لم يتم التوفيق بينها  يؤدي إلي أن تصبح ديانات ومذاهب الأقليات مصدرا للصراع مع دين أو مذهب الأغلبية خاصة في حالات أفول التنمية والتهميش الإجتماعي ،وعندما تبدأ الجماعات الإثنية المسيطرة في ممارسة التمييز الثقافي ضد الجماعات الإثنية الأخري ،وتبدأ في عدم توفير فرص التعليم بالتساوي للجميع ووضع قيود قانونية وسياسية علي إستخدام هذه الجماعات الإثنية للغاتهم في التعليم ،وقيودا علي ممارسة شعائرهم الدينية كل هذا يؤدي إلي أن تبدأ الجماعات الإثنية بالتحرك من أجل القضاء علي مظاهر التمييز الثقافي الواقع عليهم .

ج:الدوافع البيئية والجغرافية :-

إن البيئة تعني الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه علي مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوي ويمارس فيه علاقته مع أقرانه من بني البشر،وهناك العديد من الدراسات التي تربط بين البيئة وبين أنماط معينة للسلوك مثل دراسة هوايت بيك 1918،ودراسة هنتجتون وكشنج 1921 التي أثبتوا فيها أن المناخ الفيزيقي يلعب دورا في تشكيل النماذج الثقافية [75]،ومن قبلهم تنبه فلاسفة اليونان مثل هيبوقراط الذي اشارإلي الإختلافات بين سكان الأقاليم الجبلية الذين يتميزون بالشجاعة ،وبين سكان السهول الجافة الذين يتصفون بحبهم للسيادة والإمارة،كما أوضح أرسطو أن هناك نوعا من الإرتباط بين المناخ وبين طبائع الشعوب[76] إلي تأثير العامل الطبيعي لمنطقه معينه علي سلوك الأفراد والمقيمين عليها ونادوا بضرورة الملائمة بين القوانين والظروف الطبيعية .

ويقصد بالعوامل الجغرافية مجموعة الظروف الطبيعية التي تسود في منطقة معينة مثل حالة الطقس من حرارة وبرودة وكمية الأمطار ونوع ودرجة الحرارة وطبيعة الأرض وعدد السكان

وهناك العديد من العوامل الجغرافية والبيئية التي قد تدفع الجماعات الإثنية أن تصبح خطرا يتهدد الأمن القومي مثل :

ندرة الموارد:-إن أغلب الكتابات في هذا العامل تري أن المياه ومدي توافرها وتآكل الأراضي وإزالة الغابات وتناقص الثروة السمكية والتصحر ونضوب الموارد القابلة للتجدد كل هذه المشاكل البيئية قد تؤدي إلي نشوء العنف والصراع خاصة عندما ترتبط بإقتصاد ضعيف ونظام إجتماعي غير عادل ونظام سياسي قمعي يحاول إما من خلال التشريعات أو من خلال القوة الإستحواذ علي تلك الموارد عوضا علي أن يقوم بتوزيعها ،كذلك فإن الندرة البيئية تؤدي إلي تناقص موارد الدولة وعدم قدرة السوق أو الدولة علي توفير مصادر بديلة للمصادر التي تعرضت للنضوب مما يساهم في تعميق الإنقسامات داخل المجتمع وزيادة نفوذ الجماعات الإثنية

وقد تؤدي الندرة البيئية إلي هجرة الجماعات الإثنية إلي أماكن أخري رغبة منهم في الوصول إلي أماكن تعد أفضل بيئيا بالنسبة لهم مما قد يؤدي إلي الصراع بين الجماعات القادمة والجماعات التي تسكن من قبل في هذا المكان حول الموارد اللازمة للبقاء علي قيد الحياة

التركز الجغرافي:كلما كانت الأقليات موزعه في الدولة ككل فإحتمالات العنف الإثني تقل والعكس صحيح فكلما كان هناك تركيزا للجماعات الإثنية في إقليم معين أو منطقة معينة فإن إحتمالات العنف الإثني تتزايد، فهناك مايشبه العلاقة الإرتباطية بين درجة التشتت الإثني وتراجع إحتمالات العنف وبين درجة التركز الإثني وإحتمالات تصاعد العنف الإثني ،ولكن الجماعات الإثنية عادة ما تقوم بالتركز في أماكن بعينها أو في أقاليم بعينها يطلقون عليها الإقليم القومي ويستخدمون إدعاءات أسطورية أو تاريخية لتأكيد أسبقية وجودهم في هذا الإقليم مما يؤدي إلي نشوء مشاكل داخلية بين هذه الجماعات والنظام أو بين هذه الجماعات وغيرها من الجماعات الإثنية خاصة وأن هذا التوزيع يمنع من إختراق هذه الجماعات الإثنية ويؤدي إلي ضعف شبكة التفاعلات الإجتماعية بين أعضاء هذه الجماعات وغيرها من الجماعات ويؤدي إلي خلق حدود إجتماعية كالحدود الجغرافية وقد تكتسب الجماعات الإثنية التي تتمركز في مناطق إستراتيجية كالحدود مثلا ميزة كبري في ممارسة العنف ضد النظام الذي قد يجد صعوبة في مد سيطرته علي تلك المناطق ،ووجود الجماعات الإثنية في أقاليم تتمتع بوجود موارد ضخمة فيها قد يدفعها إلي تنظيم جهودها وإمتلاك قوة تمكنها من الإنفصال خاصة إذا كانت هذه الجماعات تعاني من تدني مستوي الخدمات الإقتصادية والإجتماعية المقدمة من الدولة .

طبيعة البلد الجغرافية :هناك من يري أن طبيعة الأرض تلعب دورا في اللجوء للعنف فالأرض التي تزيد بها الجبال والمناطق الوعرة تساعد علي التمرد حيث أن مثل هذه المناطق تصلح كمخابئ للمتمردين وتسهل حركة العنف الإثني وزيادة الأعمال العنيفة وتساعد هذه المناطق في تصنيع المتفجرات أو عقد صفقات السلاح وتهريبه أو تخزينه [77]

السكان :يرجع البعض أعمال العنف الإثني إلي الإنفجار السكاني حيث يترتب علي الكثافة السكانية العالية إنتشار أعمال ومظاهر العنف التي يمكن أن تقع بين الأفراد أو بين الجماعات الإثنية وذلك لإنتشار البطالة وإنخفاض مستويات المعيشة والخدمات العامة التي يحظي بها الأفراد،ومن العوامل التي تساعد الجماعات الإثنية علي القيام بالتمرد هو حجمها ،فلاشك أن الوزن العددي للجماعة الإثنية إلي إجمالي عدد السكان يشكل أحد المقومات التي تمكنها من ممارسة العنف ،فالجماعات الإثنية كبيرة الحجم تستطيع أن تجند أعدادا أكبر من أعضائها في  إطار أعمال العنف المضادة للنظام،وتزداد أهمية هذا العامل عندما يقترن حجم الجماعة الإثنية بالتماسك في داخلها بحيث تختفي الإنقسامات والإنشقاقات التي تمكن النظام من إختراقها .

كما أن الجماعات الإثنية التي تكون فيها الفئة العمرية الأكثر إنتشارا هي فئة الشباب تستطيع أكثر من غيرها أن تمارس ضغوطا علي النظام الحاكم وان تشارك في العنف ،حيث أن فئة الشباب هي الفئة العمرية القادرة غالبا علي تبني العنف في مواجهة الأنظمة السياسية ،وهي القوة التي تمتلك الوعي ومن ثم هي الأكثر إدراكا لمظاهر الفساد والتمييز التي تتعرض لها جماعتها كذلك فإن الشباب تتسع حاجاتهم التي تتطلب إشباعا بصورة واضحة وملحة وتشكل هذه المطالب ضغطا علي النظام السياسي [78]

 

د-الدافع النفسي :

هناك العديد من الدوافع النفسية والنظريات التي قد تفسر لجوء الجماعات الإثنية للعنف مثل:

الإدراك :من أوائل من أهتم بعنصر الإدراك وأثره في العنف هو Muzafer Sherif الذي قام بتجربة رائدة في هذا المجال ليؤكد أن التحيز لصالح جماعة ماهو إلا نتيجة لإدراك هذه الجماعة أن مصالحها تتعارض أو تتضارب مع مصالح غيرها من الجماعات ،وكانت التجربة تقوم علي عزل مجموعة من الأولاد الذين لاتزيد أعمارهم عن 12 سنة في معسكر صيفي مع التأكد من أن هؤلاء الأولاد قد جاؤا من أسر مستقرة ولا تعاني من الحرمان،في المرحلة الأولي تم تقسيم الأولاد إلي مجموعتين ووضعهم في أماكن متباعدة بحيث لا تعلم كل جماعة بوجود الأخري وفي المرحلة الثانية من الدراسة تم تنظيم مسابقات بين المجموعتين وتم الإعلان بأن الفائز فقط سينال مكافأة مادية بينما لن ينال الخاسر شيئا مما أدي إلي حدوث تغيرا في سلوك الأولاد ،فبعدما كانوا يعيشون في سلام فيما بينهم أصبحوا يعلنون العداء تجاه بعضهم البعض وقام بعضهم بالهجوم الجسماني علي أعضاء الجماعة الأخري نتيجة لإدراكهم أن وجود الجماعة الأخري قد يحرمهم من الحصول علي المكافآت ،ولم يرجع السلام والتعاون بين أعضاء الجماعتين إلا بعد أن إخترع الباحثون مواقف لابد أن تتعاون الجماعتين فيها من أجل إستمرار العيش[79]

وعملية الإدراك والوعي هي عمليات نفسية معرفية تؤثر بقوة في فرص العمل الجماعي وفي عمليات التأويل والتفسير والفهم التي تلعب فيها وسائل التنشئة والإعلام دورا حاسما يعد من المحددات المعنوية لقدرة الجماعة علي حسن إستغلال الفرص المتاحة حولها ،وكلما تزايد إدراك الأمور المحيطة بالجماعة بشكل خاطئ ،كلما أدي ذلك بالجماعات الإثنية للإنعزال عن المجتمع والنظر للجماعات الأخري علي أنها تشكل خطرا عليها يجب محاربته ،ويري البعض أن العوامل الذاتية والإدراك المعاكس للظواهر والأحداث هي العامل الرئيسي في إثارة العنف وقد ذهب عالم الإجتماع الأمريكي وايت إلي القول بأن الحروب لا تندلع بسبب النزاعات الإجتماعية والعسكرية بل بسبب سوء التفاهم المتبادل بين طرفي النزاع ولأن كل طرف من أطراف النزاع يدرك نوايا الآخرين بصورة خاطئة.[80]

التحيز:يجعل التحيز الأفراد يميلون إلي رؤية أنفسهم أفضل البشر ويرون أنفسهم بإيجابية وبما إن جزء من صورتنا الذاتية مرتبط بعضوية الجماعة ،فالأفراد في خلال عمليات التفاعل الإجتماعي يخلقون أنماطا ذهنية معينة منها فكرة الهوية الإجتماعية (الإنتماء إلي جماعة معينة مختلفة عن الجماعات الأخري)ويري الأفراد وفقا لنظرية الهوية أن الجماعة التي ينتمون إليها هي الأفضل بينما الآخرون ينتمون إلي جماعات أقل منها ،والتحيزات الإثنية تنشأ في الحياة اليومية نتيجة للتعاملات الشخصية مع أفراد جماعة عرقية أخري وبمرور الوقت فإن المشاعر السلبية التي تنشأ عن الإتصالات السيئة بين أفراد الجماعات الإثنية وبعضهم البعض تتخذ طابع الأفكار المسبقة والتحيزات وتمتد بالفعل إلي كافة أفراد الجماعة الإثنية وهكذا يجري تعميم وتقوية وضع الصراع وينشأ موقف عدائي من جراء المزاج العام المعادي عاطفيا [81]،وعندما يندلع العنف الإثني فإن لدي الأفراد نزعة فطرية لتجاهل تورط قياداتهم في العنف الإثني ولذلك يلقون باللوم علي الجماعات الإثنية الأخري خاصة في ظل المعلومات الغير واضحة فإن القيادات الإثنية تستطيع أن تحظي بتأييد أفراد جماعتها الإثنية .

الشعور بالخوف وإنعدام الأمان:إن الجماعات الإثنية علي الرغم من شعورها بالتميز عن غيرها إلا أنها تبقي تعيش داخل إطار المجتمع الذي تتواجد فيه ويحاول قادتها التفاوض سلميا بإسمها للحصول علي نصيب عادل من الثروات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يتضمنها المجتمع إلي أن تشعر هذه الجماعة بأنها تعاني تهديدا شديدا لوجودها الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والثقافي، أو أن تشعر بوجود تهديدا موجها لحياة أفرادها هنا تبدأ الجماعة بالتمرد للحصول علي حقوقها والقضاء علي التهديد الموجه لها .

إن الحروب الإثنية تحدث نتيجة للشعور بعدم الأمان الذي ينشأ عندما يكون أحد الفاعلين غير متأكد من نوايا الفاعلين الآخرين ويشعر بالخوف منهم ،والخوف لدي الجماعات الإثنية يأخذ شكلين:الأول هو الخوف من إستيعابهم داخل ثقافة مسيطرة ودولة مهيمنة ،والشكل الثاني هو الخوف علي البقاء والسلامة الجسدية، وعندما يقترن عدم الأمان الجسدي مع الإجراءات الإستيعابية هنا ينشأ العنف،وعندما تري القيادات الإثنية الآخرين كخطر حقيقي لبقائهم الثقافي والإجتماعي والجسدي يتجهوا للإعتقاد بأن أي وعود من قبلهم ستؤدي إلي إضعاف مواقفهم وفي ظل حالة عدم التأكد من نوايا الآخرين والشك فيها فسيكون اللجوء للعنف للمحافظة علي بقاء الجماعة الإثنية والقضاء علي التهديدات التي تعانيها هو الحل الوحيد أمام الجماعة الإثنية .

الشعور بالإحباط:يري أنصار نظرية الإحباط أن العنف هو نتيجة للشعور بالإحباط نظرا للفشل في تحقيق أهداف الجماعة ،وعلي الرغم من أن الإحباط لا يؤدي بالضرورة للعنف ،ولكن العنف لدي البعض يحركه الغضب الناشئ عن الشعور بالإحباط ويصبح قوة محركة تدفع الإنسان للعنف.

الطبيعة العدوانية للبشر: يري بعض الباحثين أن إشتراك الأفراد والجماعات الإثنية في أعمال العنف يمكن إرجاعه إلي أن العدوان والميل للعنف هو غريزة فطرية في الطبيعة البشرية وليس في البيئة المحيطة بالإنسان ،فالعنف هو غريزة طبيعية في الإنسان شأنه شأن غريزتي الجوع والعطش تدفع الإنسان إلي التصرف بطريقة معينة ويرفض هؤلاء الباحثون الرأي القائل بأن العنف يحدث نتيجة للظروف الإجتماعيةأو الإقتصادية أو السياسية،وأكثر وجهات النظر تطرفا في هذا الشأن ما قاله فرويد عن غريزة الموت التي هي جزء من شخصية الإنسان تدفعه إلي القيام بأعمال عنيفة ومدمرة ،فالإنسان لديه الرغبة في التدمير بقدر رغبته في خلق الأشياء والمحافظة عليها ،إلا أن هذه الرغبة التدميرية قد تكون مختفية داخل الإنسان ،ولقد انتقدت هذه النظرية لأنها لا تقدم تفسيرا لإشتراك البعض في أعمال العنف وإحجام الآخرين عن مثل هذه المشاركة [82]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني :

-أنماط تهديد الجماعات الإثنية للأمن القومي :-

إن كلمة عنف violence مشتقة من الكلمة اللاتينية violentia والتي تعني إظهار غير مراقب للقوة ويمكن تعريف العنف السياسي بأنه"إستخدام القوة المادية بشكل يؤدي إلي الإضرار بالسلامة الجسدية للأشخاص أو إتلاف السلامة المادية للأشياء بهدف نهائي يتمثل في تعظيم نصيب الأفراد من السيطرة أو التأثير علي القرارات التي يتم بمقتضاها توزيع القيم المادية أو المعنوية محل التقدير في المجتمع أو يتم وفقا لها تحديد المواقف تجاه العالم الخارجي وبشكل يتراوح بين الرغبة في إجبار المنافسين علي تغيير سلوكهم في إطار موقف تساومي معين إلي محاولة السيطرة الكاملة علي الأمر وإقصاء الآخر تماما "[83]

وهناك ثلاثة إتجاهات أساسية في التعريف بمفهومي العنف والعنف السياسي وهي كالتالي :-

أ-العنف هو الإستخدام الفعلي للقوة المادية :ووفقا لهذا الإتجاه فإن العنف يشمل كل سلوك يتضمن معني الإستخدام الفعلي للقوة المادية لإلحاق الأذي والضرر بالذات أو بالأشخاص الآخرين .

ب- العنف هو الإستخدام الفعلي للقوة المادية أو التهديد بإستخدامها ووفقا لهذا الإتجاه فإن المفهوم يشمل السلوك القولي أي التهديد بإستخدام القوة إلي جانب السلوك الفعلي

ج-العنف كأوضاع هيكلية بنائية :يري أصحاب هذا الإتجاه أنه لكي نفهم ظاهرة العنف فيجب تحليل سياقها الإجتماعي ودراسته لأن العنف وفقا لهذا الإتجاه كامن في الإختلالات والتناقضات الموجودة في الهياكل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للمجتمع .

وعند تحليل العنف فإن هناك ثلاثة متغيرات يجب أخذها بعين الإعتبار وهي حجم البشر المشاركين فيه من داخل وحدة إجتماعية معينة وهو مايطلق عليه متغير النطاق ،بينما يتعلق المتغير الثاني بقدر التدمير الذي تحققه أفعال العنف وهومايعرف بإسم العمق، ويشير المكون الثالث إلي الفترة التي يستمر فيها العنف[84]

لم يميز المفكرون من قبل بين العنف الإثني و العنف بصفة عامة، فقد كان ينظر إليه كدرجة من درجات العنف وليس كشكل آخر،ووصف العنف الماضي أو الحاضر أو المحتمل في المستقبل بأنه عنف إثني ليس ضرورة تحليلية ولكنه ضرورة عملية فالعنف يصاحبه عادة كفاح إجتماعي للتعريف بمعناه و تحديد أهدافه ،ودراسة العنف الإثني ومحاولة وضع نظرية تفسر العنف الإثني نشأت في حقلين هما حقل الدراسات والنزاعات الإثنية من جهة وحقل العنف السياسي أو الجماعي .

ويمكن تعريف العنف الإثني بأنه "العنف الذي يرتكب من خلال الخطوط الإثنية (الأصول السلالية أو الخلفيات الثقافية)ويكون فيه أحد الفاعلين علي الأقل ليس الدولة أو أحد ممثليها وتكون الإختلافات الإثنية هي السبب الرئيسي فيه "[85].

ولكي يطلق علي العنف تسمية عنف إثني يجب أن يتميز بما يلي :

1)أن يحركه الحقد ضد الإثنيات الأخري .

2)إختيار الضحايا وفقا لمعايير إثنية .

3)إذا شن الهجوم بإسم الجماعات الإثنية .

وأهم ما يميز الجماعة التي تلجأ للعنف الإثني هو وجود ميليشيات خاصة بها علي قدر عالي من التنظيم ويقصد بالمليشيات "المجاميع المسلحة والمنظمة والمدربة والمدعومة والموجهة تعبويا لتحقيق مصلحة حزبية أو إثنية معينة وتخضع هذه المجاميع لسلطة مركزية وتمتلك هيكليتها الخاصة ،وهي الذراع العسكري لفئة سياسية أو دينية تخوض صراعا ايا كان دافعه أو هدفه[86]"،ويمكن تقسيم العنف الإثني إلي :

ا-الحركات الإنفصالية (الأرمن في أذريبيجان،والأكراد في العراق)

ب-الصراع من أجل الإستقلال الذاتي أو السلطة السياسية أو السيطرة علي الإقليم (الشيشان في روسيا )وهنا الصراع إما أن يكون بين جماعات إثنية وبعضها البعض (التوتسي-الهوتو)أوبين جماعة إثنية والحكومة من أجل الوصول والسيطرة علي الفرص السياسية والإقتصادية والإقليمية

ج-الحروب (مسلمي البوسنة والصرب)وهنا تكون الإختلافات الإثنية قوية للغاية وتؤدي إلي حروب طاحنة بين أمتين أو أكثر ،وهناك ستة متغيرات يمكن من خلالها قياس شدة العنف الإثني وهي مرتبة تنازليا حسب أهميتها :حدة الصراع بين أبناء الجماعات المختلفة المكونة للمجتمع،قبول إستخدام العنف ضد باقي أفراد المجتمع الواحد المنتمين لجماعات أخري ،تكرارية الحروب الداخلية ،حدة الصراع داخل الجماعات المختلفة المكونة للمجتمع،مدي إستخدام القوة الجسدية كأداة لحل الصراعات ،القبول بالعنف ضد باقي أفراد الجماعة [87] .

وعلي الرغم من أن الصراع الإثني نادرا ما يتضمن عمليات عسكرية كبيرة  مثلما يحدث في الحروب بين الدول ،لكن ينتج عنه عنف مستوطن ذو طبيعة قاسية (الهجوم علي المدنيين، تدمير البيئة الأساسية للدولة)ويصاحبه انتشار للمجاعات وتدفق موجات من اللاجئين ،كما يمكن أن يمتد هذا العنف للدول المجاورة (راوندا-زائير،أفغانستان-باكستان)،أو قد يؤدي إلي إنتشار الإرهاب في بلدان بعيدة جغرافيا عن أماكن الصراع (العمليات الإيرلندية في القارة الأوربية).

هذا وقد يأخذ العنف الإثني أحد الصور التالية :

أولا:حرب العصابات .                                      ثانيا:الحرب الأهلية.

ثالثا:الإرهاب .                                                رابعا:الإنفصال .

أولا:حرب العصابات :-

هي حرب تسعي إلي تحقيق أهداف محدودة في الغالب ولا تعتمد علي إستخدام الأساليب النظامية للحرب التقليدية وخاصة في مراحلها الأولي والوسيطة وإنما تعتمد علي المناوشات والكر والفر والهجمات السريعة ويعرف القاموس السياسي حرب العصابات بأنها "قتال يأخذ صورة الحرب التي تقوم بها عادة جماعات من المواطنين ضد قوات الأعداء النظامية أوضد جيش نظامي للحكومة القائمة وتتألف كل جماعة من عدد محدود من المواطنين المدربين علي القتال وإستخدام الأسلحة الصغيرة"[88]،وتتميز حرب العصابات بالخصائص التالية :

ا-هي حرب صغيرة لا تخضع لأية قواعد ثابته وتتميز بالقسوة حيث قد يلجأ رجال العصابات إلي قتل الجرحي والأسري لصعوبة نقلهم إلي مواقع تمركز وحدات حرب العصابات.

ب-تتميز هذه الحرب بإستخدام تكتيكات متغيرة وفقا لطبيعة الموقف مع العدو ،والظروف القائمة وتحتاج إلي درجة عالية من التنسيق فيما بين المجموعات المختلفة للعصابات .

ج-تجمع حرب العصابات بين المركزية في المسائل والأمور الإستراتيجية واللامركزية في الجوانب التكتيكية والحملات والمعارك .

د-تقيم وحدات حرب العصابات قواعد تمركزها بصورة دائمة في المناطق الجبلية والغابات والأماكن الصعب الوصول إليها ،كما تستخدم الطرق الوعرة الشائكة غير المألوفة في ظروف جوية قاسية لتحاشي مراقبة العدو، وحتي تستطيع التسلل خلف خطوط العدو.

و-لا يوجدعدد معين لوحدات حرب العصابات ولا تحديد معين للأعداد العاملة في كل وحدة من الوحدات

 ويعد الصينيون أول من إستخدم حرب العصابات عام 360 ق .م، وتطور إستخدام حرب العصابات علي يد كل من  :

ا-كارل ماركس:- الذي يعد من أوائل من أدركوا أهمية هذا النمط من الحروب وأدركوا إمكانية أن تواجه أمة صغيرة عدوا أقوي منها بمجموعات صغيرة من المقاتلين  .

ب-القائد الإنجليزي لورنس:-الذي أكد علي ضرورة أن تكون حرب العصابات سرية لا تظهر فيها وحدات العصابات أنفسهم للعدو ،وشدد علي أن يكون الهجوم مفاجئا ومباغتا وأكد علي ضرورة تحري نقاط ضعف قوات العدو وتركيز الهجوم عليها .

ج-ماوتسي تونج :-يعد ماوتسي تونج أشهر من إستخدم هذا الأسلوب في ثلاثينات القرن الماضي وكانت عملياته تقوم علي أن تنتشرقواته في خطوط متباعدة من الأرض ثم تنسحب بعد أن تضرب ضربتها وقبل أن يستطيع العدو تركيز قواته ،ولقد قلب ماوتسي تونج المفاهيم الأساسية التقليدية في حروب العصابات وإبتكر إستراتيجية تتمثل في قطع أوصال البلاد عن طريق عزل المدن بجموع الفلاحين من خارجها مما يعزل تلك المدن وقد يؤدي إلي سقوطها ،ولقد طبقت الثورة الكوبية بقيادة كاسترو أفكار ماوتسي تونج ضد حكومة باتستا ،ويمكن تلخيص إسهامات ماوتسي تونج في هذا الصدد في النقاط التالية :-

ا-محاولة الحفاظ علي القوات الذاتية عن طريق أخذ المبادرة وبمرونة تامة للقيام بهجمات دفاعية سريعة في إطار حرب طويلة المدي .

ب-وضع مبدأ الأرض المحروقة ،أي إتلاف الزروع والآلات والمؤسسات الصناعية لمنع العدو من إستغلال إمكانيات وموارد الأراضي التي إحتلها وحرمانه منها .

ج- وضع مبدأ إضرب واهرب ،أي القيام بمجموعة من الهجمات السريعة والسرية المفاجئة ضد وحدات العدو مع التركيز علي نقاط ضعف العدو والإنسحاب والهروب السريع بعد تنفيذ الهجوم وذلك لإضعاف وحدات العدو وبث جو من القلق في صفوفه .

د- الجنرال بنجوين فون جياب قائد جيش التحرير الفيتنامي والذي كانت أهم مساهماته متمثلة في مبدأ "تجميع قوات العدو عند تفرقها وتفريقها عند تجمعها ،بمعني إنك تجبر العدو علي تفريق قواته عندما يجمعها وعندما يقوم بتجميعها فعليك أن تجبره أن يفرق تلك القوات بحيث تبقي هذه القوات النظامية في حالة إرتباك وتفقد صفاتها النظامية مما يساعد علي توجيه الضربات السريعة والمفاجئة لها[89].وتلجأ الجماعات الإثنية التي تمتلك العدد الكافي من الأفراد القادرين علي حمل السلاح،وتمتلك الموارد التي تمكنها من الإستمرار في القتال إلي حرب العصابات لكي تستطيع إجبار الحكومة علي الرضوخ لمطالبها ،وتعد حرب العصابات وسيلة ناجحة لقتال القوات الحكومية حيث أنها تستنزف قواها ومواردها وتتيح للجماعات الإثنية مواصلة القتال دون أن تتعرض للخسائر الفادحة كما قد يحدث في الحروب الأهلية ،ويزداد إحتمال لجوء الجماعات الإثنية إلي حرب العصابات عندما تكون أماكن تركز الجماعات الإثنية وإستقرارها مناطق يصعب الوصول إليها بسبب طبيعتها الجغرافية مثل الجبال والأحراش والتي توفر الحماية

والأمان لمن يسكن بهاوقد إستخدم الأكراد حرب العصابات لفترات طويلة في حربهم ضد النظام الحاكم في بغداد .

وعلي الرغم من أن حرب العصابات تشترك مع الأنماط الأخري التي تستخدمها الجماعات الإثنية للوصول لتحقيق أغراضهم السياسية في أنها تندرج جميعها في إطار العنف المنظم إلا أنه يمكن التفرقة بين حرب العصابات والإرهاب في النقاط التالية :

ا- الإرهاب يعمل عادة في المدن في مجموعات صغيرة ولا يسعي لتحقيق نصر عسكري وإنما تدمير نفسي للخصوم ،بينما حرب العصابات هي حرب فعلية يسعي المتحاربون فيها لتحقيق نصر عسكري ويكون ميدانها الأماكن الجبلية والسفوح ومفارق الطرق والقري والأحراش.

ب-في حرب العصابات توجه العمليات ضد الأفراد المشاركين في القتال وأفراد القوات المسلحة بينما توجه العمليات الإرهابية إلي الجميع بلا إستثناء وخاصة المدنيين

ج- تهدف حرب العصابات إلي تقليص المساحات المحتلة وإلحاق أكبر قدر من الخسائر المادية والمعنوية في صفوف العدو،في حين تستهدف العمليات الإرهابية الدعاية وإثارة المشاعر تجاه القضايا التي يعمل من أجلها الإرهابيون

د- أعداد القتلي في حرب العصابات تقدر بالآلاف وليس العشرات والمئات.

ايضا يمكن التفرقة بين حرب العصابات والحرب الأهلية في النقاط التالية  :-

ا-تقوم الحرب الأهلية منذ بدايتها علي مبادئ الحرب النظامية التقليدية سواء من حيث الاساليب المتبعة أو تمركز قوات المعارضة في مناطق محدودة ،في حين أن قوات المعارضة في حروب العصابات عادة لا تتمركز في مناطق محددة كما أنها تفتقر إلي قواعد ثابته تنطلق منها في شن هجماتها حيث تلجأ بشكل شبه مستمر إلي تغيير أماكنها في ضوء أهدافها المرحلية وتطورات الصراع.

ب- الحروب الأهلية غالبا ما تكون أوسع نطاقا من حروب العصابات سواء من حيث مستوي العنف أو حجم التدمير أو نطاق الإنتشار.

ج- في الحروب الأهلية يوجد نوع من التكافؤ النسبي بين قوات المعارضة والقوات الحكومية وهي سمة غير متوفرةفي حروب العصابات .

 

ثانيا:الحروب الأهلية :-

إن ظاهرة الحرب الأهلية ليست جديدة فقد عرفتها المجتمعات منذ فترة طويلة وهي تدور بين فريقين أو أكثرفي إقليم دولة واحدة ويملك كل فريق قواته المسلحة المنظمة والمزودة بالعتاد العسكري ويهدف كل فريق إلي السيطرة علي الأمور .

والحرب الأهلية هي"شكل من أشكال الصراع الداخلي تقوم به جماعة أو جماعات علي أسس إثنية أو أيديولوجية من أجل تغيير بعض السياسات الحكومية أو الإطاحة بنظام الحكم أو الحصول علي الحكم الذاتي لمنطقة ما أو الإنفصال عن الدول ويشتمل هذا الصراع علي أعمال عنف مسلح منظم واسع النطاق من جانب جميع الأطراف المشاركة ويتم تنفيذ عمليات العنف إنطلاقا من مناطق معينة تمثل قاعدة عسكرية محددة لها"[90].

كما تعرف الحرب الأهلية بأنها" نزاع داخلي يؤدي علي الأقل إلي وفا ة 1,000 شخص سنويا ويؤدي إلي إصابات في القوات الحكومية والمنظمات المتمردة لا تقل عن 5% "[91] ،ولا يعبر بالضرورة كل صراع إثني عن حرب أهلية ،ولكن ارتفاع درجة حدة الصراعات الإثنية وتفاقمها خاصة عندما تختلط بإعتبارات أخري مثل التباعد الإقليمي والتمييز الإقتصادي والإجتماعي وعدم الإستقرار السياسي وضعف الحكومة المركزية يؤدي إلي تحولها  إلي حرب أهلية.

ويحتاج إندلاع الحرب الأهلية إلي وجود حالة عدائية واسعة وإستقطاب إثني من جانب النخب السياسية فضلا عن معضلة أمنية وعندما تتوافر هذه العوامل الثلاثة فإن كلا منها يمارس تأثيرا متبادلا مع العاملين الآخرين ،هذا ويري كوفمان أن نمط التفاعلات بين الجماعات الإثنية المتصارعة في الدولة التي تشهد حربا أهلية يصبح أشبه بالعلاقات الدولية ،وتتصرف الجماعات الإثنية في إدارتها للصراع مثل الدول في النظام الدولي.

وتعد الحروب الأهلية القائمة علي أساس إثني أخطر أنواع الحروب الأهلية ،حيث أنها تزيد من حدة الولاءات الإثنية إلي درجة تصبح معها الدعوات السياسية التي تطالب بتجاوز هذه الولاءات غير ذات جدوي وهو مايعني إستمرار هذه الجماعات في الحرب حتي تستطيع تحقيق النصر هذا ويمكن تقسيم الحروب الأهلية إلي :

1)حروب أهلية إثنية غير إنفصالية :وهي الحروب التي تنشا علي أسس إثنية ولكنها لا تنطوي علي مطالب أو نزعات إنفصالية من جانب أي من الأطراف ويكون الهدف الرئيسي في هذه الحروب هو الصراع علي السلطة مثل الصراع بين التوتسي والهوتو في راوندا .

2)حروب أهلية إثنية إنفصالية : وهي الحروب التي تتميز بالإستقطاب الإثني الحاد وتتسم هذه الحروب بغلبة النزعة الإنفصالية بحيث يكون الهدف الرئيسي لجماعات المعارضة الإثنية هو الإنفصال وتكوين دولة جديدة مثل الصراع في دارفور والشيشان في روسيا .

3)حروب أهلية إنفصالية غير إثنية :وهي الحروب التي يكون الهدف منها هو الإنفصال عن الدولة ولكن دون أن تكون مرتكزه علي أسس إثنية وربما يقف وراء هذه الحرب فصيل منشق عن القوات المسلحة وهذا النوع نادر الحدوث .

4)حروب أهلية غير إثنية وغير إنفصالية وهي الحروب التي لا تكون التحالفات الإثنية فيها واضحة ويكون أساس عمليات التعبئة والحشد وبناء التحالفات في هذه الحروب هو الإعتبارات السياسية وتحدث هذه النوعية في الدول التي تتسم بتعددية ملحوظة في الجماعات القومية أو الإثنية بحيث لا تستطيع كل جماعة إثنية أن تمثل فصيلا مستقلا في الحروب الأهلية ومثال علي هذا النوع من الحروب ،الحرب الأهلية الأمريكية في السنوات الأولي من تكون الولايات المتحدة

ثالثا:الإرهاب :-

علي الرغم من أن الإرهاب ظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية منذ القدم إلا أن الباحثين إنقسموا إلي ثلاثة أقسام رئيسية في تعريف الإرهاب :-

الإتجاه الأول :إتجه نحو إستبعاد محاولة التعريف لعدم جدواها وذلك نتيجة لغموض تعبير الإرهاب وإمكانية أن يطلق علي كثير من المعاني .

الإتجاه الثاني :فيلجأ للتعريف من خلال وصف الأفعال المادية التي يمكن أن يطلق عليها وصف الإرهاب بصرف النظر عن مرتكبيها ويندرج تحت هذا الإتجاه تعريف اللجنة القانونية لمجموعة الدول الأمريكية "هو أفعال هي بذاتها يمكن أن تكون من الصور التقليدية للجريمة مثل القتل والحريق العمد وإستخدام المفرقعات ولكنها تختلف عن الجرائم التقليدية بأنها تقع بنية مسبقة بقصد إحداث الذعر والفوضي والخوف العام داخل مجتمع منظم وذلك من خلال إحداث نتيجة تتمثل في تدمير النظام الإجتماعي "،ويعيب هذا الإتجاه أنه يغفل أمرا هاما هو معيار التفرقة بين الأفعال الإجرامية العادية والأعمال الإرهابية التي تهدف لتحقيق أغراض سياسية .

الإتجاة الثالث :حاول هذا الإتجاه الوصول إلي مدخل لتعريف الإرهاب عن طريق محاولة توضيح أسس معينة لمكونات التعريف التي رأي هذا الإتجاه أنها يجب أن تتضمن ما يلي:

1)الرعب كنتيجه أو محصلة للأفعال .

2)ضحايا مقصودين لذواتهم أو كوسيلة لإرهاب الآخرين .

3) أهداف أولية محددة موجهه إليها الأفعال (شعب /دولة /مجموعات كبيرة ).

4) إستخدام العنف بصورة مختلفة .

5)يهدف إلي تحقيق أهداف سياسية .[92]

أما الإرهاب السياسي فيمكن تعريفه بأنه "هو إستخدام أو التهديد بإستخدام العنف من قبل الأفراد أو الجماعات وهذا الإستخدام يهدف إلي خلق أقصي قدر من الخوف والقلق في الجماعة المستهدفه بهدف إجبارها علي المطالبه بنفس مطالب هذه الجماعات ،كما يهدف إلي إظهار عجز الحكومة القائمة عن تلبية متطلبات الأمن الأساسية لمواطنيها وعزل المواطنين عن مضمونهم الاجتماعي"[93]،هذا ويقسم الإرهاب وفقا لعدة معايير رئيسية وهي :-

1)معيار دوافع الإرهاب حيث يتم هنا التفرقة بين الإرهاب السياسي الذي يحدث نتيجة لعوامل سياسية ويهدف لتحقيق أغراض سياسية معينة وبين الإرهاب غير السياسي .

2)معيار نطاق الإرهاب وهنا يتم التفرقة بين الإرهاب القومي الذي ينحصر داخل الحدود السياسية لدولة معينة وبين الإرهاب الدولي الذي يتعدي الحدود السياسية لدولة ما .

3)معيار ضحايا الإرهاب وهنا نفرق بين عدة أنواع فرعية للإرهاب إستنادا إلي ثلاثة عوامل وهي الكم والإختيار والمواجهه فوفقا للكم نميز بين الإرهاب الفردي والإرهاب الجماعي فالإرهاب الفردي يوجه ضد أفراد بعينهم أما الإرهاب الجماعي فيكون موجهها ضد جماعات بأكملها ،ووفقا لعامل الإختيار فيتم التفرقة بين الإرهاب العشوائي الذي لا يوجه إلي أشخاص بالذات وبين الإرهاب المتعمد القائم علي إختيار أهداف بعينها ،ويمكن تقسيم الإرهاب وفقا إلي عامل المواجهه إلي إرهاب مباشر والذي توجد فيه علاقه مباشرة بين الإرهابيين والضحايا مثل الإختطاف وبين الإرهاب عن بعد حيث لا يوجد إتصال مباشر بين الإرهابي والضحية مثل حوادث التفجير[94]،ويمكن القول بأنه يوجد نمط عام مشترك من الأساليب الإرهابية يتركز بصورة اساسية فيما يلي :

-إختطاف الطائرات "أي الإستيلاء علي الطائرة أثناء تحليقها في الجو عن طريق اللجوء إلي التهديد بإستخدام وسائل العنف وإجبار طاقمها علي تغيير وجهة سيره والتوجه نحو مطار آخر محايد أو صديق للمختطفين  وذلك بقصد عقد صفقة والحصول علي تنازلات مقابل الإفراج عن المختطفين والطائرات "[95]

- إختطاف الأفراد وأخذ الرهائن :إن جرائم الخطف من أقدم الجرائم التي عرفتها البشرية فقد كان يتم خطف أبناء القيادات من قبل المنافسين للضغط عليهم وإختطاف الأفراد يعني "سلب الضحية حريتها بإستخدام أسلوب أو أكثر من أساليب العنف والإحتفاظ به في مكان ما يخضع لسيطرة وحماية ورقابة المختطفين تحقيقا لغرض معين [96]

-إلقاء القنابل وزرع المتفجرات :هو أحد أقدم الأساليب الإرهابية وأوسعها إنتشارا ،فلقد إستخدم الإرهابيون هذا الأسلوب منذ القرن 19 ويلجأ الإرهابيون إلي إستخدام هذا الأسلوب بكثافة للأسباب التالية

*سهولة الإستخدام حيث لا تحتاج عمليات إلقاء القنابل أو زرع المتفجرات لمهارات خاصة.

*سهولة الحصول علي المتفجرات إما بسرقتها  أو عن طريق صناعتها وإنتاجها .

*كفاءة الإستخدم حيث تحقق درجة عالية من إصابة الأهداف وتلحق أكبر قدر من الخسائرفي الوسط المستهدف .

ويهدف الإرهاب الإثني إحلال ممارسة السيادة من جانب الدولة علي إقليم معين بأخرين ينتمون للمجموعة الإثنية التي يمارس أفرادها الإرهاب ،وتقود هذا الإرهاب عادة منظمات ذات طبيعة عرقية أو قومية تسعي إلي تحقيق الإنفصال عن الدولة المركزية لتقيم كيانها الذاتي المستقل ومن ثم توجه هذه المنظمات أنشطتها الإرهابية ضد أفراد ومؤسسات الدولة التي تعتبرها مسئولة عن حرمانها من بلورة كيانها القومي المستقل من جهة،وضد المتعاونين من أبناء هذه الجماعات الإثنية من جهة أخري .

ويتميز هذا النوع من الإرهاب بالعنف الدموي وبالإستمرارية وبالطابع الشعبي ،أي أن له إمتداد بين فئات الشعب التي يعبر عنها ويعمل بإسمها ،كما أن هذا النمط من الإرهاب يعتمد علي تأييد قطاعات عريضه من أبناء الجماعة الإثنية التي ينتمي إليها القائمون بالإرهاب الإثني ،وهذا النوع من الإرهاب تحكمه وحدة الهدف المتمثل في العمل علي خلق كيان قومي إثني مستقل ويعتبر الجيش الجمهوري الإيرلندي ،ومنظمة إيتا الإنفصالية الأسبانية من أشهر المنظمات التي تمارس هذا النوع من الإرهاب[97]

 د:الإنفصال :-

الإنفصال هو رغبة إحدي الجماعات الإثنية إقامة كيان سياسي مستقل ومعبر عن الهوية الخاصة للجماعة الإثنية أو الرغبة في التخلص من هيمنة جماعة معينة وذلك علي الرغم مما يتطلبه الإنفصال من قدرات إقتصادية وتنظيمية وإدارية لازمة لقيام دولة في الإقليم الساعي للإنفصال والمطالب الإثنية بالخروج أو الإنفصال هي تهديد خطير لأنها تعني تفتيتا للدولة وهنا يلعب التأييد المحلي والدولي للحركات الإنفصالية دورا هاما في حسابات الجماعات الإثنية.

