اللقاء اليساري العربي

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية‎

المقالات

التيار اليساري

هيئة التحرير

الأرشيف

مكتبة اليسار

ملفات اليسار

النقابات العمالية

          

 

                                    

صفحات سياسية - صفحة المفكر  د.عبد الحسين شعبان

 

 
د.عبد الحسين شعبان
 
أسئلة الثقافة والسلطة : اختلاط الزيت بالماء
 

 

 

غالباً ما يثار السؤال: هل هناك علاقة تكافؤ بين السياسي والمثقف؟ أي هل هي علاقة ندّية أم علاقة تبعية؟ ولماذا يحتاج السياسي إلى المثقف؟ هل لترويج خطابه؟ أو لتسويق أفكاره؟ أو للحديث نيابة عنه للجمهور؟ أو لاستخدامه في صراعه مع خصومه؟ أو لاستثماره في نزاعاته الداخلية الحزبية والحكومية؟ أو للاستفادة منه كجزء مكمّل للصورة المرسومة التي تقضي أن يكون السياسي جليساً للمثقفين ونديماً للشعراء والأدباء، أو أن يكونوا هم من ندمائه، لاسيّما عندما يكون هذا السياسي حاكماً؟

 

وقد يكون الجواب: ما العيب إذا اقترن اسم المثقف بالسياسي أو الحاكم، لاسيّما إذا كان الانسجام والتوافق الفكري بينهما موجوداً، وتوافرت بينهما فسحة من الحرية المانعة للحواجز والقيود على الفكر والثقافة؟ في الوقت ذاته كيف يمكن للمثقف وضع مسافة فاصلة بينه وبين الحاكم، باعتباره غير ملحق به، ولا يستطيع الحاكم الاستغناء عنه أو تجاهله كلياً لأنه بحاجة إليه، وإنْ كان مطيعاً ومنفّذاً لتطلعاته أو مزوّقاً أطروحاته . لكن المثقف أحياناً يفكّر في أنه بدلاً من إقصائه أو تهميشه، قد تؤمن له تلك العلاقة الحماية والاستقلالية، باعتباره كياناً آخر وليس جزءاً من حاشية الحاكم؟ وهو الأمر الذي يثير الكثير من الالتباس وربما الارتياب .

 

ولكن السؤال غالباً ما يثور: وهل يُسمح للمثقف بمثل هذا الهامش؟ ثم هل يتقبّل الحاكم من خلال سلطته، أن يكون المثقف ندّاً له، وليس واحداً من أتباعه؟ وإنْ رفض المثقف ذلك فإنه سيخسر السياسي، وإن ارتضى فإنه  سيخسر نفسه .

 

هناك درجات قاسية في معادلة الثقافي  السياسي، حسب طبيعة الحاكم وتوجهاته ومتطلباته، مثلما هي طبيعة المثقف واستعداداته وتمسّكه بحريته وثقافته وإبداعه .

 

لقد جالس السياسيون والحكّام على وجه الخصوص المثقفين، وأحاطوا أنفسهم بهم لإدراكهم أن الثقافة سلطة أخرى موازية للسلطة السياسية والعسكرية والبوليسية، وحسب فرانسيس بيكون، فإن المعرفة سلطة، أي إن سلطة المثقف هي معرفته ووسيلته الإبداعية لنشر ثقافته وبسط سلطانه، وكما يقال المعرفة: قوة أو سلطة Knowledge is power، إلاّ أن سلطة المعرفة تختلف عن السلطة السياسية والعسكرية من حيث التأثير والسلطان والجبروت، إذْ إن الأخيرة تمتلك أدوات القمع وبإمكانها تسخير الأدوات المعرفية والثقافية لفرض سلطتها القمعية .

 

وقد استخدمت الكثير من الأنظمة على نحو مترابط القمع السياسي البوليسي مترافقاً مع القمع الإيديولوجي الثقافي، خصوصاً بتطويع وتوظيف بعض المثقفين لتبرير سياساتها بما فيها القمعية، فضلاً عن ترويج خطابها، الأمر الذي انخرط فيه مثقفون غير قليلين تحت مبررات مختلفة تارة طبقية وأخرى قومية وثالثة دينية، وهكذا، الأمر الذي يتطلب من المثقف إذا ما أراد احترام نفسه أن يحترم ثقافته وسيلته الإبداعية، نائياً بنفسه عن الاستخدام التوظيفي لثقافته من جانب السلطات لإضفاء مشروعية على القمع السياسي، فالمثقف الذي لا يخدم معرفته وثقافته لا يحترم سلطته، أو إنه يتنازل عنها بثمن بخس، والمسألة لا تعني أن عليه اختيار العزلة أو الاعتكاف أو عدم الاختلاط بالحكام، لكن المهم أن يُبقي المثقف يده على الزناد، كما يقال، لإطلاق كلمة الحق، كلّما شعر بضرورة ذلك، وكلما كان الأمر واجباً، فلا ينبغي له والحال هذه الاستقالة من دوره أو التخلي عنه .

 

تعود حاجة الحاكم إلى المثقف لأمرين أساسيين:

 

الأول: الظهور أمام الرأي العام كصاحب مشروع فكري- ثقافي، خصوصاً إذا كان للمثقف صدقية وضميرية، لأن ذلك يسبغ إيجابية على الحاكم وخطابه، وإذا حظي الحاكم بدعم المثقف، وخصوصاً بعض الرموز المهمّة، فإنه سيحظى بدعم شعبي .

 

والثاني: يريد الحاكم التظلل بمظلة الثقافي مبعداً “سلطويته” عن التصوّر السائد، لإدراكه أهمية إظهار جوانبه الإنسانية ذات البُعد الأخلاقي، مستخدماً التأثير النفسي (Psychology) في كسب تأييد المجتمع له .

 

كان بعض الحكام تاريخياً يغدقون على الأدباء والشعراء الموالين الذين يقومون بالترويج والدعاية الإيديولوجية، ويعاقبون من يمتنع عن ذلك، بالتهميش والعزل والسجن أحياناً، أو بالتصفية الجسدية، لأنهم يدركون أهمية سلطة الثقافة، وقد أثرت في كتابي “الجواهري- جدل الشعر والحياة” بطبعته الأولى، عن دار الكنوز الأدبية، بيروت، ،1997 التباس علاقة الجواهري بالزعيم عبد الكريم قاسم، فالأول: زعيم السلطة الثقافية، والأدبية، والإعلامية، لكونه رئيس اتحاد الأدباء العراقيين ونقيب الصحفيين، أما الثاني: فهو زعيم السلطتين العسكرية والتنفيذية، أي القائد العام للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه رئيس الوزراء .

 

وبالرغم من أن عبدالكريم قاسم زار بيت الجواهري كأول بيت يزوره بعد ثورة 14 يوليو/تموز ،1958 وقال عنه: هذا البيت هو الذي أنجب الثورة، فإنه عاد وتنكّر لذلك بسبب خصومة كنت قد رويتها تتعلق بما كتبه الجواهري في جريدته “الرأي العام”، ولاسيّما مقالة بعنوان “ماذا يجري في الميمونة؟”، وهي قرية في محافظة ميسان (العمارة) جنوبي العراق، وذلك بعد تدهور الوضع السياسي في العراق واستدارة الحكم باتجاه الهيمنة الفردية، الأمر الذي قلّص هوامش الحريات التي جاءت بها الثورة، وخاصة عندما ضاق صدر الزعيم إزاء أي رأي آخر . وكنت قد أضفت فقرة جديدة في طبعة الكتاب الثانية، الصادرة عن دار الآداب، في بيروت، ،2009 بعنوان “الجواهري حيال السلطة والسياسة” وهي دراسة نُشرت في مجلة “أبواب” العدد (16- 1998) وهي تتعلق بصميم علاقة المثقف بالسلطة .

 

أسوق هذه المعلومات ليقيني بمدى أهمية وحساسية علاقة المثقف بالحاكم، التي قد تثمر إيجاباً أو قد تُستثمر سلباً، لاسيّما إذا أدركنا اشتباك هذه العلاّقة وتعقيداتها، ولي أن أتساءل مرّة أخرى: ما الذي أراده فيديل كاسترو من صداقته مع غابرييل غارسيا ماركيز الذي ظل يحرص على لقائه؟ كما يمكنني القول: ما الذي أراده الأخير من كاسترو؟ ويمكن سحب السؤال على علاقة عبدالفتاح إسماعيل بأدونيس على الرغم من أنها لم ترتق إلى مستوى علاقة كاسترو بماركيز، وهي علاقات مزدوجة ومركّبة، وهو ما حاولت إضاءته في كتابي “كوبا الحلم الغامض”، خصوصاً المعادلة القاسية بين الثقافة والسياسة .

 

إن صورة المثقف لا تزال تثير جدلاً واسعاً، ليس على صعيد النُخب الفكرية والثقافية فحسب، بل على الصعيد السياسي والاجتماعي، فكثيرون يعتقدون أن المثقف منزّه وأن عليه ألاّ يخطئ، وإذا أخطأ وغيّر رأيه، سيعدّ ذلك تراجعاً، وإذا أقام علاقة مع مسؤول أو حاكم، لاحقته الشبهة والاتهامات، وإذا بادر وتخلّى بالنقد عن بعض وجهات النظر أو خالف السائد من الآراء، اعتبر مارقاً، في حين أنه بواقع الأمر إنسان كغيره من الناس، يخطئ ويصيب ويغيّر رأيه ويتراجع وينقلب ويصحح، خصوصاً إذا توافّرت لديه معطيات جديدة ومعلومات مختلفة .

 

صحيح أن مسؤولية المثقف أكبر بكثير من مسؤولية الفرد العادي، لاسيّما إذا كان صميمياً، فهو تحت الأضواء أكثر من غيره ورأيه موثق، في حين أن الكثير من الناس لا يغيّرون آراءهم فحسب، بل ينتقلون من ضفة إلى أخرى، ويصدرون أحكاماً قاطعة وجازمة، ثم يعودون ليتراجعوا عنها، بل يناقضونها ولا أحد يحسب ذلك عليهم، أما المثقف فكل أمر محسوب عليه وموثق، لذلك عليه أن يتوخّى الدقة ويلاحظ حساسية موقعه .

 

يذهب بعضهم إلى تشبيه علاقة المثقف بالحاكم بحالة اختلاط الزيت بالماء، فهما عنصران غير قابلين للمزج والخلط حتى إن وضعا معاً لفترة طويلة، فإنهما سيعودان كل إلى أصله، لا يندمجان ليشكلا عنصراً واحداً يملك الصفتين، ولذلك تظل العلاقة بين المثقف والحاكم ملتبسة بالرغم من كل ما يرافقها أحياناً من مظاهر التوافق والتفاعل، وسيكون الخاسر الأكبر هو المثقف في غالب الأحيان، لاختلال موازين القوى، وخير مثال على ذلك ما انتهت إليه العلاقة الحميمة بين المتنبي وسيف الدولة من الجفاء والعداء والهجاء .

 

وقد توجد ثمة استثناءات، لكنه بالرغم من ذلك لا يمكننا القول إنها علاقات متكافئة، فلم يكن ممكناً لماركيز كمثقف كبير هاجسه الحرية والحقيقة والجمال، الحديث عن شحّ الحريات وغياب التعددية والرأي الآخر، وتلك الرسالة تشكل جوهر وظيفته الإبداعية باعتباره ناقداً اجتماعياً حسب ماركس ومثقفاً عضوياً حسب غرامشي، وأياً كان الحاكم تقدمياً أو رجعياً، علمانياً، أو متديناً، يمينيأً أو يسارياً، فهو حريص على علاقة خاصة بالمثقفين .

 

كما لم يكن بإمكان غوبلز وزير الإعلام وهيوس رئيس مسارح الرايخ سوى تلميع صورة أدولف هتلر وخطابه وحركاته . كما كان “جدانوف” مبرراً كل شيء لستالين باسم “الواقعية الاشتراكية” بما فيها ملاحقة المثقفين، وكان أندريه مارلو قريباً من شارل ديغول، مثلما كان محمد حسنين هيكل لصيقاً بجمال عبدالناصر، وكان الكاتب حسن العلوي قد أسهم في تهيئة الأجواء عشية تسلّم صدام حسين قيادة الحزب والدولة في أواخر السبعينات، وذلك خلال مرافقته في رحلته المثيرة مع “السيد النائب” إلى جنوبي العراق التي أعطاها عنواناً “مئة ساعة مع السيد النائب” ونشرها في مجلة “ألف باء” في حينها، وكما يقول عنها، كانت المقابلات التي نشرها بمنزلة برنامج سياسي  ل “السيد النائب”، على الرغم من أن طموح صدام حسين كان أكبر بكثير، وهو الأمر الذي التقطه أمير إسكندر حين أصدر كتابه المثير “صدام حسين مفكراً ومناضلاً وإنساناً” . والأمر ينطبق على حسني مبارك وزين العابدين بن علي والقذافي والأسد والبشير وعلي عبدالله صالح وغيرهم، ولعل هذا ديدن علاقة المثقف بالحاكم .

 

لعل أسئلة الثقافة والسلطة تبقى مفتوحة، لأنها أسئلة الحياة وتشتبك فيها أحياناً القيم والمبادئ بالمصالح والامتيازات، الأمر الذي يحتاج إلى نوع من فك الارتباط الهادئ والواضح بحيث لا نخسر المثقف، لاسيما بخسران ثقافته التي تبدأ من حريته في الفكر والإبداع والجمال والخيال .

 

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية، الاربعاء 21/9/2011

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (727)  27/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

كلمة د. عبد الحسين شعبان

في إحتفالية يقيمها أصدقاء عبد الرحمن النعيمي والمنتدى القومي العربي بعنوان:

تحية لروح المناضل العربي الكبير عبد الرحمن النعيمي

بيروت- دار الندوة ، 23/9/2011

 

 في رحيل عبد الرحمن النعيمي

كلام في المعنى: هل يغيب التاريخ؟

فارقنا عبد الرحمن النعيمي مبكّراً وهو على أبواب السبعين. كان قد تجاوز الستين ونيّف من عمره يوم دخل في الغيبوبة، وبعد أن قضى شبابه وكهولته في المنفى الذي أكل ما يزيد على نصف عمره البيولوجي، ونحو ثلثي عمره الإبداعي والنضالي، غاب هذه المرّة مثل شهاب! ولكن هل يغيب التاريخ الذي اعتاد أن يحجز مكاناً لمن يتركون أثراً لوجودهم؟ أظنّه سيحفظ لعبد الرحمن النعيمي ورديفه "سعيد سيف"، موقعاً في ذاكرته الحية أبداً، ما دام التاريخ باقٍ ولم يمت، وإن كان يراوغ أحياناً على حد تعبير هيغل.

كانت سنواته الأخيرة، ولاسيما بعد أن قرر التخلي عن الموقع الأول في جمعية العمل الديمقراطي (وعد) أكثر هدوءًا، لكنها أكثر تأملاً ومراجعة وحكمة ونقداً، وبلا أدنى شك فقد أصبح أكثر نضجاً، لاسيما بتراكم خبراته المتنوّعة من العمل الطلابي في المنامة الى بيروت ومنها إلى العمل السياسي في إطار حركة القوميين العرب، الى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج والتي تم اختزالها الى البحرين، ومن الكفاح المسلح في ظفار ومروراً باليمن الى الشام والعمل السياسي العربي، ثم الى جمعية العمل الديمقراطي بعد عودته الى البحرين.

أدرك النعيمي في خلاصات تجربته الكثير من هشاشات الآيديولوجيا وإن أطلقنا عليها "ثورية" و"علمية" أحياناً، لكن صخرة الواقع لا تزال صلدة ومنيعة، فما قيمة الأفكار إنْ لم تخترق الواقع وتسعى لتغييره؟ الأمر الذي يتطلب معرفة ميدانية بأوضاع الناس ومعتقداتها وفئاتها وعشائرها وقبائلها وعاداتها وتقاليدها، وتاريخها وحاضرها، وعقليتها وآفاقها، وأحلامها ومخاوفها، كل ذلك حاول التوقف عنده، بعد عودته إلى البحرين، ولعله كان يشعر أن الكثير قد فاته لهذا أخذ يسابق الزمن للتعويض أحياناً.

كان النعيمي أحد روّاد مدرسة المصالحة التاريخية، وقد بذل الكثير للتقارب مع جبهة التحرير البحرينية اليسارية، وفيما بعد بين جبهة العمل الديمقراطي والمنبر الديمقراطي، وسعى للتنسيق مع كتلة الوفاق الاسلامية، وعمل ما في وسعه لتوحيد مواقف المعارضة إزاء السلطة. وقد إقتنع في سنواته الأخيرة بفكرة الكتلة التاريخية، في جانبها الفكري، وفي جانبها العملي، إذ أن القوى مجتمعة بروافدها الماركسية والعروبية اليسارية والوطنية والإسلامية، ليس بمقدورها إنجاز عملية التغيير، فما بالك لو كانت مشتتة!؟ ولعل إيمانه بمفهوم الكتلة التاريخية انطلق من قراءة الواقع البحريني والواقع العربي، وهي الدائرة الثانية من الدوائر الثلاث التي كان يتحرك فيها: البحرينية - الخليجية والعربية- الفلسطينية والعالمية-الإنسانية.

وكان النعيمي حتى في موته موحّداً للبحرين، فقد خرجت البحرين بتياراتها السياسية والفكرية والدينية، في الموالاة والمعارضة، لتكريمه وإلقاء تحية الوداع الأخيرة على روحه. لعلها مفارقة أن يصبح موت عبد الرحمن النعيمي مناسبة للوحدة الوطنية البحرينية. هكذا احتفل المنبر الديمقراطي بتكريمه، وتبعه نادي العروبة، إضافة الى جمعية العمل الديمقراطي التي تستعد لتكريمه في مناسبة عربية متميّزة، ناهيكم عن مشاركات عربية وإسلامية نوعية من البحرين ومن خارجها ومن المؤتمرات الثلاث: القومي العربي والقومي الإسلامي والأحزاب. وما هذا الاحتفال الذي ينظمه المنتدى القومي العربي وحضور هذه الكثافة الثقافية والنخبة اللامعة، الاّ دليل على أن النعيمي بحضوره وغيابه، كان عنصر تقارب وتنسيق وتوحيد.

كنت أرى أن شروط المثقف العضوي بتعبيرات أنطونيو غرامشي تنطبق على النعيمي، لاسيما وهو يتماهى مع قضيته، وخصوصاً بتفاؤل الارادة، الذي امتلكه وصفاء الذهن الذي كان لديه، على الرغم من تشاؤم الواقع. وقد يكون النعيمي وبعد حوارات مطوّلة مع الباحث العراقي هادي العلوي أميلُ الى المثقف الكوني المترفّع عن الخساسات الثلاث: السلطة والمال والجنس. ولعل مقاربتي لهذا الموضوع من زاوية أخرى، كنت قد اشتبكت فيها معرفياً مع الراحل هادي العلوي، وهذا ما حاولت عرضه في كتابي" تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف".

كان النعيمي عابراً للطوائفيات والمناطقيات والانحدارات القبلية والجهوية وكانت شعوره أنه يحمل هوية جامعة مع احترامه للهويات الفرعية، وكان بقدر كونه بحرينياً خليجياً، كان فلسطينياً وعراقياً وسورياً ويمنياً ومغاربياً ولبنانياً ومصرياً، بل كل ذلك في آن، لاسيما شعوره العروبي الجامع فقد كان حبه للآخرين صافياً وكان يسعى  لحمل همومهم ومساعدتهم، أما عشقه لبلاده فكان شيئاً آخر، فقد استغرق بتفاصيلها وقهوتها وفنانيها ومثقفيها ونسائها وروادها ومناضليها وعلمائها، لذلك أجمع الجميع على تكريمه، مثلما كان حبه لأسرته عالياً، لاسيما زوجته السيّدة مريم وأبنائه.

على الرغم من رقته ولطفه، لكنه كان صلباً وحازماً.. صبوراً ومثابراً، وقد كان رصيده قوة الثقافة والمثقف والمعرفة التي في داخله، وتلك أسلحته السرّية التي طالما نازل بها، مائزاً، رائزاً بالحق والاجتهاد، حتى وإن أخطأ.

لم يتهاون النعيمي إزاء الاستبداد ولم يبرّره تحت أية حجة أو ذريعة، وإذا كان موقفه ثابتاً إزاء الإحتلال والصهيونية ومن يقف وراءها من قوى امبريالية، فإن قناعته لاسيما في السنوات الأخيرة أصبحت راسخة إزاء التحوّل الديمقراطي وإزاء قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.

إمتاز النعيمي بعفة اللسان والنفس، حتى إزاء خصومه ومنتقديه، لاسيما وقد كانت سعة صدره وحلمه، دليلاً على أناقة روحه وإباء نفسه وجاذبيته كقائد له كاريزما وحضور أدبي وهيبة كبيرة.

تدريجياً أصبح عبد الرحمن النعيمي مَعْلماً من معالم البحرين، لاسيما منذ عودته في العام 2001 بعد التغييرات الإيجابية التي حصلت فيها، وكان صادقاً في دعمه  للميثاق الوطني، مثلما كان يأمل في تحوّلات ديمقراطية أكثر جذرية ورسوخاً ومؤسساتية، وكان يدرك أن ذلك لن يتأتّى دون تدريب وتهيئة المواطن، لاسيما بروح المواطنة التي كان مؤمن بها ويعدّها نقيضاً للطائفية، وكان يتمنى أن يعبر النضال الشعبي في البحرين من الطائفية الى المواطنة، ومن التمييز الى المساواة، خصوصاً وأن موقفه من المرأة كان حضارياً وراقياً، والسبيل الى ذلك هو توسيع دائرة الحريات وإقرار مبادئ المساواة وسيادة القانون والشفافية والتداول السلمي للسلطة، بحيث تصبح البلاد على عتبة الملكية الدستورية الديمقراطية، وقد كرّس جهده وقلمه وفكره لذلك.

كان عبد الرحمن النعيمي بقدر ما له من خصوم، يكسب كل يوم صديقاً جديداً، بل إنه يكسب لنا أصدقاء جدد حتى دون أن يسألنا إنْ كنّا نرغب بذلك أو لا نرغب، ولذلك كان بالغ الثراء بأصدقائه ورفاقه، وعند رحيله كسب دفعة واحدة عشرات الأصدقاء الجدد، بمن فيهم بعض خصومه القدامى، الذين يحتفلون بتكريمه ومعترفين بنزاهته وأخلاقيته وكرمه.

وإذا كان النعيمي قد رحل وهو مرتاح البال، فإن ما نقوله هنا هو كلام في المعنى لدينٍ علينا جميعاً، لرجل شجاع وإنسان نادر، والنادر لا حكم له كما يقال، ولكن عبد الرحمن النعيمي نادر بحكم.. إنه التاريخ، ولذلك علينا أن نقدّر كم خسرنا!!؟

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (725)  225/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

 

ثروات العراق: عقود ملتبسة ومستقبل غامض!!

 

 

على الرغم من الحديث عن الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير ووجود مجلس نواب " منتخب" واعتماد آليات ديمقراطية، الاّ أن السريّة ظلّت تطبع المشهد السياسي العراقي الراهن، بل شكّلت سمة مميزة للوضع الجديد الذي جاء بعد الاحتلال. السرية الحالية تختلف عن السرّية السابقة، فالأولى جاءت في ظل تفكك الدولة وإعادة بنائها التي لا تزال متعثرة، أما السرّية الثانية القديمة فقد اعتمدت من نظام مركزي شمولي صارم، مهيمن على كل شيء، من أصغر القضايا وأتفهها الى أكبرها وأكثرها خطورة، فغزو الكويت مثلاً في 2 آب (أغسطس) العام 1990 لم يطّلع عليه أكثر من ثلاث أشخاص فقط، وهم المثلث الحاكم آنذاك، وميزانية العراق أصبحت سرّية منذ العام 1976 ولم يطّلع عليها كاملة أو يناقش بنودها، لاسيما العسكرية والأمنية، من هم في أكثر المواقع مسؤولية وحساسية.

واليوم فإن الحصول على نصوص مشاريع قوانين أو معاهدات واتفاقيات دولية مقترحة، يعتبر بمثابة "اختراق أمني" ويفرض نوعاً من التعتيم، في حين أن عقلية الأمس كانت تميل الى حجب المعلومات باعتبارها "حقوقاً " مكتسبة للقيادة التي عليها أن تقرر ما يمكن تسريب جزء منها أو ما لا يمكن، في حين أنها في ظل الفوضى واستفحال العنف أصبحت " مبرراً " للإخفاء بزعم الأسرار الأمنية والخوف من محاولات إفشالها وتسريبها سلفاً.

أتناول ذلك كمقدمة لما جرى تسريبه مؤخراً، لاسيما ما تناولته صحيفة الأوبزرفيز البريطانية (أواخر حزيران /يونيو الماضي) بخصوص الاتهامات الموجهة الى شركة بريتش بتروليوم BP النفطية البريطانية، بالسيطرة على الاقتصاد العراقي والتحكّم فيه، بعد أن وافقت الحكومة العراقية على أن تستمر في الدفع للشركة، حتى في حالة عدم انتاج النفط بحقل الرميلة العراقي، حسبما جاء في وثائق سرية، عرض مضمونها النائب عن كتلة التحالف الوطني د. أحمد الجلبي في مؤتمر صحافي عقده في جريدة المدى العراقية، واتهم فيه وزارة النفط العراقية، بإعادة كتابة بعض العقود النفطية ضمن جولة التراخيص بشكل سرّي، مشيراً الى أن العقد الجديد يلزم العراق بدفع نسبة من المال الى شركة بريتش بتروليوم عن كل برميل نفط حتى في حال تعسّر الانتاج.

وعودة الى السرّية الجديدة المفروضة، فقد حاولت شخصياً الاطلاع على قانون النفط والغاز، لكنني اكتشفت أن طوقاً حديدياً قد ضُرب حوله وأحيط بدرجة عالية من السرّية في العام 2007، ولهذا لم أفلح في الحصول على نسخة معتمدة، وكنت أنتظر عرضه على مجلس النواب لمناقشته، ومن جانبي للتعليق عليه ونقده، لكنه لم يُعرض بصيغته الرسمية على مجلس النواب العراقي، ولم يطلّع الرأي العام على نصوصه المعتمدة، وفي الكثير من الأحيان إتخذت بعض الشخصيات والمنظمات السياسية والاجتماعية، بما فيها بعض نقابات العمال، لاسيما عمّال نفط البصرة واتحادهم، مواقف من خلال بعض التسريبات أو لقراءات غير رسمية لمشروع القانون، قبل اكتمال صيغته المعتمدة، مثلما هناك اختلاف بين الصيغة العربية والصيغة الانكليزية.

والأمر واجهني كذلك في الحصول على صيغة الاتفاقية الأمنية العراقية- الأمريكية، التي تم التوقيع عليها في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2008، وذلك منذ إعلان النيّة عنها، ويومها لم أدّخر وسعاً أو وسيلة للسعي في الحصول على مسودّة الاتفاقية، بهدف مناقشتها، لكنني عجزت عن ذلك على الرغم من سؤالي لجهات رسمية وغير رسمية، بمن فيهم نواب أو وزارء في العراق.

وكنت قد كُلّفت بالكتابة والتقويم للاتفاقية العراقية – الأمريكية من أحد المراكز الأكاديمية، كإستشاري، ولكنني لم أحصل على الصيغة المعتمدة، وأعترف أنني حصلت على أكثر من نص وبقيت حائراً أي النصوص أعتمده في المناقشة، وحصل الأمر معي أيضاً خلال إعداد الدستور الدائم، حيث تم توزيع أكثر من صيغة  حتى عشية مناقشته بالطريقة السريعة التي تمت في البرلمان، وإضافة الى السرّية فإن سوء الادارة وتنوّع مراكز القوى والقرار، يعتبر أحد الأسباب في ذلك، ناهيكم عن الصراعات السياسية والحزبية، الطائفية والاثنية التي قد تحول دون النشر العلني، والأمر الذي تُحاط به اليوم، موضوع التوقيع على اتفاقية جديدة لبقاء بضعة آلاف من القوات الأمريكية في العراق بعد انتهاء مفعول الاتفاقية الحالية أواخر العام 2011، والذي لا يزال يكتنفه الكثير من الغموض والتكهّنات، وكل طرف يلقيه على الآخر.

لقد راج في الفترة الأخيرة بشكل واسع موضوع إقدام وزارة النفط على تغيير عقد حقل الرميلة بشكل سرّي، ولم يُعرض على مجلس النواب ليبّت فيه، الأمر الذي  يثير علامات استفهام حول ذلك ويدفع الى الاعتقاد بأن مثل تلك السرّية قد تعني إلحاق الضرر بحقوق العراق لصالح شركة بريتش بتروليوم، خصوصاً وأن العقد الجديد يلزم العراق بدفع الأموال الى الشركة حتى لو لم ينتج الحقل، ولأسباب قد تعود مثلاً الى اندلاع نزاعات مسلحة أو حدوث كوارث طبيعية أو غير ذلك من ظروف قاهرة.

جدير بالذكر أن العقد الذي أبرمته وزارة النفط مع شركة بريتش بتروليوم لتطوير حقل الرميلة النفطي في أيام الوزير السابق الدكتور حسين الشهرستاني  في جولة التراخيص الأولى، كان عقد خدمة ولم يكن عقد مشاركة، علماً بأن هذا العقد يمنح الشركة مبلغاً من المال عن كل برميل إضافي يتم انتاجه من قبل الشركة.

ولعل مواصفات العقد الجديد ستكون أسوأ بكثير من العقود السابقة، فالاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي بالأساس، ويعتمد على النفط، وهذا الأخير سيكون تحت سيطرة الأطراف والشركات الأجنبية، في أجزاء غير قليلة منه، لاسيما في حقل الرميلة الذي يمثل نحو 40 % من انتاج نفط العراق. كما سيؤثر هذا العقد الجديد على دور وموقع العراق في منظمة الأوبيك، مثلما سيكون تأثيره سلبياً عليها. لقد تم إعادة صياغة الاتفاقية بين الشركة وبين وزارة النفط، بحيث تحصل الأولى على تعويضات فورية حال حصول تعطيل فني أو حتى صدور قرار حكم بتخفيض الانتاج.

ومن المقرر أن تناقش لجنة النفط والطاقة في البرلمان العراقي كذلك اتفاقية الغاز المعقودة بين وزارة النفط وشركتي شيل ومسيوبوشي العملاقتين، ولم يترشّح عن هذه الاتفاقية سوى القليل، وظل الجزء الأكبر منها غامضاً أو مبهماً، لاسيما بعض المواد والملحقات التي لم يفصح عن مضمونها. وأشارت مذكرة كتبها بعض الشخصيات العراقية في بريطانيا قالت أنها من التيار الديمقراطي أن الاتفاقية تضرّ بمصلحة العراق وأجياله القادمة، وتشكل انتهاكاً لسيادة البلد في التحكّم بمصادر ثرواته الوطنية. وحسب بعض المعلومات المتوفرة، فإن معدل العوائد المالية التي ستدخل ميزانية الدولة العراقية، من هذا المشروع الملتبس والذي لا يزال طي الكتمان ستكون بحدود مليار و245 مليون دولار سنوياً فقط، ولعل هذا المبلغ لا يساوي شيئاً قياساً بالمبالغ السنوية الناتجة عن تصدير النفط.

