اللقاء اليساري العربي

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية‎

المقالات

التيار اليساري

هيئة التحرير

الأرشيف

مكتبة اليسار

ملفات اليسار

النقابات العمالية

 

 

 

 

صفحات سياسية -صفحة المفكر ميثم الجنابي                                                                                                                                                                                                                             

بروفيسور ميثم الجنابي
رمزية الخيال المبدع في النادرة الصوفية

 

 

إن عظمة الإبداع على قدر رمزيته. وليس المقصود بالرمزية هنا سوى الأبعاد الكامنة في الإبداع، بوصفها مصدرا للتأمل الدائم والتأويل المتجدد والاستلهام الفرداني. وقدم التصوف في صياغاته المتنوعة عن وحدة الشريعة والطريقة والحقيقة أحد النماذج الكبرى للرمزية العميقة. إذ استطاع أن يؤسس بصورة نموذجية جوهرية الانتماء الثقافي وتلقائيته في صيرورة الأرواح المبدعة.

فالتصوف هو إدراك متراكم في توليف التجارب الفردية المخلصة للحق والحقيقة. لهذا كان تركيب هذه التجارب في "طريق الحقيقة" يعني أيضا تساميها في "شريعة" الثقافة نفسها. وقد وجد ذلك انعكاسه في التوليفات العميقة للتصوف، كما هو الحال وبالأخص في وحدة عوالم المُلك والملكوت والجبروت. فإذا كان مُلك التصوف هو أرضيته  الثقافية – التاريخية، فان ملكوته هو عالم إبداعه المتسامي. أما جبروته فهو إرادته المتسامية في محاولاتها توليف البيان والبرهان والعرفان، والحس والعقل والحدس، والطبيعة والإنسان والمطلق، والتاريخ والثقافة والحقيقة في  صور ومعان قابلة للتأمل الدائم والتأويل المتجدد والاستلهام الفرداني.

ليس جبروت التصوف سوى برزخ خياله المبدع .لان الإبداع في جوهره هو إرادة السموّ. وحصل في التصوف على صيغة توظيف عالم الملك (الثقافي – التاريخي) في الصور والمعاني المتسامية لعالم الملكوت (الحق والمطلق). وهو توظيف تراكم في مجرى معاناة الإرادة الصوفية تسوية ذاتها بمعايير الحق والحقيقة. ذلك يعني أن رمزيته ليست من عوالم الخيال الخالص، وليس خياله الرمزي من إبداع  التأمل المجرد. إذ لا وهم ولا أوهام في الخيال الصوفي.

إن الخيال الصوفي هو الوجدان المعقول بقيم الثقافة وبيانها (لغتها). وقد تبلور في  مجرى تهذيب الإرادة الفردية والتاريخية للتصوف نفسه. فالطريق الصوفي بحد ذاته هو طريق تربية الإرادة وتسويتها. وطريق نزع  قشور وحراشف التصورات التقليدية والأحكام الشرطية والقيم الجزئية، لان غايته النهائية التحلي بصفات الحق. وليس التحلي بصفات الحق سوى رؤية الأشياء كما هي عليه من خلال تذوقها المباشر، ومن خلال معاينتها ومعايشتها ومعاناة حقائقها في المجاهدة والمكابدة، والظاهر والباطن. مما يؤدي بالضرورة إلى تحسس وعقل الوجود بمعايير الوجدان. ومن ثم رؤية الإشارات والإحالات والدلائل في تجليات الوجود على أنها حروفا أو كلمات أو لسانا ناطقا، أي رمزا لمعنى. ومن هنا تطويعهم النماذج الممكنة في سلوك الإنسان والحيوان و"إشارات"الجماد، بالشكل الذي  يخدم إظهار قيمة المعنى. ففي نوادر المراقبة (الذاتية) على سبيل المثال، اشتق الصوفية أحد النماذج المعقولة لها من الحادثة التي تروي كيف أن بعض الوزراء كان يوما بين يدي الأمير، فالتفت الوزير إلى بعض العلماء الواقفين التفاتة عادية لوقوع حركة بينهم وصوت. فاتفق أن نظر الأمير إليه في تلك اللحظة، فخاف الوزير أن  يتوهم  الأمير عنه شيئا معيبا أو مريبا، فاخذ ينظر دوما إلى جانب (باعوجاج يوحي بالحول في العين) كلما دخل على الأمير، بحيث توهم الأمير أن ذلك لعادة أو لحول في عيني وزيره. وجعل ذلك الصوفية يبنون على هذه النادرة استنتاجهم القائل، بأنه إذا كانت مراقبة أمير لأحد اتباعه قادرة على أن تجعل من "الانحراف والحول" استقامة في عين  المراقب، فالأولى لمن هو حرّ  في "عبوديته للحق" أن يراقب سلوكه في كل قول وفعل. أو ما يرويه الشبلي عن دخله يوما على أبي الحسين النوري، فوجده معتكفا ساكنا حسن الاجتماع لا يتحرك من ظاهره شيئا. فسأله:

- من أين أخذت هذه المراقبة والسكون؟

- من سنور كانت لنا. فكانت إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر لا تتحرك لها شعرة.

أو ما يروى، علي سبيل المثال، عن مقام الرضا كيف انه كان لرجل في البادية كلب وحمار وديك. فالديك  يوقظهم  للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء، والكلب يحرسهم. فجاء الثعلب فاخذ الديك. فحزنوا عليه. وكان الرجل صالحا فقال"عسى أن يكون خيرا". ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله. فحزنوا عليه، فقال الرجل "عسى أن يكون خيرا". ثم أصيب الكلب بعد ذلك، فقال أيضا "عسى أن يكون خيرا". ثم اجمعا ذات يوم  فنظروا، فإذا قد سبي من حولهم، وبقوا هم. عندها قال الرجل"إنما اخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة"!

وهي نادرة شأن غيرها تحوي  في أعماقها إمكانية  تأويلها المتجدد، بفعل ما في  تخصصها من تعميم عميق لتجارب تسوية الإرادة وتهذيبها. إذ يمكن فهمها على أساس أن من كان ديكا يأخذه  ثعلب، ومن كان حمارا يفترسه ذئب، ومن كان كلبا يفطس. أو أن الأصوات الرتيبة المتشابهة المتكررة، رغم فائدتها في "منظومة" الوجود غير قادرة على الإنقاذ. أو أن فقدانها منقذ من مغبة الهجوم المفاجئ. أو أن الصوت (والكلمة) هما مصدر الأخطار والخطر. أو أن كل كيان يواجه الوجود بما هو فيه، والصوت هو حقيقة ما فيه. أو أن لسان الموجودات هو صياح ونهيق ونباح وما شابه ذلك ،والباقي هو صوت الإنسان المدرك لمعنى الرضا. وينطبق هذا على كل قضايا التصوف.

تستقي نوادر التصوف وجودها من معاناة الصوفي في الطريق، وتتضافر من  تواجده (وجدانه) في مقاماته (الطريق)، وتحصل على نموذجيتها في أحواله الفردية. مما يعطي لها أبعادا متجددة  في مذاق الحقيقة. وهو مذاق يحدده الطريق (الصوفي) باعتباره طريق الحقيقة. فالحقيقة غير متناهية، وطريق الصوفي هو طريق الإخلاص فيها. من هنا التنوع اللامتناهي في تذوق الحقيقة وإبداعها. فالإخلاص فرداني في الجوهر والعرض والصورة والمعنى، ويعطي لتجارب الصوفية تنوعها الهائل في إبداع الصور والمعاني، رغم تكاملها في الكلّ الصوفي (التاريخي – الثقافي).

فالجميع تدخل الطريق الصوفي من بوابة التوبة. وهي بوابة يمّهد للوصول إليها "قدر" الأحداث التي  بدورها ليست إلا مجموع التجارب السابقة، بعد انكسارها المفاجئ في "فعل" يعيد بناء المصير الروحي للمتصوف. فقد دخل أبو حفص النيسابوري، على سبيل المثال الطريق بعد أن سمع يوما قارئ يقرأ آية من القران، فورد على قلبه وارد تغافل عن إحساسه فادخل يده في النار واخرج الحديدة المحماة بيده، فقال له تلميذه: يا أستاذ!ما هذا؟ عندها ترك أبو حفص الحدادة، وقام من حانوته بعد أن رأى ما ظهر عليه. في حين كان سبب دخل عبد الله المغاور، كما يروى عنه ابن عربي، انه لما دخل الموحدين لبلة، رمت امرأة عليه نفسها وقالت "احملني إلى اشبيليه، وأزلني من أيدي هؤلاء القوم". فأخذها على عنقه وخرج بها. فلما خلى بها، وكان من الشطار الأشداء، وكانت المرأة  ذات جمال فائق، فدعته نفسه إلى وقاعها. إلا أن نفسه خاطبته:"يا نفس هي أمانة بيدي، ولا احب الخيانة وما هذا وفاء مع صاحبها". فأبت عليه نفسه إلا الفعل، فخاف على نفسه. فأخذ حجر وجعل ذكره عليه وهو قائم، واخذ الحجر فقال: به عليه! فرضخه بين الحجرين، ثم قال: يا نفسي النار ولا العار!

وفيما بين سماع الغير في تلاوة آية وهيجان الاير على امرأة مسبية، تترامى متاهات الحياة في كسرها إرادة من هو مستعد و قادر على التوبة باعتبارها بداية مصيره الأبدي. وقدم المتصوفة في نوادر شيوخهم عن كيفية دخولهم الطريق ندرة التوبة في  نماذجها المثلى. وهي ندرة تعطي لنوادرهم أبعادها المتجددة. فإذا كان الطريق في مقاماته محصورا بالعدد (الظاهر) فانه لا متناه في المساعي (الباطن). مما أعطى لنوادرهم  فيها صورا ومعان لا تتناهى. ففي مقام الفقر،على سبيل المثال، تروي الصوفية نادرة قدوم أحد الفقراء على زملائه وعليه مسح (كساء من الشعر الخشن)، فقال له بعضهم على وجه المطايبة:

- بكم اشتريت هذا المسح؟

- اشتريته بالدنيا، وطلب مني بالآخرة فلم أبعه.

وفي نادرة أخرى، قام فقير في مجلس يطلب شيئا، وقال "أنا جائع منذ ثلاث أيام". وكان هناك بعض المشايخ، فصاح عليه "كذبت! إن الفقر سرّ الله وهو لا يضع سرّه عند من يحمله  إلى من يريد". وفي التوكل، يروى عن أبي سليمان الداراني، انه دخل يوما مكة فرأى رجلا لا يتناول شيئا ألا شربة ماء زمزم. وعندما سأله "ما رأيت  لو غارت زمزم. أي شئ كنت تشرب؟ عندها صمت الرجل وأجاب "جزاك الله خيرا، حيث أرشدتني، فأني كنت اعبد زمزم". أو ما يروى في نادرة أبي حمزة الخراساني، كيف انه حج مرة، فبينما هو يمشي في الطريق، إذ وقع  في بئر، فنازعته نفسه أن يستغيث، ألا انه قهر نفسه قائلا "لا والله لا استغيث". وحالما استتم هذا الخاطر، مر برأس البئر رجلان اقتربا من فوهته وتناقشا عما إذا كان ينبغي تركه مفتوحا أو يغلقاه لئلا يقع به عابر سبيل. آنذاك همّ الخراساني أن يصيح إلا انه قهر نفسه مرة أخرى مخاطبا إياها "أصيح إلى من هو اقرب منهما". عندها سكن وهدأ. وبعد مدة  جاء من كشف رأس البئر وأدلى برجله وكأنه يقول "تعلّق بيّ يا أبا حمزة". فتعلّق به. فأخرجه. فإذا به سبع! عندها سمع أبو حمزة الخراساني هاتفا يقول له "يا أبا حمزة أليس هذا احسن؟! نجيناك من التلف بالتلف"!. وهي نادرة تعكس مفارقات الطريق كله باعتبارها مفارقات الوجود الوجدانية.

إن التذوق الوجداني لمفارقات الوجود هو مصدر الإبداع الرمزي، لأنه يكشف الحقيقة من خلال وحدة الصورة والمعنى. أي اكتشافها في اشد الصبغ نموذجية. فأسلوب التصوف في الإبداع ليس أسلوب الجدل والبرهنة العقلية، بل أسلوب بذل الروح وهذا بدوره ليس إلا أسلوب تجلي الوجدان الخالص في الصورة والمعنى. لهذا قال يحيى بن معاذ في موقفه من المحبة "لو كان إلي من الأمر شيئا ما عذّبت العشاق، لان ذنوبهم ذنوب اضطرار لا ذنوب اختيار". والاضطرار هنا هو التلقائية الصادقة والمميزة لكل إبداع حقيقي. وقد وصفها ذو النون المصري على مثال المشتاقين قائلا "سقاهم من صرف المودة  شربة  فماتت شهواتهم في القلوب، ومن خوف عواقب الذنوب، وذهلت أنفسهم عن المطاعم من حذر فوت المناعم. قد انحلوا الأبدان بالجوع وصفوا القلوب من كل كدر. فهي معلقّة بمواصلة المحبوب". وليس التعلق بمواصلة المحبوب سوى الاستمرار في حقائق الوجدان، بحيث يجعل من الممكن القول "يا حسن غراس الأشجان في رياض  الكتمان"! أي تحول الوجدان الملتهب بذاته إلى شجرة الإبداع الحي، بحيث يؤسس لإمكانية صور غاية في التنوع، كأن يرى أحدهم قيام القيامة في المنام، وشخص نائم  تحت العرش، فيسأل الله عنه الملائكة قائلا:

- يا ملائكتي، من هذا؟

- الله اعلم.

- هذا معروف الكرخي! سكر من حبي فلا يعتق إلا بلقائي!

أو ما يروى عن إبراهيم بن ادهم، كيف انه وجد يوما راحة وطاب قلبه، فطلب من الله أن يعطي له ما يسكن به قلبه قبل لقائه، لأنه أضرّ به القلق. عندها رأى الله في المنام، وهو يقول له: يا إبراهيم! ما استحيت مني تسألني أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي. وهل يسكن قلب المشتاق إلى غير حبيبه؟ أم هل يستريح المحب إلى غير من اشتاق؟

- يا رب تهت في حبك  فما ادر ما أقول!

إن تجاوز "قواعد الأدلة" والبرهان اللاهوتي، كما هو جلي في هذه النوادر، هي الصيغة الوجدانية لتطابق الصورة والمعنى في براهين الروح. وهو برهان جوهري للصوفي كما في كل إبداع حقيقي، لأنه يفترض فردية المعاناة العميقة في مواقفها من إشكاليات الوجود الكبرى باعتبارها إشكاليات بدايته ونهايته، أو إشكاليات طريقه الأبدي والأزلي. من هنا تشابه علاقة الصوفي بالطريق بعلاقة الإبداع بالحقيقة.

فالإبداع حقيقة. والحقيقة إبداع. وما يوحدهما في التصوف هو معاناة (أو فردانية) بذل الروح. بمعنى تحول وجوده إلى برهان دائم على الحقائق المكتشفة. ومن ثم  تحول وجوده إلى وجد دائم لها (الحقائق الحسية والعقلية). فقد أصيب أبي عبد الله التروغندي "بالجنون المحفوظ" أو خلطة العقل الوجدانية، لأنه عثر في بيته زمن القحط والمجاعة على مقدار من الحنطة. عندها قال "الناس يموتون من الجوع وفي بيتي حنطة"؟! فخولط  في عقله. فما كان يفيق إلا  في أوقات الصلاة. ولا يعني هذا سوى ما دعاه الصوفية بالتمسك بآداب الشريعة عند تجليات أحكام الحقيقة. أي البرهنة بالوجدان الصادق على معاناة المشاركة التامة بجسده وعقله للجماعة (الأمة) والبقاء بروحه في حيز الحقيقة. أو الرواية التي تتكلم عن ابن الجلاء عندما سألوه مرة عن الفقر فسكت. ثم ذهب إلى بيته ورجع، ثم  قال "كان عندي أربعة دوانيق، فاستحيت من الله أن أتكلم في الفقر، فذهبت أخرجها". أو ما يروى عن عقد عدم المخالفة المبرم بين أبي سليمان الداراني واحمد بن أبي الحواري. فجاء يوما احمد إلى أبي سليمان وهو يتكلم في مجلسه، فقال "يا أبا سليمان! أن التنور قد سجر فما تأمره؟" وكرر السؤال اكثر من مرة وأبو سليمان منهمك في الكلام إلى أن قال له "اذهب فاقعد فيه"! كما لو انه ضاق به. وتغافل أبو سليمان ساعة ثم ذكره فقال "ادركوا احمد فانه في التنور لأنه آلي على نفسه أن لا يخالفني"! فنظروا فإذا هو في التنور لم يحترق! وهي رمزية تكشف عن عدم احتراق الصوفي (المبدع) في حال احتراقه بتنور الحقيقة. لان الإبداع الحق هو التزام دائم بأدب الحقيقة. أي وجدان دائم لها في كل علم وعمل وحال، وفي كل قول وفعل ورؤية، وفي كل تحسس وعقل وتذوق. ومن هنا اشتراكهم في وجدانية المواقف و تنوعهم فيها. ففي ردودهم على طلب قول كلمة (لا اله إلا الله) قبل مماتهم، أجاب ممشاد الدينوري بعبارة "أفنيت  كلي بكلك! هذا جزاء من يحبك". بينما قال الدبيلي "هذا شئ قد عرفناه وبه نفنى". في حين أجاب أبو الحسين النوري بعبارة "أليس إليه أعود"؟!  بينما أكد الجنيد بعبارة "ما نسيته"! وردّ النهرجوري بعبارة "إياي تعني! وعزة  من لا يذوق الموت، ما بيني وبينه إلا حجاب العزة". بينما مات ابن عطاء متألما من إهانة الوزير الذي خاطبه بكلام غليظ وأمر بضربه على رأسه بخفه.

تتوحد في هذه المواقف الرقة المتسامية والاستعلاء الروحاني في تعبيرها الرمزي عن البرهان الدائم للحقيقة، وتكشف في نفس الوقت عن أن إبداع الحقيقة والحقيقة المبدعة، موقف يتحكم بمعالم رمزيته عمق التجربة الفردية في توليفها حقائق الملك والملكوت (الثقافة والحق)، كما في النادرة التي تحكي عن تفضيل أحد المشايخ لتلميذ من تلامذته على الآخرين. وعندما قيل له بذلك، امتحن الجميع قائلا، بعد أن أعطى لكل منهم طيرا "اذبحوه بحيث لا يراه أحدا". فمضى كل منهم  إلى مكان منعزل وذبح الطير. وجاء تلميذه المفضل والطير معه. وعندما سأله الشيخ عن سبب رجوعه مع الطير سالما، أجاب "أمرتني أن اذبحه بحيث لا يراه أحدا. ولم يكن موضع إلا والحق يراه"! عندها قال الشيخ "أقدمّ هذا عليكم، إذ الغالب عليكم حديث الخلق، وهذا غير غافل عن الحق".

فالإبداع الحقيقي هو يقظة دائمة يتحد فيها الضمير (الثقافي) بالحق (المطلق). وهو توحد لا متناه، لأنه صيغة الانتماء الفردي إلى الثقافة الخاصة والعمل فيها بمعايير الحق المتسامي.

***

 

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

 رقم 10-03-00411а

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (397)   24/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
فردانية المعرفة الصوفية

 

إن كون المعرفة هي اتصاف العارف بصفات الحق، يعطي لفردانيتها مضمونا وحدانيا. لان الاتصاف يستلزم المساهمة الفردية بخوض غمار الطريق ابتداء من التوبة وانتهاء بالفناء. أما برهانها الواقعي فيقوم في السعي الدائم لاكتشاف النسبة الفعلية بين الأنا (العادية) وبين الحق. وليست هذه النسبة سوى الحلقة التي تربط الفردانية والوحدانية في كل واحد من خلال تنوع المقامات في الطريق وتباين الاختيارات ووحدة الغايات, والتي تؤدي إلى صنع المعرفة الصوفية. فقد أجاب محمد بن الفضل على سبيل المثال على سؤال وجه إليه عن حاجة العارفين إلى الله بعبارة "لا حاجة لهم ولا اختيار. إذ بغير الحاجة والاختيار نالوا ما نالوا. لان قيام العارفين بواجدهم، وبقاؤهم بواجدهم, وفناؤهم بواجدهم". ذلك يعني أن علاقة الصوفي بالله في ميدان المعرفة تقوم في قيامه وفنائه بالله. ومن ثم فإن ارتقاء فردانية العارف إلى مصاف الأنا الحقة يعني ذوبانها في الحق. من هنا قول يحيي بن معاذ، "مادام الصوفي يتعرف فانه يواجه بقول: لا تختر شيئا ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف! فإذا عرف وصار عارفا فيقال له آنذاك: إن شئت اختر وان شئت لا تختر. لانك أن اخترت فباختيارنا اخترت وان تركت فباختيارنا تركت الاختيار.فانك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار". ولا يعني ربط الاختيار ببلوغ المعرفة في الطريقة والحقيقة سوى تهذيب الإرادة، لان المعرفة هي الاتصاف بصفات الحق، وحقيقة الإرادة في تسويتها.

تعطي هذه الدورة للمعرفة كيانها الجديد. إذ ليس فعل الأخذ والترك سوى الاختيار الساري للوحدة المطلقة. وقد أبدع الفكر الصوفي صيغا علمية وعملية (طرائقية وفردية) عديدة للكشف عن هذه الوحدة وإعادة تجسيدها. وفي الإطار العام يمكن الحديث بهذا الصدد عن اتجاهين للتصوف, هما اتجاه المعرفة العملية والمعرفة النظرية. وبهذا تكون معرفتهم قد تضمنت في ذاتها النفي الصوفي لتاريخية الثقافة الإسلامية. فقد احتوت المعرفة الصوفية في مقدماتها واقعية الثقافة وأوهامها، ومنطقية العقل وبنيته التاريخية, وعالم الروح ومساعيه الأخلاقية والميتافيزيقية. وجرى صهر هذه المقدمات - المكونات في وحدة الشريعة والطريقة والحقيقة،باعتبارها مترادفات متعالية لواقعية الثقافة وعملية العقل وأخلاقية الروح.

وإذا كانت هذه المعرفة النظرية قد جرت و تعمقت ضمن وحدة الحقيقة والشريعة، ففي عمليتها اتخذت صيغة ووحدة العلم والعمل. وفي وحدة العلم والعمل تظهر جوهرية الطريقة والحال. إلا أن هذه الثنائية الصوفية ليست أقانيما للوجود والمعرفة، بل تمظهرا في رسوم الخيال المبدع بوصفها هيكلية الوحدة التراتبية لما دعته تقاليد المعرفة الصوفية بعوالم الملك والملكوت والجبروت. وإذا كان لهذه المقارنة أصولها في لغة الثقافة، وعمليتها في تصنيفات العقل النظري، ومعناها في عوالم الروح الأخلاقي، فإن حقيقتها تقوم في تعبيرها عن أطر الرؤية الصوفية العامة وهيكليتها المجردة لا حيثياتها الواقعية. ففي عالم الملك الصوفي نعثر على عناصر عالمي الشهادة والغيب، وفيهما على ثلاثية الملك والملكوت والجبروت. وهكذا دواليك. لان العارف لا يبحث عن هيكلية صارمة أو غاية محدودة المعالم. فالمعرفة والحق أوسع من أن يجري حصرهما ضمن إطار نهائي وغاية مستنفدة. إن ميدانها هو الوجود في تجلياته اللامتناهية. وحالما تسري هذه المقدمة في وهم وظن وقناعة ويقين الصوفي، آنذاك تصبح المعرفة محركا خفيا للممارسة كالشعاع من الشمس.

غير أن ما يحدد هذه الحالة ليس معرفة الصوفي فقط، بل ومستوى المقام وثبوت الحال. من هنا قول البسطامي: "أوفى صفة للعارف أن تجري فيه صفات الحق وجنس الربوبية". وعندما قارن العابد بالعارف قال: "العابد يعبده بالحال والعارف يعبده في الحال" وعندما صّنف أهل المعرفة في علاقتهم بالله، أشار إلى أن هناك قوم طلبوا الله من حيث الغفلة عنه، وقوم هربوا من الله من حيث العجز عنه، وقوم قفوا فيما لا طلب لهم معه ولا هرب لهم عنه". بمعنى عبادته في الحال, وفيه تتجلى تلقائية اليقين المعرفي.

فالعارف لا يعترف بقدسية لغير المعرفة اليقينية. إذ يجد في حيرته أيضا حق اليقين. فقد اضطر ذو النون المصري، على سبيل المثال، أن يقول، بان "أعرف الناس بالله أشدهم تحيرا فيه". بينما حصر سهل التستري غاية المعرفة في الدهشة والحيرة. ولم يعن ذلك تشابه آراؤهما, بقدر ما يعني اشتراكهما في تذليل هذا التباين على أساس وعي تجربة المقابل بمقدار ما يتحمل استعداد المجرب. ومن الممكن هنا الاستشهاد بتلك النادرة التي يوردها الصوفية عن أحد الشيوخ وإلحاحه على أحد مريديه بزيارة البسطامي ورؤيته، بينما كان المريد يرد على ذلك:

- رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد!!

- لو رأيت أبا يزيد مرة كان خيرا لك من أن ترى الله ألف مرة!!

مما أثار استياء المريد. ولكنه حالما رأى أبا يزيد يوما ماشيا في طريقه و فروته على كتفه، صعق ومات من ساعته. وعندما أخبر الشيخ أبا يزيد بشأن المريد وموته، لم يرد عليه البسطامي إلا بعبارة:"كان يرى الله على قدره، فلما أبصرنا تجلى له الحق على قدرنا فلم يطق فمات"! لان حجم الله وحقيقته على قدر معرفته, كما أن المطلق هو الملموس الدائم. وعلى قدر العلم تتجلى جوانب الحقيقة، وعلى قدر العمل تظهر حقيقة الحقيقة.

لم يبحث الصوفية عما يمكنه أن يكون أساسا للنسبية المعرفية. لقد طوعوا نسبية المعرفة والممارسة كتجل ممكن ووحيد للمطلق في الوعي والأخلاق وربطوا ذلك بعملية السمو الروحي. مما أعطى لمفاهيمهم حركة شديدة السيولة وأبقوا في نفس الوقت على صلابتها اللامرئية. وكمنت في هذه الممارسة قيمة إنسانية رفيعة جعلت منهم كيانات تقف حتى خارج انتمائها "للتصوف". بمعنى تجاوزوهم حدود المذهبية الفرقية والعقائدية والسياسية والاجتماعية. ولم يكن ذلك معزولا عن تطويعهم العملي لحقائق المعرفة النسبية بالمعالم المغتنية للمطلق، باعتبارها حقائق الطرق الفردية اللامتناهية عن التوحيد. لهذا دعوا أنفسهم بأهل الحق والحقيقة وأهل الله (مطلق)، لأنهم وجدوا في كل ما هو موجود معلما لهم في إدراك حقائقهم وأسرارهم ومعانيهم.

وقد رافق هذه الجهود الفردية للمعرفة الصوفية تجليها المتناقض في وحدة الحركية السائلة والصلابة اللامرئية، مما أدى إلى كسر أشكال التقليدية الظاهرية ونفيها العملي، بما في ذلك في تقاليدها "المقننة". لهذا واجه البسطامي معارضي المعرفة الصوفية بفكرة أخذ الصوفية معرفتهم من الحي الذي لا يموت، على عكس أولئك الذين يأخذون معرفتهم من "الأموات". ولم يعن البسطامي بذلك إخضاع المعرفة إلى كيان ما خارج الإنسان ولا رفض ما تكتشفه من حقائق، وإلا لكان من الصعب فهم تطور الفكر الصوفي نفسه واستمراره. لقد ارتبطت فكرة أخذ المعرفة عن "الحي الذي لا يموت" باستقلالية التجربة الصوفية وفرديتها. فقد رفع المتصوفة مصدر معرفتهم إلى مصاف "الحي الذي لا يموت" (والحقيقة حية لا تموت). وأنزلوه في نفس الوقت إلى الأعماق (القلب) وبذلك يكونوا قد وضعوا أسس محاربة التقليد الفكري في صلب توجههم المعرفي. فالمعرفة بالنسبة لهم هي تذليل جهل الأنا بحقائق نفسها. حيث اشترطوا مهمة المعرفة الدائمة انطلاقا من أن الحقيقة واحدة, والحقيقة هي المطلق. وقد كمنت في هذه الفكرة ووسيلتها في الإلهام الصوفي قوة هائلة لمعارضة التقليد ,احتكار الحقيقة, والمذهبية الضيقة. لقد أعطوا للرجال والمفكرين حرية الاجتهاد والموت, وأبقوا على الحقيقة باعتبارها الكيان الذي لا يموت. وبهذا يكونوا قد أخلوا عالم المعرفة من الهيبة الفردية أيا كان مثالها ونموذجها.

ولم يجر كسر التقليد عندهم ضمن تقاليد التعرية والتشنيع ، بل من خلال صهره في بوتقة الأنا العارفة. لقد أبدع الصوفية أسلوبهم الخاص في محاربة التقليد من خلال الطريق. ولم يضعوا أمام السالك مهمة غير المعرفة. والأخيرة هي بمعنى ما مصيره الخاص، لان في قدرها قدره. بحيث جعل ذلك الجنيد يقول, بان الصوفي لا يصل إلى "درجة الحقيقة" إلا بعد أن يكون قد "شهد فيه ألف صديق بأنه زنديق". بينما لم يصل صوفيان اثنان إلى درجة الحقيقة بطريق واحد. ولم يبلغ اثنان منهم مستوى واحد فيها. لان "درجة الحقيقة" لا تنتهي. فهي كالجمال والخير مقيدة في العبارة مطلقة في المعنى دائمة في الإثارة. فقد وصل الغزالي، على سبيل المثال إلى "درجة الحقيقة" بعد مروره بتجاربها العقلية والأخلاقية العميقة، التي أدت في حصيلتها إلى انكسارها المبدع في تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي. ووضع في تقييمه الذاتي لمجرى تطوره الذهني - العقلي - الروحي  محاربة التقليد باعتبارها المقدمة الأولية لكل معرفة حقيقية. وتتبع ابن عربي خطاه من خلال مقدمات التصوف وتقاليده. وانطلق من أن المعرفة احدية المكانة ولا تطلب إلا الواحد. وبما أنها في عرف التصوف محجة، فإن كل علم لا يحصل  عن طريق العمل والتقوى والسلوك فلا يعد معرفة، لان معرفة الأمور بـ "الزوائد" هو التقليد عينه. فالانسان لا يعلم شيئاإلا بقوة من قواه العقلية أو الحسية, كما يقول ابن عربي. فهو أما مقلد بحسه أو عقله فيما يعطيان له. ويمكنهما أن يصيبا ويخطئا. بينما حقيقة المعرفة تقوم في معرفة ذات الأشياء أو الأشياء في ذاتها. وهذا مما لا يحصل بالتقليد. وإذا كان ولابد منه (التقليد) فليقلد الله . إلا أن تقليد الله لا يعني بنظر ابن عربي سوى معرفة حقائق الأشياء كلها لأنه لا قائم إلا بالله. وبالتالي فلا طريق إليها إلا بمعرفة الأمور كلها بالله. أي النظر إليها بعين المطلق.

إن النظر إلى الأشياء بعين المطلق هو العلاقة الجديدة للتصوف بالمعرفة، اما تجسيدها العملي فيجري من خلال نفي العلائق، باعتباره أسلوب الكشف الدائم عن عرضية ما سوى المطلق. ونفي العلائق في العلم والعمل الصوفي هو علاقة خاصة. أما التناقض فيها فليس من مماحكات الوعي الجدلي، بل من صميم الاحتكاك والصراع الفعلي لوحدة  المجرد والملموس، والمطلق والنسبي ,والدائم والعابر، واللغة والشعور، والمعرفة والجهل. فعندما وصف البسطامي، على سبيل المثال، العارف في الجهل والمعرفة، قال "لا يزال العبد عارفا مادام جاهلا. فإذا زال عنه جهله زالت معرفته". ومن هنا كانت بدائل التصوف في تذليل هذه التناقضات تجري من خلال إبداع وحدتها الجديدة, والتي أطلق عليها الصوفية عبارة دوام السر والرجوع الدائم. آنذاك يندمج الأزل والأبد في التحديث الدائم من قبل الحق. غير انه لا أزل ولا أبد في حقيقة التصوف، بل الآن الدائم. وفي كل وجود وجوده المناسب. ففي السماع نغم الحياة الساري، لأنهم كما يقول الجنيد "يحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال". ففي حال خطاب التوحيد (الست بربكم؟) كما يقول السهروردي فان "وقته يصير سرمدا وشهوده مؤبدا وسماعه متواليا متجددا". ذلك يعني بان الأبد والأزل ليس مقولات الزمان. إذ لا زمان إلا في الوجود ولا جود إلا في الموجود ولا موجود إلا في المعرفة ولا معرفة إلا في علاقة ولا علاقة للعارف. إننا نقف أمام النفي الدائم باعتباره أسلوب وجود المعرفة.إذ لا علاقة في هذا النفي سوى استمرارية نفيها. وقد حدد ذلك وتحدد أيضا، بقطع السالك للمسالك في الطريق .غير أن مضمون الطريق لا يتحدد بقواعد . فقواعد الطريق بصيغتها المباشرة هي عوائق عبور الجسد، وفي صيغتها غير المباشرة هي "صواعق" تذليل النفس، وفي كليتها هي معالم إبداع الوحدة، أي كل ما حصل في الفكر الصوفي على  تعبيره في "التخلق بأخلاق الله" و"استظهار القرآن" الصوفي. وظلت هذه "التقنية" رغم قواسمها المشتركة، تتمايز في ما بينها بفعل الثقافة الخاصة للصوفي والتوجه العام لطريقته. فالطريق الصوفي يستلزم المعرفة به. إلا أن هذه المعرفة لا تخلق ممارسة موحدة.  وهو تباين يؤدي إلى استيعاب متنوع لحقائق الطريق. فقد ردد أبو السعود الشبلي البغدادي عن أستاذه الشيخ عبد القادر الجيلاني قائلا: طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب، وطريقنا في طريق عبد القادر غريب!! أما في الواقع فلا غرابة في فردانية السلوك من وجهة نظر حقائق التوحيد. إذ ليس الطريق في غرابته سوى أسلوب تذليل مفارقات الوعي العقلي، الذي يطوي في ثناياه تجزئة الوجود والظواهر.

***

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (395)   21/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

وحدانية العارف الصوفي

 

 

ترتبط وحدانية العارف بنزعة التصوف في بحثه عن الوحدة، باعتبارها نتاجا لتذليل تناقضات الوجود. فالبحث عن الوحدة هو الصفة المميزة لكل تفكير فلسفي، أو على الأقل انه الحافز القائم في أعمق أعماق الذاكرة والوعي. لان البحث عن الوحدة يسعى للاستناد إلى عنصر جوهري وبؤرة مركزية يبحث فيها عن معنى كل ما هو موجود. وقد حدد ذلك ضرورة الوحدة،التي تؤدي إليها رؤية التصوف للكون والوجود. وهي رؤية تفترض احتواء الكل والابتداء من النهاية على عكس العادة. لهذا بدا المتصوفة غرباء الأطوار. لان أطوارهم تتعارض في أساليبها مع نمط الحياة العادية. فالصوفي ينظر، على سبيل المثال، إلى الجميل والأخلاقي بمعايير  الوحدة. إذ لا جميل أو قبيح ، أخلاقي أو لا أخلاقي بحد ذاته. إن الجميل والأخلاقي هو الكل. و من ثم لا يعني رفض الصراع والعذاب والمعاناة سوى النتيجة الملازمة لغلبة الحسية المبتذلة والبهيمية الانفعالية. من هنا قول المتصوفة : "البلاء للولاء كاللهب للذهب"! مما حدد أسلوبهم في التعامل مع ظواهر الوجود.

إلا أن التعقيدات والإشكاليات المترتبة على هذه الرؤية تنحلّ و تتلاشى في الفكرة الصوفية عن الوحدة، باعتبارها حصيلة العلم والعمل في سعيهما لإدراك "سنّة الوجود" بوصفها "السّنة الخاصة" للصوفي. وليست هذه السّنة سوى الامتلاء الصوفي والتطهير القلبي، الذي تتوقف على نصاعته وصقله رؤية الوجود الحق. وقدم أبو طالب المكي صورة نموذجية في تعبيرها عن علاقة العارف بالتوحيد، تكشف فرديته السلوكية وصفته التوحيدية، انطلاقا من "أن طلب العارف لا يعرف، ولا يكيف نصيبه، ولا يوصف كنه قدر مطلوبه". فهو يضع الحدود الممكنة للمعرفة في مساعيها عن العارف وراء الحيرة التي يفرضها منطق النفي المتسامي. بينما اعتبر "عطاؤهم غير مخلوق ومشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى حق اليقين. فأول نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين". ذلك يعني بان منطق النفي المتسامي هو منطق الحيرة المعرفية - الأخلاقية التائهة  في وله التوحيد. لهذا تكلم أبو طالب المكي عن عدم المعرفة وعدم التكيف وعدم الوصف ونفيهم فيما أسماه بالعطاء والمكاشفة. فالعطاء ليس هبة الحصول على شيء ما، بل هو وجد الوجود. أما مشاهدتهم فهي نفي الحيرة لأنها وصف التحقيق بعين اليقين. أما علم اليقين فهو "صفاء المعرفة بالله". وهي لا تصفو في نظر الصوفية إلا للعارف الحق، أي لأولئك الذين يتحول عندهم آخر علم الإيمان إلى أول عين اليقين. بحيث تتحول المعرفة الظاهرية في أدق أنواعها و أعلى مستوياتها إلى مقدمة منفية في معرفة التوحيد. من هنا استنتاجه عن انه لا آخر لأول علم اليقين، لأنها وجهة التوحيد. وهو علم لا انقطاع فيه ولا آخر. ومن هنا فكرة المكي عن أن "ظاهر التوحيد يقوم في توحيد الله في كل شيء، وتوحيده بكل شيء, ومشاهدة إيجاده في كل شيء... وانه لا نهاية لعلم التوحيد ولا غاية لمزيد عطاء الموحدين". وعندما ربط المكي حقيقة التوحيد بالمعرفة فانه استند بذلك إلى أن الصوفي لا يصل إلى مشاهدة علم التوحيد إلا بعلم المعرفة وهو نور اليقين. ولا يعطى نور اليقين حتى "تتمخض الجوارح بالأعمال الصالحات". ولا يمكن توقع هذه الوحدة الداخلية بين اليقين والتوحيد، التي يخلقها الإرتقاء الأخلاقي - المعرفي للصوفي  دون تنقية  القلب والفناء في التوحيد.أو ما دعاه المكي بوحدة الروحاني والرباني في العارف. إذ لا يصح مقام المعرفة، كما يقول المكي "إلا بعين اليقين وشاهد التوحيد بعد أن لا يبقى عن النفس بقية في مقام اليقين, ولا من الخلق رؤية في شاهد التوحيد. فيكون روحانيا بعد فناء النفس باليقين ربانيا عند شهود الخالق. سبق منه التوحيد, لان العارف لا يوسم بحال دون حال وقد استغرق بالأحوال. ولا يوسم بمقام دون مقام إذ قد جاوز المقامات. فحقيقة معناه عارف بالمعروف الذي هو بكل نهاية وفضل موصوف". وفي الوقت الذي وضع المتصوفة همّ الوحدة في أساس السلوك العملي للعارف وطالبوه بإنجاز قدره في طريقه ورؤية غيبه في قدره، فانهم أدركوا في نفس الوقت  مخاطر هذه العملية بالنسبة للروح الأخلاقي, كما هو جلي في فكرة الطريق ومجمل قواعده الظاهرية والباطنية.

لم يبتعد المتصوفة عن إنجازات الفكر الكلامي والفلسفي والعلمي التجريبي في نظراتهم المتعمقة عن وحدة الإنسان في أجزائه. والمقارنات التي يقدمها المتصوفة عن النفس والروح وغيرها تستند في اغلبها إلى إنجازات العلم التجريبي (الطبيعي) والمقارنة الفلسفية التأملية. فالطريق الصوفي هو الآخر "تجريبية" من نوع خاص، لا يقدم للمريد والسالك إلا العناصر الأولية والمبادئ الكبرى دون أن يفرض عليه نمطية ثابتة. إذ لا نمطية صارمة في الوجود، كما يعتقد الصوفية، سوى نمطية الوجود ذاته وموقع الإنسان فيه. أما الادعاء بالحرية الكاملة فهو وهم الحرية. لهذا سعوا دوما للحرية والوحدة من خلال نفي التعددية في النفس (النباتية والحيوانية والإنسانية) وفي الممارسة (العلم والعمل) وفي الوجود (أنا وأنت، والوحدة والكثرة). ولم يبحثوا في معرفتهم عن حيثيات الظواهر، أو ما دعوه أحيانا  بمستودع السر الإلهي. وحالما يقتنع الصوفي بهذه المقدمة فانه يتأسّر بمعرفته الخاصة. ويظل يبحث في عالم الطبيعة عما يمّكنه من الارتفاع إلى ما وراء الطبيعة، وعما يمّكنه من إيجاد الصلة الحية بالكون.

فالصوفي لا يوجه جهده لبلوغ معرفة موضوعية وعملية عن هذه العملية، لان تجزئة العالم بالنسبة له من هوس العقل. انه يدرك الإمكانيات الجزئية والضرورية للعقل، لكنه يرفض نتاجه  في العمل، لأنه لا معنى له في حاله المتغير. فالفعل لا يتعامل في أفضل الأحوال إلا مع موضوعه دون أن يتأمل حقيقة ذاته. وإذا تأملها فانه لا يستطيع رؤية حقيقته، لأن حقيقته جزء منه. لهذا أجاب أبو الحسين النوري عن سؤال وجه إليه:

- كيف لا تدركه العقول ولا يعرف إلا بالعقول؟

- كيف يدرك ذو أمد من لا أمد له. أم كيف يدرك ذو عاهة من لا عاهة له ولا آفة؟ كيف يكون مكّيف من كيّف الكيف؟ أم كيف يكون محايثا من حيّث الحيث فسماه حيثا؟ وكذلك أول الأول وآخر الآخر فسماه أولا وآخرا؟  فلولا انه أول الأول وآخر الآخر ما عرف ما الأولية وما الأخروية... وما الأزلية في الحقيقة إلا الأبدية، ليس بينهما حاجز، كما أن الأولية هي الآخرية والآخرية هي الأولية. وكذلك الظاهرية والباطنية. إلا انه يفقدك وقتا ويشهدك وقتا لتجديد اللذة ورؤية العبودية. لان من عرفه بالخلقة لم يعرفه بالمباشرة. لان الخلقة على معنى قوله كن. والمباشرة على إظهار حرمة لا استهانة فيه". وعندما سئل في حالة أخرى:

- بم عرفت الله؟

- بالله!

- فما بال العقل؟!

- العقل عاجز لا يدل إلا على عاجز مثله! لما خلق الله العقل قال له: من أنا؟ فسكت. فكحله بنور الوحدانية، فقال: أنت الله! فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله .

إن عجز العقل عن رؤية الوحدة والكلّ ناتج بنظر النوري عن جزئية قواه النظرية ومحدوديتها المنطقية. فالعقل يحصر الكون والوجود في قيود تصوراته وتأملاته. ويتقيد لهذا السبب بالبحث عن بداية ونهاية وكم وكيف وحيث عما لا يمكن تحديده. بينما حقيقة الوحدانية خارج الجزئيات ووراء أشكالها العقلية بما في ذلك في مقولات الأول والآخر والأزل والأبد. وبهذا المعنى نظر النوري إلى عجز العقل والى دلالته على عاجز مثله. بمعنى محدودية وجزئية أحكامه ومفارقة ادعائه معرفة المطلق فيها. ومن هنا استنتاجه القائل بان العقل يبدأ في رؤية الكلّ حالما يكتحل بنور الوحدانية، أو ما دعاه الصوفية أحيانا برؤية الكلّ في الكلّ، أو معرفة الله بالله.