وتزداد رغبة الجماعات الإثنية في الإنفصال عندما تكون مؤمنة بأنها مؤهلة لكي تقيم دولة خاصة بها، وبأن تواجدها في حدود الدولة التي تتواجد بها أقل من طموحاتها وأقل مما تستحق ويؤدي نمو الهوية القومية الإثنية وتغلبها علي هوية الدولة التي تتواجد بها الجماعة الإثنية إلي زيادة الرغبة في الإنفصال

وفي حالة الرغبة في الإنفصال تبدأ الجماعات الإثنية في ممارسة العنف بعد فشل الطرق السلمية  في محاولة للوصول لتحقيق الإستقلال والتخلص من هيمنة ونفوذ الجماعة التي تسيطر علي الحكومة المركزية[98]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلاصة

إن العنف لا يبدأ لحظة إنفجاره بل تشكل لحظة الإنفجار مرحلة من مراحل تطوره وتناميه فهو نتيجه لتفاعل عدة عوامل مع بعضها البعض، ويؤدي هذا التفاعل إلي زيادة حالة التوتر والغضب والإحباط لدي الجماعات الإثنية ثم إنفجار هذا الغضب بعد ذلك متخذا أشكالا عديدة من اجل أن تصل هذه الجماعات الإثنية إلي مطالبها ،ولكن هذه الجماعات الإثنية بعد أن تصل إلي أهدافها قد تنقسم فيما بينها ويصبح لديهم مصالح متضاده مما يدفعهم للإقتتال الداخلي .

ويشكل العراق نموذجا فريدا قد يكون صالحا للتطبيق علي أية دولة تتوافر فيها البيئة والظروف والعوامل التي توافرت في حالة العراق لكي تصبح جماعاتها الإثنية عامل خطر يهدد الدولة والمجتمع التي تتواجد به .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                         

 

 

الفصل الثالث

الدوافع المؤثرة في سلوك الجماعات الإثنية والمذهبية العراقية

 

 

 

 

 

 

تتعايش في العراق أديان ومذاهب وجماعات اثنية عديدة متقاربة أحيانًا ومتنافرة أحيانًا أخري غير أن تقاربها أو تنافرها لم يصل إلي حد إلغاء الآخر، فحافظ الجميع علي وجودهم بقدر ما سمح به التجاور علي بقعة واحدة، وأدت ديكتاتورية النظام السابق أن تقبل الجماعات الإثنية والمذهبية ما يفرضه النظام عليها مما ساعد علي الحفاظ علي وحدة العراق ،ولكن بعد سقوط النظام السابق لعبت العديد من العوامل دورًا في سلوك هذه الجماعات السياسي ، ويتناول هذا الفصل أهم العوامل التي تلعب دورا هاما في توجيه السلوك السياسي لهذه الجماعات ،ويمكن تقسيم هذه العوامل إلي عوامل سياسية وتاريخية وبيئية وجغرافية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية ونفسية علي الرغم من أن هذه العوامل متداخلة في الواقع لدرجة يصعب الفصل بينها لأنها تختلط بشدة في ارض الواقع ولكن لغرض التحليل سوف يتم تقسيم هذه العوامل إلي مبحثين :

أولهما :العوامل السياسية والتاريخية والبيئية والجغرافية .

وثانيهما:العوامل الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والنفسية.

المبحث الأول:

الدوافع التاريخية والسياسية والبيئية والجغرافيية .

أولا :الدوافع  التاريخية :

كانت بلاد الرافدين تتكون من عدة مدن تعتبر كل منها دولة بحد ذاتها ،ولكل منها اله حامي وملك يسعي إلي توسيع أرض الإله الحامي ،مما أدي إلي التنافس والتناحر بين دويلات بلاد الرافدين من أجل الإستحواذ علي الأراضي الزراعية ومصادر المياه والموارد المحدودة مما أدي إلي نزاعات وحروب دائمة بين المدن أدت إلي إنقراض مدن بأكملها وإنهيار حضارات[99]

وبعد أن إحتل العثمانيون العراق أصبح الأخير ساحة للصراع العثماني –الفارسي،مما أدي إلي أن  ينظر الأتراك إلي شيعة العراق بكثير من الشك حيث كانوا يعتبرونهم طابورًا خامسًا وعملاءًا لإيران ،مما جعل الدولة العثمانية تسند الوظائف الإدارية العليا للمسلمين السنة العرب وعهدت إليهم في عهد مدحت باشا الوالي العثماني علي العراق في القرن التاسع عشر بالقيام بعملية التحديث [100]،ومما زاد في تخوف الدولة العثمانية من الشيعة أنهم كانوا يقطنون الجزء الجنوبي من العراق المتاخم لإيران مما يسهل إمتداد النفوذ الإيراني لهذه المنطقة ،وعلي الرغم من أن الشيعة لم يكنوا الولاء للعثمانيين ،ولم يهتموا بالعمل في الدوائر الحكومية أو دخول المدارس الحكومية إلا أنهم حاربوا مع الأتراك ضد الإنجليز عام 1915 وذلك لأن علماء المسلمين ومنهم علماء الشيعة أفتوا بضرورة الجهاد إلي جانب الأتراك ،وأمروا المجتهدين بان ينضموا إلي صفوف المحاربين وكان بعض رجال القبائل من الشيعة يبيعون مالديهم من متاع وأثاث علي ماهم عليه من فقر لكي يبتاعوا بثمنه سلاحًا إطاعة لفتوي المجتهد الأكبر وذلك علي الرغم مما تحمله الشيعة من ظلم الحكم التركي وإضطهاده لهم[101].

وقد قامت بريطانيا عقب إنتصارها في الحرب العالمية الأولي بإدماج ولايات الموصل والبصره وبغداد مع بعضها البعض و أنشأت الدولة العراقية عام 1920،ورغبة من بريطانيا في منع الشيعة من تشكيل أغلبية تهدد السيطرة السنية علي البلاد قامت بضم ولاية الموصل للدولة العراقية وإلحاق الأكراد بها ،ولم يكن بين هذه الولايات في عهد العثمانيين سوي تفاعل سياسي  وإقتصادي ضعيف ولذلك لم يكن من المستغرب أن يثور سكان هذه الأقاليم علي هذا الدمج       ويرفضونه [102]،هذا وقد إعتبر الأكراد ضمهم لولاية الموصل خيانة للوعد الذي أعطته لهم بريطانيا وفقا لمعاهدة سيفر بإنشاء دولة كردية مستقلة،ورأي الشيعة خاصة في البصرة أن مصالحهم ستخضع لسيطرة الأقلية السنية في بغداد،وهكذا بدأ عهد الدولة العراقية بعدم قبول بعض مكونات الشعب الإنضمام لها ،مما أدي إلي نشوء توتر بين الجماعات الإثنية وأدي إلي وقوع حوادث عنف إثني في الموصل عام 1923 بين الأكراد والسريان المسيحيين[103].

وسعت بريطانيا منذ بداية تواجدها في العراق كأي دولة إستعمارية إلي وضع نظام حاكم ذو أقلية عددية، حتي يشعر النظام دائما بالخوف من الجماعات الإثنية الأخري خاصة التي تشكل أغلبية عددية ويبقوا دائما بحاجة لها ،ففي الفترة مابين 1921-1936 لم يكن من بين السبع وخمسين رئيسا للوزارة سوي خمسة من الشيعة والأكراد وكانت الوزارات الخمس القوية تدار بالكامل من قبل السنة[104] .

ونتيجة للمقاومة الشديدة للإنتداب البريطاني أنشأ السير بيرسي كوكس مجلس دولة لحكم العراق يمثل جميع الطوائف والجماعات في الألوية الثلاثة وتم إسناد رئاسته للسيد عبدالرحمن الكيلاني نقيب بغداد ،هذا وقد نظر زعماء الشيعة في النجف إلي مجلس الحكم المؤقت نظرة تخوف وريبة ،مثلما نظر السنة في عام 2003 إلي مجلس الحكم المؤقت الذي أنشأه بول بريمر علي أسس إثنية لإدارة شئون العراق .

إن المقارنة بين تجربة الإحتلال البريطاني عام 1914 وتجربة الإحتلال الأمريكي عام 2003 تكشف عن كثير من التشابه فيما بينهما ،فلم يكن إنشاء مجلسا لحكم البلاد بصورة مؤقتة في بداية كلا الإحتلالين علي أسس إثنية ومذهبية هو التشابه الوحيد بين التجربتين ،ولكن كلا الإحتلالين لقيا مقاومة شديدة من أحد الجماعات المذهبية الموجودة في العراق ،الشيعة في حالة بريطانيا والسنة في حالة الولايات المتحدة ،او تعاونا من جماعة مذهبية وإثنية أخري السنة في حالة بريطانيا والشيعة والأكراد في حالة الولايات المتحدة .

كما يلاحظ وجود درجة كبيرة من التشابه بين المبررات البريطانية والأمريكية لإحتلال العراق حيث بررت بريطانيا ذلك علي لسان وزير المستعمرات البريطانية ليوبولد آمري ان الشرق الأوسط يمر بمرحلة تغيير كبيرة وأن العراق سيصبح نموذجا للتطور والديموقراطية ،وهو نفس المنطق الذي إستخدمته الولايات المتحده عام 2003 لتبرير الإحتلال [105]،هذا وتفاقمت حدة مشكلة إنعدام الأمن في كلا التجربتين كما  وقعت مصادمات إثنية في كلا التجربتين.

وبعد إنسحاب القوات البريطانية بعدة أشهر تعرض جنوب العراق لهجمات قام بها عدد من الوهابيين والآن تنشط القاعدة في العراق ،وكان الوهابيون والقاعدة يرون أن الشيعة خارجون عن الإسلام ولذلك يحل قتالهم والإستيلاء علي أموالهم .

وعلي الرغم من أوجه التشابه هذه ،فإن هناك أمران يختلفان بين عامي 1914 و2003 ،الأمر الأول هو النفط الذي زاد من حدة الصراعات الإثنية(العرب –الأكراد في شمال العراق)والمذهبية (السنة والشيعة)أو داخل الجماعة الواحدة (التصارع الشيعي من اجل السيطرة علي البصرة )، أما الأمر الثاني فإنه في عام 2003 فإن الدولة العراقية كانت متواجدة منذ ثمانين عاما تقريبا وخالقة حقائقها علي الأرض ،وقد أدي هذان الأمران إلي زيادة حدة المشاكل التي سبق وأن واجهها البريطانيون .

هذا وقد تميز نظام الحكم في العراق بالدموية والعنف منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 وحتي الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق صدام حسين عام 2003 ،فأغلب رؤساء العراق تولوا الحكم نتيجة لإنقلابات عسكرية تميزت بالدموية الشديدة وانتهت فترة حكمهم بمقتل أغلبهم.

أنظر جدول رقم (2)في قائمة الملاحق.

 

ثانيا الدوافع السياسية :-

إن سقوط النظام الأسبق مثل فرصة كبري للجماعات الإثنية التي عانت سابقا من الحرمان لكي تحاول ترتيب الأوضاع السياسية في العراق بما يتفق مع تحقيق مصالحهم، وقد كانت هذه الجماعات تعمل منذ فترة سابقة علي سقوط النظام علي ترتيب الأوضاع في العراق في حالة التمكن من إسقاطه ،وسعت إلي إقتسام السلطة علي أسس إثنية في حالة نجاحها في إسقاط هذا النظام ،ولقد بدأت المحاصصة الطائفية في مؤتمر صلاح الدين في كردستان العراق عام 1992 وتعززت في مؤتمر المعارضة الذي عقد في لندن في نهاية عام 2002 الذي كان يديره مبعوث الإدارة الأمريكية وقتها زلماي خليل ،وفي هذا المؤتمر  إستحوذ ممثلو الأحزاب الشيعية والحزبين الكرديين الرئيسين علي معظم مقاعد لجنة المتابعة التي شكلها المؤتمر مما دفع العديد من القوي السياسية مثل الحزب الإسلامي العراقي والحركة الإسلامية إلي الإعتراض[106].

وبعد سقوط النظام ودخول الإحتلال الأمريكي العراق عام 2003 إنقسم المجتمع العراقي إلي أقاليم تسيطر عليها الجماعات السياسية والقبلية والإثنية والمذهبية ،وبدأت القوي السياسية في إدارة البلاد وفقا لنظام المحاصصة الطائفية ،وتكون مجلس الحكم الإنتقالي الذي تولي إدارة البلاد وفقا لأسس مذهبية وإثنية ،فلقد تكون المجلس من خمس وعشرين عضوا يمثلون كافة الجماعات الإثنية والمذهبية العراقية ،فحصل الشيعة علي أربعة عشر مقعدا بنسبة 65%من مقاعد المجلس ،وحصل السنة العرب علي أربعة مقاعد بنسبة اقل من 16% علي الرغم من أن حجم تواجدهم العددي في العراق يتراوح مابين 32% إلي 37%، وحصل الأكراد علي خمسة مقاعد بنسبة 20% من مقاعد المجلس في حين أن نسبة الأكراد إلي مجموع الشعب العراقي أقل من 16%،وحصل التركمان علي مقعد واحد بنسبة 4%من مقاعد المجلس ،وحصل المسيحيون أيضا علي مقعد واحد [107]،وبدأت إدارة العراق وفقا لنظام المحاصصة الطائفية .

وبدأ العراق يشهد ظهور العديد من الأحزاب والحركات السياسية التي إختلفت في مشاربها فمنها ما كان موجودا في الخارج وهي التي إستطاعت الوصول للسلطة بعد سقوط النظام ،و منها ما كان موجودا بالداخل وهي الأضعف بإستثناء التيار الصدري ،ومنها قوي لديها نفوذ شعبي وتنظيمات حزبية هيكليه مثل حزب الدعوة ،والمجلس الأعلي الإسلامي، والحزب الإسلامي العراقي ،والأحزاب الكردية ،وظهرت قوي إستمدت قوتها من قياداتها وزعماتها مثل المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه أحمد الجلبي،أو حركة الوفاق العراقية التي تزعمها إياد علاوي ،وظهرت قوي جديدة علي الساحة السياسية مثل التيار الصدري ،وحزب الفضيلة، و هيئة علماء المسلمين[108].

وقد يرجع ظهور هذا العدد الكبير من الحركات السياسية إلي حالة الفراغ السياسي التي كانت تسود الساحة العراقية ،وكذلك حالة الحرمان التام من فرص العمل السياسي في ظل النظام السابق ،وكانت معظم هذه الأحزاب والحركات السياسية قائمة علي إعتبارات إثنية ومذهبية  فتعددت الأحزاب الكردية والتركمانية والشيعية والسنية والمسيحية وتعددت الأحزاب داخل كل جماعة إثنية ومذهبية بسبب الولاءات المحلية مثل الولاء للقبيلة أو العائلة أو المدينة ،وكان للعديد من هذه الأحزاب والحركات السياسية إرتباطات في الخارج،وكذلك فإن للأحزاب الرئيسية ميليشياتها الخاصة التي ساعدتها علي فرض برامجها بالقوة وتعزيز قدراتها علي التعبئة[109].

وجاء الإستفتاء علي الدستور ليؤكد أن الإنتماءات الإثنية والمذهبية باتت تحدد الموقف من العملية السياسية ،ففي حين وافقت المحافظات الشيعية والكردية علي هذا الدستور ،رفضته المحافظات السنية (أنظر الجدول رقم 3 في قائمة الملاحق)،ولكن تمت الموافقة علي الدستور نتيجة عدم وجود ثلاث محافظات قامت برفض الدستور بنسبة ثلثي سكان المحافظة،ولقد رفضت القوي السياسية السنية نتائج الإستفتاء واتهمت الحكومة بأنها قامت بالتزوير فيه .

وبعد إقرار الدستور تم الأخذ بنظام إنتخابي جديد وهو نظام الدائرة الواحدة ،فتم إعتبار العراق دائرة إنتخابية واحدة ،ورغم أن الهدف من هذا النظام هو تخفيف حدة الإنقسامات والصراعات بين الجماعات المختلفة داخل الدولة ،إلا أنه أدي من الناحية الواقعية في العراق إلي تفاقم الإختلافات والإنقسامات الإثنية والمذهبية وذلك للأسباب التالية :

1)وجود إختلافات ثقافية وجغرافية وإقتصادية بين المحافظات العراقية مما يؤدي إلي إختلاف المطالب والإحتياجات بين المحافظات العراقية .

2)إعتمد المرشحين علي إنتماءاتهم الأولية للوصول إلي البرلمان .

3)إفتقار العراق إلي تاريخ ثقافي طويل للديموقراطية قادر علي إحتواء التمايزات والفروقات الإثنية والمذهبية مما يمكن الناخب من إختيار الأكفأ بغض النظر عن إنتمائه الإثني والمذهبي.

4)في ظل حالة الخوف من الأخر كان من السهل أن يتم تأجيج هذا الخوف ودفع الناخبين لإختيار المرشحين الذين ينتمون إلي نفس جماعاتهم الإثنية والمذهبية رغبة منهم في الوصول للأمن [110]

ولقد أثبتت إنتخابات البرلمان العراقي في 15/12/2005 مدي الإنقسام الإثني الذي وصل إليه العراق فلقد إختار ما يقارب من 87%من الناخبين نوابهم علي أسس إثنية ومذهبية ،فلقد صوت الشيعة للأحزاب الشيعية ،والأكراد للأحزاب الكردية القومية ،والسنة العرب للأحزاب الدينية و والقومية السنية ،وصوت أقل من عشر سكان العراق للأحزاب التي تتخطي الخطوط الإثنية والدينية [111]

وعلي الرغم من أن الشيعة قد تمكنوا للمرة الأولي في تاريخ العراق من الفوز بعدد من مقاعد البرلمان يتناسب مع أغلبيتهم العددية ،إلا أنهم لم يتمكنوا من الفوز بأغلبية برلمانية تمكنهم من تشكيل حكومة بمفردهم ،مما أدي بالإئتلاف الشيعي العراقي الموحد (شيعي)والذي حصل علي أكثر عدد من المقاعد البرلمانية إلي الدخول في إئتلاف مع كل من التحالف الكردستاني وجبهة التوافق (سنية) من أجل تشكيل الحكومة العراقية ،ولكن تلك القوي الثلاثة لم تكن تملك نفس القيم أو البرامج المشتركة فلقد إحتاج الأمر لأكثر من أربعة أشهر لإختيار الرئيس ونائبين للرئيس ورئيسا للبرلمان ورئيسا للوزارة [112].

واستغرقت عملية توزيع المناصب الوزارية شهرا قبل أن يتم الإعلان عن تشكيلة تضم أسماء معروفة مذهبيا وإثنيا وحزبيا،و لكنها غير معروفة من حيث الكفاءة والتخصص وذلك لأن القوي المؤتلفة كانت تقدم أسماء مرشحيها ليختار منها رئيس الوزراء من غير أن تكون له القدرة علي إختيار أسماء بعينها ،فكان أن جاءت حكومة الوحدة الوطنية ضعيفة  منذ البداية وهذا ما أثبتته الأيام اللاحقة عن طريق الأداء السيئ لها علي مختلف المستويات، مما أدي إلي أن يعلن رئيس الوزراء عن رغبته في إجراء تعديل وزاري ،ولكنه لم يتمكن من القيام بذلك التغيير لأنه وهو يملك الصلاحيات الدستورية الواسعة لم يكن يتمتع عمليا بصلاحيات واسعة بسبب تكبيله بمقتضيات نظام المحاصصة الطائفية .

لقد أدي نظام المحاصصة الطائفية إلي تقسيم المناصب القيادية والنفوذ السياسي إستنادا إلي العامل الإثني والمذهبي وبالتالي إحتكار القوي الكردية والشيعية للمناصب القيادية وإعتبارها ملكا لها ،فكان الوزير بعد أن يتسلم وزارته يعتبرها جزءا تابعا لجماعته الإثنية أو الحزب الذي ينتمي إليه ،ولذلك فإن التعيينات والخدمات والأرباح تكون لصالح جماعته الإثنية فقط مما عزز الإنقسامات الإثنية والمذهبية أكثر في العراق [113]،خاصة وان العراق يفتقد إلي الثقافة السياسية المعتدلة القادرة علي التوصل إلي حلول وسط للخلافات السياسية وتسويات سلمية لها  يحتاجها أي نظام لتقاسم السلطة في العراق،فلو تغيرت الترتيبات السياسية لتقاسم السلطة القائم حاليا في العراق فإن القيادات الإثنية والمذهبية قد لا تكون مؤهلة لإعادة التفاوض والتوصل إلي تسويات سلمية، وهذا أمر وارد الحدوث في ظل تكون الحكومة العراقية من إئتلافات تعمل علي تحقيق الأجندة الخاصة بكل منها مما قد يؤدي إلي تضارب المصالح فلا يوجد إتفاق علي مشروع وطني موحد بين الأطراف الإثنية والمذهبية الأساسية في العراق وهي الشيعة والسنة والأكراد مع الأخذ بعين الإعتبار أن مواقف هذه الأطراف لا يمثل الموقف العام الجامع لكل الأفراد المنتمين لها ،فبإستثناء الموقف الكردي الأكثر تجانسا و الأكثر قدرة علي التوصل لجملة مطالب يتفاوضون من أجلها مع الأخرين، الذين هم أقل إنسجاما وأكثر تصارعا فيما بينهم مما يعطي الأكراد قوة تفاوضية أكبر وقوة لا تتمتع بها الجماعات الأخري خاصة في ظل الإستقرار السياسي والإقتصادي الذي تتمتع به مناطق الحكم الذاتي في كردستان و إمتلاك الأكراد القوة العسكرية المنظمة التي تمنحهم القدرة علي تغيير تحالفاتهم كلما رأوا أن ذلك يحقق مصالحهم و خير دليل علي هذا  أنه علي الرغم من أن تحالف الأكراد مع الشيعة بدأ منذ عام 2001 عندما ذهبت مجموعة من قيادات فيلق بدر إلي أربيل والسليمانية من أجل الطلب من القيادات الكردية السماح لفيلق بدر بفتح مكاتب له في مناطق الحكم الكردستاني ،وكذلك من أجل التعرف علي خطط الولايات المتحدة تجاه العراق ،وموقف الولايات المتحدة من المجلس الأعلي وعلي الرغم من موافقة الأكراد علي طلب فيلق بدر بإفتتاح مقرات له في كردستان وتحالفه مع المعارضة الشيعية من أجل إسقاط نظام صدام حسين ودخوله في تحالف مع قائمة الإئتلاف الشيعي بعد إنتخابات 2005 إلا أن الأكراد عندما رأوا أن غالبية القيادات الشيعية تشدد في كل مطالبها وبرامجها السياسية علي وحدة العراق شعروا بأن هناك تراجعا في مواقف بعض قيادات الإئتلاف الشيعي ورئيس الحكومة عن مواقفهم السابقة بدعم المطالب الكردية في كركوك مما دفع الأكراد إلي تغيير تحالفاتهم والإتجاه لصياغة تحالف جديد يجمع بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وبين الحزب الإسلامي (سني)وذلك في محاولة للضغط علي الحكومة.

إن نظام المحاصصة الطائفية  أدي إلي إضعاف السلطة المركزية وعدم قدرتها علي فرض نفوذها علي الجماعات والأقاليم المختلفة بالدولة،كما عجزت السلطة علي مواجهة التفاوت الإجتماعي والإقتصادي بين الجماعات الإثنية والمذهبية وتزايد عجز السلطة نتيجة عدم وجود حد أدني من الرضا والإتفاق بين الجماعات المختلفة في الدولة حول قيم وغايات المجتمع السياسي العراقي بعد الإحتلال  وإجراءات ووسائل تحقيقها ،وأصبحت الدولة عاجزه عن إيجاد آليات وإجراءات ومؤسسات سياسية قادرة علي تنظيم الصراع الإثني وحله بالطرق التوافقية مما أدي إلي أن تستخدم الأحزاب الطائفية آلياتها لحل هذه المشاكل والنزاعات بما يخدم مصالحها .

ولم يكن نظام المحاصصة الطائفية العامل الوحيد الذي أدي إلي إضعاف الدولة العراقية بعد الإحتلال الأمريكي ،ولكن هناك ثلاثة عوامل أخري ساهمت مع نظام المحاصصة الطائفية في إضعاف الدولة العراقية وهي :

 اولا :موقف السنة العرب من العملية السياسية والحكومة العراقية :-

بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين فقد السنة حاكما ينتمي لمجتمعهم ،وكان دائما يفضل الإستعانة بالسنة العرب خاصة المنتمين إلي المدن الصغيرة والقروية علي من سواهم من الجماعات الإثنية والمذهبية وجد السنة أنفسهم القوة الأضعف في عراق مابعد الإحتلال الأمريكي ،فلم يكن السنة العرب قادرين بما في ذلك الجماعات المعارضة التي كانت تعمل خارج العراق علي الإتحاد وتكوين جبهة قوية تمتلك قيادة موحدة قادرة علي إيصال مطالبهم والدفاع عن حقوقهم ،ولذلك شعر السنة أن الديموقراطية لن تكون في صالحهم في ظل الأوضاع السياسية السائدة في عراق ما بعد الإحتلال ،لأنهم لن يستطيعوا أبدا تكوين أغلبية إنتخابية بمفردهم وبالتالي سوف يتم تهميشهم وساعد في تنامي هذا الشعور لديهم السياسات التي تم إتباعها بعد الإحتلال مثل سياسة إجتثاث البعث وحل الجيش والشرطة والتي شعر السنة أنها موجهة ضدهم ،وأدت إلي أن يرفضوا العملية السياسية في بداية الأمر وأن يقاطعوها ويصفوها بعدم الشرعية ،ورأي السنة أن الحكومة العراقية تتعامل معهم بعدم عدالة وتسعي إلي حرمانهم من الخدمات والإحتياجات الأساسية مما أدي إلي قيام العديد من السنة العرب بتأييد المتطرفين السنة الذين يهاجمون قوات الأمن المكونة من غالبية شيعية، وأصبح الهدف الرئيسي للتمرد السني هو الرغبة في إشعار الأكراد والشيعة أن أي محاولة من قبلهم لحرمانهم من نصيبهم في موارد العراق لن يكتب لها النجاح [114]، ولذلك إعترض السنة علي الفيدرالية ورأوا أنها خطوة تمكن الأكراد والشيعة من الإستئثار بالثروة النفطية العراقية تحرمهم منها ،وثار خلاف شديد حول قانون النفط وتوزيع الثروة الطبيعية ،فالشيعة والأكراد رأوا أن العدل يقتضي توزيع عوائد الثروات النفطية وفقا لما تحويه أراضي الأقاليم من ثروات، مما يعني إعطاء الأقاليم أولوية علي حساب السلطة المركزية وهذا ما يرفضه السنة العرب الذين يتمسكون بتقوية المركز علي حساب الأقاليم و أن يكون له السلطة العليا في مسألة توزيع الثروات .

ثانيا :ضعف منظمات المجتمع المدني في العراق:

يرجع تاريخ المجتمع المدني في العراق إلي قوانين حمور آبي التي تضمنت مواد خاصة بأصحاب المهن مثل الأطباء والبياطرة والحلاقين والبنائين والملاحين وصناع السفن ،وكان المجتمع البابلي يتضمن أشكالا متعددة مما يمكن أن ندعوه بنقابات العمال وكانت العلاقات تنظم داخل هذه النقابات حسب القانون الذي سنه حمور آبي في مسلته، وفي العصور الإسلامية ظهرت في بغداد والكوفة والبصرة تسميات الأصناف وأهل المهن أو أهل الصنايع وظهرت ألقاب تنسب حاملها إلي مهنهم كالوراق والإسكافي، وهذا يبين شيوع ثقافة مدنية جعلت ذوي المهن يرتبطون بمهنهم أكثر من إرتباطهم بعشائرهم .

وبلغ عدد منظمات المجتمع المدني في العراق في نهاية الحقبة العثمانية إثني عشر جمعية أدبية وسياسية ،وكانت هناك حركة عمالية بدأت أول نشاطاتها بإضراب عام 1918 في البصرة وتعتبر الثورة العراقية الأولي والتي سميت بثورة النجف والتي ساهمت في إشعالها جمعية النهضة الإسلامية التي ترأسها محمد علي بحر العلوم لمواجهة الإحتلال العثماني أول عملية تعبئة للمجتمع المدني بهذه السعة [115]

وأدت رغبة النظام الأسبق في السيطرة علي جميع جوانب الحياة الإجتماعية إلي إحكام قبضته علي جميع مؤسسات المجتمع المدني ،مما أدي إلي أن تفقد هذه المنظمات فعاليتها وتصبح غير قادرة علي توحيد العراقيين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وإثنياتهم ،مما أدي إلي أن يلجأ العراقيين وخاصة في فترات الحصار الإقتصادي إلي إنتماءاتهم الأولية مثل العائلة والقبيلة والطائفة[116].

وعلي الرغم من أنه يوجد في العراق حاليا ما يقارب من ثلاثة آلاف منظمة غير حكومية ،إلا أنه لا يوجد منظمات مجتمع مدني قادرة اليوم في العراق علي التغلب علي الإختلافات الإثنية وأن تقوم بتجميع مصالح الجماعات الإثنية المختلفة وتوحيدها ،فلقد تحولت النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني بعد الإحتلال إلي نقابات تحفل بالتكتلات الطائفية والعشائرية لتحقيق السيطرة الإجتماعية ،هذا وتواجه عملية بناء المجتمع المدني في العراق حاليا تحديات كبري تمنعها من القيام بدورها، وتتمثل في غياب الدولة وإنهيار النظام العام والضعف الشديد لمنظمات المجتمع المدني التي يفتقر معظمها إلي الإستراتيجية الواضحة والهيكلية التنظيمية وألية العمل والخبرة ويمتلك عدد قليل منها تمويل ثابت ومستقل ولذلك فإن غالبيتها تفتقر للإستمرارية .[117]

ثالثا :المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية :

تمتلك القوي الإقليمية المجاورة للعراق قدرة كبيرة علي التأثير في الأمور داخل العراق نتيجة للتفاعل الإجتماعي والإرتباطات الدينية الممتدة عبر التاريخ والتي تخطت حدود الدولة الحديثة ولكن هذا لا ينفي أن الولايات المتحدة تحتفظ بالتأثير الأكبر في العراق ، وأهم القوي الخارجية التي تمتلك تأثيرا كبيرا في العراق هي :

ا- الولايات المتحدة الأمريكية :

يري العديد من المحللين السياسيين أن العنف في العراق يعودإلي سوء تخطيط الإدارة الأمريكية وإدارة الرئيس جورج بوش التي إهتمت بتحقيق الإنتصار وإحتلال العراق ولم تهتم بوضع إستراتيجية واضحة لمرحلة مابعد الحرب .

ولقد تجاهل صانعو السياسة الأمريكية حقيقة أن النزاعات الإثنية تقوي عادة بعد سقوط السلطة المركزية الشمولية مثلما حدث في الإتحاد السوفيتي السابق ويوغسلافيا، ولذلك فعندما اندلع العنف الإثني رأته الولايات المتحدة بانه جاء نتيجة للعديد من العوامل أهمها تأييد المقاومة السنية لنظام الرئيس صدام حسين وتعاطفها معه ،كما أرجعتها إلي الإختلافات الإثنية والمذهبية والتي كان النظام السابق يقوم بقمعها بقوة ولذلك فعندما سقط النظام إنطلقت هذه الإختلافات مرة أخري [118]

ومنذ بداية الإحتلال أخذت الولايات المتحدة بالتعامل مع العراق علي أنه مجموعة من الجماعات الإثنية وليس علي أنه شعبا موحدا ،وأصرت إدارة الإحتلال علي رصد الإنتماء الإثني و المذهبي لكل المتعاملين معها بإعتبار أن هذا الإنتماء هو المحدد الأساسي لهوية أولئك الأفراد و بهذه الطريقة ساهمت الولايات المتحدة إلي حد ما بتنامي الإحساس بأهمية الهوية الإثنية والمذهبية في حين كان الناس لا يرون في هذه الهوية شأنا كبيرا أو خطيرا .             

إن قرارات سلطة الإحتلال أدت إلي جعل المناخ ملائما للصراعات الداخلية والحرب الأهلية حيث أدت الهيمنة الشيعية والكردية علي مقدرات النظام السياسي وتهميش القوي السنية إلي تبني هذ القوي ممارسات إلتزمت في جوانب كثيرة منها بدعاوي مذهبية ،وزاد من خطورة الوضع دخول تنظيم القاعدة إلي العراق بعد الإحتلال وممارساته المذهبية الغير مبررة ،الأمر الذي عمق من خطورة الإنقسامات المذهبية والإثنية ،ورتب مناخا للصراع الداخلي يصعب إحتوائه في الفترة الحالية.

ولم تكن الولايات المتحدة تمتلك سياسة واضحة وثابتة في العراق ،فبعد أن ساعدت الشيعة للوصول إلي الحكم وقامت بإتخاذ العديد من الإجراءات لتهميش السنة بدأت السياسة الأمريكية وتحديدا بعد إجراء الإنتخابات البرلمانية في عام 2005 وتشكيل البرلمان العراقي بالتغير و بدأت الولايات المتحدة بالسعي لإشراك السنة بقوة في العملية السياسية مما إعتبره الشيعة محاولة لحرمانهم من ثمار إنتصارهم الإنتخابي ومحاولة لتحجيم قوتهم ،إن هذا الدعم الذي يقدم كاملا تارة للشيعة وتارة للسنة أدي إلي زيادة العنف الإثني ،كذلك سعت الولايات المتحدة إلي تقوية الأكراد علي حساب غيرهم من الجماعات الإثنية، فسعت إلي منحهم دورا سياسيا يفوق نسبتهم داخل المجتمع العراقي ،وكذلك عملت الولايات المتحدة إلي تقوية الأكراد علي حساب غيرهم من الجماعات الإثنية الموجودة في كركوك وسمحت بغلبة الطابع الكردي علي تشكيل المجلس المحلي لمدينة كركوك ،وأعلنت الإدارة المدنية الأنجلو-أمريكية للعراق عن رغبتها في توسيع نطاق كردستان العراق ،كما قامت بتخصيص ميزانية خاصة لإقليم كردستان[119]، ويري البعض أن إستمرار العنف المذهبي بين السنة والشيعة يصب في مصلحة الولايات المتحدة ،حيث سيلجأ كل طرف للولايات المتحدة ويسعي إلي أن تصبح قوة صانعة للسلام في العراق ،مما يساهم في إطالة تواجد الولايات المتحدة الأمريكية في العراق .

لقد قامت سلطات الإحتلال بكثير من الممارسات الخاطئة التي أدت إلي تعميق النزاعات الطائفية مثل إلغاء وزارة الدفاع وحل الجيش علي الرغم من ان الجيش في الدول ذات التعددية الإثنية هو العمود الفقري لبنيتها السياسية والإجتماعية ،وحل أجهزة الشرطة والأمن كمظهر لإلغاء سيادة الدولة مما أدي إلي خلق الفوضي وتزايد معدل الجريمة وإنهيار النظام العام ،وبدأت عمليات نهب واسعة دون أن تستطيع الولايات المتحدة وضع خطة مناسبة لحفظ النظام مما أدي إلي تزايد العنف .

إن الولايات المتحدة في جميع السياسات التي إتبعتها في العراق لم تراعي خصوصية البيئة العراقية ،وحاولت تطبيق سياسات مستوردة من الخارج لا تتناسب مع الحالة العراقية التي تحتاج إلي وضع سياسات خاصة بها كما تحتاج أن تطبق هذه السياسات علي مراحل متدرجة وليس بطريقة مفاجئة .

ب-إيران :

ترتب علي القضاء علي حركة طالبان وإسقاط النظام العراقي الأسبق تصاعد الدور الإيراني الإقليمي ،وأصبحت إيران تشعر أنها القوة الإقليمية المؤهلة لقيادة هذا الجزء من العالم خاصة في ظل ما أثير عن قدراتها النووية .

وبعد سقوط النظام الأسبق كانت إيران أول دولة في العالم تبعث وفدا رسميا لبغداد للتفاوض مع مجلس الحكم في العراق ،كما قدمت دعما ماديا للعراق وعرضت علي العراقيين أن تساعدهم في إصلاح البنية التحتية العراقية في مجالي الطاقة والكهرباء، وبدأ توافد الإيرانيون لزيارة الأماكن المقدسة ،وإزدادت حركة التجارة بين البلدين ،وقام الزوار الإيرانيون الذين يأتون لزيارة النجف وكربلاء بإستثمار أموالهم في مجالات بيع الأراضي والبناء والسياحة وغزت البضائع الإيرانية جنوب العراق[120].

وأصبحت السياسة الإيرانية تجاه العراق تهدف إلي ضمان عدم قدرة العراق علي  أن يصبح مصدر خطر أو تهديد لإيران مرة أخري ،ولذلك سعت إيران إلي خلق حكومة عراقية مركزية صديقة لإيران تكون قوية بما فيه الكفاية للحفاظ علي وحدة العراق ،ولكنها في نفس الوقت يجب أن تكون ضعيفة لدرجة لا تستطيع معها أن تشكل خطرا علي إيران ،فهناك العديد من المخاوف التي تحكم السياسية الإيرانية تجاه العراق أهمها :

1)أن العراق يعد المركز الشيعي الأول في العالم ،حيث أن النجف ومنذ قرون عديدة تعد مركز التعليم الشيعي الأول ،وتوجد المقدسات الدينية  الشيعية الأهم في العراق ولكن قمع الرئيس صدام حسين للمجتمع الشيعي الذي تزامن مع الثورة الإسلامية الإيرانية جعل مدينة قم الإيرانية هي المركز الأول للإسلام الشيعي ،وتعتمد الحكومة الإيرانية في شرعيتها علي مكانة قم التي هي وطن الكثير من رجال الشيعة البارزين ،ومن ثم فإن إحياء مكانة النجف الدينية سيهدد هذه المكانة .

2)إن إنشاء حكومة إسلامية عراقية شيعية مخالفة للنمط السائد في إيران سيقدم نوذجا يمكن الإحتذاء به قد يرغب الشعب الإيراني بتطبيقه .

3) إن إستقرار الأوضاع في العراق قد يؤدي إلي أن تصبح إيران أكثر قابلية لأن تمارس الولايات المتحدة المزيد من الضغوط عليها ، أو أن تستخدم الولايات المتحدة الأراضي العراقية لكي تشن هجوما مسلحا علي إيران لتغيير النظام القائم فيها [121]

4) هناك قلق إيراني من النتائج الإقتصادية لعودة العراق الغني بالنفط إلي السوق النفطي ومنظمة أوبك كمنتج كبير، وليس مقيدا بحصص الإنتاج ولا بإلتزامات سياسية تجاه جيرانه ،وقد تؤدي صادرات العراق الغير مقيدة إلي تعرض إيران للخسارة إذا أدي التصرف العراقي إلي خفض الأسعار ،كما أن النفوذ الإيراني سيتعرض لضربة قاسية إذا برز العراق كأحد المنتجين الرئيسين في منظمة أوبك ،فالعراق فور تعزيز طاقاته الإنتاجية وفي ظل إحتياطاته الضخمة سيتمكن بسهولة من التحكم في أسعار النفط وكذلك يستطيع أن يصبح المنتج الرئيسي داخل أوبك بدلا من إيران .[122]

هذا وتتنوع الوسائل التي تستخدمها إيران لمد نفوذها في العراق، فهناك الوسائل الإعلامية والتي تشمل إذاعة وقناة تلفزيونية إيرانيتين يمكن إستقبالهما أرضيا في العراق وقد كانت هذه القناة في بداية الإحتلال المصدر الأوحد للأخبار في ظل توقف التلفاز الحكومي عن البث .

وتمارس المنظمات الإيرانية الخيرية دورا ملحوظا في تمويل المستشفيات، والمؤسسات الإجتماعية ،والمساجد وملاجئ الأيتام ،كما تقدم خدمات إجتماعية أخري ،وأبرز هذه المنظمات مؤسسة المستضعفين ومؤسسة الإمام الرضا (أنظر الجدول رقم 4 في قائمة الملاحق)،كما إستخدمت إيران الهلال الأحمر كواجهة تستطيع من خلالها منظمة القدس تأسيس خلايا مسلحة في جنوب العراق ،وعلي الرغم من إستخدام هذه المؤسسات كستار تمارس من ورائه المخابرات الإيرانية نشاطاتها في العراق، إلا أن تلك المؤسسات تمكنت من زيادة النفوذ الإيراني في العراق حيث أن الدعم المقدم إلي المدارس والمساجد ومراكز توزيع الطعام والمؤسسات الصحية وبناء المساكن للفقراء جذب قطاعا ت كبيرة من المواطنين العراقيين لهذه المنظمات .[123]

ولم تكتفي إيران بحلفائها من الجماعات الشيعية في العراق،ولكنها قامت أيضا كما تشير المصادر الإستخباراتية بتخصيص وحدة من قوات القدس الإيرانية لتقديم الدعم للمقاومة السنية ،وتقدم إيران لهم الأسلحة والأموال لإطالة حالة الفوضي داخل العراق ، وقد كشفت المعلومات التي أفاد بها عدد من أفراد المقاومة السنية الذين تم إعتقالهم أن دخولهم  إلي العراق تم عن طريق منظمة بدر التي تزودهم بمنازل آمنة ،ويوجد في إيران حاليا أعضاءا كبارا من تنظيم القاعدة بعد سقوط طالبان مثل نجل أسامة بن لادن ،وهناك تقارير من المخابرات الأمريكية أن أبو مصعب الزرقاوي تم القبض عليه في إيران بعد لقائه مع القائد العسكري للقاعدة سيف العدل في منزل شرق طهران تم فيه التخطيط للنشاطات المستقبلية في العراق ،وقد قامت إيران بإطلاق سراحه بعد أن قامت بإعتقاله فترة من الوقت وسمحت له بالتوجه إلي العراق ،هذا وقد أكد العقيد فاضل الدليمي سكرتير مجلس إنقاذ الأنبار أن قوات العشائر عثرت علي كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات صنعت في إيران ،كما إكتشفوا طريقا يصل طوله إلي 200 كم تستخدمه الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة في إدامة مجهودها يمتد من الرمادي إلي إيران عبر بلديات تابعة لمحافظة ديالي مرورا بمحور سامراء-الثرثار- الإسحاقي.[124]

وخوفا من النفوذ الإيراني المتزايد في العراق قامت إسرائيل بتزويد قوات الشرطة الكردية بتقنيات حديثة لمراقبة الحدود، وقامت بتدريبهم علي كيفية إستخدام هذه المعدات ،كما قامت بتدريب قوات كوماندوز كردية تدريبا عاليا كي تقوم بذات المهمة وتشارك في مراقبة الحدود العراقية مع إيران وسوريا ،هذا ويقوم الإسرائيليون حاليا بتدريب قوات البشمركة الكردية ليكونوا أكثر تفوقا و قوة من القوات العسكرية العراقية الأخري سواء السنية أو الشيعية ،وهذا التعاون الكردي –الإسرائيلي ليس بجديد ولكنه يعود إلي العام 1943 واستمر حتي اليوم وكانت هذه العلاقة تقوم علي أن يقدم الأكراد معلومات عن وضع القوات والجيش العراقي ومعلومات عن الوضع العام في العراق ،مقابل قيام إسرائيل بإمداد الحركة الكردية الساعية للإستقلال عن المركز بالسلاح والمال ،وقد حكمت المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولي طبيعة العلاقة بين الطرفين بحيث كان الدور الكردي يرتبط بما تمليه عليه السياسة والمصلحة الإسرائيلية ،مما قد يؤدي إلي خطورة إندلاع حرب أهلية شاملة في العراق إن إستخدمت إسرائيل الأكراد لضرب النفوذ الإيراني في العراق عن طريق شن حربا ضد الشيعة العراقيين [125]

ج- تركيا :

إن الإهتمام التركي بالعراق أمر قديم وهناك العديد من الأسباب التي أدت إلي تزايد هذا الإهتمام:

1)إن منطقة الموصل –كركوك الواقعة الأن ضمن حدود الجمهورية العراقية ،كانت ضمن خريطة تركيا التي أقرها البرلمان التركي في جلسة سرية بتاريخ 28/1/1920 في إسطنبول ، و إضطر الأتراك للتخلي عنها لصالح العراق نتيجة للضغوط البريطانية عليهم ،ولكن الأتراك لا زالوا حتي الأن يرون أن الموصل هي جزء من لواء الإسكندرونه ولابد أي يعود يوما ما لتركيا[126].