وتحاول وزارة النفط تقديم صورة وردية عن هذه الاتفاقية وذلك عبر أرقام منتقاة ومعدّلة، خلافاً للواقع حسبما يبدو ولما يذهب اليه العديد من خبراء النفط والطاقة، خصوصاً وأنها تخنق الكثير من قطاعات الاقتصاد العراقي الانتاجية، لاسيما القطاعات الصناعية والتحويلية، وكذلك القطاع الزراعي ذو الأهمية الكبيرة، كما سيكون لها أثراً سلبياً على استغلال الغاز الطبيعي داخل العراق، وهو أهم مصادر الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية العراقية، التي يفترض أن تفكّر الدولة بإعادة الحياة إليها والعمل فيها دون تقاعس.

لقد سعت شركات النفط والغاز العالمية على إبقاء العراق دولة ريعية ضعيفة ومتخلّفة تابعة للغير، ولعل هذا يفتح أسواق العراق المحلية الى السلع والبضائع التي تأتينا من دول الجوار، بحيث يكون الاقتصاد العراقي نهباً لقوى خارجية، وليس بمقدوره إذا استمر الأمر على هذا المنوال التخلص من شرنقة الريعية التي يعيشها .

ولا أدري لماذا تحجم الحكومة العراقية ووزارة النفط على نشر الاتفاقيات وملاحقها وتفاصيلها؟ فإذا كان الرأي العام العالمي والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني، ناهيكم عن المختصين والخبراء النفطيين الذين لم يطلعوا عليها، إضافة الى أعضاء البرلمان فمن يا ترى من حقه إتخاذ قرار وتحمّل المسؤولية ولمصلحة من أيضاً؟ ومثل هذا الأمر  يحتاج الى تدقيق الاتفاقيات مع القوانين والأنظمة المعمول بها، ناهيكم عن موقعها من الدستور العراقي النافذ.

تعاني صناعة النفط في العراق من مشاكل كثيرة لا تتعلق بالعقود والاتفاقيات حسب، بل أيضاً بالنزاع بين الحكومة الاتحادية وبين الحكومات الاقليمية، لاسيما حكومة إقليم كردستان، وإذا كان الدستور العراقي قد نصّ على أن النفط والغاز هما ملك الشعب في كل الأقاليم والمحافظات (المادة -111)، وهو توجّه صحيح، لكنه خصص ذلك للحقول المستخرجة، أما الحقول غير المُستخرجة وهي الأكثر في العراق، فإن صيغتها جاءت ملتبسة بين اختصاص حكومات الأقاليم بإشراف الحكومة الاتحادية، وهو الذي أثار مشكلات بين الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) وحكومة إقليم كردستان التي وقّعت على عقود خاصة مع شركات دولية بشروط أقل من شروط الحكومة الاتحادية، وضمن ظروف تفاوض غير متكافئة أحياناً قانونياً وخبرة، ناهيكم عن الأساليب المخادعة التي تتبعها هذه الشركات، وهو الأمر الذي سبّب بتهديد وزير النفط العراقي السابق الدكتور حسين الشهرستاني بعدم الاعتراف بالعقود الاقليمية، بل وتهديد الشركات بعدم التعامل معها أو وضعها في القائمة السوداء.

ومثل هذا الأمر له علاقة أيضاً ببعض الهواجس بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان، فيما يتعلق بمشكلة كركوك التي تم ترحيلها من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والمادة 58 الى المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، الذي تثار حوله نزاعات تتعلق بانتهاء مفعول هذه المادة، ناهيكم عمّا تثيره من اشكالات تتعلق بمطالبة الكرد بضم كركوك الى اقليم كردستان، واحتكاكات مع الجانب العربي والتركماني، وهو الأمر الذي لا يزال يثير تداعيات بين الدولة الاتحادية والاقليم الفيدرالي، وبين البرلمان من جهة والحكومة من جهة ثانية، خصوصاً بما له علاقة بمستقبل المنطقة والصناعة النفطية.

لقد كان موضوع الشفافية والعلانية وحرية التعبير محط امتحان كبير وسؤال مشروع عن السبب في تستّر الحكومة على نصوص اتفاقيات وعقود نفطية أو اتفاقيات أمنية أو وثائق قانونية تؤثر على ثروات العراق، بل إنها تمسّ مستقبله، ولعل الغموض والسرية والعمل في الخفاء وليس تحت أنظار الناس، بحد ذاته يثير شكوكاً مضاعفة، ليس حول أوضاع الحاضر، بل حول أوضاع المستقبل، لاسيما بغياب عنصر الثقة وتغليب ما هو حزبي وسياسي على ما هو مهني وعراقي، الأمر الذي يضعف الرغبة في إعادة تأهيل العراق، ليلعب دوره المنشود في إطار عملية التنمية المستدامة.

وإذا كانت أموال العراق قد نُهبت خلال فترة الحصار الدولي الجائر 1991-2003 تحت يافطة "النفط مقابل الغذاء"، فلعل البعض اليوم يريد الاستمرار في نهبها تحت شعار "النفط من أجل النفط"، وهو الأساس الذي أُنتقِدَ عليه قانون النفط والغاز، حيث فتح الباب على مصراعيه لنهب منظّم وغير منظم محلي وإقليمي ودولي حسب تقدير بعض خبراء النفط العراقيين، ولعل ذلك ما كان بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق يبيّته للعراق، إضافة الى قوانين محلية وضعتها بعض الشركات الأمريكية، الأمر الذي يثير الكثير من الشكوك حولها.

       وأخيراً يمكن القول: إن النفط ليس سلعة حيوية حسب، إنه محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المنطقة منذ قرن من الزمان، وهو ليس موضوعاً علمياً فقط، بل هو صناعة وتكنولوجيا وسياسة وإدارة وإقتصاد وثروة، وتاريخ أيضاً، حيث ظل النفط أحد محركات الصراع مع الشركات والدول التي تقف خلفها منذ أن سنّت الحكومة العراقية العام 1961 القانون رقم 80 القاضي بإستعادة 99.5% من الأراضي من أيادي الشركات للتنقيب فيها، فضلاً عن معركة تأميم النفط العام 1972، من عملية استخراجه واستثماره وتسويقه، وقد ارتبط هذا الأمر بتاريخ العراق: ثروة وحروباً ودماءً ودكتاتورية واحتلالاً، منذ أن سال في أول حقل عراقي في بابا كركر العام 1927، وارتفعت شعلته وظلّت مشتعلة، وإلتهمت معها العشرات من العمال قرباناً لها منذ معركة كاورباغي الشهيرة في العام 1946 ضد الاحتكارات النفطية والدول الاستعمارية من ورائها وحتى اليوم.

 

نشرت في مجلة الشروق الاماراتية بتاريخ 12/9/2011

 

 

إرهابيون أشرار وإرهابيون أخيار!

 

عبد الحسين شعبان

ما صدر عن لجنة بالمر من تقرير يُعَدُّ فضيحة قانونية بكل معنى الكلمة، فاللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في الجريمة ''الإسرائيلية'' على أسطول الحرية وسفينة مرمرة التركية التي كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة ''المحاصر'' خارج نطاق الشرعية الدولية، خلصت بعد عام ونيّف إلى وصف حصار غزة ''مشروعًا'' وإسرائيل في ''حالة دفاع عن النفس''، والهدف منع دخول الأسلحة إلى غزة بحرًا.

ولعل هذا الاستنتاج الغريب الذي ننقله حرفيًا يثير الكثير من الإشكاليات السياسية والقانونية، ولا سيما في صدقية بعض اللجان الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة والهيئات التابعة، ناهيكم عن محاولات التوظيف السياسي بالضد من القواعد القانونية الدولية المعتمدة، وهي قواعد آمرة، أي ملزمة Jus Cogens. ورد في التقرير: ''الحصار البحري جاء كإجراء أمني مشروع بهدف منع دخول الأسلحة إلى غزّة بحرًا، وأن تطبيقه يتماشى مع متطلبات القانون الدولي''، ولعل هذا أمر أقرب إلى الكوموتراجيديا.

تشكلت لجنة التحقيق بعد العدوان الإسرائيلي في 31 أيار (مايو) 2010، وباشرت عملها في العاشر من آب (أغسطس) في العام ذاته، وأصدرت تقريرها في أواخر آب (أغسطس) 2011، ونشرت صحيفة ''نيويورك تايمز'' الأمريكية النص الكامل للتقرير في الثاني من أيلول (سبتمبر) الجاري 2011. وترأس اللجنة جيفري بالمر رئيس وزراء نيوزيلاندا السابق، وأسند منصب نائب رئيس اللجنة إلى الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أورويبي.

وعلى الرغم من الفترة الزمنية الطويلة نسبيًا (أكثر من عام) التي استغرقها عمل اللجنة لإصدار هذا التقرير، إلاّ أنها لم تكلف نفسها عناء اللقاء ببعض الضحايا الناجين من المجزرة ''الإسرائيلية''، إنما اكتفت بمراجعة وثائق التحقيق التي أجرتها الحكومتان التركية و''الإسرائيلية''، وخرجت علينا بتقرير تفوح منه رائحة الانحياز والتبرير، ولم يكن بعيدًا عن المواقف المسبقة لأعضاء اللجنة، ولا سيما رئيسها، فجاء مسوّغًا للجريمة وقراءة معكوسة للإرهاب الدولي، الذي كثُر الحديث عنه ليل نهار، وضجّت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تحذّر من مغبّاته ونتائجه الوخيمة، وتدعو إلى تجفيف منابعه، وهي على حق في ذلك، لكنها فيما يتعلق ''بإسرائيل''، يتحول الموضوع ويصبح إرهابًا محمودًا، بما فيه قتل المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بل الأكثر من ذلك محاولة تكييفه مع القانون الدولي، بحيث يصبح الحصار الاقتصادي إجراءً أمنيًا مشروعًا بحجة منع وصول الأسلحة إلى غزة.

التقرير صدر عشية الذكرى العاشرة للجريمة الإرهابية الكبرى التي حدثت في الولايات المتحدة وهزّت العالم بأجمعه، وأعني بها الحدث الأخطر والأهم في مطلع الألفية الثالثة، الذي حصل في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حيث جرى على نحو مفاجئ وغير متوقع نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك والبنتاجون في واشنطن، في عمل إرهابي - إجرامي غير مسبوق، هزّ الضمير العالمي. ولعل هذا الحدث المأساوي الذي قامت به جماعات غامضة أو لم تعلن عن نفسها، ونسب إلى تنظيمات القاعدة التي حيّته في أكثر من مناسبة، هو عمل يقترب من الحرب في جوانب مشتركة مثل: العنف وحجم الضحايا والعدوان.

لقد أسهم نكوص المجتمع الدولي عن إيجاد تعريف للإرهاب في مزيد من الالتباس والإبهام، وكذلك في الاستمرار في سياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل والانتقائية في المعايير، خصوصًا بدمغ المقاومة المشروعة بالإرهاب؛ ولهذا السبب فإن القوى المتحكِّمة في الساحة الدولية في الوقت الذي تسارع فيه لإدانة الأعمال الإرهابية الفردية، أو التي تقوم بها جماعات مسلحة، لكنها تشجع وتحمي إرهاب الدولة الجماعي بما فيه احتلال الأراضي وانتهاك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتجاوز على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الإنساني، وليس بعيدًا عن ذلك الحرب على غزة وحصارها المستمر منذ أربع سنوات وقتل تسعة مواطنين أتراك يحملون مساعدات إنسانية إلى سكانها، وهو ما حاول تقرير بالمر إيجاد ذرائع قانونية له.

كيف يمكن وصف مقاومة الفلسطينيين الذين يريدون استعادة وطنهم وحقهم في تقرير المصير إرهابًا، ودمغ من يقومون بها بالإرهاب، وهو بالطبع حسب الوصفة ''الإسرائيلية'' ''إرهاب أشرار وأبالسة''، وهو إرهاب مذموم، أما بناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات والإبادات الجماعية وإجلاء السكان من جانب ''إسرائيل'' في الضفة والقطاع، والعدوان على لبنان والحرب المفتوحة على غزة، وقتل المتضامنين الأتراك مع الشعب العربي الفلسطيني فهو إرهاب أخيار يستحق الإعجاب وهو إرهاب محمود، طالما تقوم به ''إسرائيل'' ''دفاعًا عن النفس'' ضد الآخر الفلسطيني، سواءً كان على مستوى جماعي أو على المستوى الفردي. لعل الأول هو إرهاب فقراء أما الثاني فقد يكون إرهاب أغنياء!

إن استمرار الزعم بوجود إرهاب أشرار مذموم ووجود إرهاب أخيار محمود، سيؤدي إلى تقويض أسس وقواعد القانون الدولي المعاصر، ويجعل منطق الغاب هو الناظم للعلاقات الدولية، أي هيمنة الفوضى والعنف والقوة والإرهاب، وليس مبادئ الحق والعدل وحقوق الإنسان واحترام حق الدول والشعوب في تقرير مصيرها.

إن زعمًا كهذا إنما هو وسيلة زئبقية للتملّص من الالتزامات الدولية، ومن ثَمَّ ستصبح الحرب على الإرهاب غير محددة بزمن أو بجغرافيا أو بأيديولوجيا، ناهيكم عن التوظيف السياسي، إذْ إن كل من يخالف الولايات المتحدة أو لا يمتثل لسياستها يمكن أن يندرج في خانة الإرهاب، حتى إن كان ضحية الإرهاب، بما يؤدي إلى خلط الأوراق، ومن ثم خلق بيئات تغّذي الإرهاب، وتمدّه بأسباب البقاء طالما تغيب العدالة، ويبتعد الحق وتتعمق الفوارق، وتزداد الهوة بين الحضارات والثقافات، تلك التي يشجّع عليها المتطرفون والمتعصبون والإرهابيون من كل الأجناس والأشكال والألوان والقوميات والأديان والبلدان!

الإرهاب ليس له وطن أو دين أو قومية أو لغة أو جنسية أو زمان، الإرهاب هو الإرهاب، فلا وجود لإرهاب أخيار أو إرهاب أشرار، إنما هناك حقوق وعدل، وفي المقابل انتهاك وظلم.

وعلى الرغم من صدور أكثر من 12 قرارًا دوليًا بخصوص الإرهاب من عام 1963، الذي ظلت مناقشته مفتوحة منذ عام 1937، إلاّ أن التوّصل إلى اتفاق بشأن تحديد ماهيته وتعريفه بقي مسألة مستعصية منذ تأسيس الأمم المتحدة وقبلها حتى الوقت الحاضر، بسبب محاولة القوى المتنّفذة، وبخاصة الولايات المتحدة، وبشكل خاص بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الماضي التحكم في العلاقات الدولية، السعي إلى احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب ورفض كل ''محاولة'' للتفريق بين الإرهاب والمقاومة، علمًا بأن القواعد القانونية الدولية، تجيز للشعوب المضطهَدة أو المستعمَرة (بالفتح) أو التي تتعرض للعدوان والاحتلال، الدفاع عن نفسها، باستخدام جميع الوسائل بما فيها العسكرية لاستعادة سيادتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها.

ولهذا يأتي تقرير بالمر استحقاقًا جديدًا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ولا سيما بوضع ''إسرائيل'' فوق القانون وعدم مساءلتها عن ارتكاباتها، والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة تؤيدها فيما ذهبت إليه من ارتكابات وقرصنة دولية.

وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصدرت عبر مجلس الأمن ثلاثة قرارات دولية لمكافحة الإرهاب الدولي هي القرار 1368 في 12 أيلول (سبتمبر) 2001 والقرار 1373 في 28 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، والقرار 1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، وذلك تحت ضغط ما تعرضت له الولايات المتحدة من عمل إرهابي في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، إلاّ أن هذه القرارات هي الأخرى لم تعرّف الإرهاب، ولعل أخطر ما ورد في القرار رقم 1373 صدوره ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات، وهذا يعني أن حجيته القانونية تفترض من جميع الدول الأعضاء الالتزام به، وإلاّ فإن مجلس الأمن بإمكانه تطبيق المادة 41 من هذا الفصل الخاص باتخاذ إجراءات كالحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرهما، وإن لم تطبّق الدولة المعترضة هذه الإجراءات، فبإمكان مجلس الأمن تطبيق المادة 42 التي تذهب إلى اتخاذ جميع الإجراءات بما فيها المسلحة، فيما إذا لم تمتثل الدولة المعنية لقرارات مجلس الأمن.

الشيء الجديد الذي تضمنه القرار 1373 وفيما بعد القرار رقم 1390 هو إعطاء الحق للدولة (وبخاصة المتنفذة) وبالتطبيق الحالي (الولايات المتحدة) في إعلان الحرب ساعة تشاء، وضد من تشاء إذا تأكدت أو اشتبهت أن عدوّها (دولة أو جماعة)، تقوم بعمل إرهابي، وذلك دون اعتماد مرجعية دولية كمجلس الأمن مثلاً، وبتعبير أدق فإن ميثاق الأمم المتحدة الذي أعطى الحق للدولة في استخدام القوة العسكرية للدفاع عن النفس حسب المادة 51، قد قلّص هذا الحق بدعوة مجلس الأمن للاجتماع لمعالجة الأمر وإعادة السلم والأمن إلى نصابهما.

أي أن القرار 1373 أعطى للدولة حق ''إعلان الحرب'' أو كما تُعرف باسم ''الحرب الاستباقية''، أو الحرب الوقائية ضد من تعتقد أنه يمارس عملاً إرهابيًا دون الرجوع إلى المرجعية الدولية التي يقررها ميثاق الأمم المتحدة، ودون الالتزام بالآليات التي حددها الميثاق، وهو ما حصل في أفغانستان والعراق، الذي يعد عودة إلى القانون الدولي التقليدي، الذي حرّم ''حق الفتح'' ومنع ''الحق'' في التمتع بمكاسب سياسية جراء شن الحرب.

ولعل خلفية قرار لجنة بالمر ليس بعيدًا عن التقسيم المسبق للإرهاب بين إرهاب أخيار وإرهاب أشرار، وما تقوم به ''إسرائيل'' مهما كان فهو إرهاب أخيار، أما دفاع الفلسطينيين عن حقوقهم فهو إرهاب أشرار.

صحيفة الاقتصادية السعودية ، العدد رقم 6549، الجمعة 16/9/2011.

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (718) 18/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
 
 
عبد الرحمن النعيمي سلاماً..سعيد سيف اشتياقاً
 

 

 



 

بهدوء غير اعتيادياستسلم ولأول مرّة بعد صراع طويل مع المرض عبد الرحمن النعيمي المعروف باسمه الحركي «سعيد سيف»، الطائر الجميل وذو العينين الذكيتين والقلب الكبير، بعد أن ظلّ عصيّاًوثائراً ومنفياً. ربما يكون قد يئس من ذلك الصراع العبثي مع الموت، أو شعر علىالرغم من غيبوبته التي دامت أربع سنوات ونيّف، أن قلبه حين سيتوقف عن الخفقان، فإنقلوب الملايين التي كان يخاطبها ويعمل من أجلها أخذت بالخفقان في انتفاضات شعبية منأقصى الوطن العربي إلى أقصاه، من أجل الحرية والكرامة والعدالة التي كرّس حياته منأجلها، مناضلاً وكاتباً وإنساناً. عندها أغمض عينيه مطمئناً ونام نومتهالأبدية.
حينما دُعيت لتكريم عبد الرحمن النعيمي في المنامة عام 2007 وكان قدمرّ عدّة أسابيع على غيبوبته التي استمرت حتى رحيله قلت في بداية حديثي: لا أتصورأن يجتمع شمل مؤتمر أو فعالية فكرية أو ثقافية أو سياسية في البحرين، من دون أنيكون عبد الرحمن النعيمي حاضراً. لم يتخيّل أحد غيابه وسيظل مقعده شاغراً، وهو الذيشغل الجمع السياسي والفكري العربي من مغرب الوطن وحتى مشرقه، ومن شماله حتى الخليجفي جنوبه.
لعل هذا القدر الغاشم أو الذئب المفترس الذي يداهمنا يدرك بكلٍ لؤموتشفٍّ أن هذه الإصابة وهذا الاستهداف إنما هما بالصميم. يقول الشريف الرضي:
مـاأخـطـأتـك النائباتُ
إذا أصـابـت من تحبُّ
ويقول الجواهري:
يظلّ المرءُمهما أدركتهُ
يدُ الأيام طوع يد المصيبُ
كلامي على الراحل عبد الرحمن النعيميهو كلام في المعنى والدلالة، جعلته محطات أطلّ منها عليه.

المحطة الأولى: ظفار ـ عدن

التقيتُ به في عدن في آذار/مارس عام 1974 وكنتُ مشاركاً في مؤتمر «ديموقراطية التعليم والإصلاح الجامعي»، وكان هو عائداً لتوّه من ظفار. عرّفني عليهالصديق المشترك شايع محسن (القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني) وقدّمه لي قائلاً: «أنا على ثقة بأنك ستحبّه، أتمنى عليك أن تصغي إليه، لا سيما بعض تفاصيل ثورة ظفارومؤتمر الجبهة وإعلامها».
تأملت هيئته طويلاً، وكأنه أدرك ما في نفسي، فسارعليقول لي: «إن لبس الفوطة (الإزار) (الوزرة باللهجة العراقية) مريح جداً، وخصوصاًفي الصيف!».. وبابتسامة عذبة ومودّة صادقة وعناق حار بدأنا صداقة مديدة طالت ثلاثةعقود ونصف عقد من الزمان.
طلبت منه أن يعرّفني على سلطان أحمد عمر (أمين عام حزبالطليعة الديموقراطية) لأنني كنت أحمل له رسالة من زميلي محمد أحمد زيدان (القنصلفي السفارة اليمنية في روما سابقاً)، وفعل ذلك بكل ممنونية وارتياح.
مساء ذلكاليوم أو اليوم الذي تلاه دعانا الرئيس سالمين على العشاء وحضر كاجمن الألمانيوفلاديمير السوفياتي وفتحي الفضل وأبو سعيد حسن السودانيان، كما حضر عبد الرحمنالنعيمي وآخرون. يومها همس بأذني بعد اللقاء بعبد الفتاح إسماعيل: إنها تجربةمتميّزة!

المحطة الثانية: دمشق ـ وحركة التحرر

اختطّ الشيب شعر عبدالرحمن النعيمي، الذي ظل اسمه غريباً علينا وعليه أيضاً، فحتى بعد عودته إلىالبحرين كان اسم سعيد سيف أقرب إلينا وإليه وربما أكثر ألفة، أو لعل هذا الأمر يعودإلى شيء من النوستالجيا «الحنين إلى الماضي»، إلاّ أننا شيئاً فشيئاً اعتدنا علىالإسم الجديد «عبد الرحمن» وسرعان ما أحببناه.
في مكتبه الصغير مقابل فندق أميّةفي الشام الحبيبة، كان يجمع وينظّم ويستضيف ويحتفظ بالمحاضر ويوّجه الرسائلوالدعوات ويقدّم لنا أقداح الشاي وفناجين القهوة. هو فلسطيني وعراقي، هو لبنانيوسوري، هو مصري وسوداني، هو مغاربي ويمني، هو خليجي. هو كل ذلك في الآنذاته.
كان حديثنا أثناء اللقاء الأول لنا في الشام (أوائل ثمانينيات القرنالماضي) عن «فهد» السعودي، وعن القرامطة، وعن انتقاله إلى باريس. استذكرنا فهد مرّةأخرى بعد زيارتي للمشاركة في مؤتمر «اللومونتيه» عام 1987، يومها علّق «أبو خالد» (عبد الرحمن): فهد هو آخر القرامطة!.

المحطة الثالثة: القرار 3379وفلسطين

كانت تلك محطة مهمة في حياتنا وعلاقاتنا. فقد اجتمعنا على هامشمؤتمر أقامه اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، حيث عمدنا بناء على مقترح للصديقالمفكر السوري الدكتور جورج جبور وكاتب السطور إلى تأسيس منظمة باسم «اللجنةالعربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379» التي تحوّلت فيما بعد إلى «اللجنة العربيةلمناهضة الصهيونية والعنصرية».
وكان عبد الرحمن النعيمي وناجي علّوش وإنعام رعدوعبد الفتاح يونس وسعد الله مزرعاني وصابر محيي الدين وعبد الهادي النشاش أعضاءمؤسسين فيها وأصبح جبور رئيسها وكاتب السطور أمينها العام من عام 1986-1989.

المحطة الرابعة: طرابلس

كنا في طرابلس نحضر ندوة عنالأزمة في حركة التحرر الوطني عام 1985 بمشاركة التيارين القومي العربي واليساريالماركسي والشيوعي، شارك فيها جورج حاوي وجورج البطل وعبد الله العياشي وأديبديمتري وعمر علي وعربي عواد وتيسير قبعة وعوني صادق وإنعام رعد ومحمد فائق وكاملزهيري وعصمت سيف الدولة وعمر الحامدي وآخرون، وحضر بعض جلساتها الرائد عبد السلامجلّود. حينها تمّ إبلاغنا برغبة الأخ «القائد» كما يلقبونه - المقصود معمر القذافي - باستقبالنا. طال انتظارنا نحو ساعة محشورين في قاعة مكتظة ومزدحمة وقليلة التهويةفي صيف تموزي حار، قررنا يومها عبد الرحمن وأنا مغادرة القاعة حيث كدنا أن نختنق... مشينا نحو ثلاث ساعات متواصلة حتى وصلنا إلى فندق «باب البحر» منهكين. وعندما عادالزملاء أبلغونا «أن الأخ القائد لم يحضر... بل خاطبهم عبر التلفزيون... وهماستمعوا إليه». وقتها هتف عبد الرحمن معلقاً: فزنا وربّ الكعبة!

المحطةالخامسة: المنبر

في ثمانينيات القرن الماضي بدأت السبل تتباعد بيننا وبينالقيادة الرسمية للحزب الشيوعي بسبب مواقف فكرية وسياسية وتنظيمية اتخذناها، خصوصاًفيما يتعلق بالحرب العراقية - الإيرانية، لا سيما بعد انتقالها إلى الأراضيالعراقية. وشعرنا بأن إعلان موقف واضح أصبح واجباً والسكوت يعني تواطؤاً، فأصدرناعدداً من المذكرات ووقعنا احتجاجات وأجرينا اتصالات وأصدرنا صحيفة باسم «المنبر». كان لي شرف تحريرها والإشراف عليها في بيروت.
وقف النعيمي معنا، دعمنا، شاركناهمومنا، لكنه لم يتدّخل بالتفاصيل والخصوصيات. مرّة دعانا إلى اجتماع لكوادر الجبهةالشعبية في البحرين، التي كان أمينها العام وكانوا قد جاءوا من «الداخل» حضرنا: محمود شكاره وعلي شوكت وأنا. وكان الاجتماع في بيته. ناقشونا وأجبنا على أسئلتهموما كنا نطرحه بخصوص تجديد الفكر الاشتراكي وتطوير الماركسية وقضايا الحرب والسلاموالثورة والتحالفات السابقة واللاحقة، وتقويم أخطائنا، وأساليبالكفاحوالبيروقراطية والتسلطية الحزبية، التي وصلت بفعل المنفى إلى حد خطير والبيروستريكاوالخطر الصهيوني الجديد!
لم يكترث يوماً بأي تهديد سواءً من متنفذين أو منغيرهم، فقد كان اعتقاده ثابتاً وموقفه مبدئياً.

المحطة السادسة: الحربوالاعتقال

لم يتخلّ عبد الرحمن عن مبدئيته... بل ظل متمسكاً بها وفياً للقيموالأخلاق إلى أبعد الحدود. وعندما احتلت القوات العراقية الكويت، رفض النعيمي الغزووالضم، لكنه في الوقت نفسه رفض الحرب على العراق ودعا في تصريح أصدره إلى انسحابالقوات الأميركية من الخليج والجزيرة العربية، كما حذر الدول العربية إلى عدمالانخراط فيها.
إلا أنه ولدى وصوله إلى مطار دمشق اعتقل احترازياً، وظل فيالمعتقل بضعة أشهر حتى انتهت الحرب. وبدأت كارثة جديدة، فقد تحررت الكويت وانسحبتالقوات العراقية منها، لكنه تمّ تدمير العراق. وبحكم حسّه السياسي كان يدرك من وقفمعه في تلك المحنة ومن دافع عنه على مستوى العلاقات السياسية مع الإخوة المسؤولينالسوريين أو عبر المنظمات الدولية الحقوقية وخصوصاً منظمة العفو الدولية.
قال ليعلى الهاتف وأنا أهنئه على استعادة حريته: إشكرْ جميع الأخوات والإخوة الذين وقفوامعنا. وسألته لاحقاً فيما إذا كان قد تعرّض للتعذيب؟ أجابني بالنفي، وأردف قائلاً: لقد تعاملوا معي باحترام. ثم أضاف: أنا لست نادماً لموقفي على الرغم من أنني تعرّضتللإساءة وحجب الحرية!

المحطة السابعة: البرلمان البريطاني

حضرالنعيمي إلى لندن ليقدّم شهادة في البرلمان البريطاني. وكنت قد ألقيت مداخلة فيجلسة الافتتاح بالبرلمان بمشاركة اللورد أفبري وقدّم د. سعيد الشهابي ود.مجيدالعلوي (الوزير البحريني لاحقاً) وآخرون شهادات بخصوص الانتفاضة والمعارضة وكانمنصور الجمري أحد أبرز الناشطين في هذا الميدان. وعندما تمت دعوتي لزيارة البحرينخلال تلك الأحداث لإلقاء محاضرة، اتصلت بالنعيمي والجمري وعبد الهادي خلف وآخرينأستطلع رأيهم فشجعوني على الزيارة. وعندما التقيت بوزير الداخلية ووزير الإعلام،كان عبد الرحمن النعيمي حاضراً فقد تردّد اسمه على لساني أكثر من مرّة وأنا أتحدثعن المبعدين وقضايا محاكم أمن الدولة والاعتقال التحفظي الطويل الأمد والتعذيبوهندرسون، إضافة إلى قضية الشيخ عبد الأمير الجمري. قلت حينها إن على الحكومة أنتطرح مبادرة للمصالحة وأنا واثق أن الخطوة ستقابل بخطوتين من جانب المعارضة. وأطلعتعبد الرحمن النعيمي على ما حصل.

المحطة الثامنة: التشويه والإساءةالمقصودة!