فالصوفي لا يسعى إلى إدراك حقائق قائمة بحد ذاتها من أجل أن يشير إليها بكلمات الاكتشاف الظاهرية: ها قد وجدتها!! ولا يعني ذلك غياب تعبيرية كهذه. فالاكتشاف الصوفي يؤدي أيضا إلى الهتاف! ولكنه مع ذلك يبقى مجرد انعكاس لوجده. أما في تعبيريته، فإنه يعكس ملامح الروح الصوفي. وسوف يعطي الصوفية لهذه "الاكتشافات" تسمية الشطح. أما في الواقع، فان الشطح هو الصيغة "المتهورة" للروح الكبير والنتاج الضروري لتطور التجربة الصوفية ومستوى "غرابة" الصوفي في الطريق. إذ وراء كل "شطحة" تجربة صوفية تماثلها، كما أن لكل صوفي شطح على قدر تجاربه وأحواله. فالشطح اكتشاف له مقوماته الخاصة في العقائد  المنظومة للصوفي، والتي لا يمكن فصلها عن نسيج تجربته الشخصية في مواقفها من مختلف القضايا. انه اكتشاف العالم الظاهري من خلال التنقية المستمرة لقلبه الكوني. ولا يعني ذلك حسب عبارات الصوفية، سوى إزالة الرين أو صدأ الوجود عنه من أجل جعله مرآة تنعكس فيها حقائق الماضي والحاضر والمستقبل، التي عبر عنها القشيري قائلا:المعرفة هي الحالة التي يبلغ بها الصوفي درجة التحدث من قبل الحق "بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره". وليس إلا الوعي السطحي وتحجر الطرق الصوفية في مراحل انحطاطها هو الذي أعطى لهذه المفاهيم هيئة القدرة الخرافية على التنبؤ السحري. أما في الواقع فلم يقصد الصوفية بذلك سوى تحول القلب إلى مرآة الوجود. وليس المقصود هنا بالقلب سوى الروح المعرفي - الأخلاقي.

إن الفكرة العامة عن سعة القلب وقدرته على احتواء المطلق ( الله) هو تعبير عن الأدب الصوفي تجاه الله، وعن ارتقاء العارف في مقاماته. فقد صاغ ابن عربي فكرة "إن قلب المؤمن أوسع من رحمة الله" انطلاقا من أن رحمة الله لا تسع الله بينما قلب العارف يسع الله ورحمته. ولم يقصد هو بذلك سوى الإمكانية اللامتناهية للقلب على احتواء المطلق وتجلياته. فقد تجاوز الفكر الصوفي ظاهرية علم الكلام في الجدل حول الله، لأن حقيقة المعرفة بالنسبة له تقوم في تذوقها. واضطره ذلك للبحث عن حسيتها فوجدها في كل ملموس، ثم في كل ما هو مجرد، ثم في وحدتهما. وليست هذه الوحدة في سكره وصحوه، وتفرّقه وجمعه، وبقائه وفنائه سوى المطلق. إذ لا معنى للمطلق بدون الحركة الدائمة والآن الدائم. ولا يعني بلوغ المطلق سوى أسلوب تذوق وتحقق ومشاهدة ومكاشفة تجلياته اللامتناهية. وبهذا المعنى يصبح قلب العارف مرآة الوجود.

ليست مفارقة المعرفة هنا انعكاسا لمفارقة الوجود، ولا بالعكس. فالمتصوفة أدرى بتناقض هذه الصياغة من حيث المظهر والوجود، إلا أن ضرورتها في الوعي الأخلاقي تنبع من اتخاذهم العالم الصغير (الإنسان) مرآة للعالم الكبير (الوجود - الكون). ولم يقصد المتصوفة بذلك رسم مقارنة تجسيمية - حشوية بين عالم الملك والملكوت ( الطبيعة وماوراء الطبيعة)، بقدر ما تعني إعادة اكتشاف السرّ في الوجود أو حقيقة الأشياء كما هي من خلال إزالة التراكمات الاجتماعية والفكرية والنفسية التاريخية. آنذاك لا يعني التحدث من قبل الحق أو رؤية الماضي والحاضر والمستقبل سوى صفاء القلب في التعامل مع الفكرة والواقع. من هنا واجه البسطامي متكلمي وفقهاء عصره بكلمات "أخذتم علمكم ميتا عن ميت. وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثنا فلان. وأين هو؟ قالوا : مات!!" وأورد الحارث المحاسبي فكرة شبيهة عندما قال: "مضت عليّ ثلاثون سنة لم أسمع فيها شيئا إلا من رأسي. ثم دارت علي ثلاثون أخرى لم اسمع فيها شيئا إلا من الله". بينما أجاب الجنيد عن سؤال وجه إليه:

- بم نلت ما نلت؟

- من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة !!

وأومأ إلى درجة في داره.

***

 

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

 رقم 10-03-00411а

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (392)   18/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

وحدة البيان والبرهان والعرفان في الابداع الصوفي

 

 

من الممكن توقع حجم المعاناة المرهقة للروح والجسد، التي جعلت النفرّي  يصرخ في أعماقه يوما قائلا "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"! وهي مفارقة  لها أبعادها الخاصة في الكيفية التي يبدع بها الروح الصوفي وحدة الحقيقة والمعنى في العبارة، كما  في قوله:

رأيت الأبد

 ولا عبارة في الأبد!

وهو أمر يجعل الروح المبدع  يتولع في العبارة ويتفنن بها في آن واحد، بحيث تقض مضجعه تراكمها في معاناة الوجدان و وجد المعنى، كما في موقف النفرّي:

إذا جئتني فألق العبارة وراء ظهرك

والق المعنى وراء العبارة

والق الوجد وراء المعنى.

مما يطالبه بالتمام في التعبير عما هو موجود وواجب. من هنا تمام التعبير في المدح والذم، والتأييد والاحتجاج، والتمام في الهيجان والسكون (المواقف). أي تطابق ظاهر وباطن الوجدان والمعنى في العبارة. وهو تطابق يشحن العبارة  (الصوفية) بالمعنى بفعل احتوائها وحدة البيان والبرهان والعرفان، و يعطي للمعنى أعماقه السحيقة بفعل استبطانه عوالم الملك والملكوت والجبروت. فإذا كانت العبارة تتمسك بقواعد اللغة في بيانها، وبقواعد المنطق في برهانها، فان عبارة الصوفية تعّبر عن منطق الروح المبدع  في صهره نسب الحقائق المتراكمة في معاناة وجدانه للمعنى.

إن صهر نسب الحقائق المتراكمة في وجدان المعنى هو جوهر الإبداع  الصوفي،لأنه يذلل بيان اللغة ومنطقها (الجدلي والبرهاني) في عرفان التجربة الفردية. فالجنة والنار،على سبيل المثال، باعتبارهما مفاهيما وقيما في اللغة والمنطق أيضا، يحتويان في البيان جمالهما الصوري (التعبيري)، وفي الحياة معناهما الوجودي والأخلاقي، وفي العقائد غائيتهما المتسامية كتجل للعدل والقصاص. انهما يحتويان على معان متنوعة قابلة للأخذ والرد، والإيمان والشك، والبرهان والجدل. بينما يتخذان في العبارة الصوفية هيئة السبيكة الوجدانية لمعاناة الحقيقة والمعنى، كما في المحاورات التي يوردها النفرّي عن الجنة والنار. ففي الموقف من النار المحاورة التالية:

- قال لي : ما  النار؟

- نور من أنوار السطوة.

- ما السطوة ؟

- وصف من أوصاف العزة.

- ما العزة؟

- وصف من أوصاف الجبروت.

- ما الجبروت؟

- وصف من أوصاف  الكبرياء.

- ما الكبرياء؟

- وصف من أوصاف السلطان.

- ما السلطان؟

- وصف من أوصاف  العظمة.

- ما العظمة؟

- وصف من أوصاف الذات.

- ما الذات؟

- أنت الله لا اله إلا أنت.

- قلت الحق!

- أنت قولتني.

- لترى  بينتي!

 

وفي الموقف من الجنة، المحاورة التالية:

- قال لي :  ما الجنة؟

- وصف من  أوصاف  النعيم.

- ما النعيم؟

- وصف  من  أوصاف  اللطف

- ما اللطف؟

- وصف من أوصاف الرحمة.

- ما الرحمة؟

- وصف من أوصاف الكرم.

- ما الكرم؟

- وصف من أوصاف اللطف

- ما اللطف؟

- وصف من أوصاف الود.

ما الود؟

- وصف من أوصاف الحب.

- ما الحب؟

- وصف من أوصاف الرضا.

- ما الرضا؟

- وصف من أوصاف الاصطفاء.

ما الاصطفاء؟

- وصف من أوصاف النظر.

- ما النظر؟

- وصف من أوصاف الذات.

- ما الذات ؟

- أنت الله!

- قلت الحق.

- أنت قولتني.

- لترى نعمتي.

مما سبق يبدوا واضحا تجاوز الأبعاد الحسية والعقلية، أو البيانية والبرهانية  في مفاهيم الجنة والنار إلى مداها الذوقي. أي تذويبهم جميعا في وحدة الحقيقة والمعنى، لان استخلاص الحقيقة يجري من تراكمها في منطق الإخلاص للحقيقة لا من جدل الخلاف والتضاد والمخاصمة والمحاججة. مما يؤدي إلى إبداع المعنى بوصفه وجدانا للمعاناة الفردية. فالجدل هنا هو جدل الروح المخلص في تتبعه سلسلة المعنى في الحقيقة. فالنار هي ليست كمية أو نوعية الاحتراق ولا قوة الخراب والدمار، بل سلسلة السطوة والعزة والجبروت والكبرياء والسلطان والعظمة. وكذلك الحال بالنسبة للجنة. فهي ليست كمية أو نوعية الوداعة والراحة والاطمئنان والهدوء والتلذذ، بل سلسلة النعيم واللطف والرحمة والكرم والعطف والود والحب والرضا والاصطفاء. أنها سلسلة بلوغ المطلق بالمطلق، وسلسلة المعنى في لسان الروح المبدع . ففي النار نعثر على معنى البينة، وفي الجنة على معنى النعمة باعتبارهما رؤيا، أي الإمكانية الدائمة في تعمق الرؤية و توسع احتوائها بسبب استمداد المعنى من وجدان سلسلة الحقيقة. أنها مشحونة بالمعنى لأنها توّحد عوالم الملك والجبروت والملكوت، أو البيان والبرهان والعرفان باعتبارها سلسلة الوجود المادي والروحي للصوفي، وسلسلة حقائقه ومعانيها. من هنا تجليها في كل وجد  وحال وفي كل موقف ومقال. فعندما حبس الشبلي  وقتا في المارستان، ودخل عليه جماعة  من  أصحابه، سألهم  من هم، فأجابوه، بأنهم  أحباؤه جاءوه  زائرين. عندها اخذ  يرميهم  بالحجر وهو يقول "يا كذابون! لو كنتم أحبائي لصبرتم على  بلائي!". في حين سجد أحد  الشيوخ  شاكرا بعد أن  صبّ على رأسه طست من رماد و هو مار في شارع. وعندما قيل له "ما هذه السجدة"؟، أجاب : كنت انتظر أن تصب عليّ  النار. فالاقتصار على الرماد نعمة! ويروى عن إبراهيم الخواص انه رأى  مرة وهو في طريق الشام شابا حسن المراعاة، فقال له:

- هل لك في الصحبة؟

- أني أجوع.

- أن جعت، جعت معك.

فبقيا هكذا أربعة أيام دون أكل. وفي اليوم الخامس حصلوا على ما حصلوا، فقال إبراهيم للشاب:

- هلمّ!

- اعتقدت أني لا اخذ بواسطة.

- يا غلام دققت.

- يا إبراهيم لا  تتبهرج! فان الناقد البصير مالك! واقلّ التوكل أن ترى عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات.

ويحكى أن رجلا رأى من بعض المحبين لله  ما استجهله فيه، فاخبر بذلك معروفا الكرخي، فتبسم وقال "يا أخي أن لله محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين. فهذا الذي رأيته من مجانينهم"! ودخل الجنيد مرة على السري السقّطي، فراه متغيرا. فقال له:

- ما لك؟

- دخل عليّ شاب فسألني عن التوبة فقلت له "أن  تنسى ذنبك"، فعارضني وقال "بل التوبة أن تنسى توبتك".

- إن الأمر عندي ما قاله الشاب.

- و لم؟

- لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء.

عندها سكت السقّطي وسكن. وعندما سألوا فتحا الموصلي عن الصدق، فانه ادخل  يده في كير الحداد واخرج الحديدة المحماة ووضعها على كفه وقال"هذا هو الصدق"! وحكي عن الجنيد انه قال مرة "رأيت في المنام  كأني أتكلم على الناس، فوقف عليّ ملك فقال: اقرب ما تقرّب به المتقربون إلى الله ماذا؟ فأجبته: عمل خفي بميزان وفيّ"! وعنه أيضا، انه قال مرة "رأيت في المنام  كأني واقف بين يدي الله، فقال لي: يا أبا القاسم! من أين لك هذا الكلام الذي تقول؟ فأجبته: لا أقول إلا حقا!

إن هذا العمل الخفي بالميزان الوفي، الذي  يتجلى أثره  في المواقف والأفعال،  كما هو الحال في أمثلة الصبر والشكر والتوكل والجدل والصدق ما هو إلا ميزان الحقيقة  والمعنى المتراكمين في تحسس وعقل وتذوق نسب الوجود (الملك والملكوت والجبروت) وترتيبها في الإبداع.

ومن الممكن اتخاذ حِكَم ابن عطاء السكندري في كتابه (الحكم العطائية) نموذجا للعبارة المشحونة بالمعنى، أي تلك التي تتشكل في قواعد ما أسميته بمنطق الروح الصوفي المبدع، باعتباره منطق الصهر الدائم لنسب الحقائق المتراكمة في المعاناة  الوجدانية للمعنى، ومنطق توحيد الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في العبارة (الحكمة). فقد صاغ موقفه من الهمّة في حكم عديدة منها:

"سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار"

وفي الموقف من الأعمال في الحكمة القائلة:

"تنوع أجناس الأعمال لتنوع  واردات الأحوال"

 

وفي الموقف من الظاهر والباطن،الحكمة القائلة:

"من أشرقت بدايته أشرقت نهايته"

 

وفي الموقف من الوسيلة والغاية، الحكمة القائلة:

"لا  ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحا

يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه،

ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون"

 

و في الموقف من الصيرورة والديمومة، الحكمة القائلة:

"نعمتان ما خرج موجود عنهما

ولا بد لكل مكون منهما

: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد"

 

نعثر في كافة هذه الحِكَم، سواء ما يتعلق منها بالهمّة، والأعمال، و العزلة، ومفارقات الوجود، والظاهر والباطن، والوسيلة والغاية، والصيرورة والديمومة، والحق والحقيقة، والإنسان وإشكالياته على توحيد نموذجي لأبعاد البيان (جمال العبارة) والبرهان (دقتها) والعرفان (جلائها المباشر). وفي الأبعاد كلهّا نعثر على وحدة الحقيقة والمعنى، ومن ثم إمكانية تأويلها المتجدد  بمعايير الحس والعقل والحدس، باعتبارها بداية ونهاية الإبداع في العبارة.

***

 

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (392)   18/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

 

 

 

 

نطق القلب و منطق الثقافة  في الابداع الصوفي

(2-2)

تبدع الثقافة تصوراتها وانطباعاتها وأحكامها عن الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، عن الروح والجسد، والعقل والمعرفة، والاجتماع والسياسة، والإنسان وإشكالياته، بما يتناسب مع تجاربها من قوالب التعبير المتنوعة في اللغة والرمز، والإشارة والعبارة، والخط والرسم ، والنحت والعمارة. والإبداع الحقيقي فيها هو ذاك الذي يعّبر عن وحدة تعرجاتها في الاستقامة، بمعنى أيجاد عين الاستقامة في الاعوجاج، كما دعاه ابن عربي.

وقدم التصوف في موقفه من الكلمة وإبداعها أحد النماذج الرفيعة  للثقافة. فالكلمة الصوفية (المصطلح الصوفي) يعّبران في استقامة الروح الخالص عن اعوجاج الثقافة وانحرافاتها وانكساراتها وتعرجاتها الهائلة في ميادين البيان والبرهان. إننا نعثر فيهما على إخلاص لوحدة الحقيقة والمعنى. من هنا شفافية وحساسية المرآة والتجليات و الحلول الساري والجاري و أم الكتاب والظل والأفق المبين وبيت الحكمة وألوان الموت وأنواع السفر وأئمة السماء وأرائك التوحيد كما لو أن التصوف أراد الكشف عما وراء السريان والجريان والصفاء والظل والأفق والألوان من معان تعّبر عن حقيقة الرؤية التي أبدعتها  الثقافة في تجارب انتمائها لذاتها وإدراكها لقضايا وجودها التاريخي في ميادين  الماوراطبيعي والأخلاق والاجتماع.

أعطى التصوف بما في ذلك لأشد الصيغ "تجريدا"، التي بلورتها أيضا تقاليد الفقه والكلام وعلوم اللغة، ملامح "الحسية" المفرطة و روح "الحلول" المثيرة. أما في الواقع فان حسية التصوف وحلوله يستمدان وجودهما من وجدان التعامل مع قضايا العقائد وغيرها من الأمور، بحيث لم يحاصرا أنفسهما في تعابير الكلام عن "هي" (الصفات) "هو" (الله) أو "هي هو"  أو "هي لا هو"  أو"هي هو ولا هو" وغيرها من الصيغ، بل تحولت إلى " أئمة " متعالية. وإلا فكيف يمكن للصوفي أن يتربع على "أريكة  التوحيد" وهو الذي يسعى لان يكون مع الله بلا علاقة؟!  ذلك يعني أن "أرائك التوحيد" هي أسس وجوده الروحي والجسدي التي توحد في حسيتها وجماليتها برهان الثقافة عن قيمة ومعنى الارتماء في أحضان الرؤية التوحيدية (الصوفية).

ويجعل ذلك من الكلمة الصوفية مصدرا للرؤية المتجددة، لأنها تحتوي  في  وجدانية إبداعها على خصوصية تكوّنها في لغة المعاناة الحية للتجربة الفردية. من هنا  عنفوان "روح التأويل" الصوفي، شطحاته وتعرجاته في الكلمة، واستقامته في الحقيقة. ويستند هذا بدوره إلى تراث الثقافة الإسلامية نفسها في إبداعها مفاهيم وأساليب الظاهر والباطن والحدّ والمطلع. غير أن التصوف أعطى لهذه الرباعية (الظاهر والباطن والحد والمطلع) أبعادها العرفانية أو الذوقية الخاصة فيما اسماه "بالحقيقة القرآنية". وليست الأخيرة سوى حقائق الرؤية الثقافية المتبلورة في ميادين الحس والعقل الإسلاميين. لهذا كان بإمكان ابن عربي تقرير فكرته عن أن الإنسان حالما يفنى في الحق، فانه يظل موحدا فاعلا ما فعل وقارئا ما قرأ. ذلك يعني إن فعله وتأويله مبني على أساس تجربة الروح الفرداني في إخلاصه للحق. من هنا انهماك الروح الصوفي (وتلقائيته)  في توحيد البيان والبرهان والعرفان في الرؤية  باعتباره صهرا متجددا لنسب الحقائق الحية  للملك والملكوت والجبروت. فعندما فسر القشيري القرآن في كتاب (اللطائف)، فانه سعى لكشف "اللطيفة" (السرّ والمعنى) في الكلمة القرآنية، أي تأويلها بشكل يوّحد الحقيقة والمعنى في وجدانية الرؤية. فهو يؤول،على سبيل المثال، الآية القرآنية (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس  ينبغي  لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار)، بصيغة أعطى  لها مظهر الوحدة الحية لنسب الحس والعقل والحدس. فقد وجد فيها معنى أن الإنسان في أوان القلب ضعيف مختصر الفهم، ثم يتفكر حتى تزداد بصيرته. فهو كالقمر يصير كاملا ثم  يتناقص ويدنو من الشمس قليلا قليلا. وكلما ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا حتى يتلاشى. ثم يبعد عن الشمس فلا يزال يتباعد حتى  يعود  بدرا. وشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته، وصاحب تمكين غير متلوّن يشرق من برج سعادته دائما، ولا يأخذه كسوف ولا يستره سحاب. وشبيه القمر إنسان تتلوّن أحواله في تنقله. وأوّل الآية القرآنية (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة) بصيغة جعلها تجسيدا لتناسب الجسد والنفس والروح. وكتب بهذا الصدد قائلا، بان النفس هي محل الأنانية، لهذا جعل الله الجنة (القلب) في مقابلها. وجعل ثمن القلب أجلّ من الجنة، وهو ما يخص به الأولياء. وأما القلب  فأستأثره قهرا. والقهر في سّنة الأحباب اعزّ  من الفضل، وفي معناه انشدوا:

بني  الحب  على  القهر  فلو         عدل المحبوب يوما لسمج

ليس يستحسن في حكم الهوى        عاشق بطلب تأليف الحجج

وفي تأويله للآية (ومما رزقناهم  ينفقون) حاول أن يظهر نموذج الوحدة  الضرورية بين العلم والعمل والحال في وحدة الشريعة والطريقة والحقيقة. فهو ينطلق من أن إنفاق الأموال فرض أو نفل على موجب تفصيل العلم (الفقهي). في حين أن معنى الإنفاق في الطريق (الصوفي) هو إنفاق النفس في آداب العبودية لله. أما معناه في الحقيقة فهو إنفاق القلوب على دوام مشاهدة الربوبية. فالأوائل ينفقون من حيث الأموال، والأواخر من حيث الأحوال.

نعثر في هذه الصيغ التأويلية على توحيد وصهر لأبعاد البيان والبرهان والعرفان. أما المعنى الجديد فهو الاشتقاق الممكن من تجارب الروح المبدع  في تأويل التجربة الروحية (المنظومية والعملية) ومن هنا اختلاف تأويلات المتصوفة واقترابهم في المواقف. فقد أوّل ابن عربي، على سبيل المثال، الآية (جعل لكم من الأرض فراشا والسماء بناء، وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) بالشكل التالي: الله مهّد لهم ارض نفوسهم وبنى عليها سماوات أرواحهم وانزل من تلك السماوات ماء علم توحيد الأفعال فاخرج به من تلك الأرض نبات الاستسلام والأعمال والطاعات والأخلاق الحسنة يرزق قلوبهم من ثمرات الإيقان والأحوال والمقامات. لقد أراد ابن عربي إيجاد النسبة الحية بين الإنسان والكون في مكونات وجوده الأرضية والسماوية، الطبيعية والماوراطبيعية، الجسدية والروحية، وكذلك الأبعاد المتجددة لحقيقة هذه النسب في حالة إدراك معناها الحق. وبهذا المنحى أوّل كلمات الآية القرآنية عن ضرورة الإحسان بذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، معتبرا المقصود بذوي الربى أولئك الذين يناسبونا في الحقيقة بحسب القرب في الاستعداد الأصلي والشاكلة الروحانية. والمقصود باليتامى، المنقطعون عن نور الروح القدسي الذي هو الأب الحقيقي، بالاحتجاب عنه. وبالمساكين، العاملين الذين لا حال لهم ولا حظّ من العلوم والمعارف والحقائق فسكنوا ولم يقدروا على السير، وهم السعداء الصالحون الذين مثالهم جنة الأفعال، وبابن السبيل السالك في طريق الحق والداخل في القربة عن مأوى النفس، الذي لم يصل إلى مقام من مقامات أهل الله. أما من ملكت أيمانكم  فهم أولئك الذين من صنف إرادتنا وصحبتنا الذين هم عبيدنا كلا بما يناسبه و يليق به من أنواع الإحسان. وإذا كانت حقيقة ذوي القربى تشبه المجردات مما في الملكوت، فان اليتامى يقابلون القوى الروحانية، والمساكين – القوى النفسانية (في الحواس الظاهرة) وابن السبيل – الفكر، وما ملكت أيمانكم – الملكات المكتسبة التي هي مصدر الأفعال الجميلة .

أننا نرى هنا أيضا محاولات جمع نسب الحقائق المكتسبة (من ملكات الحس والقوى النفسانية والفكرية والروحانية) باعتبارها نسب الحس والعقل والحدس، والبحث  فيها عن معنى جديد للإحسان، باعتباره استنطاقا وجدانيا (قلبيا – صوفيا)  لمنطق  الثقافة (الإسلامية) في تنوع مواقفها منه (الإحسان). وهو مثال يكشف إلى جانب التأويل الصوفي، عن أن قيمة الكلمة وفاعليتها مرتهن بكيفية صهرها نسب الحقائق الحية لعوالم الملك والملكوت والجبروت الثقافية في أتون التجربة الفردية للمبدعين، أي عندما  يكون المبدع قادرا على جعل كلمة الروح  روح الكلمة.

***

 

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

رقم 10-03-00411а

 

 

 

نطق القلب و منطق الثقافة  في الابداع الصوفي

(1-2)

إذا كان الإبداع الحقيقي هو ذاك الذي  يصهر نسب الحقائق الحية للملك والملكوت والجبروت في وحدة معقولة، فان الحقيقة المستقلة والمتميزة لهذه الوحدة تتجلى في كتابة المبدعين. وهي كتابة لا تتناهى، ولكل منها  أقلامها، كما قال النفرّي مرة:

كتابة القوة بأقلام القوة

كتابة المعرفة بأقلام المعرفة

وكل كتابة فبأقلامها تسّطر!

وهي حقيقة لها معناها العميق في الإبداع الصوفي وذلك بسبب تسطيره في الكلمة نطق القلب ومنطق الثقافة، أو وحدة الحقيقة والمعنى.

فالثقافة تبدع منطقها في الرؤية والفعل. والقلوب تبدع المعاني المتجددة في  الرؤية والأفعال. ومن ثم فان الثقافة تبدع في الكلمة نطقها ومنطقها بوصفهما وحدة البيان والبرهان، والمصدر يستند إليه الجميع في استمداد المعنى وتجديده. أما التصوف فقد ذوّب هذه الوحدة في تجارب الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة، وجعل منها أسلوبا لنطق القلب، باعتباره نطقا الحقيقة والمعنى. مما أعطى له إمكانية  التعبير عنها في الكلمة من خلال وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في الحقيقة، والتعبير عنها في العبارة من خلال وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في المعنى.

ليست وحدة الأبعاد البيانية والبرهانية والعرفانية في الكلمة سوى ما أسميته  بصهر نسب الحقائق الحية للملك والملكوت والجبروت في الإبداع الصوفي. فقد جسّد  التصوف هذه النسب في طرق الشيوخ وتجاربهم باعتبارها تمّثلا  واعيا ووجدانيا لمنطق الثقافة (الإسلامية). وليست وحدة الشريعة والطريقة والحقيقة، الحس والعقل والذوق، الجسدي والنفسي والروحي، الطبيعي والإنساني والملائكي، وكثير غيرها سوى الصيغ المتنوعة لوحدة الحقيقة والمعنى، والتي نعثر عليها في إبداع المصطلح الصوفي من حيث جمعه أبعاد البيان والبرهان والعرفان، ومن حيث تميّز حقيقته و خصوصية معناه. أننا نعثر إلى جانب المئات من المصطلحات الخاصة بالطريق (الصوفي) في مقاماته وأحواله، الكثير الذي يرفد بنية الرؤية الصوفية في مواقفها من قضايا وإشكاليات الوجود والروح والعقائد والمعرفة والإنسان، مثل مصطلحات المرآة والتجلي والحلول (في الوجوديات)، و أم الكتاب والعقل الأول والظل الأول والعقاب (في العقليات) والأفق المبين والبيت والسفر والموت والآن الدائم والسرّ (في السلوك الروحي والمعرفي)، وأرائك التوحيد وأئمة السماء والجنة (في العقائد الدينية) والشجرة وظل الإله ولسان الحال وحجة الحق ومرآة الحضرتين( في الإنسان).

فقد وجدوا في (المرآة) الكيان الذي ينعكس فيه الوجود و تشعّ صور الأشياء، والكيان الذي تتوقف نصاعته وصفائه على كيفية صقله. لهذا تكلموا عن "مرآة  الكون" إشارة إلى الوجود الوحداني المطلق الذي تظهر فيه الأكوان وأوصافها وأحكامها وتختفي  بظهورها ما تخفي وجه المرآة بظهور الصور فيها. وتكلموا عن "مرآة  الوجود" إشارة  ورمزا إلى شكل ظهور وتعّين الشئون الباطنة أو حقائق الأشياء والموجودات، استنادا إلى أن حقائق الأشياء والموجودات باطنة، بينما تعيّنها أو تجليها ظاهرا. بهذا المعنى فان ظهور أو  تعّين الشئون الباطنة هو مرآة لحقائقها. وتكلموا عن "مرآة الحضرتين" إشارة ورمزا إلى الإنسان الكامل الذي يجسّد  في ذاته حركة الإمكان والوجوب. وتكلموا عن "مرآة القلب" إشارة إلى نوعية ودرجة تطور المعارف، انطلاقا من انه على قدر صفاء المرآة (القلب) تنعكس صور الأشياء وحقائقها. وعندما تناولوا مصطلح (التجلي) فانهم تكلموا عن "تجل أول" إشارة إلى تجلي الذات الإلهية لذاتها، أو الوجود الحق المحض والمطلق ومصدر كل وجود و "تجل ثاني" إشارة إلى ما أسموه بظهور أعيان الممكنات الثابتة وحقائق الممكنات في علم الله و وحدة  العلم والقدرة بالنور الإلهي والرحمة الإلهية. وعندما تناولوا مفهوم (الحلول)، فانهم  تكلموا عن "الحلول السرياني"، إشارة إلى اتحاد جسمين أحدهما بالآخر كحلول ماء الورد في الورد، و"الحلول الجواري" إشارة إلى كون أحد الجسمين ظرفا للآخر كحلول الماء في الكوز.

وأعطوا للعقل في العقليات تسميات متنوعة. فتارة يدعوه (بأم  الكتاب) إشارة إلى انه مصدر ولادة العلوم والمعارف، وتارة (بالظل الأول) كناية عن العقل الأول وإشارة إلى كونه الظل الأول المترتب على ظهور نور المطلق (الله)، وتارة أسموه (بالقلم) لان به يجري خط المقادير والعلوم، وتارة (بالعقاب) إشارة إلى العقل الأول، الذي هو أعلى وارفع من أي  شيء وجد في عالم القدس، وشبيها بالعقاب الذي هو ارفع صعودا  في طيرانه جوا من الطيور الأخرى. وتارة (بالبيضاء) لأنه أول تجليات النور الإلهي. وسمي بالبياض ليقابل سواد الغيب والمجهول،لأنه أول موجود يرجح وجوده على عدمه، انطلاقا من أن الوجود بياض والعدم سواد، بحيث جعل ذلك أحد المتصوفة يقول في الفقر "انه بياض يتبين فيه كل معدوم، وسواد  ينعدم فيه كل موجود" قاصدا بذلك فقر الإمكان.

وتكلموا في القضايا الروحية – المعرفية عن (الأفق المبين) إشارة إلى نهاية  مقام  القلب، وعن (بيت الحكمة) إشارة إلى القلب الغارق في الإخلاص، وعن (بيت القدس) إشارة إلى القلب الخالص من الاغيار، والحر من قيود الأشياء، وعن (البيت المحرم) إشارة إلى قلب الإنسان الكامل المتجرد للحق فقط، وعن (السفر) باعتباره سير القلب نحو الحق ذكرا. وتكلموا فيه عن "السفر الأول" رمزا إلى إدراك حقيقة الوحدة من خلال إزالة حجب الكثرة. وهو سفر التجرد من المظاهر والاغيار بقهر النفس وتربية الإرادة من اجل بلوغ الأفق المبين (أو نهاية مقام القلب). و"السفر الثاني" هو سفر الاتصاف بصفات الحق و التحقق بها، أو ما أسموه أحيانا بالسير في الحق بالحق مع ما يترتب عليه من إدراك جديد لحقيقة الوحدة. و"السفر الثالث" هو السير نحو عين الجمع. أي تذليل الكثرة في الوحدة، وصيرورة الولاية من خلال إزالة التقيد بالضدين (الظاهر والباطن). وأخيرا "السفر الرابع" وهو الرجوع  من الحق إلى الخلق، وذلك بشهود اندراج الحق في الخلق واضمحلال الخلق في الحق. أي  بلوغ  مقام البقاء بعد الفناء، والفرق بعد الجمع. وتكلموا عن (الموت) و ألوانه. (فالموت) هو إشارة إلى قمع هوى النفس، وإحياؤها بالهدى. وهو ألوان. فمنه ما هو "احمر" إشارة إلى مخالفة النفس. ومنه ما هو "ابيض" إشارة  إلى ممارسة الجوع لأنه ينوّر الباطن ويبيّض وجه القلب. إذ  من ماتت بطنه حييت فطنته. وموت "اخضر" إشارة إلى  لبس المرقعات التي لا قيمة لها، والخضار صفة القناعة. وموت "اسود" إشارة إلى احتمال أذى الخلق، والنظر إليه باعتباره بلاء.

وتكلموا في قضايا العقائد (الدينية) عن (أرائك التوحيد) إشارة إلى أسماء الذات الإلهية، وذلك  لكونها مظاهر الذات أو كراسي جلوسها. وتكلموا عن (أئمة السماء) إشارة إلى الأسماء الإلهية السبعة، التي أطلقت عليها تقاليد علم الكلام الصفات السبع  وهي الحي والعالم والمريد والقادر والسميع والبصير والمتكلم. وتكلموا عن (جنّات) عديدة منها  "جنة الأفعال" إشارة إلى الجنة الصورية الملموسة الحسية باعتبارها ثوابا على أعمال  الصالحين، و"جنة الوراثة" إشارة إلى جنة الأخلاق المترتبة على متابعة سيرة النبي، و"جنة الصفا" إشارة إلى الجنة المعنوية القلبية، و"جنة الذات" إشارة إلى مشاهدة ما أسموه  بالجمال الاحدي (المطلق). وتكلموا عن (مبادئ النهايات) إشارة إلى فروض العبادات من صلاة وصوم  وزكاة وحج  بوصفها منازل السالكين طريق الحق. فالصلاة هي الواسطة الحقيقية للوصول إلى كمال القرب من الله. والزكاة هي بذل النفس والروح والجسد بالإخلاص للحق. والصوم هو الإمساك عما سوى الحق بالفناء فيه. والحج هو  الوصول إلى حقيقة المعرفة بالبقاء فيها بعد الفناء في الحق.

وفي الموقف من الإنسان، نظروا إلى نموذجه المثالي في (الإنسان الكامل).  والكامل يتجلى تارة في مثال "الشجرة" إشارة إلى جمعه حقائق الإمكان والوجوب  كالشجرة اصلها ثابت في الأرض وفروعها في السماء. فأعضائه كعروق الشجرة، وحقائقه الروحانية  كفروعها، وتجليه الذاتي الدائم كثمارها.وتارة أخرى وجدوا فيه "ظل الله" لأنه المتحقق بالحضرة الواحدية، لأنه يستمد وجوده من وجودها. وتارة  وجدوا فيه  "لسان الحق" لأنه يتحقق بمظهرية الاسم الإلهي المتكلم. وتارة هو "حجة الحق" على الخلق، لأنه في وجوده تمثل وتمثيل للحق. وتارة هو "مرآة الحضرتين"، أي الوجوب والإمكان كما في الشجرة.

كل ذلك يكشف عما في تنوع المصطلح الصوفي من تعبيرية عالية لخلجات الروح، واشتقاق نموذجي في تصويره للإحساس والعقل والحدس. فقد تمّثل هذا التعبير والاشتقاق الأبعاد الحسية (المادية والبيانية والجمالية) والعقلية (المجردة) للثقافة الإسلامية في تعاملها مع قضايا الوجود والعقائد والمعرفة والأخلاق والاجتماع والسياسة والإنسان.

***

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

رقم 10-03-00411а

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (389)   15/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

 

 

 

 

وحدة الأديان في فلسفة الشيخ الأكبر

(2-2)

 

إن موقف ابن عربي من الأديان والعلاقة الباطنية والظاهرية بالله (المطلق) يتمحور حول الفكرة القائلة، بان مساعي الأفراد والجماعات والأمم هو تمظهر لما في باطنها. وتجسيدها الظاهري إن كان موافقا لما في باطنها يشكل خطوة إلى الأمام في طريق الحق، وان كان مخالفا فانه عصيان الظاهر. وعصيان الظاهر أيضا عبادة لكنها عبادة خاطئة في طريق الحق. لهذا ينوب الظل في الطاعة. إنها طاعة الظاهر فقط. وفي حقيقتها هي طاعة الحس. من هنا تقييدها وضيقها وعدم اتساعها. فهي لا تستطيع أن تتجاوز الظاهر. وتبقى لهذا السبب عائمة ضمن حدود الجسد. لهذا تصنع عمرانها الخاص في العمارة من هياكل فخمة فارغة من حقيقة الباطن. وهي الفكرة التي وضعها ابن عربي في عبارته القائلة "بالظلالات عمرت الأماكن".

لم يسع ابن عربي من وراء ذلك للقول، بان الضلال من الظلال فحسب، بل وللقول بان الظلال يؤدي إلى ضلال الروح حالما تعتقد بأنها حقيقة الباطن. وذلك لان الظلال خيال. والخيال أشباح عابرة عندما تكون ظلا للجسد، وقوة مبدعة عندما تكون ظلا معنويا لصورة معنوية.

ووضع ابن عربي هذه الفكرة في موقفه مما اسماه بأشكال التوحيد. إذ اعتبر من "وحّد الله بما تجلى لقلبه عند فكره وهو صاحب دليل، فهو نور على نور من ربه ويبعث أمة واحدة". واعتبر قس بن ساعدة نموذجا له. وهناك من "وحّد الله بنور وجده في قلبه لا يقدر على دفعه من غير فكرة ولا روية ولا نظر ولا استدلال. فهو على نور من ربه يحشر بين الأصفياء والأبرياء". وهناك من "القي في نفسه واطلع من كشفه لشدة نوره وصفاء سره لخلوص يقينه. فهو يحشر في ضنائن الخلق وباطنية محمد". وهناك من "يتبع ملة حق مثل اليهود والنصارى أو يتبع ملة إبراهيم. وهؤلاء يحشرون مع من يتبعهم". وهناك من "آمن بمحمد قبل وجوده، ولكنه لم ينخرط في سلك نبي. فهؤلاء يحشرون مع المؤمنين". وهناك من "آمن بالنبي محمد. ولهم أجران ظاهرا وباطنا". وهناك "من عطل لا عن نظر بل تقليدا. فهو شقي مطلق". وهناك من "أشرك عن نظر فأخطأ". وهناك "من أشرك لا عن استقصاء نظر. فهو شقي". وهناك "من أشرك عن تقليد. فهو شقي". وهناك "من عطل بعدما اثبت عن نظر بلغ فيه أقصى القوة التي هو عليها". وهناك "من عطل بعدما اثبت لا عن استقصاء في النظر بل تقليدا. فهو شقي"[1].

لقد أراد ابن عربي القول، بان تنوع الأديان هو تجل للحقيقة المحمدية ودرجة من درجات إدراكها في الوقت نفسه. ومنهما تتبلور أشكال الأديان، باعتبارها درجات في التوحيد. فالجميع توحد الله، إلا أن كل منها يراه بما هو مستعد له. ذلك يعني أن تنوع الأديان بالنسبة له هو تنوع درجات التوحيد. لهذا لم ينظر إليها بمعايير المؤمنين والكفار والمشركين ولا بمقاييس الإسلام والنصرانية واليهودية والمجوسية والبراهمة. لقد حاول إظهار مستويات الظلال والأنوار، باعتبارها تجليات لأشكال التوحيد. لهذا نراه يتكلم عن تجلي الله لقلب بالدليل وعن وجود في القلب وصعوبة التدليل عليه وعن إلقاء له في القلب بفعل تصفية القلب وخلوص اليقين. وهي درجات تمثل عبور الظل الحسي إلى الظل المعنوي. وفيهم يدخل كل من كان في هذه الدرجات ماضيا وحاضرا ومستقبلا بغض النظر عن انتمائهم الديني والقومي والحضاري. بينما نراه يجد في اليهود والنصارى ممثلين "لدين الحق"، وفي المسلمين ذات جامعة للظاهر والباطن. أما من الحد وعطل وأشرك فأنهم أيضا عطلوا وأشركوا بمستويات ودرجات مختلفة. فمنهم من عطل عن تقليد ومنهم من عطل عن نظر. والشيء نفسه يمكن قوله عمن أشرك.

ونظر ابن عربي إلى هذه المستويات والدرجات بمعايير الحقيقة المحمدية نفسها. لهذا نراه يحشر كل مستوى بمستواه. إذ يحشر من يتجلى الله لقلبه وهو صاحب دليل ضمن من "يبعث أمة واحدة". ويحشر من وجد في قلبه ولا يستطيع التدليل عليه ضمن الأصفياء والأبرياء. ويحشر من القي في نفسه لصفاء السر ضمن ضنائن الخلق وباطنية محمد. ويحشر اليهود والنصارى ضمن أممهم. ويحشر من آمن بمحمد قبل ظهوره مع المؤمنين. ويعطي لمن آمن بالإسلام أجران ظاهرا وباطنا كالمجتهد. واعتبر من عطل عن تقليد "شقيا مطلقا"، ومن أشرك عن تقليد شقيا. واعتبر من أشرك عن عدم استقصاء في النظر شقيا. لكننا نراه يصمت حيال أولئك الذين عطلوا وأشركوا عن نظر واستدلال وكذلك حيال أولئك الذين عطلوا بعدما اثبتوا عن نظر واستدلال. ذلك يعني انه اخرج الملحدين والمشركين من فرقة الأشقياء، عندما تكون مواقفهم مبنية على أساس الاجتهاد العقلي.

وفي الإطار العام لم يكفر بن عربي ولم يتهم أيا كان في اعتقاده ودينه. لقد فسح للجميع حق الوجود، وأعطى للأديان وحدتها في درجات التوحيد، كما عبر عن ذلك في شعره:

عقد الخلائق في الإله عقائدا   

وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه!

ويستمد هذا الموقف أصوله من نظريته عن الحقيقة المحمدية التي تجعل من الأديان جميعا درجات في سلّم الحق. وبالتالي فان تنوع الأديان هو تنوع في محاولات الإنسان بلوغ تمثله وتمثيله للحقيقة المحمدية نفسها، كما عبر هو نفسه عنها بصورة نموذجية في قصيدته الشهيرة (تناوحت الأرواح)

لقد صار قلبي قابلا كل صورة  

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف     

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه، فالحب ديني وإيماني!

وينبع هذا الإقرار بالتنوع من سموّ الروح، الذي يجعل القلب كيانا قادرا على التنوع في الصور واحتواءها في الوقت نفسه. حيث تتحول الأديان وكتبها والطبيعة وما فيها إلى تجليات للمحبة، باعتبارها سر الوجود، الذي يعطي لكل شيء معنى، بوصفه نسبة في نظام المطلق.

***

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

 رقم 10-03-00411а

 



[1] ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص137-138.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (682)  06 /08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

وحدة الأديان في فلسفة الشيخ الأكبر

(1-2)

 

انطلق ابن عربي من نفس التراث الإنساني الهائل للتصوف فيما يخص الموقف من الأديان. فمن المعلوم أن المتصوفة لم يضعوا أنفسهم أمام إشكالية العقل النظري المتعلقة بماهية الأديان وطبيعة الخلاف بينها، وما يترتب على ذلك بالضرورة من تبرير واتهام ونقد وإيهام بأفضلية بعضها ودونية الآخر. لأنهم انطلقوا من ضرورة وجد ما هو موجود بمعايير المثل المتسامية. وهي مقدمة لا تخطأ في خطاها لان بدايتها ونهايتها واحدة كالقوة في المغناطيس. شعاعه يتجاذب وقوته واحدة. أما "الاندفاع" نحوه فمتوقف على استعداد المجذوب. وهي مقارنة حسية تحوي بين جوانحها على دفئ العلاقة الصوفية تجاه التعدد والتنوع والخلاف، لان الله هو القوة الوحيدة الواحدة للجذب المطلق في الوجود. وبالتالي، فان كيفية ومستوى، بل نوعية وصفة اندفاع الوجدان نحوه متوقف على استعدادها الذاتي. وهو استعداد قائم في حقائق الأشياء نفسها، إذ الكل يعبده بطريقته الخاصة بما في ذلك الحجر، كما يقول ابن عربي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "لكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم. فرسولهم من ذواتهم وإعلام من الله بالهام خاص جبلهم عليه كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحرير"[1]. أي أن لكل وجود عبادته الخاصة بغض النظر عن جنسه حيونا كان أم نباتا أم جمادا أم إنسانا. وكتب بهذا الصدد أيضا يقول، بأننا "سمعنا عن طريق الكشف الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه إنسان"[2].