2)إن تركيا بلد غير نفطي وتشكل الفاتورة النفطية عبئا ثقيلا علي الخزينة التركية ،ولذلك فمن مصلحة تركيا ان  يكون لها دورا مؤثرا في العراق يمكنها من أن تضمن تدفق البترول العراقي عليها بأسعار مناسبة وبطرق دفع لا ترهق الخزينة التركية .

3)تعد تركيا نفسها مسئولة عن تركمان العراق بحكم روابطهم العرقية معها ،وإستخدام الأقليات ذات الأصل التركي في الدول المجاورة لتركيا يمثل سياسة تركية ثابته ،وتساعد حالة التفكك العراقية الحالية الأتراك علي المراهنة علي الأقلية التركمانية كورقة ضغط تستخدمها تركيا عند الضرورة

ومنذ الثمانينات بدأت تظهر في المنفي في  تركيا جمعيات ومنظمات ثقافية لتركمان العراق بدعم ومساندة جهات تركية عديدة ،وبعد إقامة مناطق الحكم الكردستاني في شمال العراق فإن وزارة الخارجية التركية أعلنت بأنها لن تقبل بإقامة نظام جديد في العراق يتحيز ضد أي جماعة وخصوصا التركمان ،هذا ويري البعض أن تركيا تستخدم تركمان العراق من أجل تحقيق مصلحتها السياسية ،حيث انها لم تحرك ساكنا أمام المظالم التي تعرض لها التركمان في خلال سنوات حكم النظام السابق ،ومحاولات النظام مسح هويتهم القومية في الوقت الذي كانت فيه العلاقات الإقتصادية والسياسية جيدة مع حكومة بغداد .

وعلي الرغم من أن الجبهة التركمانية لم يكن لها دورا ضمن جبهة المعارضة العراقية التي كانت واشنطن تدعم معظم أطرافها، إلا أن الضغوط التركية علي الإدارة الأمريكية في خلال فترة ماقبل الحرب دفعت واشنطن لأن تضغط علي الأكراد خاصة الحزب الديموقراطي الكردستاني للموافقة علي أن يكون للجبهة التركمانية دورا في العملية السياسية آنذاك ،وتري العديد من القوي العراقية خاصة الكردية أن تركيا تهدف إلي إستخدام التركمان كورقة ضغط علي الأكراد وعلي الحكومة المركزية في بغداد .

وتخشي تركيا من تأثير تفكك الدولة العراقية علي الأمن القومي التركي، ولذلك فإنها تؤيد إستمرار العراق الموحد،حيث أن تقسيم العراق قد يؤدي إلي تقسيم الدول المجاورة له،ولكن تركيا ترفض أن يكون العراق الموحد قويا بدرجة تمكنه أن يشكل خطرا عليها في المستقبل ،وكذلك تخشي تركيا من تنامي نفوذ الأكراد في العراق ،وترفض إقامة دولة كردية مستقلة قد تشجع أكراد تركيا بمحاولة القيام بخطوة مماثلة ،ولهذا فإن تركيا ترفض سيطرة الأكراد علي مدينة كركوك النفطية ،ولقد أعلنت تركيا علي لسان الممثل الخاص لها في العراق عثمان كوردوتوك أن تركيا ونتيجة للوضع الأمني المتأزم في مدينة كركوك فإنها قد تطالب بتدويل هذه المشكلة لأنها لا تعد شأنا داخليا عراقيا فقط ،بل إن تأثيرها يتعدي العراق إلي دول الجوار.[127]

ثالثا :الدافع الجغرافي والبيئي :-

لا يعاني العراق من مشكلة التنوع الإثني والمذهبي فقط ،ولكنه يعاني كذلك من مشكلة عدم التكامل الإقليمي ،فالجماعات الإثنية والمذهبية في العراق تتركز في مناطق جغرافية بعينها فالأكراد يتركزون في شمال العراق ،كما يوجد عدد محدود من الأكراد يعملون ويقيمون في بغداد ولكنهم لا زالوا محتفظين بهويتهم الكردية ،أما الشيعة فإنهم يتركزون في الأقاليم الجنوبية و يتركز السنة العرب في الوسط وفي شمال العراق ،وتزداد خطورة مشكلة عدم التكامل الإقليمي في العراق كون هذه الجماعات والتي لدي بعضها نزعات إنفصالية قوية تعيش في مناطق ذات أهمية حيوية للعراق من الناحية الإقتصادية النفطية (الموصل-كركوك) حيث يوجد 40% من ثروة العراق النفطية في الشمال مما يساعد الأكراد علي أن يهددوا الإقتصاد العراقي أن أرادوا وكذلك فإن الأقاليم الكردية تحتوي علي أكثر من نصف كمية الغاز الطبيعي الذي تمتلكه العراق ، كما أن أنابيب تصدير النفط العراقي تمر عبر الأراضي الكردية ،وكذلك يساهم الجنوب بأكثر من نصف إنتاج العراق من النفط ،فأغلب إنتاج النفط يأتي من حقل الرميلة أكبر حقل نفطي منتج في الجنوب ويتكون هذا الحقل من 663 بئر نفطي منتج ،هذا ويتركز الإحتياطي النفطي العراقي في منطقتين رئيسيتين هما في الشمال في وحول كركوك،وفي الجنوب في وحول البصرة وأم قصرمما أدي إلي نشوء صراع للسيطرة علي الأقاليم التي تنعم بثروات نفطية.

ومما يزيد من خطورة مشكلة عدم التكامل الإقليمي في العراق أن الجماعات الإثنية في العراق تتواجد علي الحدود مع إيران وتركيا مما يجعلها تشكل تهديدا قويا للأمن القومي العراقي.[128]

وساعدت جغرافية العراق في تعميق مشكلة عدم التكامل الإقليمي ،فأغلب الأكراد علي سبيل المثال يعيشون في الجبال مما يجعل هناك صعوبة في التفاعل بينهم وبين غيرهم من سكان العراق ،وجعل الروح القومية تزدهر لديهم وتصبح قوية لا يضاهيها أي هوية أخري وبث الإنعزال في الجبال روح التعصب لهذه القومية وجعلهم ينقادون فقط لزعمائهم ،وأدت الظروف المناخية القاسية إلي أن يصبح الأكراد أكثر قسوة لا يرحمون خصومهم ،وأصبح الأخذ بالثأر وحب الإنتقام من القيم الأساسية التي تسيطر علي سلوك الأكراد،وقد حمت الجبال الأكراد وصانتهم من الغزوات ،وأهلتهم لحياة قاسية ميزتهم عن باقي سكان العراق وساعدتهم علي شن حروب العصابات .[129]

هذا وتتميز منطقة كردستان بتعدد المحاصيل المزروعة فيها نتيجة لوفرة مياه الأنهار والجداول وكذلك تكثر فيها المراعي الطبيعية مما يجعلها في حالة إن استطاع الأكراد ضم كركوك لها أن يصبح لديها حالة إكتفاء ذاتي مما قد يمكن الأكراد من إقامة دولتهم في المستقبل.

وقد أدت الظروف المناخية القاسية وإرتفاع درجة الحرارة إلي إرتفاع في معدل التبخر مما يزيد من ملوحة التربة ويمنع الزراعة في بعض المناطق العراقية ،مما يجعل هناك خوف لدي الجماعات الإثنية التي تعيش في تلك المناطق من إستمرار حصولها علي الغذاء في حالة قيام حرب أهلية أو نزاع بينها وبين الجماعات الإثنية التي تعيش في الأراضي الزراعية الخصبة .

إن جغرافية العراق وإمكانية الوصول للمياة من المشاكل الهامة التي تشكل تهديدا حقيقيا لأمن العراق ف75%من واردات العراق المائية تأتيه من خارج حدوده ،إذ أن مايقارب 68% من مياه نهر دجلة و88%من مياه نهر الفرات تتكون خارج الأراضي العراقية ،ويهدد إحتجاز كميات كبيرة منها من جانب تركيا معيشة ملايين المواطنين ولقد إستمر الأتراك في بناء مشروعات مائية في سياق حزمة متكاملة من  السدود والخزانات لتعزيز قوة تركيا وتفوقها بالإعتماد علي مصادر المياه وذلك بغرض مقايضة المياه بالنفط العراقي ،كما أن تحكم تركيا في 75% من واردات العراق المائية يؤدي إلي أن يصبح لتركيا نفوذا قويا تستطيع أن تؤثر به علي أي حكومة عراقية ويمكنها من الضغط عليها لتحقيق مصالح الأقلية التركمانية العراقية ،لقد أدت المشاريع المائية التركية إلي خفض كمية المياه التي تصل إلي العراق من 29 مليار متر مكعب إلي 13مليار متر مكعب مما سيؤدي إلي خفض المساحات المزروعة في العراق بنسبة 75%[130]ويشكل تلوث البيئة العراقية تحديا أخر ،فلقد تلوثت البيئة العراقية بالإشعاعات النووية بعد حرب الخليج عام 1991 نتيجة لإستخدام كميات كبيرة من اليورانيوم المخضب مما أدي إلي إنتشار الأمراض الخطيرة وخاصة في البصرة لقربها من ساحة العمليات[131].

ويعاني العديد من سكان العراق من تلوث مياه الشرب ،حيث أنهم يعتمدون علي مياه الأنهار وقنوات السقي والأبار كمصدر لمياه الشرب ،والكثير من تلك المصادر ملوثة بمخلفات الحيوانات،ونتيجة لسنوات الحصار الإقتصادي والحروب وتدمير العديد من البني التحتية،فإن مشاريع تنقية المياه في المناطق الحضرية لا يتم تشغيلها إلا بحدود 40-50% من طاقتها الإنتاجية [132]

وتعاني غالبية محطات تنقية الصرف الصحي من الأعطال مما يؤدي إلي إختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب ،كما تؤدي إلي طفح المياه القذرة في الأحياء السكنية مما يؤدي إلي إنتشار الأمراض والأوبئة في هذه المناطق .

ولم تتحسن الأوضاع بعد الإحتلال وبقي تسرب مياه المجاري إلي الأنهار نتيجة لعدم إصلاح شبكات المجاري مما أدي إلي إنتشار العديد من الأمراض الخطيرة بين العراقيين والتي عجز الكثير منهم عن تحمل تكاليف علاجها  ،ومع عدم إستطاعة الدولة مد يد العون لهم إضطر هؤلاء للرجوع للإنتماءات الأولية للحصول علي المساعدات التي يحتاجونها ،بل أن البعض أجبر علي الإنضمام لصفوف الإرهابيين لتوفير المال اللازم من أجل الدواء.

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني:

الدوافع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والنفسية :-

يتناول هذا المبحث الدوافع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والنفسية التي قد تدفع الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق إلي تهديد الأمن القومي وذلك علي النحو التالي:-

أ-الدوافع الإقتصادية :

منذ عصر الإمبراطورية العثمانية والإقتصاد العراقي يخضع تماما لسيطرة وهيمنة الدولة ،ومنذ عهد حكومات الإنتداب البريطاني وحتي حكم البعث وحكم الرئيس الأسبق صدام حسين وهذه الحكومات علي الرغم من إختلافاتها الأيديولوجية إلا أنها جميعها كانت تسعي لتحقيق هدف عام هو ضبط الأسعار والسيطرة الكاملة علي الإقتصاد ،وعلي الرغم من سيطرة الحكومة علي الإقتصاد وتحكمها فيه إلا أن العراق وحتي الحرب العراقية –الإيرانية كان يعد واحدا من أقوي إقتصاديات المنطقة فإلي جانب البترول الذي كان يعد المصدر الأول لتوفير العملات الأجنبية كان هناك قطاع صناعي قوي يسهم ب8% من إجمالي الناتج القومي ،وقطاع زراعي يساهم ب 12% من إجمالي الناتج القومي [133].

وكان لدي العراق نظام مواصلات متطور وبنية تحتية قوية ،وكان في العراق طبقة متوسطة متحضرة ومتعلمة جيدًا إستفادت من تزايد عائدات النفط، ولكن الحرب العراقية الإيرانية أدت إلي بدء التدهور في حالة الإقتصاد العراقي، فأدت إلي حرمان العراق من العمالة المدنية الماهرة وأدت إلي مشاكل في المواصلات ودمرت العديد من المشروعات الإنتاجية ،وأدت إلي أن تهجر الحكومة خطط التنمية  ،وعلي الرغم من النتائج المأساوية التي نتجت عن الحرب العراقية –الإيرانية ،إلا أن تأثير الحصار الإقتصادي الذي فرض علي العراق وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 661بعد غزو الكويت عام 1990-وشمل حظراعلي التجارة مع العراق، وحظرا علي تصدير النفط، وتجميد أرصدة العراق المالية في الخارج،وإحكام  الحصار البحري والجوي علي العراق كان أشد قسوة ،إذ كان له العديد من النتائج المدمرة وأهمها:

1)أدي الحصار الإقتصادي وفقا لتقارير منظمة الفاو إلي وفاة أكثر من مليون عراقي كنتيجة مباشرة للعقوبات ،وفي يناير 2002 أبلغ العراق الأمم المتحدة أن 6،1 مليون عراقي توفوا بأمراض تعذر علاجها بسبب الحصار وتزايدت نسبة الوفيات بين الأطفال المواليد بنسبة 330%

مقارنة بالسنوات السابقة ،وكذلك الأطفال الذين هم تحت سن الخامسة بنسبة 380%[134].

2)أدي الحصار إلي خسائر مقدارها 850 مليون دولار في قطاع الزراعة ،وأدي إلي خسارة في مجال الإسكان تبلغ 666مليون دولار ،وفي مجال الكهرباء 62 مليون دولار ،وفي قطاع الإتصالات والمواصلات 454 مليون دولار ،وفي قطاع التعليم 400 مليون دولار،وفي مجال الصحة 385مليون دولار .[135]

3)أدي الحصار إلي  تناقص النقد الأجنبي في العراق ،وإنخفاض قيمة العملة العراقية ،وتم منع العراق من إستيراد الألات الضرورية في جميع المجالات .

4)أدي الحصار الإقتصادي إلي تضاعف أسعار السلع ،وإنهيار الدخل الفردي ،وأصبح أغلب العراقيون يعانون بشدة من عدم مقدرتهم علي شراء الغذاء، علي الرغم من أن شراء الطعام كان يستنفذ أغلب دخل العراقيين .

5)ادي غياب الأنشطة الإقتصادية إلي البطالة والفقر بين قطاعات كبيرة من السكان .

6)أدي الحصار إلي أن تشعر الطبقة المتوسطة بمعاناة شديدة ،وإضطر العديد منهم إلي بيع محتويات بيوتهم وممتلكاتهم ،مما أدي زيادة إعتماد العراقيين علي الصلات الإثنية والمذهبية من أجل الحصول علي المساعدات التي تمكنهم من العيش .

لقد أدي الحصار الإقتصادي إلي أن تقوم الحكومة بإجراءات صارمة كي تستطيع توفير الغذاء إلي مواطنيها، وإتبعت برنامجا غذائيًا كان يجبر المزارعين علي أن يبيعوا محصولهم الزراعي بالكامل من القمح،والشعير،والذرة، وزهرة عباد الشمس للحكومة وفقًا لأسعار محددة ،ومع ذلك فإن إسهام القطاع الزراعي كان محدودًا نتيجة لتأثر هذا القطاع بغياب الآلات والمواد اللازمة للزراعة نتيجة للحصار الذي أثر أيضًا علي إمكانية إستصلاح الأراضي الجديدة ،وعلي الرغم من صعوبة الحصار الإقتصادي إلا أن الحكومة ساهمت في تفاقم هذه الصعوبة نتيجة لحرمانها بعض الجماعات  من الحصول علي بعض المزايا والمنافع الإقتصادية التي كانت متوفرة رغم الحصار ،وكان يتم توزيع الموارد النادرة مثل الدقيق والأرز والزيت والسكر والشاي وحليب الأطفال وفقًا لحصص شهرية ووفقا لأسعارها قبل الحصار لأنصار النظام ،وتم تعريض الأكراد والشيعة إلي حصار داخلي[136]،وكذلك تعرضت مدينة الصدر للحرمان بسبب المذهب ،فهذه المدينة حرمت من الإستفادة من الطفرة النفطي في الفترة مابين 1970-1980،وخصصت لها موارد قليلة لا تكفي لبناء البنية التحتية أو تكفي لتقديم الخدمات العامة ،حيث كان النظام ينظر لسكان هذه المدينة بعين الإرتياب ،ولقد عانت هذه المدينة أكثر من غيرها خلال الحصار الإقتصادي وإزدادت الأمية والأمراض بين أطفال هذه المدينة دون غيرها ،وتنتشر في هذه المدينة العشش والأكواخ وبيوت الصفيح والبطالة و تعاني المدينة من القصور البالغ في خدمات الصرف الصحي والمياه النقية والمواصلات[137].

وشهدت المحافظات العراقية تفاوتات في مستويات التنمية خلال العقود الماضية،فإستأثرت مناطق تركز العرب السنة بمعظم المشروعات الإنمائية ،فعلي سبيل المثال فإن مشروع دجلة-الفرات الذي إكتمل عام 1976 خدم بالإساس مناطق الزراعة في الأراضي العربية السنية شمال بغداد،وأدت التفاوتات التنموية الإقتصادية إلي تجزئة أسواق العمل وأنتجت العديد من المحافظات التي أعتبرت طاردة لسكانها وتأتي في المقدمة منها المحافظات الجنوبية الثلاثة البصرة ،ميسان ذي قار (أنظر الجدولين رقم 5،6 في قائمة الملاحق)،وأعتبرت المحافظات الحدودية مع إيران محافظات طاردة لسكانها ،ويشير تقرير التنمية البشرية في العراق الصادر عام 1998 أن المحافظات التي شهدت تراجعا في عدد سكانها في الأغلب محافظات زراعية [138]، ولقد أدت السنوات الطويلة من الحروب والحصار إلي أن يقع العراق تحت طائلة الديون الخارجية التي أصبحت تقارب 300 مليار دولار ،علي الرغم من أنه كان يمتلك إحتياطيًا ضخمًا من العملات الأجنبية يبلغ 35 بليون دولار قبل عام 1980[139]،وعندما جاء الإحتلال تسلم إقتصادًا فقيرًا ذو إمكانيات وقدرات قليلة ويعاني من تدمير بنيته التحتية المادية والصناعية بسبب الحرب والحصار،وعلي الرغم من هذه الظروف الإقتصادية السيئة إلا أن قوات التحالف قامت بزيادة هذه الصعوبات وإتبعت سياسات أدت إلي إذكاء الإنقسامات الإثنية والمذهبية ،ولا تتلاءم هذه السياسات مع البيئة الإقتصادية والإجتماعية العراقية ،أهم هذه السياسات التي حاولت الولايات المتحدة إتباعها في العراق هي الإنتقال من الإقتصاد الموجه الذي تسيطر الدولة علي جميع مكوناته والذي دام لقرن من الزمان إلي إقتصاد السوق وخصخصة الإقتصاد في فترة سريعة ودون إعداد الظروف الملائمة لهذا التحول مما أدي إلي العديد من المشاكل التي زادت حدتها بقراري حل الجيش والشرطة ووزارات الأوقاف والإعلام وكذلك قرار إجتثاث البعث ،ومن أهم و أخطر هذه المشاكل :

أ-البطالة :نتج عن قراري حل الجيش وإجتثاث البعث إالي إرتفاع نسبة البطالة من 16،8% خلال فترة الحصار الإقتصادي إلي ما يقارب 40% حاليًا [140]،مما خلق جيشًا من العاطلين فقدوا الموارد المالية الكافية لمعيشة عوائلهم مما زاد من إلتحاق بعضهم بالجماعات المسلحة كي يستطيعوا إعالة عوائلهم خاصة وأن بعض هؤلاء لم يكن يجيد أي مهنة سوي مهنة القتال ،كما إضطر العديد من الموظفين الذين تم فصلهم لإجبار أطفالهم علي ترك الدراسة والعمل لمعاونة أسرهم ،كما أدي قانون إجتثاث البعث إلي حرمان الإقتصاد العراقي من خدمات العمالة المؤهلة التي تستطيع إدارة البلاد مما زاد من عدم الإستقرار علي الرغم من إن إنضمام الكثير منهم لحزب البعث كان بهدف الحصول علي وظيفة فقط ،حيث أن الحصول علي أي وظيفة في عهد النظام السابق كان يتطلب الإنضمام لحزب البعث ،ولقد حاولت قوات الإحتلال عام 2004إعادة بعض البعثيين السابقين إلي وظائفهم ولكنهم وجدوا بعد عودتهم إلي العمل  أن زملاؤهم من الشيعة والأكراد يحصلون علي أجور أكثر منهم بكثير ،وأنهم يتمتعون بمزايا أكثر منهم مما جعل بعضهم ينضم إلي ممارسة العنف الإثني الدائر في العراق[141]

ونتيجة لسوء الأوضاع الأمنية في العراق قلت فرص الإستثمار مما جعل توافر فرص الحصول علي عمل قليلة جدا ،وإزدادت المشكلة تعقيدًا نتيجة لقيام سلطات الإحتلال بإعطاء عقود إعادة البناء والتعمير إلي الشركات الأمريكية الكبري التي قامت بالإعتماد علي العمالة الأجنبية في تنفيذ هذه العقود.

ب- الفقر :أفادت العديد من التقارير أن عدد العراقيين الذين يعيشون تحت خط الفقر إزداد بعد سقوط النظام السابق علي نحو واسع النطاق ،وأظهرت هذه التقارير أن هناك مليوني عائلة عراقية تعيش تحت خط الفقر وفقًا للمعايير الدولية التي تحدد خط الفقر بحصول الفرد علي دخل قدره دولار واحد يوميًا ،وتبلغ نسبة هؤلاء 54% من إجمالي عدد السكان [142]

وفي دراسة بعنوان خارطة الحرمان ومستويات المعيشة في العراق أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي –مكتب العراق وجد أن منطقة بغداد هي الأقل حرمانًا في ما يخص مستويات المعيشة بوجه عام (20,3%) من الأسر المحرومة ،تليها المنطقة الشمالية (23,9%)،فالمنطقة الوسطي (30,5%)،وأخيرًا المنطقة الجنوبية (42,9%) التي تعاني من درجة عالية من الحرمان سواء  في حضرها أو ريفها[143].(أنظر الجدول رقم 7 في قائمة الملاحق )

ونتيجة للبطالة والفقر وزيادة أسعار المواد الغذائية والإحتياجات الضرورية منذ تطبيق سياسات الأسواق الحرة ،فإن هناك 11 مليون عراقي يعانون من عدم الأمن الغذائي الذي يقصد به"إستطاعة الجميع في كل الأوقات الحصول علي الغذاء الأساسي "[144].

وتفاقمت مشكلة الغذاء في العراق نتيجة خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج جراء عمليات تملح التربة ،ونتيجة للحرب الأمريكية علي العراق التي أدت إلي تدمير مساحات كبييرة من الأراضي الصالحة للزراعة ،و أثرت علي نوعية الإنتاج الزراعي المستقبلي نتيجة تلوث الأراضي الزراعية بالإشعاعات نتيجة لإستخدام الأسلحة الإشعاعية .

ولم يكن الفشل في توفير الغذاء للسكان هو الفشل الوحيد الذي لاقته الولايات المتحدة والحكومة العراقية ،فلقد فشلوا أيضا في توفير الخدمات الضرورية من ماء وكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية ،فعلي الرغم من إنتهاء الحصار الإقتصادي وملايين الدولارات التي منحت للشركات الأمريكية لإعادة بناء البنية الأساسية إلا أن هذه الخدمات أصبحت أكثر سوءًا ،وتعاني جميع المحافظات العراقية من إنقطاع الكهرباء لفترات طويلة نتيجة لعدم قدرة محطات الكهرباء العراقية علي إنتاج الطاقة الكهربائية التي تحتاجها البلاد،فهذه المحطات تنتج خمسة آلاف ميغاوات يوميا بينما تحتاج البلاد إلي 5،9 ألف ميغاوات يوميا (أنظر الشكلين رقم 1ورقم 2في قائمة الملاحق) [145].

وعلي الرغم من محاولة السلطات إصلاح المنظومة الكهربائية لكن زيادة الطلب علي الكهرباء والعنف والفساد أدوا إلي عرقلة هذه المحاولات، مما أدي إلي زيادة  التذمر بين المواطنين وزيادة حالة عدم الثقة لديهم في قدرة الحكومة علي توفير الخدمات الأساسية .

ب-الدوافع الإجتماعية :-

يعتبر العراق من أكثر أقطار الوطن العربي تنوعًا في تكوينه الإثني،فالعراق ينقسم عرقيًا إلي 75% عربًا،و20% أكرادًا،ويشكل التركمان وأقليات أخري ما يقارب 5% ،ومن الناحية الدينية فإن العراقيون المسلمون يشكلون 97% من السكان،ويشكل المسيحيون وآخرون حوالي 3%، و من الناحية المذهبية فإن العراقيون المسلمون ينقسمون إلي شيعة تبلغ نسبتهم من60 إلي 65 % و سنة وتبلغ نسبتهم 35 إلي 40%[146]،هذا ولم يجري في العراق أي تعداد سكاني رسمي منذ عام 1957 يبين حجم الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق بدقة وكل الإحصاءات التي أجريت هي إحصاءات تقديرية قامت بها الحكومة العراقية أو جهات أخري (أنظر الجدول رقم 8 في قائمة الملاحق).

وعلي الرغم من أن العراق ومنذ القدم مجتمعًا متعدد الإثنيات ،لكنه لم يتمكن أبدًا من صهر هذه الإثنيات في بوتقة واحدة،فالعراق ومنذ إنشاؤه وهويقسم بصورة تقريبية إلي ثلاثة مناطق الكردية في شمال العراق ،السنة في وسط العراق ،والشيعة في جنوبه ،ولم تستطع الحكومات العراقية المتعاقبة إقامة الدولة القادرة علي إستيعاب الخصوصية التعددية للشعب العراقي، وذلك لأنها ركزت علي بناء الدولة العراقية شديدة المركزية ،وهو الأمر الذي يتعارض مع التركيبة السكانية المتنوعة للمجتمع العراقي، وفيما يلي أهم هذه الجماعات الإثنية والمذهبية :

الأكراد : إن الأكراد هم شعبًا من الرعاة الذين ينحدرون من الميديين القدماء[147]الذين ساهموا في تأسيس الإمبراطورية الفارسية،وتنتمي لغتهم إلي مجموعة اللغات الإندو-أوربية وتنقسم إلي خمس لهجات رئيسية ،وتتباعد هذه اللهجات عن بعضها البعض في كثير من الأحيان بحيث تستخدم ألفاظ وكلمات معينة لا تعرفها اللهجات الأخري ،ولقد حافظ الأكراد علي العديد من سماتهم البيولوجية ونقاوتهم[148]،وتعتبر القبيلة الكردية المحور الأساسي في حياة الأكراد الإجتماعية

ولكنها لا تعتمد في تكوينها علي وحدة الأصل والنسب وإنما علي وحدة المكان والمعيشة المشتركة،فهي في الواقع إتحاد بين عدة مجموعات وتخضع لسلطة واحدة ،وأغلب الأكراد ينتمون للمذهب السني ،وعلي الرغم من أن الأكراد يشتهرون بتعصبهم الشديد للدين والمحافظة علي أداء الشعائر الدينية لكنهم يقدمون قوميتهم علي الدين فهو كردي قبل أي شيئ أخر يخلص للقبيلة وللقومية الكردية أولا ثم يأتي الدين بعد ذلك،ولهذا لا زالت الأعراف العائلية أو العشائرية هي المتحكمة في سلوك الفرد الكردي ،وهذا ما جعل قادة الإنتفاضات والثورات الكردية إما من  رجال الدين أو شيوخ العشائر أو كليهما معًا.

ويعتبر الأكراد أحد أكبر المجموعات العرقية التي لم تقم لها دولة أبدًا ،وتشير احد التقديرات إلي وجود مايقارب سبعة عشر مليون كردي منتشرين في عدة دول هي تركيا،العراق،سوريا وإيران

ولقد إعترفت معاهدة سيفر عام 1920 الموقعة بين بريطانيا وتركيا بارمينيا وكردستان كدولتين مستقلتين ،ولكن هذا الإعتراف الرسمي لم ينتج عنه قيام دولة كردستان المستقلة حيث أبطلت معاهدة لوزان الموقعة في 24/7/1933 بنود معاهدة سيفر التي كان الأكراد سيحصلون بموجبها علي دولتهم المستقلة [149]،ولقد عارض الأكراد تكوين الدولة العراقية عام 1920 وضمهم إليها في بداية الأمر ,ولكنهم سرعان ما أدركوا بأن حلمهم في إنشاء الدولة العراقية المستقلة بعيد المنال ، لذلك طالبوا بريطانيا بمنحهم الحكم الذاتي في الموصل وفي كل الأقاليم التي يشكل الأكراد فيها أغلبية ،ولم تستجب بريطانيا لهذا المطلب.

وفي عام 1924 حاول الشيخ محمود البرزنجي أحد شيوخ العشائر الكردية أن يستقل بكردستان، ولكن البريطانيون أخمدوا هذه المحاولة بالقوة ،ومنذ ذلك التاريخ تأرجحت العلاقة بين الأكراد والحكومة في بغداد ،فكلما كانت الحكومة المركزية في بغداد ضعيفة داخليًا وخارجيًا كلما حاولت إستمالة الأكراد وتلبية مطالبهم ،ولكن المركز عندما كان يستعيد قوته أو عندما يفقد الأكراد قوتهم فإن الجيش العراقي كان يقوم بضرب الحركة الكردية وقمعها وضرب المقاتلين والمدنيين الأكراد،ويمكن تلخيص أهم الثورات التي قام بها الأكراد بعد محاولة الإستقلال الفاشلة التي قام بها الشيخ محمود البرزنجي في الثورات التالية :-

*ثورة الشيخ برزان عام 1932 التي جاءت كنتيجة لمحاولة الحكومة العراقية مد سلطتها بالقوة للجبال الكردية .

*ثورة عام 1940 بقيادة الملا مصطفي البرزاني التي إندلعت نتيجة هجومه علي قوة الشرطة المتواجدة في سهل برزان ،وسمحت السلطات البريطانية للجيش العراقي بإخماد هذه الثورة مما أدي إلي هروب الملا مصطفي إلي إيران ومنها إلي روسيا مع 10 ألاف مقاتلا من مقاتليه.

*بعد عودة الملا مصطفي من المنفي عام 1958 قاد تحالف مكون من قادة القبائل الكردية وقاموا بحركة تمرد إستمرت إلي عام 1975 ،عندما قام العراق بتوقيع إتفاقية الجزائر مع إيران ، و إستطاع إخماد ثورة الأكراد بعد أن توقف الدعم الإيراني لهم.

*في أثناء الحرب العراقية –الإيرانية قامت ثورة كردية ،وقام الأكراد بمحاربة القوات الحكومية والهجوم علي نقاط الشرطة في الإقليم بمساعدة إيران ،ولكن القوات العراقية في نهاية الحرب قامت بالقضاء علي هذه الثورة بوحشية وتم مهاجمة السكان الأكراد بوحشية وقسوة مما أدي إلي تقوية الشعور بالوحدة والمصير المشترك بين الأكراد ونمو الشعور القومي بالهوية الكردية وبالإختلاف القوي عن الدولة العراقية .

وبعد عام 1991 تمكن الأكراد من إقامة منطقة الحكم الذاتي في شمال العراق وإستمروا في تقوية ذاتهم ،وعلي الرغم من حالة الإقتتال الداخلي التي حدثت بين أكبر فصيلين كرديين إلا أنهم تمكنوا من التغلب علي هذا الإختلاف وإستطاعوا تقوية أنفسهم،وبعد الإحتلال مضي الأكراد قدمًا في تقوية أنفسهم مستغلين حالة الإقتتال المذهبي بين السنة العرب والشيعة العرب واستطاعوا تأكيد إستقلالهم السياسي والإقتصادي من خلال البرامج الإقتصادية التي إتبعوها في مناطقهم والقوانين التي سنوها ومكنتهم من تأكيد الإستقلال والسيطرة علي مناطقهم [150].

التركمان : بدأت هجرة التركمان للعراق في العهد الأموي عام 54هجرية ،وهناك العديد من الإحتمالات حول أسباب وتاريخ وجودهم في العراق:

*فالبعض يري أنهم جاؤا إلي العراق في عهد المعتصم للإنضمام لجيشه .

*ربما جاؤا للعراق في عهد السلاجقة الذين جاؤا بهم من الأناضول إلي مناطق شمال العراق.

*و يؤكد البعض أنهم أحفاد أسري الحرب الأتراك المئة ألف الذين وقعوا في أسر تيمورلنك عام 1392ه-1402م وجلبهم للعراق.

*ويري البعض أنهم دخلوا العراق في عهد أحد السلاطين العثمانيين ويرجح أنهم إما دخلوا في عهد السلطان ياوز سليم عام 1514أو في عهد السلطان سليمان القانوني 1566 وذلك ليقوموا بحماية الطرق السلطانية .

*أنهم ينحدرون من سلالة الإذربيجان الذين حاربهم الشاه إسماعيل الصفوي أثناء إحتلاله جزء من العراق عام 1502.

*و قد يكونون من حفدة الحاميات العسكرية التركمانية التي تواجدت في العراق .

وينقسم التركمان إلي سنة وهم أغلبية وشيعة وهم من الأتراك الذين دخلوا العراق في زمن الدولة الصفوية ،ويتحدث التركمان بلهجات عديدة نتيجة إنتماءاتهم القبلية المتعددة ،وبسبب هجرتهم إلي العراق في فترات ومن مناطق مختلفة [151].

هذا ويري التركمان أنهم لم يحصلوا علي كامل حقوقهم بعد سقوط النظام السابق ،ويرون أن قانون الدولة الإنتقالي صدر ولم يتضمن كل ما أراده التركمان من حقوق ثقافية ولغوية مماثلة لما حصل عليه الأكراد ،وقد طافت العديد من المظاهرات شوارع كركوك إحتجاجًا علي تهميش دورهم في لجنة صياغة الدستور.

الشيعة: للوجود الشيعي إرتباط شديد بأرض العراق حيث كان العراق مسرحا لأحداث جسام كونت تاريخ هذا المذهب وبلورت هوية أتباعه،وينتمي معظم شيعة العراق إلي مذهب الإثنا عشرية ،ولا يوجد دليل علي أن شيعة العراق كانوا يشكلون أغلبية قبل القرن التاسع عشر ،ولكن تحول أعدادًا كبيرة من القبائل السنية العربية إلي المذهب الشيعي أدي إلي أن يصبح شيعة العراق أغلبية بنسبة 53-56% من إجمالي عدد سكان العراق عام 1936،وجاء تحول القبائل السنية العربية إلي المذهب الشيعي نتيجةً لنشاط علماء الشيعة والدعاة الشيعيين الذين كانوا يغادرون الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء إلي أماكن تواجد هذه القبائل العربية السنية في جنوب العراق ونجاحهم في إقناعهم بالتحول للمذهب الشيعي .[152]

ولم يكن الشيعة يشكلون كيانًا متماسكا عندما نشأت الدولة العراقية الحديثة،فرغم تمتعهم بالعديد من الخصائص المشتركة إلا أنهم كانوا منقسمين إلي جماعات عديدة وقائمة بذاتها، وكان ولاؤهم الأول والأقوي للقبيلة والعشيرة التي ينتمون إليها ،ولكن إستمرار السياسات التميزية ضدهم وعدم عدالة تمثيلهم السياسي ،والإهمال الإقتصادي لمناطق تركزهم كل ذلك أدي إلي توحدهم وبدؤا في الإحتجاج علي أوضاعهم ورفضوا الإنتداب البريطاني ، وكان الشيعة غالبًا ما يختارون الثورة العلنية منذ بداية إنشاء الدولة العراقية عام 1920 وحتي سقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003 للتعبير عن سخطهم وغضبهم من سوء أوضاعهم بعد أن حرموا من التعبير عن هذا السخط بالوسائل الديمقراطية ،وأخر هذه الثورات كانت بعد حرب الخليج الثانية عندما قام الشيعة في الجنوب بثورة ضد النظام بتشجيع من الولايات المتحدة، ولأسباب لم تزل غير واضحة قامت الولايات المتحدة بالتخلي عن الشيعة بعد إندلاع ثورتهم ،وسمحت للجيش العراقي بمهاجمة الشيعة وعملت علي حماية أكداس السلاح من الوقوع في أيدي الثوار الشيعة الذين كانوا يحاولون الحصول علي السلاح للدفاع عن أنفسهم[153].

السنة: إن أهل السنة والجماعة هم الذين يرون أن لا إمام يقارب الرسول(صلعم) ولو في بعض الصفات ،وأنه لا يوجد نص علي تعيين خليفة من بعده ،وأن للمسلمين الحرية في إختيار حاكمهم بالشوري ،وأهل السنة غير ملزمين من حيث المبدأ بعد وفاة الرسول (صلعم)بمرجع فقهي واحد بعينه في شؤونهم الدينية ،فهم يرجعون إلي عامة أهل العلم، وأصول الفقه لأهل السنة تقوم علي القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس [154].

وينتمي أغلب السنة في العراق إلي مذهب أبي حنيفة النعمان ،ومنذ عهد الدولة العثمانية وحتي إنتهاء عهد الرئيس الأسبق صدام حسين كان السنة هم الأقلية الحاكمة وكان بعضهم يتمتع بنفوذ قوي ،ولم يتعرض السنة للمذابح والإضطهاد مثلما تعرض غيرهم من الجماعات الإثنية والمذهبية قبل إحتلال العراق.

 

المسيحيون:يعتبر المسيحيون أن العراق هي مركز الثقل التاريخي والحضاري لهم، ويعيشون في كركوك والبصرة وبغداد والموصل ونينوي ،وينقسم المسيحيون في العراق إلي الكلدان الكاثوليك وهم الأغلبية،والآشوريين النساطرة، والسريان الكاثوليك، والسريان الأرثوذوكس واللاتين الكاثوليك ،والبروتستانت، والروم الكاثوليك ،وعند إنشاء الدولة العراقية طالب الآشوريين عصبة الأمم بمنحهم الإستقلال ولكنها رفضت طلبهم ،ونتيجة لمخاوفهم الشديدة فكر الآشوريون بإنشاء مقاطعة مستقلة في شمال البلاد بالقوة ،وبعد القبض علي زعيمهم المار شيمون في بغداد عام 1933 حاول عدد كبير من المسلحين الآشوريين الفرار إلي سوريا ،ولكن السلطات الفرنسية أعادتهم إلي العراق مما أدي إلي حدوث مصادمات بينهم وبين القوات العراقية ذهب ضحيتها عشرات من الجنود العراقيين ومن الآشوريين ،ونتيجة لذلك صور الآشوريين في الصحافة العراقية علي أنهم مصدر تهديد للوحدة الوطنية العراقية رغم صغر حجمهم ،ولذلك قامت الحكومة بإرسال حملة عسكرية عام 1933 بقيادة الجنرال بكرصدقي الذي أمر جنوده بإرتكاب مجزرة تم فيها قتل مئات الآشوريين ،ودخلت وحدة من الجيش إلي قرية سوميل المأهولة بالآشوريين وشرعت في قتل السكان بصورة منظمة ،ودخل مع القوات العراقية رجال القبائل الأكراد الذين إغتنموا الفرصة لنهب عشرات القوي الآشورية[155]

الأيزدية: هم طائفة دينية خلطت معتقدات وممارسات وثنية مع غيرها من معتقدات وممارسات الديانات السماوية الثلاث الكبري ،ويؤمن الأيزديون بأن الله بعد أن خلق الإنسان أمر الملائكة أن تسجد له فسجدت الملائكة  إلا ملاكًا واحدًا رفض السجود ،وهذا الملاك في الإسلام والمسيحية أصبح الشيطان ولكن الأيزديون يرون أن الله سبحانه وتعالي قد غفر له وأعطاه مهمة حماية العالم ولذلك أطلق عليهم عبدة الشيطان[156] ،ولا يستطيع المرء التحول إلي الديانة الأيزدية ، ولا يوجد للأيزديون تاريخ مكتوب وإنما إعتمدوا في تسجيل حوادثهم علي الروايةالشفاهية ،ولا يعرف سببًا لتسميتهم بالأيزديون فالبعض يرجعها إلي يزيد بن معاوية حيث أن بعضًا من أتباعه إنضمواإليهم ،بينما يرجع البعض الأخر سبب التسمية إلي كلمة يزدان أو إيزد والتي تعني في الزرداشتية الإله المقدس والفعل يزد معناه يعبد ويضحي والبعض يرجع سبب التسمية إلي كونهم سكنوا مدينة يزدم القديمة وهي أربيل حاليًا.[157]

والمجتمع الإيزدي مجتمع تراتبي تتوزع فيه المهام الدينية والإجتماعية بين المراتب الروحية و المراتب الدنيوية ،وكل مرتبه لا تتعدي صلاحيتها ومهامها صلاحيات ومهام المراتب الأخري وعلي قمة الهرم الإجتماعي يجلس مير ميران أو أمير الشيخان والذي يعني بأمور المجتمع الدينية والإجتماعية ويتمتع بصلاحيات واسعة،ولقد إحتمي الأيزديون بجبل سنجار ووادي لالشن من فتاوي القتل الجماعي التي صدرت بحقهم في العهد العثماني[158].