حاولت بعض الأصوات الممالئة للاحتلال الإساءة إلى عبد الرحمنالنعيمي وعدد من المثقفين والمناضلين العرب، بحجة أنهم تلقوا أموالاً من العراق أوكوبونات نفط. وسخر النعيمي مثلما سخر آخرون، وإذا كان بعضهم قد تعامل ولاعتباراتسياسية أو مصلحية سرّاً أو علناً، فلم يكن ذلك عبد الرحمن النعيمي بالطبع، وأصحابهذه الحملة سرعان ما لاذوا بالصمت عندما أنكشف حجم الاختراق والفساد والكيدية! ولكنالحملة تجددت ضده ومن الفريق الآخر بسبب انتقاده الأساليب الدكتاتورية التي انتهجهاالحكم السابق، فاعتبرها بعضهم ممالئة للاحتلال أو قبولاً به وتلك مفارقةأخرى.
ظل النعيمي طيلة حياته النضالية متوازناً ومبدئياً، ولم يسمح لاعتراضاتهعلى النظام السابق في العراق، بأن تتحول لصالح العدو، فلم يدّخر وِسعاً إلاّ ووظفهبالضد من استمرار الحصار الدولي الجائر وضد ضرب العراق، مثلما هو ضد الاستبدادوالطغيان، وكان هذا موقفه منذ الأيام الأولى لاحتلال العراق، خصوصا اشمئزازه منالتمذهب والطائفية.

المحطة التاسعة: العودة: الحلم

كان حلم عبدالرحمن النعيمي العودة إلى البحرين. وعاد عند أول فرصة سانحة، حيث استقبلته جماهيرالبحرين بعرس حقيقي، حملوه على الأكتاف وطافوا به هو وزملاؤه وخصوصاً صديقه الوفيعبد النبي العكري. قال لي بقيت أحتفظ بهذا الحلم أكثر من ثلاثة عقود، فبعد أن درسالهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت عاد للعمل في البحرين، لكن الهّم الوطنيوالقومي أخذاه بعيداً في إطار حركة القوميين العرب ثم إلى عدن بعد الاستقلال وإلىظفار واستقرّ في الشام، وطالت رحلة المنفى أكثر من ثلاثة عقود.

المحطةالعاشرة: الجواهري

كان متحمساً لصدور كتابي عن الجواهري: جدل الشعر والحياة (أواخر 1996) في دار الكنوز الأدبية التي كان يديرها، لأنه يدرك أهمية صدورهوالجواهري على قيد الحياة، واعتذر عن بعض الأخطاء بسبب السرعة، وكان ينوي إعادةطبعه بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الجواهري (27 يوليو/ تموز2007). وعندما توفيالجواهري توجهت في اليوم نفسه إلى دمشق للمشاركة في مراسم العزاء. وفي اليوم الأخيرنظم المنتدى الثقافي ندوة عن الجواهري حاضر فيها: هادي العلوي وكاتب السطور،وأدارها جمعة الحلفي، وحضرها عبد الرحمن النعيمي ورفيقه عبد النبيالعكري.

المحطة الحادية عشرة: البحرين

زرت البحرين عدّة مرات لإلقاءمحاضرات أو للمشاركة في ندوات أو لتدريب بعض ناشطي المجتمع المدني وحقوق الإنسان. لم أفلت مرّة من دعوة غداء أو عشاء لعبد الرحمن ورفيقة عمره السيدة مريم « أم أملأو أم خالد». كما لم أفلت مرّة من لقاء أو محاضرة في نشاط أو مخيّم يدعوني إليه عبدالرحمن وجمعية العمل الديموقراطي «وعد»، كنت أرى فيه إضافة إلى النخب الفكريةوالثقافية شرائح من المجتمع البحريني السياسية والاجتماعية، من الرجالوالنساء.

المحطة الثانية عشرة:  عبد الرحمن يفوز فيالانتخابات!

التقينا في الرياض وبعدها في بيروت. كان هاجس الانتخاباتوالتحالفات مع «الوفاق الإسلامي» والشيخ علي السلمان ورغبته في تحالفات أوسع شاغلهالشاغل. بادرته قائلاً: تهانينا. قال: لكنني لم أفز في الانتخابات... كان الفرققليلاً وحصلت تداخلات وملابسات... قلت له: أعرف ذلك، لكن ما حصل هو وسام على جبينك،فعدم الفوز أو عدم النجاح، ليس فشلاً أو إخفاقاً... إنه هزيمة للآخرين في ظلالاصطفافات الطائفية والتجاذبات غير السياسية.

 

عشرات المرّات وعشرات الندواتوعشرات المؤتمرات وعشرات اللقاءات وعشرات السهرات وعشرات الأماسي، كنت فيها معالنعيمي، وفي كل مرّة كنت أكثر ثقة بأنني أمام شخص نادر، بل استثنائي، في وفائهوإخلاصه، في صراحته ومبدئيته، في شجاعته وكرمه، وتلك صفات الرجال الحقيقيين،وغالباً ما كان يعتذر أو يراجع نفسه أو يتراجع إنْ شعر أنه أخطأ أو قصّر أو أهملعلى الصعيد الشخصي أو السياسي، وتلك ميزة أخرى للرجال الحقيقيين أيضاً. كانت لديهالقدرة على نقد نفسه، ومرّة قال لي: يا رجل نحن نحمل فيروساً تسلطياً لدى كل واحدٍمنا، إنه مرض الفردية وادّعاء الأفضليات!
كم أشتاق اليوم إلى عبد الرحمن النعيميوما أحسبه إلا مسارعاً للقول: هل لنا أن نتفق على مشروع ونباشر به فوراً؟، مجلةفكرية؟ مطبوع أسبوعي؟ برنامج أو محطة إذاعية صغيرة؟ برنامج أو محطة تلفزيونيةمتواضعة؟ لأنه يدرك معنى الحرف والصوت والصورة في المعركة الدائرة.
كم نحتاجاليوم إلى عقل وحكمة وخبرة عبد الرحمن النعيمي الإنسان، الراقي، المتسامح.
عبدالرحمن النعيمي سلاماً .. سعيد سيف اشتياقاً..

([)
باحث ومفكر عربي

جريدة السفير اللبنانية ، العدد رقم 11986، الاربعاء، 14/9/2011

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (716)  16/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 
 
الدبلوماسية العالمية : مفارقات وحيرة
 
 

 

على الرغم من ديناميكية الدبلوماسية الدولية السائدة منذ انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي من شكل إلى آخر في أواخر الثمانينات إلا أنها مع مطلع الألفية الثالثة تعيش مفارقات وحيرة، فما أن تبدأ مفارقة حتى تستمر وتتداخل مع مفارقة جديدة أخرى وهكذا، وذلك بفضل العولمة وبفعل كون العالم أصبح قرية صغيرة في ظل الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتل” .

 

المفارقة الأولى بدأت ولا تزال مستمرة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ونعني بها اتساع نطاق الإرهاب الدولي الذي تجلّى في أحداث سبتمبر/ أيلول الإرهابية الإجرامية عام 2001 يوم قامت تنظيمات القاعدة بضرب برجي التجارة العالمية في نيويورك، حيث راح ضحية ذلك العمل الغادر نحو ثلاثة آلاف إنسان بريء . ولعل ما حصل قبل أسابيع من عمل إرهابي في أوسلو (النرويج) على يد مواطن نرويجي متطرف وعنصري يشير إلى أن ظاهرة الإرهاب الدولي على الرغم من كل ما قيل عن التصدي لها، فهي لم تنحسر كلياً وإنما لا تزال مستمرة، وتظهر بصور مختلفة في العديد من بلدان العالم، الأمر الذي يشير إلى أن الإرهاب الدولي لا وطن ولا دين ولا هوية ولا جنسية ولا عقيدة ولا لغة له .

 

أما المفارقة الثانية التي فاجأت هي الأخرى الدبلوماسية العالمية المتسيّدة، فهي الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي ضربت أكثر الدول الصناعية تقدماً، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً بانهيار شركات تأمين كبرى وبنوك عملاقة ومؤسسات عابرة للقارات والحدود وما فوق قومية . ولا تزال تأثيرات هذه الأزمة الكونية مستمرة في النطاق العالمي منذ عام 2008 ولحد الآن، ويبدو أنها ستستمر وإن على نحو أبطأ خلال السنوات الثلاث المقبلة (إلى نهاية عام 2014 أو مطلع عام 2015) .

 

ولعل المفارقة الثالثة للدبلوماسية العالمية في الألفية الثالثة، هي اندلاع ربيع الثورات العربية في مطلع عام ،2011 وهو ربيع ما زلنا نعيشه حتى هذه اللحظة وإن كانت بعض المناطق تعاني عواصف واحتدامات وحتى حروب ونزاعات أهلية، لكن الأمر كان خارج الحسابات التقليدية للقوى المهيمنة على الدبلوماسية الكونية .

 

وتطرح هذه المفارقات الثلاث الكبرى أسئلة جديدة أمام الدبلوماسية الكونية التقليدية، خصوصاً وقد أصبح الإعلام عنصراً مؤثراً وأساسياً في صناعة الرأي العام . ولاحظنا كيف أسهم الفيس بوك والتويتر والإنترنيت والفضائيات في نقل أخبار الانتفاضات الشعبية، فالصورة خبر بحد ذاتها تفوق بمئات بل آلاف المرات أحياناً، أية مقالة أو تعليق أو رأي . ولعل ما نشره موقع ويكيليكس قبل أشهر دليل كبير على الزوبعة التي انطلقت ولم تهدأ، لاسيما وقد تحوّلت بحكم الصورة إلى خبر يومي وزاد صباحي للكثير من وسائل الإعلام، وخصوصاً المرئية منها، وذلك لامتداداتها المختلفة والمتنوعة وتداعياتها وأبعادها .

 

لقد ساد اعتقاد لدى الكثير من المحللين السياسيين والمفكرين وأصحاب الرأي أن نظاماً دولياً جديداً بدأ يتشكل خلال ربع القرن الماضي، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وسيادة النمط الليبرالي على النطاق العالمي، خصوصاً بقيادة قطبية آحادية هي الولايات المتحدة التي تتربع فوق قمة النظام الرأسمالي العالمي، لكن مثل هذا الاعتقاد صاحبته بعض الشكوك، فضلاً عن ممانعات واعتراضات، أخذ رصيدها يرتفع بعد تطبيقاته المشوّهة وممارساته السلبية باستخدام المعايير المزدوجة والسياسات الانتقائية، الأمر الذي بلور رأياً عاماً جديداً، ولاسيما في البلدان النامية يدعو إلى إقرار التعددية والتنوّع واحترام قواعد شرعية دولية جديدة يمكن أن تسهم فيها المنظمات الدولية القائمة على نحو أكثر فاعلية، خصوصاً الأمم المتحدة، بغض النظر عن الملاحظات التي لدى جميع الأطراف عليها وكل لأغراضه الخاصة، لكن رغبة الكثير من الأوساط الشعبية كانت تنمو هنا وهناك، وخصوصاً في دول العالم الثالث لتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني العالمي، فضلاً عن تطوير مسؤولية الأمم المتحدة في نظام العلاقات الدولية بعيداً عن انفراد دولة أو مجموعة دول، لاسيما إزاء قضايا حفظ السلم والأمن الدوليين .

 

وقد سعت إدارة جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن والرئيس أوباما خلال العقدين الماضيين تقريباً ومن خلال دبلوماسية ديناميكية وقدرات سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة للانفراد بالقرار الدولي سواءً من جانب واشنطن وحدها أو مع مجموعة من الدول، وذلك بتجاوز أي قيد على “حرية” الولايات المتحدة  يمنعها من التحكم بنظام العلاقات الدولية وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالحها .

 

وتصرفت واشنطن في الكثير من المرّات خارج نطاق المنتظم الدولي لتأمين مصالحها أو لفرض سياساتها وإملاء إراداتها، بما فيها مخالفة ما يسمى بالشرعية الدولية وقرارات دولية صادرة عن الأمم المتحدة تدين “إسرائيل” . وقد تذرّعت أنها في مواجهتها للإرهاب الدولي تحتاج إلى بناء دبلوماسية وقائية أو استباقية ضد الإرهابيين لمنعهم من تنفيذ مخططاتهم  العدوانية والعمل على تجفيف منابعهم، بل إنها مرّرت ذلك بقرارات دولية أسهمت هي في وضع أسسها وأصدرتها بالضغط على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وأعني بها القرارات رقم 1368 الصادر في 12 سبتمبر/ أيلول 2001 والثاني 1373 الصادر في 28 سبتمبر/ أيلول من ذاته والثالث القرار 1390 الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2002 .

 

وطبقاً لتلك الذرائع قامت باحتلال أفغانستان وأطاحت  بنظام حكومة طالبان  بزعم محاربة تنظيمات القاعدة في عام ،2001 وقامت باحتلال العراق كذلك في عام 2003 بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل وعلاقته بالإرهاب الدولي، واتضح أن الفريتين لا أساس لهما من الصحة . أما الديمقراطية المحمولة على الطائرات فقد تم طي صفحتها ليتحوّل موضوع الاستقرار وحماية الأمن الذي ظلّ منفلتاً منذ ثماني سنوات هو الشغل الشاغل، لاسيما في الموقف من بقاء قوات أمريكية في العراق بعد انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 في نهاية العام الجاري 2011 .

 

وإذا كان توازن القوى على المستوى الدولي لا يميل إلى العودة إلى نظام القطبية الثنائية، على الرغم من أن هناك من يرغب  في أن تلعب الصين مثل هذا الدور، كما يذهب إلى ذلك مستشار الأمن القومي زبغينيو بريجنسكي، وكذلك هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، لكن الصين ظلّت تصرّ على أنها دولة نامية، وهي لا تريد أن تلعب دوراً بديلاً عن الاتحاد السوفييتي السابق .

 

ولهذا فإن قيام نظام دولي جديد سيكون مؤجلاً حتى إشعار آخر، ويحتاج إلى استقطابات وقوى جديدة صاعدة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وبشرياً، فإضافة إلى الصين، هناك احتمال العودة الجديدة لروسيا، وكذلك تعزيز دور اليابان، لاسيما الاقتصادي والمالي، فضلاً عن الدور الكبير للاتحاد الأوروبي الذي لا يتعارض حتى الآن مع دور واشنطن التي لا تزال تمثل قطب الرحى في النظام الدولي القائم وما بعد نظام القطبية الثنائية وانتهاء عهد الحرب الباردة . فهل هناك ملامح للدبلوماسية الجديدة غير الرسمية أو التي لم تعد تقتصر على الأوساط الحكومية والدبلوماسية؟

 

إن القوى الجديدة التي دخلت ساحة الدبلوماسية الدولية، سواءً نقابات العمال أو الاتحادات المهنية أو منظمات المجتمع المدني، لاسيما التنموية، بما فيها جمعيات حقوق الإنسان، وكذلك روابط وجمعيات رجال الأعمال وحتى بعض الشخصيات الثقافية والعلمية والدينية الكبرى والعامة، فضلاً عن بعض المنظمات الدولية غير الحكومية، يمكن أن تسهم في إطار ما نطلق عليه الدبلوماسية الشعبية التي ارتفع رصيدها في ربع القرن الماضي، خصوصاً بانتهاء عهد الحرب الباردة، وهو ما شاهدناه خلال المستجدات والتغييرات والثورات التي شهدها الوطن العربي، في حين ظلّت الدبلوماسية الرسمية في الكثير من الأحيان حائرة أو مترددة أو محكومة بمعادلات أقرب إلى المفارقات التي واجهتها .

 

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 7/9/2011

 

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (710)  10/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
ليبيا : احتلال بالتعاقد أم الأمن الناعم
 
 

 


 

قد لا يكون تدخّل حلفالناتو «عسكرياً» في الأزمة الليبية هو الأخير من نوعه في المنطقة العربية، فقدتتكرر عمليات التدخل إذا ما توفّرت بعض الظروف الملائمة والبيئة المواتية، وهوالأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار، في ما يتعلق بتطورات الوضع في المنطقة،ولا سيما الاحتراب الداخلي أو الصراع المسلح في بعض البلدان العربية من جهة، ومنجهة أخرى تطور سياسة حلف الناتو وما يسمى بنظرية «الأمن الناعم» أو «القوةالناعمة»، في مواجهة المتغيرات.
وإذا كان حلف الناتو قد تأسس في ظروف الحربالباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد أن أطلق ونستون تشرشلصيحته الشهيرة العام 1947 بإعلان الحرب ضد الشيوعية من جانب دول «العالم الحر»، فإنالحلف تطور كثيراً في التسعينيات من القرن الماضي وبعد انهيار الكتلة الاشتراكيةوانتهاء نظام القطبية الثنائية، حيث امتدّ نشاطه ليشمل دول أوروبا الشرقية التيكانت جزءًا من منظومة حلف وارسو، وقد سعى الى ضم العديد من دولها إلى عضويته، وبناءقواعد صاروخية في بعضها كما حصل في التشيكيا وبولونيا الذي احتجت عليها روسيا وهددتبتدميرها.
كما تطورت استراتيجية الحلف من «الردع» في حالة التهديد الى المبادرةوالهجوم «للدفاع عن المصالح الجماعية»، خصوصاً بعد تأسيس تشكيلات للتدخل السريع،حال اندلاع أزمة من شأنها المساس بمصالح أعضاء الحلف أو تهديدها، بما فيها منطقةحوض البحر المتوسط.
مبادرتان أساسيتان قادهما الحلف إزاء المنطقة العربية،الأولى بفتح الحوار مع سبع دول متوسطية العام 1994 وهي: المغرب وتونس ومصروموريتانيا والجزائر والأردن و«إسرائيل»، وذلك تحت شعار «محاربة تهديدات محتملةلأعضاء الحلف»، وهذه التهديدات تتلخص بالإرهاب الدولي والهجرة غير الشرعية (اللاجئين) وانتقال المخدرات.
وقد انعقدت قمة لدول الحلف في براغ في شهر تشرينالثاني (نوفمبر) العام 2002، وذلك بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجراميةالتي حصلت في الولايات المتحدة، وتم الاتفاق على خطة عمل مشتركة ضد الارهاب الدوليوأنشئت لاحقاً قوة تدخل سريع في عام 2006.
أما المبادرة الثانية الخاصة بدولالشرق الأوسط، فقد انطلقت في حزيران (يونيو) العام 2004 من اسطنبول وسمّيت «مبادرةالتعاون الاستراتيجي»، وقد انضمت إليها أربع دول خليجية هي الكويت والإماراتالعربية والبحرين وقطر. أما المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان فقد بقيتاخارجها. وتضمنت هذه المبادرة مكافحة الإرهاب الدولي وحماية أمن الحدود والتصديلانتشار الأسلحة النووية ومجابهة حالات الطوارئ وإدارة الأزمات، وتعزيز التعاونالعسكري.
وجاءت مبادرة اسطنبول بعد الحملة الدولية للحرب على الارهاب تلك التيتجسّدت في غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، وقد تركا ردودأفعال حادة إقليمياً ودولياً، فلجأ الحلف الى إطلاق هذه المبادرة بخصوص نظرية الأمنالناعم، وذلك عبر التدريب والتأهيل للقوات العسكرية حيث الوجود العسكري الأميركي،وهو ما حاولت الاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية أن تعكسه في العام 2008 بنقلصيغة الاحتلال العسكري الى صيغة احتلال تعاقدي، وهو ما تسعى الى تأكيده وتوظيفه فياتفاقية جديدة بانتهاء العام 2011 أو توقيع عدّة بروتوكولات بين وزارات عراقيةونظيراتها وزارات أميركية، دون الحاجة للذهاب الى البرلمان لإعطاء رأيه بشأنها،خصوصاً إذا ما اتجهنا الى صيغ تنفيذية بين المؤسسات العراقية والأميركية، وذلكدفعاً لأية إشكالات تقود الى مضاعفات قد لا تحمد عقباها، ولعل مثل هذا المخرج لايزال قيد الدرس بديلاً من اتفاقية جديدة بين بغداد وواشنطن، لا سيما بعد أن خوّلتالكتل السياسية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي التفاوض باسمها.
لقد شاركبعض دول حلف الناتو في حرب الخليج الثانية ضمن تحالف دولي ضمّ 33 دولة في العام 1991 في إطار عملية تحرير الكويت التي امتدت الى تدمير العراق، كما شارك بعض دولهبفاعلية بفرض الحصار الدولي ونظام العقوبات على العراق (1991-2003)، كجزء من عمليةاستراتيجية جديدة لنظرية الأمن الناعم.
أما تدخل حلف الناتو في الأزمة الليبيةالعام 2011 فهو شأن آخر، له علاقة بأوضاع الحاضر والمستقبل، خصوصاً بتوسع مفهومالتدخل في استراتيجيات الحلف، وعلى الرغم من القصف الجوي الذي استمر ما يزيد عنأربعة أشهر، إلا ان الحلف لم يرسل قوات برية حتى الآن، لكن الحديث أخذ يتردد عناحتمال إرسال قوات لحفظ الأمن وضبط النظام.
وإذا عرفنا أن تدخّل الناتو ظلمحدوداً ومحدداً بما نصّ عليه ميثاقه الذي اعتبر أي هجوم مسلح ضد أي عضو من أعضائهيعدّ هجوماً على دول الحلف كافة، إلا أن انقضاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراعالايديولوجي من شكل الى شكل آخر وسّع من المنطقة الجغرافية للحلف، خصوصاً وقد اتخذالحلف قرارات بخصوص إدارة الأزمات بدلاً من مراقبتها سواءً في منطقة جنوب المتوسطعامة وفي الشرق الأوسط خاصة، وهو ما تقرر في اجتماع روما الذي مهّد له المفهومالاستراتيجي للحلف العام 1999 والتدخل في كوسوفو وكذلك المفهوم الاستراتيجي الجديدفي العام 2010، الأول الخاص بإدارة الأزمات، أما الثاني فقد قام على توسيع البيئةالأمنية خارج دول الناتو التي قد تهدد مصالحه.
وقد استند الحلف في تدخلهالعسكري الى «مرجعية» إقليمية ودولية للتدخل في الأزمة الليبية، انطلاقاً من قراريمجلس الأمن رقم 1970 و1973، لا سيما باتخاذ عقوبات ضد ليبيا وإحالة الزعيم معمرالقذافي الى المحكمة الجنائية الدولية، وإقامة حظر جوي للطيران No Fly Zone،وتساوقاً مع قرار جامعة الدول العربية رقم 7298 بتاريخ 2 آذار (مارس) 2011، الذيطلبت فيه من مجلس الأمن تحمّل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا. وهو ما قامحلف الناتو باتخاذ إجراءاته للتدخل العسكري، ليس لها علاقة بمبدأ التدخل الإنساني،أو «لأغراض إنسانية». وإذا كان الأخير يستهدف حماية السكان المدنيين خارج دائرةالصراع، فإن التدخل العسكري ضاعف من معاناة السكان المدنيين، الأمر الذي أثارإشكالات قانونية وأخرى عملية.
وقد أدت هذه الاحتدامات السياسية والصراع المسلحلاحقاً الى زيادة الهجرة غير الشرعية للدول الأوروبية وتنامي نشاط تنظيم القاعدة فيدول المغرب العربي، وهو ما أشار إليه جيمس ستافريديس قائد قوات حلف الناتو لدىتقديم شهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي. وانعكس ذلك على تهديد أمن الطاقة وانقطاعإمدادات الموارد الحيوية وارتفاع أسعار النفط.
وعلى الرغم من تبدد بعض المخاوفمن استمرار ليبيا كدولة موحدة، لا سيما أن بذرة التشظي التي حاول أن يزرعها النظامالسابق ظلّت كامنة وقد يحركها التمترس الميداني وحزازات قديمة ومنافسات غير مشروعة،قد تؤدي الى تصدّع الوحدة الليبية أو تفتتتها، ولعل هذا الأمر قد يتماشى مع المخيلةالغربية، خصوصاً بعد تدخل الناتو ومحاولة فرض وصايته بإعادة ولاية برقة (التي كانتتحت الهيمنة البريطانية) وولاية فزّان (التي كانت تحت النفوذ الفرنسي) وولايةطرابلس (التي أقامت بها الولايات المتحدة قاعدة عسكرية) الى نفوذ الناتو على الرغممن وعي المعارضة الليبية ويقظتها، التي كان موقفها موحداً إزاء رفض التدخل الأجنبيالذي يتحمل القذافي ونظامه مسؤوليته بما وصلت اليه الأوضاع، لا سيما إصراره على قمعحركة الاحتجاج ودعوته لمقاتلة الثوار «زنقة زنقة»، وهو الأمر الذي استغله الناتوالذي يستخدم جميع الأوراق تحت خط ماكر هو الأمن الناعم لإدانة وجوده وفرض رؤيتهوتأمين مصالحه، ولا يستبعد أن يطالب حلف الناتو الوضع الجديد بالتعويض وبالحصول علىامتيازات ومكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية، الأمر الذي يحتاج الى تفكر وتدبر ونظرةبعيدة المدى وإرادة سياسية لحماية المصالح الوطنية الليبية، ناهيكم عن ضمان أمن دولالمنطقة.
لعل التجربة الليبية للأمن الناعم إذا ما «نجحت» قد تشجع حلف الناتوعلى الاستمرار فيها أو نقلها الى بلدان أخرى كلما كان ذلك ممكناً!

([) باحثومفكر عربي ـ العراق

 

جريدة السفير اللبنانية، العدد 11977، السبت 3/9/2011

 
 
 
 
 
مصر التي قي خاطري
 

 

 

 

لعل غالبية أبناء جيلي ومن المنشغلين بالهمّ العام تتذكر أغنية كوكب الشرق أم كلثوم “مصر التي في خاطري وفي دمي أحبّها من كل روحي ودمي”، وقد أعادتني الصديقة الكاتبة اللبنانية دلال البزري إلى أجواء تلك الفترة من عنوان كتابها الجديد “مصر التي في خاطري” الذي تناولت فيه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية المصرية عشية التغيير، لاسيما تراجع مستوى التعليم بما فيه الجامعي ونكوص دور المرأة وانتشار مظاهر استخدام الدين وسيلة للتوظيف السياسي والآيديولوجي والمصلحي، خصوصاً لجهة فرض الحجاب وشيوع بعض الممارسات الغريبة عن جوهر الإسلام، إضافة إلى تدني مستوى الذوق العام والإحساس بالجمال .

 

والبزري كاتبة وناقدة جادة نحتاج إلى أن نفرد لها قراءة خاصة لهذا الكتاب المثير، لكن أهم ما فيه هو أنها بأسلوب السهل الممتنع ولغتها الرشيقة أعادتنا إلى حدود غير قليلة بما ارتبط بذاكرتنا بشأن مصر، ولعلها حفّزت فينا شكلاً من أشكال الحنين إلى الوعي الجمعي العربي، لاسيما لحضور مصر المتميّز آنذاك، خصوصاً بعد تأميم قناة السويس والتصدّي للعدوان الإنجلو  فرنسي  “الإسرائيلي” عام ،1956 إضافة إلى حملة التضامن العربي الشعبي والتظاهرات التي اندلعت في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، دفاعاً ودعماً لمقاومة الشعب المصري .

 

ومصر التي في الخاطر هي بتاريخها وحضارتها ودورها الريادي، على المستويات الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية كافة، دولة أقرب إلى الحداثة، وكانت تتطلّع إلى أن تؤدي دوراً كبيراً بحكم ثقلها البشري وموقعها الجغرافي، فضلاً عن مشروعها التحرري على صعيد إفريقيا وآسيا وفي ما بعد أمريكا اللاتينية، خصوصاً أنها كانت قد تركت بصماتها على تأسيس حركة عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ عام 1955 التي تحوّلت إلى تيار عالمي واسع باسم عدم الانحياز أو مجموعة ال 77 كما أطلق عليها في السبعينات .

 

استعدت ذلك وأنا أحضر ندوة دولية، بصفتي خبيراً مستقلاً بالتعاون مع الأمم المتحدة، وقد نظمتها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية وبالتعاون مع المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية Idea، والمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة وجامعة القاهرة، وكانت بعنوان: “العدالة الانتقالية في التجارب المقارنة: خارطة طريق لمصر”، كما استذكرت الدور المصري للتضامن مع الحركات التحررية ضد الاستعمار ومن أجل التحرر، لاسيما بخصوص قرار الأمم المتحدة الصادر عن الجمعية العامة رقم 1514 لعام 1960 الذي اشتهر بإعلان تصفية الكولونيالية، وتأييد حق تقرير المصير باعتبار ذلك قاعدة آمرة وملزمة في القانون الدولي Jus Cogens .

 

مصر التي عرفتها منذ نحو خمسة عقود من الزمان ظلّت في الخاطر، فمنذ شباط/ فبراير، عام ،1965 كنت أزورها باستمرار ولمرات عدّة سنوياً لاسيما خلال ربع القرن الماضي، وكانت الأمور فيها تنتقل من سيئ إلى أسوأ، ابتداءً من فترة الانفتاح الاقتصادي حيث زاد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً وبرزت طبقة جديدة من الرأسمالية الجديدة البيروقراطية الطفيلية المتماهية مع الحكم، التي أشاعت فساداً لا حدود له في البلاد، إلى اتفاقيات كامب ديفيد وما تركته من حالة تراجع ونكوص، بل ضعف على مستوى الأمة العربية ككل، في ما يتعلق بمواجهة المشروع الصهيوني، لاسيما بعد حرب أكتوبر عام ،1973 فبدلاً من أن تتحول تضحيات الجيش والشعب المصري وانتصاراتهما العسكرية إلى واقع سياسي جديد لمصلحة الحركة التحررية المصرية والفلسطينية والعربية، لكنها اتجهت في الطريق المعاكس الذي قاد إلى المساومة والتخلي عن الصراع مع العدو الذي لا يزال يحتل ويعتدي ويحاصر ويتنكر لكل ما له علاقة بالشرعية الدولية، وإن كانت بحدودها الدنيا، ناهيكم عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي .

 

كان إضعاف مصر يعني إضعاف العالم العربي، الأمر الذي سهّل ل “إسرائيل” ومن يشجعها على المستوى الدولي، ولاسيما الولايات المتحدة، الضغط على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات لقبول التفاوض من دون شروط الحد الأدنى، وحصل اتفاق أوسلو عام ،1993 لكن الأمور لم تتحلحل منذ ذلك التاريخ حتى الآن، على الرغم من أن المرحلة النهائية للمفاوضات كانت تنتهي عام ،1999 ولكن اثني عشر عاماً جديداً انقضت ولم يتحقق أي شيء جدّي على الأرض، بل تراجعت “إسرائيل” عن تلك الاتفاقية المجحفة وغير المتكافئة أصلاً .

 

ومارست “إسرائيل” خلال العقدين الماضيين مناورات ومؤامرات وضغوطاً وعدواناً وحروباً دون أن يؤثر فيها شيء مما سمّي خريطة طريق ما بعد أوسلو في واي ريفير أو كامب ديفيد، فبنت جدار الفصل العنصري على الرغم من أن محكمة العدل الدولية أفتت بعدم شرعيته وبطلانه عام 2004 وقامت بحرب ضد لبنان عام ،2006 وحرب أخرى ضد غزة دامت 22 يوماً في أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009 ويستمر حصارها ضد غزة منذ أربع سنوات حتى الآن .