لقد أراد ابن عربي القول، بان كل ما في الوجود يرى ويسمع وينطق ويتكلم، لأنه يحيا كما يحيا كل شيء. فالأحجار أيضا تلمع وتسمع وتثير وتستثار. إنها تحمي الإنسان وتقتله، وتثير شهية السلاطين وحسد النساء، وتستفز الأغبياء والعقلاء، وتخاطب الجميع بحالها وتسمعهم رنين أصواتها في البيوت والطرقات والسجون والمنتزهات والمعابد والخرائب والمساجد والزرائب والقصور والقبور. وتعجب من له عين بألوانها ومن لا عين له بخشونتها وهيبتها، وتؤسر الفنان وهي تحت مطارق فأسه، بحيث تتطاير روحه مع كل تشظ لجزيئاتها لأنه ينحت فيها روحه، لذا يلتمع ما فيها من جمال على قدر ما يوضع فيها من روح، ويصبح "خطابها" الظاهري كلامها الباطني، لأنها تكلمه بقدر استعدادها الداخلي. فكل حجر يخاطب بلونه وشكله و"تعبيره". إضافة لذلك إنها تشدنا بخيالها المبدع في اشد أشكالها "اعوجاجا"، وذلك لان في كل حجارة "فطرة" هي ماهيتها، تعبد الله بها، باعتباره سرّ وجودها. وهو أمر يتجلى في كل شيء. إذ لا يعني أن "لكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم" سوى "فطرة" الأشياء أو جوهرها المتفتح في وجودها. ولعل تجليها في الإنسان أكثر دلالة ووضوحا.

فالإنسان مجبول على العبادة لأنها فطرته، وفطرته عبادة، كما يقول ابن عربي. وبما أن الأمم متنوعة، لهذا تنوعت الرسل والشرائع. لكنها تجري منهم مجرى الذات من استعدادها. ومن ثم، فان الشرائع والأديان هي من وحي نفوسهم بالهام خاص بهم. ذلك يعني انه أراد القول، بان عبادة الأمم لله وشرائعها وأديانها هو إبداع لوحيها الذاتي، نابع من تلقائية إدراكها له. وبما انه غير متناه لهذا وجدت كل أمة فيه ما هو مناسب لاستعدادها الخاص. وهو استعداد يمكن فهمه انطلاقا من نظرية ابن عربي عن الحقيقة المحمدية، باعتبارها منظومة النسب المثلى، وشكل تجلي النموذج المتسامي، والمرجعية الخالدة للوجود والعدم، والعقل المطلق، والحقيقة الأبدية والمنطق الخالص. وهي تجليات يتذوقها العارف بمعايير الحدس. فعندما ينظر ابن عربي إلى تنوع الأديان والله واحد، فانه لم يقف عند حدود تنوع الله في الأسماء (الصور) ووحدته في المعنى، بل وحاول أن يبين طبيعة هذه العلاقة من خلال تلقائية الفناء والبقاء، والصيرورة والزوال، والوجود والعدم في "الخلق الدائم".

إذ ليست الحقيقة المحمدية سوى الروح المدبر للعالم، التي تتمظهر في الوجود على شكل تجل لحقيقة الغيب. وهي روح تنفي باطنها حالما تتجسد. وبالتالي، فان كل تجل لها في الماضي هو تمظهر متجدد لباطن الروح المحمدي، أي ليس التاريخ الظاهر سوى التاريخ الباطن بعد أن يكون قد بلغ ذروته. ومن ثم ليس الظهور المحمدي سوى "حكم الزمان في جريانه"، كما يقول ابن عربي[3]. وهو ظهور متنوع في الشرائع متوحد في الأصل. من هنا استنتاج ابن عربي عن أن "الحكم كان باطنا أولا في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل. ثم صار الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين، وان كان المشرع واحدا"[4].

ذلك يعني أن نسخ الشرائع واستبدال إحداها بالأخرى هو حكم التاريخ المعنوي. لان حقيقة الشرع واحدة من حيث كونه إبداعا للحق. من هنا تأويل ابن عربي للحديث القائل "كنت نبيا وآدم ما بين الماء والطين" على انه تعبيرا عن الحقيقة المحمدية القائمة ف تحول الباطن إلى ظاهر والإمكانية إلى واقع والمثل إلى تاريخ. من هنا قوله "لما لم يتقدم في عالم الحس وجود محمد كما هو، لهذا نسب كل شرع إلى من بعث به. بينما هو في الحقيقة شرع محمد، وان كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك، كما هو مفقود العين الآن"[5]. أي ليس تاريخ الشرائع سوى تاريخ التمثل المستمر للحق. وبالتالي فان ما قبل محمد وما بعده هو تاريخ واحد في الجوهر متنوع في الصور. وهي فكرة شرحها على مثال الناسخ والمنسوخ. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا متفقون على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، ولكننا لا نزيل المنسوخ منه. والشيء نفسه يمكن قوله عن الشرائع الأخرى، بمعنى أن نسخ الإسلام "لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له"[6]. وهو نسخ يعادل من حيث مضمونه النفي الشامل والتمثل الكامل لها في أحكامه الجديدة. من هنا قول ابن عربي "كان ظهور محمد مثل الشمس الباهرة بحيث أدى إلى اندراج جميع الأنوار في نوره الساطع وغاب كل حكم في حكمه وانقادت جميع الشرائع إليه، وظهرت سيادته التي كانت باطنه. فهو الأول والآخر والظاهر والباطن[7]. ولم يقصد ابن عربي بذلك نهاية التاريخ المعنوي، بقدر ما كان يقصد به وحدة الأديان في الحقيقة المطلقة وتنوعها في الصور. وهو تنوع يختلف باختلاف العصور والإمكانات، لكنه يحتوي شأن كل وجود جديد في سعيه لتمثل حقيقة الحق على اقتراب منها وابتعاد. ففي كل فعل اقتراب بالباطن، لكن ليس في كل فعل اقتراب في الظاهر. والظاهر هو ظل قد يتوافق مع الباطن وقد يختلف. وفي كلتا الحالتين هو سجود وعبادة إما للروح وإما للجسد. إذ ما من شيء يحدث إلا وله ظل يسجد لله ليقوم بعبادة ربه على كل حال سواء كان ذلك الأمر الحادث مطيعا أو معصيا، كما يقول ابن عربي. فان كان من أهل الموافقة كان هو وظله على السواء، وان كان مخالفا ناب ظله منابه في الطاعة. وذلك لان "الظلالات تابعة للصور المنبعثة عنها حسا ومعنى. فالحس قاصر لا يقوي قوة الظل المعنوي للصورة المعنوية، لأنه يستدعي نورا مقيدا لما في الحس من التقييد والضيق وعدم الاتساع"[8].

***

المقالة مدعومة من جانب مؤسسة (الصندوق الروسي العلمي) المتعلق بمشروع (قاموس التصوف الإسلامي)

رقم 10-03-00411а



[1] ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص 147.

[2] المصدر السابق، ج1 ص147.

[3] ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص143.

[4] المصدر السابق، ج1 ص143.

[5] المصدر السابق، ج1 ص135.

[6] المصدر السابق، ج1 ص135.

[7] المصدر السابق، ج1 ص137.

[8] المصدر السابق، ج1 ص137.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (682)  06 /08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

الثقافة والسلطة -  إشكالية الروح والجسد

 

إن إشكالية الأشباح والأرواح هي إشكالية الحياة والموت، والفاني والباقي، والثابت والفائت. وليس مصادفة أن تتغلغل في أعمق أعماق الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات والأمم والثقافات فكرة "المسكون". وأن تتمتع في الوقت نفسه بثقل الندى المكثف لخيال الطفولة في تصور "الأشباح" المتراقصة مع كل حركة في ظلمة الحياة. بحيث يصبح "المسكون" هو الغريب القاطن في جسد خرب أو بيت مهدم أو أطلال منسية. وتشير هذه المكونات ببساطتها المعهودة إلى حقيقة يمكن البرهنة عليها بمعايير المنطق والعلم والتجارب الفعلية، بأن الذي يسكن الخراب والمهّدم والأطلال هي أشباح قوتها في الظلام وخيالها في ذاكرة الطفولة. الأمر الذي جعل ويجعل من الأشباح صورا مخيفة، وذلك بفعل تطابقها في الإحساس والحدس مع بقايا الزائل والمندثر، بوصفها "مآثر" الموت والأموات. بينما يتناغم الحي والجميل في الخيال والذاكرة مع بهاء التجديد للحق والحقيقة.

وحالما ننقل المقارنة المذكورة أعلاه من سماء الفكر المجرد إلى دنيا الوقائع الفعلية، فإننا نقف بالضرورة أمام ثنائية الأشباح والأرواح المتنوعة. ولعل أكثرها إثارة وإدامة هي مظاهرها المختلفة في علاقة المثقف والسلطة. ففي هذه العلاقة نعثر على كل مكونات الذاكرة والخيال، كما نرى بوضوح تام وقائع الأشباح الحائرة والمتخوفة والمخيفة المسكونة في جسد السلطة وارتزاق مثقفيها. وبالضد منها تتكامل "أنا الحق" في شخصية المثقف الحقيقي بوصفه روح الثقافة وحامل معاناتها التاريخية. كما أنه الإحساس القائم بما في ذلك في الأحكام العادية التي تجعل من مرتزقة السلطة بين المثقفين مجرد أرواح تائهة. وليس الروح التائه بين المثقفين سوى شبح يتراقص بعنف و"إدراك" يناسبه من اثر الغريزة (الجسد) وليس العقل والوجدان الخالص. وتستعيد هذه الثنائية نوعية الخلاف الطبيعي بين الحقيقة والسلطة، ومن ثم بين المثقف الحقيقي والسلطة الواقعية، بوصفه أيضا خلافا بين الروح والجسد. ونعثر على هذا الخلاف في كل المظاهر الملازمة لإبداع المثقفين في الكلمة والعبارة والشعر والنثر والرسم والنحت والصمت والنطق والظاهر والباطن، باختصار في كل مظاهر اليقظة والمنام. سواء كانت اليقظة يقظة الروح والجسد أو نومهما في الفكر (المجرد) والواقع (الملموس).

وليس مصادفة أن يتلذذ الإنسان ويشقى في محاولاته الدائمة لتفسير وتأويل الأحلام منذ أن اخذ يتحسس هذين العالمين المتلازمين في ذاته. وتتشكل المعاناة الداخلية لهذا الإحساس من الرغبة الجامحة في معرفة المجهول وبلوغ الغاية. وهي الصيغة البدائية لمحاولة الإنسان التحرر من سلطة المجهول عبر "التحكم" بسلطة المستقبل والمرام، بوصفها الصيغة المادية المباشرة القائمة في سلطة الجسد على الروح القابعة في أعمق أعماقه. وليس مصادفة أن يتحول الجسد إلى عالم تتجول فيه ذاكرة وخيال النائم. وحال اليقظة يصبح تجواله في خبايا الرغبة والتمني والقلق "حلما". ويحتوي هذا التصوير المتناقض بحد ذاته على الحدس العميق المميز للرغبة الهائلة في "تحرير" الروح من قيود العادات والتقاليد والعرف والقيم. وعادة ما "يزاول" الروح هذه الحالة بحرارة قادرة على تحويل كل الأحداث والرغبات الدفينة إلى كيان واحد لا يحكمه غير حرية ما يجري. بمعنى سريانها كما هي بلا إرادة. والإرادة الوحيدة هي الاستسلام لها كما هي و"محاكمتها" بعد اليقظة من خلال عرضها على ذخيرة التأويل والتفسير المتراكمة في وعي الثقافة وصورها النمطية. إذ نلمح في هذه الحالة طبيعة ومستوى الخلاف والتباين والصراع بين الروح والجسد. وفيها يمكن أيضا رؤية صراع سلطة الجسد وإبداع الروح. ولعل صورتها الأكثر تمثيلا تبرز حالما يختلي الجسد لحاله بين جدران تقيه شر النظرات الشرسة للعرف والتقاليد والقيم السائدة. حينذاك تأخذ الروح بخط كل الحروف المحتملة على الجسد، كما لو انه إبداعه المحبب. وعند ذاك يتلاشى الأدب والرصانة المزيفة والرزانة المفتعلة وكل المحرمات أيا كان شكلها ومحتواها. وتصبح حركة الروح مصدر الإلهام الفعلي المنظم والعابث بالجسد ومتطلباته سواء في الملذات أو الكوابيس. وفي هذا يكمن سر الإغراء والجذب الهائل للأحلام وتفسيرها. وذلك لأنها تنقله من مضيق الجسد إلى فضاء الروح، ومن استبداد السلطة أيا كان شكلها إلى حرية الإرادة بوصفها رغبة حية. ومن تصادم هذه المكونات تتطاير شظايا الأحلام بوصفها "وحيا" و"إلهاما" و"إشارة" و"دلالة". وليس مصادفة أن يتحول الحلم في المنام إلى جزء من تأمل المستقبل والرغبة في استكناه ما في خباياه من مسرة محتملة أو طامة كبرى، وفي اليقظة إلى جزء من التخطيط للمستقبل والرغبة في جعله كلا واحدا للمراد والمريد.

فالأحلام الهائجة ترمي إلى الهدوء والسكينة. وهي الصورة الرمزية التي يمكن العثور فيها على الرغبة الأبدية الهائجة في أعماق النفس البشرية للتحرر من القيود التي تعرقل إمكانية حركتها المتجانسة بمعايير النسب الضرورية للجمال والفضيلة. بعبارة أخرى، إن الحلم يحتوي على قدر من الحرية الهائجة بذاتها، والمستعدة لتجاوز حدود الجسد والعرف والتقاليد والقيم من اجل الفناء في نعيم الهموم الدفينة للمرء. من هنا استعداد العقل لاحقا للتعامل مع كل هذا الكم المتناقض من العجائب والغرائب الكامنة في الباطن من اجل استظهار حقيقتها. وفي هذا يكمن سر التفسير والتأويل المتنوع فيما يمكن دعوته بفلسفة الأحلام. إذ تعكس هذه الفلسفة في مسارها التاريخي ثقافة الروح والجسد في البحث عن نسبة عقلانية تعطي لهما إمكانية رؤية المستقبل وتكسير حواجز القوة والزمن والإرادة والسلطة. وقد شكلت الفرويدية احد النماذج المثلى لهذا الانتقال الفلسفي في تفسير الأحلام عبر نقله من سماء اللاهوت إلى غيب الناسوت، أو من مركزية الإله إلى مركزية الجنس. ويعبّر هذا النموذج عن إحدى محاولات جعل الحلم تحد للقيود وأسلوبا لتمثل الحرية المهدورة من خلال تحرير فكرة الجنس والممارسة الجنسية. مع أن تحرير الجنس ليس ضمانة الحرية، لان الحرية منظومة. لكنه مكون جوهري للحرية، بما في ذلك للثقافة ومواقف المثقفين من النفس (وهي السلطة الباطنية الأولى) ومن العرف والتقاليد (هي سلطة الماضي المقننة) وسلطة العقائد والقيم الأخلاقية المتعايشة (وهي سلطة الحاضر). وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى فلسفته على أنها تجسيد نموذجي للتحرر الفعلي للجسد والقيم الأخلاقية عندما انزل تأويل الرؤيا من معتقدات اللاهوت وبهاء أنواره المشعة إلى غياهب الناسوت وعتمة غرائزه المحببة. وبهذا كان اقرب إلى الطبيعة والحقيقة وأصفى وأنقى فيما يتعلق بالعقل والوجدان، لأنه ينصف الجسد بمتطلباته، والعقل بتحريره من الرياء، والذهنية من خضوعها لدجل التأويل المفتعل والمرتهن لتقليد الأسلاف، والخضوع لسيطرة وسلطة النص والصورة الجاهزة.

إن الارتقاء التاريخي للفكرة الفلسفية عن الحلم هو جزء من الحلم الإنساني الدائم لتأسيس النسبة المعقولة بين مكونات الوجود المتناقضة. وتمظهر هذا الحلم تاريخيا بصور مختلفة ومتنوعة بدأ من أكثر أنواع الحدس الباطني غموضا وانتهاء بأكثر مظاهره عقلانية وجلاء، أي في الإيمان الديني والعقل الفلسفي. وهو السبب الذي يفسر قيمة الإلهام والوحي في الدين والبحث عن علل الأشياء وتأسيسها المنطقي في الفلسفة. فكلاهما يسعيان إلى غاية واحدة هي بلوغ اليقين، احدهما من الباطن إلى الظاهر، والآخر من الظاهر إلى الباطن. فالدين يبدأ بالإلهام والوحي الباطني، بوصفه الصوت الحقيقي والنقي للحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. فهو الحدس المتجسد في صوت الأزل وصورة الأبد، وباطن الروح وظاهر الجسد، وماضي الأنا ومستقبل الجماعة. أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي بوصفه الأسلوب الضروري لبلوغ الحقيقة والأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. أنه اليقين المتراكم في البحث العقلي عن منظومة تستجيب للوحدة المرنة بين الظاهر والباطن والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. وسوف يشاطر الدين واللاهوت، والفلسفة والعلم على الدوام هذا التنوع والاختلاف بوصفه قدرهما المحتوم. كما انه قدر محكوم بما فيهما من تباين واختلاف ضروري لوجودهما. فكما أن الله هو مصدر الحل للمشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية الكبرى بالنسبة للإيمان التقليدي، فانه مصدر المشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية بالنسبة للعقل النقدي. ولا يحل هذا الخلاف في الواقع سوى جمع هذه المتناقضات، بمعنى الإبقاء عليهما بوصفهما اجتهادات الحلم الإنساني ببدائل متسامية. حينذاك يمكن للإيمان أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء بما في ذلك في الخرافات والأساطير، تماما بالقدر الذي يمكن للعقل أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء، بما في ذلك في أحلام الحالمين جميعا.

فالدين يبدأ بالإلهام والوحي الباطني لأنه عادة ما ينطلق من الواحد والوحدة النافية للتجزئة والاختلاف. وعادة ما يتراكم في شخصية الأنبياء في هيئة تحد مرير لحالة أكثر مرارة. ومن تراكم الأصوات القبيحة للتخلف والاختلاف المعجون بالتجزئة والانحطاط تتفجر حالة "الصوت الصافي" بعد مروره برمال وأحجار المعاناة المتكسرة في طريق الحلم بعالم يرتقي في ميدان الروح والجسد إلى مصاف الذرى. من هنا عادة ما يتخذ الحلم الإنساني في الدين أكثر الصور نقاوة، لأنه يحلم بروح متسامية وجسد متمتع بها خارج التاريخ، بوصفها المعادلة الوحيدة التي تجعل الأسطورة معجزة، والمعجزة أملا مرتقبا وحلما ثابتا ومطلقا. إذ يسعى هذا الحلم للتعويض عن قيمة الحدس المحير لصوت الأزل الإنساني بالسعادة وصورتها الأبدية المتخيلة. فهو الحلم الذي يسعى إلى أن يكون باطن الروح الإنساني وظاهره الجسدي. بمعنى حصر الروح والجسد في رؤيا غالية في الخيال مهمتها صنع اليقين الضروري والجازم بان خلاص المرء بفرديته، وحياته بالجماعة. وهي ثنائية مرهقة بالنسبة لكيفية توليف الماضي والمستقبل، وذلك لأن حاضرها عادة ما يغيب في غيب الترقب الدائم لقيام القيامة بوصفها معقل الحلم وبوابته المثيرة.

أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي في كل قضايا الوجود ومظاهره. ومن خلاله تتراكم عناصر الرؤية الذهنية المستقلة في بحثها عن علل الأشياء والظاهر. وفي مجرى هذه العملية تتهذب أساليب بلوغ الحقيقة، لكنها تصب في نهاية المطاف في تيار واحد، ألا وهو تيار الإقرار بالتنوع والاحتمال ووحدة الشك واليقين. وقد أبدعت هذه الصيغة على نموذجها مثال الحلم الإنساني وإمكانية تحقيقه في مجرى المعاناة الفعلية المرافقة للحياة بوصفها صيرورة وكينونة دائمة للروح والجسد الفردي والاجتماعي والثقافي والعالمي. مما جعل من العقل الفلسفي محور ومعقل المساعي المتنوعة والمختلفة والمتباينة والمتضادة لتمثل ما يبدو له الصيغة الأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني. كما سعى ويسعى العقل لتجسيده في ميادين الروح والتاريخ من خلال تأسيس فكرة الحرية والمسار غير المتناهي للتقدم. وفي مجراهما يتراكم اليقين العقلي والعقلاني عن فكرة المنظومة القادرة على صنع الوحدة المرنة بين الظاهر والباطن، والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. إذ يجري مع كل تراكم عقلاني نفي فكرة الجزم اللاهوتية ليستعيض عنها بفكرة الاحتمال، بوصفه الأسلوب الأكثر إنسانية وانفتاحا وحرية لبلوغ اليقين. فهو أسلوب تحرير الروح والجسد من قيود الأحكام الجازمة، وبالتالي تحرير الخيال وتوجيهه صوب الأحلام الواقعية ومعاصرتها. ويجعل هذا التحول من المستقبل معاصرة، كما يجعل من الحاضر محل الالتقاء الدائم بين الماضي والمستقبل. وهنا يتحول الحلم إلى واقع. بمعنى إمكانية بلوغ الحالة التي كانت تقض مضاجع الأنبياء القدماء في البحث عن حل للمشكلة في إشكالية اعقد. من هنا كانت الحلول تذوب في الفكرة الدينية بالضرورة في نفسية الانقياد التقليدي وذهنية الإيمان المحكومة بالخوف وعقدة الذنب والتلذذ بوجاهة الخلاص الفردي من اجل نعيم سرمدي يعادله فرح طاغ بعذاب سرمدي لآخرين!! بينما كانت تذوب الفكرة العقلية الفلسفية بالضرورة في عقلانية الرؤية ومحاولة تأسيسها العملي بالشكل الذي يجعل من معاناة الأفراد جزء من مصير العقل في محاكمة وجوده بين الأزل والأبد.

وفي هذين الأسلوبين العامين جرت وتجري محاولات النفس الإنسانية والعقل المجرد مباراة المنافسة الحرة من اجل المستقبل. ففي الرؤية الدينية كانت تجري من خلال الأتباع المقيد (للنبوة) بحروف النصوص "المقدسة" والتمسك المتوهج أحيانا بها حد التعصب المفرط وخلط الموت بالقتل على إنهما شهادة واستشهاد باسم الحق والحقيقة. كما كانت تفسح المجال أمام فكرة الولاية (الإلهام) بتذليل هذا الوجدان العام لسلطة النص المغترب عن معاناة الوجود التاريخي، والعبارة المعزولة عن معاناة الروح الباحث عن حقيقة المعنى، والكلمة المتكونة من حروف المعجم لا حروف التهجي المعذب بعذوبة التعلم من وحدة الصوت والصورة. لكنها في الوقت نفسه العملية المتناقضة والضرورية لصنع مرتكزات الرؤية الثقافية وتطويرها وتأسيسها وتفاعل منظوماتها الفكرية. ومن خلالها كانت تتراكم الكمية الواقعية لتفعيل الثقافة والمثقف بالشكل الذي يحررهما من قيود النصوص وسلطته الكئيبة على العقل والضمير. الأمر الذي كان يضع الثقافة الحرة ومثقفيها على الدوام في مواجهة السلطة السياسية والاحتراب معها. وليس مصادفة أن تشترك السلطة السياسية والمؤسسة الدينية دوما في قمع فكرة الحرية وأحرار الفكر. وذلك لتحسسهما فيهم مصدر القوة "المخربة" لسلطة الأفراد والنصوص "المقدسة". وفي مجرى هذا الاحتراب كانت تتراكم الفكرة العقلية بوصفها الصدى المتوهج في عالم المسار التاريخي لاكتشاف الحق والحقيقة في الوجود من خلال الانتقال من الباطن إلى الظاهر. فهو المسار الذي قطعه ويقطعه العقل الفلسفي في محاولاته الدائبة، بوصفه الطريق المكمل في مساعي الفكر الحر لبلوغ تطابق الروح والجسد والظاهر والباطن.

إلا أن التجارب التاريخية للأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة. ومن ثم صيانته من الخراب السريع المترتب على تبدل الأجواء والأهواء. لأنه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في تاريخ وعي الذات الفردي والاجتماعي والقومي والإنساني. وتبدع هذه المنظومة على مثالها ما يمكن دعوته بأنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والسلطة. وضمن هذه العلاقة تتبلور ملامح النسب الواقعية والمثلى بين الأشباح والأرواح. ويمكن تتبع الصيغة الملموسة لهذه العلاقة في ثلاثة مستويات، الأول وهو مستوى النماذج الذهنية – الثقافية العامة، والثاني هو مستوى تمظهرها التاريخي، والثالث هو مستوى تجسيدها وتحقيقها الفردي.

ففي مستواها الأول هي النسبة التي تؤسس لها الذهنية الدينية الإيمانية والعقلية الفلسفية. فالأولى عادة ما تصنع ذهنية مقيدة بتقاليد الإيمان التقليدي والخنوع "الواعي" وغير الواعي لمختلف نماذج السلطة الخارجية من اله ونصوص وأفراد وأسلاف وهياكل وأصنام، بحيث تتحول الروح والروحانية إلى قوى مستلبة بقوة المغناطيس الفاعل في نمط الاستعداد التام للخضوع والعبودية. ولا يتغير مضمون هذا الخضوع بسبب شكله الخامل أو مظاهره الهائجة. فكلاهما يخضعان لسلطة الخارج. كما انه انقلاب ملازم لتحول الوحي النبوي من معاناة فردية باطنية إلى هياكل خارجية شكلية. وفي هذا يكمن مصدر الإنتاج الدائم للأشباح التقليدية وضمور الأرواح الحقيقية. أما الثانية، أي العقلية الفلسفية، فإنها تصنع بالضرورة ذهنية نقدية فاعلة بحوافر التحري المنطقي ومرجعية الحرية. مما جعل منها ويجعل على امتداد التاريخ العالمي للبشرية مصدر الإبداع الفعلي لمنظومات الفكر الحر. وقد لا يخلو من شطط وانحراف نسبي وجزئي عن القيم الأخلاقية أحيانا، إلا أنها مجرد مظاهر ملازمة لبقايا الغريزة في العقل الثقافي. مما جعل ويجعل من العقل الفلسفي القوة الجوهرية لتلقائية الارتقاء الروحي. ومن ثم مصدر الأرواح ومشتت الأشباح.

أما في مستواها الثاني، أي مستوى التمظهر التاريخي لهذه النماذج، فهي النسبة الدائمة بين الثقافة والسلطة. وتبرهن هذه النسبة على حقيقة دائمة يقوم فحواها في أن السلطة شبح صانع أشباح، بينما الثقافة روح صانع أرواح. وينبع هذا الاختلاف من مكوناتهما الجوهرية ووظائفها المباشرة وغير المباشرة. فالسلطة هي معقل الغريزة والمصالح والصراع الضروري والمفتعل ومختبر البرهنة الدائمة على كمية ونوعية المؤامرات والمغامرات، بينما الثقافة هي ميدان تجلي الممكنات المتسامية، لأنها ميدان اختبار واختيار العقل والواجب. ويؤدي هذا الاختلاف بالضرورة إلى الخلاف بينهما في المبدأ والوسيلة والغاية. إلا أن النسبة تبقى كما هي: السلطة محكومة وحاكمة بالمادة، أما الثقافة فمحكومة وحاكمة بالروح.

 أما المستوى الثالث فهو التجسيد والتحقيق الفردي لهذه النماذج. وفيه تظهر حقيقة النسبة بين الأشباح والأرواح في المصير والقدر الفردي للمثقفين الأحرار والسلطة. فالسلطة محكومة دوما بقوة العابر والمصالح الضيقة والغريزة، أما الروح فهو كينونة الوجود الفعلي وحامل ديمومته المعقولة. ومن ثم منظومته الفعلية في الوعي الذاتي للأفراد والأمم. وفي هذه المقدمة التاريخية والمعرفية تكمن طبيعة العلاقة بين الفكرة الحرة والسلطة المقيدة. فالثقافة الحرة هي ثقافة العقل النقدي الفلسفي. الأمر الذي يجعل من المثقف الحقيقي أو رجل الفكر حامل فكرة الحرية ومشرّعها الروحي. بمعنى انه يبدعها من خلال تأسيس النسبة الواقعية والعقلانية بين الماضي والمستقبل في مجرى معاناة بحثه الفردي عن حلول لإشكاليات المعاصرة. وتشكل هذه الحلول المتنوعة بمجملها صيرورة النخبة المبدعة، أي المثقفين بوصفهم حاملي روح المرحلة، أو أرواحها الفردية المتنوعة، ومن ثم حملة منظومة الثقافة الفعلية. وفي هذا يكمن سر خلافها الخفي والعلني مع السلطة بوصفها قوة القيود المادية المتجسدة في عنف القوة القاهرة، وسطوة النص الجامد، وانعدام التأويل العقلي الحر. وإذا كان مظهرها العام والخاص عادة ما يبرز في عنف القوة القاهرة لسياسة الدولة، فلأنها التجسيد الأكثر خشونة للعنف والسطوة واللاعقلانية. وتنبع هذه الصفات من طبيعة السلطة. فالسلطة هي منظومة القهر والجمود واللاعقلانية الدائمة، لأنها تتمثل في أعماقها وآلية فعلها نفسية الغريزة ومكونات ما قبل العقل الثقافي. من هنا استفحال النفس الغضبية فيها مع كل ضعف أو مواجهة لرجال الفكر الأحرار. تماما بالقدر الذي يتمثل رجل الفكر الحر في أعماقه وآلية فعله العقل الفلسفي النقدي، ومن ثم ينفي في إبداعه ومشاريعه، بما في ذلك أشدها طوباوية، حدود الجمود المتراكم في قهر السلطة وسطوة النصوص الجامدة وخمول الخيال. وذلك لان منطق الثقافة الحقيقية يقوم في إبداع الحق والحقيقة والعمل بموجبهما. ويجعل هذا الترابط من الثقافة الحقيقية ملجأ المثقف الحقيقي، كما يجعل من المثقف الحقيقي حامل الثقافة الحقيقة. وتنتج هذه المعادلة في كل قراءة أصيلة وفردية لها نموذج "أنا الحق".

إن المستويات الثلاثة المشار إليها أعلاه هي طبقات التراكم التاريخي والمنطقي لإشكالية الأشباح والأرواح القائمة في علاقة السلطة والثقافة. إذ تكشف هذه الطبقات وتبرهن على الحقيقة القائلة، بأن الثقافة الحرة لا تبدع غير سلطة الحقيقة. الأمر الذي يخيف السلطة (السياسية) ويثير غريزة الجاه فيها وحب الاستئثار وغيرة الإمامة. إنها أيضا تريد الاستئثار بما في الثقافة الحقيقية من قوة وسلطة، لكنها لا تدرك نوعية الخلاف بينهما. فالروح ليس كالجسد، والتاريخ ليس كالزمن، والمستقبل ليس كالماضي. فالسلطة من حيث تركيبتها وفاعليتها هي جسد الزمن الماضي، بينما الثقافة الحقيقة هي روح التاريخ المستقبلي. وفي هذا يكمن القدر المحتوم لاختلافهما الدائم وصراعهما المحتمل. من هنا كان تعايش وتلازم العلاقة بينهما، ودمويتها في كل محاولة لنفي طبيعة ونوعية هذا التمايز والاختلاف.

مما سبق نستطيع القول، بان السلطة الجيدة هي التي تعي نفسها وتعمل على أنها شبح للروح وليس للجسد، وشبح للتاريخ وليس للزمن، وشبح للمستقبل وليس للماضي. وحالما تريد الاستئثار بالاثنين معا، فإنها تفسدهما كليهما. أما النتيجة الحتمية لهذا الفعل فهي استعادة فجة للعداوة والاستعداء والخراب والتخريب. كما أن الثقافة الحقيقية هي التي تعي نفسها وتعمل على أنها روح الأرواح المبدعة لمبدعيها، وأن سلطتها فيها لا في أيدي أشباح عابرة. وبالتالي فإن قدرها المحتوم هو معاناة دائمة ودائبة من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطوية بشكل خاص. وذلك لأن الثقافة الحقيقة هي تاريخ المستقبل، أي تاريخ التأسيس العقلاني الحر لفكرة الاحتمال والبدائل الإنسانية. وبالتالي، فهي تاريخ دائم من وعي الذات.

 

***

 

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (657) 13/07/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

مسرح الزمن الإمبراطوري ودراما التاريخ الفعلي للأمم (1-2)

ميثم الجنابي

توطئة

إن التاريخ هو مسرح الإرادة والوعي. من هنا احتواءه بقدر واحد على مختلف نوازع العقل والوجدان، والتخطيط والجنون. ومن توليف هذه المكونات تتراكم تجارب الأمم وحكمة التاريخ الفعلي. الأمر الذي يجعل من التاريخ ميدانا يتمثل أفراح الفوز والنجاح وكآبة الهزيمة والخسران، كما لو انه يمثل دراما الوجود التي تجعل من الدول والأمم مجرد لاعبين يمثلون أدوارهم على أخشاب الزمن، ما لم يجري التوصل إلى صنع مرجعياتهم الخاصة في التعامل مع النفس.

إن هذا الوصف البياني لا يتعارض مع لغة الأحداث الواقعية. لكنه يقف دوما في صراع عنيف مع حذلقة التحزب السياسي ويقين الأصوليات المتنوعة واختزالها لكل ما جرى ويجري بمعايير القضاء والقدر أو الحتمية التي لا مفر منها. فالأصوليات المتحزبة لا ترى غير الزمن. أما التاريخ فانه يغيب وراء "قانون" العقائد الجازمة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه المفارقة في إحساس الإمبراطوريات الصاعدة ويقينها الجازم في رؤية "الغيب". وليس مصادفة فيما يبدو أن يبلغ الصراع هذه الحدة من العنف بين المحافظين الجدد و"القاعدة" بوصفهما أصوليات متنافرة المظهر متوحدة الباعث والغاية. بمعنى أن كل منهما يختبئ وراء العقائد الجزمية من النفس والمستقبل، مع ما في ذلك من خروج على التاريخ الفعلي للأمم، وتاريخ الثقافة الإنسانية بشكل خاص. وإذا كان لكل منهما خطئه الخاص بوصفه جزء من تجارب الأمم ايضا، فان خطيئته الكبرى تقوم في محاولاته إرجاع التاريخ إلى زمن العقائد، أي تحويل كل هذا التنوع الهائل لتجارب الأمم إلى قواعد بسيطة ومسطحة في التعامل مع الحاضر والمستقبل. 

فقد أدى "الفوز" في "الحرب الباردة" إلى تصنيع أوهام جديدة، كما كان يمكن رؤيتها في المفاهيم الأيديولوجية مثل "نهاية التاريخ" و"القطب الواحد" و" القرن الأمريكي" التي استتبعها مفهوم "صراع الحضارات". وهي سلسلة متراكمة من حلقات الوهم الأيديولوجي المميز لصعود الإمبراطوريات في ظل فقدان مقدماتها الضرورية. وليس مصادفة أن يظهر مصطلح "اكبر إمبراطورية ديمقراطية" ويجري إطلاقه على الولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى عثورنا فيه على مكونات نزوع إمبراطوري وديمقراطي! وهو تناقض لا يمكن حله إلا على حساب احدهما. وقد كان الخيار الأمريكي هو "طريق الإمبراطورية" القديم، أي الهيمنة.

سعت الولايات المتحدة إلى مصادرة التاريخ من خلال جعل تاريخها القصير نهاية التاريخ، ومن نفسها محور وجوده وقطبه الدائر، ومن المستقبل قرنها الخاص. بمعنى اختزالها وجود الأمم وتاريخ الدول والحضارات والثقافة بالشكل الذي يجعلها فيصل الأحكام النهائية والقاطعة. بحيث أعطت لنفسها تحديد الأعداء والأصدقاء بما في ذلك بمعايير الثقافة والحضارة (صدام الحضارات)، مع أن الثقافة والحضارة من حيث مرجعياتها هو الأسلوب الوحيد لتذليل صراع الأمم. وهو مؤشر خفي على خلل الرؤية الأمريكية. ومن الممكن رؤية هذا التناقض أيضا في مساعيها "تعليم" الشعوب كل شيء بما في ذلك "الإصلاح" و"الديمقراطية" و"الحقوق". وهي نزعة إمبراطورية قديمة محكومة بالفشل، شأن كل سابقاتها بهذا الصدد. والقضية ليست فقط في انه لا يحل مشاكل الأمم غير الأمم نفسها بوصفه طريق تطورها التلقائي، بل ولأن فرض المشاريع بالقوة، أيا كان شكلها ونوعها وغايتها والنية القائمة وراءها يتصادم مع أبسط الحقائق التاريخية، مثل أن التاريخ لا يعرف التكرار. ومن ثم لا يمكن استعادة مقدمات القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين في ظروف القرن الحادي والعشرين! كما لا يمكن التوفيق بين النزوع الإمبراطوري والديمقراطية، والحرية والعبودية. فإذا كانت السريالية الحقيقة هي الوجه الآخر لتأمل الواقع ومحاكاة النقد الدفين لما فيه من تشوه خفي، فإن تمثل الذهنية السريالية في صنع سيناريوهات المستقبل السياسية لا يؤدي إلا إلى تصنيع مختلف نماذج اللاعقلانية والخراب.

وقد تكون أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، البداية التي لازمت بداية "القرن الأمريكي". فقد كانت تحتوي في أعماقها على خزين التراكم "الإمبراطوري" الأمريكي، الذي تفجر بين ليلة وضحاها في حرب ضروس "على الإرهاب". وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال عن السيناريوهات العملية الإرهابية والقوى القائمة وراءها، فان توظيفها السريع والعلني يكشف أساسا عما يمكن دعوته بالدوافع الدفينة للنزوع الإمبراطوري الأمريكي.وليس مصادفة أن نرى محاولات المتحدة الأمريكية المحمومة في حشد "الرأي العام العالمي"، و"تجميع القوى للحرب على الإرهاب" تحت شعار "من ليس معنا فهو بالضد منا". وبالتالي توظيف كل هذه المساعي من اجل إرساء أسس "النظام العالمي الجديد" أي نظامها الخاص. من هنا مساعيها لالتهام كل ما يقف أمامها. وإذا كان مظهرها الأول وغايتها المعلنة ودرجتها العملية الأولى تقوم في "تحرير" أفغانستان من طالبان والقاعدة، فان سهولة تمريرها بسبب التأييد العالمي آنذاك استدرجها صوب "تحرير العراق". وفي مجراه جرت محاولة حشد "التأييد العالمي"، على الطريقة الأفغانية. ولم يكن هذا بدوره سوى غطاء من اجل توسيع رقعة حلف الأطلسي وقضم والتهام أوربا الشرقية وضم كل ما يمكن ضمه إلى فضاء "المصالح الحيوية الأمريكية". وأخيرا محاصرة البقايا السوفيتية وبالأخص روسيا بوصفها الوريث الشرعي للدولة السوفيتية. كما لم يكن الدخول إلى أفغانستان سوى أسلوب "الإقامة الجبرية" وسط المنطقة المتاخمة لروسيا والصين والهند وايران. وتمددت هذه العملية بطريقة ملازمة للصعود الإمبراطوري، أي المتحلل من الرؤية النقدية، والخالي من اعتبار الماضي.

فالإمبراطورية لا تنظر إلا إلى المستقبل، أي إلى مستقبل مصالحها الخاصة. بحيث يؤدي بها مع مرور الزمن إلى الخروج على منطق التوازن والاعتدال. مع ما يترتب عليه من شطط لا تصمد أمامه أكثر السيناريوهات تخطيطا وحبكة!

 

سيناريو "النظام العالمي الجديد" أم إمبراطورية الفوضى؟

تبرهن تجارب التاريخ على أن الإمبراطورية ليست عقلا، وبالتالي ليست منطقا. وان صحوتها العقلية والمنطقية ملازمة لسقوطها. وهي فرضية مبرهن عليها، لكنها غير مقنعة بالنسبة للإمبراطورية، وذلك بسبب كون رؤيتها محكومة بالقوة وليس بالمنطق. وعادة ما تدفع هذه المفارقة الدولة الإمبراطورية مع كل تهور في استعمال القوة إلى الانهيار الروحي والمعنوي. لهذا عادة ما يكون انهيار الإمبراطورية نتاجا لانتفاضات العبيد وتمردهم. وهي إحدى المفارقات الغريبة التي تنعكس فيها بصورة نموذجية استحالة توحيد التاريخ والمنطق في السلوك الإمبراطوري. والمقصود بذلك، أن مسار الإمبراطورية هو تمثل سياسي وعسكري واقتصادي وثقافي للقوة المادية والمعنوية للأمم. والإمبراطورية على الدوام صعود في القوة الجسدية والحماس المعنوي للأمم. وضمن هذا السياق ليست الإمبراطورية سوى التاريخ المجّسد في قوة منظمة لتنفيذ مشاريعها الخاصة. غير أن إشكالية هذه القضية تقوم في أن المشاريع الخاصة ليست عامة. من هنا عادة ما يعرج منطقها مع مرور الزمن ليتحول إلى مصلحة خالصة. عندها تصبح القوة فقط معيار وأسلوب الحكم والتعامل مع الآخرين. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العصر الحديث هو عصر القوميات، من هنا تقليص المدى الروحي والوجودي للإمبراطورية.

فالإمبراطوريات القديمة عادة ما كانت تستند إلى فكرة كونية ومركز موّحد، بينما الحديثة لا يمكنها القيام بربط هذين المكونين في سلوكها العملي، بسبب أولوية وجوهرية الفكرة القومية فيها. من هنا تحول النزعة الإمبراطورية إلى سلوك كولونيالي بحت، لا قيمة ولا اثر لمشاركة "الأطراف" إلا بالقدر الذي يجعل منها مصدرا للاستغلال والربح، في ظل ثنائية عميقة الجذور أشبه ما تكون في أبعادها النفسية والثقافية بعلاقة مالكي العبيد بالعبيد.

فقد كانت الإمبراطورية الرومانية ممثلة وصانعة فكرة المدينة الكونية والمواطنة. الأمر الذي جعل من لغتها اللاتينية ومدينتها روما مكانا للإبداع المشترك. لكنه إبداع له حدوده لكنه احد النماذج المثلى للنزعة الإمبراطورية الرومانية القديمة. وهي إمبراطورية اقرب ما تكون إلى كوسموبوليتية أحرار وعبيد. وليس مصادفة فيما يبدو أن تكون الفاتيكان من حيث الرقعة الجغرافية الصغيرة والتمثيل الكوني (النصراني) بأبعادها العالمية (الكاثوليكية) تعويضا روحيا عن خسارة مادية! والشيء نفسه يمكن قوله عن الإمبراطورية الإسلامية، صانعة النموذج الأرقى للوحدة الكونية من خلال فكرة الأمة الواحدة والشريعة الواحدة، والمبنية على ثنائية المسلم وغير المسلم (ذمي وكافر). وهو نموذج إمبراطوري مبني من حيث الجوهر على وحدة متجانسة للكونية الثقافية، لكنها لم تتحرر من خلاف الديني والدنيوي. الأمر الذي جعل من مكة العباد والحج تعويضا روحيا عن دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة. أما الإمبراطوريات الحديثة، كما جسّدتها التجربة السوفيتية، فإنها نموذج لجوهرية الدولة المركزية والعقيدة الكونية الصارمة، المبنية على ثنائية الشيوعي وغير الشيوعي. وهو تناقض صارخ أدى إلى اندثارها السريع. إنها لم تستطع أن تتفتح بمعايير الشيوعية الكونية، لأنها كانت قومية مبطنة، كما لم يكن بإمكانها جعل موسكو مدينة روحية عالمية لأنها كانت تشك في كل من سواها!