الصابئة: يقولون عن أنفسهم بأنهم أقدم ديانة سماوية علي الأرض ،وأن كتبهم هي صحف الرسل الأولين آدم وشيت وإدريس ونوح ،ولذا من الصعب أن يعرف مؤسس لهذه الديانة ،ويؤمن الصابئة بتأثير النجوم في كل ما يتعرض له الإنسان من خير وشر وصحة ومرض،وأشتقت تسمية صبأ من كلمة صبأت النجوم أي طلعت النجوم ،بينما يري البعض أن صابئة هي كلمة سيريانية قديمة تعني الغسل والوضوء ،ولقد أضاف الصابئة بعض المعتقدات والممارسات الإسلامية إلي ديانتهم ،وقد إعتبرهم المسلمون الأولون ضمن أهل الذمة ،ويتركز الصابئة حاليًا في الأهواز قرب البصرة وحيث تكثر القنوات والأنهار التي تسهل عليهم الإغتسال الدائم الذي هو أبرز ما في ديانتهم من طقوس[159] .

الشبك:هم جماعة تقطن أكثر من عشرين قرية في شرق الموصل، ويتكلمون بلسان خليط من الفارسية والكردية والعربية والتركية، وعقيدة الشبك تقوم علي تقديس الإمام علي رضي الله عنه وأحفاده،وعقائدهم سرية للغاية نتيجة لتعرض أتباع هذه العقيدة للإضطهاد من قبل الحكومات في جميع مراحل تاريخ هذه الملة ،ويقول الشبك أنهم مسلمون يقيمون الصلوات ويصومون رمضان ويحجون البيت ولهم كتاب إسمه المناقب[160].

ولا تعد التعددية الإثنية والمذهبية هي المعلم الوحيد للمجتمع العراقي ،ولكن القبيلة شكلت أيضًا لسنوات عديدة ولازالت ملمحًا أساسيًا لا يمكن تجاهل تأثيره علي المجتمع العراقي ،وبقيت القيم والممارسات القبلية التي ينشأ عليها الفرد منذ طفولته ويتشرب قيمها وطقوسها خلال عملية التنشئة الإجتماعية قائمة رغم محاولات التحديث ،فالعراق ومنذ فترة زمنية طويلة يعاني من صراع حضارتين علي أرضه ،حضارة بدوية محاربة من ناحية أوجدت نظامًا للقيم يؤمن بالقوة والبسالة وتسود فيه قيم الإباء والشجاعة والكبرياء وما إلي ذلك من صفات المحارب ويقوم علي الترحال والقتال ، أما الحضارة الثانية فهي الحضارة الزراعية التي أوجدت نظامًا يؤمن بالكفاح والصبر ويمارس أداء الضريبة والخضوع وأساسه الإستقرار والسلام،ولقد أدي هذا الصراع الحضاري إلي أن يصبح الفرد العراقي مضطرًا أن يقتبس نوعين من القيم الإجتماعية ،أو يقلد طبقتين ،طبقة البدوي الغالب وطبقة الفلاح المغلوب ،ومن دلائل هذا الصراع بين قيم البداوة وقيم المدينة في العراق إزدواج القانون الذي نتج عنه نشوء مجتمع حديث يحكمه وينظم أموره قانونان، قانون عشائري وقانون مدني إلا أن قيم البداوة كانت حاضرة بصورة أقوي  ،[161]ولقد إنتقلت بعض من قيم البداوة إلي الساحة السياسية العراقية وقد يكون أهم هذه القيم:

*أهمية الإنتصار :أدت هذه القيم إلي إنكار إمكانية التوصل إلي حلول وسط عند حدوث الإختلافات وإستخدام العنف عوضا عن الحوار ،والتطرف في المطالبات والحقوق بدلا من البحث عن نقاط إتفاق .

*العصبية:فالولاء دائمًا للجماعة التي ينتمي إليها الفرد الذي يؤمن إيمانا مطلقا بأفكارها وممارساتها ،وقد إمتد هذا التعصب للحياة السياسية العراقية وأصبحت الجماعات السياسية توفر الحماية لأبنائها وتقدم لهم العون كما تفعل القبيلة مع أبنائها .

وتركت الحرب العراقية –الإيرانية وحرب الخليج الثانية والحصار الإقتصادي آثارًا شديدة الخطورة علي العائلة العراقية الواحدة وعلي المجتمع ككل ،فلقد أدت إلي وجود عدد كبير من الشهداء والمعوقين ،وأدت إلي أن تلعب المرأة دورًا هامًا في حياة الأسرة العراقية لتعويض دور الرجل والأب الغائب.

ولقد أدي قرار الرئيس الأسبق صدام حسين بالعودة إلي نظام القانون القبلي إلي تنشيط الدور السياسي للقبيلة،وأن يصبح لها سيطرة علي الأفراد أكبر من سلطة الدولة عليهم ،مما جعل الروابط القبلية أكثر قوة وإستطاعت القبائل أن تحقق حدًا معينًا من الإستقرار السياسي الذي كان يحتاجه النظام ،ولذلك إلتف العراقيون حول القبائل والجماعات  الإثنية والمذهبية ،وإزداد هذا الإلتفاف قوة بعد سقوط النظام السابق الذي كان العديد من العراقيين يعتمدون عليه لتوفير إحتياجاتهم الرئيسية وذلك لأن القبائل والجماعات الإثنية والمذهبية قامت بملأ الفراغ السياسي والإقتصادي الذي نتج عن سقوط النظام، خاصة في ظل تفكيك مؤسسات الدولة وبناها التي كانت تكفل للمجتمع إستقراره وتساعده في تحقيق نوعًا من التعايش السلمي بين جماعاته الإثنية والمذهبية ،مما أدي إلي تشكيل مرجعيات سياسية تقوم علي أسس إثنية ومذهبية متشوقة إلي إعادة تعريف أدوارها وأدوار القوي الإجتماعية المعبرة عنها، وذلك من أجل الحصول علي أكبر قدر ممكن من المكاسب ،حتي وإن كان العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول لهذه المكاسب .

ج-الدوافع الثقافية:-

لاقت مهمة تكوين هوية وطنية في العراق صعوبات عديدة،فالعراق كان في بداية نشأته دولة جديدة بدون أساطير أوذكريات تاريخية مشتركة حول إقليم الأجداد يمكن الإعتماد عليها في إنشاء الهوية الوطنية ،ولم يكن هناك ماضي وحد بين هذه الجماعات سابقًا يمكن الإعتماد عليه في الحاضر ،أو سلوك سياسي موحد بل علي العكس كانت كل جماعة تري أن الدولة تحاول أن تلغي هويتها المميزة وتبدلها بهوية جديدة غريبة عنها،وواجه العراق في ذلك الوقت مشكلة كيفية تعريف الهوية القومية التي تنتج عادة عن الثقافة الجمعية والتي تكسب الأمة معني محدد ،وتقدم الأساس لنظام حكم مستقر وقابل للتطبيق، وتقدم أساس للتماسك  الإجتماعي والوحدة السياسية وتمكن العراق من تخطي جميع الولاءات الضيقة في المجتمع [162]،فالسنة شعروا بالحاجة إلي إنشاء هوية للبلاد يستمدون منها الشرعية ولذلك حاولوا فرض الهوية العربية والإسلام السني كأساس أيديولوجي لعملية بناء الأمة ،بينما رأي الشيعة أن أي هوية قومية للعراق يجب أن تتسع لتحتوي الجوانب الدينية والثقافية للشيعة حتي يمكن أن يتقبلها المجتمع الشيعي ،وكذلك رفض الأكراد هذه الهوية العربية ورفضوا أي محاولة للقضاء علي هويتهم الكردية ،ولذلك حاولت النخبة فرض الهوية السنية العربية علي الجميع بالقوة والعنف،مما أدي إلي إزدهار هويات الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق ،ومقاومة هذه الجماعات لأي محاولة لدمجهم وإمتصاصهم،ولكن النخبة السنية الحاكمة إستمرت في محاولة فرض ثقافة وهوية موحدة علي الجميع ،ويعد قانون التعليم العام رقم 28 لسنة 1930 أول محاولة جادة من قبل الحكومة لفرض برنامج ثقافي موحد، يهدف إلي خلق تناغم ثقافي بين جميع فئات السكان يؤدي إلي الوصول إلي هوية ثقافية موحدة للبلاد، ووفقًا لهذا القانون أجبرت الجماعات الإثنية علي دراسة اللغة العربية وتاريخ وجغرافية العراق وتم تطبيق هذا القانون علي جميع المدارس العراقية بما فيها المدارس الخاصة بالجماعات الإثنية والتي لم تكن تخضع قبل هذا القانون للإشراف الحكومي[163]،وإستمرت هذه المحاولات منذ إنشاء الدولة العراقية ـ بإستثناء الفترة ما بين 1958و1963 وهي فترة حكم الرئيس الأسبق عبدالكريم قاسم والذي إعتمد في حكمه علي الحزب الشيوعي الذي إستطاع أن يكتسب تأييد كل الجماعات الإثنية بما فيها الجماعات الإثنية والمذهبية الكبري وذلك لأنه لم يحاول فرض أي هوية عليها وكان الحزب الشيوعي بمثابة الوعاء الذي يحتوي كل هذه الجماعات الإثنية التي إنضم أبناؤها إليه برغبتهم ودونما إجبارـ وحتي عهد الرئيس الأسبق صدام حسين الذي إتخذ إجراءات شديدة القسوة ضدالجماعات  الإثنية والمذهبية المختلفة في العراق كان أشدها قسوة ضد الأكراد والشيعة.

ونجح الرئيس صدام في إستثمارالإنقسامات المجتمعية القائمة لخدمة أغراضه في أثناء الحرب مع إيران حيث لجأ إلي الهوية العربية لتوحيد العراقيين ضد التهديد الفارسي خلال الحرب ونجح في إثارة خوف السنة من قيام ثورة شيعية ناجحة يكونون هم ضحاياها ،ولكن الشيعة علي الرغم من ذلك إستطاعوا أن يثبتوا خلال الحرب العراقية –الإيرانية أن ولاءهم الأول هو للعراق وقاتلوا الإيرانيين كما فعل السنة.

وبعد الإحتلال لم يكن سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين بالنسبة للعرب السنة هو مجرد سقوط لنفوذهم وإمتيازاتهم ،فالكثير منهم كان لا يمتلك أي قوة او نفوذ حيث كانا حكرًا علي المقربين من النظام ،ولكن سقوط النظام كان يعني بالنسبة لهم سقوط مجمل الهوية الوطنية التي إستمرت لمدة ثمانية عقود وميزت العراق طوال الفترة السابقة،وهكذا نشأت أزمة الهوية من جديد لدي السنة والتي عمقها الخطاب السياسي السائد بعد الإحتلال ،حيث لم يستطع هذا الخطاب أن يتفق علي صيغة واحدة قادرة علي خلق  هوية قومية قادرة علي فهم خصوصية المجتمع العراقي وتستطيع إستيعاب كل الهويات الفرعية الإثنية والمذهبية في العراق ،وبعد سقوط النظام فشل العراقيون في الإتفاق علي ما يجب أن تكون عليه الهوية القومية العراقية الجديدة فهناك من طالب بأن تكون هوية العراق  هوية إسلامية (الأحزاب الدينية السنية كانت ام الشيعية وإن إختلفوا فيما إذا كانت هذه الهوية الإسلامية يجب أن تكون هوية إسلامية سنية أم هوية إسلامية شيعية)،وهناك من روج لمفهوم الأمة العراقية (حزب الأمة العراقية)،وهناك من تمسك بالهوية العربية (التيار القومي)،وأخرون تمسكوا بالهوية الكردية(الأحزاب الكردية)،وأصبح السؤال الذي تحاول أغلب الجماعات الإثنية الإجابة عليه وخاصة السنة العرب كيف يمكن المحافظة علي هوية الجماعة وسط كل هذه المتغيرات ،ولم يكن لجوء السنة للعنف لمجرد الحصول علي الموارد المادية والقوة السياسية ، ولكنهم إنخرطوا في العنف لأنهم شعروا بأن مكانتهم وقيمتهم هددت ،كما شعروا بأن هناك محاولات جادة للقضاء علي هويتهم وخصوصيتهم الثقافية وأن الشيعة سيحاولون فرض هويتهم المذهبية عليهم  بعدما أخذوا مكانتهم السياسية و إمتيازاتهم.

إن هذا الإرتباك في تحديد الهوية العراقية القومية جعل العراقي لا يشعر بوجود هوية عراقية واحدة ،فإضطر للرجوع إلي مكوناته الفرعية (الأسرة،القبيلة ،الجماعة الإثنية والمذهبية)،ولا سيما أن تنشئته الإجتماعية تعطي أسبقية الولاء للأسرة والعشيرة علي حساب الولاء للمجتمع مما أدي إلي إزدهار الإنتماء الطائفي والعشائري .[164]

إن العراق يفتقد إلي وجود ثقافة وطنية يتفق الجميع علي مكوناتها تكون قادرة علي جمع الروابط والهويات الفرعية برابط كلي، خاصة في فترة مابعد الإحتلال حيث أصبحت الثقافة السياسية للمجتمع تشجع تقوية الروابط الأولية والإثنية علي حساب الرابطة الأكبر بالدولة العراقية وأصبحت الثقافة السياسية العراقية بعد الإحتلال تتميز بما يلي :

1)شعور المواطنين بالعجز السياسي ،فالمواطن العراقي ونتيجة لعقود طويلة من القهر والظلم الذي وقع عليه من الأنظمة المتعاقبة، والتي إستخدمت ضده أقسي أنواع التعذيب والكبت مما جعل المواطن البسيط يشعر بالخوف من السلطة أيًا كانت خاصة في فترة ما بعد الإحتلال حيث لا يؤثر رأي المواطن في مجريات السياسة العراقية.

2)السلبية تجاه الرأي الأخرفالمواطن العراقي يشعر أنه يمتلك الحقيقة المطلقة ولا يقبل أطروحات الأحزاب الأخري.

3)الإغتراب السياسي، ويقصد به عدم الإهتمام بالتوجهات السياسية وهذا الشعور نتج عن تراكم المشكلات الإقتصادية والأمنية ،وعدم قدرة الأنظمة المتعاقبة علي حلها ،فشعورالمواطن العراقي الذي لمس عجز مجلس الحكم والحكومات العراقية المتعاقبة  عن حل المشاكل الأمنية والخدمية بالإغتراب السياسي جعله يبحث عن بديل للحكومة العراقية يكون قادرًا علي توفير الأمن والخدمات الأساسية له [165]،فلجأ إلي جماعاته المذهبية والإثنية كي توفر له ماعجزت عن توفيره الحكومات العراقية المتتالية منذ سقوط النظام السابق.

هذا ولقد زادت أزمة الهوية حدة في ظل توافر العديد من العوامل الثقافية الأخري مثل :

*ثقافة الحصار:لقد تكون في العراق علي مدي 13 سنة ما يسمي بثقافة الحصار،وهي ثقافة مركبة متعددة الأبعاد لها ثلاثة أبعاد رئيسية :أ)بعد العنف في الممارسة اليومية للمواطن العراقي والتي أصبح السلاح جزءًا من تفاصيلها المتكررة.ب)بعد الحرمان الإقتصادي الذي تفجر مع دخول قوات الإحتلال بغداد.ج)بعد سياسات التفتيت التي أنتجتها مناطق الحظر الجوي والتي جعلت بعض الجماعات الإثنية والمذهبية تشعر بتميز هويتها الفرعية وأكدت علي وجود التباينات القومية والطائفية.[166]

*منذ عصر الحضارات القديمة والدين في بلاد الرافدين يلعب دورًا كبيرًا في حياة السكان ،حيث كانوا يشعرون علي الدوام بأنهم يعتمدون كليًا في إستمرار وجودهم علي إرادة الآلهة ،وفي بداية تكون الدولة العراقية كان دور علماء الدين الشيعة وشيوخ الطرق النقشبندية والقادرية في إقليم كردستان والبطاركة والحاخامات لا يقتصر علي الجانب الديني فقط ،بل كانوا يقومون بدور الحارس للهوية الجمعية لمجتمعاتهم ولميراثهم الثقافي ،وساعدوا في تكوين الوعي الجماعي الذي حدد طريقة تعامل جماعاتهم مع الحكومة،وساهمت المنظمات الدينية والإجتماعية داخل كلا من هذه الجماعات في تحديد الطريقة التي يدافع بها قادة هذه الجماعات الإثنية عن مصالح جماعاتهم وبعد سقوط النظام تزايد دور رجال الدين ونفوذهم داخل الجماعات الإثنية والمذهبية وتأثيرهم في افرادها حيث يلجأ الأفراد في وقت الأزمات إلي الدين كوسيلة للخلاص مما هم فيه من خوف وقلق وتوتر وعدم تأكد خاصة في ظل وجود قوات التحالف التي يتكلم افرادها لغة مختلفة ويدينون بدين مختلف عن أفراد الشعب العراقي ،مما ادي إلي زيادة تمسك العراقيين بدينهم وبقيمهم وثقافتهم ومعتقداتهم وإزدادوا إلتصاقًا بمذاهبهم المختلفة ،وأدي حل وزارة الأوقاف الدينية في يوليو 2003 إلي تحرر الدين من سيطرة الدولة وأعطي الفرصة للمؤسسات الدينية الشيعية والسنية الغير حكومية ان تلعب دورًا مؤثرًا في الحياة السياسية خاصة في ظل إشتداد حدة الصراع السياسي وعمق الإنقسامات المذهبية والطائفية ، وأصبحت المؤسسات الدينية قادرة  علي توجيه دفة الصراع إما نحو الحل السلمي او نحو مزيد من العنف،ولقد تحولت بعض المساجد إلي مستودعات أسلحة وبؤر لترويج العنف.

وعلي الرغم من أن رجال الدين السنة لم يكن لهم دورًا في الحياة السياسية كما كان لأقرانهم من الشيعة، إلا أنهم بدؤا يلعبون دورًا هامًا بعد الإحتلال وذلك لغياب رجال السياسة السنة القادرين علي تمثيل مصالح المجتمع السني الذي بات يشعر بتهديدًا قويًا لهويته الخاصة ،ولعب علماء الدين السنة دورًا هامًا في إبراز سخط وغضب السنة العرب، وتكونت الهيئات الدينية السنية التي ساعدت في إبراز أهداف السنة العرب وقامت برعاية مصالحهم ،أما رجال الدين الشيعة فلقد تمكنوا من السيطرة علي المدن في الجنوب سريعًا بعد سقوط النظام عن طريق إحتكار تقديم الخدمات الأساسية وتوفير الأمن للسكان والدفاع عنهم  وتوفير الوظائف والرعاية الصحية والمساعدات المالية للمحتاجين منهم ،وتزايد الدور السياسي للمؤسسات الدينية الشيعية خاصة المرجعية التي تزايد دورها السياسي لدرجة أن موافقتها علي تشكيل اي حكومة عراقية اصبحت لازمة وأصبح لا يمكن تشكيل اي وزارة عراقية إلا بعد مراجعة أسماء المرشحين مع المرجع الأعلي آية الله علي السيستاني وموافقته علي تلك الأسماء.[167]

*التعليم:علي الرغم من أهمية عملية التعليم في عملية التنشئة ،حيث أنها تساهم في عملية خلق الشعور بالمواطنة في نفوس النشئ ،وتساعد في تحقيق التقارب بين الجماعات الإثنية والمذهبية المختلفة التي يتكون منها المجتمع ،إلا أنها في عراق ما بعد 2003 أصبحت أداة لتعميق الإنقسام والطائفية ،وبدأالتعليم يأخذ الطابع الإثني الطائفي ففي كردستان ومنذ عام 1991 الذي حصل فيه الأكراد علي حق الحكم الذاتي والتعليم يهدف إلي تقوية الهوية الكردية، فاللغة الكردية هي اللغة الرسمية في التعليم وفي الدوائر الحكومية ولا يستخدم سواها وتكاد تضمحل اللغة العربية بين النشئ ،وتم تغيير المناهج الدراسية وخاصة مناهج الدراسات الإجتماعية ،وتم إستبعاد أي مواضيع أو حقائق تاريخية تسيئ للحركة الكردية ،وأصبح هناك عملية بعث شاملة للهوية الكردية وأصبحت مفاهيم الدولة والوطن والقومية والشعب لا تعني إلا ماهو كردي فقط ،مماأدي إلي تغذية الروح القومية الكرديةعلي حساب الروح القومية العراقية،وأصبح الأكراد وخاصة الأجيال الجديدة لا يشعرون بالإنتماء إلا إلي كردستان الوطن الأم وليس العراق ،ورفض الأكراد تمويل أي مدارس غير كردية في مناطق الحكم الذاتي فتركوا المدارس الآشورية دونما تمويل ،هذا ولم يكن الأكراد وحدهم من أقام المدارس علي أسس إثنية ،ولكن التركمان أيضا في محاولة منهم لإثبات وجودهم والحفاظ علي هويتهم القومية قاموا بإفتتاح المدارس التي رفعت فوقها الأعلام التركمانية فقط وحملت أسماء قادة عثمانيون ،ويرتدي طلاب المرحلة الإبتدائية الزي التركماني الشعبي،وتدرس المواد في المدارس التركمانية باللغة التركية ولا تستخدم اللغة العربية وأصبحت هذه المدارس القائمة علي أسس إثنية وسيلة لزيادة التعصب الإثني بين الجماعات المختلفة ووسيلة لزيادة الإنشقاقات والصراع الإثني بما تغرسه في نفوس النشأ من تعصب لجماعتهم الإثنية ورفض لغيرهم من الجماعات الأخري ، مما سيؤدي إلي إمتداد النزاع والصراع الإثني إلي الأجيال القادمة وإطالة الإقتتال الإثني ،هذا وقد إزدادت حالات الإشتباك الطائفي بين أطفال المدارس الإبتدائية في المناطق العربية وأصبح هناك إتجاهًا متزايدًا لدي المسئولين عن الوقفين الشيعي والسني إلي فتح مدارس خاصة علي أسس مذهبية لمختلف مراحل التعليم ،الأمر الذي يؤدي إلي تخريج جيلين مختلفين في كل شيئ ممايزيد من حدة الإنقسامات المذهبية ويعمقها وهكذا تم إلغاء دور التعليم في تخفيف حدة هذه الإنقسامات وإلغاء الدور الذي كان من الممكن أن  يقوم به في تحقيق عملية التكامل ليتم القضاء علي وسيلة أخري بعد القضاء علي دور الجيش كانا من الممكن أن يسهما في حل الخلافات الإثنية والطائفية.[168]

وإمتد مبدأ المحاصصة الطائفية إلي التعليم الجامعي ،وبدأت الجامعات العراقية تنقسم إلي سنية أو شيعية أو كردية وذلك تبعًا لموقعها الجغرافي ،فالجامعات التي تقع في المناطق الشيعية تصبح شيعية،وتلك التي تقع في المناطق السنية فهي سنية (أنظر الجدول رقم 9 في قائمة الملاحق)،و اصبح رجال الدين يتدخلون في المناهج التي تدرس وأصبحت المقررات الدراسية خاضعة لرقابتهم،وإمتد مبدأ المحاصصة الطائفية إلي توزيع المناصب الأكاديمية علي مستوي رؤساء الجامعات ومساعديهم ،وعلي مستوي العمداء ومعاونيهم ،وعلي مستوي رؤساء الأقسام العلمية كما شمل مبدأ المحاصصة الطائفية أيضًا الزمالات والمنح الدراسية التي وزعت علي أساس طائفي.[169]

*الإعلام :بعد سقوط النظام السابق وجدت الأحزاب السياسية المعارضة وتيارات المعارضة العراقية الساحة الإعلامية العراقية فارغة، خاصة بعد حل وزارة الإعلام ولذلك حاولت هذه التنظيمات تعويض سنوات الحرمان الطويلة من القدرة عن التعبير عن رأيها،وراحت تتوسع في إصدار الصحف وإنشاء الإذاعات والفضائيات التي كانت في أغلبها ذات بعد طائفي صريح، و أصبحت هذه الفضائيات أشبه بتنظيم حزبي مصغر يعج بالشعارات والخطابات التي تعكس توجهات مالكي وسائل الإعلام ،ويحمل الكثيرون هذه القنوات جزءا من مسئولية التفجيرات التي تحدث في العراق ذلك أنها تدعو بصورة مفرطة إلي التحريض والتعبئة الطائفية ،وتساعد في تبرير التوجهات الإنفصالية أو التجزيئية .

د:الدافع النفسي:-

علي الرغم من أن حالة الخوف والتشاؤم الناجمة من معاناة الإنسان من الكوارث الطبيعية والظروف المناخية الحارة والتسلط الدكتاتوري السلطوي تعد سمة من سمات شخصية الفرد العراقي ،إلا أنها كانت في أشد حالاتها قوة عند دخول قوات التحالف العراق ،فمعنويات العراقيين كانت منخفضة للغاية نتيجة لتعرضهم إلي حربين قاسيتين وحصار إقتصادي خانق نتج عنهم سقوط آلاف الضحايا ،وتدهور في جميع أوضاع المجتمع العراقي كما نتج عنهم إنتشار الكآبة النفسية بدرجات متفاوتة لدي أفراد الشعب العراقي،حتي أن أحد الأطباء النفسيين في العراق يقدر أن 80-85% من أبناء الشعب العراقي يعانون من الإكتئاب [170] .

وزادت حدة الخوف والتشاؤم نتيجة لإنهيار الدولة وتعطل القانون وشيوع الفوضي والسلب والنهب وأعمال الخطف والقتل ، وشاع الخوف بين الناس وتفرقوا إلي مجاميع تتحكم في سلوكهم الحاجة إلي البقاء،وأصبح الصراع صراعًا من أجل البقاء وليس من أجل تفوق حزب علي أخر وبدأ الناس يلجأون إلي مصدر قوة أو جماعة تحميهم ،فبعد أن سقطت الدولة وعجز الإحتلال عن إنشاء سلطة مركزية قوية توفر الأمن للأفراد لجأ الناس إلي عشائرهم وقبائلهم وجماعاتهم الإثنية والمذهبية كي توفرلهم الأمن[171]، وأصبحت كل جماعة تشعر أن وجودها وأمنها مرتبط بالقضاء علي غيرها من الجماعات ،وساعدت السياسات التي إتبعها النظام السابق في تقوية هذا الشعور،فالمذابح الجماعية ضد الشيعة والأكراد تركت آثارها في الوعي الجمعي لكلا الجماعتين ودفعتهم إلي التمسك بالوصول إلي السلطة ومحاولة الإنفراد بها حتي لا يتعرضوا لما تعرضوا إليه سابقًا من قتل وتعذيب وتشريد ،بينما السنة كانوا يرون أنهم سيجبرون علي دفع ثمن ماقام به النظام من مذابح وتمييز ضد الأكراد والشيعة وأنهم سيكونون حتما ضحايا ماحدث في الماضي وتأكدت مخاوفهم في ظل السياسات التي اتبعت ضدهم في الفترة الأولي من الإحتلال مما دفعهم للإنغلاق أكثر علي ذاتهم وطائفتهم ،ونظر السنة إلي الشيعة علي أنهم دمروا العراق الذي أمضي السنة 80 عامًا في بنائه ،وأنهم سلموا البلد إلي عدو يناصب السنة العرب العداء وهو إيران،وهكذا أصبحت العلاقة بين الطرفين السني والشيعي تقوم علي أساس من عدم الثقة والشك في الأخر وعدم التسامح ،وخاصة في أوساط الشباب في كلا الجانبين الذين بدؤا يشتركون في العنف بشدة ،وبدأت آثار عدم الثقة بين الطرفين تظهر واضحة للعيان ،فعلي سبيل المثال أعلنت هيئة علماء المسلمين أنها ترفض المشاركة في أي مؤتمر مصالحة للحكومة لأنها لا تستطيع الوثوق في هذه الحكومة التي تتنصل دائمًا من وعودها ،وكذلك فلقد إعترف الشيعة بأنه يتم إخفاء الحقائق عن نائب رئيس الوزراء سالم الزبيدي وهوسني من بين إختصاصات منصبه الإشراف علي الشئون الأمنية وبرروا ذلك بأنهم لا يستطيعون الكشف عن معلومات أمنية لقادة سنة مثل الزبيدي بسبب مخاوفهم من أن السنة سوف يكشفوا هذه الخطط للجماعات المتمردة وفي ذات الوقت ينظر السنة إلي قوات الجيش والشرطة علي أنها ميليشيات شيعية كردية لن توفر لهم الحماية ،بل علي العكس ستكون سلاحًا موجهًا ضدهم وأن الحكومة العراقية تستخدمهم ضد التمرد السني فقط ولا تستخدمهم ضد الميليشيات الشيعية ,ولذلك رفض السنة الحماية المقدمة لهم من قبل منافسيهم الإثنيين والمذهبيين ،وزاد شعورهم بالتهديد مما أدي إلي زيادة رغبتهم بالقتال والتمرد للوصول إلي حقوقهم ،وأصبحت كل جماعة لا تثق سوي بأفرادها ، فعلي سبيل المثال لا يوجد وزير كردي في الحكومة العراقية يستخدم القوات العراقية لحماية أمنه الشخصي ولايقوم  الوزراء بإبلاغ السلطات العراقية بتحركاتهم ويعتمدون في تأمين هذه التحركات علي قوات خاصة من البشمركة مدربه علي توفير الحماية والأمن لهم ،وكذلك يفعل الوزراء السنة والشيعة إذ يعتمدون علي الميليشيات التابعة لأحزابهم وليس فقط التابعة لجماعتهم المذهبية في توفير امنهم .[172]

وأدي البحث عن الأمان بأفراد الجماعات الإثنية العراقية- الذين زاد لديهم الشعور بأن هناك تهديد موجه ضدهم من الأخر ،وأن هذا الأخر يسعي للقضاء عليهم ويهدد وجودهم وإستمراريتهم- إلي التسلح وتكوين ميليشيات مسلحة تقوم بتوفير الحماية لهم وهذا ما كانت تراه الجماعات الأخري بأنه دليلا علي سوء نية الجماعات التي تقوم بالتسلح ضدهم وتسعي هي الأخري للتسلح ،وبدأ الأفراد يؤمنون أن العنف والقضاء علي الأخر هو السبيل لضمان أمنهم وأصبح اللجوء للقوة هو الوسيلة الوحيدة لحل الخلافات وتحقيق الأمن ،ولقد كشفت صحيفة الديلي تلجراف البريطانية أن أتباع المرجع الأعلي آية الله علي السيستاني تركوه بالفعل نتيجه للجوئه إلي حل الخلافات وتسوية الأمور بالطرق السلمية ،واتجهوا للجماعات المسلحة التي يجدون لديها الحماية من أعمال العنف الطائفي ،وقالت الصحيفة أن الشيعة أصبحوا يشعرون أن جيش المهدي يقدم لهم الحماية أكثر من أي طرف أخر.[173]

وأدي الشعور بالإحباط إلي تفاقم مشكلة العنف بين الجماعات الإثنية والمذهبية العراقية،فالسنة ومن قبلهم الشيعة والأكراد في ظل حكم صدام حسين بدؤا بالشعور بإحباط شديد نتيجة حرمانهم من تحقيقهم أهدافهم وإشباع حاجاتهم المشروعة،وحرمانهم النفسي وإدراك هذه الجماعات بأنها تحصل علي أقل مما تحصل عليه الجماعات الأخري ،كل ذلك أدي إلي وجود مشاعر الغضب لدي كل طائفة ،وإزدياد تعصب الأفراد إلي جماعاتهم وبدأت الجماعات الإثنية تميل إلي الإهتمام بتغذية الجانب السلبي في الهوية الإجتماعية لدي أفراد الجماعة الإثنية ،وبدأ الأفراد سواء بإرادتهم أو لا شعوريًا إلي إعلاء مكانة وإعتبار الجماعة التي ينتمون إليها ،وتفضيلها علي الجماعات الأخري ،وبدأت عملية التنشئة الإجتماعية تهتم بتغذية التحيز وتفضيل  الجماعة علي غيرها من الجماعات في نفوس أطفالها ،وتعمق من هذا في نفوس الكبار من أفراد هذه الجماعات وعمدت في خطاباتها السياسية والثقافية والدينية إلي المبالغة في تصوير ما أصابها من ظلم شديد من قبل الجماعات الأخري والإكثار من تمجيد تاريخها والزهو به ،وبطريقة تؤكد علي أنها أفضل الجماعات الموجودة وأنها كانت عبر تاريخها الطويل منزهة من كل خطأ[174].

ويزداد الإحساس بالإحباط والشك نتيجة تعدد مصادر الخطر التي يشعر المواطن العراقي بوجودها حوله ولا يعرف كيفية التعامل معها ،ويزداد الشعور بالقلق الشديد من المستقبل لدي الشباب العراقي ،وأدت حالة الإحباط التي يمر بها هؤلاء الشباب- وخاصة في ظل تفاقم حالة إنعدام الأمان وإزدياد العنف بين الجماعات الإثنية وإلقاء كل جماعة اللوم علي الجماعات الأخري في أنها السبب  في إستمرار العنف مما يطيل من أمد الصراع-إلي إنضمام هؤلاء الشباب إلي الميليشيات المسلحةالتي تمارس العنف والتابعة لجماعاتهم الإثنية أملا في التغلب علي حالة الإحباط تلك.

كما ترك العنف آثارًا لا تمحي في ذاكرة الأطفال العراقيين ،فلقد ذكرت دراسة أجراها أطباء نفسيون عراقيون عام 2006 بدعم من منظمة الصحة العالمية بأن 30%من الأطفال الذين شملهم الإستطلاع في مدينة الموصل يعانون من إضطرابات نفسية ،فيما تعرض 47%منهم في بغداد إلي صدمة نفسية شديدة ،أدت إلي معاناة 14% منهم إضطرابات نفسية شديدة كالإكتئاب والكوابيس والقلق وأصبحت اللعب المفضلة لديهم الأسلحة والقنابل والطلقات ،وأصبحت اللعب التي تمثل العنف والدمار والحرب هي المنتشرة في أوساط الأطفال كما إنضم أطفالا في أعمار تترواح مابين العشر سنوات والأربعة عشر عاما للمجموعات المسلحة ،إما لكسب لقمة العيش او إنتقامًا لمقتل أحد ذويهم ،مما يعد مؤشرًا خطيرًا علي إمكانية إستمرار العنف لسنولت طويلة.[175]

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلاصة:

ويستخلص من هذا الفصل أن العراق ومنذ القدم قد عرف تعدد الجماعات الإثنية ،وعلي الرغم من وجود العديد من التوترات بين تلك الجماعات إلا أنها لم تصل إلي مرحلة الحرب الأهلية ،بل لقد تعايش الجميع في إطار الدولة العراقية المركزية ،التي كانت تحكم قبضتها علي جميع الأمور في العراق ،وعلي الرغم من كل محاولات بناء هوية قومية عراقية موحدة إلا هذه المحاولات فشلت أحيانا حيث  أن بعض الجماعات الإثنية استطاعت أن تحافظ علي هويتها وتسعي لتحقيق إستقلالها الذاتي حتي وإن كان ذلك علي حساب الهوية العراقية (الأكراد)، بينما نجحت هذه المحاولات في مكان أخر (الشيعة) والذين كانوا يثورون فقط ضد الحرمان والسياسات التميزية التي كانوا يعانون منها،ولكن عندما كان الخطر يتهدد العراق فإنهم كانوا يدافعون عن العراق وينسون أي شيئ أخر، ولكن إستمرار هذه السياسات ووجود عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية ونفسية وإنهيار السلطة المركزية الحاكمة كل ذلك أدي إلي إنهيار العقد الإجتماعي الذي قام عليه العراق ، وأصبح المجتمع يعاني من إنقسامات إثنية ومذهبية شديدة وأصبحت كل جماعة تحاول الوصول إلي تحقيق مصالحها فقط وتحاول الوصول إلي أكبر قدر ممكن من المكاسب حتي وإن كان ذلك علي حساب غيرها من الجماعات الأخري ،ولذلك إنتشر الخوف وعدم الثقة والشك بين الجماعات الإثنية والمذهبية ،مما أدي إلي أن تشعر كل جماعه أن مصلحتها بل وبقائها في حد ذاته مرتبط بالقضاء علي غيرها من الجماعات ،مما أدي إلي تفجر العنف بين هذه الجماعات الإثنية والمذهبية بل وتطور هذا العنف لينفجر في داخل الجماعة الإثنية والمذهبية الواحدة في بعض الأحيان.

 

 

 

 

                  

 

 

 

 

 

 

                        الفصل الرابع

أنماط تهديد الجماعات الإثنية والمذهبية الأمن القومي العراقي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ سقوط النظام السابق والعراق يعاني من موجة عنف إثني ومذهبي أصبحت تشكل خطرًا علي الأمن القومي العراقي بصورة لم تحدث من قبل منذ إنشاء الدولة العراقية وحتي ماقبل إبريل 2003 ،وأصبح العنف في العراق ظاهرة يومية تتعدد مستوياتها،فهناك العنف داخل الجماعة الإثنية والمذهبية الواحدة ،وهناك العنف بين الجماعات المذهبية المختلفة ،وأيضًا العنف بين الجماعات الإثنية المختلفة،كما تلعب الفيدرالية في العراق دورًا هامًا في تهديد الأمن القومي العراقي ،وسيبحث هذا الفصل في أثر العنف والفيدرالية علي الأمن وذلك في  مبحثين:

أولهما :العنف داخل الجماعة الإثنية والمذهبية الواحدة ،وكذلك العنف بين الجماعات المذهبية المختلفة.

ثانيهما :الفيدرالية والعنف بين الجماعات الإثنية المختلفة.

المبحث الأول:

العنف داخل الجماعة الإثنية والمذهبيةالواحدة،وكذلك العنف بين الجماعات المذهبية المختلفة :-

أولا: العنف داخل الجماعة الإثنية والمذهبية الواحدة .

بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين،أخذت الجماعات الإثنية والمذهبية تتماسك داخليًا من أجل أن تستطيع الوصول إلي القوة والنفوذ داخل العراق،ولكن هذا التماسك بدأ في التلاشي داخل بعض الجماعات الرئيسية بعد أن إستطاعت الوصول  إلي أقصي ماتستطيع الوصول إليه من نفوذ وسلطة ومكاسب وهنا حدث التحول وبدأ الصراع داخل هذه الجماعات.

أ:الشيعة.

أتاح إنهيار نظام الرئيس الأسبق صدام حسين الفرصة للقيادات والتنظيمات الشيعية كي تعود وتلعب دورًا واضحًا علي الساحة العراقية،مما أثار صراعًا واضحًا من أجل السيطرة علي زعامة الساحة الشيعية والسيطرة علي المزارات المقدسة بين القوي السياسية الشيعية التي يمكن تقسيمها إلي تيارين رئيسيين أ-التيار الشيعي العلماني ،ب-التيار الإسلامي والذي ينقسم بدوره إلي تيار الحوزةالعلمية وهو تيار ديني يتمتع بمصداقية عالية ويتمتع بدرجة عالية من التنظيم ويوجد حاليًا بالعراق اربعة مرجعيات شيعية كبري وهي:السيد علي السيستاني ،السيد بشير النجفي ،السيد محمد سعيد الحكيم،السيد محمد إسحاق فياض وجميعهم حاصلون علي مرتبة آية الله التي تؤهلهم لقيادة الطائفة الشيعية والتيار الثاني هو تيار الأحزاب ذات الطابع الإسلامي الديني مثل المجلس الأعلي الإسلامي وحزب الدعوة[176] .

وبرز داخل هذا التيار إتجاه السيد مقتدي الصدر وهوإبن السيد محمد صادق الصدر الذي إغتاله الرئيس الأسبق صدام حسين بعد أن إستطاع السيد محمد الصدر إكتساب الشارع الشيعي بأكمله

وعلي عكس القوي الشيعية الأخري فالتيار الصدري نشأ داخل العراق ،وبعد سقوط النظام السابق قام مقتدي الصدر وأتباعه بفتح الجوامع وغيرها من المؤسسات ،واستولوا علي أسلحة وذخائر من مستودعات البعث وفرضوا سيطرتهم علي العديد من المؤسسات وبدؤا يحاولون لعب دورًا في الحياة السياسية العراقية علي الرغم من معارضة التيار الصدري الشديدة للإحتلال الأمريكي ولذلك حاولت الولايات المتحدة إستبعاد هذا التيار من ممارسة السياسة ،علي الرغم من أن للسيد مقتدي الصدر شعبية عريضة أكسبته شرعية سياسية وتمتعه بكاريزما واضحة يستطيع التأثير بها علي أتباعه ،كما ان للتيار الصدري قوة يستطيع الإستمرار بها من غير وجود السيد مقتدي الصدر،وأدت هذه المحاولات إلي أن يلجأ الصدر لإيران لتقدم له الدعم المادي والمعنوي خاصة وأن كلا منهما يسعي لغاية واحدة وهي إخراج الولايات المتحدة من العراق،ولقد أثبت تيار الصدر قدرة تعبوية ملحوظة وأنشأ جيش المهدي الذي إعتبره البعض محاولة لإحداث نوع من التكافؤ العسكري بينه وبين المجلس الأعلي الإسلامي ،ولقد ساعد تردي الأوضاع الأمنية التي يعيشها العراق حاليًا السيد مقتدي الصدر أن يمتلك  الإمكانات ولاسيما الجماهيرية التي ساعدته أن يصبح منافسًا قويًا علي زعامة الشارع الشيعي رغم كل محاولات الإستبعاد والتهميش والإقصاء التي لاقاها هذا التيار،وساعد الحرس الثوري الإيراني جيش المهدي في مواجهاته مع القوات الأمريكية في النجف عام 2004ومنذ ذلك التاريخ تولت إيران تدريب قوات الصدر سياسيًا وعسكريًا،كما قامت بدعمه في الإنتخابات[177]،وعند الإعلان عن تأسيس جيش المهدي سارع آلاف الشباب المدربين علي مختلف أنواع القتال نتيجة خدمتهم في الجيش العراقي لسنوات طويلة بالإنضمام إليه ،ولا توجد أرقام محددة لعدد أفراد هذا الجيش ولكنه يتكون من وحدات عسكرية تبدأ بالفصيل المؤلف من 50 مقاتلا ،تليه السرية المؤلفة من 300 مقاتلا،وكل سبع سرايا تشكل فوجًا ،ويوجد في النجف وحدها كما أوضح أحد قادة جيش المهدي خمسون سرية وهومايعني إنتشار خمسة عشر ألف مقاتلا في النجف وماحولها .