 

ولعلها أخذت تتجرأ للتدخل في الشأن الفلسطيني، حين أعلنت رفضها لخطة المصالحة بين حماس وفتح، واعتبرتها خطوة لنسف عملية السلام، وكأن السلام بناء قائم، ولكنها بالطبع تقصد مفهومها الخاص للسلام، الذي لا يعني سوى الاستسلام، وهذه المرة تريده استسلاماً من جانب الشعب العربي الفلسطيني وقواه السياسية، سياسياً وجغرافياً، عبر عملية تشطير وتقسيم .

 

غياب مصر الحاضرة دائماً في العقل الجمعي العربي، سبّب حالة التردي على المستوى العربي، ولعل عودتها اليوم من دون استبداد ومن دون فساد وبتوجّه اجتماعي جديد ودولة قانونية دستورية، قد يعيد شيئاً من العافية إلى الوضع العربي، فمعافاة مصر تعني بداية معافاة الأمة العربية، وإذا كان لا يمكن تصوّر الوطن العربي دون مصر، كذلك لا يمكن تصوّر نهضة للعرب دون استنهاض مصر، وإذا ما نجحت الثورة في مصر فإنها يمكن أن تمتد إلى الوطن العربي والمهم أن تنتصر، أما إذا فشلت أو نكصت عن دورها التاريخي بعد حقبة مزمنة وطويلة من التسلط ونقص في الثقافة الديمقراطية بشكل عام والثقافة الحقوقية بشكل خاص، فإن انعكاسها سلباً سيكون على العالم العربي، وربما على نحو مضاعف .

 

لعل من أولويات فترة ما بعد سقوط النظام السابق، وضع اللمسات الضرورية للتغيير والتحوّل الديمقراطي وتأثيث الأرضية السياسية والاجتماعية للعدالة الانتقالية، الأمر الذي يحتاج في الظروف المصرية الملموسة إلى تحقيق نوع من التوازن بين مبادئ العدالة من جهة وبين الخشية من الوضع الأمني المنفلت من جهة أخرى، كما أن من أهداف نظام العدالة الانتقالية إرساء وتعزيز الديمقراطية عبر مبادئ سيادة القانون والدولة القانونية القائمة على أخلاقية العدالة الانتقالية، وكذلك كشف جرائم الماضي والتحقق منها بشفافية وحيادية لكي يتم التوصل إلى الإصلاح المنشود، وهذا الأخير ليس وصفة جاهزة يمكن اعتمادها في كل بلد أو استنساخها أو تقليدها، بل لا بدّ من مراعاة الخصوصيات .

 

وإذا ما استهدفنا الوصول إلى العدالة الانتقالية، فلا بدّ من العمل على بناء ذاكرة وطنية وتقصّي الحقائق، وفي ما بعد كشفها وتعويض الضحايا لجبر الضرر المادي والمعنوي وتهيئة المستلزمات لإصلاح النظام القانوني كي لا يحدث ما حدث في الماضي . ولعل قضية العدالة تحتاج إلى مدافعين عنها وساعين لتحقيقها، فقد تكون للسياسيين حساباتهم الخاصة وأحياناً مساوماتهم، لكن مهمة الحقوقيين أبعد من الكسب السياسي أو الحصول على المواقع أو الانتقام أو الثأر، وإذا غاب من يدافع عن قضية حقوق الإنسان، ضاعت العدالة الانتقالية، الأمر الذي يتطلب معرفة الحقيقة، لاسيما للجرائم وتحديد ماهيتها ووضع ضمانات لعدم تكرارها، ناهيكم عن جبر الضرر وتعويض الضحايا .

 

وبالطبع فإن الوصول إلى العدالة الانتقالية في وضع معقد ومتداخل وحكم سلطوي طويل الأمد مثل مصر، ليس سهلاً، بحيث يتم كشف جرائم الماضي من جهة والتعويض من جهة ثانية وإصلاح النظام القانوني ضمانة للمستقبل من جهة ثالثة .

 

وقد أشار خوسيه أنطونيو مارتين بالين أحد الخبراء الدوليين في موضوع العدالة الانتقالية من إسبانيا بالقول: “يمكن التعلم من تجربتنا وكذلك تجنب أخطائنا، والأمر يشمل تشيلي والأرجنتين وجنوب إفريقيا والمغرب والعديد من دول أمريكا اللاتينية وكذلك إفريقيا وآسيا، كما يمكن الاستفادة من تجربة دول أوروبا الشرقية، حيث سارت التجربتان البولونية والهنغارية في طريق الاستمرارية القانونية . أما في ألمانيا الديمقراطية وفي تشيكوسلوفاكيا فقد كان التغيير ثورياً، لاسيما بعد انهيار جدار برلين والتحوّل الكبير في ميزان القوى بنزول الجماهير إلى الشوارع والساحات، حيث اضطرت الحكومتان إلى التراجع، والاعتراف بالمعارضة التي تسلمت السلطة، خصوصاً بعد إجراء انتخابات حرّة وفي إطار التعددية” .

 

وإذا كان ثمت تحديات تواجه المسيرة الثورية المصرية وتتمثل في صعود التيار الديني ومحاولة فرض اتجاهه على الدولة والدستور والمجتمع، وكذلك بعض المخاوف من حال الانفلات الأمني، وإن كانت محدودة، فالسبيل لوضع حد لها يتطلب عقد اجتماع جديد بين الشباب وتحالفاته التي مثّلت جمجمة الثورة وسواعدها وحطبها وبين القوى السياسية المعارضة، الإسلامية واليسارية والناصرية، وقوى المجتمع المدني، للتوافق على القيم الأساسية المشتركة التي يمكن أن تسير عليها الدولة المدنية المنشودة، ويمكن تحويل بعضها إلى قواعد دستورية ديمقراطية بحيث تأتي منسجمة مع هذه القيم، وفي ذلك ضمانة لعودة مصر لدورها الريادي ولكونها مصدر إشعاع فكري وثقافي وثوري في الآن، وهي مصر التي في خاطري، تلك التي بقينا نبحث عنها طيلة عقود من الزمان .

 

* باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء، 31/8/2011

 

 
 
 
 
 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (706) 06/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
 

البوعزيزي وسيدي بوزيد وبحر الزيتون

 

في طريقي من العاصمة تونس إلى المحافظة الثانية صفاقس وبعدها إلى محافظة سيدي بو زيد، كنت أتطلّع على امتداد النظر إلى غابات شاسعة من أشجار الزيتون، وبدت لي تلك الغابات مثل بحر بلا ضفاف، وانشغلت طول الطريق الذي زاد على 300 كيلومتر أقارن وأربط بين الثورة التونسية ومستوى المعيشة المقبول نسبياً في تونس، سواءً لبلدان نفطية غنية مثل ليبيا أو الجزائر أو العراق أو غيرها .

ولعل الأمر لا يتعلق بالزراعة والأراضي الزراعية في الريف، بل في المدن والمناطق الحضرية، بما فيها الأحياء الشعبية، فلا يمكن مقارنتها بدول واردتها الريعية تزيد عشرات المرّات على تونس، لكن مستوى معيشة سكانها أخفض بكثير منها، فما بالك بدول فقيرة .

وإذا كانت المقارنة مع الدول النفطية أو دول اليُسر لمصلحة تونس، فبالتأكيد ستكون المقارنة مع دول العُسر لجانبها أيضاً، الأمر الذي يحتاج إلى التفكير في مآل الثورة والفئات التي قادتها ودور الشباب الذين كانوا المحرّك الأساسي لها، فثورة تونس لم تكن ثورة جياع، بل ثورة من أجل الكرامة والحرية .

عندما وصلت محافظة سيدي بو زيد التي يبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وعدد سكان المدينة لا يزيد على 50 ألفاً، عرفت أن فيها حركة نقابية متطورة يقودها التهامي الهاني الذي التقيته وشرح لي مسارات الثورة ويومياتها بعد سيدي بو زيد، حيث سقط العديد من الشهداء في منزل بو زيان والرقاب ومكناسي والقصرين وتالة وحاجب العيون ونصرالله وسيدي عمر بو حجلة، ثم اندلعت تحركات في المهدية والمنستير وسوسة والقيروان، وهذه المناطق مرّ الباحث على معظمها وتوقف عند بعضها وصولاً إلى العاصمة تونس التي اندلعت انتفاضتها يوم 4 يناير/ كانون الثاني ،2011 وهي التي علّقت الجرس كما يقال، وأرغمت الرئيس السابق زين العابدين بن علي على الرحيل .

لعل الحكاية بدأت بإضرام محمد البوعزيزي النار في جسده صباح الجمعة 17 ديسمبر/ كانون الأول ،2010 فقد عزّت عليه نفسه إثر صفعة تلقّاها وسط حشد شعبي من الشرطية فادية حمدي لاعتراضه على منعها ومصادرتها مصدر الرزق الوحيد له ولتسعة أفواه من أسرته .

كان ردّ البو عزيزي على كرامته المجروحة إنهاء حياته احتجاجاً، لا سيما أن فرص الحصول على عيش كريم باءت بالفشل، حيث استشرى سوء الإدارة وفساد السلطة في جسد الدولة وجميع مرافقها، ناهيكم عن شحّ الحريات المزمن .

كان إحراق البو عزيزي نفسه خاطفاً ومُتقناً، ففارق الحياة وسط حيرة ودهشة المجتمع السيدي بو زيدي بشكل خاص، والمجتمع التونسي بشكل عام، حيث انتشر الخبر مثل النار في الهشيم وشاع بسرعة خاطفة مثل البرق وأصبح بفضل العولمة، وهذا جزء من وجهها الإيجابي أمام وجهها المتوحش، على كل لسان وأمام كل ناظر بفعل التويتر والفيسبوك واليوتيوب والإنترنيت والمحطات الفضائية، فقد كان يكفي شرارة واحدة ليشتعل السهل كلّه، كما يقول ماوتسي تونغ .

كل شيء قبل هذا التاريخ بدا هادئاً، بل واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد كما يقال، فما أن حركتها ريح شديدة، حتى اشتعلت، ملتهمة كل ما حولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد والرفاه الزائف، لاسيما إذا كان من دون حريات .

ومن يرقب مسيرة تونس في السنوات العشرين ونيّف الأخيرة، ولاسيما منذ استلام زين العابدين بن علي الرئاسة، سيلحظ النقيضين: هدوء ظاهري ومستوى معيشي لا بأس به، وسلطة أقرب إلى الحداثة وحقوق المرأة مكفولة دستورياً في أحسن مستوى قانوني في الوطن العربي، وهي إنجازات تُحسب بشكل أساسي للرئيس الحبيب بورقيبة، الذي قاد تونس منذ الاستقلال وحتى أواخر الثمانينات رسمياً، ولكن من جهة أخرى كان البوليس السري بالمرصاد لكل من يتفوّه بكلمة ضد الرئيس وحاشيته أو يعارض النظام، كما كان القمع وشحّ الحريات والفساد المالي والإداري وتمركز السلطة جميعها بيد رئيس الدولة، الذي أصبح تدريجياً حاكماً متسلطاً لا يتورّع من القيام بكل شيء من دون مراعاة اللوائح الدولية لحقوق الانسان، فضلاً عن مخالفته لدستور البلاد ذاته .

ولعل تلك السمات تكرست تدريجياً في بنية الدولة التونسية التي لم تعرف منذ الاستقلال العام 1956 التداول السلمي للسلطة أو إجراء انتخابات حرّة أو نزيهة أو الاحتكام إلى قواعد الديمقراطية المعروفة، مثل سيادة القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء والمساءلة والشفافية، ناهيكم عن الحريات .

كان حادث إحراق البو عزيزي نفسه مؤثراً ودراماتيكياً لدرجة أنه لم يحرّك الشباب التونسي وحده، بل حرّك الشارع العربي، في إطار حملة تضامن ضد نظام بن علي، وبدأ الشباب باقتناص اللحظة الثورية بامتياز، فلو تأخرت، لكان من الممكن أن تتبدد أو تضيع فرصة تاريخية، ولو جرى الاستعجال بها أو تفجيرها قبل الآوان لكان يمكن أن تذوى أو تبذل، وحتى تنتحر أو تُنحر .

يوم 28 ديسمبر/ كانون الأول 2010 كتب الباحث والإعلامي التونسي الدكتور خالد شوكات، بنباهته أولاً وبقراءة دقيقة للواقع ثانياً، أن ما جرى في سيدي بو زيد وغيرها من المدن التونسية هو بطاقة صفراء للنظام . ولم يكن ينطلق في ذلك من مبالغات أو تهويل، بل من واقعية سياسية، كان يتلمسها خلال زيارته لتونس ناهيكم عن استشراف مستقبلي للأحداث . وقد فوجئ في اليوم التالي بوزير الإعلام السابق يتصل به معاتباً بالقول: إنها عبارة غير موفقة، أو إنها ليست في محلها .

ربما أراد شوكات أن يخفف بعض الشيء من ارتفاع سورة الغضب، وقد يكون في ذلك تنبيه للمعارضة والسلطة في آن، لاسيما أن ساعة الرحيل قد حلّت، فتاريخ ما بعد سيدي بو زيد هو غيره ما قبلها، وكان على الجميع أن يدرك ذلك، ولعل ما تعاملت به قوى الأمن مع المتظاهرين والمحتجين في تشييع جنازة البو عزيزي من قسوة، إنما كان بمثابة التعجيل بإنضاج اللحظة الثورية، ففي أجواء الاحتقان والحزن والرفض تنتقل جذوة الثورة بسرعة خاطفة مثلما تسري النار في كومة القش .

كان شوكات يدرك أن النظام ينتظر البطاقة الحمراء لمجرد وصول الثورة إلى العاصمة في 4 يناير/ كانون الثاني ،2011 ولعشرة أيام من الاحتجاج والمجابهة اضطر الرئيس السابق إلى الرحيل .

لقد ذهبت إلى تونس لألقي محاضرة حول “ الثورة التونسية والمشروع النهضوي العربي الجديد” بدعوة من “مؤسسة صالحة للتنمية والبيئة”، وقد قلت في بداية محاضرتي جئت لأتعلّم لا أعلّم، و”هل يُفتى ومالك في المدينة؟”، وكان بودي أن أستمع شخصياً إلى آراء الشباب وتطلعاتهم فقد كانوا بحق جمجمة الثورة وسواعدها وحطبها في الآن، وينبغي اليوم أن يكونوا زهورها وحماة حديقتها، ولعل أهل مكة أدرى بشعابها .

وكان كلامي لا يتعلق بالتفاصيل والحيثيات، لكنه قول في الدلالات والمعاني . وليس بوسع المرء، لاسيما الباحث، تقديم مخطط تفصيلي للثورات الناجزة وغير الناجزة، أو إعادة تبويب وأرشفة يوميات الأحداث فتلك مهمة الإعلامي مؤرخ اللحظة، حسب ألبير كامو، كما أن مهمة المؤرخ تتلخص في جمع وقراءة الأحداث وربطها ببعضها بعضاً، بما قبلها وبعدها، بما فيها الروايات المتباينة . أما مهمة المنشغل بقضايا الفكر فتتلخص بالوصول إلى الحقائق والسمات التي يمكن استخلاصها وبذلك يحدد المعاني والدلالات للحدث . وقد استهدفت من حديثي استكشاف العملية الثورية الجارية، بالتوقف عند مقدماتها والبحث في مساراتها والسعي للتعرّف إلى حقيقتها وخصائصها، ومن جهة ثانية دراسة التحديات والخيارات الصعبة التي أثارتها إزاء المستقبل، لاسيما التباسات بعض جوانبها وتداخلاتها مع بعض العوامل الخارجية .

لعل الانشغال بالدلالات والمعاني هو غير الاستغراق بالتفاصيل والأحداث، فالأول هو الذي يفضي إلى تراكم المعرفة، وهي فرصته أيضاً لقراءة التاريخ بوقائعه وأحداثه ليس ما يجري اليوم فحسب، بل في سياقاته التاريخية إذا جاز التعبير، بتضاريسها ومنعرجاتها، وستكون التفاصيل والوقائع بكل جوانبها في خدمة المعرفة وبكل فروعها، لاسيما في ظل انفتاح العالم اليوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات الحديثة .

من كان يتصور أن يبتدئ نهاره في تونس من دون أن تقع عيناه على صورة بن علي، سواء عبر التلفاز أو في صحيفة أو إعلان أو ملصق في الشارع أو غير ذلك، وإذا به يرحل في غضون أيام معدودات، ليس كما يغادر الناس العاديون مواقعهم الوظيفية أو يتقاعدون، بل غادر مكرهاً مع إشارات بالأصابع والأيادي والصوت والصورة إلى المنفى من دون عودة .

كلمة واحدة هي التي أطاحته: “إرحل”، هكذا صحونا من دون بن علي، ولعل الحدث كان أقرب إلى الكومتراجيديا، فبقدر كونه مفرحاً بإفراط، فإنه مؤلم إلى حدود كبيرة أيضاً، ففي العالم المتحضر حين يرحل الرئيس عبر صندوق الاقتراع أو حين تنتهي فترة ولايته، يتم ذلك باحتفال رسمي، باستلام وتسلّم المسؤولية .

أتذكّر قولاً أثيراً للفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل قبل ربع قرن حين قال لي: نريد رؤساء سابقين، يمشون في الشارع ويقودون سياراتهم ويتبضّعون ويعيشون مثلما يعيش الناس جميعاً في العالم المتقدم، فعسى أن نرى ذلك في جمهورية الياسمين وبحر الزيتون مستقبلاً .

 

ما بعد كركوك.. هل جنوب السودان نموذج؟!
 
 

كلما احتدمت مشكلة كركوك سياسياً أو ازداد التوتر فيها أمنياً، لاسيما حوادث الانفجار والاغتيال والخطف المتكررة، استذكرت مشكلة جنوب السودان التي تابعت تفاصيلها خصوصاً في السنوات الأخيرة.

وكنت قد سألت الرئيس البشير عام 2000: ما السبيل الذي تفكر الحكومة المركزية بانتهاجه بعد فشل الخيار العسكري؟ فأجاب: إذا لم يوافق الجنوبيون على الفدرالية والعيش المشترك، فليس أمامنا سوى الانفصال.

وأعدت عليه السؤال بأسلوب آخر قائلاً: هل لديكم خطة حول حق تقرير المصير، أو هل هناك مشروع جنوبي مطروح لدراسته بهذا الشأن؟ فأجابني حينها: "نحن مستعدون لكل الخيارات". وكنت أظن أن ما قاله في حوار متلفز أجري معه بمشاركة خمسة مثقفين عرب وعلى مدى ثلاث ساعات بثته ولعدة مرات كل من قناة المستقلة اللندنية والقناة السودانية، كان من باب الذهاب إلى أبعد نقطة لاستباق أي أسئلة أخرى حول هذا الموضوع.

وحين تقرر إجراء استفتاء شعبي لسكان الجنوب يوم 9 يناير/كانون الثاني 2011 وكانت نتائجه قد زادت على 98% لصالح الاستقلال (الانفصال) وتشكيل كيان جديد، حددت مهلته إلى 9 يوليو/تموز 2011 وهو ما حصل بالفعل, انتظرت رد فعل الرئيس البشير الذي تعامل بواقعية اضطرارية (مكره أخاك لا بطل) إزاء حدث خطير بل من أخطر ما مرّ على السودان منذ استقلاله عام 1956، وما إن حلّ الموعد حتى أقيمت على أرض السودان جمهوريتان بدلاً من واحدة، وانضمت إلى الأمم المتحدة جمهورية جديدة باسم جمهورية جنوب السودان.
وكنت قد أشرت إلى مشكلة جنوب السودان في بحثي حول تقرير المصير المقدم إلى مؤتمر الجزائر الذي عُقد بمناسبة الذكرى الخمسين لصدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتصفية الكولونيالية رقم 1514 يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 1960، وألمحت في نهايته من خلال بعض الإشارات عن الوضع في كردستان العراق.

وبعدها بنحو شهر ونصف ألقيت محاضرة في رابطة كاوا بأربيل في فبراير/شباط 2011 حول فكرة حق تقرير المصير، وتطرقت فيها إلى القرار 1514 وتداخلات المسألة الكردية إقليمياً.

وكما كانت مشكلة وجود الأصابع الأجنبية والأجندات الخارجية تثار في جنوب السودان، فإن المشكلة مطروحة بالنسبة للقضية الكردية أيضاً. وعلى الرغم من أن هذا الأمر ينطوي على شيء من الصحة، فإنه ليس صحيحاً بالكامل، فقضية الجنوب أو الكرد لم تعد مسألة داخلية ولا حتى إقليمية، لا سيما أن عامل التدويل أخذ له حيزاً قوياً فيها، خصوصاً في العقدين الأخيرين ونيف في ظل اختلال موازين القوى الدولية، وانحلال الكتلة الاشتراكية، وتصاعد دور الولايات المتحدة كلاعب أساسي في العلاقات الدولية.

أضف إلى ذلك أن القضية الكردية كمسألة قومية لها خصوصية، لا سيما ارتباطها بثلاث بلدان إقليمية هي إيران وتركيا وسوريا، التي واظبت على الاجتماع خلال تسعينيات القرن الماضي لاتخاذ مواقف موحدة إزاء تطورات القضية الكردية في العراق، خصوصاً بعد حرب قوات التحالف ضد العراق عام 1991 إثر غزو قواته للكويت.
من جهة أخرى، يتناسى الكثيرون بقاء قضية جنوب السودان دون حل منذ العام 1956 وفشل جميع الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول مقبولة لها، لا سيما وقد لجأت إلى الخيار العسكري، على الرغم من أن اتفاقية نيفاشا للعام 2005 كانت خطوة مهمة اعترفت من خلالها الأطراف المتنازعة -خاصة الحكومة المركزية والحركة الجنوبية- بفشل الحلول العنفية، وضرورة السعي للتوصل إلى حل سلمي يرضي الطرفين اللذين شهدا سنوات من الصراع المسلح والتداخل الخارجي الإقليمي والدولي، ناهيكم عن تدهور الوضع الإنساني، خصوصاً في ظروف ضعف أو انعدام الثقة، ولهذا فقد مال الميزان إلى رجحان كفة الانفصال "الاستقلال".

ولعل الأمر ذاته ينطبق على موضوع القضية الكردية في العراق، فكلما احتدمت الأزمة ازداد رصيد الخيار الانفصالي "الاستقلالي"، وإذا لم تتمكن الأطراف المتنازعة اليوم من إيجاد حلول عملية ممكنة لمشكلة كركوك، فإن هذا الخيار سيكون مطروحاً على نحو أشد.
لقد جربت الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 الحلول العسكرية، لكنها لم تستطع القضاء على الحركة الكردية أو منع الشعب الكردي من المطالبة بحقوقه العادلة والمشروعة، بما فيها حق تقرير المصير. كما لم تتمكن الثورة الكردية في الوقت نفسه من تحقيق أهدافها باللجوء إلى الخيارات المسلحة، حتى وإن كانت اضطراراً.

وكان الطرفان الحكومي والكردي غالباً ما يقيمان بينهما هدنة أو يضعان حلاً مؤقتاً أو شبه دائم، كما في اتفاقية (بيان) 11 مارس/آذار 1970 حيث تم الاعتراف بالحكم الذاتي للأكراد، وكان ذلك من أهم وأكثر الحلول الإيجابية بالنسبة للقضية الكردية حتى ذلك التاريخ.

لكن تلك الهدنات أو الحلول كثيراً ما كانت تنهار بسبب ضعف الثقة وانعدامها، فضلاً عن تأثير تداخلات الأجندات الخارجية والأصابع الدولية والإقليمية.

لعل التفكير والتبصر بما آل إليه وضع جنوب السودان، فضلاً عن اشتباك العامل الإقليمي والدولي بالعامل الداخلي، يحتاج إلى البحث عن سبل وحلول معقولة ومقبولة من الأطراف المختلفة بما في ذلك مساعدة الأمم المتحدة، لا بشأن كركوك فحسب، بل بشأن العلاقة بين الدولة الاتحادية والفدرالية الكردية، وبين الأولى وفدراليات أخرى مقترحة، ممكنة أو واقعية، وذلك كما ورد في الدستور الدائم رغم التحفظ حول الكثير من الألغام التي احتواها، لكن ذلك لا بد من أخذه بنظر الاعتبار، دون أن يعني ذلك الانخراط في فدراليات طائفية لأنها ستزيد الطين بلة.

ولكن فكرة فدراليات إدارية وجغرافية على أساس الأقاليم يتضمنها الدستور، بما يوزع الصلاحيات بين المركز والأطراف وبين الدولة الاتحادية والأقاليم الفدرالية، مع الاحتفاظ بأسس الوحدة العراقية وكيانية الدولة العراقية الموحدة، ذات الجيش الواحد والعملة الواحدة، والخطط الاقتصادية الكبرى الموحدة، وكذا العلاقات الدولية والتمثيل الدبلوماسي، في إطار سيادة وحدود وسلطة موحدة، ومراعاة شؤون الأقاليم واستقلالها في الإدارة والبلديات والتعليم والصحة والثقافة والبيئة والسياحة والرياضة والتجارة وجميع الشؤون ذات الطابع الخدمي والمحلي، مع التمثيل السياسي لحكومات وبرلمانات الأقاليم في إطار الدولة الاتحادية.
وإذا ما تحقق الأمر فلن تكون كركوك أو غيرها مما يطلق عليه اليوم "المناطق المتنازع عليها" خارج حدود العراق أو خارج سيادة الدولة العراقية الموحدة، وبالطبع لن تكون خارج إرادة شعب كركوك وخياراته الحرة بتمثيلاته القومية والدينية والسياسية المتنوعة، في أن ينضم إلى إقليم كردستان أو يشكّل إقليماً مستقلاً أو ينضم إلى القسم العربي من العراق إذا ما أصبح إقليماً أو إلى محافظة أو أكثر من المحافظات العربية المجاورة التي قد يرغب في الاتحاد معها، ولكن أولاً وقبل كل شيء تحقيق احترام حقوق الإنسان لشعب كركوك ومكوناته المختلفة وقناعاته وخياراته المستقلة دون إكراه.

ولعل ذلك يتطلب أيضاً تعويض المهجرين وإعادة من يريد العودة إلى مناطق سكناه من الذين قدموا إلى كركوك أو من رُحّلوا عنها، بكل حرية. وأعتقد أن جوهر المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، التي تم ترحيلها إلى المادة 140 والتي كان من المقرر تنفيذها خلال الفترة الماضية، تصب في هذا الاتجاه.

يتراءى لي أنه كلما استمر وضع كركوك والمناطق التي لم تحسم موقعها إدارياً وبقيت على حالها، كلما تفاقم الأمر وازدادت معاناة السكان، وقد يصبح العيش المشترك صعباً أو مستحيلاً، وعندها سيتم اللجوء مجدداً إلى خيارات غير سلمية رغم تأكيد الجميع تجنبها، لكن ضغط الواقع قد يقود إليها، وإذا ما حصل ذلك فإن ضرراً بليغاً سيلحق العلاقات العربية الكردية، والعلاقات الكردية التركمانية، ولعله مع تصاعد وتيرة التوتر وطول فترة الانتظار والتربص، يدخل الإرهابيون على الخط ليزيدوا من خلط الأوراق ودفع العناصر المتطرفة لدى جميع الفرقاء لكي تبرر عدم الثقة والقطيعة وممارسة أعمال العنف.

ما يحصل في كركوك أو إزاء الكرد أو التركمان جزء من مشكلة التنوع الثقافي وأكثر منه التعددية الثقافية، ولا أقول بمصطلح الأقليات لأنه حسب تقديري يحتوي ضمنياً على نوع من الاستصغار وعدم المساواة رغم إعلان الأمم المتحدة عام 1992 "حقوق الأقليات"، وكذلك صدور إعلان حقوق الشعوب الأصلية عن الجمعية العامة عام 2007، بالإضافة إلى حقوق "الأقليات" المهاجرة.
أقول ذلك بعد متابعتي للتعددية الثقافية من منظور غربي ومقارنته مع المنظور السائد في المنطقة، إذ لم ألحظ في الغرب أي اتجاه حالي يثير الارتياب في أقلياته كما كان في الماضي، وكما هو عندنا اليوم، مصدراً للحروب والنزاعات والشك أو عدم الأمان الجيوسياسي، حيث الخوف من الجيران الأعداء وامتداداتهم (الأقليات) للاعتقاد السائد بتواطئها أو احتمال أن تصبح طابوراً خامساً.

اطلعت مؤخراً على كتاب مهم صدر عام 2009 لمؤلفه ويل كيميليكا وترجمه إمام عبد الفتاح إمام، وهو بعنوان "أوديسا التعددية الثقافية"، يذكر فيه "أن مشكلة الأقليات في الغرب هي من تراث الماضي، لأن الأنظمة الديمقراطية في الغرب لا أعداء لها من الجيران"، وأشدد هنا على قوله "من الجيران"، ويضيف "ومن الصعب أن نفكر في نظام غربي واحد تخشى فيه الدولة من الأقلية القومية أو جماعة السكان الأصليين في أن تتعاون أو تتواطأ مع عدو مجاور أو معتد محتمل"، فهذا حسب رأيه لا وجود له.

ولعل هذا الاستنتاج المثير يحتاج إلى التأمل والتفكير عند بحث العلاقات الدولية في منطقتنا المملوءة بالصراعات والاحتدامات، والنفط مصدر أساسي لها، ناهيكم عن وجود "إسرائيل" كبؤرة توتر وعدوان دائم، فهل ستكون "الأقليات" في ظل سياسات التنكر للحقوق وعدم الاعتراف بها بعيدة عن تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة؟

إذا كان وجود حلف الناتو عامل استقرار لتنظيم العلاقة بين أعضائه ومنع التغوّل من دولة على أخرى أو احتلال جزء من أراضيها أو الاستعانة بالأقليات، فإن مثل هذا الوضع غير متوفر في منطقتنا ولا يمكن مقارنتها بأي شكل من الأشكال بالغرب الذي أعاد التعددية الثقافية إلى جذرها الداخلي وقطع إلى حدود كبيرة خيط التدخل الخارجي.

وحتى يتحقق نظام جديد لعلاقات دول وشعوب المنطقة، فعلينا التفكير بواقعية والتساؤل: هل سيبقى جنوب السودان المستقل حليفاً للسودان وللعرب، أم أن خيطاً إسرائيلياً بدأ يُحاك في إطار علاقاته الجديدة؟ لكن مثل هذا قد يضره ويضر العرب بالتأكيد. وهل سنرى الكرد حلفاء للعرب ومدافعين عن دولهم في العراق وإيران وتركيا وسوريا، لا سيما إذا تمكنوا من الحصول على حقهم في تقرير المصير -بالاتحاد أو الاستقلال- في إطار مواطنة حرة ومتساوية -غير ناقصة أو مبتورة أو من الدرجة الثانية-، وطبقاً لخيار ديمقراطي؟

وإذا رغب العرب والكرد والتركمان وغيرهم من المكونات القومية والدينية والسياسية والفكرية في العيش المشترك، فلا بد من البحث عن معالجة هادئة لمشكلة كركوك قبل أن تتفاقم وتنفجر!!