مما سبق، يتضح بأن سقوط الإمبراطوريات القديمة كان محكوما بطبيعة التناقض القائم في تلك الثنائيات التي تحرك مغزل إبداعها الذاتي. وهي حركة حولت، مع مرور الزمن، الخيوط الجميلة إلى عقد. بحيث أصبح لباسها مهزلة، وخيوطها سياطا. أما الحصيلة التاريخية للعقد الإمبراطورية في التاريخ، فإنها تكشف عن أن الإمبراطورية حلم طوباوي للبديل الشامل. وكل انغماس فيه هو حركة في مستنقع رملي. وهي الصورة الأدبية التي أكثر من يجسدها في العالم المعاصر السلوك الإمبراطوري للولايات المتحدة تجاه العراق قبل وبعد احتلاله.

 

الأيديولوجية الأصولية "للمحافظين الجدد" وسيناريو احتلال العراق

كانت خطة احتلال العراق تعكس الاتجاهية المتناقضة لصعود الإمبراطورية الأمريكية وسقوطها. وخصوصيتها بهذا الصدد تقوم في كونها نتاجا للأيديولوجية الراديكالية في صعودها إلى السلطة. فمن الناحية الزمنية هي جزء من الاستفراد الأمريكي المفاجئ بسبب انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي بالأخص. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الرئيسية لصعود الراديكالية المحافظة. وليس مصادفة أن تظهر عام 1992  (إستراتيجية السيطرة والتحكم) التي وضعها فولفوفتس حسب طلب ديك تشيني، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع. ومضمونها يقوم في تأسيس الفكرة القائلة، بأن "المصالح الحيوية الأمريكية" متعلقة بكل شيء، وبالطاقة بشكل خاص (النفط). من هنا امتلاكها أيضا "حق" التدخل العسكري لضمانها. إذ احتوت هذه الفكرة على استعداد لقبول كل "الشعارات" الدعائية المحكومة بالعرض والطلب الأيديولوجي. من هنا انتفاء "الخطر الشيوعي" وظهور "الخطر الإسلامي" و"الإرهاب العالمي" و"أسلحة الدمار الشامل" وغيرها من الشعارات الممكنة. وذلك لأن الغاية النهاية من وراء ذلك هي "عدم السماح بظهور منافس". مع ما ترتب عليها من سياسة تقليص دور الأمم المتحدة وإحلال الولايات المتحدة محلها بوصفها "القوة المنظمة للنظام العالمي". بحيث جعلت ريتشارد بيرل يصف مجلس الأمن بالفاشل الحقير. وان يكون فولفوفتس "الديمقراطي الامبريالي" منهمكا بتأسيس فكرة البحث عن عدو خارجي دائم كما كان يقول بها ليفي شتراوس، أو أن يطلق رامسفيلد لاحقا مختلف الأوصاف الشنيعة على أوربا وفرنسا بسبب معارضتهم للحرب في العراق.

فقد ساهم فولفوفتس في وضع وتجسيد فكرة "تغيير العالم حسب رؤية الولايات المتحدة". وتحول العراق إلى ميدان تطبيقها بسبب تحلله الداخلي وحالته المساعدة على تنفيذ الأفكار الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية. وتراكم هذا التحول في مجرى عقد من الزمن (ما بين عاصفة الصحراء واحتلال بغداد عاد 2003). فقد وضع ريتشارد بيرل مع فييت وبورمسير عام 1996 وثيقة «Acleanbreak» التي كانت ترمي إلى تأسيس فكرة "الهجوم النظيف" و"القفزة الذكية" السريعة من اجل احتلال العراق. وجرى تفعيل هذه الوثيقة في الرسالة التي كتبها عام 1998 ثمان عشر شخصية من المحافظين الجدد إلى كلينتون تتناول قضية الإطاحة بصدام. وفي عام 2000 تظهر وثيقة (إعادة بناء الدفاع الأمريكي «RebuildingAmerica’sdefenses: strategies, forcesandresourcesforanewcentury»، أي الصيغة المعبرة عن فكرة "القرن الأمريكي". وهي صيغة تتسم بقدر هائل من الزهو والإعجاب الذاتي المميزة لاستفراد الإمبراطوريات. وشأن كل فكرة من هذا القبيل لها جذورها فيما يسمى بنهاية التاريخ (الماضي) وبقاء (المستقبل الأمريكي). بمعنى إننا نقف أمام نفس الوهم الإمبراطوري بالعصمة الأبدية للحماقات التي يمكن اقترافها بدون حساب. وهي فكرة وجدت مصدر "اختبارها" بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

وشأن كل فكرة خاطئة من حيث المنطق وقابلة للتنفيذ بحكم القوة، فإنها عادة ما تصنع زوبعة العجاج العنيف الذي عادة ما يختنق فيه الكبار ويبقى الصغار يتلاعبون بذراته المدهشة والمثيرة لحب الاختباء فيه. عندها أصبحت مهمة مهاجمة المثلث العراقي – السوري – الإيراني قابلة للتنفيذ. وأولويتها كانت تكمن بسبب عدائه التاريخي والعميق "لإسرائيل". وهو ترابط محكوم بأصول المحافظين الجدد أكثر مما هو محكوم بفكرة المحافظين الجدد كما هي. مع أن الارتباط بينهما له أصوله وجذوره الخاصة. فالفكرة نفسها هي أيديولوجية راديكالية ومغلقة، بسبب تمثلها لرحيق التقاليد اليهودية (ليفي شتراوس). وشخصياتها التأسيسية الكبرى في السياسة الأمريكية الحالية وبالأخص في الحرب على العراق يهودية الأصل. ولا يمكن العثور على يهودي خال من الراديكالية والانغلاق. فوجودهما واحد. بمعنى أن اليهودي راديكالي ومغلق بالضرورة بسبب تقاليد التوراة والتلمود والغيتو القابع في النفس اليهودية ووعيها الذاتي. والتحرر منها ممكن فقط حال الارتقاء إلى مصاف العبرانية الثقافية. بينما يشكل اغلب أيديولوجي المحافظين الجدد يهود الهجرة المتأخرة للولايات المتحدة، أي المشحونة من حيث تربيتها وأصولها بتقاليد الراديكالية المنتفخة بالانتصار "الاشتراكي" والمتأزمة من انقلابه ضدها! من هنا قوة وعنفوان الراديكالية السياسية في ظل الدفاع عن فكرة محافظة. وهو تناقض عصي بمعايير التاريخ لكنه معقول بمعايير ونفسية الشتات والغيتو المميزة للتقاليد اليهودية الصهيونية. من هنا تلاقي "الحلم الأمريكي" التاريخي مع "الحلم اليهودي" اللاهوتي. وهو مزيج يصعب خلطه شأن النفط بالماء. من هنا حلم "الديمقراطية" و"المصالح الحيوية"، وخلط الدنيوية بالتعصب الديني، و"حب السلام" والدعوة الدائمة للحرب أو استعمال القوة من اجل بلوغ الغاية. من هنا إرسال واحد وأربعين من المحافظين الجدد رسالة لبوش (بعد أحداث الحادي عشر من أيلول) يحثونه فيها على مهاجمة إيران وحزب الله وسوريا والعراق حتى في حال عدم وجود علاقة له بالقاعدة. بينما يجري صياغة مهمة الهجوم على العراق من جانب خمس وعشرين شخصية من ممثلي المحافظين الجدد (اغلبهم من أصول يهودية) من اجل صنع "تاريخ المستقبل". وبعدها تمتزج "الديمقراطية" بالنفط بطريقة تجعل من مساعي الاحتلال "تحريرا" ومن "التحرير" احتلالا "شرعيا". بحيث تفقد الكلمات معناها الأصلي. وهو بداية الانحطاط.

***

 

مسرح الزمن الإمبراطوري ودراما التاريخ الفعلي للأمم (2-2)

ميثم الجنابي

 

أنشودة الإمبراطورية الخربة –  حماقة إستراتجية أم إستراتيجية حمقاء

 إن الكلمة ليست رغبة بل تاريخ ومعنى. وحالما يجري التلاعب بهما بطريقة مخالفة لأصول وجود الأشياء، فإنها تؤدي بالضرورة إلى اختلال الأوزان الذاتية وتخريف للوعي. وهو السبب الكامن وراء ظهور أربعة أصوات مختلفة في أنشودة الأناشيد الجيوسياسية "للقرن الأمريكي" في موقفها من العراق.

الصوت الأول ويدعو إلى الإطاحة بصدام وبناء نظام ديمقراطي فيه لإعادة بناء المنطقة.

والصوت الثاني يدعو إلى ما اسماه بفعل الدومينو في العالم العربي من خلال إحلال الديمقراطية في العراق، بمعنى تساقط الأنظمة فيه من خلال الهلع الذي يثيره احتلال العراق عبر "رسالة الكلمتين – أنت اللاحق!".

والصوت الثالث يدعو إلى أن تكون السيطرة على العراق من اجل جعل النفط سلطة، وليس طاقة. بمعنى استغلاله بطريقة قادرة على التحكم بآسيا وأوربا عبر وضع الأيدي الأمريكية على مفاتيح النفط.

 والصوت الرابع يتكلم عن "الرسالة الأمريكية" الكونية عبر تغيير العالم العربي والإسلامي بالقوة من اجل بناء الأنظمة الديمقراطية فيه. وهي فكرة صاغها وليم كريستول في عبارته القائلة، بأن الرسالة الأمريكية ومهمتها تبدأ في بغداد لكنها لا تتوقف فيها. وان الولايات المتحدة تقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، يبدو أنها لن تتوقف عند العراق. بل قد لا تقف عند حدود مستقبل الشرق الأوسط، وذلك لأن العصر القادم هو العصر الذي يرتبط بالدور الذي تنوي الولايات المتحدة لعبه في القرن الحادي والعشرين.

إننا نقف أمام حالة عادية لسقوط الإمبراطورية ونزوعها غير العقلاني. فمن الناحية التاريخية، تمثل الإمبراطورية الأمريكية آخر الإمبراطوريات. الأمر الذي يجعلها أسرع أفولا، ومن ثم أتعسها حظا! أما من الناحية الفعلية، فإنها اشد الإمبراطوريات جهلا، وأكثرها تعنتا، وأعمقها تناقضا، وأوسعها رياء، وأكثرها إيغالا في رمال الطوباوية النفعية!

أنها اشد الإمبراطوريات جهلا بسبب تجاهلها حتمية سقوط الإمبراطوريات والخراب الممكن بالنسبة للقوى الذاتية المتراكمة في مجرى صراع مرير مع النفس. فالإمبراطورية جهد وجهاد واجتهاد مادي ومعنوي هائل. وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تجري ضمن مسار "الغيب" و"المجهول" بسبب صعوبة تأمل المستقبل بمعاييره، فإن العالم المعاصر يعطي للمستقبل بعد آنيا، أي يجعله جزء من تجربة المعاصرة. وهو امتياز نابع من قدرة التكنولوجيا الحديثة على تجاوز الخلاف الواقعي بين الزمان والمكان. أما نتيجة هذا الجهل فهو التعنت الفردي وتجاوز الحدود بطريقة يجري فيها انتهاك كل الأعراف والقيم والتقاليد التي تدعو هي نفسها إليها. مما يوقعها في تناقضات عصية على الحل، وبالأخص بين ما تدعو إليه علنا وتعمله سرا. أما النتيجة فهي العيش حسب قواعد الرياء الشامل والنزعة الكلبية! وقد تراكمت هذه الحصيلة في مجرى الانعزال التاريخي السياسي للولايات المتحدة القديم، وخروجها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والدعائي الحديث. بمعنى أن بروزها لا علاقة له بالروح وتقاليده الكونية الكبرى. مما جعل من المصلحة فكرتها العامة، ومن مركزها بورصة عالمية، ومن ذاتها المتبجحة مركزا للعالم مع انغلاق تام أمامه! وقد لاحظ احد الأمريكيين هذه الحالة وصورها بدقة في معرض حديثه عن العراق عندما كتب يقول: "إن الولايات المتحدة ليس بإمكانها القيام بما كانت تقوم به روما من فكرة المواطنة. ففي الإمبراطورية الرومانية، كان كل من يخضع لسيطرتها يصبح مواطنا بالضرورة". وهو شيء اقرب إلى المستحيل بالنسبة للولايات المتحدة والعراقيين على السواء! ووضع هذه الفكرة في استنتاج ظاهري ومعقول، يقول:""نحن نريد أن نعطي لهم ثمار الحضارة وليس الحضارة بحد ذاتها. إذ يحرم عليهم ذلك"! وفيما لو جرى تطويع هذه الفكرة ضمن السياق السياسي، فإنها تعني، أن الولايات المتحدة تريد ديمقراطية عبيد! وتفوق هذه المفارقة كل الاحتمالات الممكنة في يوطوبيا الإمبراطوريات القديمة. لكنها لا تفعل حالما ننظر إليها ضمن مسار التاريخ الفعلي إلا على الإيغال في رمال الطوباوية النفعية. وعندما تصبح الطوباوية النفعية المخرج الوحيد للإمبراطورية، فإن ذلك يعني بالضرورة بداية انهيارها المعنوي، كما نرى معالمه الجلية والمستترة في العراق.

فالتاريخ يشير إلى أن بداية انتفاضة العبيد هي بداية الانهيار المعنوي للإمبراطوريات. سبارتاكوس في روما والزنج في الخلافة. وهي مقارنات لها أمثلتها ونماذجها العديدة في جميع الإمبراطوريات القديمة. كما نعثر عليها في تجارب الماضي القريب والمعاصر. فقد كان تمرد الأفغان إنذارا بأفول القوة المعنوية للإمبراطورية السوفيتية. ويمكننا قول الشيء نفسه عن التمرد الأول للحركة الصدرية واستعدادها لخوض معارك المدن الكبرى، بوصفها بداية الأفول المعنوي للإمبراطورية الأمريكية. وسرّ الظاهرة يكمن ليس في قوة المتمردين، بل في تلك الجرأة التي تجعل من الأطراف والمهمشين والمتعبين قوة قادرة على مواجهة أقوى الدول وأشرسها. إذ يجبر هذا الصراع الإمبراطورية على منازلة المستضعفين. وفيها ومن خلالها تتآكل وتتعرى القوة المعنوية للإمبراطورية. وذلك لأن كل انتصاراتها تصبح لا قيمة لها! ولا يزيدها التهليل والتبجيل في الدعاية والإعلام إلا إثارة الاستهزاء والتندر. وفي كل دمعة مذروفة على قتلى المتمردين يمكن سماع قهقهة الزمن وسخرية التاريخ!

 

السيناريو العراقي وأفول النفس الإمبراطورية!

إن تحويل تحرير العراق من الدكتاتورية الصدامية إلى احتلال باسم الديمقراطية لا يمكنه أن يؤدي في كلتا الحالتين إلا إلى تصنيع "جمهورية العبيد". وهي جمهورية ميتة. فكما أدى وهم الإمبراطورية الصدامي إلى عراك مع العراق وإنهاك قواه المعنوية بحيث جعله فريسة سهلة للاحتلال، فإن محاولة تقديم الاحتلال تحريرا لا يصنع غير أوهام السيطرة والاستحكام. فقد أنهكت الدكتاتورية الصدامية القوى الحية في العراق، ودمرت قواه الاقتصادية والبشرية والروحية في حروب داخلية وخارجية متواصلة. رغم أن هذه الحروب لم تكن معزولة عن التدخل غير المباشر للولايات المتحدة وصراع القوى الإقليمية والعالمية. لكنها تبقى في نهاية المطاف جزء من الصراع الداخلي وليس بالعكس.

فقد صنع احتلال العراق السريع والسهل أوهام القوة المفرطة للإمبراطورية الأمريكية، ومهّد لانقلاب شعارها المعلن إلى سياسة واقعية نفعية صرف. الأمر الذي أدى إلى بروز الوجه الحقيقي لما أسميته بالطوباوية النفعية، بوصفها أتعس أنواع الطوباوية وأرذل أنواعها النفعية! وذلك لأنه يجبر الإمبراطورية على خداع النفس عبر تصوير الاحتلال تحريرا. وحالما يبلغ الخداع الذاتي ذروته، فان كل خطوة تخطوها القوة تصبح حركة في مياه آسنة أو مستنقع رملي. ولا تصنع غير الرغبة المتزايدة في وضع حد لها والخروج عليها. وهو واقع يحاصر الإمبراطورية الأمريكية في العراق. انه يحاصر نزعتها الإمبراطورية وإعلانها الديمقراطي، كما يحاصر وجودها كقوة محتلة وزعمها بوصفها قوة محررة. ولا تصنع هذه المحاصرة غير التناقض المستمر والتوغل فيه. بحيث تصبح كل حركة إشارة لتوسع المعارضة، وكل رجوع إلى البداية انتكاسة، كما نعثر عليها، على سبيل المثال لا الحصر، في مشروع بيكر – هاملتون أو غيرها من المشاريع المحتملة القادمة. فهي مشاريع لا علاقة لها بالبدائل. وسبب ذلك يقوم في سعيها الأساسي للخروج من الأزمة عبر حل أزمة الولايات المتحدة.

لكنها حالة تشير بدورها إلى جذر المشكلة القائمة في تحول "التحرير" إلى احتلال. ولا غرابة في هذه الحالة، وذلك بسبب طابعها "النموذجي". إذ إننا لا نعثر على تجربة تاريخية تخرج عن إطار هذا "القانون الحديدي" الصارم. بمعنى إعلان الحرب والغزو والاحتلال باسم قيم مثلى وسامية، لكي تنتهي في نهاية المطاف إلى مجرد استيلاء ومصادرة. وإذا كان لهذه الظاهرة تفسيرها "المعقول" ضمن نطاق "الرؤية التاريخية" والمجردة، فإن مجراها الفعلي يبقى كما هو. بمعنى معاناة البشر و"تلذذ" العبرة التاريخية بدرس جديد! وهو درس اقرب إلى البديهة، لكن لن يتحول إلى حكمة! وهي المفارقة التي تعطي لنا إمكانية القول، بان الحكمة لا يمكنها أن تكون بديهة عملية في السياسة، كما أن البديهة العقلية والمنطقية لا يمكنها أن تكون حكمة عملية في السياسة النفعية. لكنها مفارقة قادرة على شحذ الرؤية الواقعية والعقلانية والأخلاقية القائلة، بأن سرّ الاحتلال الخارجي يكمن في سير الانحلال الداخلي. وبالتالي، فإن الاحتلال الخارجي هو استمرار للاحتلال الداخلي بوصفه نتيجة ملازمة لسقوط منظومة الحقوق المدنية. وهو السبب الذي يكمن وراء سقوط الدول وبقاء الأمم، كما نعثر على صيغتها "الفريدة" في تاريخ العراق الحديث! بمعنى أن الحالة التي بلغها التطور التاريخي الحديث وقدرته المستقلة على تحديد مواقف الدول مما جري بينهما بمعايير "القانون الدولي"، لم تنف إمكانية اختراقه السياسي، بما في ذلك عبر هيئة الأمم المتحدة، لكي يصبح احتلاله اقرب إلى "الشرعية" العلنية أو الصامتة. وهو تناقض عصي على التبرير، لكنه أصبح ممكنا بسبب طبيعة وحجم ومستوى الانتهاك المرير لمنظومة الحقوق المدنية في ظل التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بان كل تقدم في منظومة الحقوق بين الدول يجعل الاحتلال اشد تعقيدا وصعوبة. وذلك لأن تكامل منظومة الحقوق يجعل من انتهاكها عملية وخيمة النتائج وأكثر تكلفة وأشد صعوبة. لكن الواقع يبرهن لحد الآن على أن نفسية وذهنية وفكرة الاحتلال لم تلفظ أنفاسها الأخيرة. بمعنى أنها لم تتحول بعد إلى قطعة أثرية في متحف التاريخ السياسي والحقوقي الدولي. والسبب مقرون بثقل نفسية المصالح، وتقاليد القوة الغضبية، وجزئية الحقوق العامة، واختلاف القوانين الوطنية، وضعف تجانسها العالمي، وتباين التقاليد الثقافية. وهي مكونات هائلة التأثير لها تاريخها العريق في ميدان الروح والجسد الفردي الاجتماعي والقومي والدولتي. من هنا تباين تأثيرها في سلوك الدول، لكنها تتأزم في الأغلب مع صعود النفسية الراديكالية. وليس مصادفة أن يكون الاحتلال الأمريكي للعراق ملازما لذروة الصعود الراديكالي لفكرة المحافظين الجدد وذروة الانحطاط المعنوي لراديكالية التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وفي كلتا الحالتين نقف أمام هوية خروجهما على الحق. فإذا كان الاحتلال الداخلي هو نتاج للانحطاط المادي والمعنوي في منظومة الحق، فان الاحتلال الخارجي هو انتهاك لها وخرق لمبادئها. ولكل مرحلة تاريخية نمطها الخاص في انتهاك الحقوق ومستوى خاص في تجسيدها وتبريرها. لكنها تبقى في نهاية المطاف جزء من الانحطاط الروحي والأخلاقي للدول والأمم والفكر. فالاحتلال بحد ذاته انحطاط. أما طبيعته ونوعيته وتأثيره فعلى قدر طبيعة ونوعية الانحطاط الذاتي.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بان الاحتلال الأمريكي للعراق هو استمرار للاحتلال الدكتاتوري، بمعنى أن كل منهما يكمل الآخر في انتهاك فكرة الحق وسيادة الفرد والمجتمع والدولة. وليس مصادفة أن تكون شعاراتهما الداعمة لمواقفهم العملية متشابهة. التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية حللت المجتمع باسم شعار الوحدة والحرية، بينما عمق الغزو الأمريكي هذا التحلل تحت شعار التحرير (الحرية) والديمقراطية. مما جعل كل منهما يكمل الآخر فيما يتعلق بتفكيك الهوية الوطنية العراقية.

مما لا شك فيه، أن تفكيك الهوية الوطنية هو أولا وقبل كل شيء فعل ذاتي، جعل من الممكن ظاهرة التدخل الأجنبي وفعالية أساليبه في تعميقه أو تحويله إلى "منظومة". فقد كان الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله "الشرعي" مبني من الناحية الأيديولوجية والسياسية على وقائع جعل منها حقائق. بمعنى استغلاله واقع التجزئة والتفكك الفعلي في الهوية الوطنية العراقية عبر تحويله إلى "حقيقة" جرى رفعها إلى مصاف الأسلوب "الواقعي" و"العقلاني" للتحكم بالدولة ومؤسساتها الجديدة. ولا يمكن توقع حدوث هذه النتيجة في ظل بنية وطنية متكاملة. من هنا أصبح الغزو أمرا "مقبولا" لأغلبية المعارضة "الديمقراطية" و"الثورية" و"الوطنية" و"القومية" و"الإسلامية"، كما جعلت الاحتلال "تحريرا" لأغلبية المجتمع في بداية الغزو. بمعنى إننا نقف أمام اغتراب شبه شامل وتجزئة فعلية بين الدولة والسلطة، والمجتمع والسلطة، والعراق ومكوناته، أي نقف أمام عراق بلا دولة فعلية ولا امة تناسبها. الأمر الذي جعل من رذيلة التجزئة "حقيقة سياسية". وحالما تصبح الرذيلة "حقيقة" وليس واقعا فقط، فإن ذلك يعني بلوغ التجزئة حالة "المنظومة" الفاعلة في كافة نواحي الحياة وعلى مختلف مستوياتها. وحالما تستقل هذه الحالة بفاعليتها الخاصة في بلورة المواقف والقيم (السياسية والأخلاقية) عند الأفراد والجماعات والمجتمع، فإنها تفرض بظلالها على الجميع وتجعل من الضلال دليلا على الواقع. وهي حالة لها تاريخها الخاص في عراق القرن العشرين بشكل عام ومع صعود الراديكالية السياسية بشكل خاص، كما وجدت تعبيرها النموذجي في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. فقد صنعت الأخيرة منظومة التحلل والتفكك الاجتماعي والوطني على كافة المستويات وفي كافة نواحي الحياة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن تفكيك الكلّ الوطني في العراق هو نتاج الزمن التوتاليتاري والراديكالي. وفيهما ينبغي البحث أولا وقبل كل شيء عن مقدمات الاحتلال وقدرته على تفعيل مختلف "السيناريوهات"، بما في ذلك أشدها خرافة!

 

الحصيلة والبدائل

مما لا شك فيه، أن الخرافة لا تصنع تاريخا. لكنها قادرة على تصنيع مختلف الأوهام والمآسي. وقد تكون التجربة العراقية، وبالأخص ما يتعلق منها بمقدمات الاحتلال الأمريكي ونتائجه الحالية والمستقبلية، الصيغة الأشد بشاعة لأحد نماذج السيناريوهات العملية "للقرن الأمريكي الجديد". ومن ثم احد النماذج القبيحة للسيناريوهات السياسية الأمريكية تجاه العالم العربي. وهو أمر لا علاقة له بالنيات والغايات الأمريكية، بقدر ما انه ينتج من نفسية وذهنية الهيمنة الملازمة للنزوع الإمبراطوري في العصر الحديث. كما انه يعكس حالة الانحطاط التي تجعل من تاريخ الدولة والأمة مادة لتجارب الآخرين الخشنة. وليس مصادفة أن تكون التضحيات البشرية الهائلة، والدمار الاجتماعي والوطني، والخراب الاقتصادي المريع، والتدمير الذي لا مثيل للآثار الثقافية وكثر غيرها، أشياء زهيدة ولا قيمة لها أمام تجربة "صنع الديمقراطية" بوصفها جزء من معترك "الداخل الأمريكي" ودعايته المزيفة. من هنا لا يمكن للسيناريو الأمريكي أن يكون شيئا غير التخطيط الشكلي للمصالح الضيقة، التي تجعل من الدول والأمم وتاريخها ومستقبلها مجرد أشياء قابلة للاستعمال والرمي، شأن كل شيء إضافي بالنسبة "لمصالحها الحيوية الكبرى".

بينما السيناريو الجميل هو الذي يجري وضعه على أساس تأمل التجارب الإنسانية العميقة، على أن يجري تمثيله أولا وقبل كل شيء على مسارح الأمم الذاتية. حينذاك يمكن لصداها أن يفعل في عقول الأمم الأخرى وضمائرها. أما التجربة الأمريكية، فإنها عاجزة عن أن تكون قدوة بهذا الصدد. لأنها من ألفها إلى يائها محكومة بنزوع نفعي خالص. كما لا يمكن لأية تجربة قومية أيا كان أنموذجها أن تكون قدوة بحد ذاتها. انها يمكن أن تكون احد نماذج التأمل لا غير. فالحلم الأمريكي يمكنه أن يكون "مادة" خصبة لسيناريوهات هوليود. بمعنى انه يمكن أن يصلح لمختلف أنواع ومستويات الإبداع السينمائي المحكوم بباعث الربح والدعاية. من هنا وقوفه عند حدود قاعات العرض. أما مسارح الأمم فهو تاريخها الذاتي. بعبارة أخرى إن سيناريوهات الولايات المتحدة لا يمكن تمثيلها على مسارح الأمم الأخرى لأنها من خيال لا علاقة له بتاريخها الفعلي.

إن السيناريوهات السياسية والإستراتيجية للولايات المتحدة تجاه العالم العربي، كما كشفت عنه أحداث العراق، محكومة بنزوعها الإمبراطوري فقط، أي بنزوع الاحتلال والسيطرة والهيمنة ولا شيء آخر. غير أن هذا الواقع يكشف بدوره عن أن فاعلية السيناريو الخارجي (وفي الحالة المعنية الأمريكي) مرتبط بمستوى الاستعداد الفعلي لتقبله أو مواجهته وتحديه. فالسيناريو الخارجي القابل للتجسيد في ميادين الأمم الأخرى هو مؤشر على انحطاطها أو فراغها أو خوائها. كما أن تطبيقه لا يفعل في الواقع إلا على تنظيم هذا الخراب والانحطاط في "منظومة" العبودية الجديدة. من هنا سقوطه الحتمي ايضا.

فعندما نتأمل تجارب التاريخ فيما يتعلق بمقدمات الاحتلال الخارجي للدول والأمم، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بأن الاحتلال الخارجي هو استمرار للاحتلال الداخلي، أو الوجه الآخر له ولكن بقوة خارجية. ولكل مرحلة تاريخية نمطها الخاص في الاحتلال وتبريره. بعبارة أخرى، إن الاحتلال الخارجي محكوم على الدوام بتلازم قوة الخارج وضعف الداخل. ولكل منهما مقدماته وشروطه. وعندما نطبق ذلك على حالة الاحتلال الأمريكي للعراق، فإننا نقف أمام واقع يشير إلى أن الاحتلال كان نتاجا لصعود النزعة الإمبراطورية الأمريكية وانهيار العراق الداخلي. وبغض النظر عن إن التاريخ يبرهن بصورة قاطعة على أن موت الإمبراطوريات هو النتيجة الحتمية الملازمة لحرارتها الأولية المتوهجة في الغزو والاستيلاء والهيمنة، ومن ثم برودة جسدها المنهك مع مرور الزمن، إلا انها خلافا للإنسان لا تدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. والسبب يكمن في أن الإمبراطورية لا تعرف الحدود. وحالما تعي حدودها فإنها تكف عن أن تكون إمبراطورية. وفي كلتا الحالتين يمكننا رؤية "القانون الحديدي" القائل، بان عصر الإمبراطوريات قد ولى، وبالتالي ليس التمسك به سوى الحشرجة الأخيرة التي يلفظها الزمن من اجل الارتقاء إلى مصاف التاريخ الإنساني. ولا يمكن بلوغ هذا الارتقاء دون منظومة الفكرة العقلانية والنزعة الإنسانية. وبالتالي، فان المهمة الكبرى القائمة أمام العالم العربي لا تقوم في تأمل ودراسة ما تنوي الولايات المتحدة القيام به، بل في تأمل ما ينبغي القيام به من اجل تحصين النفس، أي بناء منظومة التاريخ القومي. بعبارة أخرى، إن العالم العربي بحاجة إلى صنع سيناريو التاريخ القومي استنادا إلى مرجعياته وقواه الخاصة.

فارتقاء الأمم في مدارج إدراكها الذاتي يفترض تأسيس مرجعياتها الخاصة في البناء. وهي اللحظة التي تشكل مقدمة بلوغ الأمم حقيقة الحكمة. وما لم يجر بلوغ هذه الحالة، فان وجودها لا يتعدى كونه زمنا عابرا وميدانا لتمثيل مختلف السيناريوهات الخارجية الفجة. ومن الممكن رؤية هذه الحالة على واقع العالم العربي الحديث والمعاصر. بحيث أصبح ميدانا، بعد قرنين من زمن "النهضة"، لتجريب مختلف السيناريوهات الأمريكية "للإصلاح" و"الديمقراطية" و"التحرير" وما شابه ذلك، أي لمختلف أصناف التجريب الخشن للاستعباد والعبودية!

***

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (649) 05/07/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 


 العدد( 577)  16/04/2011

مذكرات الحصري والذاكرة التاريخية السياسية

 

 