هذا وقد تم تدريب ما لا يقل عن 150 إمرأة في جيش المهدي علي تنفيذ التفجيرات والتركيب وفك وصيانة الأسلحة والتجسس وجمع المعلومات في بغداد والمدن الجنوبية ويعتمد جيش المهدي علي النساء اللواتي تتوافر فيهن صفات الذكاء والسرية والقدرة علي التخفي والرغبة في القتال والقدرة علي توصيل ونقل الأسلحة وجمع المعلومات والتجسس ،وقال مدير مكتب الصدر في بغداد لدينا لواء من السيدات المكلفات بعمليات إستشهادية ،وقد سمي هذا اللواء بإسم لواء بنت الهدي ومعظم المنتسبات إليه من شقيقات وزوجات وبنات أعضاء جيش المهدي.[178]

أما إمدادات جيش المهدي ،فتأتي علي شكل تبرعات من الأهالي وأصحاب المحال التجارية ولا يوفرالجيش سكنًا لإعضائه او معسكرات لمبيت منتسبيه ،ويدفع جيش المهدي نقودًا لأهالي القتلي من منتسبيه ،أما رواتب أعضائه فهي غير معروفة ،ويعاني الجيش حاليًا من حالات إنشقاق عديدة وبدأت سرايا من هذا الجيش تشكل فيما بينها ميليشيات لا تلتزم بتعليمات السيد مقتدي الصدر وعلي الرغم من هذه الإنشقاقات فلا زال التيار الصدري يتمتع بدرجة تأييد عالية في الشارع الشيعي،كما أن لديه أنصاره من العاملين في قوات الجيش والشرطةخاصة تلك التي تعمل في مناطق النفوذ الصدري ،حيث أن غالبيتهم من القاطنين في هذه المناطق،ويقف عادة أفراد جيش المهدي في أحياء الصدر والشعب وبغداد جنبًا إلي جنب مع قوات الشرطة ،وهذا يفسر عدم تدخل قوات الأمن المحلية في هذه المناطق لمنع العصيان المدني الذي أعلنه التيار الصدري في شهر إبريل عام 2008[179].وفي الإشتباكات الأخيرة شوهد مسلحون يرتدون بزات عسكرية مخصصة لأفراد القوات الأمنية الحكومية من الجيش والشرطة وهم يحملون السلاح ويقاتلون إلي جوار جيش المهدي في محافظة البصرة ومناطق اخري من البلاد وهوما يعد دليلا واضحًا علي إختراق هذه الميليشيات لقوات الأمن ،هذا ورفض عددًا من الجنود من أبناء مدينة الصدر الذين يتركزون في معسكرات ووحدات عسكرية ومراكز للشرطة في مناطق أخري في بغداد مقاتلة أصدقائهم الذين ينتمون لجيش المهدي وفضلوا ترك واجباتهم علي الإشتراك في المعارك ضد أبناء جلدتهم[180]،هذا وكشفت معارك البصرة وبغداد الأخيرة بين التيار الصدري والقوات الحكومية عن عمق تغلغل هذا التيار وقوته في بعض محافظات الجنوب وقدرته علي إجهاض العملية العسكرية ضده وأنه أصبح منافسًا قويًا لفيلق بدر وهوالجناح العسكري للمجلس الأعلي الإسلامي أكبر الأحزاب الشيعية في العراق والذي يمتلك السيطرة شبه الكاملة علي الجنوب،ولقد تأسس فيلق بدر في إيران عام 1982 علي يد محمد باقر الحكيم الزعيم الأسبق للمجلس وكان يتكون من بضعة آلاف من العراقيين المنفيين واللاجئين إلي إيران ،وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتدريب وتسليح فيلق بدر ،ولقد شن فيلق بدر حربًا علي النظام الأسبق بإستخدام خلايا سرية في العراق وقواعد عسكرية في إيران ،وبعد العودة إلي العراق غير الفيلق إسمه إلي منظمة بدر وأعلن تحوله إلي منظمة سياسية كنتيجة ربما للإتهامات المتزايدة ضده بأنه قام بعدد من عمليات الإغتيال والإختطاف والتعذيب علي أساس طائفي [181] .

لقد باتت الإشتباكات الشيعية المسلحة مألوفة منذ سقوط النظام السابق، وبدأت بعد إغتيال السيد عبدالمجيد الخوئي في الكوفة علي يد أنصار السيد مقتدي الصدر ،ويدور الصراع في الجنوب بين ثلاثة قوي شيعية هي المجلس الأعلي الإسلامي ،والتيار الصدري ،وحزب الفضيلة ,ويشتد الصراع علي السيطرة علي مدينة البصرة حيث أنها تعد الممر المائي الوحيد الذي يمتلكه العراق ويوجد بالبصرة موانئ تصدير النفط ومصافي تكرير النفط والحقول الرئيسية في الجنوب ،كما أن كل الطرق البرية التي تربط العراق بالخليج العربي ووسط وجنوب إيران تمر بها ،ويوجد في البصرة أكبر تجمع سكاني بعد بغداد[182]،لقد إزدادت حدة الإقتتال بين القوي الشيعية وأصبحت نذير خطر للعديد من الأطراف بدءًا من واشنطن ومرورًا بوحدة التيار الشيعي داخل البرلمان العراقي ولم يعد الإنقسام الشيعي محتفظًا بشكله التقليدي بين علمانيين ومتدينين ،و إنما أصبح صراعًا بين متدينين ومتدينين وتزداد خطورة هذا الصراع كون أن القوي الشيعية المتدينة تمتلك ميليشيات مسلحة تسليحًا جيدًا ويمتلك أفرادها قدرات قتالية عالية ،وأصبح نزاع هذه القوي السياسي والإجتماعي يترجم في صورة نزاع مسلح يدور في الجنوب العراقي ـويهدد بخلق حالة من الفوضي قد تمتد آثارها إلي بغدادـ خاصة بين جيش المهدي الذي يتكون من عناصر شابة أقل عمرًا من عناصر فيلق بدر ولكنها أكثر قدرة علي المشاركة في النزاعات الإثنية والمذهبية من هذه القوات.[183]

وتزيد قضية فيدرالية الجنوب من حدة الخلافات السياسية بين القوي الشيعية وأدت إلي تصاعد العنف في البصرة والجنوب بين هذه القوي الثلاث،فالتيار الصدري الذي تتركز قوته الشعبية في بغداد يرفض هذه الفيدرالية فليس من مصلحته أن يقوم إقليم فيدرالي في الجنوب ،ولكن من مصلحته أن يبقي العراق موحدًا حتي يستطيع لعب دورًا أساسيًا أكبر ،و يلاقي موقف التيار الصدري إستحسانًا من السنة العرب الذين يعارضون الفيدرالية وتكوين أقاليم جديدة في العراق ويرغبون في وجود حكومة مركزية قوية في بغداد،ولكن فكرة الفيدرالية تحظي بقبول من قبل المجلس الأعلي الإسلامي وحزب الفضيلة وإن إختلفا في تحديد ماهية المناطق التي يجب أن يضمها الإقليم الفيدرالي الشيعي وحجمه،فحزب الفضيلة يري أنها يجب أن تكون فيدرالية في نطاق جغرافي صغير يشمل محافظة البصرة وما حولها فقط ويري أن تتبع حقول النفط وصناعته هذه الفيدرالية وقد يكون السبب في هذه النظرة لفيدرالية الجنوب أن نفوذ حزب الفضيلة يقتصر علي  محافظة البصرة فقط ولا يتعداها إلي باقي مدن الجنوب،بينما يرغب المجلس الأعلي الإسلامي في إنشاء فيدرالية كبيرة تضم البصرة والناصرية والنجف وكربلاء حتي أطراف بغداد مما يعني أنه سيصبح القوة الشيعية الوحيدة القادرة علي حكم هذا الإقليم مما يعني سيطرته علي الثروة النفطية في هذا الإقليم ،ومن المتوقع أن تزداد حدة العنف في الجنوب مع الإقتراب من موعد الإنتخابات المحلية في أكتوبر 2008،وهي الإنتخابات التي يشارك فيها التيار الصدري لأول مرة بعد أن كان قاطعها سابقًا للتركيز علي الإنتخابات البرلمانية في يناير 2005 ،مما أدي إلي سيطرة المجلس الأعلي علي مجالس محافظات الجنوب ،كما يزداد الصراع حدة نتيجة للموقف الأمريكي المؤيد للمجلس الأعلي الإسلامي في صراعه مع التيار الصدري وهو الصراع الذي راه البعض بأنه قد يحدد المستقبل السياسي للعراق.[184]

ب:السنة.

دخل السنة عهد الإحتلال الأمريكي للعراق وهم بدون قيادةموحدة تجمع فيما بينهم وتتحدث بإسمهم وتمثلهم وتعمل علي تحقيق مصالحهم والدفاع عن حقوقهم ،وشهدت المناطق التي يسكنها السنة العرب حالة إنقسام شديدة وعدم وحدة في المواقف والرؤي السياسية ،فمنهم من إختار طريق العمل السياسي حتي لا يترك العملية السياسية للشيعة والأكراد فيفقد السنة دورهم في النظام السياسي الجديد ،ومنهم من راهن علي العمل المسلح لإخراج المحتل الأمريكي وإرجاع السنة إلي السلطة،مما أدي إلي إنتشار العنف في هذه المناطق ،وأصبح الموقف علي المستوي الداخلي يشهد نوعًا من التشتت وعدم التماسك وصراعًا سياسيًا وصراعًا عسكريًا ،فعلي المستوي السياسي والفكري كان هناك صراع بين المدرسة السلفية المعتدلة التي تنتمي إليها هيئة علماء المسلمين التي كانت تهدف إلي إنشاء مرجعية للسنة تماثل المرجعية الشيعية وبين الإتجاه الإخواني بقيادة الحزب الإسلامي ،مما أدي إلي تكوين هيئة بديلة عن هيئة علماء المسلمين بإسم هيئة علماء العراق أكثر براغماتية فيما يخص التعامل مع الوضع السياسي الجديد والإحتلال[185]. وانحصر الخلاف بين الطرفين في الموقف من المشاركة في العملية السياسية ،حيث قاطعت الهيئة العملية السياسية في العراق ودعمت حركات المقاومة المسلحة بينما شارك الحزب الإسلامي في هذه العملية مما جعله متهمًا من قبل الجماعات المسلحة وهيئة علماء المسلمين بأنه أحد أسباب كارثة السنة علي المستوي السياسي من خلال موافقته علي الدستور وقبوله المشاركة في الإنتخابات رغم ماتردد عن شبهة تزويرها .

ولم يكن الخلاف بين هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي هو الخلاف السياسي الوحيد للهيئة ولكنها إختلفت أيضًا مع ديوان الوقف السني ،وتنافس الطرفان حول مرجعية المساجد السنية التي يتبع كثير منها هيئة علماء المسلمين وكذلك إختلفوا حول التمثيل السني في المؤتمرات واللقاءات الخارجية ،واتهم الشيخ أحمد عبدالغفور السامرائي رئيس الوقف السني بأنها أصل الفتنة الطائفية كونها إلتزمت الصمت حيال جرائم تنظيم القاعدة مما جعلها عائقًا أمام إنضمام أبناء السنة إلي قوات الجيش والشرطة ، وقد أدي هذا الصراع إلي أن تقوم قوة تابعة للوقف السني وأخري تابعة لميليشيا صحوة العامرية و الأعظمية  بإغلاق مقر الهيئة في مسجد أم القري في منطقة الغزالية.[186]

كما هاجمت الهيئة العشائر السنية التي أصبحت قوة لا يستهان بها خاصة بعد حربها مع القاعدة و اتهمت الهيئة زعماء العشائر بالولاء للأمريكان ،خاصة مجلس إنقاذ الأنبار الذي إتهم الشيخ حارث الضاري زعيمه عمر أبو ريشه بقيادة عصابات سلب ونهب علي الطريق الدولي ،ولم تكن هيئة علماء المسلمين هي الجهة الوحيدة التي إختلفت مع مجالس العشائر ولكنهم إختلفوا أيضًا مع جبهة التوافق السنية ،فالجبهة إتخذت موقفًا متصلبًا من هذه المجالس لا يقل حدة عن موقف هيئة علماء المسلمين ،ولكن الجبهة غيرت موقفها بعد حصول العشائر علي الدعم الأمريكي والحكومي، مما دفع الجبهة إلي التواجد المكثف في مناطق العشائر ومحاولة إستقطاب قياداتها كي تدعم موقف الجبهة السياسي وخاصة في قضية إنسحاب الجبهة من الحكومة ،ولكن إغتيال قائد العشائر ستار أبو ريشه عاد ليغير من هذه العلاقة من جديد وأصبح هناك عداءا سافرا بين الجبهة والعشائر وصل إلي حد الإتهامات المتبادلة بالفساد والإفتقار إلي التمثيل الشعبي وبدأت العشائر في لعب دورًا سياسيًا أكبر مما أدي إلي إندلاع الصراع بين الطرفين .

لقد أدي إنشاء مجالس الصحوة لتقوية نفوذ العشائر السنية ،ومجالس الصحوة هي كيانات عشائرية يقودها في الغالب أحد الشيوخ وتضم عددًا من أبناء العشائر ،وتأسست لأول مرة في الأنبار غربي العراق التي تعد أكبر محافظة سنية في البلاد ثم إنتقلت التجربة إلي محافظات أخري مثل صلاح الدين وديالي ونينوي ،فضلا عن عدد من مناطق العاصمة بغداد بعد نجاح تجربتها في الأنبار ،ويري مدير الإتصالات في الجيش الأمريكي في العراق الأدميرال البحري جريجوري سميث أن عدد الصحوات في العراق وصل إلي 186 مجلسًا تعمل في 186 منطقة وتضم ضمن صفوفها سبعة وسبعون ألف عنصر مسلح[187].

ومنذ إنشائها تولت مجالس الصحوة قتال تنظيم القاعدة الذي لا يزال يحظي بالدعم في بعض المحافظات السنية مثل الأنبار وديالي وصلاح الدين ونينوي مما أدي إلي إقتتال سني شرس بين الطرفين كانت نتيجته تراجع حجم العمليات الموجهه ضد قوات الإحتلال ،وأن تبدأ القاعدة في تغيير تكتيكاتها وأن تبدأ في إستهداف القيادات العربية السنية وأن تقوم بأعمال تفجيرية في المناطق السنية مثل تفجير مطعم في الرمادي ، وقيام شخص كبير في السن بتفجير نفسه في مجلس عزاء أقيم لإثنين من رجال العشائر كانوا قد قتلوا بعد إنضمامهم إلي مجلس صحوة قرية البومحمد بمحافظة ديالي مما أدي إلي مقتل خمسين شخصًا علي الأقل نتيجة لهذا الإنفجار.[188]

إن نجاح مجالس الصحوة في الحد من نفوذ وتواجد تنظيم القاعدة في المناطق السنية أدي إلي أن تنتقل هذه المجالس إلي المجال السياسي ولقد بدأ هذا التحول مع إعلان صحوة الأنبار التي يقودها أحمد أبو ريشة عن إنشاء كيان سياسي ودخولها في صراع مع الحزب الإسلامي في مناطقها وإجبارها الحزب علي إغلاق مقاره هناك .[189]

كما طالب الجيش الأمريكي بضم أفراد الصحوة ودمجهم في الجيش وقوى الأمن ،وهو ماتتحفظ عليه القوي الشيعية خاصة في ظل ما يتردد عن أن مجالس الصحوة تضم أفرادًا من عناصر القاعدة لا يزالوا يكنون الولاء للقاعدة ،كما لا يزال البعض الأخر يري أنه من الأفضل له العمل مع مجالس الصحوة وتنظيم القاعدة في ذات الوقت وهؤلاء يتواجدون في العديد من مناطق بغداد مما يشكل خطورة بالغة علي الأمن في حالة تمكنهم من الإلتحاق بقوي الجيش والشرطة،حيث أنهم سيعملون علي حماية تنظيمهم والدفاع عن أمن أفراده.

ج:الأكراد.

علي الرغم من سنوات الإقتتال الضاري بين الأكراد في سنوات الحكم الذاتي بعد حرب الخليج الثانية إلا أن الأكراد إستطاعوا التماسك بعد سقوط النظام الأسبق و توحيد الصف الكردي في مقابل الجماعات الإثنية الأخري والحكومة المركزية في بغداد ،ويري البعض أن هذا التماسك والوحدة ظاهريان حيث لا زال الحذر يحكم العلاقة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين ،ورغم تشكيل حكومة موحدة للإقليم منذ أكثر من عامين إلا أن  هذه الحكومة لا تزال تشهد إزدواجية خاصة في وزارات السيادة والمالية والأمن والقوات المسلحة بما يعنيه ذلك من عدم إنصهار فعلي وإحتفاظ كل حزب بعناصر وأدوات السيطرة داخل المنطقة التابعة له في إقليم كردستان[190]،مما قد ينذر بتطور الأوضاع إلي إقتتال من جديد فيما بينهما بعد الإنتهاء من تحقيق الأهداف الكردية وإنشاء الأقليم الفيدرالي الكردي الذي سيحتوي علي ثروة نفطية ضخمة قد تكون هي السبب في إقتتال الحزبين الكرديين الرئيسيين مرة أخري .

وتثير المجموعة الكردستانية الإسلامية مخاوف الأحزاب الكردية بسبب إتساع نفوذها وإزدياد شعبيتها ومطالبها بتطبيق الشريعة الإسلامية[191].

كما تشكل جماعة أنصار الإسلام وهي جماعة كردية رئيسية أسسها الملا فاتح كريكار في 10 ديسمبر 2001 نتيجة إندماج حركتي جند الإسلام والإصلاح الكرديتيين وتتبني الفكر السلفي الجهادي تحديًا أخر للحزبين الكرديين الرئيسيين ،وتتكون جماعة أنصار الإسلام من الأكراد السنة المتشددين ومعهم عدد كبير من الأفغان العرب، وتسعي إلي إقامة حكم إسلامي في إقليم كردستان وترفض النفوذ الأمريكي في كردستان ،كما ترفض إقامة علاقات قوية مع واشنطن وتتواجد هذه الجماعة في المناطق الجبلية في شمال كردستان ،وتتواجد أيضًا حول حلبجة في محافظة السليمانية علي طول الحدود مع إيران، ودخلت هذه الجماعة في صراع مسلح مع الإتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني ،هذا وقد أعلنت جماعة أنصار الإسلام مسئوليتها عن هجمات إنتحارية متزامنة في فبراير 2004 إستهدفت مكاتب الحزبين الرئيسيين الكرديين. [192]

العنف بين الجماعات المذهبية المختلفة(العنف بين السنة والشيعة).

لم يكن المجال السياسي في العراق هو المجال الوحيد الذي يعاني من حالة الفوضي ولكن المجالين العسكري والأمني كانا يعانيان أيضًا من حالة فراغ وفوضي عارمة نتيجة عملية إجتثاث البعث وحل الجيش والشرطة ،مما أدي إلي تزايد ظهور الميليشيات العسكرية في العراق وبعض هذه الميليشيات كان موجودًا في كردستان خارج نطاق سيطرة الرئيس صدام حسين (البشمركة)وبعضها كان موجودًا في إيران (فيلق بدر)وبعضها ظهر في العراق بعد سقوط النظام(جيش المهدي وجيش عمر )،وجاءت كثرة ظهور الميليشيات العسكرية في العراق نتيجة طبيعية للبيئة الغير آمنة التي نتجت عن غياب المؤسسات السياسية والأمنية الوطنية القادرة علي توفير الأمن للجميع ،مما جعل العراقيين يعتمدون علي هذه الميليشيات الطائفية المسلحة لكي تقدم لهم الأمن والحماية و أدي إلي زيادة العنف المذهبي بين العراقيين (أنظر الشكل رقم 3 والشكل رقم 4في قائمة الملاحق واللذان يوضحان أعداد الوفيات المدنية وأعداد الوفيات بسبب العنف الإثني والمذهبي)،وتتميز الميليشيات المسلحة في العراق بالقدرات القتالية والتدريب العالي، وتتمتع تلك المجموعات بمعرفة عالية بالوضع العراقي السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي وبمقدرة فائقة علي تحديد الأهداف عبر خزين المعلومات والعلاقات التي يتمتع بها أعضاؤها ،وتتراوح مهام هذه الميليشيات من ميليشيات لحماية المناطق التي تتواجد بها وصولا إلي أن تصبح هذه الميليشيات أكثر قوة وتنظيمًا وتقوم بمهاجمة المناطق الأخري إنطلاقًا من مناطق محددة إستطاعت السيطرة عليها وعزلتها بالكامل وأبعدتها عن سيطرة الحكومة.[193]

هذا ويمكن تقسيم الميليشيات العراقية إلي :-

1)المسلحون الذين يرتدون زي قوات الأمن العراقية ويحملون سلاحها ويستخدمون سياراتها ويمارسون الخطف والقتل بإسمها ،هذا وتنفي وزارة الداخلية إرتباطهم بها.

2)الفئة الثانية المسلحون الذين يرتدون الملابس السوداء وساهموا بإحراق المساجد السنية وقاموا بإرتكاب أعمال الخطف والقتل وقد ظهروا بشكل أكثر وضوحًا بعد تفجيرات سامراء،وينتمي هؤلاء إما إلي جيش المهدي الذي نفي إنتماؤهم إليه أو إلي فيلق بدر التابع للمجلس الأعلي الإسلامي .

3)الجماعات المسلحة التي تستخدم السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والإنتحاريين لتنفيذ عملياتها،وهذه الفئة تضم العديد من المجموعات أبرزها تنظيم القاعدة والجهات المرتبطة به .

4)ميليشيات قامت الولايات المتحدة بدعمها وتسليحها وتمويلها بعدة ملايين من الدولارات، مثل ميليشيا المؤتمر الوطني العراقي الذي يترأسه أحمد الجلبي وهو عراقي مقرب من البنتاغون، وقد سميت هذه القوات التي أنشأت عام 2002 بقوات العراق الحر،ولقد قام سلاح الجو الأمريكي بنقل الجلبي وستمائة من عناصرميليشياته إلي الناصريةبعد سقوط النظام السابق،وقد قامت هذه الميليشيات بقتل العديد من المسئولين البعثيين والمواطنين العراقيين .[194]

وتكثف الجماعات المسلحة من عملياتها في بغداد وذلك للإستفادة من سهولة التنقل داخلها، ووجود جماعات مذهبية متعاطفة مع هذه الجماعات ،كما تدرك هذه الجماعات أنه مهما إتسعت وتعاظمت عملياتها فإن تأثيرها سيظل هامشيًا لأنها تجري في أماكن طرفية لا تؤدي لنفس التأثير السياسي والإقتصادي للعمليات التي تحدث في العاصمة، ولن تحظي بنفس الإهتمام الإعلامي مالم تكن عمليات كبري توقع ضحايا كثيرون وهذا مالا يمكن تحقيقه دائمًا،كما أن السيطرة علي بغداد يعني السيطرة علي كامل الدولة العراقية ،وإضعافها أمنيًا هو إضعاف لبنية الدولة العراقية بكاملها ،و إستقرارها أو تأزمها يؤثر وينتقل إلي باقي المدن العراقية.[195]

إن إندلاع العنف في العراق كان نتيجة للعديد من الأسباب التي دفعت الميليشيات السنية والشيعية للإنغماس في هذا العنف ،ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:

1)تري بعض الجماعات السنية المسلحة أن سقوط العراق في دائرة العنف الإثني والمذهبي  سيثبت عجز الشيعة والأكراد عن توفير الأمن والأمان مما سيدفع الامريكيون إلي عزلهم من السلطة وإعادة السنة العرب إليها.

2)يهاجم المتشددون السنة وخاصة تنظيم القاعدة الشيعة لأنهم من وجهة نظرهم بعيدون عن الإسلام الصحيح ولذلك يجب قتالهم والإستيلاء علي أموالهم .

3)تري الجماعات المسلحة أن الشيعة يدعمون الإحتلال الأمريكي ،وأنهم السبب في قدومه للعراق وإنهاء الحكم السني له والذي دام لأكثر من ثمانين عامًا،وزادت كراهية هذه الجماعات للشيعة بعد الهجوم الأمريكي الوحشي علي الفلوجة ،حيث رأت هذه الجماعات أن الشيعة إنقسموا إلي فريقين ،فريقًا بقي علي الحياد ولم يشارك في هذا الهجوم ولكنه لم يقم بإدانته أيضًا،وفريقًا أخر قد شارك في هذا الهجوم من خلال إشتراك أتباعه في قوات الأمن العراقية التي شاركت في هذا الهجوم ،وقد قال أبو مصعب الزرقاوي "أن معركة الفلوجة قد أزالت القناع عن وجه الشيعة"[196].

4)كانت القاعدة تهدف من الهجوم علي الشيعة دفعهم إلي القيام بردود أفعال مضادة تؤدي إلي زيادة العنف، وتعيق قوات الإحتلال عن محاربتها والقضاء عليها.

5)إن العنف السني كان محاولة من السنة الدفاع عن أنفسهم في مقابل أعمال العنف التي تقوم بها بعض قوي عناصر الأمن المنتمية للجماعات الشيعية .

6)أما العنف الشيعي فقد كان يهدف قبل أحداث سامراء إلي الإنتقام من المسئولين البعثيين السابقين والعسكريين الذين شاركوا في أعمال عنف ضدهم في زمن النظام الأسبق.

7)يري زعماء السنة العرب أن أعمال العنف التي تقوم بها الميليشيات الشيعية المسلحة تهدف إلي الوصول إلي فيدرالية الجنوب والتي تمكن الشيعة من الإستئثار بعوائد حقول نفط الجنوب وحدهم،وحرمان السنة من هذه العوائد وإفقارهم .

إن وجود هذه الأسباب بالإضافة للعوامل السياسية والإقتصادية والنفسية والثقافية،أدت إلي نشوء العنف المذهبي والإثني في العراق ،ولكن هذا العنف أخذ صورة تصاعدية ووقعت أعمال قتل وخطف متبادلة بين الطرفين ،وتنسب الكثير من اعمال القتل التي قام بها الشيعة ضد السنة إلي القوي الأمنية التابعة لوزارة الداخلية ،فكانت هذه القوي بلباسها الرسمي تتجه إلي بيوت السنة وخاصة المسئولين السابقين وتقوم بإلقاء القبض عليهم ،وبعد عدة أيام تظهر جثث هؤلاء ملقاة في الشوارع وكثيرًا ما كانت تظهر آثار التعذيب علي هذه الجثث،وفي نوفمبر 2005 إكتشف جنودًا أمريكيون سجنًا سريًا يدار من قبل وزارة الداخلية العراقية ،ووجدوا فيه 169 مسجونًا سنيًا يعانون من التعذيب الشديد،واتهم السنة خلال حملاتهم الإنتخابية وزير الداخلية بيان جبر والذي كان رئيسًا من قبل لقوات بدر بأنه المسئول عن هذا التعذيب ،وأنه جند أفراد فيلق بدر في الشرطة والأجهزة الأمنية من أجل الإنتقام من السنة،هذا وقد رفض بيان جبر هذه الإتهامات وأعلن عن القبض علي لواءًا وسبعة عشر موظفًا من وزارة الداخلية متورطين في أعمال القتل والخطف المذهبي التي ترتكبها فرق الموت ،كما أعلنت وزارة الداخلية عن إكتشاف مجموعة إرهابية داخل الفرقة السادسة عشر تقوم بقتل المواطنين.[197]

وعلي الرغم من أن الحرب الأهلية بمعناها الواسع التي يحدث فيها صدام مسلح مباشر بين السنة والشيعة في العراق لم تحدث بعد ووجود علاقات إجتماعية طيبة بين أغلب أفراد الطائفتين،إلا أن هناك حديثًا متزايدًا عن وقوع العراق في دائرة الحرب الأهلية وإن كان من الصعب تحديد تاريخا محددًا لإندلاعها ،فالبعض يري أنها بدأت في 29/8/2003 بإغتيال السيد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلي الإسلامي في مدينة النجف،ويري أخرون أن بداية إندلاع هذه الحرب يعود إلي 20/3/2004 عندما قام إنتحاري بتفجير نفسه في موكب للشيعة كان متجهًا إلي كربلاء ثم تلاه تفجيرات قرب مسجد الكاظمية في بغداد أدت إلي مقتل 180 شيعيًا وبعدها توالت الإنفجارات ضد أماكن العبادة الشيعية ،ويؤكد البعض أن هذه الحرب إندلعت في 31/8/2005 نتيجة تفجير جسر الأئمة والذي أدي إلي مقتل 965 شيعيًا مما جعل بعض الميليشيات الشيعية المسلحة تقوم بإختطاف العديد من السنة العرب وتقتل معظمهم وترمي أجسادهم في الشوارع ،كما إستهدفت فرق الموت من تشك في إنتماؤه للجماعات السنية المسلحة أو يؤيدهم[198]،ولكن هذه العمليات كانت محدودة الإطار إلي أن وقعت أحداث سامراء والتي نتجت عن قيام إحدي الجماعات المسلحة التابعة للقاعدة بتفجير مرقدي اٌلإمام علي الهادي والإمام الحسن العسكري .

بعد وقوع هذه الإنفجارات حاولت القيادات السياسية الدينية إحتواء آثار هذه التفجيرات سريعا ،و ظهر السيد علي السيستاني وهو نادرًا ما يخرج إلي العلن علي شاشات التلفاز كي يطالب أتباعه بالهدوء، إلا أن العنف المذهبي تفجر بشدة في ظل غياب تدخل الجيش الأمريكي الذي أثبتت أحداث سامراء أنه غير مؤهل للتدخل في النزاعات المذهبية وغير قادر علي حماية العراقيين ،و بعد ساعات من تفجيرات سامراء أخذ جيش المهدي في السيطره علي نقاط هامة حول بغداد ، و بدؤا في الهجوم علي مساجد السنة تحت سمع وبصر قوات الإحتلال وقوات الأمن العراقية، الذين لم يتدخلوا لإيقاف هذه الممارسات العنيفة ،بل علي العكس قد شارك بعض من افراد قوات الأمن في هذا الهجوم، وتم قتل ثلاثة من أئمة المساجد السنية ،وكذلك توجهت الميليشيات الشيعية إلي سجن البصرة وقتلوا العرب السنة المحتجزون هناك بشبهة الإرهاب ،وفي اليوم التالي لهذا الهجوم خطفت الميليشيات السنية المسلحة 47 شيعيًا وشنقوهم بالقرب من بعقوبة ،وفي الأسبوع التالي لتفجيرات سامراء قامت مجاميع مسلحة شيعية بشن هجمات علي المساجد السنية في العاصمة بغداد والمحافظات الأخري ،مما أدي إلي تدمير وإحراق وتفجير أكثر من 184 مسجدًا سنيًا والإستيلاء علي عدد أخر .

وهكذا أخذ الصراع بين الطرفين طابعًا جديدًا ،فتم إنشاء الميليشيات المسلحة التي تحمل أسماءًا دينية تحظي بأهمية لدي الطرفين مثل جيش المهدي،وجيش عمر الذي تم إنشاؤه عام 2005 لكي يكون أداة مسلحة تمكن السنة من الرد علي الهجمات الشيعية وما ترتكبه من أفعال في حق السنة ويعمل هذا الجيش في المناطق ذات الأغلبية السنية في غرب بغداد ،وتزايد نفوذ جيش المهدي الذي ترددت أنباء عن قيامه بإنشاء محاكم لأعضاء من حزب البعث وغيرهم من العراقيين السنة الذين يشتبه في قيامهم بأعمال إرهابية ضد الشيعة وتم إصدار أحكامًا بإعدامهم وتنفيذ هذه الأحكام ،وقد نفي التيار الصدري هذه الأنباء ،ودعا الصدر أتباعه بالتوقف عن أعمال العنف ، ولكن لازال أعضاءًا في جيش المهدي خاصة المرتبطين بإيران ينتهكون أوامره.[199]

وأخذ تنظيم القاعدة بالعمل علي توسيع دائرة العنف الإثني والمذهبي وإشعال نار الفتنة المذهبية في العراق بين السنة والشيعة ،هذا وقد أعلن المتحدث بإسم القوات متعددة الجنسيات الجنرال كيفن بيركنر العثور علي وثائق مكتوبة بخط اليد موجهة إلي زعيم القاعدة في العراق أبو أيوب المصري تحتوي علي مخططات للقاعدة تهدف إلي تقسيم العراق وتشرح الوثائق الكيفية التي يمكن أن يتم بها التسلل إلي صفوف قوات الأمن العراقية ،وكيفية تشكيل وإدارة خلايا القاعدة ، كما تحتوي الوثائق الطرق التي تمكن القاعدة من حماية ذاتها ،و أهمها ضرورة محاربة قوات الصحوة وضرورة إشعال نار الفتنة الطائفية بين قوات الصحوة والشيعة والأكراد، وضرورة شن حرب إقتصادية تشمل شن هجمات علي حقول النفط والغاز وأنابيب نقل البترول، ومحاولة السيطرة علي إمدادات بعض المصافي النفطية شمال غرب بغداد مثل مصفاة بيجي وشن هجمات علي محطات توليد الكهرباء وخطوط نقل الكهرباء[200].

ولقد بدأت هذه الميليشيات بممارسة نشاطًا واسعًا في المناطق القريبة من بعضها البعض  مثل البياع وحي العامل والمهدية والسيدية وتبادلت الميليشيات المسلحة  في هذه المناطق قصف بعضها البعض بقذائف الهاون[201]، وأدت هذه الميليشيات إلي بروز العديد من الظواهر العنيفة التي لم يعرفها المجتمع العراقي من قبل مثل:

*القتل علي الهوية: لقد أصبح الوضع في بغداد خطيرًا للغاية ،حيث يتم العثور يوميًا علي أعداد كبيرة من الجثث التي تعود لأشخاص يتم خطفهم وقتلهم بعد تعذيبهم ومن ثم إلقائهم في الطرقات بعد أخذ كل مايدل علي هوياتهم ،وهناك العديد من الحالات التي لا يذهب ذوي القتلي فيها إلي الدوائر الصحية من أجل إستلام جثث قتلاهم خوفًا من أن يتعرضوا للإيذاء من قبل ميليشيات الصدر التي تسيطر علي وزارة الصحة ومؤسساتها حيث أعلنت هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي وعدة منظمات لحقوق الإنسان أنه جري خطف وقتل الكثير من أهل القتلي أثناء مراجعتهم الدوائر الصحية لإستلام جثث أقربائهم [202]،هذا ويتعين علي ذوي الضحايا الحصول علي إذن من مركز الشرطة الذي قام بنقل الجثث إلي معهد الطب العدلي ،بيد أن العديد منهم يخشون الذهاب إلي مراكز الشرطة لأنهم يعتقدون بأن ضباط الشرطة قد يكونون مسئولين عن عمليات الإختفاء ،ومعظم عمليات القتل ومواقع وجود الجثث مجهولة الهوية في بغداد تقع ضمن مسئولية ستة مراكز للشرطة ،ثلاثة منها في مناطق سنية وهي بلاط الشهداء في الدورة،والقدس في الراشدية،والأعظمية في مدينة الأعظمية ،أما الثلاثة التي تقع في مناطق شيعية فهي،التهذيب في مدينة الصدر ،والخنساء في بغداد الجديدة،والشعلة في مدينة الشعلة .

وتعتبر نقاط التفتيش التابعة للميليشيات المسلحة والتي يكثر وجودها في الأحياء العراقية المكان المفضل لهذه الميليشيات لأخذ الضحايا من المذاهب المختلفة وقتلهم،ولذلك بدأ الناس في بغداد تعلم طرق تجاوزها ،وبدأ الأفراد بحفظ معلومات عن المذاهب الدينية المختلفة وطرق الصلاة والشخصيات الدينية البارزة،من أجل أن يتجاوزوا هذا الإمتحان الصعب الذي سيتعرضون له والأسئلة الفكرية والفقهية التي يجب عليهم الإجابة عليها كي يثبتوا أنهم مع الجهة المستجوبة لهم وتدور الأسئلة حول السؤال عن أذان الصلاة والخمس أي الزكاة ،و الأئمة وعددهم وترتيبهم وغيرها من الأمور الدينية.[203]

وتفضل الميليشيات الشيعية المسلحة إستخدام فرق الموت التي يلبس بعضها زيًا موحدًا يوزعه عليهم قادة الميليشيات للقيام بأعمال القتل علي الهوية ،وكانت هذه الميليشيات تقوم بهذه الأعمال

 ليلا خاصة في المناطق المختلطة ببغداد ،حيث تقوم بإختيار ضحاياها وقتلهم بعد تعذيب بعضهم

ولكن هذه الميليشيات بدأت منذ عام 2006 بالقيام بأعمال القتل الطائفي في وضح النهار مثلما حدث في حي الجهاد ،حيث دخلت هذه الميليشيات الحي وأخذت الضحايا من منازلهم ومكاتبهم وسياراتهم وأعدمتهم في وضح النهار مخلفة ورائها 40 قتيلا ،وعلي الفور ردت الميليشيات السنية المسلحة وقتلت 50 شيعيًا بنفس الطريقة في المحمودية[204]، وأكد العرب السنة في شمال العراق أن فرقة الذئب التابعة لقوات بدر والتي شاركت قوات الولايات المتحدة  القتال في الموصل في الأيام الأولي للإحتلال قامت بأعمال قتل وتعذيب ضدهم ،وعلي الرغم من قيام الميليشيات السنية المسلحة بالرد علي أعمال القتل الطائفي بنفس الطريقة أحيانًا ،إلا أنها غالبًا ما تفضل إستخدام أسلوب الهجمات الإنتحارية أو السيارات المفخخة للرد علي أعمال القتل التي تقوم بها الميليشيات الشيعية المسلحة ،لأنها لا تحتاج إلي خبرة أو تدريب للقيام بها وإنما تحتاج إلي أشخاص يقبلون بتنفيذ هذه العمليات ،وكثيرًا ماتستخدم هذه الجماعات ضحاياها من المخطوفين في تنفيذ عمليات إنتحاريه إجبارية  ـ بعد أن تقوم بحقنهم بمواد مخدرة تسلبهم إرادتهم وتجعلهم في حالة من اللاوعي لا يدركون معها ما يقومون به ـ لضرب نقاط التفتيش المنتشرة في بغداد ،فهم يطلقون الرهائن بعد تفخيخ سياراتهم ويفجرون السيارة مع الضحية عند وصولها إلي إحدي نقاط التفتيش عن طريق أجهزة التحكم من بعد، وعادة ما تحدث التفجيرات بين الساعة السابعة والنصف والساعة العاشرة صباحًا ،ويعود إستهداف نقاط التفتيش التابعة للجيش والشرطة كون أغلب أفراد هذه القوات ينتمون للمذهب الشيعي ،وأغلب حوادث التفجيرات الموجهة ضد الشيعة تكون في المناطق المختلطة مذهبيًا مثل بغداد وديالي وشمال بابل ،حيث يسهل دخول المتطرفين السنة إلي هذه المناطق ،وإستهداف غير السنة في هذه المناطق.

ويوجد العديد من خبراء التفجير في العراق ،الذين يقومون بتأجير خدماتهم للجماعات المسلحة ، وهؤلاء يمتلكون الخبرة الكافية للقيام بهذه الأعمال من عملهم في الجيش العراقي  ، وتحتاج أي عملية إلي شخص يقوم بإعداد المتفجرات ،ويدرب أعضاء هذه الجماعات علي إستخدامها، كما تحتاج إلي من يقوم بزرع هذه المتفجرات ،وإستهداف الجماعات المراد إستهدافها ،ومن الأسباب التي تدفع الجماعات المسلحة إلي إستخدام هذه الوسيلة انها تؤدي إلي سقوط العديد من الضحايا هذا و تلجأ كثيرًا من الجماعات المسلحة إلي القيام بأعمال التفجيرإما عن طريق إستخدام الهاتف المحمول،فتقوم بربط القنبلة بهاتف محمول ثم يقوم المسئول عن التفجير بالإتصال برقم الهاتف المحمول ،مما يؤدي إلي صدمة إليكترونية تؤدي إلي تفجير القنبلة ولكن هذا الأسلوب يعيبه أن الخطوط الهاتفية قد تكون مشغولة ،أو أن هناك صعوبات في الشبكة الهاتفية تمنع من إتمام المكالمة أو أن تتم متأخرة عن الموعد الذي يجب أن تتم به،أما الأسلوب الأخر للقيام بأعمال التفجير فيكون عن طريق إستخدام الريموت كنترول المستخدم للجراجات ،وهذا الأسلوب يعد الأكثر إنتشارًا حيث أنه يمكن القائم بالتفجير أن ينفذ عمليته من علي بعد يصل إلي عشرين مترًا دون أن يراه أحد لصغر حجم الجهاز الذي يمكن أن يوضع في الجيب.[205]

*عمليات الإختطاف:شهد العراق تزايد حالات الإختطاف ،فتشير الإحصائيات إلي انه في يناير 2004 كانت هناك حادثتين إختطاف يوميًا في بغداد ،وإرتفعت هذه النسبة لتصل إلي عشرة ضحايا يوميًا في ديسمبر 2004 في بغداد وحدها ،وفي ديسمبر 2005 إنتشرت حوادث الإختطاف لتصل إلي ثلاثين حالة يوميًا في جميع أنحاء العراق،وتزايد هذا الرقم ليصبح أربعون حالة في مارس 2006 ،وتبقي هذه الأرقام تقريبية تقل عن الأرقام الحقيقية حيث لا يتم دائمًا إبلاغ الشرطة عن هذه العمليات ،[206]وتتم عمليات الإختطاف غالبًا إما من أجل الإنتقام أو لطلب الفدية أو لأسباب سياسية ،مثلما حدث مع السيدة تيسير المشهداني عضو مجلس النواب العراقي التي تم إختطافها في طريق عودتها من ديالي إلي بغداد وتم الإفراج عنها بعد مفاوضات مطولة بين الحكومة والخاطفين ،ولم يحالف الحظ بعض الرموز السياسية الأخري فالسيد علي المهداوي علي سبيل المثال وهو مدير إدارة الصحة في ديالي وكان أحد المرشحين السنة لمنصب نائب وزير الصحة تم إختطافه من داخل وزارة الصحة في بغداد في خلال إنتظاره مقابلة وزير الصحة ،وقد كانت هذه أول حادثة إختطاف تتم داخل وزارة حكومية ولا يزال مصير السيد المهداوي مجهولا حتي الآن[207].