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (698)   25/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 

التزوير «القانوني» وكاتم الصوت العراقي

 

ولا بدّ من جرد وتدقيق الشهادات من جهة وكذلك استخدام الألقاب المزوّرة، فقسم من الشهادات لم تستوفِ الشروط الدراسية بما فيها للبلد المانح، والقسم الآخر من جامعات غير معترف بها، وقسم منها بواسطة علاقات خاصة ولحسابات سياسية حتى وإن كانت غير منظورة، إذ غالباً ما يتم غض الطرف عن الشهادات الجامعية الأولية أو شهادات الثانوية أو الحضور أو الدوام، أو احتساب بضعة أبحاث لا قيمة لها أحياناً مقابل منح دكتوراه.

> اغتيل الدكتور داود سلمان رحيم مدير عام تصديق الشهادات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الاغتيال حصل في بغداد صباح يوم الأحد 31 تموز (يوليو) الماضي وبواسطة مسدس كاتم صوت، وهو الأداة التي كثرت ضحاياها في الأشهر الأخيرة الماضية. وعلى الرغم من أن قناة العراقية (الرسمية) كانت قد عرضت مجموعة من المتهمين بالقتل بواسطة كاتم الصوت، في وقت سابق، وعلّقت على الصورة ـــ الخبر: إن حوادث الاغتيال بواسطة كاتم الصوت ستختفي، علماً بأنها نسبت الجناة

إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، لكن حوادث الاغتيال لم تتوقف، فقبل فترة قصيرة اغتيل عميد كلية طب الجامعو المستنصرية، وبُعيد ذلك جرت محاولة اغتيال لأحد أساتذة كلية الطب البيطري، وهكذا.

وتردد أن بعض أسباب حوادث الاغتيال تعود إلى تزوير الشهادات، تلك الظاهرة التي استشرت على نحو مريع بعد الاحتلال عام 2003، وقيل إن اغتيال الدكتور داود سلمان رحيم ليس بعيداً عن ذلك، فقد طُلب منه من جانب جهات متنفّذة في العملية السياسية، المصادقة على شهادات خريجي المدارس الدينية والحوزة العلمية، واعتبارها معادلة للشهادات الأكاديمية، ولكنه اعتذر عن ذلك وطلب تعليمات رسمية تحريرية من مرجعه الرسمي، وإذا به يتعرّض للتفتيش في منزله ويُسأل عن البطاقة التموينية ورقم سيارته في إجراء استفزازي. ونُقل عنه أنه شعر باستهداف غامض إزاءه، وفسّره بموقفه من موضوع معادلة الشهادات.

وسواءً صحّت هذه الرواية أو لم تصح فلم تنكشف صورة ما حدث، لا سيما من جانب وزارة التعليم العالي، فقد تعرّض الأكاديميون والعلماء العراقيون لعملية تصفية منظمة وغير منظمة، في مسلسل بدأ منذ أكثر من ثماني سنوات ولم يتوقف حتى الآن، خاصة وقد شهد العراق حوادث اغتيال بالجملة، ناهيكم عن هجرة الكثير من العقول الأكاديمية والأدمغة المفكّرة إلى الخارج، خصوصاً خلال موجة التطهير الطائفية عام 2006. ومنذ مطلع عام 2004 اغتيل الدكتور عبد اللطيف الميّاح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لتكرّ المسبحة ويتساقط العشرات من الأكاديميين والعلماء والأساتذة الجامعيين. وقد نقلت صحيفة الإنديبندنت البريطانية أن هناك أكثر من 200 عالم وأكاديمي عراقي تم تصفيتهم ما بعد الاحتلال، وهو ما وثقه الباحث في محاضرة ألقاها في بيروت في 12 كانون الثاني (يناير) عام 2005 ونشرتها كاملة مجلة "المستقبل العربي"، التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، في عددها لأيار (مايو) 2005، وعاد الباحث على مدى الأعوام الماضية إلى مناقشة موضوع استهداف الأكاديميين أكثر من مرّة وأمام جهات عربية ودولية، ثقافية وحقوقية.

وكانت رابطة التدريسيين الجامعيين برئاسة الدكتور عصام الراوي قد عملت على توثيق الاغتيالات وتصنيف اختصاصات الضحايا وفروعهم وأماكن عملهم وتواريخ اغتيالهم، وزاد الرقم عن 350 أكاديمياً وعالماً، ولم يدر بخلد الدكتور الراوي أن اسمه سيكون ضمن القائمة التي عمل على توثيقها وتقديمها إلى الهيئات العلمية والثقافية، وخصوصاً إلى منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، كما طالب المجتمع الدولي، فضلاً عن الحكومة العراقية، بتحمّل مسؤولياتهما إزاء العلماء والأكاديميين العراقيين.

لعل التلاعب والهدر في هذه الثروة العلمية هو أحد أسباب احتلال العراق، لكن التعليم العالي في العراق انحدر منذ عقود من الزمان لأسباب داخلية أيضاً، وهي أسباب سياسية بالدرجة الأساسية ومحاولة توظيفه بما يخدم توجّه الجهات السياسية السائدة. وعلى الرغم من اتساعه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958 وتعيين العالم عبد الجبار عبد الله، الصابئي الديانة رئيساً لجامعة بغداد، إلاّ أن الثورة حملت سلبياتها معها للتعليم العالي، وقد ارتبط ذلك بما سمّي بـ "قانون الزحف" أي إنجاح من كانوا قد رسبوا في سنة الثورة بقانون غريب، بانتقالهم إلى الصف الأعلى، الأمر الذي مكّن العشرات بل المئات منهم من الانخراط في الجامعات دون مؤهلات علمية، بل إن مؤهلاتهم لا تمنحهم "الأهلية" للانتساب إلى الجامعات، لأنهم لم يتجاوزوا الامتحانات النهائية (البكالوريا) أو أنهم كانوا مكملين بدرس أو درسين.

وفتحت الثورة الباب على مصراعيه لتدخل "الواسطة" في القبول بناءً على تزكيات سياسية وحزبية، وإن كانت المسألة محدودة وخجولة، لكن الأمر اتسع لاحقاً وعلى نحو كبير بعد عام 1968 يوم وصل حزب البعث إلى السلطة مرّة ثانية. وفي المرّة الأولى عام 1963 تم فصل العشرات من الأساتذة الأكفاء أو سحبت أياديهم من الوظيفة أو منعوا من التدريس لأسباب سياسية، بمن فيهم رئيس الجامعة العالم عبد الجبار عبد الله الذي اعتقل وأهين واضطر لاحقاً إلى مغادرة العراق ليستقر في الولايات المتحدة، وفي عام 1963 أيضاً تم سرقة أسئلة البكالوريا (الصف المنتهي للثانوية ـــ الإعدادية) وقيل إنه تم تسريبها للمقربين، الأمر الذي أغرق الجامعة بطلبة غير مستوفين الشروط القانونية.

وإذا كانت سلطة عام 1968 قد أنعشت التوجه الأكاديمي والبحث العلمي، لا سيما في السنوات الأولى، لكنها عادت وضيّقت من هذه القاعدة، بل تحوّلت إلى نقيضها عندما نظمت عملية تبعيث الجامعات والمؤسسات الأكاديمية منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، ونحّي عشرات الأساتذة الأكفاء من الشيوعيين واليساريين والناصريين ولاحقاً من الإسلاميين وغيرهم ومقابل ذلك جرت عمليات إكراه منظمة لانضمام غالبية الأساتذة إلى الحزب الحاكم، خصوصاً بحصر القبول والدراسات العليا والمنح والزمالات الدراسية والإيفادات وغيرها بيده، وأُقفلت بعض الكليات على الاتجاه السياسي السائد، خصوصاً كليات التربية والتربية الرياضية وأكاديمية الفنون ومعهد الفنون وغيرها، أي تم احتكار القبول فيها للجهة السياسية المتسيّدة. وأرسل الحزب الحاكم بتوجيه أو دون توجيه كجزء من المكانة الاجتماعية والمنزلة الوظيفية الكثير من أعضاء الأجهزة الأمنية والعسكرية والخاصة والملاكات الحزبية إلى الجامعات، حيث أعفوا من شروط القبول، بل أن بعض الأساتذة هو من قام بكتابة أطروحات لبعض المسؤولين أو أبنائهم الذين منحوا درجات امتياز دون وجه حق، أو اعتبار للمعايير الأكاديمية.

وابتُدعت مسألة الدرجات المضافة لأبناء أصدقاء الرئيس لإعطاء أولوية لاختيار الكليات التي يرغبون فيها، وغير ذلك من الاعتبارات التي أضعفت التوجهات الأكاديمية، لا سيما خلال الحرب العراقية ـــ الإيرانية 1980 ـــ 1988، وكذلك فترة الحصار الدولي الجائر 1991 ــ 2003 للاعتبارات السياسية والحزبية والطائفية والجهوية وكدليل على الاستخفاف بالتعليم العالي فقد نصّب حسين كامل وزيراً للتعليم العالي، وإن كان لفترة محدودة وهو نائب العريف شبه الأمي وذلك حين أصبح الولاء السياسي وليس الكفاءة هو الأساس في الحكم.

وعلى الرغم من تنحية قسم كبير من الأساتذة الأكفاء، لكن ذلك لا يعني أن مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي خلت منهم، وهو ما تم استكماله ما بعد الاحتلال بتنحية أعداد كبيرة لسباب سياسية أيضاً وكذلك لاختلاط الأمر بالورقة الطائفية والإثنية التي صعدت على نحو مرتفع بفعل نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي.

وإذا كان المجتمع الأكاديمي في حاجة إلى إصلاح بعد فترات من الحروب والحصار والاستبداد والاحتلال، فإن حمّى الصراع السياسي والطائفي امتدّت إلى الحرم الجامعي في الكثير من المرّات، بدلاً من الحوار والمناظرة والاجتهاد، بل ساد نوع من الإكراه، لا سيما في فرض الحجاب أو منع الاختلاط أو المضايقة عليه أو استهداف المسيحيين أو غير ذلك، وهناك العشرات من الأمثلة الصارخة.

وترافقت عمليات اغتيال واستهداف الأكاديميين مع ظاهرة تزوير الشهادات، ولكن الغريب في الأمر بدلاً من معالجة الظاهرة وملاحقة المرتكبين تردد أخيرا أن في نيّة مجلس النواب إصدار قانون للعفو عن أصحاب الشهادات المزوّرة التي تم اكتشافها. وبتقديري أن هذا الإجراء يعطي للتزوير بُعداً قانونياً حتى وإن تم الاعتراف أنه تزوير، فكيف يمكن الإفلات من العقاب، علماً أن التزوير هو جريمة يحاسب عليها القانون وتتطلب إنزال العقوبات الصارمة بمن يرتكبها، خصوصاً وهو ارتكاب مع سبق الإصرار والترصّد إذا جاز التعبير.

ولعل جريمة التزوير من الخطورة بمكان، فهي لا تتعلق بعمل ارتكب فحسب، بل إن تأثيره سيبقى مستمراً على الجيل الجديد، فضلاً عن الجيل الحاضر، ناهيكم عن سرقة جهد ومثابرة من حصل على الشهادات باستحقاقه وأهليته، "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" كما ورد في القرآن الكريم. ولا بدّ من جرد وتدقيق الشهادات من جهة وكذلك استخدام الألقاب المزوّرة، فقسم من الشهادات لم تستوفِ الشروط الدراسية بما فيها للبلد المانح، والقسم الآخر من جامعات غير معترف بها، وقسم منها بواسطة علاقات خاصة ولحسابات سياسية حتى وإن كانت غير منظورة، إذ غالباً ما يتم غض الطرف عن الشهادات الجامعية الأولية أو شهادات الثانوية أو الحضور أو الدوام، أو احتساب بضعة أبحاث لا قيمة لها أحياناً مقابل منح دكتوراه، ناهيكم عن جامعات تم تأسيسها لحسابات سياسية أو دينية أو مذهبية.

لقد حمل الوضع الجديد في العراق ما بعد الاحتلال أمراضه معه، لا سيما وقد سال لعاب الكثيرين ممن يريد أن يصبح وزيراً أو نائباً أو سفيراً أو مستشاراً أو من أصحاب الدرجات الخاصة، أو غير ذلك، واستسهل البعض انتحال صفة أو استخدام لقب أو حتى تزوير شهادة أو الحصول على شهادة دون المستوى المطلوب من الجهد العلمي، ولعل ذلك ما يفسر وجود نحو 2500 شهادة مزورة تم الاعتراف بها، غالبيتها الساحقة من المقربين للحكومة وأنصارها أو منافسيها.

رحم الله الروائي والصحافي العراقي الساخر شمران الياسري " أبو كَاطع" حين كتب مقالة ووضع أمام اسمه حرف (د.) أي "دكتور" وعندما سُئل قال: بلابوش دنيا: فلاّح ودكتور على عناد الميرضة (الذي لا يرغب) وكان في ذلك جزء من الرد الساخر على الكثرة التي حملت الدكتوراه دون مؤهلات كافية فعسى أن نتفكر في رد الاعتبار للتعليم والبحث العلمي الذي شهدت سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي في العراق ازدهاره.

صحيفة الاقتصادية السعودية، العدد رقم 6521، الجمعة 19/8/2011

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (395)   21/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
دولة فلسطين واعتراف الأمم المتحدة
 

 

 

 

 

 أثارت الانتفاضة الفلسطينية (أواخر العام 1987) والتي استمرت الى العام 1993 قضية إعلان الاستقلال والاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود العام ،1967 وتوصلت منظمة التحرير الفلسطينية (م .ت  .ف) الى بلورة هذا الموقف في اجتماعات المجلس الوطني (الدورة التاسعة عشرة الطارئة) في الجزائر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني ،1988 وذلك بصيغة قانونية أطلقت عليها “إعلان الاستقلال”، وخلال فترة قصيرة اعترفت بالدولة الفلسطينية واستقلالها ما يزيد على100 دولة .

 

 وجاء في إعلان الاستقلال “ . . . واستناداً إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات أجياله المتعاقبة دفاعاً عن حرية وطنهم واستقلاله وانطلاقاً من قرارات القمم العربية ومن قوة الشرعية الدولية فإن المجلس الوطني يعلن قيام دولة فلسطين فوق أرضنا وعاصمتها القدس الشريف” .

 

 وإذا كان إعلان الاستقلال قد ترافق مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية فإن ذلك سلّط الضوء مجدداً على الانتهاكات الخطيرة والجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني، مما حدا بالدورة الخامسة والأربعين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إصدار قرار يدين “إسرائيل” لخرقها المستمر لحقوق الإنسان ولاتفاقيات جنيف لعام 1949 المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، باعتبارها تشكّل “جرماً مخلا بسلم الإنسانية” و”خرقاً لمبادئ القانون الدولي” فضلاً عن كونها “جرائم حرب” .

 

 إن إعلان ولادة الدولة الفلسطينية في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 ترافق أيضاً مع صدور ثلاثة قرارات دولية مهمة من مجلس الأمن هي القرارات رقم 605 و607 و608 التي اعترفت بكون الأراضي الفلسطينية (التي تحت الاحتلال “الإسرائيلي”) أراضي محتلة، الأمر الذي يطرح مستقبلها السياسي، خصوصاً ما أعلنته م .ت .ف مؤخراً من رغبتها في التقدّم بطلب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967 كدولة عضو في الأمم المتحدة، وهكذا يصبح مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة والقسم الشرقي من القدس (المحتل عام 1967 والذي أعلنت “إسرائيل” ضمّه اليها بموجب قرار الكنيست عام 1980) موضوع إشكال جديد في ما يتعلق بالحدود الجغرافية للدولة الفلسطينية التي يفترض أن تعترف بها الأمم المتحدة .

 

 وكان رد فعل واشنطن الأولي أن هددت بإحباط هذا المسعى، أما “إسرائيل” فقد لوّحت باتخاذ عقوبات ضد السلطة الفلسطينية، ولم تظهر ردود فعل مغايرة للتوجهات “الإسرائيلية” - الأمريكية أوروبياً، في حين لا زال التحرك العربي والإسلامي “بارداً” إزاء ما تنوي م .ت .ف القيام به في معركتها الدبلوماسية لنيل اعتراف الأمم المتحدة .

 

 وبغض النظر عن التأثير المباشر أو غير المباشر للحصول على الاعتراف القانوني الكامل  De Jure  من جانب الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، فإن ثمة عقبات قانونية تحاول “إسرائيل” زرعها أمام التحرك الفلسطيني . ولعل العقبة الأولى التي تتعكز عليها “إسرائيل” أن الضفة الغربية كانت تحت الهيمنة الأردنية وأن قطاع غزة كان تحت السيطرة المصرية، وأن “إسرائيل” دفاعاً عن النفس اكتسبت هذه الأراضي، وهو ما تذهب إليه المدرسة “الإسرائيلية” الصهيونية .

 

ولا تحتاج هذه الفرضية غير القانونية الى عناء كثير لدحضها، فالأراضي الفلسطينية لم تكن قفراً (أي أرض بلا شعب) كما أن الوجود الأردني أو المصري في أراض فلسطينية عربية، لم يكن تجاوزاً لقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 (عدا ما حصل في القدس) ولعل قول “إسرائيل” إنها اكتسبت هذه الأراضي في حرب دفاعية لا يجد له سنداً في القانون الدولي، على حد تعبير الدكتور أنيس فوزي القاسم، حيث لا يمكن اكتساب الأراضي بالقوة، وهذه قاعدة قامت عليها الأمم المتحدة واستند إليها ميثاقها .

 

أما العقبة الثانية التي تتعكز عليها “إسرائيل” فهي “أل” التعريف والخلاف الذي ثار حول انسحاب “إسرائيل” من “أراض محتلة” وليس “الأراضي المحتلة”، وهناك خلاف بين النص الانجليزي والنصوص الفرنسية والإسبانية والروسية والصينية حول “أل” التعريف، علماً بأن لهذه النصوص الحجية القانونية نفسها، باعتبارها لغات رسمية ومعتمدة في الأمم المتحدة، ولهذا فإن القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن في حزيران/يونيو 1967 ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يجيز اكتساب أراضي الغير بالقوة، وهو ما ذهبت إليه القرارات الثلاثة المشار اليها، فضلاً عن قرار محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في عام 2004 بشأن مسألة “جدار الفصل العنصري” حين أكدت المحكمة أن “الأراضي الفلسطينية المحتلة” هي تلك الواقعة بين خط الهدنة لعام 1949 وحدود فلسطين التاريخية من الناحية الشرقية .

 

 وإذا كانت الفرضيات “الإسرائيلية” غير قانونية ولا تنسجم مع قواعد القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة، ناهيكم عن تطورات فقه القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، فإن طلب التقدّم لعضوية الأمم المتحدة تواجهه عقبات من نوع آخر وإن كان ينسجم مع مبدأ حق تقرير المصير وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تصفية الكولونيالية رقم 1514 لعام  1960 .

 

العقبة الأولى هي احتمال اصطدام الطلب بالفيتو الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي، ولهذا فإن الفشل قد يصيبه . أما العقبة الثانية فتتعلق بالإجراءات “الإسرائيلية” ضد السلطة الفلسطينية لمنعها من تحقيق أي نجاح حتى وإن كان إجرائياً أو شكلياً، وللسبب ذاته فقد شنت حملة شعواء ضد تقرير غولدستون، بل وأجبرته لاحقاً على التخلي عنه، على الرغم من أن ذلك لا يغيّر شيئاً في حقيقة إدانة انتهاكات “إسرائيل” لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان الفلسطيني، وخصوصاً حربها المفتوحة ضد غزة والتي دامت 22 يوماً وفرضها حصاراً جائراً ضدها منذ ما يقارب أربع سنوات .

 

 وبغض النظر مرّة أخرى عن آفاق قبول أو عدم قبول دولة فلسطين في الأمم المتحدة، فإن الإشكالات الأساسية ستبقى من دون حل، سواءً قضية اللاجئين والمستوطنات أو الحدود والقدس والمياه، والأهم من ذلك كلّه هو اتفاقيات أوسلو التي مضى على توقيعها ما يقارب 20 عاماً ووصلت الى طريق مسدود منذ ما أطلق عليه مفاوضات الحل النهائي في العام ،1999 الأمر الذي كان سبباً أساسياً في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 أيلول (سبتمبر) العام 2000 .

 

 وطالما استمر الموقف “الإسرائيلي” العدواني من دون أية حلحلة، ومعه الموقف الأمريكي الذي بدا أكثر تشدّداً بشروط الرئيس أوباما الفلسطينية، فإن الرهان على عضوية الأمم المتحدة لن يغيّر شيئاً على الرغم من الحديث عن العودة الى حدود العام ،1967 وهذه الشروط هي: الشرط الأول الاعتراف ب “إسرائيل” كدولة يهودية “نقية” والشرط الثاني رفض الاتفاق بين فتح وحماس والشرط الثالث هو عدم السماح بانتقاد “إسرائيل” في المحافل الدولية، وهي شروط غريبة وتعبّر عن انحياز مع سبق الإصرار ل “إسرائيل”، التي يريد الرئيس أوباما من المفاوض الفلسطيني الجلوس معها على طاولة المفاوضات، وهي المواقف التي سيتم التعبير عنها عندما يتم عرض موضوع قبول دولة فلسطين في الأمم المتحدة .

 

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية، الاربعاء 10/8/2011

 
 
 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (389)   15/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
 

الربيع العربي واستنساخ التجارب!

 

عبد الحسين شعبان

لا ثورة تشبه أخرى ولا شعب يشبه شعباً آخر، وإن كان هناك مشتركات بين الشعوب والمجتمعات، لكن لكل منها خصوصيتها، التي لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند الحديث عن تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ولعل هذه المسألة تكاد تكون مطروحة على نحو شديد فيما يتعلق بالربيع العربي والانتفاضات الشعبية، وإذا كان ثمة تأثيرات وتفاعلات وانعكاسات بين التجارب المختلفة، لا سيما الكبير منها وخصوصاً الناجح فيها، إلا أن لكل تجربة نكهة خاصة ومذاقا مختلفا، بحكم التطور التاريخي واصطفافات القوى والطبقات الاجتماعية والدينية والإثنية وتنوّع الفعاليات والأنشطة السياسية والفكرية، ناهيكم عن المشكلات المتراكمة.

يمكن القول إن الجامع للتطورات الشعبية وأسبابها يتلخّص في شح الحريات وهدر الكرامة الإنسانية لأنظمة استبدادية، ناهيكم عن استشراء الفساد المالي والإداري. إنها باختصار اختلال وسوء علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث تغيب أية فسحة للمحكومين لاختيار الحاكم واستبداله على نحو دوري، حر ونزيه، الأمر الذي جعل الأنظمة تترهل وتشيخ وتفقد أية حيوية أو فاعلية سياسية أو اجتماعية، مما راكم الشعور بالاستلاب والغبن وفقدان الحقوق، بل والتجاوز على أبسطها.

إن عملية تقليد أو تكرار نموذج ما ستكون تشويهاً للنموذج أولاً، مثلما هي زرع بذرة في بيئة غير صالحة ليس بإمكانها النمو وإن حصل لحين، فلعل المستقبل يكون محفوفاً بالمخاطر، وقد يضيع معه الزمن والجهد والموارد دون طائل أو جدوى تذكر.

حاولت الثورات الاشتراكية السير في هدى الثورة الروسية الاكتوبرية، وقامت باستنساخ التجربة، لكنها وصلت بعد حين إلى طريق مسدود، مثلما كانت التجربة الأصل تعاني من تحديات ومشكلات انعكست على التجارب الفرعية الأخرى، كما حاولت بلدان ما أطلقنا عليه "التحرر الوطني" إعادة استنساخ أو تقليد التجارب الاشتراكية، لكنها هي الأخرى انهارت، لا سيما عندما انهار النموذج الأصل، الأمر الذي لا بدّ من أخذه في الاعتبار، وحاولت بعض البلدان العربية تقليد نموذج الثورة المصرية الناصرية وتجربتها السياسية، لكنها في واقع الحال كانت عبارة عن تشويهات لتجربة لها خصوصيتها ولها مشكلاتها وتحدياتها، وإذا كانت لم تفقس بيضة التجارب الأولى، فما بالك بالتجارب اللاحقة الصغيرة.

لكن قراءة التجارب العالمية والعربية واستلهام دروسها وعبرها أمر ضروري لتحصين التجارب الخاصة دون انغلاق، مثلما هو دون تقليد أعمى أو استنساخ مشوه، والأمر يتطلب عقدا جديدا لكل مجتمع بين القوى والفعاليات المؤثرة، لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم، ومن جهة أخرى لوضع قواعد قيمية قد يكون بعضها ما فوق دستوري، وقد يندرج بعضها في الدستور يتم فيه تأكيد واحترام القيم والقواعد دون لبس أو غموض، وهي قواعد لا يمكن استبدالها أو اللعب بها، باسم الأغلبية أو المظلومية أو قرارات البرلمان أو غير ذلك، لأن أي إخلال بها سيمس النظام الديمقراطي ومحتواه ويؤثر في سير عمله ومستقبله، ولهذا تضع بعض الدساتير مواد جامدة لا يمكن تغييرها أو استبدالها بسهولة إلا ضمن ضوابط معقدة وفترات زمنية قد تطول وتوافقات تكاد تقترب من الإجماع أحياناً، لكيلا تلجأ إحدى القوى إلى العبث بالدستور أو استخدامه لتحقيق أغراضها الأيديولوجية أو توجهها الفكري أو الديني أو الطائفي أو الفئوي.

وبقدر احترام الخصوصيات والتمسك بها، فالأمر يحتاج إلى الاطلاع على التجارب ودراستها، ولعل شباب وقوى الربيع العربي، في حاجة إلى مثل هذه التجارب، لاستكمال تصوراتهم حول العقد الاجتماعي الجديد في كل مجتمع، ناهيكم عن طبيعة التغيير والتحوّل الديمقراطي المنشود.

اطلعت أخيرا على تجربة مهمة، كنت قد عشت بعض فصولها، وأعني بذلك التجربة التشيكية، فيوم حصل الانعطاف باتجاه التحوّل الديمقراطي كنت في براغ وقد احتشدت الجماهير المحتقنة على مدى عقود من الزمان، لترفع أبسط الشعارات وأكثرها عمقاً في الوقت نفسه: نريد حواراً، نطالب بالتعددية، نريد حرية، وكانت هذه الشعارات كافية لتطلق العنان لقوى وجماهير ظلّت صامتة لسنوات طويلة لتتحرك وتنزل إلى الميدان ويضطر معها الحاكم إلى الرضوخ.

الكتاب الذي اطلعت عليه بعنوان "التجربة التشيكية" في التحوّل الديمقراطي" أعادني إلى عقدين ونيف من الزمان، حيث كان من المؤمل أن تنتقل انتفاضات أوروبا الشرقية إلى دول جنوب البحر المتوسط، لكنه للأسف لم يحصل ذلك بسبب المصالح الدولية ووجود إسرائيل والنفط اللذين كانا ولا يزالان العنصر الأكثر إثارة في معادلات التغيير، لا سيما في ظل التداخلات الخارجية ومحاولات القوى المتنفذة في العلاقات الدولية، استثمار ذلك لصالحها بعد أن فوجئت بما حصل في تونس ومصر، وخصوصاً سرعة انهيار النظامين.

ضم الكتاب آراء خبراء ومسؤولين تشيك سابقين، شرحوا كيفية الانتقال الديمقراطي والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإعادة تشكيل الحياة السياسية التعددية وذات التنوّع الثقافي واعتبار صندوق الاقتراع هو الحكم، وهو فيصل الشرعية الدستورية، وتوضّح التجربة التنازلات المتبادلة التي قدّمتها القوى السياسية بعضها للبعض الآخر للتوصل إلى توافقات وإجراء انتخابات حرة وتهيئة المستلزمات للتحوّل الديمقراطي، ثم حصل الانفصال المخملي بين التشيك والسلوفاك في الأول من كانون الثاني (يناير) 1993. ويشرح الكتاب النجاحات والإخفاقات في الميدان الاقتصادي، لا سيما الخصخصة، ونشوء مظاهر جديدة للفساد بعد انهيار النظام الشمولي السابق، لكن وجود مساءلة وشفافية حدّ منه على نحو كبير. كما يعرض الكتاب تجربة التعامل مع النخب السياسية الحاكمة سابقاً وكيفية تمتعها بحقوقها دون عزل أو إلغاء أو إقصاء، بما فيها إعادة بعض ممتلكاتها إليها، على الرغم من تجريم بعض رموز النظام السابق وتأكيد عدم قانونيته ولا شرعيته، لكن ذلك لم يمنع من وجود ممثلين عن الحزب الشيوعي السابق في البرلمان، لا سيما وقد تم انتخابهم.

ويعرض الكتاب مقارنة بين التجربة التشيكية والألمانية (الديمقراطية) في ملاحقة المرتكبين وفي سياسة ما يطلق عليه "العدل العقابي" على ارتكابات الماضي ويشير إلى أن أول وأهم تغيير بدأ من الدستور التشيكي حين تم إلغاء الفقرة الخاصة بالدور القيادي للحزب الشيوعي في المجتمع، وذلك حين صوّت البرلمان المنتخب على حذفها، وكانت نحو عشرة موضوعات قد تم استبدالها في الدستور التشيكي تمهيداً لأول انتخابات عام 1990، ولعل هذه التغييرات كانت ضرورية لوضع لبنات عقد اجتماعي جديد، وقد تمت على نحو تدرّجي تمهيداً لوضع قوانين ديمقراطية بدلاً عنها، خصوصاً ما يتعلق بحرية التعبير وحق التنظيم والحق في المشاركة.

إن دراسة التجارب العربية والعالمية والاطلاع على نقاط قوتها ونقاط ضعفها أمر ضروري لأية تجربة سياسية جديدة، لكن ذلك لا يعني استنساخ التجربة أو تقليدها، بل الاستفادة من الخبرة العامة المتراكمة بمراعاة الخصوصية والتطور التاريخي لكل بلد في إطار القيم والمثل والمشترك الإنساني، سواءً كانت هذه التجربة عربية أو أجنبية.

 

 

صحيفة الاقتصادية السعودية ، العدد رقم 6507، الجمعة 5/7/2011

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (682)  06 /08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
 

في نظرية التفكيك العراقية!