ان قيمة "السيرة الذاتية" على قدر ما فيها من هموم ورؤية واقعية وعقلانية وإنسانية تستجيب لما ندعوه الآن بالتحديات الكبرى. وبالتالي لا معنى للسيرة إن كانت مجرد ذكريات لأشخاص لا ذكرى لهم في الوعي الاجتماعي والسياسي للأمة. وهي حالة "السيرة الذاتية" للسياسيين في العراق والعالم العربي عموما. ومن بين الاستثناءات القليلة هي مذكرات ساطع الحصري. فهي الوحيدة التي تحتوي على رؤية تاريخية ونقدية للواقع والأفكار ومستقبلية في مضمار البدائل. بل يمكنني اعتبارها، عندما ننظر إليها بمعايير المرحلة وطبيعة صراعاتها، سيرة الوقائع والحقائق وليست الأهواء السياسية.
طبعا أنها لا تخلو من مواقف سياسية، لكنها محكومة برؤية مؤهلة في ميدان العلوم التاريخية والتربوية التي حاول من خلالها بناء الشخصية العراقية الجديدة. وهي رؤية ومساعي قد تكون الأقوى في تاريخ العراق الحديث عندما ننظر إلى نتائجها في تطور المدرسة العراقية حتى انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958.
وبغض النظر عن الاختلافات الممكنة بهذا الصدد، على الأقل من الناحية الأيديولوجية والسياسية، إلا أنها تبقى الصيغة الأكثر نموذجية بهذا الصدد، بمعنى قدرتها على التنوير والتعليم ورؤية الواقع والآفاق. ولم تكن هذه النموذجية معزولة عن الآفاق الرحبة والحلم الأخذ في النمو بإمكانية بناء دولة. الأمر الذي حررها نسبيا من الأحكام الأيديولوجية والحزبية الضيقة. مما جعل منها، رغم نسيانها المؤسف، إحدى أفضل السير الذاتية السياسية العراقية الحديثة. بل يمكنني القول، بأنها السيرة الوحيدة (المذكرات) التي تتضمن رؤية تاريخية محكومة بالموقف من الدولة وليس بالأهواء السياسية.
فالتجربة الفردية الكبيرة تستمد مقوماتها من قيم الأحداث التاريخية وإمكانية تمثلها في رؤية المستقبل والبدائل. لكننا حالما نتأمل اغلب ما كتب بهذا الصدد في العراق، فإننا نقف أمام لوحة كالحة للرؤية الحزبية الضيقة. بمعنى إننا نقف أمام نماذج تفتقد لإدراك قيم السياسة الاجتماعية والتاريخ الفعلي ومشاريع الرؤية البديلة. بينما السيرة الكبرى هي السيرة القادرة على التغلغل في مسام الوعي السياسي وإعادة إنتاجه في تقاليد واقعية وعقلانية وإنسانية للبدائل. وهو أمر يستحيل بلوغه دون النظرة النقدية العلمية الشاملة والعمل بموجبها.
فالأمم الكبيرة هي التي تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة، أي تلك التي تنظر إلى نفسها بمعايير تجاربها الذاتية. فهو الطريق الوحيد لتراكم المعرفة الحقيقية ووعي الذات الوطني والقومي. ومن مآسي العراق الحالية هو فقدانه لهذه الصفة الضرورية التي ميزت معنى الأصالة وقيمة إبداعه التاريخي. كما انه السبب القائم وراء مراوحته في دائرة التلذذ بخرافات "الأنا الكبرى" وأوهام "التفوق الحضاري"!! أما في الواقع فأننا نقف أمام حالة تتسم بقدر هائل من الانحطاط المادي والمعنوي. واحد ملامح هذه الانحطاط هو محاصرة ذكرى شخصياته الكبرى، الفاعلة في تأسيس وعيه الذاتي وعمود كينونته الثقافية. فالشخصيات الكبرى هي أرواح الثقافة والأمم، كما أنها تحتوي في ذاتها بقدر واحد على قيمة الذكرى والذاكرة. وبالتالي لا يعني تجاهلها أو إهمالها سوى تجاهل تاريخها الذاتي. فالتاريخ الذاتي للأمم يتراكم عبر حصيلة تنظيره المناسب في الأفكار والمواقف الأحكام القادرة إلى تنظيم الرؤية الفردية والاجتماعية وتفعيلها بصورة دائمة. فهو الطريق الواقعي والعقلاني لإرساء أسس الاعتدال، ومن ثم تذليل نفسية وذهنية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، التي لعبت دورا بائسا ومخربا في تاريخ العراق الحديث.
إذ لم تكن الراديكالية الفكرية في العراق أكثر من تقليد فج ومسطح لفتات الأفكار الأوربية، كما أن الراديكالية السياسية فيه لم تكن أكثر من هياج التخلف المادي والمعنوي للحثالة الاجتماعية والهامشية الثقافية والأقليات المنغلقة والبنية التقليدية والأعراف المحدثة! وبمجموعها أدت إلى حالة تسم بقدر هائل من الفضيحة والرذيلة، ألا وهي سطوع أشخاص خاوية وكسوف شخصيات ساطعة لعل حالة ساطع الحصري من بين أكثر درامية وعبرة.
فقد قالت العرب قديما "شر البلية ما يضحك"! ولعل حالة ساطع الحصري هي من بين أكثرها تدليلا على هذه العبارة المأثورة. الأمر الذي يشير إلى إن الوعي العراقي السياسي على مستوى النخبة والعوام هو من طينة واحدة! وسوف يبقى هكذا ما لم يعيد الاعتبار إلى شخصياته الكبرى. فهو الطريق الضروري لإعادة الاعتبار لفكرة الاعتدال العقلاني، أكثر مما هي إعادة اعتبار للشخصية. فالشخصية الكبيرة كبيرة بذاتها. وما لصق بها أو تراكم من حراشف التقييمات والأحكام ستزول بالضرورة مع مرور الزمن. وبالتالي ليس إعادة الاعتبار للشخصيات الكبرى سوى أسلوب إعادة الاعتبار للعقل والعقلانية بالنسبة لحياة الفرد والمجتمع والدولة والنظام السياسي. وذلك لان إعادة الاعتبار للشخصيات الكبرى يحتوي أيضا على أسلوب تنظيم الوعي الاجتماعي الفعال صوب منظومات الروح والوعي التاريخي والقومي الحقيقي. ولا تعقل الثقافة الحية والفعالة دون ذلك أو خارجه.
لقد كان المضحك المبكي في محاصرة شخصية الحصري يقوم في كونها جرت من جانب التيارات المذهبية (الشيعية) واليسارية (الشيوعية) والحركات القومية (البعثية)، أي من كافة التيارات التي أدى كل منه بطريقته الخاصة "دوره" على مسرح الزمن السياسي العراقي الحديث. وفي كل منها كانت الأوهام والأحكام الأيديولوجية المسطحة هي الفاعلة وراء حمية النكران والهيجان ضد الحصري.
طبعا ان ذلك لم يكن معزولا عن نقده غير المباشر للنخبة السياسية. لاسيما واننا نعثر في تصويره ونقده للنخبة السياسية على ملامحها الحالية. بحيث يمكننا القول، بان النخبة السياسية العراقية الحالية هي استنساخ بالروح والجسد للنخبة العراقية التي عاشت قبل حوالي قرن من الزمن! مع ان حقيقة ما أورده الحصري في مذكراته بصدد النخبة السياسية تعكس أولا وقبل كل شيء واقع صيرورة الدولة العراقية الحديثة ونظامها السياسي بشكل عام ونخبها بشكل خاص. كما انه يكشف فيها عن رؤيته المتعلقة بكيفية بناء نظام الإدارة والأثر الجوهري للتربية والتعليم في بناء الدولة والمجتمع والقومية الحديثة. ومن ثم فأنها تحتوي بالقدر ذاته على ما يمكن دعوته بالعبرة التاريخية الضرورية بالنسبة لإرساء أسس التطور المستديم والعقلاني للدولة والأمة. كما أنها تعكس مواقف الحصري من النخبة السياسية العراقية آنذاك. وبالقدر ذاته تعكس مستوى هذه النخبة.
أورد الحصري في معرض حديثه عن الوزارات والوزراء انطباعاته المباشرة التي كانت تحتوي في أعماقها أيضا على أحكامه الفكرية والسياسية العامة. فهو يورد لنا مجموعة كبيرة من الأحداث التي لا يقلل من لطافتها وإثارتها كونها تبتعد كثيرا عن تقاليد المستطرف من كل فن مستظرف، أي الطريف في فنون الظرفاء. فقد أورد الحصري شخصيات متنوعة ومختلفة من حيث مصادرها ورؤيتها وتأهيلها، لكنها تعكس في نهاية المطاف حالة النخبة العراقية آنذاك، أي النخبة التي لم ترتقي بعد الى فكرة العراقية والقومية العربية. كما أن اغلبها يفتقد لأبسط مقومات التأهيل الإداري والعلمي. (وهي الحالة التي ذللت الملكية أسسها بصورة تدريجية، لكنها عادت بقوة اشد واعنف زمن الراديكالية السياسة بعد انقلاب الرابع عشر من تموز 1958 وانحطاطها اللاحق زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، وبقاياها الخربة لحد الآن فيما يسمى بقواعد المحاصصة والغنيمة الحزبية.
كما أورد الحصري في مذكراته شخصيات سوف اكتفي ببعض منها مثل أبو المحاسن وعبد الرحمن النقيب ومحمد الطباطبائي، وعزت بك وجعفر العسكري وساسون حسقيل ومصطفى الالوسي وهبة الدين الشهرستاني وعبد اللطيف منديل وغيرهم.
فقد صور شخصية أبو المحاسن بعبارات تقول، بأنه ساذج طفل برئ(!). فبعد أن قدمه الحصري الى العاملين في الوزارة صارت عيناه تضيئان زهوا وسرورا ممزوجا بالشيء الكثير من السذاجة كعيني طفل ارتدى ملابس العيد أو نال الهدايا النفيسة . بينما نراه في حالة أخرى يصوره حالما جاءه الى محل عمله يطالبه بتعيين احد أقاربه في العمل. مخاطبا إياه بلهجة عراقية محلية قائلا: "آنا هواي سمعان بك. عيّنه عيّنه. هو محسوبي. أنا هواية أوده". (والمقصود بذلك. لقد سمعت بك كثيرا. وأرجو تعيينه في العمل. أرجوك. انه محسوب علي. واني أوده جدا). واعتبر الحصري هذا السلوك شيئا يدل على أن أبو المحاسن لم يسمع بآي شيء له علاقة بمعان ومضمون الحقوق والكفاءة والإدارة. ولا غرابة في الأمر فقد كان أبو المحاسن يعيش على قرض الشعر بالمناسبات. وأراد العمل في أي مكان لكنه لم يحصل عليه. ثم جرى تعيينه موظفا صغيرا مهمته تعداد النخيل!
أما عبد الرحمن النقيب (من العائلة الكيلانية) الذي ترأس الوزارة، فقد كان، كما يقول الحصري، لا يحب المصافحة لأنه يعتقد بنجاسة الآخرين! كما كان يعّظم العثمانيين وولاتهم. ويعتبر كل واحد منهم "عظيما وحكيما". أما موقفه من الانجليز فمبني على أساس "إنهم يعرفون كل شيء"! و"يخططون ويعرفون ما سيكون بعد خمسين عاما"!
ويلتقط موقف محمد الطباطبائي الملقب ببحر العلوم، الذي جرى تعيينه آنذاك وزيرا الصحة والمعارف. فقد كان يعتقد، وهو في وظيفته هذه، بان أعمال المتطببين العادين أفضل من خريجي المدارس (الكليات).
أما عزت بك ذو الأصول التركية من كركوك، فقد قال للحصري متشاكيا باعتزاز(!) بأنه الآن مجرد وزير للموصلات والأشغال. في حين كان سابقا آمرا مطلقا. وكان يتكلم بالتركية فقط.
أما جعفر العسكري فكان من أوائل الذين عادوا من سوريا مع الملك فيصل. ومن عباراته المحببة القول، بان "الانجليز كانوا سابقا لا يسمعوننا، أما الآن فيبدو إنهم سيعرفوننا"!
أما ساسون حسقيل اليهودي، فقد كان أذكى الوزراء واعرفهم بشئون الحكم كما يقول الحصري، لكنه أبعدهم عن التفكير بمصالح العراق. إذ كانت مصلحة اليهود هي التي تشغل تفكيره. وهو السبب الذي سيدخله لاحقا في حالة خصام شديد معه.
في حين قال له مصطفى الالوسي بعد خروجه من الوزارة:" لا ادري سأبقى أم سأروح".
أما هبة الدين الشهرستاني، الذي يسمى بالعلامة و الملمّ بالعلوم العقلية والنقلية.، فقد كان يخفي آراءه تحت عبارات "يقول الناس" و"مزاج الأهالي" وما شابه ذلك.
أما عبد اللطيف منديل، الذي جرى تعيينه وزيرا للأوقاف، فقد كان يتذمر قائلا: "يقولون مدارس! مدارس!. ولماذا؟ هناك الكثير من المساجد يمكن استعمالها للتدريس. دع التلاميذ يرون المصلين ليتعلموا الصلاة"!!.
لكن الحصري لم يقف عند حدود تصوير الشخصيات في احد مفاصل رؤيتها العملية وبواطنها الحقيقية، بل ويتعدى ذلك الى مستوى تحديد مواقفه الشخصية والفكرية والسياسية المباشرة تجاه الكثير منهم. وهي مواقف تتسم بقدر كبير من الموضوعية، ومبنية على أسس فكرية وعلمية بحت لا علاقة له بالتحزب والسياسة النفعية والتحزب الضيق.
فعندما صور شخصية أبو المحاسن وتحديد موقفه منه فانه يكشف عما في هذه السذاجة من نموذج للنخبة الأولية التي وجدت نفسها على غفلة من الزمن في "هرم السلطة" (كما جرى الحال في عراق ما بعد الصدامية!). كما انه يعكس حالة انعدام تقاليد الإدارة والدولة. فقد كان أبو المحاسن يعتقد، شأن غيره آنذاك، كما يقول الحصري، بان الوزير هو مجرد شخص شكلي فارغ. وعندما أخذه الحصري بزيارة المدارس وعرضه على المدراء بوصفه وزيرا، فان سلوك أبي المحاسن كان طريفا للغاية! فعندما قدموا له سعيد بهجت (مدير المدرسة) فان أبو المحاسن قال مسرعا: "مسعود إنشاء الله وتنعم البلاد بخدماته". وعندما قدموا له المعلم توفيق، فانه قال مسرعا "موفق إنشاء الله". وعندما استعرضوا أمامه المعلم صادق الاعرجي، فنراه يقول بسرعة أيضا "صادق الكلام ولا شك صادق الجنان". وفي مجرى ذلك كان ينظر ويتلفت كأنه يقول "أرأيت! كم أنا قدير في ارتجال القوافي المناسبة". لكنه حلما قدموا له معلم الانجليزية داود مينا، فان سرعة البديهة لم تسعفه في نسج القافية والسجع، عندها كرر السؤال ثلاث مرات عن الاسم من اجل إعطاء نفسه فسحة من الوقت للبحث عن صيغة مناسبة لكنه لم يفلح. عندها قال: "خوش اسم"!(أي اسم جيد).
بينما نراه في معرض تقييمه لشخصية "بحر العلوم" الطباطبائي، فانه يضعه ضمن سياق الحالة العادية والبسيطة التي لازمت تصنيع الألقاب الرنانة الفارغة. وفي زمن الطباطبائي، نشر كتاب (سر تأخر المعارف في العراق)، الذي كان يهدف أساسا الى تشويه سمعة الحصري. وهو كتاب مليء بالافتراءات والكذب. ويعكس، كما يقول الحصري "المستوى العقلي والأخلاقي لأبطال الدعايات والمشاغبات".
لكن الأمر يختلف نسبيا في موقفه من محمد رضا الشبيبي، الذي كان وزيرا للمعارف عام 1924،و 1935،و 1938،و 1941. فقد اعتبره الحصري شخصية أدبية كبيرة وواسعة الإطلاع. لكن معارفه غير مؤسسة. فقد كان محمد رضا يتهم الحصري بأنه يدعو للعلم فقط ويعزل الدين عن المدرسة. على عكس ما كان يدعو هو إليه مما اسماه "بالتربية الروحية والثقافة الشعبية". ويعتبر أن مذهب الحصري هو القومية التي هي مصدر الخلافات والحروب، كما أنها تتعارض مع الإسلام.
إننا نقف هنا في الحصيلة أمام ما يمكن دعوته بمرحلة النشوء والتكون الأولية للدولة العراقية والنخب. من هنا تداخل وتجاذب مختلف المستويات والنزعات فيها، مع سيادة البنية التقليدية في الوعي والمواقف والقيم. وقد صور الحصري ما يمكن دعوته بالحالة العقلية لرجال الدولة آنذاك من خلال صور عديدة اكتفي هنا بحادثتين نموذجيتين في تعبيرهما عن هذه الحالة، والأولى هي التي نقلها عن رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب، الذي غضب مرة غضبا شديد وكان يردد قوله: "هذا لا يجوز لا يجوز حتى لو كانت رضيعة!". عندما علم بان فتاة في الخامسة من عمرها ألقت قصيدة الخنساء وهي على ظهر جمل كما في سوق عكاظ. والثانية عندما اشتكى مرة عنده جعفر الشيبي، عن ضعف مستوى مدارس الجعفريات للبنات، فأجابه الحصري: لا توجد معلمات مؤهلات جعفريات. لدينا مسيحيات فقط. وانتم لا ترغبون بذلك! عندها أجابه: "نعم نحن لا نرغب بمعلمات مسيحيات".
إن هذه الصورة المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك من حيث دقائقها العديدة والمتنوعة التي ينقلها الحصري بأمانة، تكشف في الوقت نفسه عما أراد قوله وما كان يسعى إليه. والمقصود بذلك التأسيس لقيمة المدرسة الحديثة وأهميتها بالنسبة لبناء العراق الجديد. كما أنها تحتوي من حيث الإمكانية على مشروع إرساء مؤسسة إنتاج النخب المتنوعة. بمعنى عمله من اجل تصنيع النخبة الوطنية والقومية بوصفها عملية تربوية طويلة الأمد. وفي هذا كان يكمن سر معارضته الفعلية للراديكالية السياسية. وضمن هذا السياق يمكن إدراك قيمة الحصري التاريخية والفكرية بالنسبة للعراق في مرحلة صيرورته الأولى وبالقدر نفسه بالنسبة لمشروع المستقبل بوصفه مشروع بناء المدرسة. فالعراق بلا مدرسة حديثة هو في أفضل الأحوال كتلة ملونة بألوان لا ذوق فيها شأن عينات النخبة السياسية التي صورها الحصري. بمعنى المراوحة في زمن لا تاريخ فيه، أي دوران في فلك دورة بلا معنى، ومن ثم اقل فائدة حتى من عمل حمار السقاء في عصر العلوم والتكنولوجيا الحديثة!
وضمن هذا السياق يمكن القول، بان مأثرة الحصري بالنسبة للعراق تقوم بالذات في كونه استطاع تحويل غبار الزمن الهائم في خراب العثمانية الى ذرات التراكم الضروري في صرح التربية والتعليم. وهي المهمة الأكثر تعقيدا وأشّق بالنسبة للعقل والروح والجسد. وذلك لأنه حاول إرساء أسس العلم والتربية العلمية في ظل واقع يتسم بقدر هائل من البؤس والتخلف. وفي الوقت نفسه يقف أمام هوية غريبة من حيث مذاقها بمعايير الوعي التاريخ القومي، ألا وهي إنهاض مركز الفكرة العربية الثقافية من سباته الطويل وإحياء مكوناته المنسية، وتفعيل ذاكرته الخاملة وإحياء ما كانت تبدو على ملامحه سكرة الموت! وضمن هذا السياق، يمكن القول، بان مشروع الفكرة الوطنية والقومية العربية التي حاول التأسيس لها عبر منظومة التربية والتعليم، وإرساء أسس التربية والتعليم عبر موشور الرؤية الوطنية والقومية، كانتا تحتويان بقدر واحد على ما يمكن دعوته بفكرة النبل والنبالة الضرورية في زمن خروج العراق الجديد من دهاليز العثمانية المظلمة.
فقد وصل الحصري الى عراق لا عراقة فيه. والشيء الوحيد الناتئ فيه هو عروقه المتوترة وشبه اليابسة كما لو أنها الشيء الوحيد الذي يحتوي على مجاز التأويل وصورة التمثيل الواقعية. وليس مصادف على سبيل المثال أن يقف الحصري في بداية الأمر بالضد من إنشاء المعاهد والكليات وكلية الطب بشكل خاص. وبنى موقفه هذا على أساس رؤية واقعية. فعندما جمع المعلومات عن المدارس الثانوية وعدد الخريجين توصل إلى ضرورة تأجيل إنشاء المعاهد والكليات على الأقل لمدة خمس سنوات. إذ لم يجد في العراق آنذاك سوى مدارس ثانوية من حيث الاسم. أما من حيث حقيقتها فقد كانت اقرب إلى مدارس متوسطة. بعبارة أخرى، أن العراق الذي أول ما نشأت فيه، بالمعنى التاريخي والحضاري العالمي، الكتابة والمكتبات والمدارس (والجامعات أيضا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، زمن الخلافة العباسية)، لم يكن زمن وصول الحصري أكثر من خرائب موحشة وخرائط بلا معالم، باستثناء تلك الهوية العائمة وراء سحاب الذاكرة والوعي التاريخي التي ينبغي إعادة نحت مكوناتها الجديدة.
فقد شاءت الصدفة أن ينتقل الحصري الى العراق في مجرى ولادته القيصرية بعد انهيار السلطنة العثمانية. وان ينحصر فيه، كما لو انه الفضاء الذي كان ينظر طيرانه فيه لتحقيق فكرته القومية بوصفها فكرة تربوية. لكن ذلك لم يقلل أو يضعف أسلوبه النقدي والواقعي في التعامل مع الأحداث، كما لم ينقل تصوراته تحت ضجيج الصخب الناشئ من ظهور العراق الى ميدان التباهي الأيديولوجي والخيال السقيم! على العكس! لقد شحذت وغلّبت الرؤية الواقعية والعقلانية. وقد يكون اهتمامه الجوهري بقضايا التربية والتعليم هو المحك والدليل الأكثر دقة بهذا الصدد. إذ وجد فيه ميدانا لتحقيق الفكرة القومية بوصفها فكرة مدنية ونموذجا جديدا لدولة الحديثة والمجتمع الحديث من جهة، وكذلك أسلوبا ضروريا للرقي الشامل بالفرد والجماعة والمجتمع والقومية والأمة. وليس مصادفة أن تكون إحدى همومه الخفية والكبرى آنذاك محصورة في كيفية إنهاء خدمات المستشارين (الانجليز)، وبالأخص أولئك الذي كانت مساعيهم ترمي الى "انجلزة" التعليم بما في ذلك العمل من اجل أن يكون التعليم باللغة الانجليزية في المدارس الثانوية (كما كان الحال بالنسبة لمساعي وعمل المستشار الانجليزي الكابتن فاريل (Farell)!
وضمن هذا السياق أيضا يمكن النظر الى رؤيته النقدية تجاه التجربة المصرية التي كانت تجسد آنذاك المستوى الأفضل والأرقى لتربية والتعليم في العالم العربي آنذاك، سواء من حيث تأثرها بالتجربة الانجليزية أو من حيث وضعها نظام التعليم بالعربية. لهذا نراه يعمل من اجل توظيف التجربة المصرية والاستفادة منها بوصفها التجربة الأولى من نوعها في العالم العربي فيما يتعلق بالتعليم باللغة العربية. وفي نفس الوقت نراه يحدد جملة من المواقف النقدية تجاه ما اعتقد انه يضعف العملية التربوية والعلمية. وحصر ذلك في سبع قضايا أساسية بالنسبة آنذاك وهي: إن العلوم الطبيعية غير مشمولة بالدراسة في الابتدائية، وأن التفرع العلمي والأدبي يجري فيها قبل الأوان في المدرسة الثانوية، إضافة الى قلة الاعتناء بالتاريخ، وكذلك تعليم الحروف العربية واللاتينية في آن واحد، وسوء حالة الأقسام الداخلية إضافة الى قلتها، وكذلك عدم توحيد المصطلحات العلمية، وأخيرا دعوته الى ضرورة تعليم الكهول والقضاء على الأمية ككل.
وقد وضع الحصري هذه الرؤية النقدية والواقعية في أساس تخطيطه للتربية والتعليم في العراق. وانطلق في تخطيطه هذا من واقع العراق والعالم وطبيعة التغيرات الجارية فيه. وكتب بهذا الصدد يقول، "نحن نعيش الآن في أسوأ ظروف السياسة العالمية وأضرها بالمصالح العربية في سوريا والعراق، وبالأخص بعد خروج روسيا من اللعبة والصراع والتحكم شبه الكامل من جانب بريطانيا وفرنسا. وبما انه كان يدرك بان هذا الواقع ليس ثابتا بل عرضة للتغير، من هنا دعوته للعمل "دون أن نأمل في أية مساعدة مادية ومعنوية من أية دولة من دول عصبة الأمم" . ذلك يعني انه رفع فكرة الاعتماد التام والكامل على النفس الى مصاف المرجعية النظرية والعملية في كافة المادين. ووجد في ميدان التربية والتعليم المحك الضروري لهذه الرؤية وأسلوب تحقيقها أيضا. وجسد تخطيطه (إستراتيجيته) للتربية والتعليم في العراق هذه الرؤية. ووضعها ضمن نقاط أو شروط أولها العمل وفق خطة تحدد الغاية والوسيلة الضرورية والكيفية. ومن ثم ضرورة الخطط الانتقالية. على أن تكون الصيغة الملموسة ملازمة دوما لوضع الخطط وتطبيقها. وبالتالي، تغيير المناهج مع كل درجة في الارتقاء. وتطبيق برنامج التربية والتعليم بالشكل الذي يأخذ على الدوام وحدة الوجهة العلمية والقومية رغم وجود قوة الأجانب . من هنا فكرته عن ضرورة العمل من اجل التخلص من ثقل وسيطرة المراقبين والمستشارين (الأجانب). إضافة إلى مهمة بحث المشاريع بحثا دقيقا والتسلح بالمنطق قبل عرضها، وأخيرا العمل بهدوء ودون ضجيج مع إخفاء الغرض النهائي أحيانا.
من هنا يمكن فهم سياسة الحصري الداعية الى وضع أسس جديدة للمدرسة العراقية، وإعارة الاهتمام الأولي والكبير والجوهري بالمدرسة قبل المعاهد والكليات. بعبارة أخرى، انه أراد إرساء أسس متينة للتربية والتعليم. والمدرسة هي أساس كل شيء في الدولة الحديثة والعصرية. وضمن هذا السياق يمكن فهم سبب وقوفه في البداية بالضد من إنشاء المعاهد والكليات. وجعل من الاهتمام بدور (معاهد المعلمين) الأولية الثانية الكبرى، وبصفها المدرسة الكبرى أو المصدرية للمدرسة العامة (الابتدائية والمتوسطة والثانوية والإعدادية والمعاهد والجامعات). وكانت سياسته هنا مبنية على أساس تحسين الموجود منها وليس تكثيرها، أي أولية النوعية على الكمية. لهذا نراه في بدايته يقف بالضد من إنشاء معاهد معلمين في الموصل والحلة وغيرها من المناطق لأنه كان يسعى إلى توحيدها في البداية في بغداد من اجل صهر الجميع في بوتقة الوطنية، والقضاء التدريجي على فكرة المذهبية الضيقة عبر العيش المشترك والتربية المشتركة . وينطبق هذا أيضا على موقفه للحيلولة دون تأسيس كلية الطب قبل نضوج الظروف. كما وقف بالضد من إنشاء معاهد معلمين في الموصل والحلة وغيرها من المناطق لأنه كان يسعى إلى توحيدها في البداية في بغداد من اجل صهر الجميع في بوتقة الوطنية والقضاء التدريجي على فكرة المذهبية الضيقة عبر العيش المشترك والتربية المشتركة .
لقد كانت سياسة الحصري بهذا الصدد مبنية على أساس توحيد التربية الوطنية والقومية، والتعليم الدقيق الحديث. من هنا نرى محاولاته الساعية نحو توحيد التربية المدرسية على أسس وطنية، بما في ذلك إضعاف دور رجال الدين والدين نفسه أيضا من التدخل في شئون التربية والتعليم، إضافة الى إلغاء الطائفية (السنية والشيعية) في المدارس. لهذا نراه، على سبيل المثال، يجد الحل الأنسب من بين الكتب الداعية لتذليل النعرة الطائفية والذهبية، ما وضعه هبة الدين الشهرستاني في كتابه (توحيد أهل التوحيد)، أي الحديث عن المشترك فقط.
طبعا إن سياسة الحصري المبنية على أساس فلسفته القومية ورؤيته لكيفية تحقيقها في مجال الدولة الوطنية، لم تكن أيديولوجية الطابع. على العكس أنها كانت تتصف بقدر كبير من المرونة والواقعية. من هنا أخذه بنظر الاعتبار واقع العراق ومحيطه العربي والسياسة العالمية للدول الاستعمارية آنذاك (بريطانيا وفرنسا). وليس مصادفة أن تكون أفكاره العملية قد تبلورت أيضا في مجرى صراعه مع الانجليز في مجال التربية والتعليم. ألا أن المبادئ العامة لهذه السياسة ظلت كما هي، وهي الدعوة لوحدة التربية والتعليم، وضرورة التعليم العربي (لغة ومضمونا)، والإسراع بتكوين دولة عربية عراقية (حكومة عربية). وليس مصادفة أن كان الانجليزي فاريل Farell المستشار البريطاني آنذاك لشئون التربية والتعليم في العراق يصف الحصري بالشخص "المثالي والمؤدلج" . أما في الوقع، فان رؤية الحصري كانت تتسم بقدر كبير من الواقعية والعلمية. بمعنى أنها أخذت بنظر الاعتبار واقع نشوء العراق الجديد، وفكرة الدولة الحديثة وأهمية الفكرة الوطنية والقومية بالنسبة للمشروع التربوي والعلمي. من هنا تفريقه وموازاته بين سياستين في التربية التعليم، الأولى وهي ما اسماها بالسياسة العليا والمقصود بذلك السياسة الداعية الى تربية الروح الوطني والقومي التي وضعها في صلب التربية والتعليم. والثانية هي ما اسماه بالسياسة العادية، أي ما هو متعلق بالإدارة والحكم والأحزاب، التي دعا الى إبعادها عن المدرسة. بمعنى وقوفه الى جانب سياسة الفكرة الوطنية والقومية بوصفها فكرة تأسيسية ضرورية في الدولة الحديثة لما فيها من أسلوب وحيد لإلغاء البنية التقليدية بكافة أشكالها ومستوياتها، ومعارضته لتدخل الأحزاب والأيديولوجيات في إدارة شئون التربية والتعليم. لهذا نراه يضع هذه الأفكار في أساس برنامجه اللاحق في العراق والقائم في كل من استعمال كافة الوسائل من اجل تقوية الشعور الوطني والقومي، وبث الإيمان بوحدة الأمة العربية. وبالمقابل تصفية المدرسة ومؤسساتها ومسار التربية والتعليم من كل ما يعترض مساره الطبيعي. وهي عملية صعبة بفعل كثرة الخراب والحطام الذي ينبغي إزالته وتنظيف الطرق منه من جهة، وبسبب انعدام الكادر الوطني والقومي المؤهل من جهة أخرى. لهذا نرى الحصري يصارع ظاهرة تزوير الشهادات، وتزوير النخبة السياسية في مجال التربية والتعليم بقدر واحد!. وقد أورد طرائف عن الأولى مثل كيف أن اليهودي بسام مدير مدرسة الاليانس الإسرائيلية كان يبع الشهادة مقابل 50 روبية، بينما كان كيدوريان (الارمني) مدير المدرسة السلطانية العثمانية، يبعها مقابل 30 روبية. أما الشيخ شكر مدير المدرسة الجعفرية فكان يعطيها مقابل "في سبيل الله" .
أما الحصري، فانه وجد السبيل الوحيد والواقعي والأمثل بالنسبة لإرساء أسس متينة للمدرسة العراقية عبر إبعاد المزيف أيا كان شكله ومحتواه ومصدره وشخصيته من عالمها، والاعتماد الى العلم ومستلزماته كما هي، بوصفه الأسلوب الأمثل والوحيد لتأسيس النخبة الوطنية والقومية في العراق. ومن خلالها تطوير المدرسة بوصفه الأسلوب الوحيد للاعتماد على النفس فقط. وهذا هو طريق الحقيقة كما انه طريق الحق والعدل والحرية وكل القيم المتسامية والضرورية في العالم المعاصر، بل في كل عالم إنساني حي. الأمر الذي يجعل من تجربة الحصري قيمة حية وإنسانية ووطنية وقومية وعلمية ضرورية دوما وفي ظروف العراق الحالية خاصة.
***


نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                    العدد ( 578 ) 16/04/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

 

 الحصري وتوليف الفكرة العراقية والعربية

 

 

من حماقات التاريخ الكبرى أن يكون مسرحا للزمن! عوضا أن يكون له مساره الخاص. إذ ليس المسرح سوى التيه في دهاليز العبارة المتعجرفة والإشارة المتشنجة، التي لا تثير مع كل انغماس فيها سوى الرغبة المكبوتة بالاستهزاء والسخرية، وبالأخص حالما تكون تمثيلا وليس مثالا ذاتيا فيه! ومن الممكن رؤية هذه الحالة على مثال الموقف من الحصري. إذ نقف أمام مسرح تختلط فيه العبارة والإشارة اللتين لا علاقة لهما بتاريخ الوعي الذاتي العراقي. فالشخصية التي ساهمت في بلورة الصيرورة الخفية لوعي الذات الوطني (العراقي) والقومي (العربي) تبدو كما لو أنها دمية لا قيمة لها وراء كواليس التمثيل السيئ لممثلين يؤدون أدوراهم كما لوا نهم أبطال من هذا الزمن! بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ما يمكن دعوته بمسرح الزمن الخائب! غير أن الخيبة تحتوي في أعماقها أيضا على مشاعر الأسى ومعاول الأمل. وبالتالي، تشكل أيضا إحدى مقدمات الممكنات في الأعمال والأقوال.

فالمسار الفعلي للتاريخ يفترض الانتقال من العبارة والإشارة الى الفكرة والمعنى. ويستحيل بلوغ ذلك وتحقيقه الدائم دون إرجاع المسار الفعلي للتاريخ صوب تراكمه الطبيعي، أي كل ما يفترض ترتيب وعيه الذاتي بالشكل الذي يحتل كل شيء وإنسان مكانه الخاص واللائق به، بوصفه الفعل الضروري للحق والعدل، أي للمكونات الضرورية لإرساء أسس المنظومة في الوجود والوعي. وضمن هذا السياق تصبح مهمة إرجاع شخصية الحصري الى كوكبة ومرجعيات الفكرة الوطنية رجوعا طبيعيا لتاريخ العراق الذاتي ومن ثم إرساء ضروريا للفكرة الوطنية نفسها. وبدون ذلك لا يمكن للعراق أن يتكامل بمعايير وعيه الذاتي الوطني والقومي، ومن ثم تحرر وعيه السياسي من ثقل تقاليد الأوهام والاتهام المصنعة من سبيكة الأيديولوجيات والتحزب الضيق.

فقد عاصر الحصري صيرورة العراق الحديث، وعمل بوحي رؤيته القومية وتأهيله العلمي الدقيق في ميدان تربية العقل والوجدان الوطني والقومي. وجعل من التربية والتعليم ميدان نشاطه الأكبر. الأمر الذي جعل منه إحدى أهم الشخصيات الفكرية الوطنية والقومية الكبرى في تاريخ العراق والعالم العربي الحديث.

لقد كان الحصري عراقي الوجدان عربي العقل، أي انه جسد النسبة المثلى للعقل والوجدان من خلال الفكرة العلمية التربوية والتعليمية وليس من خلال جدل الأيديولوجيات السقيم وحمية الأحزاب ومغامراتها العلنية والمستترة. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن طبيعة المصادفة التاريخية التي نقلته من أطراف السلطنة العثمانية (كوسوفو) الى دمشق وعبرها الى العراق، بوصفه شخصية فكرية تربوية سياسية، جمعت بصورة نموذجية بين العلم والعمل.

وقد أشار الحصري نفسه في مذكراته الى حالته في مجرى الانتقال الى العراق مع الملك فيصل ومحاولة إرساء أسس الدولة الحديثة. فقد كانت معارفه آنذاك بالعراق قليلة شحيحة، شأن كل ما في العراق الخارج للتو من تحت ركام العثمانية الثقيل. إذ كانت معرفته بالعراق ضئيلة. ففي مذكراته يشير إلى انه لم تكن عنده في بداية الأمر غير ثلاثة كتب عنه احدهم متعلق بالأبحاث الأثرية لفريديريك سارو وارنست هرنزفلد باللغة الألمانية التي لم يكن يعرفها. لكنه استفاد من الخرائط الموجودة فيه. وكتاب سامراء للجنرال جوبيله، وكتاب بغداد ومشروع السكك الحديد لاميل اوبرييه. أما معارفه التفصيلية عن الخلافات المذهبية فقد حصل عليها من الشاعر عبد المحسن الكاظمي[1]. وسجل انطباعه الأول عن دخوله للعراق، بأنه لم ير شيئا فيه غير بقايا أطلال وخرائب وقفر فضيع وشبه انعدام للمدنية. إذ لم ير طريقا ولا شجرة ولا بيتا ولا حيا في طريقه من الشام الى بغداد! بل وان بغداد نفسها، دار السلام وقبلة الكون فيما مضى وعاصمة الرشيد، لم تكن أكثر من خرائب. ولا يوجد فيها غير شارع واحد هو شارع الرشيد(!) صغير وتافه. بعبارة أخرى، انه وقف أمام مدينة بلا معالم مدنية. والشيء نفسه عن كل ما فيها من مدارس لا درس فيها، ومعارف اقرب ما تكون الى طرائف كتلك التي كان يمثلها شخص، باسم الشيخ مهدي البصير. فقد كان هذا الشخص معروفا ومشهورا. ومن لبنات "أفكاره" المتعلقة بحب الوطن قوله، بان حب الوطن هو نتاج لتفاعل الهواء والغذاء والماء، لذلك يكون الشباب أكثر حبا للوطن من العجائز! ووجد الحصري في ذلك ما اسماه بالمعلومات "غير المهضومة" و"التفكير اللفظي" السائد آنذاك. وعندما نظر الى أهم نقاط الضعف في العراق آنذاك، فانه وجدها أساسا في ثلاثة أشياء وهي كثرة العشائر البدوية التي تحيط بالمدن، وقلة المتعلمين والمعاهد، وضآلة وسائل المواصلات وانعدام الترابط بين أقسام البلد.

تكشف هذه الرؤية النقدية الواقعية عن مشروع مستقبلي أيضا. بمعنى انه بحث عن الأسباب القائمة وراء انعدام الوحدة الوطنية وفكرة الدولة الحديثة. لقد أعطى الأولوية أساسا لتغيير البنية التقليدية (العشائر المحيطة بالمدن) والمدرسة، بوصفها آلة التربية والتعليم والعمود الفقري للدولة والمجتمع الحديثين، والموصلات من اجل ربط البلاد في كل واحد.

لقد وجه الحصري وجهة نظره صوب ما يمكن دعوته بالبنية التحتية لبناء الدولة الجديدة. انه أراد ربط البنية الاجتماعية الجديدة بمدرسة جديدة وطرق جديدة. ومن ثم مركزة الدولة والمجتمع من خلال وحدة متكاملة في بنيتها الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية. وهو مشروع ما زال يحتوي على حيويته التامة، بل أولويته كما يواجهه العراق الآن من اجل إعادة بناء دولة جديدة على أنقاض تجربة فاشلة لأكثر من نصف قرن من استبداد التقاليد الراديكالية الرثة! وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مضمون الفكرة الإصلاحية والسياسية للحصري نفسه. فقد كان الحصري بعيد عن التطرف والغلو السياسي. ومن ثم يمكن اعتباره إحدى الشخصيات الكبرى في الفكر العراقي والعربي المعاصر التي أسست لماهية ومعنى وأساليب الرؤية الواقعية والعقلانية في الموقف من الدولة والمجتمع والنظام السياسي. وأشار هو نفسه في مذكراته أيضا إلى أن رؤيته السياسيةكانت تتفق مع رؤية الملك فيصل الأول عن ضرورة التدرج في أخذ الاستقلال من الانجليز. واعتبرها سياسة حكيمة لعلمه بواقع العراق آنذاك ضمن الحالة السياسة العالمية السائدة[2].

ووجد الأسلوب الأمثل لتحقيق ما كان يسعى إليه عبر إرساء أسس التربية والتعليم على مبادئ العلم الحديث. انه أدرك الحقيقة الجوهرية للتاريخ العالمي والدولة الحديثة والقومية الحديثة، والقائلة بان التربية والتعليم هما العمود الفقري للنجاح والتطور والارتقاء والاستقلال والحرية. وكرس كل تجاربه العلمية ومعارفه النظرية من اجل تحقيق هذه الغاية. وكشف بقدر واحد عما فيه من شخصية تجمع بقدر متكافئ ومتجانس مكونات وغاية الفكرة الوطنية والقومية. واكتفي هنا باستعراض حالة نموذجية تكشف عن هذه الحقيقة. فقد أشار الحصري نفسه الى أن سياسته ورؤيته العملية كانت مبنية على أساس الحفاظ على كل ما في العراق للعراق وتهيئته للنهوض. ويتضح ذلك في موقفه الساعي للحفاظ على الآثار التاريخية فيه. فقد عارض مشروع الموظفة البريطانية بيل (المس بيل) بالشكل الذي يضمن للعراق حقوقه الكاملة (حسب شروط المرحلة وظروفها). وطالب بان يعطى للمنقبين نصف الآثار المتكررة، على أن يحتفظ المتحف بجميع الآثار الفردية مع السماح للمنقبين بأخذ قوالبها. لكن الموظفة البريطانية بيل لم تقتنع بذلك. واستطاعت عبر الوزارة أن تفك ارتباط دائرة الآثار بدائرة المعارف (التي كان الحصري يترأسها)، وتنقلها إلى وزارة المواصلات والأشغال، انطلاقا من أن المباحث عن الآثار قضية هندسية. وهي الحالة الموجود (آنذاك) في مصر. فقد كانت الوزارة كما يقول الحصري بدون وطنيين عراقيين. وقد قدم الحصري نموذجا عن كيفية تعامل هذه الوزارة مع الآثار العراقية. فقد اكتشف مرة "آثار" جامعة المستنصرية بعد هطول الأمطار، عندما شاهد بقايا الزخرفة التي كانت تغطي عليها أدخنة إحدى الأفران. وعندما طالب الكشف عن ذلك جاء الجواب بالعبارات التالية:"كشف مهندس الأشغال على القاعة المبحوث عنها، وقرر انه لا خطر عليها من بقاء المخبز فيها"!!

إن كل ما في شخصية الحصري بهذا الصدد يكشف عن أبعادها الوطنية والقومية المؤسسة على أسس علمية، أي مستقبلية. ومن الممكن مقارنة ما قام به وما يجري اليوم في مجال الآثار والتربية والتعليم لإدراك قيمته وحيويته وأهميته العلمية والعملية، الوطنية والقومية. وبالتالي ليست الأحكام العديدة والواسعة الانتشار في العراق عنه والتي تسلب منه حقيقة ما فيه، سوى الوجه الآخر لتقاليد الاتهام الخربة التي أدت بالعراق في نهاية المطاف الى الانحطاط التام ومهانة الاحتلال الأمريكي وصعود مختلف أشكال اللاعقلانية. إن الحكم على الحصري بما ليس فيه هو الوجه الفعلي لحكاكة الأوهام اللاصقة في قعر الجدار المثقوب للذاكرة العراقية الخربة! وبالتالي، فان التحرر من هذه الأوهام يفترض بقدر واحد تمثل وتطوير الفكرة الوطنية والقومية التي بلورها الحصري بشكل عام وتطبيقها العلمي والعملي في مجال التربية والتعليم بشكل خاص، أي إعادة الاعتبار الحقيقي لحقيقة ما فيه.

***

 



[1]ساطع الحصري:مذكراتي في العراق، بيروت، دار الطليعة،ط1، 1967، ج1، ص17.

[2]ساطع الحصري:مذكراتي في العراق، بيروت، دار الطليعة،ط1، 1967، ج1، ص13.

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                    العدد (573)   11/04/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

ساطع الحصري والذاكرة العراقية

 

بروفيسور ميثم الجنابي

 

 

إن الأمم الكبيرة هي التي تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة، أي تلك التي تنظر إلى نفسها بمعايير تجاربها الذاتية. فهو الطريق الوحيد لتراكم المعرفة الحقيقية ووعي الذات الوطني والقومي. ومن مآسي العراق الحالية هو فقدانه لهذه الصفة الضرورية التي ميزت معنى الأصالة وقيمة إبداعه التاريخي. كما انه السبب القائم وراء مراوحته في دائرة التلذذ بخرافات "الأنا الكبرى" وأوهام "التفوق الحضاري"!! أما في الواقع فأننا نقف أمام حالة تتسم بقدر هائل من الانحطاط المادي والمعنوي. واحد ملامح هذه الانحطاط هو محاصرة ذكرى شخصياته الكبرى، الفاعلة في تأسيس وعيه الذاتي وعمود كينونته الثقافية. فالشخصيات الكبرى هي أرواح الثقافة والأمم، كما أنها تحتوي في ذاتها بقدر واحد على قيمة الذكرى والذاكرة. وبالتالي لا يعني تجاهلها أو إهمالها سوى تجاهل تاريخها الذاتي. فالتاريخ الذاتي للأمم يتراكم عبر حصيلة تنظيره المناسب في الأفكار والمواقف الأحكام القادرة إلى تنظيم الرؤية الفردية والاجتماعية وتفعيلها بصورة دائمة. فهو الطريق الواقعي والعقلاني لإرساء أسس الاعتدال، ومن ثم تذليل نفسية وذهنية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، التي لعبت دورا بائسا ومخربا في تاريخ العراق الحديث.

إذ لم تكن الراديكالية الفكرية في العراق أكثر من تقليد فج ومسطح لفتات الأفكار الأوربية، كما أن الراديكالية السياسية فيه لم تكن أكثر من هياج التخلف المادي والمعنوي للحثالة الاجتماعية والهامشية الثقافية والأقليات المنغلقة والبنية التقليدية والأعراف المحدثة! وبمجموعها أدت إلى حالة تسم بقدر هائل من الفضيحة والرذيلة، ألا وهي سطوع أشخاص خاوية وكسوف شخصيات ساطعة لعل حالة ساطع الحصري من بين أكثر درامية وعبرة.

فقد قالت العرب قديما "شر البلية ما يضحك"! ولعل حالة ساطع الحصري هي من بين أكثرها تدليلا على هذه العبارة المأثورة. الأمر الذي يشير إلى إن الوعي العراقي السياسي على مستوى النخبة والعوام هو من طينة واحدة! وسوف يبقى هكذا ما لم يعيد الاعتبار إلى شخصياته الكبرى. فهو الطريق الضروري لإعادة الاعتبار لفكرة الاعتدال العقلاني، أكثر مما هي إعادة اعتبار للشخصية. فالشخصية الكبيرة كبيرة بذاتها. وما لصق بها أو تراكم من حراشف التقييمات والأحكام ستزول بالضرورة مع مرور الزمن. وبالتالي ليس إعادة الاعتبار للشخصيات الكبرى سوى أسلوب إعادة الاعتبار للعقل والعقلانية بالنسبة لحياة الفرد والمجتمع والدولة والنظام السياسي. وذلك لان إعادة الاعتبار للشخصيات الكبرى يحتوي أيضا على أسلوب تنظيم الوعي الاجتماعي الفعال صوب منظومات الروح والوعي التاريخي والقومي الحقيقي. ولا تعقل الثقافة الحية والفعالة دون ذلك أو خارجه.

لقد كان المضحك المبكي في محاصرة شخصية الحصري يقوم في كونها جرت من جانب التيارات المذهبية (الشيعية) واليسارية (الشيوعية) والحركات القومية (البعثية)، أي من كافة التيارات التي أدى كل منه بطريقته الخاصة "دوره" على مسرح الزمن السياسي العراقي الحديث. وفي كل منها كانت الأوهام والأحكام الأيديولوجية المسطحة هي الفاعلة وراء حمية النكران والهيجان ضد الحصري.

فالتيار الجعفري (الشيعي) آنذاك لم يكن من حيث الجوهر أكثر من ردود فعل نفسية ومذهبية بدائية. وذلك لان التشيع لم يرتق بعد إلى مصاف الفكرة السياسية المنظمة.  من هنا شيوع الأوهام بصدد شخصيته ودوره وفعله وتخطيطه وتحولها إلى اتهام شبه راسخ في الوعي السياسي. ولم يكن ذلك معزولا عن حالة الوعي القومي وتدني مستوى الصيرورة الذاتية للهوية الوطنية العراقية وجذورها العربية المتحللة في مجرى السيطرة التركية العثمانية. وليس مصادفة أن تكون قضية الموقف من إيران آنذاك محك المذهبية مع انه لا علاقة جوهرية بين الاثنين. والأدق القول، بان القضية ينبغي إن تكون بالعكس. ألا أن عراق العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كانت تتسم بقدر كبير من التخلف والبدائية والسذاجة السياسية أيضا. فقد كان الهم العميق عند الحصري هو الفكرة القومية (العروبة الثقافية). وضمن هذا السياق ينبغي فهم مواجهته لما اسماه آنذاك بالتدخل الإيراني. فقد اعتبر بعض "الشيعة العراقيون" ذلك هجوما على الجعفرية، كما ذكر ذلك الحصري في مذكراته. بينما كان هم الحصري يقوم في مكافحة التأثير الإيراني على المدارس العراقية. وقد أورد الحصري عددا كبيرا من الأمثلة التي تشير إلى إن أكثر من كان خبيثا ومفسدا على التربية والتعليم هم من أصول فارسية. وبالتالي، ليس ما يسمى بعداء الحصري للجعفرية والشيعة أكثر من أوهام واتهام، أي صيغة مفتعلة وكاذبة. والدليل على ذلك، كما يقول الحصري نفسه، بان اغلب من تولى وزارة المعارف (زمن تأثيره الحاسم بهذا المكان) كانوا من الشيعة، مثل بحر العلوم الطباطبائي، وهبة الدين الشهرستاني، وعبد الحسن الجلبي، وأبو المحاسن، ومحمد رضا الشبيبي، والسيد عبد المهدي. أما الخلاف الذي كان ينشأ بينهما فلا علاقة له بغير حالة ومستوى وتباين الاحتراف العلمي والعملي بهذا الصدد.

وقد تكون الحادثة التي يوردها الحصري فيما يتعلق بالعلم العراقي إحدى الطرائف النموذجية التي تكشف عن حجم إدراكه لطبيعة العلاقة بين التشيع والهوية العراقية. إذ يروي كيف أن العلم العراقي كان بيد فارس إلى جانب سعد بن أمية (قاتل الحسين) في إحدى "مواكب عاشوراء". وعندما لاحظ الحصري طلب من احد مساعديه أن يكون العلم العراقي إلى جانب الحسين. وعندما وجد صعوبة في الوصول إلى العلم ونقله إلى جانب الحسين، طلب من الشخص أن يأخذ العلم بهدوء ويخرج به من دون أن يلاحظه الآخرين، لكي لا يثير ذلك حفيظة النفس الخبيثة ومقدرة العراقيين الفاحشة على التأويل المتسرع! إننا نقف هنا أمام حالة نموذجية للغاية تكشف ليس فقط عن موقف الحصري من ظاهرة "المذهبية" الضيقة التي كانت بالنسبة له ظاهرة وتقليد بدائي بحد ذاتها، بل وإدراكه طبيعة الترابط بين الحسين والعلم العراقي!

أما التيار اليساري (الشيوعي) فقد كانت مواقفه المشوهة لشخصية الحصري مبنية على توليف سبيكة "الأممية" الوهمية والموقف المعارض للفكرة القومية. فالشيوعية العراقية آنذاك (ولحد الآن) هي أيديولوجية العداء الغريزي للفكرة القومية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الأكثر تشوها لفهم ماهية الأممية والفكرة "اليسارية" بحد ذاتها. إضافة إلى حزمة العداء المتراكمة تجاه النظام الملكي "المباد" وموقف الحصري من "ثورة الرابع عشر من تموز" التي لم يجد فيها أكثر من انقلاب مخرب للتاريخ الطبيعي للعراق الحديث. بعبارة أخرى، إن الخلاف بينهما يكمن في أن الحصري كان ممثل الفكرة الإصلاحية المنظومية والتراكم لطبيعي للدولة والأمة عبر تنظيم الوي الاجتماعي بالفكرة القومية والتعليم العلمي والتنوير الثقافي. بينما كانت الشيوعية آنذاك مجرد خطاب أيديولوجي وعصاب متوتر تجاه كل ما يندرج ضمن تصوراته ومعتقداته. أي إننا نقف أمام اختلاف جوهري بين فكرة وشخصية علمية محترفة وبين حثالة مؤدلجة و"ثورية"!

أما التيار القومي (البعثي) فقد حاول مصادرة شخصية الحصري عبر توظيفها الأيديولوجي بصيغة تختلف اختلافا هائلا عما في آراء وموقف الحصري نفسه. فالخلاف بين الفكرة القومية عند الحصري وبين مثيلها عند حزب البعث، هو كالخلاف بين فكرة ماركس وبين عضو لا يعرف القراءة والكتابة في صفوف "الطليعة الثورية"! بعبارة أخرى، إن الاتهامات التي كانت وما تزال توجه ضد الحصري من خلال حصره بقيود البعث مبنية أساسا على تصورات وأوهام لا علاقة لها بفكر ساطع الحصري حصرا!

أما استمرار نفس هذه الحالة لحد الآن في الموقف منه، بمعنى تجاهله وتجاهل قيمته وأثره بالنسبة لصيرورة الدولة العراقية الحديثة ونظامها التربوي والتعليمي (وهو النظام التعليمي الوحيد السليم في تاريخها) يعني ديمومة تقاليد الأوهام والاتهام، أي تقاليد الجهل والتجهيل! وفيها نعثر على مؤشر دقيق يقول، بان عراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية لم يخط خطوة مدركة بعد باتجاه تحسس وتلمس قيمة الفكرة الإصلاحية. وبغض النظر عن ملابسات ومقدمات الحالة التي يمر بها العراق، والمقصود بذلك مستوى تأهيله النظري شبه المعدوم، ونوعية نخبه السياسية الحالية الخربة، ومستوى التربية والتعليم البدائي، إلا إننا نقف أمام ظهور نبتات حية ناشئة من وراء كل هذا الحطام الهائل. ومن ثم رؤية الأمل الواقعي فيما يتعلق برجوع تأصيل الثقافة إلى أرواح العراق المثقفة، وليس إلى محترفي الابتذال المعرفي و"مستشاري" رئاسات بلا رؤوس قادرة على فقه حقيقة وقيمة الثقافة والعلم والمعرفة. وليس إعادة الاعتبار لشخصية الحصري وأمثاله سوى احد الأدلة التي يمكنها الإشارة إلى طبيعة هذا التحول، على أن يكون ذلك مرتبطا أولا وقبل كل شيء بإعادة تفعيل ونفي التجربة التربوية والتعليمية التي وضع الحصري أسسها في المدرسة العراقية الحديثة. وبدون ذلك يعني بقاء وديمومة الذاكرة الخاملة ونمط الذهنية البليدة وإفلاس القيم وضعف أو انهيار المدرسة وتقاليد التربية والتعليم التي ارتبطت من الناحية النظرية والتنظيمية والعملية بشخصية الحصري.

***

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                    العدد (570)    08/04/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

طه حسين-  "بلاغة" الاستلاب وبلاغة الوعي الثقافي(6)

 

ميثم الجنابي

 

 

 

يختتم هذا المقال الحلقات السابقة فينقدفكرةومنهجالحشووالإثارةوالروايةوالحكايةالمعجونبنفسيةوذهنيةالاغترابالثقافيالتيجعلتمنطهحسينشخصيةمتناقضة،واسعةالانتشاروالشهرةرغمركاكةنتاجهامنالناحيةالفكريةالنظرية. وإذاكنتقدحاولت  الكشفعنطبيعةهذاالتناقضفيالمقالاتالسابقة،فأننيأسعىهنالإجلاءالضعفالفكريفيالأحكامالسريعةوالعجولةالتييطلقهاطهحسينفيمختلفالميادين،أيفقدانأحكامهوتقييماتهإلىأسسعلميةونظريةدقيقة. وكذلكللكشفعنأنالسبب الجوهريالقائموراء كلذلكيكمنفيتداخلوتفاعلالخللالمنهجيوالاستلابالثقافي.

فالأحكامالتييطرحهاطهحسينبصددشخصيةالجاحظوتاريخوماهيةالبيانالعربي،تكشفعناحدالنماذجالجليةبهذاالصدد. وذلكلأنهاتكشفعننوعيةالذهنيةوالمنهجبقدرواحد. وعموماأنالشخصيةالكبيرةواحدةمنحيثالجوهر،باستثناءمرحلةالتراكمالأولية. وماأتناولههناهونتاجمرحلةالنضوجالكبرى.