ولقد تطور الإختطاف المذهبي في العراق من حالات الإختطاف الفردي إلي حالات الإختطاف الجماعي ،وحدثت أول عملية إختطاف مذهبية في 17/4/2005 عندما إختطف مسلحون سنة خمسة وسبعين شيعيًا من مدينة المدائن وهددوا بقتلهم مالم يرحل بقية السكان الشيعة عن المدينة وكانت هذه العملية الأولي من نوعها في العراق منذ إنهيار نظام صدام حسين [208]،كما بدأت ظاهرة إختطاف حافلات نقل موظفي الحكومة والقطاع الخاص،ففي يونيو 2006 علي سبيل المثال تم إختطاف ما يقارب من خمسين شخصًا من منطقة الصالحية في بغداد ،وانكرت وزارة الداخلية أي علاقة لها بالحادث علي الرغم من أن شهود العيان قالوا بأن الخاطفين كانوا يرتدون الزي الرسمي للشرطة ،ولقد تم إطلاق سراح العديد من هؤلاء بينما لا يزال مصير الأغلبية مجهولا،و

في ذات الشهر تم إيقاف حافلة تابعة لوزارة الصناعة والمعادن تضم سبعين من موظفي الوزارة كانوا عائدين إلي منازلهم ،حيث تم إيقاف الحافلة في إحدي نقاط التفتيش وصعد مسلحون لها وأطلقوا سراح النساء وإحتفظوا بالرجال ،وبعد فترة تم إطلاق سراح البعض منهم  وقتل الباقون[209]

ويقوم لصوص محترفون ومجرمون سابقون بأغلب عمليات الإختطاف ،وكذلك تقوم بهذه العمليات مجموعات مسلحة ترتدي الزي الرسمي لقوي الأمن ،ويقول أحمد عبدالغفور السامرائي رئيس الوقف السني أن أغلب عمليات الإختطاف تقوم بها المجموعات الإرهابية ،و الميليشيات المسلحة خاصة وأن أعدادًا كبيرة منهم قد إنضمت إلي كوادر وزارتي الداخلية والدفاع ،وأضاف عادة ما يأتي الخاطفون بصحبة مجموعة ترتدي الزي الرسمي للشرطة لإعطائهم الصفة الرسمية التي تسهل لهم القيام بمهامهم ،وأكد اللواء عدنان ثابت المسئول في وزارة الداخلية أن ظاهرة الإختطاف الفردية والجماعية تقوم بها ثلاثة مجموعات مسلحة:الأولي تشكلها الميليشيات والتي تكون عادة مرتبطة بالأحزاب والكتل السياسية بالإضافة إلي المجموعات التي إنشقت من هذه الميليشيات ،والمجموعة الثانية عصابات إجرامية غايتها الوحيدة إختطاف المواطنين لإبتزاز ذويهم ماديًا وتقوم هذه المجموعات بتسجيل أصوات المخطوفين أو تعذيبهم علي مسامع أهلهم مما يؤدي إلي بث مزيد من الرعب والضغط النفسي عليهم ،أما المجموعة الثالثة فتقوم بعمليات الإختطاف بدافع العداء الشخصي عن طريق تكليف مجرمين لقاء مبلغ معين بإختطاف أحد الأشخاص [210].

ونتيجة للأوضاع الإقتصادية المتردية ظهرت العديد من المهن المرتبطة بظاهرة الإختطاف ومنها مهنة العلاس ،وهو شخص يقوم بمهمة جمع المعلومات عن الفرد الذي سيخطف أو سيقتل ويحاول التحري عن إسمه وعنوانه ووضعه المالي وأماكن وجوده وعمله ويحصل علي مبالغ طائلة، ولا بد أن يكون لدي كل الميليشيات والجماعات المسلحة علاسًا يكون حلقة الوصل بين الجاني والمجني عليه [211].

*التهجير الطائفي :أدي العنف المذهبي الذي تفاقم منذ تفجيرات سامراء مطلع عام 2006 إلي تقسيم بغداد إلي مناطق مذهبية تقوم بحمايتها وإدارتها ميليشيات مذهبية مسلحة،وبرزت ظاهرة التهجير العلني للأهالي من مناطق سكنهم التي أمضي بعضهم فيها عشرات السنين علي الرغم من إختلافهم المذهبي عن أغلبية سكانها ،مما خلق احياء الفصل المذهبي داخل العاصمة بغداد التي أصبح من السهل اليوم الإشارة إلي الهوية المذهبية لأحيائها ، وتذكر إحصاءات وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن نحو 40 ألف عائلة قد هجرت منازلها تحت ضغط المسلحين والميليشيات أو بعد مقتل عددًا من أفرادها ،وأن أعدادًا أخري لم تسجل أسماؤها في مراكز الوزارة فضلت ترك منازلها بصمت أو مقايضتها بمنازل أخري[212] .

كما تتوزع العائلات المهجرة قسرًا علي المحافظات العراقية بإستثناء المحافظات الشمالية (أنظر الجدول رقم 10 في قائمة الملاحق)،كما تقصد العديد من العائلات الشيعية المهجرة مكتب التيار الصدري الذي استولي علي البيوت التي تركها السنة في بعض المناطق وأسكنوا فيها العائلات الشيعية المهجرة ،وكذلك فعل المسلحون السنة في غرب بغداد حيث أسكنوا أقربائهم والعائلات السنية المهجرة في البيوت التي تركها الشيعة في المناطق السنية ،وتوجه أصابع الإتهام إلي المجلس الأعلي الإسلامي وتيار مقتدي الصدر من الجانب الشيعي والحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين بأنهم المسئولين عن أعمال العنف المذهبي والتهجير ،حيث أن التهجير يصب في صالح الأجندة السياسية لهذه الجماعات لأنه يساعدها في مد نفوذها إلي مناطق أخري ،فيري البعض علي سبيل المثال أن تيار الصدر يستفيد من تهجير الشيعة من مناطقهم في بغداد ،حيث أن هؤلاء المهجرون يعتبرون من المؤيدين للتيار الصدري وعندما يتم تهجيرهم فإنهم يتجهون إلي النجف وكربلاء، مما يزيد  من نفوذ التيار الصدري في هذه المناطق التي يتنازع عليها مع المجلس الأعلي الإسلامي [213].

إن إندلاع العنف المذهبي وتصاعده ينذر بخطورة تدخل أطراف خارجية فيه وتحوله إلي صراع إقليمي،فبالإضافة إلي إيران التي تؤكد العديد من التقارير تورطها في هذا النزاع المذهبي ،فلقد أعلن مدير مشروع تقييم الأمن السعودي نواف عبيد ،أن المملكة العربية السعودية ستتدخل في العراق لحماية السنة في حال إنسحاب القوات الأمريكية منه ،وقال أن تقديم مساعدة مالية ولوجستية إلي القادة العسكريين السنة في العراق كتلك التي تقدمها إيران منذ سنوات إلي المجموعات المسلحة الشيعية العراقية هو من الخيارات المطروحة وستحاول المملكة بكل الوسائل الممكنة الحد من قدرات طهران علي مواصلة تمويل الميليشيات الشيعية في العراق ودول أخري.[214]

 

 

 

المبحث الثاني:

 الفيدرالية والعنف بين الجماعات الإثنية المختلفة:-

يزداد العنف بين الجماعات الإثنية المختلفة في العراق خاصة في شمال العراق الذي يطالب الأكراد بإقامة إقليم فيدرالي فيه يراه الكثيرون مقدمة لتقسيم العراق إلي ثلاثة أجزاء ،كردية وسنية وشيعية،وتتعرض الجماعات الإثنية في شمال العراق ماعدا الأكراد إلي العنف بدرجه تعرضها للخطر الشديد وذلك لعدم قدرتها علي تشكيل الميلشيات المسلحة او الحصول علي الحماية القبلية القادرة علي صد الهجمات المسلحة ضدها ،ويتناول هذا المبحث موضوعين:

اولهما: الفيدرالية في شمال العراق والوضع في كركوك.

وثانيهما:العنف ضد الجماعات الإثنية المختلفة.

أ:الفيدرالية:-

من الملاحظ أن العراق يعبر عن حالة خاصة تتسم ببعض السمات والخصائص التي تجعل له درجة من التفرد في بعض الأحيان،بمعني أن الأدوات التي يمكن أن تستخدم في حالات ونماذج معينة لعلاج الطائفية والصراعات الإجتماعية الإثنية والمذهبية داخل الدولة الواحدة، قد لا تفلح في حالة العراق بل يمكن أن يترتب عليها آثارًا عكسية تؤدي إلي تفاقم المشكلة وتزايد حدتها، ومن أمثلة ذلك نظام المحاصصة الطائفية،وإعتبار الدولة بأكملها دائرة إنتخابية واحدة  والفيدرالية التي هي شكل من أشكال الدولة المركبة والتي تنشأ بمقتضي دستور يقسم السلطات بين الحكومة الإتحادية وحكومات الولايات ،وتعد الفيدرالية من أفضل نظم الحكم التي تحقق الإستقرار في الدول التي تتكون من جماعات إثنية مختلفة ،ولقد طالب الأكراد منذ بداية الإحتلال بإنشاء فيدرالية علي أساس إثني ،وأصروا علي تحديد سلطة المركز علي إقليمهم،وأصروا علي التمتع بأقصي قدر ممكن من الحرية في إتخاذ القرارات المتعلقة بإقليم كردستان ،وأصروا علي السيطرة علي أمنهم وضرائبهم وعائدات نفطهم ،وهذا مافسره الكثيرون من العراقيين علي إنه خطوة نحو الإستقلال ،خاصة في ظل تهديد الأكراد علي لسان نائب قوات البشمركة مصطفي سيد قادير بأن العراق لن يعرف الإستقرار مالم يحصل الأكراد علي حقوقهم وهددوا بوقف التعاون مع الحكومة المركزية في بغداد إذا لم تهتم بمطالبهم[215].

وأيد المجلس الأعلي الإسلامي مطالب الأكراد بإقامة الفيدرالية التي ستحقق له السيطرة علي الجنوب العراقي إذا تم تطبيقها فيه وإستفادته من موارده المالية الضخمة ، ويري الأكراد والمجلس الأعلي أن الفيدرالية كنظام ستؤدي إلي الإستقرار وتحقيق الأمن في العراق،وذلك لأنها

*أفضل الحلول للمجتمعات التي تتسم بالتعددية ،حيث أنها تضمن تحقيق طموح القوميات أو الكيانات المختلفة في المجتمع ،وتمكنها من حكم نفسها بنفسها عن طريق الأجهزة الدستورية والإقليمية التي تحظي بقدر كبير من الإستقلال الإقليمي.

*تتيح الفيدرالية للجماعات الإثنية ممارسة السيادة والمشاركة في صنع قرارات الدولة مما يضمن عدم تعرضها للظلم مستقبلا.

*يرون أن الفيدرالية ستمكن الجماعات الإثنية من المشاركة في الحكم ،وبالتالي لن تقوم هذه الجماعات بمحاولة الإنفصال عن الدولة .[216]

ونجح الحزبين الكرديين الرئيسيين بإستغلال حالة الضعف التي يعاني منها العراقيون العرب ،و طرحوا مطالبتهم بنظام حكم يقوم علي أساس فيدرالي ،وأصروا علي أن تقوم الحكومة المركزية في بغداد بالإستجابة لمطالبهم، ورفضوا التنازل عنها خاصة في ظل الضغوط الشديدة التي يتعرض له الحزبان من الجيل الكردي الشاب الذي يرفض أي تسوية مع الحكومة المركزية في بغداد لا تحقق المطالب الكردية[217].

وعلي الرغم من أن الدستور العراقي قد نص علي أن الحكم في العراق هو حكم فيدرالي ، إلا أن تلك الفيدرالية لن تستطيع أن تحقق الإستقرار والأمن والوحدة التي تحققها عادة، بل يمكننا القول أن الفيدرالية كنظام حكم لا يصلح للتطبيق حاليًا في العراق ،وقد يؤدي تطبيقها إلي تهديد أمن العراق القومي ووحدته وذلك للأسباب التالية:

*تعارض العديد من القوي العراقية العربية والتركمانية والكلدوآشورية الفيدرالية،كما يرفض التركمان التواجد ضمن حدود الفيدرالية الكردية ،بينما يريد الأكراد ويصرون علي بقاء التركمان ضمن حدود هذه الفيدرالية مما ينذر بوقوع صدامات مسلحة فيما بينهما قد تؤدي إلي تدخل أطراف خارجية في هذا الصراع،هذا ويخشي السنة أن تؤدي الفيدرالية في شمال العراق إلي حرمانهم من حقهم في تقاسم عائدات النفط ويرفضون بشدة فكرة إنشاء فيدرالية الجنوب لأنها قائمة علي أسس مذهبية .

*قد تطالب بعض الجماعات الأخري خاصة التركمان والآشوريين بالمزيد من الحقوق و  الإستقلال الذاتي وقد يؤدي عدم الأستجابة إلي هذه المطالبات إلي تمرد هذه الجماعات علي السلطات الفيدرالية وربما المركزية مما قد ينتج عنه صراعًا مسلحًا بين هذه الجماعات،وقد تؤدي الفيدرالية إلي إندلاع حرب أهلية في بعض المدن العراقية ،وفي مقدمتها المدن الواقعة علي الحدود الجغرافية للإقليم الكردي المحتمل ،هذا وقد شكل مسيحيو العراق تنظيمًا حمل إسم كلدو آشوري في المؤتمر الذي عقدوه في بغداد في 22/11/2004،وطالبوا بحكم ذاتي في سهل الموصل ،وهذا ماطالب به أيضًا الصابئة المندنائيون بعد تشكيل التنظيم المندنائي،كما أعلن تجمع أصولي بقيادة تنظيم القاعدة ما أسماه دولة إسلامية في بغداد و محافظات الأنبار وديالي وكركوك وصلاح الدين ونينوي وأجزاء من محافظتي بابل وواسط وذلك ردًا علي ما وصفوه بدولة الأكراد في الشمال وفيدرالية الجنوب[218].

*تحتاج الفيدرالية إلي وجود الثقة والتعاون بين الكيانات الفيدرالية ،وتحتاج أيضًا إلي وجود المؤسسات السياسية القادرة علي إنجاح الفيدرالية ،وتاريخ الدولة العراقية منذ إنشاؤها وحتي الآن هو تاريخ خوف القوي الداخلية من بعضها البعض وشكها وعدم ثقتها في بعضها البعض ، ولم تبذل أي محاولات جدية لتأسيس عراق أخر تتوزع فيه السلطة والزعامة بشكل عادل بحيث تجد هذه القوي جزءًا من حريتها في إطار الدولة العراقية وتحصل علي حقوقها المشروعة مما يجعلها تشعر بالأمان وتلغي مخاوفها وشكوكها ،وهكذا نري أنه لا يوجد في تاريخ الدولة العراقية الممتد لأكثر من ثمانين عامًا مايمكن أن يساعد في إنشاء نظام فيدرالي قوي وناجح ، فالعراق ومنذ القدم وبإسم الوحدة الوطنية وتوحيد الصف الوطني كان يشهد بإستمرار تجميعًا للسلطة شيئًا فشيئًا في يد المركز، وبعد تولي الرئيس السابق صدام حسين الحكم بدأ في تركيز السلطة في يد نخبة حزبية وسياسية ضيقة ومحدودة ،وهذا التاريخ الطويل لكيفية تقسيم السلطة في العراق، وإنعدام وجود تجربة سياسية تمهد لقيام النظام الفيدرالي يضع صعوبات وعوائق كثيرة أمام تأسيس وإنضاج الفيدرالية في العراق ،خاصة وأن الفيدرالية تحتاج إلي سلطة مركزية قوية وفي الحالة العراقية فإن الأطراف أقوي من المركز بكثير ،وهكذا فإن هذه الأطراف ستشعر بأنه لا يجب عليها تقديم تنازلات من أجل تقوية المركز،كما أن بناء الدولة الفيدرالية يحتاج إلي مؤسسات قوية مثل البرلمان والمحاكم والأحزاب ومؤسسات الدولة الأخري ،وتلك المؤسسات كانت ولمدة طويلة مؤسسات إسمية فقط ،وعلي الرغم من أن واقع الحال بدأ في الإختلاف بعد سقوط النظام السابق إلا أن المناخ السياسي والإجتماعي السائد حاليًا في العراق لن يساعد علي إنجاح التجربة الفيدرالية في العراق[219].

*إن الحديث عن الفيدرالية أساسه الثروة النفطية ،مما يقسم المناطق العراقية إلي ثلاثة فئات:

الفئة الأولي:المناطق الواقعة  بعيدًا عن آبار النفط المستثمرة حاليًا، وتشمل هذه الفئة محافظات

الأنبار والموصل وديالي وصلاح الدين،ويري سكان هذه المناطق أن الفيدرالية تعني ممارسة الإقصاء الإقتصادي وحرمان مناطقهم من واردات النفط ،مما يعني وقوعهم في خانة الفقر والتخلف.

الفئة الثانية :المناطق الشمالية التي تشهد صراعًا من أجل الإستحواذ علي كركوك الغنية بالنفط.

الفئة الثالثة :المناطق التي تمتد من مدينة بغداد(حيث تقول المعلومات الإستكشافية ،أن الأحياء الشرقية منها تطفو علي بحيرات من النفط )وصولا لأقصي الجنوب في البصرة ،ويؤكد الساسة في هذه المناطق أن الفيدرالية مرتبطة بالثروة النفطية ،ويركزون علي أن هذه المناطق كانت تعاني من حرمان شديد في زمن الرئيس السابق صدام حسين ولا بد من تعويضها في ظل النظام الفيدرالي .

مما سبق يتضح أن الأساس والمرتكز الأساسي في تكوين الأقاليم الفيدرالية في العراق هو الثروة النفطية ،مما قد يؤدي إلي التنازع المستقبلي الذي قد يصل إلي حد الإقتتال المسلح والحرب الأهلية ،خاصة وأنه قد يكون من السهل تعيين حدود الأقاليم علي الأرض ولكنه من الصعب جدًا تعيين الحدود داخل البحيرات النفطية الموجودة علي حدود هذه الأقاليم ،مما قد يصبح سببا للنزاعات المستقبلية والإتهامات المتبادلة ،حيث ستدخل الكيانات الفيدرالية في منازعات وإقتتال علي ثروة تدر المليارات ولكن لا أحد يستطيع التحكم في حركتها تحت الأرض خاصة وأن جغرافية العراق متموجة مما سيجعل هناك إتهامات دائمة بسرقة النفط المتواجد علي حدود الأقاليم الفيدرالية مما سيؤدي إلي الإقتتال فيما بينها.[220]

*ستأخذ الفيدرالية في العراق بالحدود الحالية للمحافظات كأساسًا لرسم حدود الأقاليم ،وبما أن أكثرية المحافظات العراقية مختلطة إثنيًا ومذهبيًا مع وجود جماعة إثنية ومذهبية  واحدة تشكل أغلبية في كل منها، وفي ظل حالة الإحتقان الإثني الذي يشهده العراق فإن الفيدرالية قد تؤدي إلي عمليات تطهير إثني ومذهبي دموية في كافة أنحاء العراق،فنسبة السنة في بعض المحافظات ذات الأكثرية الشيعية كالبصرة علي سبيل المثال تبلغ ما يقارب 40%من إجمالي سكانها وهؤلاء قد يكون مصيرهم في حالة نشوب حرب مذهبية إما الإنصهار داخل الأغلبية أو التهجير القسري إلي الأقاليم السنية مما يعمق مشكلة عدم التكامل القومي في العراق ويزيد الإنقسمات بين أقاليمه، وهذا المصير قد يواجهه الشيعة في المحافظات ذات الأغلبية السنية،وقد يلاقيه الأكراد في المحافظات ذات الأغلبية العربية كنينوي وديالي، وستصبح الجماعات الإثنية الصغيرة في العراق المتضرر الأكبر من هذه الفيدرالية حيث أنها تنتشر في كافة أنحاء العراق دون أن تشكل أكثرية في إقليم معين ،ولهذا فإنها في حالة إرتكاب جرائم التطهير العرقي لن تجد لها مأوي  ، و      

هذا ما قد حدث فعلا ،حيث إضطرت أعدادًا كبيرًا من هذه الجماعات لمغادرة بعض مناطق سكناها والعراق ككل ،هذا وقد تصبح بغداد التي تعيش فيها كافة الجماعات الإثنية والمذهبية دون أن تشكل أيًا منها أكثرية بؤرة التطهير العرقي والإقتتال المذهبي الذي بدأ فعلا في بغداد حاليا .

*تحتاج الفيدرالية إلي تماسك الجماعات الإثنية والمذهبية داخليًا ،وعدم وجود خلافات وإنقسمات فيما بينها ،وكما سبق أن أوضحت الدراسة في المبحث الأول من هذا الفصل ،فالجماعات الإثنية والمذهبية يعاني أغلبها من إنقسامات داخلية وصلت إلي حد الإقتتال فيما بينها من أجل السيطرة علي الموارد والمكاسب التي حصلت عليها الجماعة .

*قد تكون الفيدرالية في العراق الخطوة الأولي لإنفصال بعض الجماعات الإثنية عنه وتكوين دولتهم المستقلة،خاصة في ظل المحاولات الكردية لتكوين دولتها المستقلة التي يطمح الأكراد بإنشائها منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1920ولكنهم ينتظرون اللحظة المناسبة إقليميًا ودوليًا لإعلان قيام هذه الدولة،ويكثر الحديث الأن في الولايات المتحدة عن تقسيم العراق إلي ثلاث دول كردية وسنية وشيعية لإنهاء الإقتتال الدموي الدائر حاليًا في العراق،ولقد أصدر مجلس الشيوخ في 26/9/2007 قرارًا غير ملزم يدعو إلي تقسيم العراق إلي ثلاث دويلات إستنادًا إلي أسس طائفية وعرقية ،كيانان سني وشيعي وثالث كردي وذلك للحد من أعمال العنف التي تجتاح البلاد ،وحظي المشروع ب75 صوتا مؤيدًا مقابل 23 معارضًا ،وأيدت الحكومة الكردية هذا القرار ،كما رحبت به الأحزاب التركمانية المدعومة كرديًا والمؤيدة لضم كركوك بهذا القرارولكن غالبية التركمان رفضت هذا القرار ورأته أنه يمثل المشاريع التجزيئية والتقسيمية التي تهدد العراق ،ورفض السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي هذا القرار ، و اعتبره كارثة علي العراق والمنطقة بأسرها ،وتحفظ المجلس الأعلي الإسلامي علي القرار بعد صدوره بأسبوع موضحًا موقفه بأنه يريد فيدرالية كما أتي بها الدستور وليس تقسيمًا ،وهذا التوضيح لم يخف طموحًا ذاتيًا بأن ينشأ المجلس إقليمًا فيدراليًا كبيرًا في الجنوب العراقي[221]،ويري هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن العراق يجب أن يقسم إلي ثلاث دول ،حيث أن العراق كما هو الحال في يوغسلافيا التي أنشأت لأسباب جيوسياسية لا يمكن توحيده بمؤسسات تمثيلية لذا سوف يتجه نحو الأوتوقراطية أو يتفكك إلي عناصره المكونة.[222]

وقد يخدم قيام الدولة الكردية سياسات الولايات المتحدة وذلك للأسباب التالية:-

1)ستفتح ملفات إمكانية توطين الفلسطينيين في وسط وشمال العراق حيث الأغلبية السنية .

2)إن مثل هذه الدولة ستصبح أداة تستخدمها الولايات المتحدة لمواجهة دول أخري لا تستطيع مواجهتها مباشرة.

3)إن قيام هذه الدولة سيؤدي إلي قيام حواجز جغرافية تحول دون تفاعل الشعب العراقي ووحدته مما يمكن الولايات المتحدة من أن تزيد نفوذها و إطالة بقاؤها  في العراق [223].

ويستخدم الأكراد ورقة الإنفصال كلما وجدوا أنهم لا يمتلكون ورقة سواها ، ففي عام 2006 رفع الأكراد علي لسان مسئولين أكراد بدرجات متفاوته ورقة الإنفصال خمس مرات،اولها عند إبرام الجعفري إتفاقا  أمنيًا مع تركيا،ثانيها لدي خروج الجعفري من رئاسة الحكومة،وثالثها حينما تعثرت إجراءات تطبيع الأوضاع في كركوك المتنازع عليها،ورابعها لدي محاولة حل الخلافات بين الأكراد والحكومة المركزية المتعلقة بحصة إقليم كردستان من النفط وتدخل الحكومة المركزية في عقود الإستثمارات النفطية التي أبرمتها حكومة كردستان مع الشركات الأجنبية ، و خامسها نتيجة إعتراض الأكراد علي ماورد في تقرير بيكر-هاملتون وماجاء به من توصيات تحد من صلاحيات الإقليم لصالح المركز.

كما يستخدم الأكراد إستفتاءًا أجري في كردستان خلال إنتخابات البرلمان العراقي عام 2005 كورقة ضغط علي الحكومة المركزية،حيث أنه من مجموع 1,998,061 شخصًا إشتركوا في الإستفتاء ،صوت 877،19 فقط لصالح بقاء كردستان ضمن العراق.[224]

ويتخذ الأكراد حاليًا العديد من الإجراءات التي تؤكد أن ما يريدون التوصل إليه يتخطي حدود الحكم الذاتي والفيدرالية،فالأكراد حرصوا علي أن ينص الدستورعلي عدم السماح للجيش المركزي بالتواجد في الأقاليم الفيدرالية إلا بموافقة حكومة الإقليم ،ولا يسمح للجيش العراقي بالتواجد في الأراضي الكردية ،ولايسمح في كردستان العراق سوي برفع العلم الكردي فقط ويمنع رفع العلم العراقي ،وهي خطوة بررها الأكراد علي لسان د/محمد إحسان وزير شئون المناطق خارج إقليم كردستان "بأن القرار ليس جديد ولكنه صدر بعد الحرب لأن كافة ضحايا النظام السابق لم يكونوا يريدون رؤية علم صدام حسين الذي تعرضوا في ظله لكل الجرائم ولا علاقه لهذا بكون الدولة ضعيفة "[225] وهذا التبرير يمكن الرد عليه بأن هذا العلم هو علم الدولة العراقية وليس علم الرئيس السابق صدام حسين،وبالتالي يجب رفعه علي جميع أنحاء الدولة العراقية ،ومن المؤشرات الدالة أيضًا علي أن الأكراد ينظرون إلي إقليم كردستان علي أنه دولة منفصلة عن العراق، أنه يجب علي من يرغب في زيارة كردستان أن يحصل علي تصريح من السلطات الكردية حيث أن تأشيرة دخول العراق لا تعد سارية في كردستان ،ويجب علي العراقيين الذين يتوجهون للعيش في كردستان إحضار كفيل كردي كي يتم منحهم الإقامة في الأقليم ،وفي تصريح جاء علي لسان المقدم هيرش خالد مدير إدارة الإقامة في أربيل في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية "أن حكومة إقليم كردستان تفرض شروطًا صارمة للحصول علي ترخيص إقامة في الإقليم للحد من أعداد النازحين الذين يأتون من المناطق العراقية الأخري هربا من العنف، وعلي كل عائلة تريد الإقامة في الأقليم إحضار كفيل كردي بشرط أن يكون موظفا في أحد مؤسسات حكومة الإقليم "[226]

ويري البعض أنه إذا إنهار التحالف الكردي الشيعي في بغداد،واندلعت حرب أهلية في المناطق المتنازع عليها بين الأكراد من جهة والعرب والتركمان من جهة أخري- والتي يؤدي عدم تحديد الأكراد إلي الأن أين ستنتهي حدود كردستان إلي زيادة  إحتمالية وقوع التنازع- سيعلن الأكراد إستقلالهم عن العراق ولن يواجهوا مشكلة في ذلك ،خاصة وأن ميليشيا البشمركة الكردية المندمجة رسميًا في الجيش العراقي الجديد هي القوة العسكرية الأكثر فعالية في الجيش العراقي.

الوضع في كركوك:-

إن خطر الفيدرالية علي الأمن القومي العراقي يصبح أكثر وضوحًا عند الحديث عن الوضع في كركوك ،فعلي الرغم من أن خطر إندلاع حرب بين الأكراد وغيرهم من المجتمعات المحيطة بهم في شمال العراق يعد محدودًا ،حيث لا يوجد تكافؤا بين قوة الأكراد وغيرهم من الجماعات الإثنية ،إلا أن الصراع علي كركوك وماحولها قد يؤدي إلي إندلاع صراع عنيف في شمال العراق قد يمتد إلي باقي أرجائه ،خاصة في ظل وجود قوي تعارض ضم كركوك إلي الأكراد وبعد أن قام الأكراد بطرد العديد من سكان العرب وغيرهم من الجماعات الإثنية ،لجأ الشيعة العرب والشيعة والتركمان الذين كانوا يقيمون في كركوك وتم طردهم منهاـ وفشل الدستور في تحديد كيفية حل مشكلتهم  خاصة وأن العديد منهم عاش في كركوك لأكثر من جيل ولا يوجد لديهم مأوي أخرـ إلي السيد مقتدي الصدر كي يساعدهم ،وقد قبل هؤلاء بتجنيدهم ضمن ميليشيا التيار الصدري، وبدأ ظهور الميليشيا الشيعية في شمال العراق عامة وكركوك خاصة بوصول جيش المهدي في 2004 لمواجهة السيطرة الكردية في كركوك ،وتزايد هجوم الميليشيا الشيعية المسلحة ضد الأكراد ،وعلي الرغم من تزايد حدة العنف المذهبي بين السنة والشيعة العرب منذ تفجيرات سامراء 2006،إلا أنهم يتحدون في كركوك لمواجهة السياسة الكردية للإستيلاء علي المدينة .

وأدت مطاردة قوات الأمن لعناصر تنظيم القاعدة  وتناقص نفوذها في إقليم الأنبار وفي بغداد والمناطق المحيطة بها والعديد من مناطق ديالي ،إلي إنتقال العديد من عناصر القاعدة إلي شمال  العراق ،خاصة في الموصل وماحولها وصولا إلي الحدود السورية حيث إستغلوا التضاريس الوعرة التي تتميز بها مناطق غرب وشمال شرق العراق للإختباء بها بعد القيام بهجماتهم، و إرتفعت حوادث العنف في كركوك في الفترة مابين ديسمبر 2005 إلي يوليو 2006 بنسبة 76% نتيجة للهجمات التي قامت بها القاعدة  وجيش المهدي ضد الأكراد ،وأصبح العنف جزءًا من الحياة اليومية في كركوك ،واعتبر إغتيال غازي الطالباني في يونيو 2004 رئيس أمن أحد الحقول النفطية في شمال العراق أول رد علي السياسات الكردية التمييزية ضد الجماعات الإثنية الأخري[227]،وبعد سقوط النظام السابق شهدت كركوك نشاطا تركيًا للحد من قدرة الأكراد علي الإستحواذ علي كركوك ،فتم القبض في أواخر إبريل 2003 علي ضباط وجنود من القوات الخاصة التركية في كركوك بتهمة الإعداد لتفجيرات وعمليات إغتيال في كركوك ،وفي يونيو 2003 تم القبض علي جنود من القوات التركية الخاصة في مدينة السليمانية بالتهمة ذاتها.[228]

وتزايدت الكثافة السكانية في كركوك بعد سقوط النظام السابق من 700ألف نسمة إلي 800ألف نسمة علي الرغم من إجبار العديد من التركمان والعرب علي الرحيل من كركوك ، فلقد تم إجبار 150 ألف عربي علي الرحيل من المدينة نتيجة لأعمال العنف التي قامت بها قوات البشمركة ضدهم ،وذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن 350 ألف كردي إستوطنوا المدينة، ويوجد من بينهم 100 ألف علي الأقل لم يعيشوا أبدًا في كركوك قبل إبريل 2003 وذلك بتشجيع من السلطات الكردية التي تسيطر علي الأجهزة الأمنية في المدينة والتي قامت بمنحهم الأموال اللازمة لإستيطانهم فيها وقامت بمنحهم أوراق ملكية وإقامة مزورة للأكراد الذين جاؤا من مناطق أخري، كما قامت السلطات الكردية بمنح أوراق ملكية وإقامة مزورة لأكراد تركيين ،و قامت السلطات الكردية بتغيير أسماء الشوارع والمباني من اللغة العربية إلي اللغة الكردية، كمحاولة لطمس هوية المدينة ويري البعض أن أعداد الأكراد الذين تم جلبهم إلي كركوك من قبل الحزبين الكرديين في سنوات ما بعد الإحتلال يماثل ثلاثة أمثال العرب الذين تم جلبهم إلي كركوك في عهد النظام السابق خلال 35 عامًا .[229]

ومنذ دخول القوات الكردية إلي كركوك في إبريل 2003والسلطات الكردية تقوم بمحاولات جادة لإضفاء الطابع الكردي علي المدينة، وطرد جميع الإثنيات الأخري منها وخاصة العرب الذين إضطر 60% منهم إلي بيع مساكنهم والهجرة إلي أماكن أخري نتيجة للضغوط التي مورست عليهم والتهديدات التي تلقوها بتنفيذ عمليات إرهابية ضدهم،وتم إستخدام قوات البشمركة   البالغ

عددها 70 ألف مقاتل والتي يرأسها كلا من جلال الطالباني ومسعود البارزاني في القيام بمهمات التنظيف العرقي في شمال كردستان وذلك لتوسيع الرقعة الجغرافية للدولة الكردية المنتظرة .

واستطاعت القوات الكردية تغيير ديموغرافية بعض المدن الأخري في شمال العراق ،فلقد قال حاكم مدينة مخمور أنهم إستطاعوا في خلال سنة تغيير ديموغرافية المدينة، فبعد أن كان يسكن المدينة 80% من السكان العرب أصبحوا الأن 80% من الأكراد وأن السلطات الكردية تعمل علي ترحيل العرب الذين أتوا إلي هذه المناطق ضمن برنامج تعريب المناطق الكردية علي الرغم من محاولات زعماء السنة والشيعة العرب منع ذلك الترحيل بشتي الوسائل .[230]

وأتهم الأكراد بإثارة التوتر الإثني في إقليم نينوي(الموصل) التي يعيش فيها مليوني نسمة من الأكراد والعرب ،ومحاولة مد النفوذ الكردي إليها خاصة وأن الأكراد يدعون أن ثلث  عدد سكان المدينة ومعظم سكان الريف الواقع بين المدينة وحدود إقليم كردستان هم من الأكراد بحسب السلطات الكردية ولكن العرب يشككون في هذه النسبة،ولقد أدت التوترات الإثنية الشديدة بين الأكراد والعرب إلي هروب 70,000 كردي من الموصل في عام 2006 خوفا من فرق الموت العربية السنية المرتبطة مع شرطة المدينة التي ينتمي أفرادها حصرا للعنصر العربي ،ولكن وجود وحدتان للجيش العراقي ينتمي معظم أفرادها إلي الأكراد ويرأسها قادة أكراد تتمركزان في مكان قريب من المدينة يشكل تهديدًا جديا بإندلاع إقتتال عربي كردي ،خاصة في ظل تمسك الأكراد الشديد بتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي والمتعلقة بإجراء إستفتاء حول كركوك و رغم إستياء الأكراد الشديد  من تأجيل تطبيقها لعدة مرات، إلا أنهم إستخدموا هذا التأجيل لزيادة سيطرتهم وتواجدهم في المدينة مما جعلهم يؤكدون أنه لو أجري الإستفتاء بطريقة عادلة فإن الأكراد سيحصلون علي كركوك وربما يحصلون أيضا علي محافظة الموصل وبلدتا سنجار  وتلعفر[231].

وهناك تقاريرتؤكد أن الجماعات الإثنية تتعرض لضغوط شديدة في إقليم كردستان من أجل تأييد الأحزاب السياسية الكردية في مواقفها ،كي يتحولوا للهوية الكردية مما يقوي من مزاعم الأكراد بأحقيتهم في الأقاليم المتنازع عليها ، وتقوم قوي الأمن الكردية (البشمركة)،وقوي الأمن الداخلي والمخابرات الكردية بعمليات أمنية غير قانونية خارج حدود منطقة الحكم الذاتي الكردي في إقليم نينوي وكركوك وتشمل هذه العمليات إعتقال الأفراد وإحتجازهم في أماكن سرية في في منطقة

الحكم الذاتي ،وأعربت بعثة الأمم المتحدة في العراق عن قلقها من تدهور حقوق الإنسان في  إقليم كركوك خاصة حقوق العرب والتركمان .[232]

ج:العنف ضد الجماعات الإثنية في شمال العراق :-

1) التركمان: كان التركمان يأملون خيرًا بسقوط النظام السابق حيث كانوا يرون أن سقوطه سيؤدي إلي إنتهاء التمييز القائم ضدهم وسيتيح لهم فرصة الحصول علي حق تقرير المصير ولكن معاناة التركمان إستمرت خاصة بعد رفضهم للفيدرالية في شمال العراق، ومعارضتهم لسياسة تكريد كركوك التي يري التركمان أنهم يشكلون الأغلبية السكانية فيها ،وقد أكدت علي ذلك صول كول جابوك ممثلة التركمان في مجلس الحكم الإنتقالي التي قالت "أن التركمان هم السكان الأصليون في كركوك"،وإتهمت الأكراد بمحاولة تغيير الواقع الإجتماعي الديموجرافي في المدينة وممارسة سياسة الإضطهاد وطرد التركمان من وظائفهم الإدارية بل ومن المدينة ذاتها ومحاولة طمس الهوية التركمانية [233]،ورأي رئيس الجبهة التركمانية في العراق فاروق عبدالله عبدالرحمن في إحتفال تأسيس الجبهة في كركوك أن الإحتفال بتأسيس الجبهة "هو محاولة لتوجيه رسالة إلي كل من يحاول تهميش وجود التركمان في العراق ،وتأكيد علي أنهم جزء من تركيبة البلاد الأساسية" وذلك ردًا علي تصريحات مسعود البارزاني في سبتمبر 2004 أن" كركوك هي قلب كردستان وجزءًا جغرافيًا منها ،وأن موافقة الأكراد علي الإدارة المشتركة مع العرب والتركمان في كركوك لا يعني التنازل عن هوية كركوك"[234].

إن موقف التركمان الرافض للفيدرالية الكردية في شمال العراق أدي إلي أن تقوم السلطات الكردية بالعديد من الإجراءات العنيفة ضد التركمان ،مثل إلقاء القبض عليهم دون توجيه إتهام قانوني لهم ،وترحيلهم سرًا إلي السجون الكردية في إربيل والسليمانية علي الرغم من مخالفة ذلك للقانون العراقي ،وكذلك تم إغتيال العديد من الساسة التركمان الذين يعارضون السياسة الكردية علي يد قوات ترتدي الزي الرسمي للشرطة الكردية،وتم منع التركمان من إستخدام اللغة التركمانية في كركوك بأمر محافظ المدينة الكردي،وقام الأكراد بنقل العديد من الموظفين الأكراد وقوات الشرطة الكردية إلي كركوك من أجل الهيمنة علي المناصب الإدارية في المدينة ، و أجبرت الميليشيات الكردية المسلحة العديد من العوائل التركمانية علي ترك منازلهم في كركوك وساهم الأكراد في إنشاء أحزاب تركمانية موالية لهم من أجل القيام بتنفيذ الأهداف الكردية في شمال العراق وشق وحدة الصف التركماني وإضعافه[235].

وبدأ الأكراد منذ الأشهر الأولي لسقوط النظام في محاولة تكريد المدن التركمانية وتغير ديموجرافية هذه المدن ،فإدعي الأكراد أن مدينة طوز خورماتو وهي مدينة تركمانية يسكنها 70,000تركماني أنها جزءًا من إقليم كردستان المستقبلي ،وحدثت صدامات في هذه المدينة بتاريخ 23/8/2003 نتيجة لإنتهاك عناصر من الإتحاد الوطني الكردستاني لحرمة مقام ديني شيعي(ضريح الإمام موسي بن علي) يجله التركمان الشيعة ،مما جعل الإشتباكات تأخذ طابعًا إثنيًا مذهبيا، حيث إقتتل التركمان الشيعة مع الأكراد علي الرغم من محاولات قوات الإحتلال إنهاء هذا الإقتتال ولكنها فشلت نتيجة قيامها بتعيين محافظا للمدينة ورئيسا للشرطة كرديان ،مما دفع التركمان إلي الشكوي من إنحياز الولايات المتحدة للجانب الكردي الذي اعتبروا حكمه خلال ثلاثة أشهر أسوأ بكثير من خمسة وثلاثين عاما حكمهم فيها صدام حسين [236].

وفي شهر فبراير 2008 تجددت المحاولات الكردية لإنتزاع الأراضي التركمانية في طوزخورماتو ،وقالت مصادر تركمانية أن المواطنون التركمان فوجئوا في 10/2/2008 بعشرات الأكراد يقومون بتخطيط الأراضي العائدة ملكيتها للتركمان ويحفرون الأساسات فيها تمهيدًا لبنائها تحت حماية المسلحون الأكراد من قوات البشمركة ،وعندما لجأ المواطنون التركمان العزل من السلاح إلي قائممقام القضاء والشرطة لم يقوموا يإيقاف تلك التعديات [237].

كما دخلت قوات البشمركة مدينة تلعفرفي إبريل 2003 وعينت رئيسًا كرديًا للمدينة ، وقامت بإرتكاب العديد من أعمال العنف ،وفي الفترة من 2003-2006 أجريت العديد من الإحصاءات الغير رسمية التي أكدت مقتل 1,350 تركمانيًا وجرح 2,650 اخرون ،وتشمل هذه الأرقام عددًا من الأطفال والنساء وكبار السن ،كما تم القبض علي 7,000 تركماني دون توجيه إتهام قانوني لهم ولايزال 1,000 منهم في السجون الكردية ،وتم تدمير 3,658 منزلا و 563 متجرًا تركمانيًا

وتم إجبار 4,685 عائلة تركمانية علي الرحيل [238]من قراها .