 

دعا سامي العسكري، مستشار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إلى تفكيك القائمة العراقية، وكذلك تفكيك الائتلاف الوطني العراقي، الذي يضم ائتلاف دولة القانون في صفوفه، ولعل العسكري السياسي القيادي في حزب الدعوة سابقا والذي ينتمي إلى دولة القانون يدرك ما تعنيه مثل هذه الدعوة؛ فالقائمة العراقية، التي انشطر عنها القائمة العراقية البيضاء (ثمانية نواب)، اتخذت مواقف متباعدة عن العراقية، بعضها أقرب إلى دولة القانون، والآخر أكثر راديكالية وبُعدا عنه، لكن أمر عودتها إلى العراقية، حسبما يبدو بات بعيدا، وحتى بعد إعلان انضمام قائمة وحدة العراق إلى القائمة العراقية، فإن الأمر لا يزال يعاني من التفكك، خصوصا بعد حدثين مهمين، الأول هجوم الدكتور أياد علاوي رئيس القائمة العراقية على حزب الدعوة ورئيس الوزراء نوري المالكي، حين أطلق خطابه الشهير الذي نعتهم "بخفافيش الليل" في ردّة فعل غاضبة على تمزيق صوره في ساحة التحرير، ولا سيما تلك الصورة التي تم استغلالها مع مرتكب مجزرة عرس الدجيل (الجبوري).

والحدث الثاني جاء عند تصريحات أسامة النجيفي، رئيس البرلمان العراقي، من واشنطن ودعوته لإقامة إقليم سني أو حتى انفصاله، تعبيرا كما قال عن مشاعر وهموم السنّة الذين يعانون التهميش والإقصاء، فتفجّر الموقف، خصوصا وأن بعض أعضاء كتلته عبّروا عن تأييد فاتر أو تحفظ محدود أو تنديد شديد، لكن مثل هذا الموقف لم يكن مدروسا، وربما فوجئ به البعض أو لم يكن مستعدا لمواجهة مثل هذا الاحتمال، أما أعضاء الكتل الأخرى المنضوية تحت لواء القائمة العراقية سواء تلك التي برئاسة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية (التغيير) أو الدكتور صالح المطلق نائب رئيس الوزراء أو الدكتور رافع العيساوي وزير المالية أو الدكتور ظافر العاني، فإن صوت الاحتجاج أصبح منخفضا أو أن نبرة المعارضة بدت خافتة منذ تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وتوليهم مناصب قيادية فيها، الأمر الذي يعني أن رئيس القائمة وبعض القريبين منه في واد والآخرين في واد آخر، وذلك ليس سوى تفكيك فعلي حتى وإن ظلّت القائمة العراقية موحدة شكليا حتى الآن.

أما الائتلاف الوطني العراقي فقد بات هو الآخر أكثر تفككا من قبل، باستثناء دولة القانون الكتلة الأكثر تماسكا والأكبر حجما، في حين أن جماعة مقتدى الصدر يغرّدون خارج السرب، ولا سيما بشأن الاتفاقية الأمنية المرتقبة بين العراق والولايات المتحدة، حيث سينتهي مفعول الاتفاقية الموقعة بين البلدين عام 2008، في نهاية العام الحالي 2011، الأمر الذي يستوجب مناقشة بقاء أو رحيل القوات الأمريكية، وتنفرد جماعة الصدر عن حلفائها وخصومها بموقف متميّز هو دعوتها لخروج القوات الأمريكية من العراق، وإصرارها (حتى الآن) على مقاتلة الأمريكان في حال بقائهم وعدم انسحابهم.

وبدت كتلة الائتلاف بقيادة عمّار الحكيم وهي كتلة محدودة ومعها كتلة الإصلاح الصغيرة التي يمثلها الدكتور الجعفري ونائب آخر غير منسجمة الإيقاع مع رئيس الوزراء، وربما باستثناء الجعفري وفالح الفياض اللذين حاولا لحمة العلاقة مع المالكي الذي كان هو الآخر حريصا عليها، خصوصا عندما شهدت مواقع حزب الدعوة والكتلة الشيعية، بعد فوز القائمة العراقية بـ 91 مقعدا مقابل فوز المالكي وكتلة دولة القانون بـ 89 مقعدا، قلقا شديدا، الأمر الذي تمت معالجته على جناح السرعة خوفا من أن تطير السلطة من أيديهم، فوقّعوا على تحالف جديد يضم نحو 70 مقعدا إليهم بما فيهم جماعة مقتدى الصدر التي فازت بـ 40 مقعدا، وهكذا حازت كتلة الائتلاف الوطني على الأغلبية في البرلمان وتم تشكيل حكومة ثانية بقيادة المالكي.

لكن هذا المشهد لم يستمر طويلا وكان أقرب إلى التفكيك هو الآخر، ففي حين أريد إمرار صيغة نواب رئيس الجمهورية الثلاث، إرضاء لخضير الخزاعي، استقال عادل عبد المهدي بعد تسميته نائبا للرئيس، خصوصا وقد شعر بأن المنصب أساسا بلا صلاحيات، ناهيكم عن أن المكانة الاعتبارية التي يمثلها الموقع بدأت تتدهور علما بأن الصفقة مرّت خلافا للدستور.

وحتى كتلة التحالف الكردستاني التي لم يأتِ سامي العسكري على ذكرها فهي الأخرى تعاني تباعدا وتعارضا، وقد استطاعت كتلة التغيير بقيادة ناوشيروان مصطفى، والتي حصلت بالتحالف مع الحركة الإسلامية في كردستان الحصول على 16 مقعدا في البرلمان العراقي وعلى نحو ربع عدد أعضاء برلمان كردستان، وكذلك على نسبة موازية تقريبا في انتخابات مجالس المحافظات، أن تهدد بانقسام التحالف الكردستاني، وفيما إذا حازت على أغلبية في السليمانية مستقبلا، فقد تعلن السليمانية إقليما مستقلا إذا رأت مصلحتها في ذلك، وإذا اعتقدت أن ذلك سيضعف التحالف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني خصميهما اللدودين، وبذلك فإن فكرة عدم قبول أو رفض ثلاث محافظات على أية تعديلات دستورية، ستكون معطّلة، ولا سيما إذا سادت نظرية التفكيك، وإذا قررت كتلة التغيير وبعض المتحالفين معها الانسحاب من التحالف الكردستاني.

وإذا كانت نظرية التفكيك أمريكية في الأساس، ولا سيما بعد الفوضى الخلاقة بحل مؤسسات الدولة وتفكيكها وإعادة تركيبها بما فيها القوات المسلحة، فإن التفكيك السياسي سيجعل الجميع أقلية، ولا أحد يستطيع أن يدعي أنه أغلبية، وبالإمكان التحكّم في لعبة شدّ الحبل والصراع بين الأقليات، ولا سيما إذا تم تحويلها إلى طائفية وإثنية، حيث يتم تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ، وقد فُصّل القانون الانتخابي والكتل المتحالفة على أساسه، لتأتي بمثل هذه النتائج التي قد تزيد وقد تنقص حسب الهوى السياسي والتحديات التي تواجه هذه الكتل عشية أو لحظة الانتخابات البرلمانية.

ولعل ما ينسجم حاليا بين نظرية التفكيك الأمريكية ونظرية التفكيك العراقية، هو أن كتلة المالكي (دولة القانون) لا تستطيع امتلاك ناصية الأغلبية، فهي الكتلة الأقوى بين الضعفاء والكتلة الأكبر أو كتلة الأغلبية بين الأقليات، ولا سيما بعد تفكيك الكتل جميعها، وبما أن رئيس الوزراء والوزراء يعانون من مشكلة المحاصصة والتقاسم الوظيفي المذهبي والطائفي والإثني، فإن عملية ترشيق الوزارات التي تضخّمت لتصبح 42 وزارة والتي ستطول الجميع ستجعله يتصرف خارج نطاق بعض الحسابات التي تفرضها المحاصصة، خصوصا بعد الإقدام على عملية الترشيق، وستضحي الكتل الكبيرة داخل الائتلافات القائمة بالكتل الصغيرة في الحصول على مواقع وامتيازات، وهكذا ستكون الكتل الصغيرة بمنأى عن استمرار التحالفات القديمة، الأمر الذي سيؤدي إلى تفكيك الكتل الكبيرة، حيث تبقى الكتلة الأكبر وإن كانت أقلية، هي كتلة رئيس الوزراء.

ومثل هذا السيناريو يتفق مع نظرية التفكيك الأمريكية، ولا سيما عشية إمرار الاتفاقية العراقية - الأمريكية الجديدة، خصوصا بارتياب القوى والكتل والقوائم بعضها من بعض واضطرارها إلى التفكير بمستقبلها الذي سيظل مرهونا بوجود طرف ضامن، كما تبرر من خلال الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وهكذا ستحصل الولايات المتحدة على ما تريد من بقاء قواتها وربما بإجماع الجميع.

وباستثناء جماعة السيد الصدر حاليا فإن لا وجود لقوى أو طرف سياسي من داخل الحلبة السياسية أن أعلن اعتراضه على بقاء القوات الأمريكية، ويبرر البعض مثل القائمة العراقية بأطرافها وجود القوات الأمريكية للحيلولة دون التدخل الخارجي الإقليمي، ولا سيما الإيراني الواسع النفوذ، أما حكومة إقليم كردستان فتراه ضرورة لا غنى عنها لاستمرار العملية السياسية، ويذهب بعض أطراف الائتلاف الوطني ودولة القانون إلى أن ذلك ضرورة أمنية، ولا سيما خارجية تمليها التحديات التي تواجه التجربة الجديدة في العراق والعملية السياسية، خصوصا النقص الفادح في سلاح الجو والبحرية. ولعل حالة الاحتراب وغياب الوحدة الوطنية والإرادة الموحدة هي التي ستدفع بهذا الاتجاه وهكذا تلتقي نظرية التفكيك الأمريكية مع نظرية التفكيك العراقية، لكن التفكيك الجديد قد يقود إلى إعادة تركيب جديدة، وقد يحتاج الأمر إلى وقت، ربما طويل نسبيا لحين الانتخابات القادمة، وقد يسهم التحرك الشعبي الذي بدأ في 25 شباط (فبراير) في تهيئة بعض المستلزمات لذلك، لكن الأمر لا يزال على صعيد القوى القابضة للسلطة أو خصومها أو معارضيها مجرد إرهاصات، سواء بالاتفاق أو الاختلاف، حتى أن اتفاقية أربيل التي كانت أقرب إلى صفقة سياسية لعملية تركيب جديدة لم تنجح في امتصاص حالة الغضب والتباعد التي هيمنت على علاقات القائمة العراقية مع قائمة دولة القانون، وبين رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور أياد علاوي. وقد اتضح أن حكومة ما سمّي بالوحدة الوطنية أو حكومة الشراكة الوطنية التي أقيمت على شرفها ولائم كثيرة، لم تكن زواجا منسجما أو موفّقا، ناهيكم عن كونه زواجا غير قائم على الحب والتفاهم والتعاون، بل كان أقرب إلى زواج مصلحة مؤقتة وحتى عابرة في حالة يأس وقنوط من جميع الأطراف، ولا سيما من القائمة العراقية.

 

صحيفة الاقتصادية السعودية العدد رقم 6500، الجمعة 29/7/2011

 
 
 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (675)    30 /07/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
شروط أوباما الفلسطينية
 

 

اعتبر الكثير من وسائل الإعلام والدوائر السياسية أن تغييراً مهماً وجديداً طرأ على الموقف الأمريكي بشأن الصراع العربي- “الإسرائيلي”، لاسيما مطالبة الطرفين بالعودة الى حدود عام 1967 أساساً للاتفاق، وهو ما جاء على لسان الرئيس أوباما، الذي يدرك تمام الإدراك أنه من دون الإتيان على حل قضايا الصراع الخلافية الأخرى، فإن هذا الموقف “المتقدم” سيعني قفزة في الهواء أو إبقاء القضية عائمة في بحر الشعارات من دون حلحلة عملية تُذكر .

 

إذ كيف يمكن بدء التفاوض بين الطرفين من دون حل الإشكالات العالقة؟ فالتفاوض، الذي هو عمل معقد بالأساس، سيكون أقرب الى اللاجدوى في ظل استمرار حقول الألغام الذي تعترض طريقه، كما أن طرح فكرة التفاوض على أساس حدود عام 1967 وإنْ كانت تطوراً في السقف المحدد للموقف الاستراتيجي الأمريكي، الاّ أنها غير ممكنة في ظل الشروط القاسية التي وضعتها واشنطن مثل مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف ب”إسرائيل” كدولة يهودية “نقية”، وهو شرط متعسف، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار مصير سكان “الأقلية” العربية وحقوقهم، علماً بأنها تزيد على 20 % والفلسطينيون هم من سكان البلاد الأصليين . والشرط الأكثر قسوة الذي طالب به أوباما المفاوض الفلسطيني، هو التخلي عن الوحدة الفلسطينية، وذلك بفكّ الارتباط بين حماس وفتح . بعد الاتفاق الذي أثار جوًّا من الإيجابية والتفاؤل على المستويين الفلسطيني والعربي، لكن “إسرائيل” امتعضت منه وهددت بنسف عملية السلام طالما أن السلطة الفلسطينية في الضفة لا تتخلى عن الاتفاق مع حماس في غزة التي دمغتها “إسرائيل” ب”الإرهاب”، وهذا هو الشرط “الإسرائيلي” الثاني الذي تكرره قيادة أوباما .

 

أما الشرط الثالث فهو في منتهى الغرابة، حين أعلنت قيادة أوباما موقفها المنحاز الى “إسرائيل” على المستوى الدولي وعدم السماح بتهديد أمنها، وهذا الموقف لا جديد فيه، لكن الجديد في مواقف واشنطن هو إعلانها عدم السماح بتوجيه النقد إلى “إسرائيل” في المحافل الدولية، بمعنى عدم التعرض بالنقد حتى إلى أعمالها العدوانية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتجاوزاتها على قواعد القانون الدولي، وهو الأمر الذي اتّخذ المجتمع الدولي موقفاً تنديدياً منه، لاسيما بعد العدوان “الإسرائيلي” على لبنان عام 2006 والعدوان على غزة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009 واستمرار حصارها الجائر منذ نحو أربعة أعوام بحجة فوز حماس واستيلائها لاحقاً على السلطة في غزة .

 

ولا يعني مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف ب”إسرائيل” كدولة يهودية (نقية) سوى التنازل عن حقهم بالعودة طبقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194 لعام ،1948 فضلاً عن كونه افتئاتاً على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، على المستويين الجماعي والفردي، لاسيما أن مثل هذا الاعتراف سيعني قبول الفلسطينيين بعملية التطهير العرقي ضدهم، خصوصاً ضد السكان الذين ظلّوا يتمسكون بخيار البقاء على أرضهم، على الرغم من تأسيس الكيان الصهيوني وممارساته العنصرية، خصوصاً في مدن يافا وحيفا والناصرة والقدس وعكا وغيرها من الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها وتهجير سكانها من وطنهم، سواءً ما هو مشمول بقرار التقسيم لعام 1947 أو ما تجاوزت عليه “إسرائيل” لاحقاً .

 

إن حديث أوباما عن تبادل أراض، سيعني ضم مستوطنات يهودية في الضفة الغربية الى “إسرائيل” وإجلاء سكانها منها، والسؤال المطروح كيف يريد أوباما العودة الى عملية التفاوض في ظل هذه الأجواء والمعطيات؟

 

وإذا كان توحيد الجهد الفلسطيني باتجاه المصالحة والوحدة الوطنية أمراً حيوياً للتفاوض، فإن رفض الإدارة الأمريكية هذا التوجه، لكون حماس “منظمة إرهابية”، سيعني أن أي حل قد لا يحظى بموافقة القوى الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع، وبالتالي لن يكون حلاً متكاملاً، أي أنه لا يصلح كحل سلمي راسخ، ولعل شرط الوحدة الفلسطينية منظوراً إليها معكوسة، أي قبول غالبية الشعب الفلسطيني بأي حل، سيعني نجاحه وليس العكس، وإلاّ فإن أي حل مهما كان إيجابياً سيكون ناقصاً ومبتوراً إن لم يحظَ بإجماع وطني فلسطيني، وستكون جميع المبادرات الدولية والإقليمية المطروحة، مجرد بالونات اختبار، وفي أحسن الأحوال لا تصل الى الهدف المنشود وهو إقرار حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس وعودة اللاجئين والاتفاق على العودة الى حدود عام 1967 .

 

إن مطالبة الرئيس الأمريكي بالاعتراف ب”إسرائيل” دولة نقية لليهود تعدّ مخالفة للقرارات والاتفاقيات الدولية بخصوص العنصرية والتمييز العنصري، وهي قرارات واتفاقيات شارعة، أي منشئة لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز العنصري 4 يناير/ كانون الثاني ،1969 ولقرارات المؤتمرات الدولية ضد العنصرية في أعوام 1978 و1983 و2001 وهذا الأخير عقد في ديربان (جنوب إفريقيا) ودان ممارسات “إسرائيل” ووصمها بالعنصرية .

 

كما تعتبر مطالبة أوباما بالاعتراف ب”إسرائيل” دولة يهودية نقية تجاوزاً على دستور الولايات المتحدة ذاته الذي يضع حداً فاصلاً بين الدين والدولة كما يذهب الى ذلك البروفيسور الفلسطيني المفكر محمد عبد العزيز ربيع في مقال نقدي بعنوان “أمريكا والقضية الفلسطينية”، ولا يمكن تصوّر وجود دولة في عالم الحداثة وما بعدها وفي ظل التطور الهائل في الاتصالات والمواصلات والثورة الرقمية “الديجيتال”، تقوم على عنصر أو عرق أو دين خالص أو نقي، لأن ذلك سيعني فيما يعنيه عنصرية واستعلائية هذه الدولة، التي يفترض فيها أن تقوم على المبادئ الدستورية العصرية، لاسيما مبادئ المواطنة التي تستند الى الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة، وهذه حقوق لا يمكن لأية دولة أن تلغيها أو تحجبها عن مواطنيها تحت أي ذريعة أو حجة .

 

أما بخصوص عدم السماح بنقد “إسرائيل” في المحافل الدولية، فذلك مخالفة لأبسط معايير حرية التعبير، لاسيما المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وللشرعة الدولية، وللفكرة الديمقراطية أساساً، خصوصاً أنه سبق للمجتمع الدولي ولمنظمة الأمم المتحدة أن دمغا العقيدة الصهيونية التي تقوم عليها “إسرائيل” بالعنصرية بقرارها 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني عام ،1975 على الرغم من إلغائه في عام 1991 بسبب اختلال ميزان القوى الدولي، لكن العديد من الفعاليات والأنشطة الدولية الحكومية وغير الحكومية، لا تزال تعترف بكون “إسرائيل” سبباً أساسياً في خرق السلم والأمن الدوليين في الشرق الأوسط والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وممارسة سياسة عنصرية وعدوانية فكيف يمكن تكميم أفواه الرأي العام العالمي لمصلحة “إسرائيل” بمنع واشنطن انتقادها في المحافل الدولية؟

 

القضية الفلسطينية كانت تنام وتستيقظ، لاسيما في عهد جورج دبليو بوش الابن لنحو ثماني سنوات تقريباً، علماً بأن تلك الفترة شهدت أحداثاً جساماً، لاسيما انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 والحرب على لبنان عام 2006 والحرب على غزة عام 2008-،2009 وقد حاول بوش إحياء فكرة الدولتين، لكن الأمر سار بتعقيد أشد، خصوصاً في ظل ازدياد تعنّت “إسرائيل” وعدوانها وتهديداتها . واليوم وعلى الرغم من مرور نحو عقدين من الزمان على اتفاقيات مدريد - أوسلو فالطريق لا يزال غير سالك باتجاه الحل النهائي وإن كان بحدود الحد الأدنى . وإذا كان أوباما قد تعهد، لاسيما في خطاب القاهرة (يونيو/ حزيران 2009) ببذل جهود لوضع مشكلة الشرق الأوسط في الصدارة وإيجاد تسوية مناسبة لها، فإن جديده سيكون قديماً، وربما عودة الى المربع الأول، حتى إن بدا موضوع حدود عام 1967 تطوراً، لكنه يحتاج الى تذليل العقبات والتخلي عن الشروط المسبقة، لكي يكون طريق المفاوضات معبّداً، وخصوصاً بإزالة الألغام التي تعترض طريقه .

 

وإذا أراد الرئيس أوباما الوصول الى حل مُرضٍ بمعيار الحد الأدنى، فلا بدّ من إلغاء شروطه بشأن الاعتراف بالدولة اليهودية النقية، وبخصوص الوحدة الفلسطينية، ناهيكم عن إلغاء شرط عدم نقد الدولة “الإسرائيلية” في المحافل الدولية، وتهيئة مستلزمات الوصول الى اتفاق على حدود عام 1967 بعد معالجة المشاكل والعقبات التي تعترض طريق الحل .

 

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 13/7/2011

 
 

إقليم السنّة العراقي: التباس التاريخ

 

عبد الحسين شعبان

التصريحات التيأطلقها من واشنطن رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي بشأن أوضاع السنّةومعاناتهم، أثارت ردود فعل كبيرة ومتباينة، جاء بعضها من الأوساط السنّية ذاتها،وقد انقسمت ما يمكن أن نطلق عليه النخبة السنّية بين التنديد الشديد، والتحفظالحذر، والتأييد الفاتر.
لكن زيارة النجيفي إلى واشنطن لم تقتصر على إطلاق بالونالاختبار بشأن السنّة حسب، بل تضمّنت جسّ نبض قضيتين خطيرتين، ضاعتا أو ضيعهما، فيخضم الصخب الاعلامي بشأن مستقبل السنّة في العراق. القضية الاولى هي مطالبة واشنطنبإجلاء مصير 17,5 مليار دولار فُقدت ولم يعثر على أي أثر لها، علماً بأنها نقلت فيطائرات أميركية خاصة. وهو ما دعا النجيفي الى مساعدة واشنطن في التحقيق لملاحقةالجهة التي تقف خلف عملية النهب تلك، وقال إن جو بايدن نائب الرئيس الأميركي وعدبمساعدة العراق للتفتيش عن المبالغ المفقودة، وأن وزيرة الخارجية هيلاري كلنتوناعتبرت ذلك عملاً لاأخلاقياً يلحق ضرراً بسمعة الجنود الأميركيين.
القضيةالثانية التي كانت في إطار جدول عمل الزيارة هي البحث مع واشنطن في موضوع الاتفاقيةالعراقية - الاميركية التي ستنتهي في نهاية العام الجاري 2011، وهو الأمر الذيسيكون الشغل الشاغل للحراك الشعبي والسياسي والبرلماني طيلة الأشهر الستة المقبلة،علماً بأن الأمر المرجّح هو التوقيع على اتفاقية جديدة بشروط ومواصفات مقاربةلاتفاقية العام 2008، حيث ستبقي على عدد محدود من الجنود الأميركان 10,000 (عشرةآلاف) أو أكثر بقليل، علماً بأنه لا يستطيع أحد إحصاء عددهم، مع الموافقة على خمسقواعد عسكرية أميركية أساسية، فضلاً عن وجود نحو 2400 موظف أميركي في السفارة معحماياتهم، لا سيما من الشركات الأمنية، حيث يقدّر عدد هؤلاء بنحو 100,000 (مئة ألفمرتزق) استثنت الاتفاقية الأمنية التي ينتهي مفعولها سبل مساءلتهم، طالما اعتبرواجزءًا من التعاقدات بينهم وبين الجهات الأميركية المسؤولة.
وقد أبلغ النجيفيبفحوى الرأي الأميركي كما قال، ولخّصه بأن رغبة واشنطن هي البقاء في العراق، وعلىالعراقيين الاستعجال في طلب التوقيع على اتفاقية جديدة، وهو ما أوضحه روبرت غيتسوزير الدفاع الأميركي السابق عندما قال خلال زيارته الى بغداد (نيسان/ابريل 2011): الوقت ينفد في واشنطن وعلى العراقيين إن رغبوا في بقاء القوات الأميركية الطلبسريعاً، ولم يذكر النجيفي موقفه أو موقف القائمة العراقية التي ينتمي اليها، منالتوقيع على اتفاقية جديدة، وهو ينتظر ما سيقدّمه رئيس الوزراء والقائد العامللقوات المسلحة نوري المالكي من تقديرات بشأن جهوزية القوات المسلحة وقوى الأمنالداخلي في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
ولعل هذا هو موقف معظم القوىالسياسية المشاركة في الحكم، والتي تترقب وتنتظر وكأنها تريد «أكل الثوم بلسانالغير»، رامية بالكرة في ملعب المالكي، باستثناء الكرد الذين أعلنوا صراحة عنترحيبهم باستمرار شكل العلاقة مع واشنطن، وأعربوا عن ضرورة وجود عسكري أميركي فيالعراق لحماية مكتسباتهم من جهة، ومن جهة أخرى للفصل في النزاعات الداخلية، ومن جهةثالثة، لمواجهة التحديات الاقليمية والدولية. أما جماعة مقتدى الصدر التي هيالوحيدة من بين القوى المشاركة، فقد أعلنت رفضها للوجود العسكري الأميركيواستعدادها لمقاتلته في حال بقائه في العراق وعدم الانسحاب بعد العام 2011.
وأياً كانت التصريحات والمواقف، فإنها تهدف الى معرفة مواقف القوى الأخرىالمنافسة أو الموازية سلباً أو إيجاباً، إلا أن الأغلب والأعم هو التوقيع علىاتفاقية بشروط واشنطن، بحساب موازين القوى داخليا وإقليمياً، وفي ظل غياب إرادةسياسية موحدة لإجلاء القوات الأميركية من العراق، ولعل ذلك يعيد الى الذاكرة الجدلالذي اندلع عشية إبرام اتفاقية العام 2008 وبعض التبريرات الساذجة التي قيلت بشأنهاابتداءً من خروج العراق من الفصل السابع ومروراً بكون الاتفاقية تنسجم مع مبادئالسيادة، وأن الاتفاقية مع دولة صديقة وحليفة الخ، لكن ذلك لم يغيّر من طبيعةالاتفاقية حسب القانون الدولي، والتي هي طبقاً لاتفاقية فيينا حول قانون المعاهداتلعام 1969، اتفاقية غير متكافئة، وذلك لأن الطرفين غير متكافئين، فأحدهما قوي ومحتلوالثاني ضعيف ومحتلة أراضيه، وفي ذلك أحد عيوب الرضا التي تشوب الارادة الحرة فضلاًعن عنصر الإكراه.
للأسف الشديد لم ينشغل الرأي العام طويلاً بموضوع فقدانالمليارات وقد يعود الأمر لحالة اليأس أو الإحباط من استعادتها كما أن جميعالمؤشرات تميل الى أن الفساد المالي والاداري ضارب الأطناب، وهناك الكثير منالمتورطين فيه من الأميركيين وغير الأميركيين، كما لم يتأمل في موضوع الاتفاقيةالعراقية - الأميركية الجديدة التي حسبما يبدو سيكون توقيعها تحصيل حاصل، ولهذا كانموضوع إقليم السنّة أو انفصالهم الأكثر رنيناً، لا سيما وقد حرّك موجة منالتداعيات، بدأت ويبدو أنها لن تتوقف.
لعل النجيفي عبّر بإحساسه وتلمّسه حقيقةأوضاع السنّة حين قال «هناك إحباط سنّي في العراق، وإذا لم يعالج سريعاً، فقد يفكّرالسنّة بالانفصال أو على الأقل تأسيس إقليم» لافتاً الانتباه الى أن «سنّة العراقيشعرون بالتهميش وبأنهم مواطنون من الدرجة الثانية». لا يمكنني أن أكون محل النجيفيأو من يمثله لكي يصاحبني مثل هذا الشعور والاحساس، وهو إحساس، طالما صاحب من علىشاكلته من النخب الشيعة في السابق، الأمر الذي جرى توظيفه لخدمة بعض الأغراضالطائفية، فعشية احتلال العراق روّج البعض فكرة بيان الشيعة، بوحي من ريشارد دوني،مثلما جاءت إطلاق فكرة إقليم السنّة بوحي من جو بايدن، أو ضمن الأجواء المشجعةعليها، لا سيما وهناك من طرح فكرة إقليم صلاح الدين أو الأنبار أو المنطقة الغربيةأو غيرها من المسمّيات التي لا تدلّ إلا على شيء واحد هو المحاصصة والتقسيمالطائفي.
ولعل الشعور بالتهميش والعزل خلق تصورات وأوهاماً حول طبيعة الصراعالذي اعتبره البعض مذهبياً طائفياً بامتياز، ففي السابق معادياً للشيعة إضافة الىعنصريته ضد الكرد، مثلما يعتبره البعض حالياً معادياً للسنّة ومتواطئاً مع الكردضدهم وهي طائفية مقلوبة، لا سيما عندما تقرأها النخب التي تتمترس بعناوين الطائفةوالطائفية.
أعتقد أن النجيفي على حق عندما عبّر عن شعور أوساط واسعة بالتمييز،وهو الذي تم تكريسه عبر صيغة مجلس الحكم الانتقالي الذي فرضها بول بريمر، لكننيأعتقد أن دعوته لانفصال السنة هي خطأ فادح وخطير، سيترك تداعياته على وحدة العراق. وإذا كان النظام الفيدرالي مقرراً طبقاً للدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه،على الرغم من الألغام الخطيرة التي يحتويها، لكنه ضمن ما هو قائم يعتبر الاطارالناظم للعلاقات بين الفرد والدولة وبين الدولة ومؤسساتها، في ظل اختصاصات تشريعيةوقضائية وتنفيذية للسلطاتالثلاث، فإن اللجوء اليه، والاحتكام لقواعده ووفقاًلمعاييره هو الذي ينبغي أن يعتمد، لا سيما بخصوص الفيدرالية، لا على أساس مذهبي أوطائفي، بل على أساس جغرافي ومناطقي وإداري. فالاقليم الوحيد القائم حالياً هو إقليمكردستان لاعتبارات تاريخية وقومية، ويمكن تأسيس أكثر من إقليم في إطار ما هو قائمعلى أساس المواطنة، وهذا يتطلب شفافية وحواراً سلمياً مستمراً وفي ظل أوضاعاعتيادية، لا سيما بعد إنهاء الاحتلال والتداخل الخارجي ومساءلة المفسدين، خصوصاًالذين تسببوا في نهب المال العام أو في تبديده.
جدير بالذكر أن البرلمان العراقيفي دورته السابقة أقرّ مشروع قانون للأقاليم، كان أحد أشد المتحمسين له هو السيدعبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاسلامي الأعلى، لكن الاحتدامات السياسية، أجّلتتنفيذه الى 18 شهراً، وقد انتهت الفترة دون أن يتذكرها أو يتذكر القانون أحد، أسوةبتعديل الدستور الذي تم الاتفاق عليه عشية انتخابات العام 2005، وكان يفترض إنجازذلك بعد انعقاد أول جلسة للبرلمان بأربعة أشهر وانتهت 4 سنوات ونيّف وجاءت دورةجديدة، ومرّ عليها أكثر من عام ولم تنجز التعديلات ولم يتم استكمال إصدار قوانينطبقاً للدستور، بحيث تكون المواد التي زادت على الخمسين صالحة للاستعمال بتشريعقوانين لاستكمالها، لكن الصمت وغضّ النظر كانا سيّدي «التوافق» والحلالأمثل.
لعل شعور النخب السنية أو النخب الشيعية بالخوف والقلق إزاء المستقبل هوالذي يقف وراء هذا الفريق أو ذاك للتمترس الطائفي أو لزعم النطق باسم الطائفة أومجموعة منها، والهدف هو الإبقاء على الامتيازات، لا سيما التي حصل عليها أمراءالطوائف، في حين أن استعادة كيانية الدولة العراقية وهيبتها، في ظل نظام فيدرالييتمسك بوحدة العراق، يتطلّب إلغاء الطائفية وتحريم كل فعل أو سلوك يؤدي إليها. والطائفية كما أراها هي جريمة بحق الشعب والوطن، ولا بد من معاقبة من يرتكبها بأشدّالعقوبات سواءً بالدعوة إليها أو ترويجها أو التستر عليها أو التهاون في مكافحتهاأو إخفاء معلومات عنها.