فقدتوصلطهحسينفيمجرىتأملاتالسريعةوأحكامهالجازمةالى ما اسماه بجهلالثقافةالعربيةالإسلاميةلمضمونالبيانوالبلاغةوالخطابةاليونانيةكمابلورهاأرسطوفيكتابه (الخطابة). وضمن هذا السياق توصل الى القول، بأنالجاحظهواحدنماذجوعصارةهذهالجهلالذيجعلهيقولبان "العربأهلالبيان". وقدبرهنتفيالمقالاتالسابقة عنخللهذاالحكموسطحيتهمنالناحيةالفكريةوالنظريةوالتاريخيةوالثقافية.

واستكمل في هذا المقالتوسيعوتعميقهذاالنقدمنخلالالكشفعنالأسسالنظريةوالفلسفيةوالثقافيةالقائمةوراءهذهالفكرة (العرب أهل البيان) بوصفهاجزءمنتطورذهنيةالتصنيفالملازمةللمركزيةالثقافيةالكونية بشكل عام والعربيةالإسلامية بشكل خاص،أي كل ما لم يكنمعزولاعنصيرورةالثقافةالعربيةالإسلاميةوتنوعتجاربهابهذاالصدد.

ففيمجرىالجدلالتاريخالثقافيوالفكريعن "الأمة" توصلتالتجربةالدينيةللإسلامعنالأمةفيأحدنماذجهاالرفيعةإلىفكرةوحدةالأديان. أماتجاربهاالدنيويةفقدأوصلتهاإلىإبداعنماذجعديدةعنالأممشكلتمساهماتهاالعلميةمعيارالتحديدهويتهاالحقيقية.

وفيمالوأجملناحصيلةهذهالتجاربالنظرية (الدنيوية) فيتحديدالأمم،فأنناسنعثرعلىخمسةأنماطكبرى. وبالاستناد إليها جرىتقسيمالأممعلىأساسجغرافي،وآخرإبداعي،وثالثذهني،ورابعمذهبي،وخامسعلميفلسفي.

إذأدرجتفيالتقسيمالجغرافينوعان،الأولمبنيعلىأساستقسيمالعالمإلىأقاليمسبعالجوهريفيهإظهارماأسموهباختلافالطبائعوالأنفسالتيتدلعليهاالألوانوالألسن. أماالتقسيمالثانيفقدوضعتهبحسبالأقطارالأربعالتيهيالشرقوالغربوالشمالوالجنوبالجوهريفيهإظهارماأسموهباختلافالطبائعوتباينالشرائع.

أماالتصنيفالذيوضعوافيهمعيار"الإبداعالمتميز"، (وهوالتصنيفالذيينبغيفهمعبارة "العربأهلالبيان" ضمنه، كمادافععنهاالجاحظ) فقدانطلقوافيهمنتقريرحجمالمشاركةالجديةللأممالحضاريةالكبرىآنذاك،فيالتاريخالإنساني. لهذاقالالبعضمثلابنالمقفع،بانكبارالأممالأربعةهيالعربأهلالفصاحةوالبيان،والعجمأهلالسياسةوالأدب،والرومأهلالبناءوالهندسة،والهندأهلالعقلوالسحر. وقدشاطرالجاحظهذهالفكرةبإضافةأهلالصينإليهاباعتبارهمأهلالأثاثوالصنعة،وكذلكتقسيمهأهلالرومإلىقسمينالأولأهليونانوهمالعلماء،والرومأهلالصنائع. فيحيناعتبرأبوحيانالتوحيديالفرسأهلالسياسةوالأدبوالحدودوالرسوم،والرومأهلالعلموالحكمة،والهندأهلالفكروالرويةوالخفةوالسحر،والتركأهلالشجاعةوالإقدام،والزنجأهلالصبروالكدوالفرح،والعربأهلالنجدةوالوفاءوالخطابةوالبيان.

أماالتقسيمحسبالحالةالذهنيةفانهتضمننوعان،الأولهوذهنيةأولئكالذينيتميزون "بتقريرخواصالأشياءوالحكمبأحكامالماهياتوالحقائقواستعمالالأمورالروحانية" كالعربوالهنود،والثانيذهنيةأولئكالذينيتميزون "بتقريرطبائعالأشياءوالحكمبأحكامالكيفياتوالكمياتواستعمالالأمورالجسمانية" كالفرسوالروم.

أماالتقسيمحسبآراءالأممومذاهبهافمبنيعلىأساسعقائديمرتبطبدورهبوجودفرق (دينية) وأخرىغيردينيةفينمطتفكيرهاحولإشكالاتالملكوت (ماوراءالطبيعة) والوجودالاجتماعيوالأخلاقي،كمانراهعندالشهرستاني.

وأخيراتقسيمالأممحسبمعيارماإذاكانتأمةعلميةأوغيرعلمية،كمانراهعدابنصاعدالأندلسيفي (طبقاتالأمم). فقدانطلقالأندلسيمنأنالأمموإنكانتنوعاواحدافيإنسانيتهاإلاأنهاتتمايزبثلاثأشياءوهيالأخلاقوالصورواللغات. وانأهمالأممالكبرىفيالتاريخهيالفرسوالكلدانيون (ومنهمالسريانيونوالبابليونومنهؤلاءالعبرانيونوالعرب) ثماليونانيون (والروموالفرنجةوالجلالقةويتبعهمالبرجانوالصقالبةوالروسوالبرغر) ثمالقبط (أهلمصروالسودانمنالحبشةوالنوبة) وأجناسالترك (الكيماكوالخزروجيلانوغيرهم) وأهلالهندوأهلالصين. والفرقالجوهريبينهميقومبمدىاهتمامكلمنهمبالعلومالفلسفيةبالأخص. فالأممالعلميةثمانوهيالهندوالفرسوالكلدانيونوالعبرانيونواليونانيونوالروموأهلمصروالعرب. أماالأممالأخرىفهيأمملاتهتمبالعلم (الفلسفةبالأخص). فالصينيون،كمايقولالأندلسي،أكثرالأممعدداوأفخمهاملكاوأوسعهادارا،وحظهممنالمعرفةإتقانالصنائعالعمليةوإحكامالمهنالتصورية. فهمأكثرالناسعلىمطاولةالتعبفيتجويدالأعمالومقاساةالتعبفيتحسينالصنائع. والأتراكأمةكبيرةالعددوفضيلتهمالتيبرعوافيهاأحرزواخصلتهامعاناةالحروبومعالجةآلاتها. ونفسالشيءيمكنقولهعنالأممالأخرى(غيرالعلمية). وارجعالأندلسيسببذلكإلىعماستعمالهذهالأمملأفكارهمفيالحكمة،ولاراضواأنفسهمتعليمالفلسفة. وبنىاستنتاجههذاعلىمعاييرثلاثفيتقييمالأمم،الأولهوأنتنالالأمةدرجاتالنفسالناطقةوالزهدبالنفسالغضبية،والثانيتعلمهاوتعليمهاللفلسفة،وثالثاموقعالعلومالطبيعيةعندها.

مماسبقيتضح،بأنتعمقالرؤيةالتاريخيةعنالأمميتناسقمعتراكمالعناصرالثقافيةالمتناغمةمعالوحدانيةالإسلامية. إذلاتعنيالوحدانيةالإسلاميةمنالناحيةالتاريخيةوالاجتماعيةسوىوحدةالنوعالإنسانيومثالهافيالواحد(الله). أنهاكالحقيقةواحدةبذاتهامتنوعةبالصوروالتجليات. والتنوعفضيلةفيحالسعيهللخيرالعاموهيفكرةسبقوانبلورهاالقرآنفيفكرةتقول: "إناخلقناكمشعوباوقبائللتتعارفوا. إنأكرمكمعنداللهاتقاكم". أيأنللتعدديةمنطقهاالطبيعيوالتاريخي،باعتبارهاواقعا،ومنطقهاالماوراطبيعيوالمثالي،باعتبارهاواجبا. وكلمنهمايعكسمستوىمنالإدراكلماهيةالأمم،أحدهماديني(الأمةالدينيةوآخردنيوي(الأمةالحضارية).

لقدأدتمنظومةالمرجعياتالكبرىفيالثقافةالعربيةالإسلاميةإلىرؤيتينمتناسقتينعننفسهاوالآخرينلااستعلاءفيهماولااستكبار. حيثتجلتابأسمىوجوههافيإقرارهمابتنوعالرؤيةالثقافيةذاتهاعنالآخرين. فجميعالتقسيماتالمذكورةأعلاه (الجغرافيةوالذهنيةوالإبداعيةوالمذهبيةالعقائدية) هيتقسيماتوتقييماتثقافية. إذلمتبحثالثقافةالإسلاميةفيالتقسيمالجغرافيعنصفاتجوهريةغيراثرالجغرافياعلىالطبائعوالأنفس(اللونواللسان) والشرائع (القوانينونمطالحياة)،أيعنالعناصرالطبيعيةوالعقليةلوجودالأمم. ذلكيعنيأنهالمتبحثولمتؤسسلعناصراللاعقلانيةفيوجودالأمم. وحتىفيحالاعترافهابوجودبعضمنها،فإنهانظرتإليهاباعتبارهانتاجالضعفالنفسالناطقةولهيمنةالنفسالغضبية. ومنثماعتبرتهاصفاتزائلة. وهينظرةعقلانيةوإنسانيةفيمساعيهاوغاياتها.

حددتهذهالرؤيةالانعتاقالحضاريللثقافةالإسلامية. فهيلمتقربتنوعالحضاراتفحسب،بلوأسستمواقفهامنهذاالتنوععلىأساستمايزهنبالفضائل. فعندماحاولتالمطابقة،علىسبيلالمثال،بينحضارةالأمةوخصلةمنخصالهامثلاليونانمعالفلسفة،والروممعالعمارة،والفرسمعالسياسة،والعربمعالبيان،والصينمعالصناعة،والتركمعالحرب،والهندمعالعقلوالشعوذة،فأنهالمتسعفيالواقعإلالإظهارتمايزهمفيالفضائل،لابمعنىافتقادهملغيرهامنالفضائل. إنهاحاولتإظهارفضائلالأمممنخلالتأكيدتنوعها،وبالتاليقيمتهابالنسبةللتاريخالإنسانيككل. لهذاأكدأبوحيانالتوحيديعلىأن "لكلأمةفضائلورذائل،ولكلقوممحاسنومساوئ،ولكلمنهافيصناعتهاكمالوتقصير". وتعكسهذهالصيغةقبولالثقافةالإسلاميةلإمكانيةتعددالأنواعوتنوعاجتهاداتهاالثقافيةفيظلانتمائهاللكلالإسلامي. بمعنىإمكانيةتوليف "مميزات" وفضائلالأمممنفصاحةوبيانوأدبوسياسةوغيرهافيكيانهاالثقافي. وهيتعدديةوانفتاحيتساويانمعإدراكجوهريةوقيمةالفضائل. لهذالمتضعالثقافةالإسلاميةنفسهاوشعوبهافوقالآخرينولاتحتهم،بلطالبتنفسهاوالآخرينبادراكوتجسيدالقيمالعقلانيةالأخلاقيةللتكافؤوالمساواة.

إنإقرارالثقافةالإسلاميةبتعدديتها (وتنوعهاالداخلي) يعنيأيضاإقرارهابالتعدديةالخارجية. وبالتاليبإمكانيةبناءحضارةإنسانيةكبرىذاتثقافاتمتنوعة. ممايعنياحتواءهاعلىمعارضةالقهرالثقافيو"الهيمنةالقطبية" فيالحضارات. إذلايستلزمتطورالحضاراتوازدهارهابمعاييرالعقلانيةالأخلاقيةصراعهاواحترابها،بلتنافسهافيالإنسانية. لانالمعيارالحقيقيلهاكماصاغتهالثقافةالإسلاميةفيتقييمها "العلمي" للأمم،حسبعبارةالأندلسي،يقومفي "نيلفضائلالنفسالناطقةالصانعةلنوعالإنسانوالمقومةلطبعه،والزهدفيأخلاقالنفسالغضبيةوالتفاخربالقوىالبهيمية". إذحتىللنفسالغضبية "نظمهاومدنهاالسياسية" كمايقولالأندلسي،إلاأنهانظمومدنشبيهةبنظمومدنالنملمنحيثالعددوالإتقان. ولكنهاتبقى "مدنيةالنفسالغضبيةوالبهيمية" لامدنيةالعقلالأخلاقي،الذيهوقوام "نوعالإنسان" أوحقيقته.

***

 

 

 
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                               العدد (558) 26/03/2011                alyasaraliraqi1934@yahoo.com        موقع التيار اليساري الوطني العراق
 

 

 

 

 

 

طه حسين-  إشكالية الاغتراب وحقائق الثقافة (5)

ميثم الجنابي

 

 

إن الشخصيات الكبرى كبيرة أيضا بتناقضاتها. إلا أن لهذه المتناقضات مستوياتها وأنماطها. كما إن لكل منها مقدماتها ومصادرها. من هنا تنوع آثارها ونتائجها. ولعل مفارقة التناقضات المميزة لإنتاج طه حسين تكمن في ضعف فاعليته المعرفية. من هنا مفارقة شخصيته الكبيرة بحد ذاتها. بمعنى إننا نقف أمام شخصية كبيرة بمعايير الوعي العادي والمشهور، لكنها عادية بمعايير العلم الدقيق والمعرفة المحققة. من هنا تناقض أثرها الثقافي، وذلك لأنها مازالت تنتج وتعيد إنتاج تقاليد النقد المبهرج وأوهام الغفلة التاريخية التي طبعت تقاليد مرحلته ومازالت تطبع ثقافة "الإنسان العادي"، أي الأكثر انتشارا بين متعلمي المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه مازالت تحتل موقعها المتميز في كوكبة المرجعيات الفكرية للثقافة العربية الحديثة. الأمر الذي يجعل منها نموذجا كلاسيكيا لهيمنة الثقافة العادية وضعف الوعي النظري وشبه انعدام الفكر المنظم. وقد يكون استلابه الفكري والمنهجي والثقافي أيضا احد المصادر الكبرى لهذا التناقض العقيم!

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للكشف عن هذه الجانب المهم في نقد تراث طه حسين، وبالأخص ما يتعلق منه بفهم مضمون تراث الأقدمين وكيفية تفسيره والنتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بكيفية تأسيس الوعي الذاتي التاريخي والثقافي.

ففي هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) يتطرق طه حسين إلى شخصية الجاحظ. وفي معرض موقفه من تقاليد البيان العربي وعلاقته بالبيان الإغريقي، حاول "البرهنة" على إن تصورات الجاحظ كانت سطحية عن بلاغة الشعوب الأخرى، استنادا إلى فكرة الجاحظ نفسه، الذي جعل البلاغة للعرب لا لغيرهم.

إن سر الخلل في هذا الفهم والتقييم والتأويل يقوم في ما أسميته بالاغتراب الثقافي لطه حسين من جهة، وجهلة بتاريخ ومضمون الفكرة التي وضعها الجاحظ، من جهة أخرى. إذ لم يفهم طه حسين مضمون فكرة الجاحظ. من هنا اعتقاده، بان المقارنات التي يقدمها الجاحظ بين الشعوب والأمم و"تفضيل العرب" على غيرهم في مجال البيان (البلاغة) كان مجرد جزء من صفته المتميزة بحب المفارقة والإغراب وعلى حماسة متقدة صادقة في الانتصار للعرب على خصومهم من الأعاجم، تؤدي به إلى التناقض أحيانا[1]. أما في الواقع، فأن دراسة وتحليل شخصية الجاحظ وإبداعه الفكري الهائل، تكشف عن مدى سطحية وهشاشة هذا الحكم والموقف. إضافة إلى تعارضهما الصارخ مع الصفات الجوهرية التي تميز كتابات الجاحظ نفسه.

فقد كانت الجاحظ ابعد المفكرين والأدباء والمؤرخين والمتكلمين عن حب المفارقة والإغراب (على عكس طه حسين بالضبط)! كما انه لم يتميز "بالحماسة المتقدة والصادقة في الانتصار للعرب" وما شابه ذلك. إذ ليس هذا الحكم في الوقع سوى الصيغة المعكوسة للفكرة الشعوبية (العرقية المتطرفة). وبالتالي ليس موقف طه حسين هذا سوى الصيغة المقلوبة التي تستعيد بدون وعي أو بفعل التراكم الخفي للمدرسة الأزهرية، بقايا الاشمئزاز أو العداء الخفي للمعتزلة. ولم تستطع حتى شخصية مثل الشيخ الإمام محمد عبده من التخلص منها، رغم وضعه هذا الخلاف ضمن سياق الصراع التاريخي الفكري والثقافي بين المعتزلة والاشاعرة. لكننا نعثر على اندثار شبه تام له في منظومة الرؤية الإصلاحية والموقف من الإصلاح والشخصيات الإصلاحية كما وضعها في آخر رسائله (رسالة التوحيد). أما الصورة والصيغة الأولية المتطرفة للاتهام "بالشعوبية" (النزعة العرقية المتطرفة والعدائية)، فإنها تعود، من حيث تأسيسها النظري لابن تيمية.

وفيما لو تركنا جانبا هذه القضية، ورجعنا إلى قضية الجاحظ وتقييمه عند طه حسين، فان الشيء الأكيد والدقيق الذي يمكن قوله بهذا الصدد يقوم في أن الجاحظ كان مفكرا صادقا تجاه الحقيقة أولا وقبل كل شيء. وبالقدر ذاته كان الجاحظ متقدا في دفاعه عن العقل والإخلاص فيه حتى النهاية. إضافة إلى نزعته الإنسانية والنقدية الرفيعة. إذ ليس هناك من شخصية فكرية إسلامية دافعت عن مختلف الشعوب والأجناس والمهن وغيرها أكثر من الجاحظ. وتكفي هنا الإشارة إلى سلسلة الكتيبات والرسائل العديدة التي وضعها بهذا الصدد (عن الأتراك والسودان وأصحاب المهن والغواني وأصحاب العاهات وكثير غيرها). وهذه بدورها لم تكن نزوة عابرة مرتبطة بحب المفارقة والإغراب وما شابه ذك من اتهامات لا أساس لها، بقدر ما كانت نتاجا لعقيدته الفكرية والفلسفية. فقد كانت حقيقة الجاحظية بوصفها مدرسة معتزلية متميزة، مرتبطة بتأسيسها الخاص لفكرة الإرادة العقلية، وعقلانية النزعة الإنسانية وطابعها النقدي.

أما الموقف من "بلاغة العرب" كما وضعها الجاحظ، فانه كان جزء من تقاليد وعي الذات الثقافي التاريخي من جهة، وتطور الرؤية الانتروبولوجية الثقافية وتصنيفاتها التي تراكمت بفعل صيرورة وتدقيق مناهج البحث الموسوعي للأديان والفلسفات والأمم من جهة أخرى. بعبارة أخرى، إن عبارة "العرب أهل البيان" هي فكرة عامة مجردة نابعة من تراكم وتداخل الرؤية الانتروبولوجية الثقافية والموسوعية المتفحصة (النقدية) لتجارب الأمم بوصفها تجارب إنسانية متنوعة. لقد كانت هذه الفكرة جزء من تطور الرؤية المقارنة للثقافات والأمم، وتنوعها واختلافها من حيث النموذج أو المثال أحيانا، وليس حقيقتها الدائمة أو الثابتة. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على رؤية تاريخية ثقافية ملموسة. فالصورة الشائعة عن مهارة أهل الصين في الصناعة والحرفة جعلتهم يتحولون إلى "ممثل" الصناعة والحرفة. ولا يعني ذلك انعدام الحرفة أو قدرة الأمم الأخرى على الحرفة والصناعة. فقد كانت الحرف والصناعات المتطورة آنذاك في عالم الخلافة، أي أنها كانت أكثر رقيا من الصينية بما في ذلك في البناء والعمران. ومن الممكن هنا الإتيان بالمقارنة التي يوردها الغزالي في كتاب (ميزان العمل) بين أهل الصين وأهل الروم. حيث نراه يصور الخلاف بينهما بالشكل التالي: "حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهما حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب ونظر إلى الجانبين، وعرف رجحان من الراجح من الفريقين. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين، بأنهم فرغوا أيضا. عندها قال أهل الروم:

-         كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟

-         ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح دعوانا!

فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء. فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعي من تحصيله غيرهم"[2].

إننا نعثر في هذه المقارنة على بقايا الصيغة الشائعة (الانتروبولوجية الثقافية والرؤية الموسوعية) التي وظفها الغزالي كنموذج أو مثال لتبيان أساليب المعرفة المتنوعة، الظاهرية والباطنية عبر جلاء القلب وتحويله إلى مرآة الوجود. بعبارة أخرى، تعكس هذه المقارنة في رمزيتها أيضا تصورات الثقافة السائدة في أوساط المفكرين المسلمين، المترتبة أيضا على مركزيتهم الثقافية آنذاك. فقد كانت الثقافة الإسلامية آنذاك في مركز الكون التاريخي والثقافي العالمي، من هنا مركزية رؤيتهم، أي تحررها من أي شيء باستثناء ملاحظاتهم الدقيقة لنوعية تجارب الأمم وليس خصائصهم الثابتة. وضمن هذا السياق يمكن فهم الموقف المصنف لأهل الروم (بيزنطة) والصين باعتبارهم أهل حرفة وعلوم عملية. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يعتبر الجاحظ أن اليونانيين علماء بينما الروم صنّاع. وقد دعاهم قبله ابن المقفع، بأصحاب البناء والهندسة. وإذا كان التوحيدي يعتبر أهل الروم "أهل العلم والحكمة" فلأنه كان يطابق في الواقع بينهم وبين اليونان. بينما اعتبرهم ابن صاعد الأندلسي "حكماء أجلاء وعلماء بالفلسفة".

مما سبق يتضح، بان الثقافة الإسلامية قد اتفقت في اغلب تقييماتها على إقرار صفة الروم العملية، أما إبقاءها صفة أهل الصين العملية، فقد كانت اقرب إلى بديهة لا تقبل الجدل. فقد دعاهم الجاحظ "بالصناع"، ووصفهم ابن المقفع بعبارة "أصحاب أثاث وصنعة"، بينما وضعهم ابن صاعد الأندلسي ضمن صنف الأمم العملية لا العلمية (الفلسفية) مشددا على "حذاقتهم الصناعية". وإذا كانت هذه الأحكام دقيقة ضمن سياقها التاريخي، فان ما هو جوهري بالنسبة للغزلي، على سبيل المثال، كان يقوم في رمزية المقارنة لا طبيعتها الواقعية. ذلك يعني إننا نقف أمام صيغة ومستويات متنوعة بما في ذلك من حيث توظيفها ضمن معايير وموازين الثقافة وتقييماتها آنذاك.

والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة "العرب أهل البيان" وكثير غيرها مما جرى وصف الأمم به، باعتبارها الصيغة التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في محاولاتها تصنيف وتقييم تجارب الأمم والحضارات. وهو أمر جلي في إبداع ونتاج الثقافة الإسلامية في موسوعاتها النظرية الكبرى المتعلقة بتاريخ الأديان والأفكار (علم الملل والنحل) والأمم (طبقات الأمم). فكما تلازمت فيها الصيغ القائلة، بان أهل الروم والصين أهل صناعة وحرفة وعلوم، أي اقرب إلى العلوم العملية، تلازمت أيضا صيغة كون العرب هم أهل بلاغة وخطابة وبيان. في حين أن الإغريق أهل فلسفة وعلوم، والفرس أهل أدب وسياسية، والترك أهل فروسية وشجاعة.

وبغض النظر عما في هذا التصنيف من حدود لم تعد مقبولة في الظرف الراهن، إلا أنها تعكس مذاق الثقافة ونوعية إدراكها آنذاك، بوصفها تجارب تاريخية. والأحكام التاريخية ليست منطقا ولا بديهة. وهي الفكرة العظمى التي وضعتها الثقافة العربية الإسلامية في محاولاتها استكناه وإدراك حقيقة الحكمة وحدودها، أي تقديم خطابها بمعايير البيان الثقافي الذاتي وليس بعبارة البيان المتغرب عن أصوله الثقافية، أيا كان شكله ومحتواه.

***

 

 

 

 



[1]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص2.

[2]الغزالي: ميزان العمل، ص40-41.

 

 

 

 

 

 

طه حسين – وذهنية البهرجة والإثارة!(4)

 

 

طه حسين – وذهنية البهرجة والإثارة!(4)

ميثم الجنابي

 

إن مهمة نقد طه حسين هي أولا وقبل شيء مهمة نقد تقاليد المنهج والتسطيح المعرفي وأساليب الاستلاب الثقافي التي أدت بعد مرور قرن من الزمن الى البقاء ضمن معايير الزمن، ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي بوصفه تراكما للمؤسسات في الوجود الفعلي للمجتمع والدولة والمعرفة والعلم والثقافة. لهذا السبب لم أتناول في هذا المقال وما قبله وبعده جزئيات المؤلفات التي وضعها طه حسين، بما في ذلك أكثرها "إثارة" للبلبلة آنذاك مثل (الشعر الجاهلي) وأمثاله من مؤلفات، وذلك لأنها لا تمتلك قيمة علمية بالنسبة للتحليل والنقد الفلسفي المعاصر. كما انها لم تتمتع بهذه الصفات فيما مضى، وذلك لأنها كانت تمتثل لنفسة الجدل "الفارغ" الذي لا قيمة فكرية فيه.

فقد كان هذا الجدل مجرد انهماك في صراع فارغ لم يؤسس للفكرة المنهجية ولا للثقافة العلمية. والسبب يكمن في أن كتب طه حسين "المثيرة للجدل" هي الوجه الآخر والأصدق والأدق عن طبيعة الوعي النقدي (المؤيد والمعارض) المثير للحيرة والاندهاش! إذ لم يكن في تلك الكتب وأغلب الردود  قيمة ذاتية من حيث الأصول والأسلوب والمنهج والغاية. من هنا جوهرية الاهتمام الذي أعيره لقضايا الأصول والأسلوب والمنهج والغاية، أي كل ما بدونه لا يمكن إرساء أسس المنظومة العلمية والعقلانية والإنسانية للثقافة.

لقد كانت عقلانية طه حسين عقلانية مبتورة. والشيء نفسه ينطبق على نزعته النقدية والإنسانية والعلمية. وهي أتعس أنواع العقلانية. وذلك لأنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على توسيع مدى التسطيح والتهور المعرفي الذي يجعل من أنصاف المتعلمين وأشباه الجهلة "عمداء" الفكر والثقافة. أما النتيجة فأنها تقوم في حفر أخدود الراديكاليات النفسية وجعلها الطريق المبلط للحثالة عبر تحويلها الى"طليعة" المجتمع والتاريخ! وليس مصادفة أن يتحول أزلام السلطة الى أبطال الفكر والعقل! والحزبي الى قائد "أبدي". بينما يقتنع المثقف بدور الوسيط القابل لكل الصور بين إلوهية مفتعلة وربوبية اشد زيفا! وليس مصادفة أن يتحول دكتاتور شبه أمي مثل صدام حسين الى "كاتب روائي" والقذافي الى "مفكر النظرية العالمية الثالثة"، وخطاب كل عابر طريق الى "مدرسة تاريخية"!

طبعا ليس لطه حسين وأمثاله علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ونتائجها المخيبة والمخجلة، إلا أن طبيعة "الفكر" الذي جرى ابتذاله و"غرسه" في الوعي من خلال الولع بالإثارة والانهماك المفرط بالتقليد وتقديمه على انه "حصيلة الثقافة العالمية"، مع ما يرافقه من "تدنيس" التراث الذاتي والتطفل عليه في الوقت نفسه، هو الذي أدى الى تهميش الفكر الحقيقي. ومن ثم توسيع مدى الفكرة النفسية والأيديولوجية وإسباغ معالم الاكتشافات الكبرى فيها وعليها. مع أنها في حقيقتها مجرد أوهام وزبد لا قيمة فيهما سواء بمعايير الحق والحقيقة أو بمعايير التطور التلقائي للأمم.

 وليس مصادفة أن يتحول تاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصر الى ميدان التجريب البليد للأيديولوجيات "الليبرالية" و"العلمانية". وان تتكلل في نهاية المطاف بصعود نقيضها الديني و"الأصولي" وصراعهما المستميت حول حقيقة لا حق فيها، وحق لا حقيقة فيه!

إن  هذه المقدمة ترمي الى القول، بان مقصود هذا النقد يقوم أيضا في نقد السائد بين تيارات "الليبرالية" التي لا حرية فيها، و"العلمانية" التي لا دنيوية فيها. فالأولى مجرد خطاب أيديولوجي صرف لا علاقة له بروح الأمة وجسدها ولا وجدها ووجودها، والثانية مهاترة لا علاقة لها بنقد الدين والدنيا ولا الأرض والسماء. ولعل ما يجرى الآن من أحداث درامية هائلة في العالم العربي أو ما ادعوه بالطور الجديد في الكينونة العربية الحديثة، هو الوجه الطبيعي والتاريخي والواقعي لنفي كمية ونوعية الثقافة الهشة التي بلورها رعيل مازالت تغلب ميوله ونماذجه على ما ادعوه بثقافة الزمن الفارغ وانعدام التاريخ الفعلي، أي ثقافة الاجترار وانعدام التأسيس التلقائي لإشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمة. ولعل في نقد شخصية طه حسين إشارة أو مثال أو دليل أو إيماءة الى هذه الحالة.

طبعا، أن الشخصيات الكبرى لا تخلو من متناقضات تلازم حجمها الفعلي في تراكم الوعي الثقافي. فالثقافة هي الأخرى كتلة من متناقضات حية. وكثرة المتناقضات فيها دليل على حيويتها. والمقصود بالمتناقضات هنا كل ما بإمكانه التحول إلى وحدة جميلة بمعايير المطلق. فمعرفة المطلق تفترض معرفة جمعه بين الأضداد، كما تقول المتصوفة. وبالتالي لا تدخل ضمن هذا السياق تناقضات الغباء والبلادة والحماقة، وذلك لأنها من عالم آخر، ولا يحدها شيء لأنها بلا حدود! 

وعادة ما تضع هذه المقدمة العامة المرء أمام إشكالية جدية وقلق معرفي وأخلاقي حالما يجري تطبيقها على شخصيات "أدت دورها" الثقافي في الوجود التاريخي للأمم. من هنا إجبارها لسان الحال والمقال، أي العقل الوجدان، على الوقوف أما الكلمة والعبارة والمعنى والغاية من اجل بلورة أسلوب مهمته تأسيس المواقف بوصفها جزء من تاريخ الحقيقة، وتنظيم الحقائق بصفها جزء من تراكم المعرفة الحية، وتوسيع مدى المعرفة الحية بوصفها جزء من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وفيما لو حاولنا تطبيق هذه المكونات الثلاثة الضرورية لهذه المقدمة النظرية العامة المتعلقة بأصول وجذور الثقافة التاريخية الحية، فأننا لا نعثر من حيث الجوهر على صيغة ترتقي إلى مصاف الوضوح والرؤية المنظمة في كل ما كتبه طه حسين. بمعنى أنها تبقى في أفضل الأحوال مجرد مواقف جزئية لا ترتقي بآي حال من الأحوال إلى مصاف التأسيس الفكري. ولم يكن ذلك معزولا عن ذهنية الاستلاب الثقافي المتغلغلة في ذهنية ونفسية طه حسين وضعف تأهيله الفلسفي. فقد كان طه حسين يكره الفلسفة الألمانية. ولو لم تحدّه أخلاقه لقال عنها أنها هذيان بهذيان! والسبب بسيط ويقوم في أن تربيته الأولى المبنية على الذاكرة الشفوية وتقاليد الحكاية والرواية جعلت من المعارف النظرية والتجريد الفكري الكبير والعميق أمورا لا يطيقها العقل والوجدان، واللسان والبيان! وليس مصادفة إن يجد ضالته في ديكارت والتقاليد الفرنسية بشكل عام. والسبب هنا أيضا بسيط للغاية، وهو أن التقاليد الفرنسية أدبية عملية وجدانية سياسية و"واضحة وسهلة" كما كان يقول سلامة موسى ويحبذها! أنها اقرب ما تكون إلى مفرقعات الأفراح والأعياد! ولا يخلو ذلك من جمال قادر وفعال على آثار الروح والجسد والخيال والمقال، لكنه سرعان ما يقف عند هذا الحد. وليس ذلك نتاجا لإدراك الحدود بقدر ما انه نتاج ضعف القدرة على تجاوزها بوصفها جزء من تاريخ الحكمة المعرفية وتقاليدها المتنوعة ومستوياتها المتباينة. لهذا نرى طه حسين يتشبث بديكارت المجزأ  والصغير، أي برواية عنه ومنه تنعش الذاكرة على حشو كل ما في جعبتها من اجل "نقد" كل ما يطاوله اللسان والبيان.

لقد كانت هذه الحالة "طبيعية" ومناسبة لحد ما لحالة مصر آنذاك وتقاليدها الثقافية في مجال المعرفة والتنظير. فقد كانت تلك الحالة اقرب ما تكون إلى البغلة التي ركبها طه حسين ليسابق بها حمير التقليد السارحة في مصر والعالم العربي آنذاك! لكننا حالما نضعها ضمن سباق الممكنات، فأنها تبدو عادية وبطيئة جدا ومتخلفة أيضا، لكنها لا تخلو من قيمة وفاعلية وروعة أيضا في جبال الجهل المعرفي ووديان الجهالة العلمية! وفيها أيضا يكمن سر البريق اللامع للحشو والتكرار والإعادة وتنظيم وترتيب العبارات العادية والطويلة والمملة من اجل قول عبارة واحدة أو فكرة صغيرة. وقد طبع هذا الأسلوب والنمط كل ما كتبه طه حسين، بما في ذلك المقالات والخواطر الصغيرة. بحيث يمكننا رؤية هذا النمط في كل ما كتبه على الإطلاق. وفيما لو أردنا تكثيف المفاهيم والأفكار والمواقف والتقييمات التي وضعها طه حسين في كتاباته الكثيرة جدا، فأنها سوف لن تتجاوز عشر أو عشرين صفحة على أفضل تقدير!! الأمر الذي يكشف عما يمكن دعوته بهوس الحشو والحشوية الجديدة، أي الحشو العادي والإثارة المتبجحة. ومن الممكن العثور عليها بين اسطر اغلب ما دبجه طه حسين من مقالات وكتب. فقد كان الهم الذائب وراء اغلب كتاباته ليس تنظيم الرؤية النقدية، بل توسيع مدى الإثارة والانبهار المسطح. وليس هذا بدوره سوى الوجه الآخر لسعة وحجم التسطيح الفكري للوعي الاجتماعي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الانهماك "النقدي" لطه حسين قد تحول مع أول "إدانة ناجحة" إلى ولع وقيمة مستقلة بذاتها. بحيث أصبحت الإدانة التقليدية، أي الصيغة الأشد تخلفا للوعي "المنظم" (للمؤسسات التقليدية) إلى معيار النجاح والفلاح والفوز والقضاء على العوز! وتحول هذا الوهم المقلوب للمعرفة إلى نموذج رفيع للمعرفة، مع ما ترتب عليه من سباق محموم في الإثارة والانغماس فيها. بينما لم تكن هذه الدورة في الواقع سوى دورة الوعي التقليدي في أفلاك "التنوير المزيف" و"النقد" الذي لا ينتهي! وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لتقاليد الحكاية والرواية التي تتمتع وتتلذذ باليسير الميسور للوعي. مما جعل من طه حسين، في احد مظاهره، نموذجا لما ادعوه بالحشوية الجديدة. وذلك لان خصوصيته لا تقوم في استمداد صيغ وأنماط ونماذج اللاهوت الذاتي (الإسلامي) بل باستلهام نموذج ما يمكن دعوته بلاهوت التقليد المتمدن والحديث! وهذا بدوره لم يكن ذلك معزولا عن اثر الاغتراب الثقافي بشكل عام والمنهجي بشكل خاص. فقد تحول منهج الاغتراب الثقافي إلى منهج المواقف والأحكام. وليس مصادفة إن تفتقد اغلب ما كتبه طه حسين لحقيقة التأسيس النظري بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

لقد نشأ طه حسين وترعرع ضمن سياق تيارات متصارعة متناقضة، حديثة وتقليدية (ومن الممكن رؤية ذلك في كثرة المقالات التي كتبها تحت هذا العنوان، والتي ظلت تحكم رؤيته النقدية في كل مستوياتها، بمعنى أنها ظلت حبيسة هذين التيارين من جهة، وثقافته الشفوية من جهة أخرى. مع ما ترتب عليه من انطباع مواقفه النقدية ببهرجة ظاهرية، محكومة بدورها بتأثير تقاليد الحكاية والرواية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات في مقالاته وأبحاثه ودراساته.

ومن الممكن التدليل على هذا النمط هنا بالاستناد إلى مثال واحد من بين مئات الأمثلة، واقصد بذلك موقفه من "البيان العربي" الذي وضعه في تقديمه لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، تحت عنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر). فهنا نقرأ موقفه القائل، بان قلة استعمال الأدباء العرب أمثلة مستقاة من كتاب الخطابة لأرسطو هو بسبب كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة[1]. ومن هذه المقدمة الخطابية والسردية لحد ما نره يتوصل إلى استنتاج يقول، بان "علماء البيان العرب لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني"[2]. بينما نراه لاحقا يقرر ما لا صلة بما قاله قبل قليل، وهو أن "أعجاب الأدباء العرب بالبيان منذ أواخر القرن الثالث إلى نهاية الرابع قد أدى إلى إبداعهم(!) علما للبيان عربي خالص في روحه ومادته وشواهده. حتى لقد خيل للمتأخرين منهم أن البيان العربي غير مدين للأعاجم في شيء(!!). ليس ذلك فحسب، بل وتراه يقرر بعجالة مميزة للذهنية الحكواتية عن أن "الفلاسفة العرب لم يكونوا أجود من المتكلمين وعلماء البيان في فهمهم أو آخذهم بكتاب الخطابة (لأرسطو)". والسبب بنظره يقوم في أنهم "كانوا يجهلون الهيلينية كلها عدا الفلسفة بطبيعة الحال. أنهم لم يعرفوا الأنظمة السياسية ولا القضائية ولا الحقوقية ولا خطبهم". وحاول تطبيق ذلك على كل شيء، مثل الموقف من النظام السياسي والشعر وغيره. فالعرب المسلمون لم يعرفوا غير نظام الخلافة، وان كتاب الشعر لأرسطو لم يفهمه احد على الإطلاق بين العرب والمسلمين[3] (باستثناء طه حسين طبعا!). ومن الممكن الاستطراد في أمثلة كثيرة تصب في هذا المسار، أي كل ما يعبر عما أسميته بذهنية الحشو والنقد المولع بالإثارة المسطحة.

بعبارة أخرى، أن طه حسين لم يفهم قيمة الإبداع الذاتي للأمم والحضارات خارج نطاق "الهيلينية" التي لم يعرف هو نفسه منها إلا الشيء اليسير والصيغة الظاهرية والمسطحة والمعلومات الجزئية. واكتفي هنا بالإشارة فقط إلى إن قراءة (كتاب الشعر) لأرسطو لا علاقة له بروح الشعر كما انه لا يصنع شاعرا ويربي قدرة شعرية عربية على الإطلاق. فالشعر العربي هو صيرورة تاريخية ثقافية متميزة ومكتفية بذاتها. والشيء نفسه ينطبق على البيان وتقاليده. بل ليس مصادفة أن يكون الشعراء اليونانيون العظام قد ظهروا قبل كتاب أرسطو. وما بعده مجرد شعراء صغار فقط!! مع إن القضية وما فيها لا علاقة لها بكتاب أرسطو!

وفيما يتعلق بالنظم السياسية وأنواعها، فان العرب المسلمون كانوا يعرفون الأنظمة السياسية والحقوقية الأخرى إلا أنها كانت بالنسبة لهم بقايا عوالم وثنية وغير عادلة. إضافة إلى ذلك، وهو الشيء الأكثر جوهرية، هو أن الصيرورة التاريخية للدولة العربية الإسلامية كانت أساسا خلافة لنفسها أو خلافة ذاتية. بمعنى أنها كانت تجربة ذاتية وفردانية أصيلة. من هنا لم تكن بحاجة إلى تجارب الآخرين. أما استعمالها الجزئي لنتاج تلك التجارب فقد كان جزء من فاعلية المنظومة الجديدة في الموقف من كافة عوالم الإنسان. وذلك لان التجربة العربية الإسلامية الأولى كانت تجربة صاعدة وواعدة وحية وفاعلة ومقدامة. وبالتالي فإنها كانت الصيغة الأرقى للنظام السياسي آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحقوق. بعبارة أخرى، لقد كانت التجربة العربية الإسلامية آنذاك في مجال البناء الحضاري الأعمق والأوسع والأكثر ديناميكية. لقد كانت آنذاك في مقدمة الأمم. لهذا لم تكن بحاجة إلى الالتفات إلى تجارب الآخرين السالفة أو حتى المعاصرة لها. مثلما لا تنظر الكثير من الدول المعاصرة المتطورة إلى تجارب الآخرين الماضية أو حتى المعاصرة لها.

مما سبق نستطيع القول، بان النقد المبهرج والدعاوي الكثيرة الكبيرة التي تميز مواقف وأحكام طه حسين ما هي في الواقع سوى الوجه الأخر لضعف التقاليد العلمية الدقيقة واضمحلال رزانة التقاليد النظرية الفلسفية العميقة. مما جعل كل ذلك من أساليب ومستويات النقد المميزة لكتابات طه حسين احد أوجه الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن الممكن القول، بأنها اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك. فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيه على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله الكبير للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص. مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه لتكشف عن قلة وضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

إن مشكلة الموقف المنهجي من التراث وغيره من القضايا التي تناولها طه حسين تستمد مقوماتها في الأغلب من طبيعة الاستلاب الفكري أمام الثقافة "الأوربية" آنذاك التي جعلت من "الهيلينية" أوربية، ومن الفلسفة اليونانية (أرسطو في الحالة المعنية) نموذجا للمحاكاة. مع أن طه حسين نفسه (كما هو جلي في كل كتاباته) لم تكن معرفته بها تتعدى حدود جوانب جزئية ويسيرة جدا. وبالتالي ليست عباراته المتبجحة عن انه لم يعرف احد (غيره) تقاليد الهيلينية، أو أن القدماء لم يفهموا ما فهمه هو منها، سوى الوجه الآخر لذهنية الحشوية الجديدة، التي أغرته بإمكانية القول، بان العيش فترة زمنية قصيرة في فرنسا وتعلم الفرنسية كافية لتسطير حكايات طريفة لبسطاء المستمعين!!

***

 

 



[1]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص12.

[2]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

[3]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص31.

 

 

 

                                         العدد (554) 23/03/2011                      

 

طه حسين – النقدية المسطحة وتقاليد الحشو واللغو!(3)

 

بروفيسور ميثم الجنابي

 

 

 

لقد احتل طه حسين موقعه الخاص والمتميز في صرح الثقافة العربية الحديثة بوصفه شخصية عقلانية ونقدية حرة وتنويرية تجمع بين التجديد والأصالة. كما حصلت بالقدر ذاته على مكانة الشخصية المرجعية بالنسبة للفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي بشكل خاص. من هنا تنوع مظاهر ومضامين التقييم المؤيد والمعارض. بحيث نقف بقدر واحد على أغلبية تؤيد التقييم القائل بشخصيته الفذة، وأقلية تجد فيه شخصا يفتقد إلى ما ينسب إليه. وفيما بين هذين التيارين تباينت أيضا المواقف المعارضة والمؤيدة، والمبجلة والمستخفة. ولا خلاف عما في هذه الحالة من تنوع يعكس تنوع المواقف والآراء والأحكام من جهة، ويشير في الوقت نفسه إلى حيوية طه حسين وتأثيره المستمر في الوعي الثقافي العربي المعاصر. الأمر الذي يجعل منه شخصية إشكالية.

لكن غرابة القضية ككل تكمن في إشكالية شخصية وليست إشكالية فكر وفكرة. الأمر الذي جعل من كل ما قيل ويقال عنه جزء من معترك المواقف والأحكام الأيديولوجية، وليس من مسار التراكم العلمي والنقدي الضروري لوعي الذات القومي في احد مجالاته ومستوياته ونماذجه.