وأمام هذه الإجراءات الكردية قام التركمان بالتنسيق والتحالف مع العشائر العربية والكلدو آشورية من أجل الحد من هيمنة الأكراد ،كما يسعي التركمان بمساعدة تركيا للحصول علي ضمانات أمريكية خطية بعدم إقامة دولة كردية في شمال العراق، كما طالب التركمان بالحق في إنشاء الميليشيات المسلحة للدفاع عن التركمان أمام الممارسات الكردية المسلحة ضد التركمان حيث أن هذه الميليشيات ستقوم بحماية التركمان من التهميش ومن محاولات القضاء عليهم ،كما طالب التركمان بإنشاء محافظات جديدة في تلعفر وتوزخورماتو بالإضافة إلي  كركوك  و تكون 

كركوك هي العاصمة لهذه المحافظات التركمانية [239] ،ولم تستجب الحكومة المركزية إلي هذه المطالب ولكن التركمان وبعد تفجير شاحنة مفخخة يقودها إنتحاري في بلدة آمرلي الواقعة شمال بغداد بين كركوك وتكريت ذات الغالبية التركمانية الشيعية وأدت إلي مقتل 150 شخصًا وإصابة 250 أخرين عادوا لمطالبة الحكومة والقوات الأمريكية بتسليحهم نظرًا للإستهداف المباشر والواضح لتجمعاتهم [240]،وامتد النزاع والإقتتال المذهبي إلي تلعفر عندما وقع تفجيرين إنتحاريين في حي المعلمين والذي تسكنه أغلبية شيعية تركمانية ،فلقد دخلت شاحنة هذا الحي الفقير المكتظ بالسكان وهي محملة بالطحين من دون تفتيش كون السكان يعانون نقصًا حادًا في هذه المادة فطلبوا من حاجز التفتيش السماح للسائق بالمرور دون تفتيش،و إنفجرت الشاحنة بعد مرورها وأدت إلي مقتل 75 شخصًا وجرح 190،ونتج عن هذا الحادث قيام عناصر من الشرطي ينتمون إلي التركمان الشيعة بمجزرة في تلعفر، وأسفرت عن قتل نحو سبعين شخصًا وجرح ثلاثين أخرين وأعتبر أربعون شخصًا في عداد المفقودين جميعهم من السنة في أعمال عنف إنتقامية ردًا علي حادثتي التفجير في حي المعلمين، هذا وقد إعترف وزير الداخلية العراقي بتورط بعض عناصر الشرطة في هذه المجزرة .[241]

2)المسيحيون:بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين تعرض المسيحيون لأعمال عنف شديدة ، فلقد تم إستهدافهم من قبل الجماعات المتشددة الشيعية في البصرة،ومن قبل الجماعات المتشددة السنية والشيعية في بغداد وشمال العراق ،وتقوم هذه الجماعات بمهاجمة المسيحيين لبيعهم الخمور علي الرغم من أنه يسمح لهم قانونا بذلك ،كما أنهم يتعرضون للهجوم كونهم ينتمون إلي نفس ديانة قوات الإحتلال وكأنما يعيد التاريخ نفسه فلقد تم إستهداف الآشوريين في فترة الإنتداب البريطاني لذات السبب ،هذا وقد قامت الجماعات المسلحة بمهاجمة محال المسيحيين التي تبيع الخمور في بغداد والموصل وتم تدميرها ونهبها وتم إغلاق أكثر من 95%من المحلات التي تبيع الخمور نتيجة للتهديدات التي جاءتهم من قبل المتشددين ،وتعرضت العديد من الكنائس والمباني التابعة للمسيحين مثل المدارس المسيحية للتدمير،ولقد لوحظ أن الجماعات المسلحة تختار الأوقات التي تقام فيها الشعائر الدينية لإستهداف الكنائس حتي يتم إيقاع أكبر قدر ممكن من الإصابات [242]،وتزايدت أعمال الخطف والقتل الموجهة للمسيحيين في بغداد والبصره مما أدي إلي فرارهم إلي مدن كردستان وإقليم نينوي حيث يتجهون إلي مدن عين كاوة المسيحية في أربيل ومدينة كوينسجق وزاخو ودهوك والقري المسيحية في محافظة الموصل ،كماترك عدد كبير من المسيحيين العراق ورحلوا إلي الدول المجاورة [243]،وأدي إنتقال نشاط القاعدة إلي شمال العراق وهجوم البابا بنديكت السادس عشر علي الإسلام إلي تزايد أعمال العنف الموجهة إليهم في الموصل وإمتد العنف إلي إختطاف وقتل رئيس الحزب الديموقراطي المسيحي ميناس اليوسفي كما تم قتل العديد من رجال الدين المسيحيين والتمثيل بجثة أحدهم ، كما قامت جماعة أنصار السنة المتشددة بقتل أحد جنرالات الجيش العراقي المسيحيين ،وإختطاف وقتل عدد من الناشطين المسيحيين في الموصل ،وتم مهاجمة الطلبة المسيحيين في بعض الكليات من قبل زملاؤهم المتشددين الإسلاميين ،ولا يقتصرإرتكاب العنف ضد المسيحين علي الجماعات المسلحة بل أن بعض رجال الشرطة في الموصل قاموا بالتعرض للمسيحيين والإساءة إليهم،  كما تقوم قوات البيشمركة بممارسة حملة للتطهير الطائفي ضد أبناء الطائفة المسيحية في شمال العراق مما جعل احد رجال الدين المسيحي في الموصل أن يطالب القوات الأمريكية توفير الحماية لهم،كما يطالب المسيحيون في العراق بحكم ذاتي ومنطقة أمنة علي غرار المنطقة الأمنة في شمال العراق التي أقيمت للأكراد بعد عام 1991في سهل نينوي ،خاصة وأن هذا السهل معروف بتاريخه المسيحي منذ قرون طويلة ،ويري المسيحيون أن منطقة الحكم الذاتي ستصبح ملاذا آمنا للمسيحيين خاصة وأنهم يتعرضون من وجهة نظرهم لحملات تكاد تكون منظمة لإبادتهم تحت مسميات عديدة مما أدي إلي حالات نزوح جماعي للعائلات المسيحية من المناطق التي عاشوا فيها منذ سنوات طويلة مثل محافظة البصرة علي سبيل المثال التي كانت تضم الألاف من المسيحيين وباتت خالية منهم حاليا نتيجة لأعمال العنف المتزايدة الموجهه ضدهم ،وعلي الرغم من إتفاق معظم الأحزاب والحركات الآشورية المسيحية علي أن يقام الملاذ الأمن المسيحي في إقليم سهل نينوي الذي يمتد بين الموصل ودهوك وحتي قضاء الحمدانية ،فإن هناك إنقسامات مسيحية حول المستقبل السياسي لإقليم سهل نينوي فبعض الأطراف المسيحية تري أن يصبح الأقليم إقليما فيدراليا في إطار الدولة العراقية ،بينما تري أطرافا أخري أن يمنح سهل نينوي حكما ذاتيا في إطار إقليم كردستان الفيدرالي ،وهناك إتجاه ثالث تقوده الحركة الديمقراطية الآشورية يطالب بالإدارة الذاتية لسهل نينوي علي أساس جغرافي وليس علي أسس إثنية.[244]

كما يطالب المسيحيون المقيمون في إقليم كردستان بضرورة إحتواء دستور كردستان فقرة عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها المسيحيون عامي 1933و1966،وكذلك يطالبون بأن يكون لإقليم كردستان علما ونشيدا يعبران عن خصوصية الأقليات المقيمة فيه والإعتراف بحقوقهم الثقافية والدينية.[245]

3)الأيزديون:أمل الأيزديون بتحسن أوضاعهم بعد سقوط النظام السابق ،وأن يخرجوا من دائرة الفقر والأمية التي أوقعهم فيها النظام السابق،ولكن العلاقات بينهم وبين الأكراد تدهورت بشكل كبيربعد سقوط النظام وإستمرت معاناتهم وتعرضوا لقمع مشابه لما تعرضوا له من قبل ، حيث أجبرتهم السلطات الكردية علي تسجيل هوياتهم كأكراد وسيطرت قوات البشمركة علي المناطق الأيزدية قرب الموصل ،واستقدمت أعدادا كبيرة من مسلمي الموصل ودهوك إلي مركز قضاء الشيخان وساعدت السلطات الكردية هؤلاء القادمين علي تسجيل العقارات بأسمائهم في حين أنها تضع العراقيل أمام الأيزديين في هذا المجال رغم أنهم السكان الأصليين لهذه المنطقة،كما يمنع الحزبين الكرديين الرئيسيين إقامة المشاريع التنموية في المناطق الأيزدية،فلقد تم إقرار مبلغ 12 مليون دولار لإقامة مشاريع تنموية في المناطق الأيزدية في جبل سنجار من قبل الحكومة المركزية في بغداد ،ولكن القيادات السياسية الكردية تدخلت وأوقفت هذه المشاريع التنموية،كما إشتكي الأيزديون من أن السلطات الكردية قامت في إنتخابات 2005 بمنع وصول البطاقات الإنتخابية للمناطق الأيزدية ،وفي بعض القري لم توفر السلطات الكردية صناديق الإقتراع وكذلك قامت السلطات الكردية بفتح أماكن التصويت لمدد قصيرة من الساعة الحادية عشر إلي الساعة الثانية ،ووجدت صناديق الإقتراع ممتلئة بأوراق الإقتراع قبل بدء التصويت في لجان أخري ،هذا وقد قامت السلطات الكردية بتهديد القيادات السياسية الأيزدية المعارضة للسياسات الكردية وتم إغتيال أحدها في ربيع 2005[246]،هذا وقد قام مسلحون أكراد ملثمون في 15 فبراير 2007 في مدينة عين سفني التي كان معظم سكانها من الأيزديين قبل سقوط النظام السابق مركز قضاء الشيخان بالسيطرة علي مداخلها ومخارجها ،وإنتشروا في شوارعها وقاموا باعمال شغب وأحرقوا عدة أماكن دينية مقدسة لدي الأيزديين ،بالإضافة إلي إحراق عدة سيارات،وقاموا بالإستيلاء علي كافة المراكز الدينية والثقافية والإجتماعية وحرق جميع محتوياتها ،وإطلاق الأعيرة النارية في الشوارع وبين الأزقة بالتعاون مع بعض المسئولين في الأجهزة الأمنية الكردية في المدينة،وقاموا بمحاصرة الدوائر الحكومية ومنع الموظفين من مغادرتها ،كما إنهم حاصروا دار الأمير تحسين بك أمير الأيزديين بعد حرق سيارته،وحاصروا البيوت وعلي رأسها

دار بابا شيخ أحد أكبر وأهم الرموز الأيزدية ،وهددوا السكان الأيزديين بمواجهة الموت إن لم يقوموا بمغادرة المدينة مما دفع المئات من العوائل الأيزدية بمغادرة المدينة والتوجه إلي مدينة باعدري القريبة منها[247]،ولا تتغاضي حكومة الإقليم عن العنف الكردي الموجه ضد الأيزديين فقط ولكنها تتغاضي عن الكثير من أعمال العنف الموجهه ضدهم من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة المدعومة من القاعدة والمنتشرة بشكل كثيف في شمال العراق ،حيث قامت هذه الجماعات بقتل العديد من الأيزديين الذين ينظر إليهم علي أنهم عبدة للشيطان ،وتترك هذه الجماعات علي جثث الأيزديين أوراقا تقول أنهم كفارا وأن قاتل الأيزدي سيكافأ عند الله بعشرة أضعاف مكافأة قاتل الأمريكي ،وكذلك أعلن مجلس شوري المجاهدين في الموصل بأنه سيتم منح 5000 دولار لكل من يقتل شخصا أيزديا ،وتم تهديد الأيزديين علنا من قبل أئمة أحد الجوامع في شيخان بأنه سيقتلون إن لم يتركوا دينهم ويدخلوا في الإسلام ،كما قامت الجماعات المتطرفة بوضع السم في الخزان الرئيسي الذي يمد القري الأيزدية بمياه الشرب في مجمع خانك بالقرب من دهوك،وتعرضت القري الأيزدية للعديد من الهجمات كان أقساها في سنجار شمال الموصل حيث إنفجرت شاحنة كبيرة محملة بأكثر من ألف كيلو من المواد شديدة الإنفجار في مركز المدينة الذي كان الأيزديون يتجمعون فيه بعد سماعهم خبر توزيع المواد الغذائية عليهم ،وتبين بعد ذلك أن هذا الخبر كان مجرد إشاعة اطلقتها الجماعات المتطرفة كي تستطيع إيقاع أكبر عددا ممكنا من الضحايا وبالفعل نجحت في ذلك ،حيث أدي الإنفجار إلي مقتل 890 أيزديا وجرح أكثر من 300 شخص،وتم تدمير 35 منزلا تدميرا كليا وإصابة عشرات المنازل بتدمير جزئي[248].

كما أرغم مسلحون 23 شخصا من الطائفة الأيزدية  يعملون في مصنع النسيج في الموصل علي الترجل من الحافلات التي تقلهم إلي منازلهم في بعشيقة التي تبعد حوالي 20 كم عن الموصل وقتلتهم في الطريق العام[249]، هذا وقد طالب الأيزديون علي لسان أمين عام الحركة الأيزدية للإصلاح والتقدم المجتمع الدولي بالتدخل لحماية الأيزديين وتشكيل جيش نظامي من الأيزديين في مناطقهم ،وإيقاف الحرب التي تشنها القوات الكردية والجماعات الإسلامية المتطرفة علي هذه الجماعة،ومساعدة الأيزديين في إقامة المشاريع التنموية في مناطقهم والقضاء علي البطالة المنتشرة بين الأيزديين بنسب عالية[250].

4)الصابئة المندنائيون: يعد الصابئة الذين تحرم عليهم قوانينهم الدينية التزاوج من خارج جماعتهم الدينية من أكثر الجماعات الإثنية تعرضا للإبادة في العراق،حيث أنهم يعدون من الأهداف السهلة التي يوجه ضدها العنف الإثني في العراق ،حيث تحرم الديانة المندنائية الدفاع عن النفس بإستخدام السلاح ،كما يفتقد المندنائيون إلي وجود التنظيمات الإجتماعية الفعالة التي تساعدهم في حماية مصالحهم وأنفسهم ،وفي الفترة مابين 22/10/2003 إلي 17/5/2004 تم قتل 504 مندنائي بسبب ديانتهم وخطف 118 أخرون في الفترة مابين عامي 2003و2006 وتم الإبلاغ عن العديد من حالات التهديد التي تنذرهم بالقتل إن لم يتركوا دينهم ويعتنقوا الإسلام مما أدي إلي رحيل العديد منهم من أماكن إقامتهم إلي أماكن أكثر أمنا في إقليم كردستان (انظر الجدول رقم 11 في قائمة الملاحق)،وتتهم الجماعات المسلحة المندنائيون بالكفر وممارسة السحر ،بينما يري البعض أن الهجوم يزداد علي المندنائيون كونهم يعملون بتجارة الذهب والفضة ،ويرفض المندنائيون وجهة النظر هذه ويرون أنهم مستهدفون لا لكونهم يبيعون الذهب والفضة ولكن لأنهم مندنائيو الديانة ولذلك فإنهم معرضون أكثر من غيرهم من تجار الذهب والفضة للقتل ويدللون علي ذلك بأنه قد تم قتل العديد من تجار الذهب والفضة المندنائيون دون سرقة أي شيئ[251].

5)الشبك:تسلمت السلطات الكردية منذ سقوط النظام السابق السيطرة علي مناطق الشبك وحاولت تغيير هويتهم إلي الكردية ،وذلك في محاولة لإلحاق الجزء الشرقي من الموصل الذي يقطنه الشبك بالإدارة الكردية ،وهذا مارحب به الشبك في محاولة لضمان أمنهم وإستقرارهم نتيجة لتعرض أبناء هذه الطائفة للقتل في الموصل ،حيث قتلت الجماعات المسلحة في الموصل 432 شخصا من الشبك ودفعت 700 عائلة من الشبك إلي مغادرة المدينة إلي منطقة بعشيقة المحاذية لإقليم كردستان خوفا من هذه الجماعات .[252]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخلاصة:

يستخلص من هذا الفصل أن العراق ومنذ سقوط النظام البعثي وهو يعاني من حالة عنف دموي غير مسبوقة،حيث أن معدل القتلي في العراق في الثلاث سنوات الأخيرة بلغ 60,000 ألف قتيل مما يجعل هذه الحرب الدائرة في العراق التاسعة في قائمة أشد الحروب دموية منذ عام 1945،و أدت إلي تهجير 2 مليون لاجئ خارج العراق و1,7 مليون مهجرا داخليا[253]،وشمل العنف جميع المستويات فلم يؤد نظام المحاصصة الطائفية إلي الإقتتال الدموي بين الجماعات الإثنية والمذهبية فقط ولكنه أدي إلي وجود إقتتال داخلي داخل الجماعة الواحدة من أجل الإستحواذ بتمثيل الجماعة الديني والسياسي ،والإستحواذ علي النفوذ السياسي الذي وصلت له جماعته  ، و إمتد العنف ليشمل الجميع خاصة في ظل توافر السلاح بكثرة في العراق حيث قام النظام السابق قبل الحرب بتوزيع الاف الطنان من الأسلحة علي جميع المناطق العراقية وقام بتخزينها في تجمعات السكان والمساجد والمدارس والمستشفيات ،وهناك ما يقارب من المليون طن من الأسلحة مخزونة في أماكن يسهل الوصول إليها وإستطاعت بعض الجماعات المسلحة مثل جماعة أنصار السنةالحصول علي أسلحتها عن طريق الإستيلاء علي الأسلحة التي خزنها الجيش السابق[254].

وأدي قيام الإحتلال بحل الجيش والشرطة إلي نوع من تقسيم العمل الأمني تؤدي فيه الميليشيات الحزبية والإثنية والمذهبية دورا عسكريا وأمنيا واسع النطاق لا بوصفها مجرد أداة بوليسية فحسب بل بوصفها ركنا أساسيا في بنية أمنية وعسكرية من بني الإحتلال ،ورأي الكثيرون أن طريقة إنضمام المواطنين إلي اجهزة الأمن يشكل تهديدا خطيرا لعمل هذه القوات ويحد من قدرتها علي إنهاء الصراعات في العراق، حيث أن العديد من أفراد الميليشيات والجماعات المسلحة وقوات الصحوة ينضمون إليها كمجموعات وليس كأفراد قد يحتفظ أفرادها بولائهم القديم لها بعد إلتحاقهم بقوي الأمن ،كما ان خدمة رجال الأمن في أماكن إقامتهم يضعهم تحت ضغوطا من عشائرهم والجماعات المتنفذه في مناطقهم  وخاصة في المناطق التي تشهد صراعات إثنية ومذهبية وتتكرر فيها المواجهات المسلحة مما لا يمكنهم من القيام بواجباتهم ويساعد علي إنتشار العنف ،وهناك بعض الأدلة علي تورط رتب عالية في قوات الجيش والشرطة في تسهيل عملية التطهير الإثني مما يؤدي إلي إنقسام القوي الأمنية وفقا للخطوط الإثنية والمذهبية ،وإمتد العنف الدموي إلي الجماعات الإثنية خاصة صغيرة الحجم منها ولا تملك هذه الجماعات القوة او النفوذ الذي يمكنها من الدفاع عن نفسها ،وأصبحت هذه الجماعات عرضة لحالة من العنف الغير مسبوقة يمكن تلخيصها فيما يلي:تدمير وهدم المباني الدينية، القتل والإختطاف وقتل القيادات الدينية والمدنية ،كما تتعرض هذه الجماعات لمحاولات متواصلة من أجل القضاء علي هويتها خاصة وأن هذه الجماعات تقطن في المدن التي يدور حولها صراعات قوية من أجل السيطرة عليها مثل الموصل والبصرة وكركوك

 

 

 

الخاتمة

 

 

 

إن سقوط النظام العراقي السابق أدي إلي إندلاع العنف الإثني و المذهبي بصورة غير مسبوقة ، و أصبحت النزاعات الإثنية والمذهبية داخل وبين الجماعات من أخطر العوامل المهددة لوحدة وتماسك العراق ولأمنه القومي بحيث أصبح العراق مقسما إلي أقاليم يتصارع علي السيطرة عليها أفراد الجماعة الإثنية والمذهبية الواحدة ،فالبصرة تشهد صراعا شديدا للسيطرة عليها بين حزب الفضيلة والمجلس الأعلي الإسلامي ،بينما تشهد مدن ومحافظات الجنوب الأخري صراعا شديدا ودمويا بين المجلس الأعلي الإسلامي وجيش المهدي التابع للتيار الصدري ،أما مدينة الصدر فإن جيش المهدي هو السلطة الوحيدة هناك .

وفي الشمال فإن الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني يتقاسمان السلطة في إقليم كردستان ،وعلي الرغم من حالة التعاون بين الحزبين إلا أن إزدواجية إدارة الحكم في إقليم كردستان يجعل هناك خطرا حقيقيا بإندلاع الحرب مرة أخري بين الحزبين بعد أن يستطيعا معا تحقيق مطالب الأكراد للحصول علي الفيدرالية حاليا وربما الدولة المستقلة فيما بعد .

وكذلك تشهد المناطق السنية مثل الأنبار والمثلث السني إقتتالا داخليا بين القوي والأحزاب السياسية من أجل السيطرة والنفوذ والتفرد بتمثيل الجماعة السنية العربية في مواجهة الجماعات الأخري .

وهناك العديد من القوي التي تعد مسئولة عن إستمرار حالة العنف الدائرة في العراق أهمها:

1) عناصر الميليشيات المسلحة :لقد أصبح العراق دولة ميليشيات إثنية ومذهبية وأصبحت الميليشيات هي القوة الفعلية الحاكمة وحلت محل قوات الأمن والداخلية التي عرفت بوحشيتها في عهد النظام السابق وكانت تابعة للنظام الحاكم ولكن اصبح في العراق اليوم أكثر من قوة عسكرية وإستخباراتية تتحكم في البلد ولكل واحدة  منها سجونها ومعتقلاتها ،وتعيش هذه الميليشيات علي تصعيد الإقتتال والتناحر المذهبي والأثني وهي تعتمد في شرعيتها علي الجماعات الإثنية والطوائف التي تنتمي إليها وذلك عن طريق الإدعاء بأنها تحمي و تدافع عن مصالح طائفة معينة أو قومية معينة في ظل ظروف إنهيار الدولة ومؤسساتها ،وولاء هذه الميليشيات حتي وإن تم إدماج بعضها للعمل داخل المؤسسات الرسمية في الدولة لجماعتها الإثنية وطائفتها وليس للعراق فكل مايخدم مصالح هذه الجماعات ويزيد من نفوذها أمور جائز العمل بها أيا كانت الأضرار التي ستلحق بالعراق أو بالجماعات الإثنية والمذهبية الأخري ،وساعد توزع الموارد علي المناطق العراقية المختلفة قادة هذه الميليشيات علي الإحتفاظ بولاء أفراد هذه الميليشيات ،ومن بين هذه الموارد بعض الممتلكات الحكومية كأقسام الشرطة ومخازن الأسلحة بالإضافة إلي الموارد الإقتصادية كأنابيب النفط أو حتي مصافي النفط في البصرة ،ومحطات الكهرباء الفرعية كما ساعد توافر السلاح في العراق بكثرة علي إستمرار حالة العنف وأصبحت السوق السوداء في بغداد تعج بالذخيرة الجديدة التي إما هربت أو سربت من الإمدادات التي تستوردها قوات التحالف في العراق ويرجع تاريخ إنتاج معظمها إلي الفترة مابين أعوام 1999-2004، ولقد إكتشف المفتشون الأمريكيون أن هناك 14 ألف بندقية تم شراؤها من الميزانية المخصصة لعمليات إعادة الأعمار لصالح الحكومة العراقية ولكنها إختفت ولم تستخدمها القوات الحكومية مما يرجح إحتمال وصولها إلي أيدي العناصر المسلحة أو فرق العنف الطائفي.[255]

ولا تكتفي الميليشيات المسلحة بأعضائها من العراقيين وإنما تستعين بعض الميليشيات المسلحة مثل القاعدة بمسلحين أجانب يلعبون دورا هاما في أغلب التفجيرات العنيفة في العراق .

2)قوات الجيش والشرطة: إن قوات الجيش والشرطة في العراق هي اليوم أضعف من أن تقوم بدور فاعل ومؤثر في حفظ الأمن والنظام وغير قادرة علي توفير الحماية الأمنية ،ولذلك فإن الناس ينشدون الملاذ والحماية عبر طوائفهم وجماعاتهم الإثنية ،وتعاني بعض تشكيلات الجيش والشرطة من إختراقها بدرجة كبيرة من قبل الميليشيات الإثنية والمذهبية المتطرفة أو من قبل مجموعات إجرامية هذا وقد إكتشفت الحكومة العراقية وجود ما يقارب من 3000 من عناصر الميليشيات يشكلون وحدتين أمنيتين عاملتين في صفوف قوات الأمن [256]،هذا وينتمي بعض رجال الشرطة إلي هذه الجماعات إما بدافع توفير الأمان الشخصي وهذا هو السبب الرئيسي ،أو لأن بعضهم يتطلع إلي تأمين دخل إضافي عبر الإلتحاق بهذه الميليشيات ،وقد أدت ثنائية الولاء المنتشرة بين أفراد الشرطة العراقية إلي أن يفقد معظم العراقيين الثقة بهم وأصبحوا يميلون للخوف من الشرطة بشكل كبير .

3)تعتبر العصابات الإجرامية من الأطراف المسئولة عن دائرة العنف في العراق،ولقد برزت علي السطح منذ بداية الإحتلال وإستفادت من ضعف الدولة لتحقيق الربح المادي، ولقد طورت هذه المنظمات علاقات ذات منفعة متبادلة مع الميليشيات المسلحة التي تعتمد عليهم في سرقة النقود، وإختطاف الأفراد في مقابل أن تقدم لهم الجماعات المسلحة الحماية،كما تقوم هذه العصابات بالعديد من الأعمال التخريبية مثل تدمير محطات القوة الكهربائية ، وتخريب أنابيب النفط، ومهاجمة الشاحنات التي تحمل النفط والبضائع.

4)تعد قوات الإحتلال الأمريكي من الأطراف المسئولة مسئولية مباشرة عن إنتشار العنف في العراق ،فعلي الرغم من وجود العديد من العوامل في المجتمع العراقي والتي أدت إلي إندلاع العنف ،إلا أن الإحتلال أدي إلي إتاحة الفرصة لهذه العوامل كي تتفاعل وتلعب دورا قويا في إيجاد التربة الخصبة في تصاعد حدة العنف في العراق ،كما ساعدت سياسات الإحتلال الخاطئة التي اتبعها في العراق إلي إستمرار العنف الإثني والمذهبي وتحوله إلي صراع دموي ،فالإدارة الأمريكية علي رغم من وضعها العديد من الخطط لكيفية الإنتصار في الحرب وإحتلال العراق إلا أنها لم تضع الخطط الصحيحة والمناسبة لإدارة عراق مابعد الإحتلال ،ولذلك فشلت كل السياسات الأمريكية في العراق فشلا ذريعا وأدت إلي مزيد من العنف ،خاصة سياسات المحاصصة الطائفية ،وسلسلة الإجراءات الإقتصادية التي أتخذت في بداية الإحتلال ،وقرارات حل وزارات الإعلام والأوقاف والجيش والشرطة .

5) الحكومة العراقية:لقد نتج عن عجز الحكومة المركزية في العراق عن أداء واجباتها وخدماتها لجوء الأفراد إلي الإلتصاق أكثر فأكثر بجماعاتهم الأولية وإزدياد إرتباطهم بها وتحويل ولاءاتهم لها ،كما جعل الأفراد يشعرون أن بقائهم وأمنهم الشخصي مرتبط بقوة جماعتهم الإثنية والمذهبية ومدي ما تحققه من مكاسب ونفوذ وجعلهم ينضمون إلي الميليشيات المسلحة كي توفر لهم الأمان الذي عجزت الدولة عن تحقيقه،كما أن ضعف الحكومة المركزية دفع بعض الجماعات الإثنية إلي أن تصبح دولة داخل الدولة العراقية ،وأن تصبح قوة قادرة علي تحدي سلطة الدولة وفرض أجندتها السياسية علي الدولة العراقية.

ولا زالت الحكومة العراقية عاجزة علي الرغم مما تبذله من جهود عن تحقيق الأمن والقضاء علي الميليشيات ، إذ أنها غالبا ما تحاول حل هذه المشكلة من جوانبها الأمنية فقط دون النظر إلي الجوانب السياسية والإجتماعية والإقتصادية والنفسية والثقافية لمشكلة العنف و التي تلعب دورا هاما في زيادة حدة هذه المشكلة ولن يتم القضاء علي العنف الإثني والمذهبي دون الإلتفات إلي هذه العوامل ومحاولة علاجها ،وقد يكون من الصعب القضاء علي بعض هذه الجوانب مثل القضاء علي البطالة التي تحتاج للقضاء عليها إلي توافر فرص الإستثمار وإقامة المشاريع التنموية وهو أمر يصعب حاليا في ظل حالة العنف السائدة في البلاد ،ولكن الحكومة تستطيع معالجة الجوانب الأخري لمشكلة العنف الإثني في العراق مثل، نظام المحاصصة الطائفية الذي أثبت التطبيق العملي له أن ضرره أكبر من نفعه،كذلك تستطيع الحكومة توحيد العملية التعليمية في جميع أرجاء العراق ،وعليها أن تحاول إعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع العراقي.

وعلي الرغم من أن العنف الإثني والمذهبي لا زال مستعرا في العراق ،إلا أنه يمكن التغلب عليه خاصة في ظل وجود بعض العوامل التي تساعد علي ذلك مثل:

1)إن تزايد الإحساس بالهوية الإثنية والمذهبية هو حالة طارئة وليست أصيلة في المجتمع العراقي ،فلم تكن الهوية الإثنية والمذهبية هي الأساس في حياة  أغلب العراقيين ،فدائما كان للهوية العراقية الأولوية علي ماعداها من الهويات الفرعية لدي أغلب العراقيين خاصة في أوقات الخطر .

2) التزاوج بين أبناء الطائفتين الشيعية والسنية و بين العرب والأكراد وإن كان هذا التزاوج قد قل حاليا ولكنه لا زال قائما .

3) علي الرغم من حالة الإنقسام المذهبي بين سنة وشيعة ،ولكن هذا الإنقسام يقابله إتحاد في الأصل العرقي فكلاهما عرب وينتمون إلي قبائل وعشائر عربية أي أن القبائل التي ينتمي إليها الفرد العراقي والتي يرجع تاريخها إلي فترة ماقبل الإسلام لم تكن عقبة أمام الإنتماء الطائفي فرغم إعتزاز العراقيين الشديد بالقبيلة والعشيرة إلا أن ذلك لم يقف عقبة أمام إنقسام القبيلة الواحدة إلي فرعين سني وشيعي،وأغلب القبائل العراقية الكبري مثل شمر وزبيد والجبور والجنابات وربيعة موزعة بين الطائفتين الشيعية والسنية.

4) لا تستطيع جماعة إثنية أو مذهبية واحدة أن تحكم العراق بمفردها بل يجب أن تتعاون دائما مع غيرها،حتي في حالة الجماعات كبيرة العدد مثل الشيعة فإنها ستبقي بحاجة للتعاون مع غيرها كي تستطيع الوصول للحكم،فالشيعة حتي وإن قاموا بالتصويت ككتلة واحدة فسيحصلون علي 60% من الأصوات ،ولكن واقع الحياة السياسية سيجعل الشيعة يتفرقون علي العديد من الأحزاب السياسية والجماعات الدينية الشيعية وهذه الجماعات والأحزاب تمتلك أهداف وإتجاهات سياسية مختلفة مما سيجعلهم دائما في حاجة للتعاون مع غيرهم من الجماعات الإثنية والمذهبية كالأكراد والسنة حتي يستطيعوا الحصول علي الأغلبية البرلمانية التي تمكنهم من حكم العراق .

إن توافر هذه العوامل قد يساعد علي التخفيف  من حالة العنف الدموي السائدة في العراق ،ولكن القضاء علي العنف يحتاج إلي العديد من الأمور الأخري مثل:

*يجب التغلب علي حالة الإنقسامات والخلافات داخل الجماعات الإثنية والمذهبية الواحدة ،حيث أن أي إتفاقية لتقاسم السلطة لن تنجح مالم تكن هذه الجماعات موحدة ولا تعاني من خلافات وإنقسامات داخلية حادة ،فكيف ستشعر الجماعات الأخري بأن هذه الجماعة قادرة علي الوفاء بتعهداتها وإلتزاماتها إن لم تكن تستطيع السيطرة علي الخلافات الداخلية.

*القضاء علي الفساد الذي يكلف العراق نحو 4 مليار دولار سنويا ،حيث أن معظم هذه الأموال تذهب مباشرة إلي الجماعات المسلحة مما يساعدها علي تمويل ذاتها ومواصلة القتال المسلح.

*أهمية فتح قنوات الحوار بين كل الجماعات الإثنية والمذهبية في العراق ،وأن يكون لدي الجميع الرغبة في تطبيق مايتفق عليه بعيدا عن الخداع والإنتقائية.

*يجب أن تتوافر القدرة علي التضحية لدي كل الجماعات الإثنية و المذهبية في العراق،وأن تدرك كل جماعة صعوبة أن تحصل علي كل ماتريده وهذا يتطلب الوعي والإدراك وتغليب المصلحة العامة علي مصلحة الجماعة ،كما يتطلب ألا تحصل جماعة إثنية أو مذهبية في العراق مهما كان حجمها أو عددها علي مميزات لا يحصل عليها غيرها ،حيث ستؤدي المساواة في توزيع الموارد إلي طمأنة الجماعات الإثنية صغيرة الحجم التي سيكون لديها دائما شعور بعدم الثقة في نوايا الجماعات الأقوي .

*يجب دمج جميع الكيانات الإثنية والمذهبية في العراق دمجا قوميا في إطار مفهوم الأمة الواحدة دون محاولة القضاء علي هويات هذه الجماعات الفرعية ،بل علي العكس يجب أن تحترم هذه الهويات وأن تصبح جزءا يسهم في بناء الهوية العراقية الواحدة ،ويتطلب هذا الدمج تحقيق أعلي درجة ممكنة من المساواة وعدم التمييز ومشاركة كل القوي العراقية الثقافية والإجتماعية والسياسية بدون إستثناء أي قوي لصياغة عقد سياسي جديد قائم علي تحقيق توازنات منصفة وواقعية بين جميع هذه القوي ،كما يحتاج بناء الهوية القومية إلي ترسيخ دولة الحق والقانون التي تعاقب كل من إرتكب العنف الإثني والمذهبي دون إستثناء لأي مشارك في هذه الجرائم من العقاب ،ويجب أيضا توسيع المشاركة الشعبية وتقوية مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تبني علي أساس وطني غير مرتبط بجداول خارجية .

*يجب أن تشعر كل جماعة بان لها مصلحة في وجود الدولة القوية والقادرة علي فرض سيطرتها وهيبتها علي جميع أراضي العراق ،وأن تكون الدولة العراقية هي الجهة الوحيدة التي يحق لها إحتكار الإستخدام المشروع للعنف ،وأن تكون الدولة هي الجهة الوحيدة المنوطة بتحقيق الأمن لكافة مواطنيها ،وأن تكون الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح،كما يتطلب إنشاء الدولة القوية أن تقوم الدولة بحل الميليشيات الإثنية والمذهبية وأن تقوم بنزع السلاح من جميع الأطراف وفي وقت واحد دون إستثناء لأي جماعة ،وأن يتم إنشاء المؤسسات التي تتولي عمليا مهام الدفاع والأمن القومي مثل الجيش والشرطة علي أسس وطنية بحته بحيث يكون إنتماؤها الأول للعراق وليس للجماعات الإثنية والمذهبية التي تنتمي إليها وأن تبني هذه القوات وفقا لأسس الكفاءة والعلم وليس وفقا لنظام الحصص الإثنية والمذهبية .

*أهمية توحيد المبادئ والأهداف الرئيسية لعملية التعليم ولا يجب أن يترك لكل طائفة أن تنشئ نظامها التعليمي الخاص بها،كما يجب أن تقوم وزارة التربية والتعليم المركزية بتوحيد المناهج التعليمية خاصة في مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية في جميع أنحاء العراق مما سيساعد علي خلق ثقافة مشتركة بين الأجيال الناشئة ،كما يجب أن تركز العملية التعليمية علي إعلاء روح المواطنة وأن تغرس في النشأ روح التسامح وتقبل الأخر ،كما يجب الإهتمام بتشجيع عملية البحث العلمي للتوصل إلي حل المشاكل التي يعاني منها المجتمع العراقي علي أسس علمية بحته

*الإهتمام بعملية التنمية الشاملة والمخطط لها جيدا ،وإعادة البناء الإقتصادي سريعا ووضع أليات جديدة لتوزيع الثروة بشكل عادل ومنصف بين مناطق العراق المختلفة،ودفع عجلة التنمية والإستثمار بهدف القضاء علي البطالة والفقر وإقامة المشاريع التنموية المختلفة في مناطق تركز الجماعات الإثنية والمذهبية مما يعني توفير فرص العمل للجميع بلا إستثناء ،كما يجب وضع سياسات إقتصادية تتناسب مع البيئة العراقية وتطبيق هذه السياسات بصورة تدريجية.

*الإهتمام بتوفير الأمن الإجتماعي للجميع وتوفير الرفاهية التي تعني قدرة الدولة علي تزويد مواطنيها بالشروط الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تؤدي إلي إسعاد مواطنيها ،كما يجب علي الدولة أن تقوم بتوفير إحتياجات المواطن المادية والروحية ،كما يجب أن تشعر الدولة المواطن أنها قادرة علي تحقيق أمنه الشخصي ،كما يجب أن تعود الدولة للقيام بواجباتها وتعود لتقديم الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية والثقافية وألا تترك الجماعات الإثنية والمذهبية تقوم بما يجب علي الدولة أن تقوم به.

*أهمية القضاء علي المعوقات التي تمنع عمل مؤسسات المجتمع المدني ويجب تقوية هذه المؤسسات كي تستطيع أن تلعب دورا مؤثرا في تقوية المجتمع وتوحيد أطرافه ،ويجب أن تقوم الأحزاب السياسية بدورها وأن تكون أدوات تساعد في توحيد العراقيين وتجميعهم علي أسس فكرية وليس علي أسس إثنية أو مذهبية و أن تكون العضوية في هذه الأحزاب مفتوحة للجميع وأن تسعي هذه الأحزاب لتحقيق أهداف قومية .

*يجب إقصاء الإعلام عن اللهجة الطائفية وإستبدالها بلهجة قومية ،وأن يقوم الإعلام العراقي بنشر الوعي القومي بين المواطنين ،وأن يتم حظر القنوات الفضائية والإعلامية التي تساعد في إذكاء الفتنة الطائفية ،كما يجب أن يتم إبعاد القيادات الدينية عن العملية السياسية.

إن توافر هذه العوامل سيؤدي إلي القضاء علي النزاعات الإثنية والمذهبية ويساعد في التغلب علي حالة الإنقسام الشديدة السائدة في العراق وخلق روح التعاون والوحدة بين أفراد المجتمع العراقي حتي لا يأتي يوما ويصبح تبغ الجبال كرديا ،وتمر البصرة شيعيا ،وبرتقال وبطيخ بعقوبة سنيين .

 

 

 

 

قائمة الملاحق

 

جدول رقم 1 :الحاجات الإنسانية كما راها منظرو نظرية الحاجات الإنسانية.

ماسلو

بورتون

روزنبرج

ماكس نيف

الطعام،الشراب،المأوي

العدالة التوزيعية

الغذاء

الحفاظ علي البقاء

الأمن والآمان

الأمن والآمان

الإعتماد المتبادل

الحماية

الإنتماء والحب

الإنتماء والحب

التكامل

الحب

تقدير الذات

تقدير الذات

الإستقلال

التفهم

تحقيق الذات

تحقيق الذات

اللهو

الإبداع

 

الهوية

أساليب الإحتفال والمواساة

الهوية

 

الأمن الثقافي

ممارسة المشاعرالروحية

الرفاهية

 

الحرية

 

الحرية

 

المشاركة

 

المشاركة

المصدر:                                                                                                        

Gert Danielsen,Meeting  Human Needs, Preventing  Violence Applying Human Needs Theory To The Conflicts in Srilanka,in http:// filebox.vt.ed

  جدول رقم2:حكام العراق من 1921 وحتي الآن .

الإسم

الميلادوالوفاة

زمن الحكم

إستلام الحكم

ترك الحكم

فيصل الأول

1885-1933

1921-1933

إستفتاء عام

وفاة طبيعية تدور الشكوك حول ظروفها

غازي الأول

1912-1939

1933-1939

ورث العرش

توفي بحادث سيارة يعتقد أن السفارة البريطانية قد قامت بتدبيره

فيصل الثاني

1935-1958

1953-1958

ورث العرش

إنقلاب 1958 وتم قتل الملك فيصل

عبدالكريم قاسم

1914-1963

1958-1963

إنقلاب عسكري

إنقلاب 1963 وقتل رميا بالرصاص

عبدالسلام عارف

1921-1966

1963-1966

إنقلاب عسكري

توفي بحادث طائرة غامض

عبدالرحمن عارف

1918-2007

1966-1968

خلف اخاه

إنقلاب 1968

أحمد حسن البكر

1914-1982

1968-1979

إنقلاب عسكري

إستقالة

صدام حسين

1937-2006

1979-2003

خلف البكر

الإطاحة به وإعدامه بعد إحتلال العراق

غازي الياور

1958-

2004-2006

تعيين من مجلس الحكم الإنتقالي

إنتهاء ولايته

جلال الطالباني

1933-

2006-

إنتخاب الجمعية الوطنية الإنتقالية العراقية

 

 

جدول رقم 3:نتائج الإستفتاء علي الدستور .

المحافظة

نسبة الموافقة علي الدستور

نسبة رفض الدستور

دهوك

13،99%

87،0 %

التأميم وعاصمتها كركوك

91،62 %

9،37%

السليمانية

96،98%

4،1%

ديالي وعاصمتها بعقوبة

27،51%

73،48%

بغداد

7،77%

3،22%

صلاح الدين وعاصمتها تكريت

25،18%

75،81%

واسط وعاصمتها الكوت

70،95%

30،4%

الأنبار وعاصمتها الرمادي

5،3%

95،96%

كربلاء

58،96%

42،3%

نينوي

92،44%

8،55%

ميسان وعاصمتها العمارة

79،97%

21،2%

المثني وعاصمتها السماوة

65،98%

35،1%

النجف

82،95%

8،4%

القادسية وعاصمتها الديوانية

74،96%

26،3%

 

جدول رقم 4:المنظمات الخيرية الإيرانية العاملة في العراق .

               المنظمة

الأصول بالمليون دولار

مؤسسة الإمام الرضا

12-14

مؤسسة المستضعفين

10-12

مؤسسة الشهداء

5-7

مؤسسة إنشاء المساكن

4

مؤسسة الإنشاء الإسلامية

2-3

مؤسسة الرفاهية

غ.م

المنظمة الإقتصادية الإسلامية

غ.م

 

المصدر:محمد عباس ناجي ،"تحدي العراق الممزق رؤية سعودية (1/2)"،مختارات إيرانية، السنة السادسة ،العدد 70 مايو 2006، ص19

ملحوظة :70-80% من هذه الأصول تتمثل في عقارات منحت من جانب الحكومة الإيرانية

 

 

 

 

 

 

 الجدول رقم 5:نسبة الفقر في بعض المحافظات العراقية :.