[ أكاديمي وحقوقي عربي ـ العراق

جريدة السفير اللبنانية العدد رقم 11930 الخميس 7/7/2011

 

 
 

 

عشية التغييرات الكبيرة التي حدثت في دول أوروبا الشرقية وبُعيدها أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي، باشر الملك الحسن الثاني بإطلاق مبادرة للتقريب بين الحكم والمعارضة، فقد استشعر بحسّه أن المراوحة في أساليب الحكم السابقة ستعود على المغرب بالضرر، لاسيما وقد آن الأوان للتغيير في ظل بيئة عالمية مشجعة وظروف داخلية ضاغطة، خصوصاً للدور الذي أداه المجتمع المدني ومؤسساته وتنظيماته، بما فيها جمعيات حقوق الإنسان، فضلاً عن القوى السياسية المعارضة بجميع تياراتها وألوانها .

 

لقد أدرك الملك أن التغيير أصبح قاب قوسين أو أدنى، فإن لم يأتِ تراكمياً، تدرجياً، فإنه سيأتي عاصفاً ومدوياً، وإن لم يكن داخلياً، فسيكون للخارج دور غير قليل، وإن لم يحدث في ظروف انفراج، فسيكون في حال احتدام، وإن لم يكن توافقياً، فسيكون تناحرياً، لهذا أقدم على مبادرة جريئة بوضع دستور عام 1996 الذي تضمن أسساً صالحة للتعاون الوطني بين الحكومة والمعارضة، واختار بعد أول انتخابات المناضل الوطني المعارض عبدالرحمن اليوسفي ليصبح الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وكانت تلك المبادرة قد وضعت حداً لسنوات من التسلطية وملاحقة وقمع المعارضة وكبت الحريات .

 

في حديث جمعني في كازابلانكا (الدار البيضاء) عام 1999 مع عبدالرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء (الوزير الأول) كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت إليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها عبدالعزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد لا زال مستمراً، وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟ والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟

 

بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا “دولة” سي عبدالرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم وإلى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءاً من خطابي لا زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما استقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات، وعلينا اجتيازها، ونأمل بأن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم .

 

وقال اليوسفي كنّا نعتقد أن بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها، وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة .

 

استعدت تلك الديناميكية والحيوية المغربية لدى المعارضة والسلطة في المغرب وأنا أتابع ما يحدث فيه منذ سنوات طوال، لاسيما في ظل موجة الاحتجاجات والتظاهرات الأخيرة، ففي هذه المرة حاولت المؤسسة الملكية، استباق الأحداث واللحاق بعجلة التغيير، قبل أن تسبقها أو تبعد عنها بمسافات لا يمكن ردمها أو الوصول إليها، فأقدم الملك محمد السادس على طائفة من التغييرات، لعل أهمها هو إجراء تعديلات مهمة على دستور عام ،1996 وسواءً قبل بها البعض واعتبرها خطوة إيجابية باتجاه الملكية الدستورية، أو رفضها البعض واعتبرها محاولة لإجهاض التطور نحو ملكية دستورية حقيقية، فإنها في جميع الأحوال تعتبر تطوراً دستورياً للمغرب قياساً بالمؤسسة الملكية وصلاحياتها المعروفة تاريخياً، بما فيها تلك التي قننت في دستور عام 1996 .

 

وتم تشكيل لجنة مؤلفة من 18 عضواً برئاسة د . عبداللطيف المانوني ضمّت ألوان الطيف السياسي والنوع الاجتماعي والاختصاص القانوني والأكاديمي، إضافة إلى نشطاء من المجتمع المدني ومن قوى يسارية، مع أن هناك من لاحظ غياب التيار الإسلامي وهو تيار مؤثر وفاعل، معتبراً ذلك نقصاً في تركيب اللجنة وتوجهها إلاّ أن التمثيل الواسع وإن لم يكن شاملاً فهو إيجابي مع الإشارة إلى نقص تمثيل بعض الاتجاهات . وقامت اللجنة باستطلاع رأي القوى والأحزاب والمنظمات بشأن مسوّدات مشروعها، الأمر الذي أيّده البعض وعارضه البعض الآخر، لاسيما طريقة استطلاع الرأي والوقت المخصص والأسلوب الشفاهي الذي تم فيه من دون وجود نص مكتوب بهدف مناقشته وإبداء الملاحظات عليه، لكن ذلك بحد ذاته يعكس حراكاً اجتماعياً وسياسياً وفكرياً .

 

وإذا كانت التعديلات الدستورية قد ألزمت الملك باختيار الوزير الأول (رئيس الحكومة) من الحزب الذي يحصل على الأغلبية البرلمانية ومنحه صلاحيات واسعة قياساً لما سبق، لكن ذلك لم يغيّر من صلاحيات الملك واختصاصاته الأساسية، التي ظلّت ذات طبيعة تنفيذية وتشريعية وقضائية بصفته “أميراً للمؤمنين”، الأمر الذي أعطاه حصانة وحرمة وأعفاه من أي مساءلة، فضلاً عن ذلك فإن وجود نصوص من هذا القبيل تشكل عائقاً أمام تحوّل النظام الملكي المغربي إلى نظام برلماني يتمتع فيه رئيس الوزراء (الوزير الأول) بالصلاحيات الكاملة باستثناء اختصاصات الملك المحدودة والمحدّدة .

 

واحتوى الدستور المغربي على تعديلات دستورية مهمة تدخل في صلب حقوق الإنسان، فتوّسع في ما يتعلق بحرية التعبير والحق في الإبداع الثقافي (الفن والأدب) وأكد مبادئ الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، والحماية من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ونبذ العنصرية ومظاهر الكراهية والعنف وشمل الحقوق السياسية في التصويت والترشيح وحقوق المغتربين وغيرها وتكاد بعض هذه الحقوق تقترب من المعايير الدولية .

 

ولعل جعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، واستحداث مجلس وطني للغات واللهجات المغربية، كان من الأمور المهمة التي تضمنتها التعديلات الدستورية، انسجاماً مع إعلان حقوق الأقليات الصادر عن الأمم المتحدة عام 1992 .

 

وفي خضم فوضى الفتاوى بادرت التعديلات الدستورية إلى تنظيم ذلك بحصرها بالمجلس العلمي الأعلى الذي هو برئاسة الملك، وذلك منعاً من التلاعب بها أو توظيفها لأغراض خاصة من جانب قوى الإسلام السياسية .

 

وبتقديري فإن هذه التعديلات مهمة في إطار النظام الملكي القائم، لكنها قد لا ترتقي إلى تحويل المغرب إلى ملكية دستورية برلمانية، إذ إن فلسفة المشرّع قامت على اعتبار نظام الحكم في المغرب مع اعتباره “ملكية، دستورية، ديمقراطية، برلمانية، اجتماعية” أي أن الملكية هي الجوهر الثابت بسياقات الحكم، ضمن اختصاصاتها التي أشرنا اليها، لكنها بكل تأكيد اتفاقاً أو اختلافاً ستترك ديناميكية جديدة وهو ما تشهده الحياة السياسية المغربية منذ نحو عقد ونصف العقد من الزمان .

 

باحث ومفكر عربي

 

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 6/7/2011

 
 
 

 

حين تصبح العدالة ميداناً للصراع الدولي!

 

عبد الحسين شعبان

أعلن عن تصديق تونس على نظام المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك أصبحت الدولة العربية الرابعة التي صدقت على نظام روما، فقد سبقها الأردن وجيبوتي وجزر القمر. ولم يكن متوقعاً أن تقدم تونس على هذه الخطوة قبل ثورة الياسمين والكرامة التي أزاحت الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة.

لعل امتناع أو تلكؤ أو تحفظ البلدان العربية عن الانضمام أو التصديق على نظام روما يضع الكثير من التساؤلات حول جدية الحديث عن العدالة الدولية بالنسبة للعديد من البلدان العربية، وهو ما أعيد طرحه على نحو مثير بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009، ولا يزال هذا الموضوع مصدر قلق واهتمام في الوقت نفسه من جانب إسرائيل، لا سيما بخصوص ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم الإبادة ضد الإنسانية، وكذلك ارتباطاً بجريمة العدوان وخرق السلم والأمن الدوليين، وقد تحركت إسرائيل، لا سيما بعد ارتفاع رصيد الفكرة التي تدعو إلى ملاحقة المرتكبين، وازدياد القوى والمنظمات الداعية لتحقيق العدالة الدولية لتقديم المتهمين بتلك الارتكابات إلى القضاء الدولي، فكلّفت مكتباً مهماً للمحاماة ومنحته أتعاب محاماة مجزية لمتابعة إمكانية التخلّص والتملّص من الملاحقات القانونية، خصوصاً بعد تقديم عدد من نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني دعاوى ضد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بن أليعازار وستة من رفاقه، إلى القضاء الإسباني، ولاحقاً دعوى لملاحقة تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة عبر القضاء البريطاني، لا سيما خلال زيارتها لندن، واضطرارها إلى ترك مؤتمر كان يفترض أن تتحدث فيه وتعود ''سراً'' إلى إسرائيل.

فكيف يمكن إهمال هذا الجانب المهم في الملاحقة القانونية لتحقيق العدالة الدولية وجلب المرتكبين إلى قفص الاتهام. ونتساءل: هل يمكن الاستعانة بنظام محكمة روما لرفع دعوى ضد الجناة الإسرائيليين لما ارتكبوه من جرائم وما السبل إلى ذلك؟

يتطلب الأمر معرفة حيثيات نظام محكمة روما، لكي يُصار إلى اتباع آلياتها.

في تموز (يوليو) 2002 بدأ العمل بنظام المحكمة الجنائية الدولية، بعد مصادقة 60 دولة، مثلما جرى إعلان ذلك في نيويورك في مقر الأمم المتحدة. والمحكمة التي تأسست في روما في عام 1998، اتخذت من لاهاي مقراً لها.

وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court ICC أول هيئة قضائية دولية، تحظى بولاية عالمية وبزمن غير محدد، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري.

فلأول مرة في التاريخ يتم تكليف هيئة قضائية دولية دائمة لحماية حقوق الإنسان، بما توفره من إقرار الدول الموقعة عليها وبالتالي المجتمع الدولي مبدأ العدالة الشاملة وعدم الإفلات من العقاب عن تلك الجرائم الخطيرة بحق الضمير الإنساني على المستوى الدولي.

إن وجود قضاء جنائي دولي مستقل ومحايد يمارس اختصاصاته على جميع الأشخاص دون تمييز لتحقيق العدالة الدولية أمرٌ في غاية الأهمية في تطور الفقه والقضاء الدولي على الصعيدين النظري والعملي.

لكن وجود مثل هذا القضاء لا ينفي ولا يلغي مسؤولية القضاء الوطني بل يعني التعاون بينه وبين القضاء الدولي خصوصاً بشأن الجرائم التي ورد ذكرها، بالتوقيع والمصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يتطلب تعزيز كفاءة القضاء الوطني من جهة وتفعيل وتنشيط فكرة السيادة القضائية بأبعادها الدولية من جهة أخرى، ليس كنقيض للسيادة القضائية الوطنية، بل كحقل واحد للعدالة.

ويمكن القول مع القاضي الأردني الدكتور محمد الطراونة إن العلاقة بين النظام القضائي الدولي والنظام القضائي الوطني ''هي علاقة تعاون وتكامل''، وليس علاقة تنافر أو تعارض. وهي الدعوة التي يمكن توجيهها إلى الأنظمة القضائية العربية للتعاون مع الأنظمة القضائية الدولية المنبثقة من نظام محكمة روما والتسريع بالتوقيع والمصادقة، وهو ما يقتضي مواءمةً وتكييفاً للتشريعات الوطنية مع التشريعات الدولية خصوصا عندما تنضم الدولة أو تصبح طرفاً من اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية.

وإذا كان الاعتبار الأكاديمي هو أحد أسباب بحث هذا الموضوع فإن الاعتبار الإنساني والحقوقي يحتل مكان الصدارة، سواءً ما له علاقة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، أو تأثيرات الحروب وأعمال العدوان التي حفلت بها الساحة الدولية وبخاصة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية وما يتبعها من عمليات غزو أفغانستان واحتلال العراق وانعكاسات ذلك على مجمل نظام العلاقات الدولية، فضلاً عن تأثيراته على النظام القضائي الدولي، خاصة بعدما حصل من أعمال مشينة في سجن أبو غريب في العراق وسجن جوانتنامو في كوبا وكذلك في السجون السرية الطائرة في أوروبا والسجون العائمة، التي أظهرت مدى الاستخفاف بحقوق الإنسان وبنظام العدالة الدولية من جانب الولايات المتحدة!

إن جعل ولاية هذا القضاء دائمة سيعطيها فرصة الملاحقة عن الجرائم وإنزال العقاب بمرتكبيها، علما بأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم.

ولذلك ليس عبثاً أن تصف السيدة ماري روبنسون المقررة السابقة في (المفوضية العليا لحقوق الإنسان) إنشاء نظام المحكمة الجنائية الدولية بعد تصديق 60 دولة عليه بأنه ''حدث تاريخي''، وهو ما دعا إليه كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة إلى اعتبار ذلك ''خطوة عملاقة نحو تحقيق شمولية القانون والسياسة''. ومع أن العديد من الدول الكبرى بما فيها بعض أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين، عارضوا إنشاء نظام المحكمة الجنائية الدولية أو تحفظوا عليه أو لم يصادقوا حين وقعّوا، إلاّ أن إنشاء المحكمة ودخولها حيز التنفيذ رغم المعارضات الشديدة، يعد في حد ذاته أحد التطورات المهمة في بداية هذا القرن وأحد تحدياته الكبرى.

لقد سعت الولايات المتحدة إلى معارضة تأسيس محكمة دولية جنائية دائمة إلاّ أنها فشلت في ثني المجتمع الدولي عن المضي في هذا الطريق. فاضطرت إلى التوقيع في اللحظات الأخيرة قبيل إغلاق باب التوقيع في يوم 31/12/2000 لكنها بعد ذلك امتنعت عن التصديق، وأعلنت أن من غير المطروح أن يتم صرف ''دولار واحد'' من موازنة الأمم المتحدة لتمويل المحكمة. وقد عبّر السفير الأمريكي لشؤون جرائم الحرب في حينها ريتشارد بروسبر عن معارضته الشديدة تلك أمام لجنة من الكونجرس، وذلك حين قال ''إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تدعم محكمة لا تملك الضمانات الضرورية لمنع تسييس العدالة''. ثم قامت الولايات المتحدة بخطوة غريبة، حين أعلنت انسحابها من معاهدة روما في رد فعل غاضب يعكس حراجة الموقف الأمريكي ''12 نيسان (أبريل) 2002'' خصوصاً أن دول الاتحاد الأوروبي كانت داعمة لتأسيس محكمة روما. وتعتقد واشنطن أن من الأفضل في كل الحالات اعتماد الهيئات القضائية الوطنية لمحاكمة جرائم الحرب ومساعدتها إنْ اقتضت الضرورة للقيام بمهماتها، وإنْ لم يتسن ذلك فمحاكمة مثل محاكمات يوغسلافيا ورواندا تصبح ممكنة وولايتها محدودة وزمنها مرتبط بحدث محدد وبقرار محدد.

ورغم الاعتقاد الذي ساد لدى بعض الأوساط الدبلوماسية باحتمال تغيير أمريكا لموقفها إثر حملتها ضد ''الإرهاب الدولي'' بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الإجرامية في عام 2001، وإن الولايات المتحدة تعكّزت على مسألة محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الإرهاب الدولي خصوصاً بعد صدور القرار 1368 من مجلس الأمن الدولي بتاريخ 12 أيلول (سبتمبر) والقرار 1373، الذي يعد من أخطر القرارات في تاريخ المنظمة الدولية في 28 من الشهر نفسه والقرار 1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، إلاّ أن مثل هذا الاعتقاد لم يكن صائباً وبدد الانتظار بشأنه عدم تصديق الولايات المتحدة على المعاهدة وتصريح بروسبر الذي قال: ''إن تلك الأحداث (المقصود بها الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة) لم تغيّر وجهة نظرنا''، ومن ثم انسحابها بعد أن حاولت وضع المزيد من العراقيل بشأن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية خلال المناقشات التحضيرية.

والأنكى من ذلك أن الولايات المتحدة بعد احتفالية الأمم المتحدة بدخول معاهدة روما للمحكمة الجنائية الدولية حيّز التنفيذ بتصديق 60 دولة عليها في نيسان (أبريل) 2002، أقدمت على خطوة انفعالية بسحب توقيعها من المعاهدة في محاولة لإضعاف دور المحكمة الجنائية الدولية بعد أن سعت في البداية لعدم إنشائها، ثم وقعت عليها لكي تساهم في وضع قيود وعراقيل في نظامها الأساسي تمنع انسحاب صلاحياتها واختصاصاتها على الحاضر ووضع سبع سنوات لدخولها حيز التنفيذ وغيرها ثم عادت وأعلنت سحب توقيعها.

ورغم مرور نحو 13 عاماً على إنشاء نظام المحكمة، فإن روسيا هي الأخرى لم تصدق عليها، في حين أن الصين لم توقع عليها أصلاً. ويعود أحد الأسباب لهذه المواقف إلى الانتهاكات الصارخة التي حدثت في الشيشيان وكذلك في التيبت، إضافة إلى سجل حقوق الإنسان في كلا البلدين.

وإذا كان هذا موقف أعضاء دائمين في مجلس الأمن فإن الاتحاد الأوروبي كان قد عبّر عن ترحيبه ببدء العد العكسي للعمل بنظام المحكمة، ودعت إسبانيا باسم رئاسة الاتحاد الدول الباقية إلى الانضمام سريعاً إلى معاهدة روما لكي تحظى المحكمة الجنائية الدولية بأسرع ما يمكن من دعم عالمي، مؤكدة على ''الدعم غير المشروط من الجميع''، لأن المحكمة ستكون أداة فعالة في مكافحة الإفلات من الجرائم وهو ما رحب به الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أيضاً.

ولعل اللافت للنظر أيضاً أن إسرائيل هي من الدول التي عارضت إنشاء المحكمة ولكنها اضطرت هي الأخرى للتوقيع عليها عشية إغلاق باب التوقيع ولم تصادق عليها، خصوصاً في ظل الدعوات الدولية التي تصاعدت لمحاكمة شارون واعتباره ''مجرم حرب''، ليس لأعمال ارتكبت في الماضي بما فيها صبرا وشاتيلا، بل نظراً للجرائم المستمرة بحق السكان المدنيين العزّل في جنين ونابلس ورام الله وغزة والعديد من المناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها محاصرة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وعدد من المقاومين الفلسطينيين في كنيسة المهد، فضلاً عن تدمير البنية التحتية وهدم المنازل والقتل العشوائي بما في ذلك للأسرى والإصرار على بناء جدار الفصل العنصري وبالضد من اتفاقيات جنيف عام 1949 خاصة الاتفاقية الرابعة وملحقها البروتوكول الأول عام 1977 حول ''حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة''، وحتى بعد صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية يقضي بعدم شرعية بناء الجدار، فإن إسرائيل لم تكترث لأي رأي قانوني دولي كما أنها لا تحترم قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة أو قراراتها.

وإذا كان موقف إسرائيل مفهوماً فلماذا لم تصادق أي من الدول العربية باستثناء الأردن وجيبوتي وجزر القمر على نظام المحكمة الجنائية الدولية؟ ونعيد السؤال أليس تصديق تونس اليوم على نظام روما أحد الحوافز المهمة لتوقيع وتصديق البلدان العربية، على نظام روما إذا توخينا ملاحقة المرتكبين وتحقيق العدالة الدولية، فلا تزال ثماني دول عربية خارج نظام التوقيع؟ أليس في الأمر ثمة غرابة وربما التباس وعدم قدرة على تفهم طبيعة الصراع الدولي، وبالتالي إيجاد مواقف متوازنة، منسجمة مع التطور الدولي من جهة ومن جهة أخرى، حماية مصالح دولنا وشعوبنا؟ والاستعداد للتعاطي مع المتغيرات والمستجدات وتوظيفها بشكل مناسب خدمة للمصالح العربية والإسلامية العليا. وتظل هذه المسألة تثير تساؤلات كبيرة بخصوص الموقف من نظام العدالة الدولية كقيم ومثل وبين المصالح الحيوية للبلدان العربية، لا سيما في خضم الصراع الدولي بالنسبة للعديد من البلدان العربية، وهو الأمر الذي أعيد طرحه ما بعد العدوان على غزة!

 

صحيفة الاقتصادية السعودية العدد رقم 6472 الجمعة 1/7/2011

 

 

 

30 عامًا من العطاء الفكريّ

 

 


الرّسالة الإخباريّة   

             

 

 

العدد (50)     30/6/2011

 

 نشرة غير دوريّة يُصدرها منتدى الفكر العربيّ

 

 

"نادي الكتاب" بمنتدى الفكر العربيّ يُناقش كتابًا للمفكّر د. عبد الحسين شعبان

الصمت إزاء الانتهاكات الإسرائيلية يعد تواطئًا

تترتّب عليه مسؤولية قانونية

عمّان- قال المفكّر والباحث وعضو منتدى الفكر العربيّ د. عبد الحسين شعبان: إنّ ما تعرض له السكان المدنيون الفلسطينيون الأبرياء العُزّل من انتهاكات إسرائيليّة لحقوقهم، خلافًا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، تتحمَّل مسؤوليته إسرائيل باعتبارها دولة احتلال، ومن بعدها المجتمع الدوليّ، ولا سيما القوى المتنفّذة فيه والداعمة لإسرائيل، والمُعرقِلة لأي قرار من مجلس الأمن الدوليّ يدينها ويحمّلها المسؤوليّة.

وأضاف في اللقاء الثالث لنادي الكتاب في المنتدى بعنوان "العدالة الدولية بين الحلم والواقع"، مساء يوم الإثنين 27/6/2011، الذي جرى فيه عرض ومناقشة كتابه الصادر حديثًا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت "لائحة اتهام – حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل": إنَّ الصمت إزاء الوضع اللاإنساني لا يعدّ تواطئًا فحسب، بل هو شكل من أشكال التغطية على الجريمة؛ ما يترتّب عليه مسؤوليات قانونية؛ إضافة إلى أن ما حدث من انقسام في الوضع الفلسطينيّ عطَّل مهمة التحرّر الوطني في صراعات لا مبرّر لها ولا معنى، عدا التلكؤ في ملاحقة المرتكبين الإسرائيليين.

وفي تقديمه للقاء أشار أ.د. فايز خصاونة، أمين عام المنتدى بالوكالة، إلى أن الدراسة القانونية التي ضمنها د. عبد الحسين شعبان، تضع سيناريوهات عمليّة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وتنقل الحلم إلى واقع يحتاج إلى التهيئة والاستناد إلى ما يحقق الأهداف، بعيدًا عن الجيشان العاطفي الذي لا يقود إلى شيء في مثل هذه القضية.

ويوضح د. شعبان في كتابه أنه على الرغم من أن وتيرة المطالبة الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في غزة، التي جرى توثيقها من جانب جهات دوليّة عدّة، إلى جانب ما نُقِل عبر الشاشات الزرقاء من وقائع مرعبة لأكثر من (22) يومًا، فإن إسرائيل رفضت إجراء تحقيقات دولية مستقلّة، وحاولت ذرّ الرماد في العيون بإجراء تحقيقات ميدانية سرعان ما أوقفتها، كما رفضت التعاون مع المقرّر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة منذ عام 1967؛ ما يدل في الواقع على ازدرائها للأمم المتحدة، وتنكرها لقواعد القانون الدوليّ، وهو الأمر الذي دفعها إلى رفض التعاون مع بعثة التحقيق الدولية التي قررها مجلس الأمن في 12/1/2009.

وفي هذا السياق أشار د. شعبان إلى أن إسرائيل عملت بجهود حثيثة للحيلولة دون محاكمة مقترفي جرائم الحرب الإسرائيليين، مثل بن أليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق و6 من قيادات إسرائيل، أمام المحاكم الوطنية الإسبانية التي تأخذ بالاختصاص الدولي. وأكد أن مسؤولية المجتمع الدولي تتلخص بمحاكمة المرتكبين، لكي لا يفلتوا من العقاب، وذلك باستخدام جميع الإمكانات المتاحة والآليات المتوافرة، وهو ما تحاول الدراسة أن تبيّنه، فضلاً على إبقاء الحلم قائمًا وعدم تخفيض السقف، بصرف النظر عن المساومات والاتفاقيات السياسية، ما دام بقيت قضية العدالة غائبة ومغيبة.

وتهدف الدراسة أيضًا إلى تحديد مسؤولية مَنْ ساند العدوان ومنح آلة الحرب الإسرائيلية فرصة الالتفاف على العدالة أو الإفلات من قبضتها، والتغوّل على الحقوق الفلسطينية، خاصة بوضع العراقيل أمام إدانة المعتدي، وعدم تنفيذ القرارات الدولية السابقة القاضية بالانسحاب من الأراضي المحتلة أو العمل على تأخير وقف إطلاق النار، أو تبرير العدوان بذريعة الدفاع عن النفس التي لا تنطبق على ممارسات إسرائيل منذ قيامها عام 1948 حتى اليوم، وهو ما سعت الدراسة إلى تبيانه بهدف فضح الحيل القانونية الإسرائيلية والفقه القانوني الإسرائيلي الذي تتعكز عليه.

وتضع الدراسة مسؤولية مواجهة الضغوط الصهيونية – الأمريكية، لا على عاتق الشعوب والدول الأخرى والمجتمع الدوليّ فحسب، بل على عاتق العرب وأصحاب القضية الأساسيين، وبذل الجهود بصورة كافية لتفعيل قرارات القمم العربية التي قضت بملاحقة مقترفي جرائم الحرب "الجناة الإسرائيليون". وقال    د. شعبان في هذا المجال: لعل ذلك يقتضي التصديق على ميثاق محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) لعام 1998، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002،     ولا سيما بالنسبة للدول العربية الموقِّعة عليه، للتمكّن من طلب التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة. ذلك أن أيًا من الدول العربية والسلطة الفلسطينية لم تتقدم بطلب التحقيق.

يتألف كتاب د. عبد الحسين شعبان من أربعة فصول يبحث فيها فلسفة الحلم في إظهار المعايير والقيم، وتجسيد صورة العدالة، ومن ثم الانتقال إلى الواقع لعرض الوقائع. كما يبحث في موقف القانون الدوليّ من مقاضاة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين، وتحديد المسؤولية الدولية إزاء انتهاكات إسرائيل قواعد القانون الدولي، وحيثيات العدوان والجرائم الدولية، وإلقاء الضوء على ادعاءات إسرائيل بشأن الدفاع عن النفس، وخطورة ذلك في ضوء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ثم يتناول سبل الملاحقة القانونية وخياراتها من خلال الآليات المتاحة والمتوافرة في الوقت الحاضر عبر خمسة خيارات أو سيناريوهات تحقيق العدالة. كذلك إلقاء الضوء على مسألة ما إذا كانت قواعد القانون الدولي تتعارض مع الشرعية الدولية، والإجابة عن سؤال لماذا لا تلتجىء إسرائيل إلى القضاء الدولي.

 وألحق المؤلِّف بهذه المباحث أضواء على أربع قضايا يمكن أن تشكّل دليل إحالة جديدًا إلى القضاء الدولي، وهذه القضايا هي: الإتجار بالأعضاء البشرية، والجدار الديمغرافي، تقرير غولدستون والملابسات التي رافقته، وقلق إسرائيل من القانون الدولي.

حضر اللقاء جمهور من القانونيين والدبلوماسيين والكُتّاب، ودار نقاش موسع حول مضمون الكتاب والقضايا التي تناولها.     