وتنعكس في هذه المفارقة من حيث الجوهر القضية التالية، وهي أن حقيقة هذه المفارقة تقوم ليس في إشكالية طه حسين بقدر ما تقوم في معضلة الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر التي جعلت من شخصيته إشكالية، ومن أسلوبه في الكتابة والتعبير نمطا متبعا، ومن مستوى بحوثه التاريخية والأدبية نموذجا للمحاكاة والتقليد، ومن آثاره النقدية مآثر علمية، ومن معلوماته المتناثرة معرفة منظمة، مع أنها لم ترتق في أي من هذه المجالات إلى مستوى العلم والمعرفة الحقيقية، دع عنك قضية الإبداع الفكري الأصيل. الأمر الذي يجعل من إشكالية طه حسين في الحقيقة إشكالية ضعف وتدني وسطحية الوعي النظري الذي ميز وما يزال يميز الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر، وليس أيما شيئا آخر. وإذا كانت هناك من مأثرة لطه حسين بهذا الصدد، فإنها تقوم في قدرته الفذة على تمثل هذه الحالة الأولية لتراكم الوعي المعرفي الأولي، والبدائي لحد ما من حيث المقدمات والأسس والمنهجية، ورفعها إلى مصاف المرجعية الثقافية، التي أعطت له تلك القيمة المؤثرة والفعالة في الوعي الاجتماعي، رغم سطحيتها الذاتية (الفعلية) في مجال العلم والمعرفة الحقيقية. وإذا كان لهذه الحالة ما يبررها من الناحية التاريخية، بوصفها الصيغة المبسطة والجزئية لكيفية وطبيعة التراكم الأولي للثقافة العربية آنذاك (والمصرية بشكل خاص)، فان ضررها المعرفي يقوم في تقديم تجارب الثقافة الأوربية العريقة والعميقة والجديدة عبر موشور الرواية والحكاية المميز لتقاليد الأزهر المختبئة في أعماق الوعي الذاتي لطه حسين نفسه. الأمر الذي أدى إلى صنع السبيكة المشوهة من مظاهر الرؤية النقدية المتشبثة ببعض كسرات المناهج الأوربية (الديكارتية بشكل خاص)، وبواطن الرؤية التقليدية العاجزة عن إرساء أسس الرؤية النقدية الفعلية وتأسيس منهج الرؤية الثقافية الذاتية. وقد يكون أسلوب الرواية والحكاية الصيغة الأكثر تعبيرا عن هذه المفارقة المزعجة، أي الخاوية من إشكالية الإبداع الحقيقي، والفاعلة في الوقت نفسه على خلخلة الوعي النقدي الحقيقي. وذلك لأنها لا تصنع في نهاية المطاف غير شهية الاستماع والاستمتاع بتقاليد الشفاهية المغرية لنفسية وذهنية العوام. ومن ثم فعلها المباشر وغير المباشر على تسطيح الوعي وابتذال مستوياته النظرية العميقة.

أن وضع صورة طه حسين ضمن "لوحة التكريم" الملونة للثقافة العربية، وتحوله إلى احد العناصر المرجعية للثقافة العربية الحديثة والمعاصرة يعكس أولا وقبل كل شيء بقاء واستمرار فاعلية الثقافة الشفوية وتقاليد الرواية والحكاية، التي مّثل طه حسين احد نماذجها الكبرى في القرن العشرين (العربي)، أي في زمن صعود ما ادعوه بعقلانية الفطام التاريخي، التي تميزت ضمن سياق القضية المطروحة بقوة الحشو والمعلومات الجزئية، وضعف مستويات التمحيص والتحقيق العلمي، وشبه انعدام للتدقيق الفكري. الأمر الذي جعل من الرواية والحكاية اجتهادا. من هنا فقدانها للفكرة المنظمة مع ما يترتب عليه من آثار مخربة للوعي النظري العقلي والعقلاني.

لقد تغلغلت الثقافة الشفوية في شرايين الذاكرة الحبيسة لطه حسين. وكانت تحتوي بقدر واحد على مكون وجودي (انطولوجي) وآخر ذهني (ثقافي). الأمر الذي جعل من الثقافة الشفوية أو ما يمكن دعوته بثقافة الحكاية والرواية الأسلوب الأكثر رسوخا في بنيته الذهنية. من هنا كثرة الحشو والتكرار وضعف الحصانة الرزينة في الموقف من المواقف النقدية نفسها. لاسيما وان هذه الصفة لها تقاليدها الخاصة في الثقافة المصرية على امتداد قرون، أي ثقافة التأليف، والجمع، والتصنيف، والشروح، والتعليقات، والحواشي، والحواشي على الحواشي. وهي ثقافة بلغت ذروتها في أوج مراحل الانحطاط "المستنير" في كثرة وتفشي الاهتمام المبالغ فيه والجميل لحد ما بالحكايات والروايات مثل ألف ليلة وليلة، وعنترة، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، والهلالية وغيرها.

فقد كانت ثقافة الحكاية والرواية شائعة الانتشار في أزقة القاهرة ومقاهيها منذ القرن الثامن عشر. أنها ساهمت في بلورة الخيوط الخفية للاستعداد الذهني المصري للقبول بالرواية والحكاية على أنها "علم الأوائل" مع ما فيه من هيبة ورهبة خاصة في الضمير الاجتماعي والذوق العام. ونعثر على هذه الظاهرة لحد الآن في انتشار وغلبة "الشخصيات المحاكمة" و"المنبوذة" و"المكفرة" بين الشخصيات المصرية، أي كل أولئك الذين يتلذذون بهذا المصير من اجل الحصول على شهرة لا تفعل في نهاية المطاف إلا على صنع ثقافة الرغبة العجولة بالحصول على رجولة مشهورة وفحولة مقهورة في ميدان المواجهة والعلم! مع أن اغلب الكتب التي جرت "محاكمتها" و"تصفية الحساب" مع شخصياتها لا تتعدى كونها مؤلفات صغيرة ومسطحة بمعايير العلم والمعرفة الدقيقة. لكننا نعثر فيها وفي "مصيرها" ونتائجها بقدر واحد على الصورة الفعلية لضعف وتسطيح الوعي الناقد والمنقود. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لهامشية المعرفة في كل هذا الرصيد المثير للغط والبهرجة المزيفة. ومن الممكن العثور عليه أيضا لحد الآن في النزعة السائدة في الثقافة الصارخة للوعي المسطح كما هو جلي في أغلب ما يسمى بالكتابات "العلمانية" النقدية المنتشرة بين الكتاب المصريين واتباع اليسار التقليدي، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في كتابات السيد القمني، وسابقه فرج فوده وكتابات نصر حامد أبو زيد النقدية، على خلاف كتاباته الأكاديمية المتعلقة في ميدان التراث. رغم الطابع العادي لهذه الكتابات من حيث مستوى تأسيسها النظري. وذلك لأنها تبقى في نهاية المطاف مجرد كتب مدرسية وبالتالي لا تتميز بعمق معرفي ويغلب عليها الحشو المعلوماتي أيضا.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نماذج لا حياة فيها بالمعنى الدقيق للكلمة ولا حداثة، وذلك لان حقيقتها أو مضمونها اقرب إلى أساليب الدغدغة الحية والمشاكسة لحد ما لمشاعر العوام المبهورة بكل ما هو مسطح و"غريب". وليس مصادفة أن تلاقي هذا الاستحسان المشبوب بالزعيق والتصفيق بين أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من ممثلي "اليسار" و"العلمانية"، أي أطراف وهامش المسار الفعلي للمعرفة العميقة والوعي النقدي الفعلي.

إن الرؤية النقدية لطه حسين في اغلبها نقدية بهرجة ومحكومة بتقاليد الحكاية والرواية. الأمر الذي يعطي لي إمكانية الحكم على شخصيته، باعتبارها شخصية حكواتية تقريرية خطابية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات فيها. كما انه سر بقاءها العائم على سطح الوعي العادي، واستمرار بقاءها مصدرا للرؤية الكسولة والعقول المكسورة أمام مهمة المواجهة الحية والتحدي الفعلي لإشكاليات المعرفة والحقيقة كما هي من جهة، وفي ميدان التراث من جهة أخرى، أي مواجهة إشكاليات المعاصرة بمختلف ميادينها ومستوياتها.

***

 

العدد  (543)12/03/2011                                                               

 

 

طه حسين – مثقف الاستلاب الثقافي!

ميثم الجنابي

 

إن إحدى المهمات الكبرى للفكر النقدي العربي المعاصر تقوم في اعادة تأسيس الفكرة العقلانية والنقدية من خلال نقد تراثها البائس! وبالتالي، فأن مهمة هذا المقال وما سيستتبعه من مقالات تقوم في اعادة تاسيس الرؤية النقدية تجاه التراث الفكري العربي من اجل تنقية هوائه من فساد التقليد، الذي نعثر عليه في اضمحلال وتلاشي النخب الفكرية الاجتماعية والقومية القادرة على الارتقاء الى مصاف المرجعيات النظرية والعملية. من هنا تحول المثقف الى تابع ذليل لأزلام السلطة وقادة الأحزاب المخنثين. بينما المسئولية الكبرى في التاريخ العالمي عادة ما يتحملها في بادئ الأمر رجل الفكر والثقافة. ومقابل كل تضحية تتراكم عناصر الفكرة الهائجة في الوعي والضمير التاريخي للأمم. مع ما يترتب عليه من ترتيب وإعادة إنتاج أصيلة لمنظومة الفكر بوصفها المقدمة الضرورية لتفعيل الوعي والإرادة.

وليست هذه التضحية في الواقع سوى الصيغة الإنسانية المعذبة بعذوبة الذاكرة وبقايا الذكرى العميقة للألم الذي تواجه الشخصيات الكبرى في إرساء أسس اللحظات التاريخية الكبرى. وضمن هذا السياق يمكننا القول،بان بروميثيوس لم يسرق النار بل وهبها لبشر! بينما واجه النبي محمد أصنام الجاهلية العربية بقوة الكلمة! وكلاهما فعل من اصل وجذر واحد، ألا وهو العمل بوحي المعاناة الذاتية في مواجهة كل ما يعيق المسار الطبيعي لوجود الأشياء. وينطبق هذا في الواقع على كل ما له اثر في الوجود التاريخي الفعلي للحضارات والثقافات والأمم. فالمثقف الكبير هو روح التاريخ الحقيقي.

ومن هذه المقدمة يمكنني القول، بان الثقافة الحقيقة هي التي تبدع بمنطق وعيها القومي، ومعايير تجاربها التاريخية، وصور خيالها الذاتي. ومن ثم يمكن وضع هذهالفكرة العامة في أساس أو منهج التحليل النقدي لكل ما أنتجه الفكر النظري العربي الحديث والمعاصر. وسوف اتخذ من طه حسين أو بعض جوانب إنتاجه الفكري نموذجا من اجل نقد كل ذلك الركام الذي لا تركم فيه بالنسبة للفكرة العقلية. بمعنى الكشف عما في هذا الكم الهائل من الكتب والمؤلفات والمقالات من حشو يفتقد من الناحية الفعلية لمعنى التراكم الفكري الضروري. وبالتالي الوقوف أمام ظاهرة غريبة ألا وهي وجود "فكر" بلا تراكم! والسبب يكمن في أن هذا الفكر نفسه هو نتاج تجزئة لمصادر غريبة سواء من حيث رؤيتها المنهجية أو من حيث صورها وخيالها. إضافة الى حالة الاستلاب الهائلة في كيفية استعمال المناهج الجاهزة، أي المناهج الفكرية والفلسفية المتراكمة في تجاب الأمم الأخرى. الأمر الذي طبع اغلب ما كتب بطابع الانتقائية. ومن ثم انتشار وهيمنة التسطيح الفكري والابتذال المعرفي. وذلك لأنه استخدام لا استلهام يه، واستغلال بلا تمثل.

وقد تكون أسطورة "المعجزة اليونانية" من بين أكثرها بروزا في مواقف وآراء وتقييمات طه حسين للواقع العربي وإبداعه التاريخي. فقد تراكمت في مجرى تأمل التجربة الثقافية الأوربية الحديثة ومحاولات تأسيسها أصولها التاريخية والثقافية. وذلك لان حقيقة اليونان وتراثها الثقافي العام والخاص لا علاقة له بأوربا الجغرافية والتاريخية. إلا أن ذلك لم يحل دون صعود أسطورة المعجزة اليونانية بوصفها معجزة أوربية أولا وقبل كل شيء، وقد يكون كتاب برتراند رسل (حكمة الغرب) نموذجا لهذا الموقف والرؤية من خلال محاولاته جعل فكرة الحكمة الأوربية والفلسفة اليونانية شيئا واحدا. ولاحقا سترتقي هذه الفكرة الى مصاف خرافة الجوهر اليوناني الكلي، كما قال بها الألماني زيلر في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية)، وارنست رينان في كتابه (تاريخ الأديان). وسوف يدفعها آخرون مثل غومبيرس في كتابه (مفكرو اليونان) الى أبعادها القصوى عندما ردد عبارة هنري سومر القائل: "باستثناء قوى الطبيعة العمياء، لا يوجد شيء يتحرك في هذا الكون إلا وهو إغريقي الأصل!". بينما يستكملها آخر وهو غلبرت موراي بعبارة :"لا يوجد شيئا تحت الشمس إلا وهو من اصل يوناني!".

وبالمقابل يجري التأسيس لفكرة الشرق "خرافي" و"غير عقلي" و"صوفي" وغير منطقي" و"روحاني" و"ديني" فقط وما شابه ذلك. بعبارة أخرى، يجري تصنيع ثنائية خلافية عدائية بمعايير المنطق والعقل والعلم! وهذا أسخف ما يمكن تصوره بمعايير المنطق والعقل والعلم!

أما من الناحية الفعلية فقد كان لهذه الأسطورة والخرافة مذاقها الخاص في مجرى الصيرورة التاريخية الثقافية لأوربا القرن التاسع عشر والعشرين. أما تحويلها الى مبدأ وغاية الرؤية المنهجية في الموقف من التراث العربي وإشكالاته الحديثة، فليس إلا الصيغة الأكثر فجاجة للاستلاب الثقافي والمعرفي على السواء. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تمازجها وتداخلها وتأثرها بنفسية وذهنية الإثارة المميزة للاندهاش المسطح عند طه حسين، فمن الممكن معرفة أثرها المدهش للتسطيح المعرفي! والقضية هنا ليست فقط في كون طه حسين لم يفهم خصوصية الثقافة الإغريقية ضمن محيطها الخاص، وضمن معاناة التراث العربي الإسلامي، بل وفي إفراطه المتبجح والجازم في الأحكام والتقييم. بحيث أدى ذلك في نهاية المطاف الى تخبط لا يخلو من تخريب باطني كبير في الموقف من "مستقبل الثقافة" العربية كما هو جلي في رؤيته التي وضعها في "مستقبل الثقافة في مصر". إذ لم يكن هذا "المشروع" في الواقع أكثر من لقطات ولحظات متناقضة. وفي أفضل الأحوال لا يتعدى كونه حكايات تقريرية لا غير!

 

 

فالخطوة الأولية والضرورية لأية ثقافة حية تفترض تذليل نفسية وذهنية الصنمية فيها. وللصنمية أشكال ومستويات متعددة ومتنوعة. ومن بين أكثرها غرابة أن تتحول شخصيات ثقافية مغتربة ومسطحة لحد ما الى "مرجعيات" الفكرة الثقافية. وقد يكون أكثرها إثارة بهذا الصدد، تلك الشخصيات التي تتماهى صورتها في الوعي العادي والسائد مع النماذج العليا للوعي التنويري، كما ترتقي أيضا في تاريخ الثقافة الأكاديمية الى مصاف المرجعيات النظرية الراقية للمنهج العقلاني والنقدي. ومن هذه الحصيلة عادة ما يجري إعادة تسطيح الوعي الثقافي وحقنه بجرعات التقليد الفج للأكاديمية الزائفة. وتمتلئ الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة بهذا النمط المغري للوعي التائه في دهاليز التقليد الذي زرعته بقدر واحد تيارات الراديكالية الثقافية والسياسية المغتربة والسلطات الهامشية الرخوية.

تكمن المقدمة الخفية لهذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في غرابة الحالة، على الأقل من الناحية الشكلية، التي تجعل من المثقف محلا للاستلاب الثقافي. عندها يبرز السؤال المنطقي الضروري القائل، وهل يمكن للثقافة أن تكون مستلبة؟ أما الجواب الواقعي والعلمي عليه فيفترض النزول من علياء الفكرة المجردة والمنطقية الخالصة الى ميدان الواقع من اجل اختبار حقيقتها. فالحقيقة ملموسة على الدوام! والواقع يشير الى إمكانية استلاب الثقافة والمثقف. لكن المنطق المجرد، وهو الأدق والأعمق، يقول، بان الثقافة المستلبة والمثقف المستلب هما وجهان للزيف والتقليد، أي لانعدام الثقافة الأصيلة. وذلك لان الزيف والتقليد صنوان! وليس مصادفة فيما يبدو أن يتكلم الفارابي قبل قرون عديدة عن فيلسوف مزيف وآخر مقلد وثالث أصيل، كما صنفت الرؤية الشعرية العربية القديمة الشعراء الى شاعر وشويعر وشعرور!

وفيما لو أجملنا بصورة منطقية مجردة الحالة العامة للمثقف العربي "الحديث"، فان أغلبيتهم المطلقة تتراوح بين المزيف والمقلد. وليس مصادفة فيما يبدو أن يتحول طه حسين وسلامة موسى وأمثالهما الى "مرجعيات" للثقافة العقلانية والتنويرية والنقدية، رغم سطحية ما فيهما. طبعا إن طه حسين أرقى وأنقى وأوسع وأعمق من سلامة موسى، لكنه مع ذلك لا يتعدى من وجهة نظر الحقيقة مستوى التقليد والاستلاب "الأكاديمي". وذلك لان إنتاجه الشخصي لا يتعدى في الواقع أكثر من جزيئات متناثرة في "ثقافة" تفتقد للحدود والمنظومة. الأمر الذي يفسر سر انتشاره الكبير وأثره الباقي في الثقافة العربية المعاصرة. وسبب ذلك يقوم في أن الفكر العربي الحديث والمعاصر يفتقد الى معنى وحقيقة المنظومة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مجمل الحياة العربية في مجال الدولة والمجتمع والعلم.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين الثقافية وحصوله على لقب "عميد الأدب العربي" بينما كان يجسد من حيث المنهج والأسلوب نموذجا كلاسيكيا للاغتراب الثقافي. طبعا، أن إطلاق الألقاب والنعوت في الثقافة المصرية الحديثة ظاهرة مثيرة للتشاؤم والسخرية بقدر واحد. بمعنى أنها تتميز بقدر هائل من الاستخفاف بالكلمة والمعنى. بحيث استسهلت توظيف كل كلمات القاموس العربي فيما يتعلق بالتضخيم والتبجيل لا لشيء إلا للتمتع بنحت ما يمكنه إن يكون أكثر فخامة وضخامة! من هنا انتشار كلمات العبقري والعظيم والجليل والكبير ويتيم دهره وما شابه ذلك على كل ما هب ودب في ميدان الكتابة. وتحولت الكتابة إلى مصدر الكاتب. وكانت هذه تكفي بحد ذاتها لكي تلصق بها كل ما تجود به النفس من ألقاب وإطناب. وهذه بمجموعها كانت أيضا موضوعا للتفاخر والاعتزاز والحذلقة "الأدبية". من هنا عبارات أمير الشعراء وسيد الأدباء وعبقري العباقرة وعظيم العظماء. وبما أن عدد الكتاب في ازدياد من هنا استغلال كل ما لم يستغل بعد. وضمن هذا السياق فيما يبدو جرى نحت لقب "عميد الأدب العربي". وليس المعروف مما إذا كان هذا النحت مأخوذا من العمدة أو العمادة أو العامود. وهذه أمور في الأغلب ليست بذي أهمية مازال وقع النعوت والأوصاف كاف بحد ذاته من حيث غرابته وأصالته أو استطرافه واستظرافه للسمع والأذواق!

ليست مهمة هذا المقال كسر أصنام النحت المفتعل في الألقاب والنعوت، بقدر ما تهدف إلى كسر أصنام الفكرة المزيفة بحد ذاتها. مع إن ذلك لا ينفي القيمة التاريخية والأدبية لطه حسين وموقعه الخاص في تاريخ الفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي منه بشكل خاص.

إن سبب الخلل الذي يجري الحديث عنه هنا يقوم أساسا في ضعف بل انعدام تقاليد التقييم الذاتية وأحكامها المناسبةفي الفكر العربي الحديث. وهذا بدورهنتاج ضعف بل انعدام مدارسه الفكرية والعلمية الخاصة. وفيما لو أردنا إجمال طبيعة وخصوصية الضعف المشار إليه أعلاه وتطبيقه على شخصية طه حسين، فان سببه يقوم في هيمنة نفسية وذهنية الاغتراب الثقافي التي لازمت صيرورة نموه المعلوماتي. فقد كان طه حسين شخصية معلوماتية وليست معرفية. من هنا سعة انتشارها في العالم العربي الحديث والمعاصر، شأن كل هذا الكم الهائل والمشوه لما يسمى بالفكر التقدمي واليساري والثوري، الذي يجمع في ذاته دعوات بلا حدود ذاتية. فالتقدم مجرد مسار لا إلى غاية، واليسار عسر، والثورية عفوية مدوية، أي كل ما لم يرتبط ويتحدد بتلقائية المواجهة العقلانية والإنسانية الحقيقية لإشكاليات الوجود الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والأمة، أي لإشكاليات الحاضر والمستقبل بوصفها إشكاليات التاريخ الذاتي.

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للتدليل على الفرضية الموضوعة في أساس هذا المقال (وما يتبعه من مقالات أخرى).

نعثر في هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) على نموذج كلاسيكي للتأثر المستلب وغير النقدي في الموقف من التراث. إذ لا تتعدى هذه الرؤية "النقدية" في الواقع أكثر من كونها استلابا معرفيا وثقافيا لمستوى الاستعراب والاستشراق الأوربي آنذاك. فقد كان هذا المستوى في اغلب مكوناته المنهجية محكوما بالتجارب الأوربية في ميدان المعرفة النظرية والعملية. ونعثر على ذلك في الحكم، وليس الفرضية، التي ينطلق منه طه حسين في موقفه من البيان العربي. فهو ينطلق مما يدعو بالأثر الهيليني الهائل في الأدب العربي ومن ثم تكوين البيان العربي من خلال المعتزلة (وتأثرهم بالفلسفة)[1]. وأن هذا الأثر (في الأدب العربي) يبرز بوضوح في الأعاجم أو من ذوي أصول أعجمية(!!) (وتأثرهم باليونانية) مثل أبو تمام (كان من أصول نصرانية!) وغيّر اسمه واعتنق الإسلام وانتسب إلى قبيلة طي[2]. وحاول التدليل على ذلك فيما اسماه باختلاف أبي تمام الواضح ليس في استعمال التشبيه والمجاز فحسب، بل وفي تصوره للشعر نفسه، وأهمية المعنى، ووحدة القصيدة، والاهتمام بالطبيعة، والميل للمعاني الفلسفية"[3]. وحالما تناول قضية البيان العربي، فانه نظر إليه من زاوية "معرفتهم" أو "جهلهم" بالتراث اليوناني (الأرسطي) وكثرة أو قلة استعمالهم للأمثلة اليونانية (التي جمعها أرسطو)(!). بل ونراه يتعدى ذلك الى تفعيل الدونية المبطنة من خلال التوكيد على أن قلة استعمال الأدباء العرب لأمثلة كتاب الخطابة لأرسطو متأتي من كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة(!)[4]. واختتم هذه الأحكام بموقف يقول، أن علماء البيان العربي لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها، ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني[5].

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للخل المنهجي في رؤية التراث والتاريخ الثقافي القومي. فاليوناني المعاصر، بل واليوناني على امتداد آلاف السنين بعد اندثار المركزية الدولتية اليونانية، لم ينتج خطباء وأدباء كبار، مع انه يعرف تراثه اليوناني ويفهم الأنواع الخطابية اليونانية وغيرها. تماما كما أن العارف الكبير باللغة لا يمكنه أن يكون خطيبا أو شاعرا، ولا العارف بتاريخ الفلسفة فيلسوفا بالضرورة. إن قضية البيان، بما في ذلك من الناحية النظرية والفلسفية، هي أولا وقبل كل شيء مظهر وأسلوب من مظاهر وأساليب الحالة الثقافية. من هنا سخف الفكرة التي توصل إليها طه حسين في بحثه عن اثر الهيلينية في صيرورة وإبداع كل كاتب وأديب أو شاعر كبير في الثقافة العربية الإسلامية. إذ ليس هذا الموقف في الواقع سوى النتاج الملازم للرؤية المستلبة لمثقف مصر آنذاك وانبهاره "العقلي" الصغير بالتطور الأوربي المتزامن من صعود "الموجة الإغريقية" في فهم النفس والتراث والحاضر والمستقبل. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا نرى الآن ولا نسمع من يتكلم عن ذلك بفعل اندثار الموجة اليونانية. وينطبق هذا على الشعر التمثيلي والملحمي بل والمسرح وما الى ذلك. بعبارة أخرى، ليس البحث في أبي تمام عن هيلينية (نصرانية) وفي عبد الحميد الكاتب وقبله ابن المقفع عن أصول فارسية (ومجوسية محتملة!) واحمد بن يوسف عن أصول قبطية (ونصرانية محتملة) سوى الصيغة "النقدية" المزيفة لولع الإثارة، وبالتالي الوجه الآخر لسخف أحكام الرؤية التقليدية المتشددة في بعض التيارات السلفية (الإسلامية القديمة) التي حاولت اتهام كل الشخصيات الحرة والنقدية باتهامات مثيلة، أي البحث عن أصول غير إسلامية أو غير عربية فيها! فالجامع بين هذه المواقف "النقدية" المتضادة هو وحدتها في خلل الرؤية المنهجية من حيث الجوهر، ونوعية العقائد من حيث العرض.

من هنا فان النقد الموجه هنا ضد آراء ومواقف وأحكام طه حسين سوف لن يتناول تحليل مضامينها، وذلك لأنها مجرد دعاوي جزئية ومفتعلة. وبالتالي فان تحليلها النقدي يفترض السير معها وموازاتها في الدحض والنفي على كل عبارة وتقييم وموقف وحكم من اجل الكشف أيضا عن ضعفها المعرفي. ولا طائل من وراء ذلك، لأنه في الأغلب مضيعة للوقت والجهد ولا يحتوي على أية قيمة منهجية. انه يحتوي دون شك على قيمة علمية، لكن قيمة العلم الضرورية بالنسبة لتأسيس المعرفة الحقيقة والثقافة الحية تفترض توجيه الرؤية صوب تأسيس الرؤية العلمية كما هي. والاهم من ذلك تأسيس الرؤية المنهجية السليمة.

لهذا سوف أركز هنا على البعد المنهجي فقط. لاسيما وانه جوهر القضية. وفيه تكمن أسباب الخلل في الرؤية "النقدية" لطه حسين بهذا الصد. فالأصول الشخصية والعائلية والعقائدية للمبدعين في كل مجال واختصاص عوامل مهمة، لكنها جزئية وعارضة، أو في أفضل الأحوال أنها مكون طبيعي من مكونات الوجود الطبيعي. بينما الإبداع هو ذروة الوجود "الاصطناعي" التاريخي لمنظومات الوجود الإنساني في مختلف ميادينه ومستوياته. وإذا كان أبو تمام نصراني الأصل قد اعتنق الإسلام، فانه أولا وقبل كل عربي المنشأ والثقافة. والفرق بينهما جوهري، هو الفرق بين الأصل والفرع، الجوهر والمظاهر، المكون الثقافي الفعلي وتأثير العقائد. إضافة الى أن الانتماء الطوعي (لأبي تمام الى عقيدة أخرى) يعكس أولا وقبل كل شيء إدراك أفضلية من يجري الانتماء إليه. ثم ما علاقة النصرانية باليونانية هنا. فالنصراني المتعرب (في حال كونه ليس من أصول عربية) هو عربي بفعل الطابع الثقافي للقومية العربية. فالقومية العربية ثقافية من حيث المنشأ وليست عرقية. إضافة لذلك أن النصرانية (كدين في عالم الخلافة آنذاك) لم تصنع ثقافة عقلية أو فلسفية. كما أن نصرانية تلك المرحلة (على النطاق الأوربي، أي جغرافية انتشارها آنذاك) كانت في عداء تام وغريزي للتراث اليوناني العقلي وجاهلة بما فيه وله. بعبارة أخرى، أن الحقيقة البسيطة والمباشرة والجلية واليقينية أيضا تقول، بان التأسيس الأدبي واللغوي والمعنوي (للأدباء والشعراء الذين ينتقيهم طه حسين)  قد جرى بفعل العربية وتراثها وإشكالاتها وصراعها، أي أن ما جرى هو جزء من اثر الصيرورة التاريخية للثقافة العربية الإسلامية. وكل ما عداه هو مجرد أجزاء ومكونات وعناصر يمتلك كل منها قدرا من الضرورة بما في ذلك أشدها غرابة وطرافة وصدفة.

إن الحصيلة التي يمكن الوصول إليها بهذا الصدد تقوم في أن آراء ومواقف وأحكام وتقييمات طه حسين ليست في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الوجه الآخر للاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي الذي ميز ما يسمى بنزعته النقدية. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد يكون من الأدق القول، بأنها ومضات ومواقف اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك.

فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيها على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله النهم للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص، مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه تكشف عن ضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص (وليس اليوناني فقط).

***

 

 

 

 



[1]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص8-9.

[2]في الواقع أن شعراء الجاهلية كانوا كثر فلسفية من أبي تمام.

[3]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص9.

[4]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص12.

[5]طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

 

 

 

      العدد  (543)12/03/2011

 

 

الثورة العربية الكبرى - زمن السلطة وتاريخ الدولة والأمة

ميثم الجنابي

فيما لو جاز اختصار كل المعنى القائم وراء المعاناة الكبرى للأحداث التاريخية الهائلة التي يصنعها العالم العربي الآن، فأنها تقوم في مهمة تحويل زمن السلطة الى تاريخ الدولة والأمة. مع ما يترتب عليه من إعادة تأسيس كبرى لكل مكوناتهما الجوهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الثورة التاريخية الكبرى مشروع المستقبل. ومن هنا أثرها الهائل بالنسبة لصيرورة الكينونة العربية الحديثة والمستقبلية. 

فقد كشفت أحداث المواجهات الدرامية الجارية على امتداد اشهر طبيعة وقوة المخاض الصعب والمعقد في عالم تتعارض وتتصارع فيه القيم والمفاهيم والإمكانيات والنيات والغايات. لكنها تفرز مع كل ذلك قيمة ومعنى ومغزى الانقلاب التاريخي العربي بوصفه صفحة جديدة كبرى في التاريخ العالمي الحديث. وكل ما فيها من حروف وعبارات مازالت في قيد المجهول بوصفها جزء من الاحتمال غير المتناهي للخيال القومي المبدع، أي خيال الفعل الاجتماعي والرؤية الاجتماعية والبدائل الاجتماعية الكبرى. من هنا صعود أولوية المكونات الديناميكية لمغامرة الزمن والتاريخ.

فالمرء لا يجد صعوبة في القول بان الزمن هو أسلوب وجود الأشياء والذاكرة والأحداث. أو أن يرفعه إلى مصاف الصيغة المجردة عن دوران الأرض والشمس وظهور القمر واختفاءه وتتالي الأيام والشهور والسنين، أو يختصره إلى مجرد وجدان عابر، أو يضيف له سرعة الضوء لكي يذلل مفارقة القدم والحدث ويجعلها معقولة بمقاييس الحساب والرياضيات. وتعكس هذه المحاولات التنوع الهائل في الموقف من الزمن، انطلاقا من تحسس الجميع بما فيه من قدرة غامضة هي محتوى القلق والاندهاش العميق الذي يثيره من خلال معضلات الفكر "الخالدة" وأسئلته المحيرة.

غير أن للزمن بعدا سياسيا مهما هو "زماننا نحن". وليس مصادفة أننا عادة ما نربط الأمور الكبرى، الرمزية منها والواقعية، بزمن يشكل بالنسبة للوعي الاجتماعي والتاريخي نقطة انطلاق ضرورية للحساب والتقييم. فالغالبية من البشر تستصعب إدراك حقيقة الفكرة خارج الزمن، مع انه التيار الذي يخترق وجودها اليومي. وتتجسد هذه المفارقة أحيانا بما ندعوه بالزمن الجميل والزمن القبيح. أما في الحقيقة فان الجميل والقبيح ليس إلا التعبير الخاص عن أذواق الأفراد والجماعات والأمم لما تراه وتعايشه من أحداث. ومن ثم ليس الجميل والقبيح في الزمن سوى ما نفعله ونتذوقه نحن. بينما الزمن هو تيار وجودنا ومرآة تاريخنا لا غير. ففي الإنسان نراه يتمظهر في مراحل الطفولة والصبا والفتوة والرجولة والشيخوخة والكهولة، وفي الرؤية التاريخية نراه في أزمان الماضي والحاضر والمستقبل، وفي العقل نراه في مقولات الممكن والواقع، وفي الأخلاق نراه في قيم الواجب والأفضل. وهي مكونات اقرب إلى البديهة بالمظهر، لكنها اشد تعقيدا بالنسبة للفكر حالما يضعها على محك الجدل، وأكثر إثارة حالما يضعها على محك المصير، وأوسع إلهاما حالما يضعها على محك البدائل. أما القوة الوحيدة القادرة على تذليل أو توليف هذه الجوانب، فهي الحكمة. أنها الوحيدة القادرة على اختزال الزمن إلى متعة حتى في أشد مظاهره "قبحا"، كما أنها الوحيدة القادرة على ربط الأزل بالأبد في الآن الدائم، و بالتالي إعطاء المهزومين والخاسرين والمرهقين إمكانية الخلاص من يأس القنوط.

وعندما نضع هذه الفكرة في موقفنا من "الزمن القبيح" في العالم العربي المعاصر فان "نقطته الأولى" تقوم في صعود وهيمنة البنية التقليدية على مقاليد "الدولة الحديثة" واستمرارها اللاحق بصعود الراديكاليات السياسية التي جعلت من السلطة قدس الروح والجسد! ومنذ ذلك الحين أصبح تحطيم مؤسسات الدولة والمجتمع أسلوبا لترسيخ الرذيلة، التي تجسدت تاريخيا في مختلف نماذج الدكتاتوريات الفجة للأفراد والعائلات والقبائل! أي في كل تلك النماذج المتخلفة والبدائية والخبيثة للبنية التقليدية التي نرى تساقطها السريع والمريع كما لو أنها لا شيء! وفي كل هذه الحالة الدرامية المثيرة للعقل والوجدان تتضح معالم سقوطها المخزي التي تجعل منها بمعايير الرؤية السياسية "عقودا مظلمة"، وبمعايير المستقبل "مرحلة ماضية" و"حقبة بائدة" وبمعايير الثقافة "همجية خالصة" وبمعايير الجمال "قبحا تاما" وبمعايير الأخلاق "رذيلة لا مثيل لها"، وبمعايير الزمن "شر الأزمان".

وإذا كانت المرحلة المعاصرة من "الزمن العربي" تدفع إلى الأمام إشكالية السياسة والأخلاق، فلأنه بلغ الذروة التي أطلق عليها ابن المقفع يوما تسمية "شر الأزمان"، أي التي يفسد فيه الراعي والرعية، أي السلطة والمجتمع. وما يتبعه من أزمان اقل فسادا لكنها فاسدة مثل "أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس". وذلك لأنه "لا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم". أو أن يكون "صلاح الناس وفساد الوالي". وذلك لان "لولاة الناس بدأ في الخير والشر ومكانا ليس لأحد. وقد عرفنا أن ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم مصلح اقل فسادا من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد". بعبارة أخرى، إن قيمة السلطة ونموذجها العالي في السلوك هو الضمانة الأقوى بالنسبة للعدالة والحق. إذ تكشف التجارب التاريخية جميعا عن أن الأمير المفسد لحاله أكثر تخريبا من صلاح ألف رجل. وتجارب العالم العربي عموما تكشفت عن أن فساد "القائد" و"الزعيم" و"الرئيس" و"حامي الحرمين" و"الأمير" و"السلطان" لا يقومّه "صلاح" الملايين. وفي هذا تكمن شروط الوقوع فيما أطلق عليه ابن المقفع تسمية "شر الأزمان"، أي الزمن الذي "يجتمع فيه فساد الوالي والرعية". وهو الزمن الذي ساد العالم في مجرى العقود العشرة للقرن العشرين!

لقد مر العالم العربي بالأزمنة الثلاثة الفاسدة وتذوق كل مرارتها المرهقة. ذلك يعني انه لم يعش مرحلة "خيار الأزمان". مما يجعل من الحاضر والمستقبل قضية الرهان الفعلية. وبالتالي التعامل مع "خيار الأزمنة" على انه الخيار الوحيد الممكن والضروري بالنسبة للعالم العربي من اجل تجاوز ضعفه البنيوي الكبير منذ نشوء الدولة المعاصرة حتى الآن. ولا يمكن تجاوز هذا الضعف دون المرور بزمن "اجتماع الصلاح في الراعي والرعية"، أي في السلطة والمجتمع. وهو أمر نرى ملامحه القوية الآن في ذلك الاندفاع الهائل للروح الاجتماعي والوطني والقومي في تذليل زمن الفساد.

ولا يعني ذلك من الناحية السياسية سوى العمل من اجل تحويل الزمن إلى تيار التاريخ الحديث (المعاصرة والحداثة) وليس إلى مجرد الانهماك الدائم من اجل ترميم العلاقة "الطبيعية" بين السلطة والمجتمع. فالتجربة التاريخية للعالم العربي في مجرى القرن العشرين كله تجعل من الضروري الإجماع الملزم للحركات الاجتماعية والسياسية على مبادئ عملية بالنسبة لبناء مكونات تيار المعاصرة، أو معاصرة المستقبل فيه. ولعل أهمها هو الاقتصاد الديناميكي، والنظام الاجتماعي العادل، والثقافة الإنسانية الراقية، والعلم المتنور والتكنولوجيا الرفيعة، والتربية العقلانية الشاملة. فهي العناصر العملية الوحيدة القادرة على تجاوز ضعفه البنيوي. وفي وحدتها فقط يمكن بلوغ "خير الأزمنة". ولا يعني خير الأزمنة بالنسبة للعالم العربي المعاصر سوى بناء أسس التاريخ الذاتي، أي التاريخ الذي ينفي الاغتراب والافتراق الفعلي بين المجتمع والدولة، أي بين التاريخ ووعي الذات. وبهذا المعنى يمكن اعتبار "الزمن البديل" مسئولية مشتركة للسلطة والمجتمع بقدر متكافئ، بوصفه مشروع المستقبل.

إننا نعرف جيدا بان للسلطة زمن متناه، يقوم في كونها عرضة للتغير والتبدل والزوال. كما نعرف جيدا بان للزمن سلطة غير متناهية، يقوم في كونه تيار الوجود نفسه. وهي أمور بديهية من وجهة نظر المنطق، لكنها معضلة من وجهة نظر التاريخ والسياسة. من هنا فان المهمة تقوم في حل هذه المعضلة من خلال جعل السلطة والزمن تيارا واحدا في معاصرة المستقبل، أي تحويلهما الى تاريخ الدولة والأمة.

فالتجارب التاريخية للأمم بشكل عام وتجارب التاريخ السياسي العربي الحديث بشكل خاص تبرهن على أن زمن الاستبداد هو سراب وغبار. مما يعطي لنا إمكانية القول، بان معاصرة المستقبل وتحقيق مكوناتها في الدولة الشرعية والمجتمع المدني والنظام الديمقراطي الاجتماعي هي ضمانة الحل الفعلي لإشكالية السلطة والزمن. ولا يعني هذا الحل في الواقع سوى ضرورة تحويل فكرة الزمن إلى تاريخ وعي الذات الحر. حينذاك سوف لن يكون التاريخ السياسي العربي بحاجة إلى "عهد بائد" و"حقبة سالفة" و"عقود مظلمة". حينذاك نكون بحاجة إلى زمن دائم هو زمننا نحن، أي مسارنا في التاريخ الفعلي بوصفنا قوة مستقبلية.

***

 

 

 

 

 

07/03/2011 

 

 

"الثورة العربية الكبرى" الجديدة – البديل التاريخي لسابكس بيكو!

ميثم الجنابي

إن الأحداث التاريخية الكبرى تستثير بقدر واحد الذكرى والذاكرة، ومن ثم تسهم بصورة فعالة في توسيع اجتهاد الوعي الاجتماعي والوعي القومي والوعي التاريخي الذاتي. بمعنى إنها تضع الوعي الاجتماعي أمام مهمة تأمل الواقع كما هو والتعامل مع إشكالاته بوصفها إشكالاته الخاصة. مع ما يترتب عليه من رؤية للبدائل تستمد مقومتها وحلولها من الواقع كما هو. وليس مصادفة أن ترتقي كل الشعارات الاجتماعية الى مصاف الرؤية المستقبلية رغم كل التصاقها الشديد بالواقع كما هو. وذلك لان النظام السياسي السائد في العالم العربي قد حلل البنية الاجتماعية وأسسها الذاتية من خلال إرجاع كل ما في بنية الدولة الحديثة الى مجموعة كتل تقليدية لا يربطها غير غريزة البقاء والعيش بمعاييرها. بينما حقيقة الدولة الناجحة والطبيعية هي مؤسسة اجتماعية من حيث مقدماتها وأساليبها وغاياتها. من هنا جوهرية الشعار البسيط والعميق في الوقت نفسه الذي ساد وهيمن على الوعي السياسي والاجتماعي العربي المناهض للنظم السياسية الحالية والمركز بكلمة واحدة "ارحل"! كما لو أنها تريد القول، بان السلطة رموزها السياسية مجرد تفاهة لا قيمة لها ولا معنى. وأنها لا تثير غير الغثيان والاشمئزاز. وهي الذروة التي تتجسد فيها قوة الوعي الاجتماعي في الموقف من النظام السياسي.

وبما أن هذا الشعار البسيط والعميق الذي بلورته الجماهير التونسية قد تحول الى شعار شامل وعام تلقفته الجماهير المصرية والبحرينية واليمينية والليبية، فانه يدل على طبيعة الخيوط التي تربط الوعي القومي العربي. وبالتالي لا يعني هذا الشعار سوى الصيغة الظاهرية للإبداع الذاتي العربي في موقفه من النظم السياسية (أو بصورة أدق النظام السياسي) بوصفه زمنا لا قيمة له. شأن كل ما يستحق الرحيل والذهاب. إنها أرادت القول، بأنه ليس في النظم السياسية ووجودها ما يستحق الإبقاء عليه بوصفه جزء من تاريخ الأمة والدولة. وليس مصادفة أن تواجه بقوة الروح والإرادة الاجتماعية هراوة السلطة وأجهزتها القمعية البدائية والمتخلفة لكي ترميها جميعا في مزابل الهروب والسقوط، باعتبارها أشياء لا قيمة لها. والاهم من ذلك أنها برهنت برؤيتها الاجتماعية الجديدة على أن وعيها الاجتماعي هو وعي قومي من طراز رفيع لا يريد أن يبقي على أي شيء في ذاكرته يمكنه الترميز الى بقايا عهد المماليك والصعاليك! وليس هذا بدوره سوى الصيغة الأولية عن رمي كل زمن النظم السياسية في العصر الحديث للعالم العربي، بوصفها الصيغة الطارئة لزمن كطارئ. وفي هذا تكمن القوة العميقة التي تعيد توجيه الذاكرة والذكرى بالشكل الذي يستعيد بالضرورة النظر بطبيعة الخلل الأول الذي جرى عليه إرساء الدولة الحديثة، أي خلل التجزئة والتحلل والهيمنة الخارجية الذي وضعته شركة سايكس بيكو!