 

 

جدول رقم 6:نسبة الفقر في بعض المحافظات العراقية:-

 

 

مصدر الجدولين رقم 5،6 هو www.wfp.org/news room/in_depth/Middle-East/Iraq/6306-poverty survey .pdf

الجدول رقم 7:ترتيب حضر وريف المحافظات العراقية تبعا لنسب الحرمان من الحاجات الأساسية حسب الميدان(الترتيب 1لحضر أو ريف المحافظة الأقل حرمانا والترتيب 36 لحضر أو ريف المحافظة الأكثر حرمانا .

المحافظة

حضر

ريف

التعليم

الصحة

البني التحتية

المسكن

محيط المسكن

وضع الأسرة الإقتصادي

دليل مستوي المعيشة

دهوك

حضر

ريف

4

25

6

32

1

13

6

31

1

15

6

34

1

27

نينوي

حضر

ريف

2

28

9

33

6

23

3

23

3

10

12

31

4

25

السليمانية

حضر

ريف

15

33

21

36

2

26

10

35

8

36

19

33

9

36

كركوك

حضر

ريف

5

26

18

31

4

34

2

22

4

9

2

9

2

24

أربيل

حضر

ريف

16

29

11

30

3

21

14

32

2

21

5

21

6

26

ديالي

حضر

ريف

8

22

10

28

11

22

18

29

22

35

4

14

11

28

الأنبار

حضر

ريف

3

20

4

19

5

19

1

8

6

20

11

7

3

20

بغداد

حضر

ريف

1

23

12

26

7

16

9

4

16

14

18

1

8

16

بابل

حضر

ريف

17

27

17

29

18

30

16

27

29

34

23

29

19

31

كربلاء

حضر

ريف

19

30

13

22

17

29

20

25

26

25

25

8

18

23

واسط

حضر

ريف

10

34

15

25

12

28

14

34

23

27

16

3

12

30

صلاح الدين

حضر

ريف

6

24

3

19

9

24

5

12

5

7

10

13

5

21

النجف

حضر

ريف

9

31

16

24

8

25

12

30

17

31

27

35

13

33

القادسية

حضر

ريف

12

35

14

34

20

35

19

36

18

28

22

31

15

34

المثني

حضر

ريف

14

36

7

35

15

32

11

33

11

24

30

36

14

35

ذي قار

حضر

ريف

11

21

8

27

10

31

16

24

33

30

26

28

17

32

ميسان

حضر

ريف

12

32

1

23

14

36

7

28

12

32

17

20

7

29

البصرة

حضر

ريف

7

18

2

5

27

33

21

26

13

19

15

24

10

22

 

 

 

المصدر:www.uniraq.org .

شكل رقم 1:الفرق بين معدل إنتاج الكهرباء ومعدل الطلب عليها

شكل رقم 2:عدد ساعات توافر الكهرباء في المحافظات العراقية

جدول رقم 8: نتائج التعددات الرسمية والتقديرات الإحصائية التي أجريت في العراق في الفترة مابين 1919و2003

جهة التعداد أو التقدير

السنة

عدد السكان

التوزيع القومي%

التوزيع المذهبي  والديني %

سلطة الإحتلال البريطاني

1919

000،850،2

 

غ.م

الشيعة 44،55

السنة 68،36

أخري 88،7

الحكومة العراقية

1936

077،857،2

غ.م

الشيعة 56 تقريبًا

السنة  غ.م

أخري غ.م

الحكومة العراقية

1947

غ.م

 

غ.م

الشيعة 5،59

السنة 2،39

أخري 3،1

الحكومة العراقية

1957

175،331،6

العرب 80

الأكراد 16

أخري 4

الشيعة 50

السنة 35

أخري 15

الحكومة العراقية

1977

غ.م

غ.م

الشيعة 50

السنة 47

أخري 3

دائرة المعارف البريطانية

غ.م

غ.م

العرب 80

الأكراد 15

أخري 5

الشيعة 53

السنة 42

أخري 5

تقرير فريق أمريكي متخصص بالتعاون مع الحكومة العراقية

1987

غ.م

العرب 80

الأكراد 18

أخري 2

الشيعة 72

السنة 26

أخري 2

وزارة الخارجية الأمريكية

2002

غ.م

غ.م

الشيعة 60-65

السنة 30-37

أخري 3

موقع الجزيرة نت

2002

816،001،24

العرب 75-80

الأكراد 15-20

أخري 5

الشيعة 60-65

السنة 32-37

أخري غ.م

شبكة CNN

2002

816،001،24

العرب 80

الأكراد 17

أخري 3

الشيعة 60

السنة 37

أخري 3

وزارة التجارة العراقية

2003

167،475،27

غ.م

الشيعة 40

السنة 58

أخري 2

 

المصدر:فراس عبدالرزاق السوداني،العراق ..مستقبل بدستور غامض ،نقد قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية، (القاهرة:مكتبة مدبولي،الطبعة الثانية 2005) ،ص 187

 

 

جدول رقم 9:أسماء الجامعات العراقية الرسمية والأهلية وتبعيتها الطائفية.

أولًا :الجامعات العراقية الرسمية

      الجامعة

 الإنتماء

جامعة بغداد

إتجاهات مختلفة وحسب التوزيع الجغرافي لمواقع كلياتها

الجامعة المستنصرية

تحت السيطرة الشيعية

جامعة البصرة

تحت السيطرة الشيعية

جامعة الموصل

تحت السيطرة السنية

جامعة السليمانية

كردية

التكنولوجية

تحت السيطرة الشيعية

صلاح الدين

كردية

النهرين

تحت السيطرة الشيعية

تكريت

تحت السيطرة السنية

دهوك

كردية

بابل

تحت السيطرة الشيعية

ديالي

صراع سني شيعي للسيطرة عليها

الأنبار

تحت السيطرة السنية

القادسية

تحت السيطرة الشيعية

ذي قار

تحت السيطرة الشيعية

الكوفة

تحت السيطرة الشيعية

الجامعة الإسلامية

تحت السيطرة السنية

كربلاء

تحت السيطرة الشيعية

واسط

تحت السيطرة الشيعية

كركوك

تحت السيطرة السنية

هولير الطبية

كردية

ثانيًا :الجامعات الأهلية.

الجامعة

الإنتماء

المنصور

غير محددة الإتجاه

الرافدين

غير محددة الإتجاه

بغداد للعلوم الإقتصادية

غير محددة الإتجاه

المأمون

غير محددة الإتجاه

شط العرب

تحت السيطرة الشيعية

المعارف

غير محددة الإتجاه

الحدباء

تحت السيطرة السنية

اليرموك

غير محددة الإتجاه

بغداد للصيدلة

غير محددة الإتجاه

جامعة اهل البيت الإسلامية

تحت السيطرة الشيعية

الشيخ محمد الكسنزان

تحت السيطرة السنية

مدينة العلم

تحت السيطرة الشيعية

الشيخ الطوسي

تحت السيطرة الشيعية

الرشيد

غير محددة الإتجاه

 

المصدر :جريدة الشرق الأوسط ،الجمعة 26/1/2007، ص 10

شكل رقم 3:معدل وفيات المدنيين في الفترة من يناير 2006 إلي فبراير 2008.

الشكل رقم 4:معدل الوفيات بسبب العنف الإثني والمذهبي في الفترة من يناير 2006 إلي فبراير 2008

المصدر لشكل 3و شكل 4 هو:                                                                                                         www.defenselink.mil/pubs/pdfs/Master%20%20Mar08%20-%20final%20signed.pdf

 

الجدول رقم 10:العائلات النازحة بسبب التهجير الطائفي.

              المحافظة

عدد العائلات النازحة

                 بغداد

39404

             السماوة

1770

            واسط

1762

            ميسان

1490

           ذي قار

1458

          البصرة

965

          كربلاء

2696

          بابل

550

         القادسية

600

        النجف

2153

         الأنبار

450

        ديالي

1740

       صلاح الدين

2030

       كركوك

237

      نينوي

91

 

المصدر: جريدة الحياة ،الأحد 9/7/2006، ص 15 .

 

 

 

 

 

الجدول رقم 11:أعداد تقريبية للعوائل المندنائية) الصابئة) في المحافظات والمدن العراقية قبل سقوط النظام وبعد سقوطه.

      المحافظة أو المدينة

أعداد العوائل المندنائية قبل سقوط النظام (قبل إبريل 2003)

أعداد العوائل في إبريل 2006

       بغداد

1600

150

      بعقوبة

200

40

     الديوانية

400

62

     كركوك

250

75

     الكوت

400

65

     ميسان

900

320

     الناصرية

950

320

   الرمادي

275

75

 

المصدر: www.minorityrights.org/admin/download/pdf/MRG/iraqreport

 

 



[1] د ناهد عزالدين،"مفهوم هيكل الفرصة السياسية ،صلاحية الإستخدام كأداة تحليلية لدراسة العمل الجماعي"،مجلة النهضة ،المجلد الخامس ،العدد الأول يناير 2005 ،ص 64

[2] المصدر السابق ، ص 90

[3] -تيد روبرت جار،أقليات في خطر ،230أقلية في دراسة إحصائية وسياسية وإجتماعية ،تعريب مجدي عبدالحكيم وسامية الشامي (القاهرة:مكتبة مدبولي 1995)ص9

[4] http://en.wikipedia.org/w/index.php?title=ethnicgroup&action=history

[5] -إكرام بدرالدين،أزمة التكامل في الدول حديثة الإستقلال مع دراسة الكيان الإسرائيلي ،رسالة ماجستير غير منشوره(جامعة القاهرة :كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،1977)ص 13

[6] -د/حورية توفيق مجاهد،الفكر السياسي من أفلاطون إلي محمد عبده ،(القاهره:مكتبة الأنجلو المصرية ،1986)ص 13

[7] -د/سعدالدين إبراهيم،الملل والنحل والأعراق:هموم الأقليات في الوطن العربي،(القاهرة:مركز إبن خلدون،1994) ص 25

[8] -د/فرهاد إبراهيم،الطائفيةوالسياسة في العالم العربي،نموذج الشيعة في العراق،(القاهرة:مكتبة مدبولي،1996) ص16

[9] هشام داود،"الإثنية والسلطة تأملات في التحديدات والتخوم الإثنية"في فالح عبدالجباروهشام داود (محررين)، الإثنية والدولة :الأكراد في العراق وإيران وتركيا،ترجمة عبدالإله النعيمي ،(بغداد:معهد الدراسات الإستراتيجية 2006) ص126

1المرجع السابق ،ص 128

[11] -تيد روبرت جار ،م ،س،ذ ،ص 17

[12] - د محمد عاشور،التعددية الإثنية –إدارة الصراعات وإستراتيجيات التسوية ،(عمان:المركز العلمي للدراسات السياسية ،2002) ص 27

4-د علي الدين هلال و دنيفين مسعد(محرران)،معجم المصطلحات السياسية ،(القاهرة:مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة،1994)ص 91

[14] -ستيفن ريان ،"القومية والنزاع الإثني" في برايان وايت ،ريتشارد ليتل ومايكل سميث(محررون)، قضايا في السياسة العالمية ،(دبي :مركز الخليج للأبحاث 2004) ص 180

[15]-مي مجيب مسعد،بناء النفوذ في علاقة الجماعة الإثنية بالدولة-دراسة حالة لشيعة العراق (2003-2005)، رسالة ماجستير غير منشورة (القاهرة:كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،2006) ص 27

[16] -دفرهاد إبراهيم ،م،س،ذ ،ص 17

[17] -د سعدالدين إبراهيم ،م،س،ذ ، ص 22

[18] المرجع السابق ، ص 21

[19] - مارتن فان برونسن ،"طرق الكرد إلي بناء الأمة "في فالح عبدالجبار وهشام داود(محرران)،م،س،ذ ،ص51

[20]- Edwin N .Wilmsen&Patrick McAllister(editors),The Politics Of Difference:Etnic        Premises In a World of Power ,(Chicago:University of Chicago Press:1996)p.4

[21] John Comaroff,’’Ethnicity,Nationalism and politics Of Difference In An Age Of             Revolution”in Edwin N Wilsmsen&Patrick McAllister(editors),Ibid.,p .165

[22] -مارتن فان برنسن ،م ،س،ذ ،ص 43

[23]-هشام داود ،م ،س ،ذ ، ص128

[24] Jan Nederveen Pieterse ,’’Varieties Of Ethnic Politics and Ethnicity Discours’’in N  Wilmsen &Patrick McAllister .Op.Cit. ,p.31                                                                    

[25] Joane Nagel,''The Political Construction Of Ethnicity ‘’in Susan Olzak& Joan          Nagel,Competitve Ethnic Relations ,(Florida: Academic Press ,1986) p. 96                

[26] -د سعدالدين إبراهيم ،م.س.ذ ،ص ص 32-35

[27] -برهان غليون،نظام الطائفية من الدولة إلي القبيلة ،(الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي،1990) ص 15

[28] -د سعدالدين إبراهيم ، م، س،ذ ، ص ص 37-41

[29] - د محمد عاشور،م ،س ،ذ ن،ص ص 37-42

[30] James D.Fearon& David D.Laitin ,Violence and Social Construction Of Ethnic Identity ,in www.columbia.edu/itc/sipa/56800  course works violence                      

[31] د عبدالمنعم المشاط ،"الإطار النظري للأمن القومي العربي"في د عبدالمنعم المشاط (محررا)،الأمن القومي :أبعاده ومتطلباته ،(القاهرة:معهد البحوث والدراسات العربية ،1993) ص12

[32] لواء دكتور صلاح سالم ،تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والأمن القومي للمجتمع ، (القاهرة:عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية ،2003 ) ص 18

[33]  Ali.E.Hillal,”Dilemmas Of Security and Development In The Arab World Aspect Of The Lineage”in Timothy M.Show(editor ),The Many Faces Of National Security In   The Arab World , (London :MacMillan Press LTD,1993) p.77                                   

        

[34] دعبدالمنعم المشاط،نظرية الأمن القومي العربي المعاصر ،(القاهرة:دار الموقف العربي؛1984) ص 56

[35] د حامد ربيع ،نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط ،(القاهرة : دار الموقف العربي ،1984) ص 67

[36] د عبدالمنعم المشاط ،نظرية الأمن القومي العربي المعاصر ، م،س ،ذ ،ص 15

[37] المرجع السابق ، ص 16

[38] مدحت أيوب ،الأمن القومي العربي في عالم متغير بعد أحداث 11سبتمبر 2001،(القاهرة :مكتبة مدبولي،2003)   ص17

[39] Abdul-Monem M.Al-Mashat,Considerations In The Analysis Of National Security In The Third World ,Adissertation submitted to the Faculty of the University of North Carolina at Chapell Hill, 1982, p.3                                                                                      

Ibid. ,p.32                                                                                                                             

[41] د عبدالمنعم المشاط "الإطار النظري للأمن القومي العربي"في د عبدالمنعم المشاط (محررا)،الأمن القومي أبعاده ومتطلباته ، م،س،ذ ،ص 14

[42] عبد المنعم المشاط ،نظرية الأمن القومي العربي المعاصر ،م،س،ذ ، ص 17

[43] المرجع السابق  ،ص 18

[44] Ali .E.Hillal, Op.Cit.  ,p. 78

[45] Micheal T.Klare&Yogesh Chandrani ,World Security Challenges For aNew Century, (New York: St Martin’Press , 1998 )p.19                                                                            

[46] د حامد ربيع ،م،س،ذ ، ص ص 35 -40

[47] د علي ليلة "الأبعاد الثقافية للأمن القومي العربي"في د عبدالمنعم المشاط(محررا)،الأمن القومي أبعاده ومتطلباته ، م،س،ذ ، ص 211

[48] James N.Rosenau,"The Dynamiasm Of Turbulent World”, in Micheal T.Klare &Yogesh Chandrani ,Op.Cit.,pp.29-32                                                                                                

 

                                                                                               

[49] خديجة عرفة محمد،مفهوم الأمن الإنساني ،(القاهرة : المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة مفاهيم ،العدد 4 السنة الأولي ،إبريل 2005) ص ص 13-26

[50] د مصطفي علوي،" ملاحظات حول مفهوم الأمن"،مجلة النهضة ،العدد الخامس أكتوبر 2000، ص 123

[51] المرجع السابق ،ص 125

[52] المرجع السابق،126

[53] د مصطفي علوي،"مفهوم الأمن في مرحلة مابعد الحرب الباردة"،في دهدي ميتكيس،السيد صدقي عابدين (محررين)،قضايا الأمن في أسيا ،(القاهرة:مركز الدراسات الأسيوية ،كلية الإقتصاد والعلوم السياسية،2004) ص 14

[54] أمين هويدي،في السياسة والأمن، (القاهرة:معهد الإنماء العربي(ب.ت)) ص 35

[55] David A Lack&Donald Rothchild"Spreading Fear:The Genesis of Transnational Ethnic Conflicts" in David A Lack &Donald Rothchild (editors),The International Spread of Ethnic Conflict :Fear,Diffusion and Escalation(New Jersy:Princeton University press 1998)p.7

[56] |Kay Warren"Culture,Violence and Ethnic Nationalism Weighing Alternative Strategies of Explenation and Media Representation"in R Brian Ferguson(editor)The stat,Identity and Violence :Political Disintegration In The Post Cold War Era (NewYork:Routledge 2002)p.102

1Thomas S.Szayen,Identifying Potential Ethnic Conflict:Application Of AProcess Model, (Santa Monica:Rand,2000) p.65

[58] Abdul-Monem M.Al-Mashat ,Op.Cit., p.76

[59] Francis M.Deng ,War of Visions and Conflict of Identities In the Sudan,(Washington DC,The Brooking Institution 1995) p.1

[60] مني مكرم عبيد،المواطنة،(القاهرة :المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة مفاهيم ،العدد 10 السنة الثانية مارس 2006)ص.10

[61] Paul Roe,Ethnic Violence and The Societal Security Dilemma ,(New York :Routledge 2004) p. 188

[62] Milton J. Esman ,An Introduction To Ethnic Conflict ,(Cambridge :Polity Press 2004)p. 114

[63] Donald Horowitz, Structure and Strategy in Ethnic Conflict ,Paper Presented at the Annual World Bank Conference on Development Economics, Washington, D.C April 20-21,1998

[64] Ted Robert Gurr,Why Men Rebel,(New Jersy,Princeton University Press ,1970)p.3

[65] Rupert Brown,Prejudice, It's Social Psychology, (Oxford :Blackwell ,1995)p. 203

[66] د/ثناء فؤاد عبدالله،الدولة والقوي الإجتماعية في الوطن العربي علاقات التفاعل والصراع ،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية ,2001) ص 30

[67] Conteh-Morgan,Collective Political Violence An Introduction to Theories and Cases  of Violent Conflicts(NewYork:Routledge:2004)p. 202

[68] صبحي علي قنصوه،مشكلة الإندماج الوطني في نيجيريا ،(رسالة ماجستير غير منشورة ،معهد البحوث والدراسات الإفريقية ،1989) ص 22

[69] مصطفي علوي ،"البعد الإجتماعي للأمن القومي المصري"،مجلة النهضة ، العدد السابع إبريل 2001 ،ص 13

[70] دعبدالمنعم المشاط،الكلمة الإفتتاحية لمؤتمر (تحولات المجال العام في مصر،تنامي الصراع ومستقبل التوافق الإجتماعي )،كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،جامعة القاهرة،11-12 ديسمبر 2007

[71] محمد كمال التابعي ،التنمية البشرية المستدامة المفهوم والمكونات (القاهرة ،المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة مفاهيم ،العدد 14،السنة الثانية،فبراير 2006) ص 5

[72] Marc Howard Ross,The Culture Of Conflict ,(New Haven:Yale University Press 1993) p.35

[73] Gert Danielsen,Meeting Human Needs,Preventing Violence ,Applying Human Needs Theory To The Conflict in Srilanka ,in http:// filebox.vt.edu

[74]                                                                                                         Milton J.Esman,Op.Cit., p. 84

[75] محمد كمال التابعي ،م ،س،ذ ،ص 31

[76] http://geography.i7.com/gbashar

[77] John Coakly ,"Introduction :The Territorial Management Of Ethnic Conflict",in John Coakly (editor),The Territorial Management Of Ethnic Conflict(London :Frank Cass&co LTD,1993) p. 22

[78] د علي ليلة،تقاطعات العنف والإرهاب في زمن العولمة،(القاهرة:مكتبة الأنجلو المصرية ،2007) ص79

[79]                                                                                                Rupert Brown,Op.Cit.,pp.164-166

[80] Ibid., p. 171                                                                                                                     

[81] روزا إسماعيلوفا، ،المشكلات العرقية في أفريقيا الإستوائية هل يمكن حلها ، ترجمة سامي الرزاز (القاهرة:دار الثقافة الجديدة، 1983) ص 114

[82] د/ماجدة غنيمة،"الإرهاب كأحد أنماط المشاركة السياسية"،في د/إكرام بدرالدين محررا،ظاهرة الإرهاب السياسي، (القاهرة:دار الثقافة العربية،1991) ص 79

[83] أسامة محمد صالح،إقتسام السلطة التوافقي والعنف السياسي الإثني في إيرلندا الشمالية ،رسالة ماجستير غير منشورة،(القاهرة:كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،2006) ص 69

[84] د-حسنين توفيق إبراهيم ،ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية ،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،1992) ص ص42-46

[85] Roger Brubaker,David D.Latin ,"Ethnic and Nationalist Violence",Annual Review of Sociology ,vol 34,1998on :http//www.questia .com

[86]                                                        www.iraqsunnews.com/modules.php?name--news:4519

[87] Marc Howard Ross,Op.Cit.,p.81                                                                                     

[88] عبدالناصر حريز،الإرهاب السياسي دراسة تحليلية ،(القاهرة:مكتبة مدبولي،1996) ص 66

[89] المرجع السابق، ص ص 69-72

[90] احمد إبراهيم محمود،الحرب الأهلية في أفريقيا ،(القاهرة :مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية،2001) ص 25

[91] Paul Collier,Anke Hoeffler, Greed and Grievance In Civil War ,on                                   www.worldbank.org/research/conflict/papers/greed grievance.23oct        

[92] أحمد جلال عز الدين،الإر هاب الدولي وإنعكاساته علي الأمن القومي المصري ،رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة :أكاديمية ناصر العسكرية العليا ،كلية الدفاع الوطني ،1984)ص ص46-57

[93] Grant Wardlaw,Political Terrorism,Theory, Tactics and Counter Measures, (London:Cambridge University press 1982)p.16

[94] د/إكرام بدرالدين "ظاهرة الإرهاب السياسي علي المستوي النظري "،في د/إكرام بدرالدين محررا، م،س،ذ ، ص ص 29-35

[95] عبدالناصر حريز،م،س،ذ ،ص 34                      

[96] Richard Clutter Buck,Kidnap,Hijack and ,Extortion ,(London:The Macmillan Press.LTD 1987)p.3

[97] المرجع السابق ،ص ص 184-185

[98] أسامة محمد محمد صالح ،م،س،ذ ، ص 69

[99] -اد/سمير الطائي،العنف السياسي في بلاد الرافدين ،دراسه في جذوره التاريخية ،(بغداد:دار دجلة،2006)ص41

[100] Ahmed S.Hashim,Insurgency And Counter-Insurgency in Iraq,(London :C Hurst&CO LTD,2006) , p. 63                                                                                 

[101] عبدالله النفيسي ،دور الشيعة في تطور العراق الحديث، (الكويت :ذات السلاسل ،1990)، ص 89

[102] Liora Lukitz,Iraq :The Search For National Identity, (London:F.Cass,1995), p17

[103]  W.Andrew Terrill,Nationalism ,Sectarianism And The Future Of The U.S Presence In Post –Saddam Iraq , (Carlisle Barracks .P A:Strategic Studies Instituation ,2003), p.3

[104] ليام أندرسن ،غاريت ستانسفيلد ،عراق المستقبل :ديكتاتورية ،ديموقراطية أم تقسيم ،ترجمة رمزي بدر ، (لندن :دار الوراق للنشر ،2005) ،ص 53

2, March/[105] Foel Rayburn,"The Last Exit From Iraq ",Foreign Affairs ,Volume 85,No    April 2006,p .32

[106] قناة الجزيرة، برنامج المشهد العراقي بتاريخ 11/3/2007

[107] عاطف السعداوي ،"العراق مجلس الحكم ،تكريس للإحتلال أم خطوة نحو الإستقلال "،مجلة الديموقراطية ، العدد 12، أكتوبر 2003 ،ص 175

[108] حميد شهاب احمد،العراق المشكلة والحل دراسة نقدية في ظل المتغيرات الحالية ،(القاهرة :المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة قضايا ،إبريل 2007) ،ص 38

[109] فالح عبدالجبار،المجتمع المدني في عراق ما بعد الحرب ، ترجمة هبة قبلان ،(بغداد:معهد الدراسات الإستراتيجية  2006)، ص 37

[110] Stephen Biddle,"Seeing Baghdad ,Thinking Saigon",Foreign Affairs, Vol 85, No 2, March/April,2006 p.8

[111] Micheal Rubin ,"The Future Of Iraq:Democracy ,Civil War,Or Choas",Middle East Review Of International Affairs ,Vol 9,No 3, September 2005,p.127

[112] Peter W.Galbraith,The End Of Iraq,How American Incompetence Created a      War Without End,(New York:Simon&Schuster,2006) p .47

[113] Patrick Cockburn,The Occupation,War and Resistance In Iraq, (London: Verso ,

2006) , p.151                                                                                                                   

[114] Noah Feldman,What We Owe Iraq,War And The Ethics Of Nation Bulding, (New Jersy:Princeton University Press,2004) p. 44

وانظر أيضا إدوارد جوزيف ومايكل هانلون ،دواعي التقسيم الناعم للعراق ،(القاهرة:المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة ترجمات ،العدد 34 أكتوبر 2007) ،ص 14

[115] شمخي جبر،جذور المجتمع المدني في العراق، فى www.rezgar.com

[116]                  Bassam Yousif,"Economic Restructing In Iraq,Intended and Unintended Consequences",Journal Of Economic, Vol 41,Issue 1 2007,p.45               

[117] د إيمان حسن ،أوضاع المجتمع المدني في العراق في ظل الإحتلال الأمريكي 2003-2008 بحث مقدم لمؤتمر (خمس سنوات علي الإحتلال الأمريكي للعراق :الواقع والآفاق ) كلية الإقتصاد والعلوم السياسية  ، جامعة القاهرة 9-10 إبريل  2008

[118] Ray Taras,"The (IL)Logic Of Intervention In Iraq :Sectarianism ,Civil War And The U S Game Plan",International Journal on World Peace,Vol 23, Issue 4 2006 ,p .37

[119] عمرو عبدالعزيز سيد،"الصراعات الطائفية والعرقية هل تؤدي إلي حرب أهلية بالعراق"،شئون خليجية،العدد 36 ،شتاء 2004 ،ص 151

[120]        Vali Nasr,"When The Shitites Rise",Foreign Affairs, Vol 85,N0 4 July/August 2006, p. 63

[121] W.Andrew Terrill,Op.Cit, p. 29                                                                                               

أنظر أيضا

كرايسز جروب ،سياسة إيران الخارجية في مرحلة ما بعد سقوط بغداد ، (القاهرة:المركز الدولي للدراسات السياسية المستقبلية والإستراتيجية ،سلسلة ترجمات ،السنة الأولي  العدد 6 ،2005) ،ص 6

[122] خليل العناني ،الدور الإيراني في العراق ،تحركات غامضة في بيئة مضطربة ,(القاهرة :مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ،كراسات إستراتيجية ،السنة الخامسة عشر ،العدد 158، 2005)، ص 22

[123] محمد عباس ناجي،"مواجهة تحدي العراق الممزق رؤية سعودية (1/2)"،مختارات إيرانية ،السنة السادسة، العدد 70 ،مايو 2006، ص 18

[124] عباس ويليام سامي ،"العدو الأقرب والأعز إيران بعد الحرب العراقية (2-2)"،مختارات إيرانية،السنة السادسة ،العدد 67 فبراير 2006، ص10

وأنظر أيضا

محمد عباس ناجي،"مواجهة تحدي العراق الممزق رؤية سعودية(2/2)"،مختارات إيرانية،السنة السادسة ،العدد 71،يونيو 2006، ص19

وكذلك جريدة الحياة ،الجمعة 13/4/2007، ص 3

  www.alhaqaeq.net   [125]               

[126] محمد نورالدين،"النتائج والتداعيات تركيا"،في أحمد يوسف وأخرون ،إحتلال العراق وتداعياته عربيا وإقليميا ودوليا ، (بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية ،2004)، ص405

[127] فوزية صابر،"قراءة جيو سياسة للبعد الكردي بين العراق وتركيا"،شئون الأوسط ،العدد 12 ربيع 2006 ، ص ص 112-114

[128] د جلال معوض،الأكراد والتركمان في العراق تحليل سياسي،سلسلة بحوث سياسية ،العدد 90ديسمبر 1994 (القاهرة :كلية الإقتصاد والعلوم السياسية،مركز البحوث والدراسات السياسية) ،ص 7

وأنظر أيضا

Christine Moss Helms,Iraq:Eastern Flank Of The Arab World ,(Washington DC:Brooking Institution,1984), p .25

[129] قاسم جميل قاسم ،التكامل القومي في العراق ،المشكلة الكردية ،رسالة دكتوراة غير منشورة (القاهرة:كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،1977) ،ص 83

[130] عبدالوهاب حميد رشيد ،التحول الديموقراطي في العراق ،المواريث التاريخية والأسس التاريخية والأسس الثقافية والمحددات الخارجية ،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية 2006)، ص 299

[131] المرجع السابق، ص 167

[132] علي حنوش ،العراق مشكلات الحاضر وخيارات المستقبل ،دراسة تحليلية عن مستويات تلوث البيئة الطبيعية والبيئة الإجتماعية ،(بيروت :دار الكنوز الأدبية ،2000) ،ص 150

[133] أصبح إجمالي مساهمة الصناعة في الناتج القومي حاليا تترواح ما بين 5،1إلي 2%،بينما تساهم الزراعة ب3%من إجمالي الناتج القومي

أنظر جريدة الحياة ،الثلاثاء 26/12/2006،ص 12

[134]          Abbas Al-Nasrawi,Iraq's Burdens :Oil Sanctions And Under development, (West Port ,ct:Greenwood Press,2002), p. 94

[135] جيف سيمونز،عراق المستقبل السياسة الأمريكية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ،(لندن:دار الساقي ، 2003)، ص 46

[136] Abbas Al-Nasrawi,Op.Cit.,P.100

[137] Ahmed S Hashim,Op.Cit., p. 253                                                                                               وانظر أيضا

سامي محمد القرعان،الأقليات في الوطن العربي وتأثيرها علي الوحدة العربية ،رسالة ماجستير غير منشورة ، (القاهرة :معهد البحوث والدراسات العربية ،2000) ،ص 150ث

[138] د علي حنوش،م،س،ذ ،ص 144

 

[139] www.export.gov/iraq/pdf/crs-iraq

[140]               Bassam Yousif,Op.Cit., p .46

[141] Ibid. ,p .48                                            

[142] www.uniraq.org/documents/un_iraq

[143] www.amanjordan.org/a-news

[144] http://ilcesr.org/file/store2/download/pdf/php58a84 

[145] الحياة ،السبت 11/11/2006، ص 11

[146] عزمي عاشور ،"السلطوية والدين وبناء العراق"،مجلة الديمقراطية ،العدد 14،إبريل 2004، ص113

[147] أحد الأقوام التي سكنت الشمال الغربي من إيران

[148] سعدالدين إبراهيم،م،س،ذ،ص 218

[149] جيف سيمونز،م،س،ذ ،ص 155

[150]             , Andreas Wimmer,Democracy And Ethno-Religious Conflict In Iraq (Paper Presented at the Center Of Democracy ,Development and the Rule of Low ,Stanford University , May 5,2003)                                                                                                           

[151] محمد نورالدين،م،س،ذ ،ص 471

[152] Yitzdak Nakash,The Shi'is Of Iraq ,(New Jersy:Princeton University Press,2003),p. 28                                                                                                                                     

[153] د جورج ماكغفرن،وليام بولك،الخروج من العراق ،خطة عملية الإنسحاب الآن،(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،2006) ،ص 52

                                                                             www.aljazeera.net/portal/templates/poitings  [154]

[155] وليام أندرسن ،غاريت ستانسفيلد ،م،س،ذ ،ص 60

[156] رشيد الخيون ،الأديان والمذاهب في العراق ، (كولن:منشورات الجمل ،2003)، ص69

[157] المصدر السابق ،ص 70

[158] المصدر السابق ، ص71

[159] المرجع السابق ،ص 20-28

[160] قاسم جميل قاسم،م،س،ذ ،ص 66

[161] د علي الوردي، شخصية الفرد العراقي،بحث في نفسية الشعب العراقي علي ضوء علم الإجتماع الحديث،(لندن:دار ليلي ،2001)، ص 51

[162] Liora Lukitz ,Op.Cit., p. 79

[163] Ibid. ,p .86                          

[164] Ahmed Hashim,Op.Cit. ,p .70

وأنظر أيضا:

رشيد عمارة ياس الزيدي،"أزمة الهوية العراقية في ظل الإحتلال"،في باسيل بجك وأخرون،إستراتيجية التدمير وأليات الإحتلال الأمريكي ونتائجه الطائفية ،الهوية الوطنية، السياسات الإقتصادية ،(بيروت :مركز دراسات الوحدة العربية،2006) ،ص 60

[165] منذر حسن،دور الأحزاب السياسية في عراق ما بعد الإحتلال (2003-2005)، رسالة ماجستير غير منشورة ،(القاهرة:معهد البحوث والدراسات العربية،2006)، ص 92

[166] سعد ناجي جواد،"الوضع العراقي عشية الحرب"،في أحمد يوسف وأخرون ،م،س،ذ، ص 207

[167]  W.Andrew Terrill,The United States And Iraq's Shite Clergy:Partners Or Adversaries ,(Carlisle Barracks PA:Strategic Studies Institute ,2004), p .11       

[168] جريدة الشرق الأوسط ، الأربعاء 22/11/2006 ،ص 17

[169] جريدة الحياة، الإثنين 14/8/2006، ص 9

[170] سعد ناجي جواد،م،س،ذ ،ص 217

[171] قاسم حسين صالح،المجتمع العراقي تحليل سيكولوجي لما حدث ويحدث ،(بيروت:الدار العربية للعلوم ناشرون،2008) ،ص 11

وأنظر أيضًا

Stephen Biddle,Op.Cit.,p .5

[172] جريدة الشرق الأوسط ،الأحد 10/12/2006، ص 8

وأنظر أيضا

إدوارد جوزيف ومايكل هانلون،م،س،ذ ،ص 13

وكذلك Stephen Biddle,Op.Cit.,  p. 9

وكذلك سمير البسيوني ،"العراق جمهورية بوش الإسلامية"،مختارات إيرانية، السنة السادسة ،العدد 63،أكتوبر 2005، ص 20

[173] جريدة الأهرام ،الإثنين 4/9/2006، ص 4

[174] قاسم حسين صالح،م،س،ذ،ص 32

[175] جريدة الحياة،الإثنين 21/5/2007، ص 4

[176] عمرو عبد العزيز سيد،م،س،ذ ،ص 148

[177] Vali Nasr,Op.Cit., p.61

[178] جريدة الشرق الأوسط ،الخميس 20/11/2006،ص 2

[179] جريدة الحياة، السبت 26/4/2008،ص 4

[180] جريدة الشرق الأوسط،السبت 29/3/2008، ص2

[181] Ahmed S.Hashim,Op.Cit., p. 244

[182] www.aljaml.com/node/20328

[183] آيات شاهر زيدان،"تحديات بناء الدولة في العراق،العراق ومشكلة الميليشيات"،مختارات إيرانية، السنة السادسة ،العدد 72 يوليو 2006،ص 15

[184] www.chathamhouse.org/uk/pdf/research/map/bpiraq0507

[185] www.alawan.org/page=articles-id1429 

[186] المصدر السابق

[187] www.alanbaa.org/nbanews/69/652

[188] المصدر السابق

[189] جريدة الحياة ،الأثنين 19/1/2007،ص 2

[190] محمد مجاهد الزيات،الصراع الداخلي في العراق،بحث مقدم لمؤتمر(خمس سنوات علي الإحتلال الأمريكي للعراق :الواقع والآفاق)،كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ،جامعة القاهرة ،9-10 إبريل 2008

[191] منذر حسن،م،س،ذ،ص 79

[192] http://arabic.cnn.com/raq.groups/ansar-islam.html

[193] Raed Jarrar,"The Iraqi Civil Conflict Another Reason For Bringing The Troops Home" in w w w.fpif .org                                                                                        

[194] جيمس بول وسيلين تاموري،الحرب والإحتلال في العراق تقرير للمنظمات غير الحكومية، ترجمة مجد الشرع

(بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية ،2007)، ص 33

[195] جريدة الحياة ،الأحد 17/9/2006، ص 14

[196] Ahmed S.Hashim,Op.Cit.,p. 47

[197] Patrick Cockburn,Op.Cit.,p .193

وايضا

Peter W.Galbraith,Op.Cit., p. 177

وكذلك

www.state.gov/gldrl/fris/hrrpt/2006/78853

[198] Peter W.Glbraith,Op.Cit., p. 176

[199] Ahmed S.Hashim,Op.Cit., p. 160

[200] www.annabaa.org/nbanews/69/652

[201] جريدة الشرق الأوسط ،الخميس 10/5/2007،ص 2

[202]  مصطفي علي العبيدي،صفحات من إحتلال العراق،مشاهدات صحفي من حرب لا تنتهي 2003-2007 (بيروت:الدار العربية للعلوم ناشرون،2008) ،ص 97

[203] Ashraf Al-Khalidi&Victor Tanner,Sectarian Violence :Radical Groups Drive Internal Displacement In Iraq , inw w w.brookings.edu /idp                                 

 Ashraf Al-Khalidi&Victor Tanner,Sectarian Violence :Radical Groups Drive Internal Displacement In Iraq , w w w.brookings .edu[204]

[205] Ahmed S.Hashim,Op.Cit., pp. 161-162

[206] www.brookings.edu/iraqindex   

[207] مصطفي علي العبيدي،م،س،ذ ،ص 100

[208] زكي شهاب ،العراق يحترق،شهادات من قلب المقاومة،(بيروت :رياض الريس للكتب والنشر،2006) ، ص200

[209] www.state.gov/g/drl/frls/hrrpt/2006/78853 

[210] جريدة الشرق الأوسط ،السبت 5/8/2006،ص 7

[211] جريدة الحياة ،السبت 20/1/2007، ص 1

[212] جريدة الحياة، الأربعاء 24/1/2007، ص 14

[213] .Ashraf Al-Khaldi&Victor Tanner,Op.Cit

[214] جريدة الأسبوع ،الأثنين 4/12/2006،  ص 16

[215] Ahmed S.Hashem,Op.Cit., p .227

[216] فوزية صابر،م،س،ذ ،ص 10

[217] جوين دايار،الفوضي التي نظموها،الشرق الأوسط بعد العراق ،ترجمة بسام شيحا ،(بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون ،2007) ، ص 97

[218] جريدة الشرق الأوسط ،الأثنين 16/10/2006 ، ص 4

[219] عصام نعمان ،"العراق علي مفترق التعدد والتوحد ،المتغيرات والتحديات والخيارات "في أحمد يوسف وأخرون ،م،س،ذ ،ص 560

[220] جريدة الشرق الأوسط ،الخميس 30/11/2006، ص 12

[221] www.hewarat.dk.ir

[222] عصام نعمان،م،س،ذ ، ص 549

[223] نظام مارديني،"كركوك صورة نموذجية لعراق فيدرالي متفجر" ،شؤون الأوسط ،العدد 117،شتاء 2005 ، ص130

[224]جريدة الحياة ،الخميس 28/12/2006، ص 9

[225] قناة الجزيرة، برنامج ما وراء الخبر 2/9/2006

[226] جريدة الشرق الأوسط ،السبت 11/11/2006 ، ص 3

[227] www.washingtoninstitute.org/pdf/cid/2552

[228] نظام مارديني،م ،س،ذ ،ص 121

[229] Ahmed S.Hashim ,Op.Cit. ,p. 220

[230] Ibid.,p. 223

[231]  نظام مارديني،م،س،ذ ،ص 121

[232] جوين دايار،م ،س،ذ ،ص 91

[233] نظام مارديني،م،س،ذ ، ص 132

[234] المرجع السابق ،ص 132

[235] www.turkmen.nl/tmf

[236] Ahmed S.Hashim,Op.Cit. ,p .220

[237] www.alnajafnews.net/najafnews=fullnews

[238] www.minorityrights.org/admin/download/pdf/MRG/iraqreport

[239] Chaim Kaufmann,"A Security Dilemma :Ethnic Partitioning In Iraq ",Harvard International Review,Volume 28, Issue 4 2007, p. 45                                           

[240] جريدة الحياة ،الثلاثاء 10/7/2007، ص 3

[241] جريدة الحياة ،الحميس 29/3/2007، ص 8

وأنظر أيضا

الشرق الأوسط ،الجمعة 30/3/2007 ،ص 9

[242] Richard Seymour,"New Constitution Threatens Iraq Ethnic Groups",Middle East, Issue 364,February 2006, p .61                                                                                      

[243] www.minorityrights.org/admin/download/pdf/MRG/iraqreport

[244] سلمان يوسف ،لا منطقة آمنة في العراق للآشوريين، في www.rezgar.com

[245] جريدة الحياة، الجمعة 17/11/2006، ص 2

[246] www.aina.org/reports/yezdi/sept/pdf

[247] أخبار الموصل 16/2/2007، فيwww.rezgar.com 

[248] جريدة الأهرام ،الأربعاء 22/8/2007، ص 6

[249] جريدة الحياة ،الأثنين 23/4/2007،ص3

[250] www.radiosawa.com/article_printaspx/id=1374992

[251] www.minorityrights.org/admin/download/pdf/MRG/iraqreport

[252] جريدة الشرق الأوسط ،الأربعاء 17/1/2007، ص 3

[253] James D.Fearon,"Iraq Civil War",Foreign Affairs, Vol 86,No 42,March/April2007, p.4                                                                                                                                    

[254] Ahmed S.Hashim,Op.Cit., p.165

[255] جريدة الأهرام، الأحد 3/12/2006، ص 5

[256] جريدة الحياة ، الخميس 19/10/2006، ص 3


 [s1]مهم