 

http://www.atf.org.jo/?q=node/1266  

 

* * *

للاتـصال

الأمين العام بالوكالة

أ.د. فايز خصاونة

khasafyz@atf.org.jo

محرّر النشرة

كايد هاشم

kayed@atf.org.jo

 

منتدى الفكر العربيّ

ص.ب: 925418 عمّان 11190 – الأردن

تلفون: 5333261 / 5333617 / 5333715 (6- 962+)

ناسوخ (فاكس): 5331197 (6- 962+)

 
 

منهج ماركس لا يزال صحيحاً لكنه لا يصلحلنا الآن

عبد الحسين شعبان: على الأحزاب أن تتعلممن جيل الشباب

 

شعبان: أقرأ ماركس مشاغباً (بلالقبلان)

رندة جباعي

لم يتقيد الشيوعيالعراقي السابق، اليساري النشأة والتوجه، بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية،ففضل تطوير هذه المدرسة لتواكب عصرنا الحالي. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر منالجيل الثاني للمجددين العراقيين، انعكست مساهماته المتميزة منذ الثمانينيات فيإطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري على مؤلفاته وكتبه التيفاقت الخمسين في مجال القانون الدولي والقوانين الدستورية والسياسية، وصراعاتالأيدلوجيا، الإسلام، الثقافة، الأدب وحقوق الإنسان فحققت انشغالات خاصة بقضاياالحداثة والديموقراطية والإصلاح والمجتمع المدني وقدمت اهتماماته الفكرية مبادئمتجددة لتطوير الفهم لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته، خصوصاً من خلال وسائلالإعلام التي يعد شعبان من الخبراء في مجالها.
من أبرز كتبه «تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف» (2009) الذي أثار جدلاً كبيراً، «بانوراما حرب الخليج» (1995)، «الجواهري في العيون من أشعاره» (1986) ومؤخراً صدر له كتاب «كوبا، الحلمالغامض» عن دار الفارابي. التقيناه خلال وجوده في بيروت وكان لنا معه هذا اللقاءالغني حول كتابه الأخير، وحول نظرياته في الشيوعية، الماركسية وحتى النظامالفيدرالي في العراق.
«
كوبا الحلم الغامض»، كتاب تسرد فيه سيرة جيفارا». ماالذي أعادك اليوم إلى كوبا وإلى جيفارا الرمز اليساري؟
^
في الحقيقة كان يفترضبي أن أزور كوبا لحضور مؤتمر الشباب والطلاب العام 1978 ولكن لم أستطع حينها بسببظروف العراق السياسية. وبعدها مرت الدعوات والأيام ولم أقم بهذه الزيارة، إلى انقررت مؤخراً أن ألبّي دعوة قلبي للاطلاع على التجربة الكوبية من قرب، وكنت حريصاًعلى زيارة كوبا بوجود كاسترو، لذا سميت الكتاب بعنوان فرعي «رؤية ما بعد الخمسين». ذهبت لأبحث عن جيفارا في أواسط الستينيات أي عندما بزغ نجمه، عن جيفارا الأسطوريبرمزيته وبالدور الذي يمكن أن يتركه الإنسان في المجرى التاريخي. بداية كتبتانطباعاتي الشخصية في صحيفة عربية، فشعرت كأنني أحرث في أرض بكر. ووددت التواصلأكثر مع الحياة الكوبية خصوصاً في الحياة الاجتماعية الكوبية من رقصة السالسا، إلىالفرح والغناء الكوبي، إلى شراب الماهيتا، فنشرت أربعا وعشرين حلقة واستكملتهابأربع عشرة حلقة لم تنشر وجمعتها وأعدت تبويبها فكان هذا الكتاب.
مصادر
فيالكتاب نجدك تتحدث عن جيفارا بمواقع عدة، كما نراك تجمع بين ما هو ثقافي وما هوسياسي وبين ما هو فني وما هو ثوري، كيف يمكن الجمع بين كل هذه الميادين ومقارنةتجربة جيفارا بتجارب أشخاص بعيدين عن ثورته؟
^
بالفعل أنا داخلت الكثير منالميادين بعضها بالبعض الآخر، وما ساعدني على هذا التداخل نظرتي الشمولية للإنسان. فتعاملت مع جيفارا في كتابي كإنسان، وتناولت صوابه وخطأه وانطلقت من السياقالتاريخي من دون التقليل طبعاً من رمزيته المهمة. وأستعين هنا بقول للشاعر الجواهري «كان الزعيم المجد والأخطاء». لكن السياق العام كان إيجابياً وبعد مرور أربعة عقودونصف من الزمان كان لا بد من التطرق إلى جيفارا الإنسان، كرحلته على الـ«موتوسيكل» او علاقته بالنساء، وهذه حالة إنسانية طبيعية. إضافة إلى قوة تأثيره في المنطقة علىالآراء وعلى منطق المقاومة التي صنعها، فخطاب الجزائر العام 1965 لم يكن بعيداً عنالاشتراكية السوفياتية البيروقراطية مثلاً.
ما هو مصدر معلوماتك في كتابك عنجيفارا؟
^
جزء من الكتاب أعبر فيه عن انطباعاتي الشخصية وجزء آخر معلوماتتاريخية، وجزء كبير جمعته من شذرات مقابلات نشرت عن لقاءات بين جيفارا وزعماءومثقفين عرب، كمثل لقاء جمال عبد الناصر بجيفارا وما ورد من هذا اللقاء على لسانمحمد حسنين هيكل. والكتب المرسلة من جمال عبد الناصر إلى جيفارا أو النقاش مع أحمدبن بلا والمهدي بن بركة، استنتجت منها مفردات ومعلومات. وقد تبين لي أنه وحتى ثورةكوبا كان جيفارا متأثراً بنا نحن العرب إلى حد كبير، خصوصاً «دول التحرر الوطني» كالجزائر وغيرها. ولا بد من الإشارة إلى أنني قرأت عن جيفارا منذ كنت يافعاً، وهذهالقراءات المتصلة أضافت إليّ الكثير مثل كتاب «جيفارا 1967».
معروف عنك نقدكالدائم للماركسية، الأمر الملموس في كتابك الأخير «كوبا الحلم الغامض». لم هذاالاتجاه في النقد؟
^
الماركسية ليست تمامية وليست كاملة أو نظرية منجزة وهيمنهج جدلي يتطلب التغيير ليستجيب لمتطلبات الحياة. منهج ماركس لا يزال صحيحاً لكنهلا يصلح لنا الآن، هي تصلح لعصره وتصلحلعلوم القرن التاسع عشر، من هنا كان توجهيفي انتقاد المدرسة الماركسية التقليدية.
هل نستطيع أن نقول إن كتاب «كوبا» هوتكملة لكتاب «تحطيم المرايا في الماركسية» في نقد الماركسية؟
^
نعم هو تكملةلكتاب «تحطيم الماركسية»، هو جزء من المنهج ونص مكتوب بلغة مفتوحة فيها شيء منالأدب وفيها ثقافة بالإضافة إلى نقد مغمس بالحب أحياناً، كما يوجد فيه قلق علىالتجربة وما قد تؤول إليه، وفيه تمنّ للمراجعة وطلب إنساني لنفتح الأبواب لاستنشاقهواء الحرية، كما فيه تمسك بالخيار الاشتراكي. هذا الخيار الذي يفترض به أن يقترنبالتعددية وقبول الآخر والتأكيد على قبول المعارضة لكنه خيار لا عودة عنه، فأنا أظنأن ذلك الانفتاح يعزز من مقاومة كوبا ومن تصديها للمؤامرات التي تحاك ضدها بالعلنوبالخفاء. لينين يقول إنه لا يمكن تصور أن الوصول إلى الاشتراكية يكون عبر طريقيختلف عن طريق الديموقراطية. والديموقراطية هي احترام حقوق الإنسان واستقلال القضاءوتقبل التعددية، وهي بعيدة عما كنا نطلق عليه «ماركسية ديموقراطية»، التي هي منأشكال الفرض والتوجه والخضوع.
الماركسيون
في كتابك «تحطيم المرايا، فيالماركسية والاختلاف» كان نقدك الماركسية انطلاقاً من تجربتك في الحزب الشيوعيالعراقي وقد أعطيت خمسة تصنيفات للماركسيين وزعتهم بين طقوسيين، مدرسيين، مسلكيين،ذرائعيين وعولميين. أنت ماركسي الأصل، هل تجد نفسك بين هذه التصنيفات؟
^
عندماوضعت هذا التصنيف في كتابي كنت أتحدث عن المتمركسين وليس الماركسيين. وبالتالي أناأضع نفسي في خانة الماركسيين النقديين الوضعيين. من وضعتهم في هذه الخانة تشبثوابأذيالها بدلاً من الدخول إلى جوهرها ومحتواها ومضمونها وقد أطلقت على البعض بأنهاماركسية بدوية وقروية، هؤلاء الذين دخلوا إلى الماركسية وعدلوا فيها بما يتناسبوآراءهم القروية السائدة، مع أن الماركسية هي فكرة مدنية حديثة. أنا قرأت ماركسقارئاً وقرأته مبشراً وقرأته ناقداً، واليوم أنا أقرأه مشاغباً، أقرب إلى الشغبالفكري. فماركس قدم قضيتين مهمتين هما قانون التطور التاريخي عبر الصراع الطبقيوقانون «فاقد القيمة»، لكن الماركسية توقفت عنده. مع أن كل نظرية قابلة للتطور. برأيي، ماركس بالطبع قابل للنقد، فنظريته بشأن الدولة ليست قابلة للتطبيق وكذلكنظريته في حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو لم يستكمل أدواته في ما يتعلقبالميثولوجيا او علم الجمال وقد يكون السبب عدم نضوجه العمري، لكني حتماً لا أنكرأن إنجازاته كانت كبيرة على كل المستويات. فهو محسوب كواحد من أهم الاقتصاديين فيالتاريخ، وأهم فيلسوف وكاتب تاريخي بل وأبرز ناشط ثوري وهو بالفعل كل ذلك وأكثر،لكن تعاليمه لا تطبق على عصر الحداثة والعولمة وما بعدهما من تطور هائل في ثورةالاتصالات والمواصلات.
انطلاقاً من تجربتك، كيف ترى وضع الحزب الشيوعي فيالعراق والعالم العربي اليوم؟
^
بالرغم من التضحيات التي قدمها الحزب الشيوعيوالعذابات التي مر بها، إلا أن الأحزاب الشيوعية في عالمنا العربي أحزاب تقليدية لمتجر مراجعات كافية لمنهجها وأساليب عملها. بعض هذه الأحزاب شاخ ودخل في مرحلةالزهايمر، وبعضها الآخر قرأ التحولات على نحو خاطئ. لا تزال قيمة الفكر محدودة فيمعظم هذه الأحزاب ويغلب عليها الطابع السياسي المسلكي، فالنقد غالباً ما ينظر إليهبكراهية وازدراء. على هذه الأحزاب أن تتعلم من جيل الشباب الذي ملأ الساحات وأنجزالتغيير في بلدين على الأقل هما تونس ومصر، في حين ظل الآخرون يناقشون في جو قلقوحيرة وتردد إذا كان المنتصر هو الإسلاميين، أم إن الدكتاتوريات ستبقى من دون أنيسألوا أنفسهم ماذا كان دورهم وماذا ينبغي أن يكون. لم يعد كتاب لينين «ما العمل» الذي كتبه العام 1903 صالحاً للتغيير السياسي، وحتى دور الحزب الشيوعي وقضيتهاختلفت، وحتى ظروف الفئة العاملة اختلفت قياساً على القرن الثامن عشر.
أبرزمواقفك موقفك الداعم للشعب الكردي، ومطالبتك بالنظام الفدرالي في العراق. برأيك هلهذا النظام هو الحل الأمثل ؟
^
أنا مع النظام الفدرالي تماماً، فهو النظامالأكثر استقراراً، والذي يضمن وحدة الشعب العراقي، ومن خلاله تتوزع الصلاحيات بشكلصحيح. بالنسبة إلى الشعب الكردي، أنا أدعم قضيته تماماً، فأنا مع حقه في تقريرمصيره. هذا الشعب اضطهد على مرّ سنوات الأنظمة المختلفة التي مرت على العراق.
حاورته: رندة جباعي

 

 

جريدة السفير اللبنانية ، العدد رقم 11924 الاربعاء 29/6/2011

 

 

التسامح والرمز

عبدالحسينشعبان

جرت العادة أن تمنح جائزة التسامح سنوياً لشخصية بارزة، اكتسبت تجربة وأثبتت جدارة واختزنت معرفة واتسمت بالتسامح فكراً ومنهجاً وسلوكاً، لكنها هذا العام مُنحت إلى شابين في مقتبل العمر: تسلّمتْ الجائزة الأولى شابة مصرية عاملة في جريدة “الأهرام”، وحاز على الجائزة الثانية شاب تونسي جامعي، ولم يكن منحهما اعتباطياً وبصفتهما الشخصية حسب، بل مع اعتبارهما من الشباب الذين أصرّوا على المنازلة بصدور عارية في شارع الحبيب بورقيبة في تونس وفي ميدان التحرير في القاهرة، إذاً الجائزة استحقها هذا العام شباب حالم، بمجتمع ينعم بالحرية والكرامة ويضع حداً لأنظمة الاستبداد والفساد .

 

في السنوات السابقة تسلّم جائزة التسامح شخصيات عربية مرموقة بينهم رئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص، لكن الشبكة العربية للتسامح هذا العام خرجت عن هذا التقليد لتكرّم من الشباب العربي، لما في ذلك من رمزية ومعنوية لها ما يبررها وما يزكّيها، فجائزة التسامح هذا العام لها طعم خاص ومذاق جديد، فقد شهد الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه نهوضاً شعبياً كان الشباب عقله المفكر والمدبر، المخطط والمنفذ، مشمّراً عن سواعده وطاقاته، ليبدع ملامح متميزة وريادية على صعيد تاريخنا المعاصر، وقد فاجأ الشباب العالم أجمع بالمستوى الحضاري، المدني، السلمي، الراقي، ولاسيما حين أجبر حاكمين من عتاة حكامنا في تونس ومصر على مغادرة السلطة، عن طريق المقاومة المدنية، اللاعنفية، خصوصاً بعد ما انتقل الخوف من المحكوم إلى الحاكم، وكان مثل هذا التوقيت اختياراً لا عودة عنه للحظة الثورية التي تم اقتناصها ببراعة منقطعة النظير .

 

لقد اكتشف الشباب واكتشفنا معه، الطاقات الخلاقة، اللامحدودة، الكامنة، التي يملكها، حين جابه ترسانات من السلاح والمخبرين، وعمليات الخداع والغدر، خصوصاً بعد إحراق الشاب بوعزيزي من قرية سيدي بو زيد نفسه، انتفاضاً لكرامته ودفاعاً عن حقه وحريته في حياة حّرة كريمة، فلم يعد يقف بوجهه شيء، خصوصاً عندما انسجمت حركته مع حركة التطور التاريخي وبتراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، لتصل إلى لحظة الانفجار التاريخي، عندها ألقى البركان الشعبي حممه بوجه من حاول أن يصادر أحلام الشباب وكرامته وحريته .

 

وعندما فاض الكأس وخرج الشباب مائزاً رائزاً، متطلعاً إلى مستقبل حر، وهو يطفح بالبشارة والأناقة، ويتواصل بأحدث وسائل الاتصال الحديثة، من الإنترنت إلى الفيسبوك إلى التويتر، إلى الهاتف النقال، عندها أدرك بعض جماعات الحكم والمدلسين والمترددين في السرّ والعلن أن لحظة الحسم اقتربت، فانحاز بعضهم إلى معسكر الشباب، واضطر الحاكم في محاولة منه إلى التكيف برمي جزء من متاع طريقه إلى سلة المهملات، مقدّماً التنازل تلو التنازل، لكن الشباب لم يعد يرضى بغير “الشعب يريد إسقاط النظام” .

 

هكذا كان الخيار السلمي أقوى من مدفعية الميدان، وكان شعار الحرية والكرامة أكثر وقعاً من كل الأسلحة الفتاكة وغير الفتاكة، من أجهزة النظام وبلطجيته، وعندما أصر الشباب على فرض إرادته وأخذت تنكشف الكثير من عورات النظام ويفقد أوراقه، بدأت آلياته بالتعطل، بل أصيب بعضها بالشلل وفقد قدرته على القمع، وكان العدّ التنازلي إيذاناً، بالتحلل تدريجياً إلى أن انهار واستسلم، حتى بدون الضربة القاضية سواءً في تونس أو في مصر، وهكذا كان يخيّل للأغلب الأعم أن الأنظمة التي كانت تبدو حتى وقت قريب منيعة ومحصنة وكأنها قلاع لا يمكن اقتحامها، وإذا بها تتهاوى سريعاً فقد كان خريفها قد أزف وحل ربيع الشباب .

 

لقد كان تكريم الشباب، بمنزلة تكريم للمستقبل، ولا مستقبل لحركة أو شعب من دون دور ريادي للشباب، الذي علينا الإصغاء له، والتعلم منه، فهو من يستطيع المواءمة بين الحكمة والتجربة والحاضر والمستقبل، بين الوطنية والمواطنة، وبين الحرية والمسؤولية .

 

والجدير بالذكر أن حفل التكريم لم يكن للشباب حسب، بل كان لثقافة السلام واللاعنف، التي تتسم بالتسامح وقبول حق الاختلاف والاعتراف بالآخر وإقرار التعددية والتنوع الثقافي الديني والإثني والقومي والسلالي واللغوي .

 

إن فرضيات التسامح تعني الإقرار بنسبية المعرفة والإقرار بفكرة الخطأ والصواب، وهو المبدأ الذي أخذ به سقراط وطوره فولتير . وهذه الفرضية تقودنا إلى عدم إدعاء امتلاك الحقيقة كفكرة جوهرية للتسامح، أي فكرة عدم العصمة عن الخطأ، بما فيهم للعلماء والمفكرين، وهذا يعني الإقرار بإمكانية الخطأ والاعتراف به عند تقويمه وصولاً إلى محطة التسامح .

 

والتسامح كفرضية يتطلب معرفة الآخر والانفتاح عليه والاتصال به وحرية التعامل والتعايش معه، وهذا يعني التمسك بالحقوق ومبادئ العدالة وليس العكس . ويفترض التسامح الإقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهذا يقتضي قبول الحق في العيش بسلام معهم .

 

ويفترض التسامح اتخاذ موقف إيجابي من حقوق الآخرين، خصوصاً التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وهذا لا يعني التنازل على حساب حقوقنا أو المساومة عليها (جماعياً أو فردياً) بل هو اعتراف بحق “الآخر” على قدم المساواة بين البشر وحقوقهم . والتسامح على مستوى الدولة يعني العدل وعدم التمييز في التشريع وفي إنفاذ القانون والإجراءات القضائية والإدارية وإتاحة الفرص للجميع من دون تهميش أو تغييب .

 

وتبقى فرضية مهمة وهي تتعلق بكون التسامح ضرورياً على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وإن الأفراد متساوون في الكرامة والحقوق وعليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً من خلال التعايش والاعتراف بحق الاختلاف والمساواة .

 

ولعل ذلك يتطلب وسائل ناجعة للوقوف بوجه اللاتسامح . ويعتمد ذلك على تنشئة الجيل الجديد من خلال التعليم بمراحله المختلفة، فالمدرسة والتربية من الطفولة يمكن أن تسهم في خلق بيئة مستعدة لقبول التسامح والاختلاف، ويمكن للجامع والكنيسة والمؤسسات الدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني أن تسهم في إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ووضع مستلزمات التطور طويل الأمد وبعيد المدى للإقرار بالتسامح .

 

إن مبادئ التسامح تتخذ منابع متعددة دينية وسياسية وقانونية وعرقية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية، وهو ما ينبغي لجيل الشباب استلهامه، لبناء دولة مدنية عصرية حديثة تقوم على المساواة التامة والمواطنة الكاملة، وفي ذلك يمكن مواجهة عقبات اللاتسامح التي تتخذ أحياناً شكل حروب أو عدوان أو أعمال إبادة أو انتقام أو تحريم آراء أو تجريم وجهات نظر أو تكفير فكر، ولعل ذلك ما قررته منظمة اليونسكو حين قررت اعتبار يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني اليوم العالمي للتسامح، الأمر الذي يعطي للفكرة رمزيتها، مثلما يعطي للرمز دلالاته .

 *باحث ومفكر عربي

 

صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 29/6/2011

 

 
 

هل تتقطّع خيوط واشنطن في بغداد؟

 

 

على نحو مفاجئ وفي خضم الجدل حول بقاء أو انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أعلن وفد من الكونجرس الأمريكي زار بغداد مطالبته دفع تعويضات من الجانب العراقي، بسبب الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية منذ غزوها واحتلالها العراق في ربيع عام 2003 حتى الآن. واعتبر ذلك التصريح خارج حدود اللياقة الدبلوماسية، فضلاً عن كونه استفزازياً، خصوصاً وهو يطلب "ثمن" الاحتلال الأمريكي للعراق، في حين أن واشنطن هي التي يجب أن تعوّض الشعب العراقي، بعد افتضاح عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وزيف علاقته بتنظيمات القاعدة والإرهاب الدولي، ناهيكم عن غضّ النظر عن موضوع النموذج الديمقراطي الذي تم التبشير به، ولا سيما أن هاجس القوات الأمريكية الأهم والأكبر هو تحقيق الاستقرار والقضاء على الإرهاب والعنف، اللذين ضربا المجتمع العراقي في الصميم. على خلفية تصريحات رئيس وفد الكونجرس الأمريكي، التقى دانا روهر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وناقش معه، كما جاء في تصريحه، موضوع "تعويضات الجانب الأمريكي حول خسائر جيشه في العراق"، الأمر الذي نفاه بعض المحسوبين على قائمة رئيس الوزراء "دولة القانون"، في حين اعتبره بعضهم "وسيلة ضغط" بهدف تمديد وجود القوات الأمريكية في العراق، والمقصود هنا استبدال اتفاقية 2008 التي تنتهي في أواخر عام 2011 باتفاقية جديدة والموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق، بحدود عشرة آلاف أو تزيد عليها مع وجود قواعد عسكرية أمريكية تستخدمها. وكان ستة من أعضاء وفد الكونجرس الأمريكي قد عقدوا مؤتمراً صحافياً في مقر السفارة الأمريكية في بغداد طالبوا فيه بدفع تعويضات عن خسائر الجيش الأمريكي في العراق، لكون الحكومة الأمريكية حسبما برروا: لا تستطيع أن تتكبد مبالغ طائلة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها والوضع الاقتصادي الحرج الذي تعانيه. وظلّت قضية تعويضات الأمريكيين موضوع جدل ونقاش بين الجانبين العراقي والأمريكي، ولاسيما بعد موافقة مجلس الوزراء العراقي على دفع تعويضات لأمريكيين بنحو 400 مليون دولار كانت قد حكمت فيها محاكم أمريكية ضد النظام السابق، وذلك في أيلول (سبتمبر) عام 2010، ووافق عليها البرلمان العراقي في 30 نيسان (أبريل) من العام الجاري 2011، باعتبارها اتفاقية تسوية بين الطرفين. وفجّرت مطالبة أعضاء الوفد الأمريكي الذي يزور العراق الموقف، خصوصاً أن هناك اعتراضات شعبية شديدة، تعتبر مثل هذه التصريحات استفزازاً للعراق والعراقيين. جدير بالذكر أن الاعتراضات الشعبية أخذت تتصاعد بخصوص تعويض العراقيين المتضررين، خصوصاً أن الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 غضّت الطرف عنها، ولعلها بما رتبته من أحكام أسقطت حقوق العراق للمطالبة بالتعويض. وعلى الرغم من أن ردّة فعل الحكومة العراقية كانت سريعة وحادة بعد تصريحات الوفد الأمريكي، ولا سيما مطالبة الوفد بمغادرة العراق، لكن هذا الموقف لم يكن موحّداً، فقد قالت وزارة الخارجية العراقية إن القرار اتخذ من دون العودة إلى وزارة الخارجية، وأضافت: علماً أن ما طرحه الوفد الأمريكي وإن كان قد أثار حفيظة العراق، إلاّ أنه لا يستدعي الطرد، وهو الأمر الذي طالما تكرر بخصوص الوفد الفني لبحث موضوع بناء ميناء مبارك. في تقديري أن ردود فعل الحكومة العراقية لا تتعلق فقط بتصريحات الوفد بخصوص المطالبة بالتعويضات، بل إن الموضوع الأكثر حساسية كان هو: طلب الوفد الأمريكي زيارة معسكر أشرف للاجئين الإيرانيين، الأمر الذي أدى إلى نوع من الاحتكاك، خصوصاً وقد تسرّبت بعض الأخبار أخيرا عن معسكر أشرف ورفعت العديد من المنظمات الدولية صوتها للمطالبة والتحقيق في مقتل نحو 35 من عناصر منظمة مجاهدي خلق داخل المعسكر، الأمر الذي اضطرت فيه الحكومة العراقية إلى طلب مغادرة الوفد من العراق. اللافت أن معسكر أشرف شهد خلال السنوات الماضية توتّرات واصطدامات وسقط العديد من القتلى والجرحى من جرّاء ذلك، وكانت الحكومة الإيرانية ومعها أطراف نافذة من الحكومة العراقية تطالب بطرد أعضاء هذه "المنظمة الإرهابية"، حتى إن كانوا بصفة لاجئين، وظلّت طهران تضغط لتسليمهم إليها، الأمر الذي دفع بأوساط واسعة من الرأي العام الدولي، بما فيه ناشطون في مجال حقوق الإنسان ومنظمات دولية معروفة، مناشدة الحكومة العراقية والقوات الأمريكية عدم تسليمهم، لأن ذلك سيعرّض حياتهم للخطر. وهنا لا بدّ من التنويه ولفت النظر إلى أن الولايات المتحدة كانت تعتبر منظمة مجاهدي خلق إرهابية، وأنها تعاونت في السابق مع الأجهزة الأمنية العراقية وقامت بمهمات مزدوجة، إلاّ أنه بعد احتلالها العراق، أقامت علاقة معها وسعت إلى رفع اسمها من قائمة الإرهاب الدولية، وتم ذلك بالفعل، وظلّت تضغط على الحكومة العراقية بعدم تسليم أفرادها من اللاجئين إلى إيران، بل إن واشنطن كانت توحي بأن موقفها الجديد ليس بعيداً عن الضغوط التي تمارسها ضد طهران بسبب سياستها الممانعة من جهة، وملفها النووي من جهة ثانية. ولهذا فإن حساسية ملف أشرف لها ثلاثة أبعاد، الأول يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، الذي يراد أن يستخدمه بتوظيف سياسي، والثاني إيراني ضاغط، خصوصاً لنفوذ إيران "العراقي"، أما البعد الثالث فهو أمريكي يريد استخدام هذا الملف كجزء من الضغط على إيران وللمناورة السياسية، وذلك لنفوذ أمريكا "العراقي". وبخصوص مسألة التعويضات أستطيع أن أتفهم إنسانياً وقانونياً موضوع مطالبة المتضررين بالتعويضات سواءً كانوا أمريكيين أو غير أمريكيين، عراقيين أو غير عراقيين، التي هي حق لكل متضرر بفعل غير قانوني وغير شرعي قامت به دولة ضد دولة أخرى أو عرّضت مواطني دولة أخرى على المستوى العام أو الخاص للضرر، مثل التعذيب والترويع والمعاملة القاسية، أو التي تحطّ بالكرامة أو استخدام الدروع البشرية أو غير ذلك، لكن مثل هذا الإدراك، وسبق أن أشرت إليه منذ احتلال العراق، ينبغي أن يتسم بالمساواة، لا سيما أن حقوق شعب كامل تضررت ولم يتم تعويضه جرّاء الغزو والاحتلال والممارسات المنافية لحقوق الإنسان، الأمر الذي سيعني الافتئات على القانون وتجاوز الحقوق الإنسانية على نحو صارخ، فمن يتحمل هدم كيانية الدولة العراقية وتعريض ممتلكاتها للنهب والسلب بما فيها متاحفها وآثارها وصروحها الثقافية التي لا تقدر بثمن. ولعل ما نشر أخيرا من فقدان 6.5 ملياردولار كانت تنقلها طائرات عسكرية أمريكية من الولايات المتحدة إلى بغداد بعد احتلاله عام 2003، وهي من أموال العراق، ما يلقي المزيد من الاتهامات والمساءلات حول مسؤولية الولايات المتحدة عن تبديد الأموال العراقية حسب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وطبقاً للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يستحق المطالبة به، إضافة إلى هدر ثمانية مليارات و800 مليون دولار صُرفت معظمها دون إيصالات قانونية في عهد بول بريمر، كذلك تبديد نحو 20 مليار دولار في ظل الاحتلال للحكومتين الثانية والثالثة، ناهيكم عن ضياع نحو 40 مليار دولار أخرى حسب تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي؟ وإذا كان الأفراد هم من يستحقون التعويضات، فمن يعوّض أرواح مئات الآلاف من العراقيين التي أزهقت بسبب الاحتلال وما بعده، وتشرّد نحو مليونين في الخارج وتقابلهم مئات الآلاف (نازحون في الداخل)، ووصل عدد الأطفال الأيتام إلى خمسة ملايين، بمن فيهم عشرات الآلاف من أبناء الشوارع وما يزيد على مليون أرملة .. فمن المسؤول عن كل ذلك ومن يعوّض خسارة العراقيين؟ أما بخصوص مسألة معسكر أشرف فإن ملف حقوق الإنسان لا يتوقف عند معسكر أشرف فحسب، بل يمتد ليشمل جميع الانتهاكات السافرة والصارخة منذ الاحتلال حتى الآن، وهو يستحق وقفة جادة، فالولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأساسية في الانتهاكات السافرة والصارخة لمنظومة حقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما استشراء ظواهر الطائفية والعنف والإرهاب والمليشيات والفساد المالي والإداري والرشا وغيرها من تجاوزات جسيمة مثل: التعذيب والاختفاء القسري والقتل على الهوية، كما أن الحكومات العراقية المتعاقبة تتحمل قسطها في هذه المسؤولية لا فيما يتعلق بمعسكر أشرف، وهي قضية إنسانية تستحق الاهتمام، بل في مجمل انتهاكات حقوق الإنسان في العراق. وهنا أيضاً لا بدّ من التوقف عند ازدواجية المعايير وانتقائية المواقف، فقضية حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة ولا يمكن التلاعب بها لأسباب سياسية، وتوظيفها لمصالح خاصة، طالما تتعلق بحقوق الناس والبشر ككل. وإذا كانت التعويضات وملف حقوق الإنسان سيبقيان مطروحين للنقاش، فالأمر يرتبط بمصير اتفاقية عام 2008 التي سينتهي مفعولها نهاية عام 2011، ولا سيما التلويح بالفراغ السياسي والأمني وعدم جاهزية القوات العراقية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وكذلك إمكانية الخروج من الفصل السابع، وهي ذاتها الضغوط التي مارستها واشنطن على بغداد مثلما ستمارسها الآن في سيناريو جديد للتوقيع على اتفاقية جديدة لتنظيم بقاء بضعة آلاف من أفراد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، مع وجود قواعد عسكرية أساسية يمكن استخدامها، ولا سيما عند الحاجة .. فهل تستطيع بغداد التملص من ضغوط واشنطن، لا سيما بخصوص التعويضات، إضافة إلى معسكر أشرف؟

 

صحيفة الاقتصادية السعودية العدد رقم 6465 الجمعة 24/6/2011

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (637)  24/06/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

 

 

ثلاث قضايا هي بمثابة ألغام تكاد تسمم العلاقات العراقية - الأمريكية، ولعل هذه القضايا طفت على السطح خلال الأيام القليلة الماضية، وقد تترك تأثيراتها في مستقبل علاقة واشنطن ببغداد، خصوصاً أن ذلك سيتقرر، حسبما تشير التوقعات خلال الأشهر القريبة المقبلة، مع قرب انتهاء مفعول الاتفاقية الأمنية العراقية - الأمريكية في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2011 .

 

القضية الأولى تتعلق بالتعويضات، فعلى نحو مفاجئ وفي خضم الجدل حول بقاء أو انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أعلن وفد من الكونغرس الأمريكي زار بغداد عن مطالبته دفع تعويضات من الجانب العراقي، بسبب الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية منذ غزوها واحتلالها العراق في ربيع عام 2003 وحتى الآن . وعلى خلفية تصريحات رئيس الوفد الأمريكي التقى دانا روهر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وناقش معه، كما جاء في تصريحه، موضوع “تعويضات الجانب الأمريكي حول خسائر جيشه في العراق”، الأمر الذي نفاه بعض المحسوبين على قائمة رئيس الوزراء “دولة القانون”، في حين اعتبره بعضهم “وسيلة ضغط” بهدف تمديد وجود القوات الأمريكية في العراق، والمقصود هنا استبدال اتفاقية 2008 التي تنتهي أواخر عام 2011 باتفاقية جديدة والموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق، بحدود عشرة آلاف (10000) أو تزيد عليها مع وجود قواعد عسكرية أمريكية تستخدمها .

 

وكان ستة من أعضاء وفد الكونغرس الأمريكي قد عقدوا مؤتمراً صحفياً في مقر السفارة الأمريكية في بغداد، طالبوا فيه بدفع تعويضات عن خسائر الجيش الأمريكي في العراق، كون الحكومة الأمريكية حسبما برروا: “لا تستطيع أن تتكبد مبالغ طائلة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها، والوضع الاقتصادي الحرج الذي تعانيه” .