لقد كشفت أحداث التحدي الاجتماعي السياسي العربي عن حقيقة تقول، بأن الدولة الحقيقة ليست نتاج شركة أجنبية، بل نتاج الإبداع التاريخي التلقائي للأمم. وقد لا يفكر المحتجون الآن بصورة جدية ومباشرة عن اثر سايكس بيكو لكنهم يؤسسون لهذا الوعي على مستوى الجلد والجسد والضمير المستتر. بمعنى أنهم يجسدون المهمة المناط تحقيقها بوسائط الفكر المؤسس للرؤية القومية الكبرى. ومن الممكن رؤية تراكم عناصر هذا المقدمة في الوعي السياسي والاجتماعي العربي بوصفه وعيا تاريخيا ذاتيا يستعيد بطريقة جديدة ومستوى يناسبها مشروع "الثورة العربية الكبرى" المجهض، أي مشروع الدولة العصرية القومية الذي عانى وما يزال يعاني منه العالم العربي.

لقد مر ما يقارب القرن من الزمن على بداية "الثورة العربية الكبرى". ونقف الآن أمام استعادة لها ولكن بطريقة جديدة ومستوى نوعي آخر. وسواء جرى النظر الى هذه المقارنة بمعايير الزمن أو الرمز أو المصادفة، فإنها تشير من حيث محتواها الفعلي الى حقيقة كبرى ألا وهي: أن الأحداث الهائلة التي ترتقي الى مصاف الانقلاب التاريخي الأكبر في العصر الحديث بالنسبة للعرب تكشف عن رجوع الكينونة العربية الى مصادرها الذاتية. ومن ثم إرساء أسس الدولة والنظام السياسي باعتباره إبداعا ذاتيا. بمعنى استعادة قوة ومضمون الكمون التاريخي في "الثورة العربية الكبرى" الأولى ولكن بدون ارستقراطية (شرفاء) البنية التقليدية.

فقد أنتجت هذه البنية التقليدية عبر قبلوها باسهم المشاركة الزهيدة في شركة سايكس بيكو، نفسية وذهنية السلطة والتمسك بها بوصفها العروة الوثقى الوحيدة. وبالتالي لم يكن صعود الراديكاليات السياسية اللاحقة التي أنتجت لنا في نهاية المطاف كل هذا الكم الهائل من الخواء المادي والمعنى المتجسد في دكتاتوريات فجة بلغت ذروتها في صدام وبن علي والقذافي وبن صالح، وسطوة عائلات رخوية في جميع الملكيات والإمارات والسلطنات الحاكمة في الجزيرة والأردن والمغرب، سوى الوجه الآخر لهذا الانحراف الكبير عن منطق التطور الطبيعي للدولة والأمة. الأمر الذي جعل منهما في كلتا الحالتين شيئا واحدا، وذلك لأنهما يمتصان من جذر واحد ألا وهو جذر الاغتراب الغريزي عن الوجود التاريخي للأمة. وليس مصادفة أن تتجه جميع الراديكاليات السياسية التي حكمت الدول العربية الى نفس تقاليد السلالة المنوية (التوريث) المميزة للبنية التقليدية للعائلات الملكية والأميرية!

إلا أن بركان الاحتجاج الاجتماعي العربي الذي بدأته تونس واستكملته مصر وتسير به اليمن والبحرين وتضحي من اجله ليبيا وينتعش في العراق وسوريا والمغرب ويغلي تحت الرماد في مملكة آل سعود، يكشف عن حيوية هائلة للكينونة العربية، ترتقي من حيث رمزيتها وطاقتها الى مصاف الثورات التاريخية العالمية الكبرى. ففيها تتجلى معاني الجمال والجلال الاجتماعي والقومي في مواجهة النفس أولا وقبل كل شيء. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأنها التجسيد النموذجي للثأر التاريخي من بيوت العنكبوت التي نسجت سايكس بيكو خيوطها الهشة وتقبلتها "النخبة التقليدية" كما لو أنها قبلتها الجديدة. بل وجعلت لاحقا من حياتها اصطيادا للمجتمع والدولة والعيش على امتصاص ما فيها حتى النهاية!

فالعالم العربي الذي يحتوي على تاريخ ثقافي لا مثيل له، وجغرافية كبرى، وثروات هائلة، وبشر برهنوا من الناحية التاريخية على قدراتهم المذهلة في إرساء أسس الحضارات الإنسانية الكبرى والثقافات الكونية، قد أدت به عناكب "الزمن السيئ" الى أن يكون مومياء محنطة في شباك الخيوط الناعمة والمصقولة بأثر الرشوة والهراوة!

غير أن الأحداث الأخيرة كشفت عن أن كل هذه الخيوط العنكبوتية ليست إلا أوهام الزمن الضائع. وحالما انتفضت تونس، فان لهيبها سرعان ما امتد الى أقاصي المغرب والمشرق والوسط والجنوب. ولم يبق إلا الشمال. ولا شمال في العالم العربي غير أوربا!  الأمر الذي يمكن تحسس وتأمل البعد الرمزي في هذه الظاهرة، أي رمز التحرر من ثقل البقايا الخربة لسايكس بيكو وبداية الثورة العربية الكبرى بوصفها ثورة ذاتية قومية خالصة. وبالتالي ثورة مؤسسة لبداية العصر الثاني للكينونة العربية، ما بعد ظهورها الأول في هيئة خلافة كبرى.

إن الثورة العربية الكبرى الحالية هي خلافة لذاتها. بمعنى أنها تسير بوحيها الذاتي بوصفه نتاجا لمعاناتها الخاصة في كيفية مواجهة وحل إشكاليات الوجود الكبرى للدولة والنظام السياسي والثقافة والمجتمع والأمة. وذلك لأنها تريد رحيل ما بقي من بقايا الماضي، أي كنس البنية الراديكالية والبنية التقليدية على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والنظام السياسي والدولة والثقافة، والاستعاضة عنها بمفاهيم وقيم الكلّ الاجتماعي والوطني والقومي والإنساني.

***

 

 

 

 

 

الثورة العربية الكبرى - توليف الروح القومي وأمل المستقبل

ميثم الجنابي

للمقارنات التاريخية إغراءها الخاص. لكنها تضع في نهاية المطاف العقل والذاكرة أمام حالة واحدة، ألا وهي تأمل الحاضر من اجل إدراك المستقبل. وليس مصادفة أن تقفز الى الذاكرة أحداث بداية القرن العشرين وظهور العالم العربي بأثر السيطرة الكولونيالية الأوربية وتقسميه الى دول ودويلات أعاقت تكامله الذاتي بوصفه كلا واحدا. مع ما ترتب عليه من تلاشي الأمل القائم في مشروع الثورة العربية الكبرى رغم زعامتها التقليدية آنذاك. إلا أن للتاريخ مكره وعقله. كلاهما من اصل وجذر واحد. كما أنهما كلاهما يؤديان الى خاتمة واحدة، ألا وهي تصحيح مساره الذاتي حالما ينحرف عن مرجعياته الذاتية. ولعل أكثر هذه المرجعيات قوة في تصحيح المسار الضروري لتاريخ الأمم يقوم في أن المشاريع الأجنبية تبقى أجنبية، أي غريبة عن مجرى الانساغ الطبيعية لحياة الأمم. مع ما يترتب عليه من اغتراب شامل من حيث البنية والتأسيس والغاية.

ويقف العالم العربي أمام هذه الحالة بعد مائة سنة من فشل "الثورة العربية الكبرى" التي جرى بلورة شخصياتها ومشاريعها بوصفها أجزاء متكاملة فقط في الخطط الإستراتيجية للغزو الأوربي للعالم العربي. الأمر الذي جعل من تاريخ العالم العربي على امتداد القرن العشرين جزء عرضيا وإضافيا للتاريخ الأوربي. أما الانتفاضات والتمرد والعصيان والثورات والانقلابات العسكرية فقد كانت بمجموعها ردة أفعال جزئية بسبب ضعف مكوناتها الاجتماعية وهيمنة النخب التقليدية واغترابها الروحي بسبب خوائها الفكري وتقليديتها الأيديولوجية. وينطبق هذا بقدر واحد على جميع الاتجاهات والأحزاب والتيارات. إلا أن كل ذلك كان بدوره جزء من مكر التاريخ الذي أغرى "الغرب" من جديد بتجديد "مهمته الحضارية" الجديدة لإرساء أسس "النظام الديمقراطي" كما جرى في الغزو الأمريكي للعراق.

غير أن لمكر التاريخ حدوده التي تضع الأمم أما أمام الرقص كالأغبياء والقرود (كما طالب القذافي وهو في قاع الحضيض، الشعب الليبي للغناء والرقص!!) وأما أمام مهمة التعقل والتفكر بجدوى ومعنى وجودها، أي أمام مفترق الحياة أو الموت. وقد اختار العرب الثانية لا الأولى. وبهذا المعنى أرادوا كسر إرادة الإرادة المكسورة وصهرها من جديد عبر توليف الروح القومي الحي وأمل المستقبل. وتجلى ذلك بوحدة الإرادة والهموم الكبرى الساعية لإنهاء زمن الهراء والخراء، والعيش بمعايير الحياة الحرة ومتطلبات الديناميكية الحية للوجود الإنساني المعاصر. وليست "موجة الثورات" الحالية سوى الذروة الأولية لإنهاء سريان الزمن الراديكالي والتقليدي وإحلال فكرة التاريخ الاجتماعي والقومي، كما هو جلي في الشعارات الكبرى الداعية لإسقاط الأنظمة السياسية الحالية وتناغم القوى الاجتماعية العربية في حلقات تونسية ومصرية وبحرينية ويمنية وليبية وعراقية وجزائرية (والحبل كما يقال على الجرار) تشكل في كلها سلسلة الكل العربي القومي الجديد.

بعبارة أخرى، أن ما يجري هو ترتيب وتوحيد الكلّ العربي على مستوى الهموم والمواقف والوسائل والغايات. وبالتالي ليست "موجة الثورات" سوى الوجه الظاهري لطبيعة التحول الهائل في بنية الوعي الذاتي الاجتماعي والسياسي والقومي. أنها موجة الحلقات التي تشير الى إعادة لضم سلسلة الكينونة العربية وحقيقتها الجوهرية القائلة، بان العالم العربي كل واحد من حيث همومه الكبرى. وهي الحقيقة التي وجدت تعبيرها الجلي والمتجانس في وحدة الأساليب والشعارات والمواقف والغايات. وليس هذا بدوره سوى العناصر المكونة لوحدة المستقبل. وفي هذا يكمن المضمون الحقيقي لهذه الثورة الكبرى وليس في مظاهرها الخارجية، أي مظاهر جريانها. فهذه ليست إلا جداول وروافد البحر العربي. مما يعطي لها طابعا فريدا في التاريخ الحديث ألا وهو أنها تمثل نهاية عصر التمرد والعصيان والثورات العادية وبداية عصر الانقلاب التاريخي الكبير، أي بداية نهاية الثورات التقليدية.

إن حقيقة هذا الانقلاب التاريخي الكبير تقوم في كونه وحدة اجتماعية ووطنية وقومية محكومة بفكرة المستقبل. وليس المقصود بالمستقبل هنا الزمن القادم، بل نوعية وكيفية إرساء أسس ذاتية للتاريخ الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والقومية والأمة والنظام السياسي وتجاربه العقلانية المحتملة والدولة الشرعية والثقافة المبدعة.

إننا نقف أمام إبداع الخيال القومي الجديد. ففي المغرب نرى ملامحها التأسيسية الأولية الكبرى في تونس، واستكمالها البطولي في ليبيا، وتراكمها في الجزائر والمغرب وموريتانيا (و الأمل في تغيير اسمها بالشكل الذي يستقيم مع حقيقتها بوصفها منطقة عربية). وفي المشرق نرى ملامحها الهائجة في العراق والأردن وكمونها في سوريا ولبنان وفلسطين. وما بينهما تأطرت فكرة الثورة الكبرى في مصر. أما في الجزيرة العربية فإنها تتراكم من خلال إرجاعها الى أصولها، أي تحريرها من سلطة العائلة وهيمنة القبيلة. بمعنى السير في خطى الثورة العربية الكبرى ولكن بدون شرفاء ونبلاء وارستقراطية قديمة وعتيقة ومحنطة بإرث تقليدي ميت.

وما عدا ذلك، أي البقية الباقية من الأشكال والمستويات المحتملة لتوسيع مدى الثورة العربية الكبرى، فإنها جزء من ثورة المستقبل. ومن الممكن وضع ذلك بمختلف العبارات مثل الرد التاريخي أو الثأر التاريخي أو أيما عبارة أخرى مستعدة للتعبير عن طبيعة الحدث التاريخي. لكنها جميعا تشير بمستوى البيان والعقل والحدس الى أن ما يجري هو رد قومي جديد، أي بمعايير المعاصرة والمستقبل على واقع التجزئة والاحتراب الداخلي. ومن ثم إرساء أسس التكامل الذاتي على النطاق الوطني بوصفه طريق التكامل العربي الفعلي. وفي هذا تكمن مصادر القوة الفعلية لصعود الكينونة العربية الجديدة. وفيه أيضا يتراكم الرد التاريخي على زمن سايكس بيكو، باعتباره زمن التجزئة والتحلل والهيمنة الأجنبية وضعف أو اضمحلال البدائل الذاتية.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بان مجريات الحديث التاريخي الحالي في العالم العربي هو مؤشر على بلوغ الوعي الاجتماعي والسياسي فكرة البدائل الكبرى. وبما أن البدائل الكبرى هي قومية بالضرورة، من هنا احتوائها على مختلف أشكال ومظاهر الفكرة العامة، مع ما يترتب عليه بالضرورة من إدراج تأسيسي لها ضمن السياق التاريخي بوصفه مستقبلا. بمعنى ارتقاء مضمون الفكرة القومية الى مصاف الفكرة الاجتماعية. ولعل الوصف الرمزي لها كما تجسد في مصر يقوم في أن الثورة العربية الكبرى الأخيرة هي الأخيرة أيضا بمعايير البدائل. أي أنها تؤسس للمسار التاريخي المستقبلي بوصفها احتمالا وحيد. وما وراءه يتوسع أفق الاحتمال بوصفه تجارب عقلانية. تماما كما أن المعنى الروحي في أهرامات مصر يكمن في كونها تمثل وتتمثل أهرام الإرادة والتحدي والصبر من اجل بلوغ المرام. وما عدا ذلك ليس إلا أهرام الجسد. وهذا عرضة للهرم. فالباقي هو أهرام الروح، أما أهرام الجسد فهو حجارة لا غير!

إن هذه الصيغة الرمزية تعيد وضع المعادلة الجوهرية للوجود الإنساني العربي، أي معادلة الزمن والتاريخ بوصفها إشكالية الحاضر والمستقبل. فعندما يسود زمن السلطة، فان الأهرامات تتحول الى تجارة وسياحة عابرة، تماما كما يمكن أن تتحول مكة الى قبلة الزيارة الفجة، أي بلا روح ولا إدارة ذات علاقة بحياة الأمم التي تقّبل حجارتها! وعندما يسود التاريخ عندها تتحول أهرامات مصر الى كيان يتطابق مع الفكرة القائلة، بان من صنعها وحمل حجارتها على أكتافه قادر على نفض الزمن وسلطتها المتهرئة، ومن جعل من البيت الحرام قبلة الروح فانه قادر على جعل السياحة إليها سياحة الروح والجسد. وفي كلتا الحالتين نقف أمام بقايا وآثار واحتمال "المعجزة" التاريخية بوصفها مشروعا مستقبليا. فقد ظلت أهرامات مصر الوحيدة الشاهدة على "عجائب الدنيا السبع"، تماما كما بقيت مكة الوحيدة الشاهدة على "معجزة" التحدي والصبر في إرساء أسس البدائل الكبرى. ومن ثم تحولها الى ارض القبلة الروحية والجسدية، أي الأرض التي تشتاق إليها شفاه الروح والجسد!

ليس في هذه الصورة الرمزية ما يلزمنا بقبول ما فيها كما هي،. لكنها تلزمنا من حيث المعنى الكامن فيها بوصفها إشارة الى تحدي النفس ومواجهتها بصبر الحكمة المرّة، باعتباره أسلوب الإرادة الحية في فطم نفسها من ثدي العبودية والخنوع لأصنامها الجديدة. وليست الثورة العربية الكبرى الأخيرة سوى الصورة الأولية لهذه الحالة التي قلبت للمرة الأولى على امتداد مائة عام وقبلها قرون من الغيبوبة والظلام ميزان العلاقة الضرورية بين الزمن والتاريخ. ومن ثم وضع النفس أمام الامتحان الأعقد للمستقبل، أي العيش بمعاييره ومتطلباته. وبالتالي لا معجزة للعرب الآن سوى تذليل العجز القائم في سيطرة الزمن واضمحلال التاريخ عبر إعادة الاعتبار أولا للكينونة الاجتماعية وتفعيلها صوب تكاملها الذاتي بوصفها مشروعا مستقبليا. بمعنى العيش بمعايير الحداثة ومنافسة الأمم في صنع البدائل الكبرى. وذلك لان العالم العربي لا يمكنه الآن الافتخار بأي شيء من هذا القبيل.

فقد كان القرن العشرين بالنسبة للعالم العربي قرن الصفر. انه قرن من الزمن ولى كما لو انه لا شيء. وليس مصادفة أن يقف العرب جميعا بدون استثناء أمام مهمات بناء الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والأمة. وبغض النظر عن موجات الثورة الحالية في دهاليز المواجهة الحية لقنوات الأنظمة السياسية المظلمة، إلا أنها تنتج مع كل تحد وإصرار لإرساء أسس الوجود الاجتماعي وتفعيل الكينونة العربية، نارا ونور! إنها نار الحرية ونور التحدي! بمعنى المرور بطريق الانتقال الحقيقي من زمن السلطة الى تاريخ الأمة!

***

 

 

 

 

                                   14/02/2011                                                                 

 

 

 

المنازلة الكبرى وآفاق المستقبل العربي!

ميثم الجنابي

إن ما جرى في تونس واستكملته مصر ليس إلا الصيغة الأولية التي تكشف عن أن حقائق الوجود الكبرى تكمن في منظومات الوعي العقلي والضمير الأخلاقي، بوصفها حقائق الإرادة الحرة. وأن الإرادة الحرة هي صانعة الحق والحقيقة والمعنى. ومطاولة الخروج عليها، أي تحدي الخروج عليها من جانب أي كان، يعني كسب النفس الحرة من جديد والعيش بمعاييرها. إذ لا قيمة ولا معنى للحياة الحقيقية بغيرها.  

لقد تطاول المصريون بقواهم الفتية في مواجهة السلطة وتحديها حتى كسروا قيودها فوّلت هاربة! وبهذا يكونوا قد فتحوا الطريق أمام حرية الجميع، أي حرية الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والنظام السياسي والدولة. إنهم برهنوا على حقيقة جوهرية تقول، بان المطاولة هي الصيغة البليغة لروح التحدي العاقل، أي للإرادة الإنسانية الحرة. وإذا كانت مصادفة الأحداث تقوم في بلوغ هذه الحالة في اليوم الثامن عشر منها، فأنها تشير بدورها الى ما يمكن دعوته بموسيقى القدر الطبيعي والتاريخي.

فالثمانية عشر تتطابق بمعايير الطبيعة والتاريخ مع "سن البلوغ"، أي سن الشباب والفتوة العاقلة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية صياغة ما جرى من أحداث دامية ودرامية بمعايير البلاغة والبيان. فالأحداث الكبرى، والتحولات الكبرى، والبدائل الكبرى هي الصيغة الأجمل للروح الإنساني، ومن ثم هي مصدر الإبداع الأعمق والشامل. وبالتالي، الأكثر بيانا وبلاغة عن هوية الأمم، بغض النظر عن معاناتها من اجل بلوغ المرام. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأن مصر قد بلغت سن البلوغ في ثورتها كما لو أنها تتطابق مع روح الشباب! ولا مجاز في الأمر! فقد جرت الأحداث ونتائجها الأولية كما لو أنها تستجيب لقدر الطبيعة والتاريخ بقدر واحد! وكشفت عن أن الرمزية الطبيعية والمتسامية لسن البلوغ هي الوجه الآخر لرمز المطاولة الفتية في مصر، أي رمز قوتها المستقبلية. وبالتالي، تحسس ما جرى ويجري فيها على انه رمز المطاولة التاريخية. وليس هذا بدوره سوى الإشارة الحية الى أن ما جرى ويجري هو بديل المستقبل.

فالبدائل الكبرى كالحياة الحقيقية! أنها مطاولة وليست سياحة حديثة! أنها تبدأ بفصول الموجهة الحقيقة للنفس وتحدي خللها الذاتي لتنتهي بالعمل الفعلي من اجل تقويمها الدائم بمعايير الحق. وفي هذا المجرى المعقد والدرامي تنعكس حقيقة النفس والإرادة والآفاق. وفيما لو اختصرنا كل مكونات ومراحل هذه المطاولة الكبرى، فإننا نعثر فيها على ظاهرة جديدة، وروح جديد، وجيل جديد، وأفق جديد.

·   إنها ظاهرة جديدة من حيث محتواها وغايتها وأسلوبها في مواجهة النظام السياسي وتغييره.

·   إنها تتمثل وتصنع بقدر واحد روحا جديدا في مواجهة إشكاليات المجتمع والأمة.

·   إنها تجري وتتطور وتتكامل بعقول وأفعال جيل جديد متحرر من ثقل العقائد الحزبية المزيفة وريائها السياسي.

·   إنها ممثلة الأفق الجديد لبناء الدولة والأمة بمعايير التراث القومي الخاص والرؤية المستقبلية.

إن الحصيلة العامة لكل ذلك تكشف عن أن المطاولة الحقيقة للسلطة الفاسدة هو أسلوب صنع الإرادة الاجتماعية والوطنية الكبرى وتهذيبها. إنها تبرهن في الوقت نفسه على أن مطاولتها الاجتماعية والسياسية والوطنية الكبرى هي منازلة تاريخية قومية أيضا. وذلك لأنها تجلي معدن الحقيقة القائلة، بأن قيمة الأمم وعظمتها على قدر منازلاتها التاريخية! وما جرى ويجري في تونس ومصر هي الصيغة الأولية لهذه المنازلة، أي لاستعادة الأمة كينونتها التاريخية، ومن ثم دورتها الجديدة في ولادة جديدة.

تضع المطاولة الكبرى والمنازلة التاريخية العرب، كما جرت وتجري في تونس ومصر، أمام امتحان المستقبل وتحدياته. فمن الناحية الأولية والظاهرية كشفت عن أن العرب امة واحدة متوحدة في الهموم. وان ما جرى ويجري يشير الى أنها بدأت تستعيد قوتها التاريخية، أي وجودها الذاتي الفعلي.

فالعالم العربي من حيث مكوناته، هو ارض الروح والجسد الثقافي. فيه نشأت وتأسست مراكز الدولة. وفيه تشكلت بؤر الحضارات القديمة والروح الثقافي الكوني. ومن ثم فانه محكوم بماضيه. بمعنى أن المنازلة التاريخية الحالية ليست إلا الخطوة الأولية لما يمكن دعوته بمهمة الاستعادة الضرورية لكينونته التاريخية الثقافية، أي مهمة الرجوع الى النفس. إنها مهمة القطيعة مع الانقطاع بمختلف أشكاله ومستوياته. وليس هناك من طريق واقعي وعقلاني لذلك غير مواجهة هذا الخلل عبر مواجهة النفس أولا وقبل كل شيء..

فالذي جرى ويجري هو الذي يصنع للمرة الأولى مقدمات التاريخ الفعلي للعالم العربي. إذ يجري فيه تمثل المسار الحقيقي للطبيعة والوعي القومي الذاتي. وذلك لأنه يصنع للمرة الأولى في تاريخه الحديث مهمة بناء الإرادة القومية السليمة في الموقف من النفس والنظام السياسي والدولة والمصالح الكبرى. وبالتالي، فإننا نقف أمام منازلة التحدي الكبير لزمن المصادرة الذي لازم أسلوب وعمل النظام السياسي الاستبدادي، مع ما ترتب عليه من ترميم دائم لهشاشة الدولة وبنيتها الرخوية.

إننا نقف أمام مهمة صنع الإرادة والمستقبل عبر القطيعة التامة مع زمن السلطة، والنخبة الخائبة، والأحزاب العقائدية المتهرئة. وليس هروب زين العابدين بن علي، و"تنازل" حسني مبارك سوى الصيغة الرمزية لتلاشي الزمن العابر، شأن تلاشي حبة رمل في رمال عاتية!

إننا نقف أمام ثمانية عشر يوما هي ثمانية عشر لحظة من العمر والروح والعقل والوجدان والذاكرة والضمير. إنها اللحظات التي خطفت الزمن وجعلته تاريخا.

فقد أفرغت السلطة الاستبدادية كل شيء مما فيه وجعلته هامشيا على أطراف الوجود. مما جعل من وجودها حجرة عثرة أمام حركة الحياة نفسها. ذك يعني، أن الحياة قد بدأت! وهو جوهر المنازلة التاريخية الحالية، بوصفها مشروع المستقبل القومي الحر.

***

 

30/01/2011

 

 

 

ياسمين الغضب التاريخي

بروفيسور ميثم الجنابي

 

 

إن ما يجري في تونس ومصر واليمن والأردن وحلقاتها التالية يؤسر القلب والرؤية بالشكل الذي يجبر المنطق على الرقص أمام دقات الهتاف المدوي للجماهير في مواجهة العنف المنظم للسلطة. فالصور المباشرة عن مواجهة الشرطة للشعب المصري تكشف عن ضخامة الجهاز البوليسي القمعي. بحيث كشف عن وجود دولة داخل دولة. بوليس أضخم من الجيش! بوليس أنيق الملبس حاذق في القمع والترهيب! وما وراءه تشكيلات بوليسية عديدة هي الحلقات التي تربط في كلها حياة ووجود "منظومة" البؤس والزيف الشامل للسلطة.

إلا أن هذه الصور ليست إلا الوجه المعكوس في مرآة الواقع التي تشير الى قوة وشكيمة الشعب في مواجهة السلطة الدكتاتورية وفسادها الحزبي الشامل. ومن ثم تكشف عن تحدي المجتمع لها. وفي الحصيلة نقف أمام معادلة لا يمكن حلها إلا بالوصول الى نتيجة منطقية تامة. ولا نتيجة منطقية إلا بالحل السليم. ولا حلا سليما إلا بالقضاء التام على دكتاتورية الفساد والتحلل التي أدت بمصر الى قاع الحضيض، بعد أن كانت  على مدار قرنين من الزمن "القلب النابض" للعالم العربي.

 كشفت أحداث مصر الحالية، كما هو الحال في تونس وقبلها في العراق، بأنها الأجهزة القمعية للسلطة بلا وقود ذاتية. وإنها صدئة لا تتحرك إلا بالضرب! والسبب بسيط للغاية وهو أنها مجرد شرطة بلا شروط اجتماعية وإنسانية ووطنية. شرطة مشروطة بالدفاع عن "سيدها"، مع ما يترتب عليه من تكليبها بوفاء لا قيمة له. الأمر الذي جعل منها مجرد هراوة لسحق الروح الاجتماعي. وقد كانت تلك هي الآلية التي حاولت من خلالها الدكتاتوريات العربية تجميد أركانها على أرضية رملية سرعان ما كشفت أحداث تونس عن رخاوتها.

لقد صنع الحدث التونسي لحظة "الزمن التأسيسي"، أي بداية التاريخ الفعلي. فالأخير وثيق الارتباط بحركة المجتمع في التعبير عن نفسه والدفاع عن مصالحة الخاصة والعامة والمستقبلية. وهذا بدوره وثيق الارتباط برفض فكرة الوصاية والعناية ومصادرة الإرادة الفردية والاجتماعية والقومية الحرة. فهي اللحظة التي يتحول فيها الزمن الى تاريخ. وقد جسد "يوم الغضب" المصري هذه لحقيقة عندما حول اليوم الى لحظة تاريخية عميقة في الوعي الاجتماعي تجاه إشكاليات السلطة والدولة والمستقبل.

لقد جعل "يوم الغضب" من اليوم تاريخا، ومن الغضب فضيلة. وهي مفارقة بمعايير القيم الأخلاقية، لكنها حقيقة بمعايير الحق ولمستقبل. فالغضب حالة عمياء، لكنه حالما يكون صانعا للتاريخ، انه يتحول الى مأثرة. والتاريخ الحقيقي مأثرة. ومأثرته تقوم في كشفه عن الحقيقة القائلة، بان الجذوة المحترقة في أعماق مصر تحتوي على وقود الفكرة الاجتماعية والسياسية والوطنية والقومية. وبالتالي فان "يوم الغصب" هو استمرار واستكمال وتوسع لشهر الياسمين. لقد أعطى الشعب التونسي لرائحة تضحياته عطرا خاصا ذلل روائح العربة الخربة للدكتاتورية. ويصب الشعب المصري روافد كفاحه من اجل تذليل عربة الدكتاتورية المتهرئة لحسني مبارك في بحر الغضب الاجتماعي والوطني والقومي. وفي كلا الحالتين نقف أمام تشابه كبير. شعب يقف بالضد من دكتاتورية عائلية وحزب مضخم فارغ تابع ذليل. ومن ثم يذلل الحالة المثيرة للغثيان عن وجود حزب ذليل "يقود" الدولة والمجتمع، كما لو أنهما فاقدان للعقل والإرادة. بحيث أعطت لهذا النمط من التعامل مع الدولة والمجتمع والنظام السياسي والأفراد وهم "الانتصار" الأبدي. وأثار في الوقت نفسه هزيمة الروح الاجتماعي التي دفعت للامس القريب الكثيرين من "محترفي" الثقافة المثيرة ولع الاتهام المفرط بموت العرب وما شابه ذلك، عوضا عن مواجهة السلطة الخارجة على قانون التاريخ، باعتبارها قوة ميتة.

إن الأحداث التونسية والمصرية تكشفان عن موت الدمى المحنطة وهشاشة تصنيعها، كما أنها تشير، وهو الأهم، على أن الإرادة الاجتماعية والسياسية والوطنية والقومية العربية "اللينة" أقوى من كل القوى الخشنة لأجهزة القمع والإرهاب. ومن ثم البرهنة على أن هذه الإرادة صانعة التاريخ الفعلي.

إن العالم العربي ليس بحاجة الى معجزات! انه بحاجة الى تذليل مسار الزمن الفارغ وصنع تاريخه الذاتي. فالزمن الفارغ هو رديف السلطة الدكتاتورية. والدكتاتورية هي زمن فارغ لأنها تعيد إنتاج رخويات محنطة. وضمن هذا السياق يمكن النظر الى التجربة المصرية في صنع التاريخ الاجتماعي للدولة هو استكمال جوهري للتجربة التونسية. وكلاهما يصححان الخطأ التاريخي للتاريخ الخاطئ في العالم العربي. فقد التجربة الأولى لتدمير الدكتاتورية قد جرت في العراق. لكنها تحمل وصمة عار أيضا. أما التجربة التونسية والمصرية واليمنية والأردنية (ولاحقا السورية وغيرها) تشير الى حقيقة آخذة في الجلاء وهي أن الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي والدكتاتوريات في العالم العربي في طريقها الى لزوال التام. وهذه بدورها المقدمة الضرورية للحياة.

إن التجربة التونسية والمصرية تكشف وتبرهن على أن كل الضغوط (الخارجية والداخلية) الهائلة التي تعرض لها العالم العربي في مجرى القرن العشرين، والهادفة الى تقييده وإخماده وتذليل قواه الحية وروحه القومية قد أخذت بالانهيار. فالعالم العربي الذي واجه على امتداد قرن من الزمن الكولونيالية الأوربية واستكمالها الجديد بالأمريكية قادر على تذليلها، كما فعل قبل قرون في تذليل الهجمات الصليبية. وهنا تكمن المقدمة الضرورية للمستقبل، أي لصنع التاريخ الفعلي للعالم العربي.

فالتاريخ الفعلي هو مستقبل. وهو الأكثر تعقيدا لأنه ملزم بتذليل التحديات الكبرى في كافة الميادين وعلى كافة المستويات. وهذا بدوره يحتاج الى إرادة حرة عاقلة فاعلة حية واعية لطبيعة وحجم وأولويات التحديات وتذليلها أيا كان مصدرها وشكلها ومستواها.

إن ما يجري الآن في تونس ومصر وغيرها هو الخطوة الأولى في المسار التصحيحي للتاريخ. ومن ثم فهو نفي حقيقي للمرة الأولى لمسار "الحركات التصحيحية" المزيفة للدكتاتوريات "الثورية" وأمثالها.  وبهذا المعنى يمكن النظر الى أن ما جرى ويجري في تونس ومصر هو تصحيح للتاريخ العربي بدأ بعطور الياسمين واستمر بيوم الغضب، كما لو انه يذلل بطريقته الخاصة الخطأ العراقي في الموقف من الدكتاتورية. ويكشف في الوقت نفسه الى أن التاريخ العرابي واحد وموحد على مستوى الشعور والوعي والمصالح الكبرى. وفي حصيلته ليس هذا التصحيح المعادي والمعنوي الفعلي سوى الثأر القومي السليم والعقلاني والإنساني والحي من النفس أولا وقبل كل شيء.

لقد علمّت النكبة فيما مضى أجيال العرب على حب الوطن والقومية، وسوف يعلمه استنشاق عطور الياسمين ورؤية ايام الغضب على توحيد الوجدان والعقل من اجل تنقية النفس والإرادة، وبالتالي بلوغ الحرية الفعلية وبناء الدولة الحديثة والمجتمع المتطور. فالعالم العربي يحتوي على كل ما يؤهله لان يحتل موقعه المناسب له في العالم بوصفه وريث الحضارات الكبرى لوادي الرافدين وقرطاجة ومصر، أي لتاريخ الخلافة الكبرى. وهي بداية الطريق. والباقي هو استكمال ذلك بخلافة العرب التامة والشاملة والكاملة لأنفسهم.

***

 

 

201/01/2011

 

الانقلاب التونسي ومشروع المستقبل

 

يروفيسورميثم الجنابي 

 

 

إن الأحداث الكبرى عادة ما تغري العقل النظري بالتأمل والمقارنة، وذلك لما فيها من طاقة قابلة للتجسد بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة. إضافة الى ثقل الماضي وكمية الهزائم التي تعرضت لها الحركات الاجتماعية السياسية الكبرى في العالم العربي على امتداد قرن من الزمن، أي منذ أحداث الحرب الاستعمارية (الأوربية) الأولى عام 1914 وحتى عام 2011 في تونس.

إن الحدث التونسي الأخير قابل للانعكاس اللغوي بكلمات الثورة والانتفاضة والتمرد والعصيان والانقلاب والهبة الاجتماعية والاحتجاج المدني والهجوم الوطني العام وما شابه ذلك. لكنه من حيث مقدماته وأسلوبه وطبيعته وقواه وغايته يحتوي على كافة هذه الجوانب ويتعداها الى مدى ابعد من حيث نموذجيته الفعلية، بوصفه انقلابا سياسيا كبيرا قابلا لمختلف الإمكانات. لكنه يحتوي، حتى في حال اشد التوقعات سوداوية، على قيمة كبرى تجعل منه الحدث الأكبر للعالم العربي في بداية هذا القرن. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الحدث التونسي هو الحدث الذي يمكنه تأسيس بداية القرن العربي ، أي تاريخه الخاص بالانتقال من نظام السلطة الى نظام الدولة، ومن حكم العائلة الى حكم القوى الاجتماعية الحية، ومن حكم القبيلة والمنطقة والجهة والإقليم الى حكم النظام الاجتماعي الحقوقي، أي من مختلف نماذج البنية التقليدية الى مشروع التأسيس الذاتي للنظام السياسي الفعال والشرعية.

انه الحدث الأولى في التاريخ العربي الحديث والمعاصر الذي ارتقى من حيث أسلوبه وغايته الأولية الى مستوى الثورة الاجتماعية الكلاسيكية. وبالتالي، فانه الحدث التاريخي السياسي والاجتماعي الأول من نوعه في التاريخ العربي الحديث.

فعندما نتأمل تاريخ الانقلابات الكبرى والصغرى العديدة التي جرت في العالم العربي، بما في ذلك في تونس، فإنها لم تتعد في أفضل أشكالها، أكثر من مؤامرات متنوعة الأشكال. الأمر الذي جعلها منذ البدء أسيرة الحصار والزوال، بوصفها مغامرات قوى هامشية أو مغامرة راديكالية. وليس مصادفة أن تتحول جميعها مع مرور الزمن الى عصابات أحزاب وعوائل وبالتالي الى دكتاتوريات فجة. وبما أن هذه الظاهرة قد عمت العالم العربي ككل، فان ذلك يعني احتواءها على قدر من "الضرورة" لعل جذورها الكبرى تقوم في طبيعة الانقطاع التاريخي الذي مس العالم العربي بعد خروج اغلب مناطقه من عالم العثمانية المتهرئ.، وخضوعه المباشر وغير المباشر من جانب الكولونيالية الأوربية. من هنا تناسخ التقليدية القديمة والراديكاليات "المحدثة" بمختلف أشكالها وأيديولوجياتها في أصناف متنوعة من مسخ "الحداثة" المزيفة. وليس مصادفة أن يؤدي هذا التصنيع الغريب لهذه الحالة الغريبة، الى ما يمكن دعوته بسيادة الزمن وانتهاك التاريخ الفعلي، أي تاريخ بناء النفس بمعاييرها وتجاربها الذاتية. ومع كل انهماك عنيف في عنف السلطة لتمرير برامج الحداثة لم يحصل غير توسيع مدى الاغتراب والخراب. مما أدى في نهاية المطاف الى ظهور ما يمكن دعوته بمرحلة الخمول الاجتماعي والسياسي والقومي ومن ثم اضمحلال وتلاشي وعي الذات الاجتماعي والقومي. لهذا لم ينتج القرن العشرين في العالم العربي غير زمن الخراب (نموذج مصر والعراق وسوريا وليبيا وتونس والسودان واليمن وأمثالها). أما البلدان "الأمينة" التي حافظت على بنيتها التقليدية (الملوكية والسلطانية والأميرية)، فإنها في أمانها كانت وما تزال في الأغلب وليدة السبيكة الخربة للغش والخداع والجريمة المنظمة ضد المصالح الكبرى للوطنية والقومية. من هنا ضعفها البنيوي وهشاشتها الفعلية أمام الاستعمار القديم والجديد، كما هو جلي في المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية، وبدرجات اقل في المملكة المغربية وسلطنات وإمارات الخليج.

والحصيلة هو إننا نعثر في التاريخ العربي الحديث على انقسام جلي بهذا الصدد بين قوى نزعت صوب التحرر فسارت ضمن سياق دكتاتوريات خشنة. وقسم ظل أمينا لعبودية قديمة بعد أن جرى ترميمها بشراء أجساد الأفراد والجماعات والإبقاء عليها بوصفها ذرات سابحة في رمال الخداع الذاتي. وذلك لأنها من حيث الجوهر بهرجة وزيف، وتقليد وأعراف لا علاقة لها بالدولة الحديثة والمجتمع الحديث والمعنى الإنساني للوجود الفردي والاجتماعي.

وبغض النظر عن الخلافات بينهما، فان ما يجمعهما هو تفريخ الزمن وتوسيع مدى الخلاف والاختلاف في كل شيء. ذلك يعني إنهما يشتركان في كونهما يعيشان في القرن العشرين والحادي والعشرين فقط، أي في زمن لا تاريخ فيه. وإذا كانت زمن القرن العشرين قد توج بنهايات وهزائم شنيعة على كافة المستويات، فانه يشير من حيث الجوهر الى أن العالم العربي مازال يعيش خارج التاريخ الفعلي، أي خارج مشاركته الفعالية في إنتاج نفسه وتقويمها مع ما يترتب عليه من تصنيع للتاريخ الذاتي والعالمي.

أما القرن الحادي والعشرين، المليء بتناقضاته الخاصة، فانه أنتج لنا حالة الاحتلال الأمريكي للعراق، أي إعادة إنتاج بداية القرن العشرين والاحتلال الأوربي للعالم العربي. وكما كان الحالة في المرة الأولى من إجهاض "للثورة العربية"، فانه قام بإجهاض "الثورة العراقية" (المرة الأولى عام 1991 والثانية عام 2003). وبالتالي لم تكن الإطاحة بالدكتاتورية الصدامية جزء من تاريخ العراق، بقدر ما كانت جزء من تاريخ الولايات المتحدة وزمنا في المسار العراقي.

وضمن هذا السياق يمكن النظر الى الانقلاب التونسي الحالي، من الناحية النظرية والعملية، على انه ثأر من طراز نوعي جديد للثورة العراقية المجهضة. وليس مصادفة أن تتحول تونس الرسمية "لقبح الفاسقين" (الاسم الفعلي لزين العابدين) الى مسرح "التضامن" مع "الشهيد صدام حسين" (الى جانب ليبيا وأمثالها من السلطات الدكتاتورية الفجة). غير أن مفارقة الظاهرة تقوم في أن تعويد الناس على "التضامن" بالآلاف يعني تدريبها على التجمع والاحتجاج ورفع الأصوات والأيادي، أي كل تلك المكونات الفنية الضرورية التي تتحول الى قوة فعالية حالما يجري إشهارها وتوجيهها بالمسار الصحيح. وهو ما حدث في بداية العام الحالي، كما لو أنها بداية سنة تونسية وعربية جدية فعلا. بل يمكنني القول، بأنه الحدث الفعلي الأكبر في التاريخ العربي الحديث الذي يمكن أن يجعل منه بداية القرن العربي الذاتي.

فللأسماء والتاريخ مكرهما الخاص. فقد أراد زين العابدين بن علي الاستهزاء بتاريخ الثورة الروحية العربية والإسلامية التي جسدها زين العابدين الفعلي، كما أصدمت صدام محاولاته الانتماء الى الحسين! وفيما لو نحينا جانبا اثر التأويل المحتمل في هذه المقارنات، فان للكلمات منطقها وأثرها في التاريخ الفعلي للأمم. فرئيس الدولة ينبغي أن يكون رأسا لا ذيلا. والوزير من يوزر الناس والأحداث وييسر أعمالها وليس من يعسر نومها ويقظتها! بينما وقفنا ونقف في حال الدكتاتورية الصدامية والزينية(!) على انقلاب في الأسماء والكلمات والمعنى. غير أن النتيجة واحدة، وهي أن السير ضد حقائق الأشياء والأسماء يؤدي بالضرورة الى الهلاك.   

وإذا كان القرن العشرين قد عرف في العالم العربي أحداث اجتماعية وسياسية كبيرة مؤثرة وفعالة، فان أكثر ها ارتقاء الى مصاف النموذجية الفعلية بالنسبة للتاريخ القومي، كانت كل من حركة  التحرر التي قادها جمال عبد الناصر، وحركة المقاومة التي قادها حسن نصر الله. والخلاف بينهما هو خلاف الإمكانية والمقدمات. الأولى ظلت فردية رغم جوهريتها الاجتماعية والقومية، والثانية كانت وما تزال منظومية رغم طابعها الوطني (اللبناني). من هنا اضمحلال وتلاشي الأولى وبقاء وفاعلية الثانية. وفي حال ارتقاءها الى مصاف الدولة، بمعنى اندماجها في فكرة الدولة وقيادتها، عندها ستبرز إمكانية التأسيس الواقعي للبدائل الكبرى في العالم العربي بوصفها بدائله الخاصة.

إن النقص الجوهري في العالم العربي المعاصر يقوم في فقدانه للمعاصرة الذاتية. وبالتالي، فانه مازال مفتقدا للقوة القادرة على توحيد الأبعاد القومية الجوهرية ومنظومة البديل الاجتماعي السياسي الحر. والقيمة التاريخية الكبرى للحدث التونسي تقوم لحد الآن، أو من حيث صيغته الأولية وأسلوبه، في كونه الحدث الفريد الذي يحتوي في الواقع على كل المكونات الجوهرية لتأسيس البدائل العقلانية والإنسانية.

فهو الحدث الذي لا ينبغي أن يؤرخ له بسنوات القرن العشرين والحادي والعشرين. بل من الضروري التأريخ له بما يمكن دعوته بقرن التحولات الاجتماعية السياسية الحقيقية، أي التي جرت خارج مؤامرات الجيش والأمن والاستخبارات ومقامرات الأحزاب السياسية الضيقة. انه الحدث الذي يمكن رفعه الى مصاف الحدث التأسيسي للقرن العربي الأول في تاريخه  الحديث. وفي هذا يكمن مضمون وآمال الانقلاب التونسي بوصفه مشروع المستقبل.

***