
|
|
|
استقبالا للذكرى ال 77 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي والمؤتمر التاسع وتواصلا لذاكرة الاجيال الثورية ![]() (1)
![]() (2) ![]()
(3)
|
استقبالا للذكرى ال 77 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي والمؤتمر التاسع وتواصلا لذاكرة الاجيال الثورية
(1)
اختار الحكم الملكي المقبور ساحة المتحف الوطني العراقي موقعا لتنفيذ حكم الإعدام بالشهيد الخالد مؤسس وقائد الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد). لقد دوى صوت الشهيد فهد عالياً وهو يرتقي أعواد المشنقة: «الشيوعية أقوى من الموت، وأعلى من المشانق». وقوله قبل ذلك وهو في طريقه من السجن إلى موقع الإعدام في ساحة المتحف العراقي: «لن يموت شعب يقدم التضحيات»، وقوله أيضاً: «نحن أجسام وأفكار، فإن أفنيتم أجسامنا فلن تقضوا على أفكارنا». ونفذ حكم الإعدام برفيقي فهد الشهيدين حسين الشبيبي وزكي بسيم، الأول في باب المعظم، والثاني في الباب الشرقي.
لقد مرّ على إعدام فهد ورفيقيه ما يزيد على نصف قرن، لتجري أكبر محاولة في التاريخ بهدف إعدام ذاكرة الشعب العراقي الحديثة والحضارية على حد سواء، ولم تكن مصادفة أن يرى المحتل الأمريكي في المتحف الوطني العراقي موقعاً لتنفيذ حكم الإعدام هذه في 9 نيسان 2003.
إن إعدام فهد في ساحة المتحف العراقي للحفاظ على النظام الاستعماري وضمان الهيمنة على النفط العراقي، وإعاقة تحول العراق إلى قلعة للتحرر الوطني والعربي والعالمي، هي ذات الأسباب التي دفعت الإمبريالية الأمريكية لاحتلال العراق، لكنها لم تواجه هذه المرة فهداً لإعدامه، فكان لا بد من إعدام الذاكرة التاريخية لشعب فهد. وهكذا تم تنفيذ حكم الإعدام بالمتحف الوطني العراقي على يد الحلف غير المقدس بين المستعمر القديم بريطانيا العجوز التي كانت هي التي قد نفذ حكم الإعدام بفهد ورفيقيه في 14- 15 شباط 1949، بواسطة الحكم الملكي العميل والاستعمار الجديد ممثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية لذات الأسباب القديمة – الجديدة.
لقد كتب عن مسيرة القائد الشهيد فهد الكثير، وسيكتب عنه على تعاقب الأجيال، فقائد من طرازه لا يتكرر بسهولة، فهو بحق من طراز القادة التاريخيين، وعليه سأكتفي بالكتابة عن صفة قيادية واحدة من صفات فهد. وكذلك عن موقعه المميز على صعيد الحركة الشيوعية العربية والعالمية آنذاك، من قرار تقسيم فلسطين الاستعماري.
لقد عُرف فهد ببساطته وتواضعه وعلاقاته مع الأوساط الكادحة من العمال والفلاحين، فهو لم يكن أبداً من قادة النخبة، بل إنه حتى في كتاباته ورغم عمقها الفكري، تميزت بالوضوح وسهولة الفهم. لقد واثب فهد ومنذ وعيه المبكر على المعايشة الوثيقة المباشرة للفقراء، فتركت آثارها الواضحة في معالجاته للوضع السياسي العراقي الملموس من دون شعاراًت رنانة لا يفقه الكادح محتواها. و لعل في حادثة علاقته مع فلاح بسيط في سجن الكوت مثالاً قوياً على ذلك «يروى أنه في سجن الكوت اعتاد أن يعاشر الفلاحين الذين كان يزج بهم في السجن لأسباب واهية منشؤها جور الإقطاعيين وتقاليد المجتمع العشائري المتخلفة. وكان من بين هؤلاء واحد أعجب به فهد لخصاله الجيدة، وقد نشأت بين الاثنين مودة حقيقية، وكان من عادتهما أن يتمشيا سوية لفترات طويلة كلما سنحت لديه الفرصة. وكان فهد يحدث صاحبه بلغة بسيطة عن الحزب وسياسته، وكما هو شأن الفلاحين وحذرهم لم يكن الفلاح يسلم بما كان يطرحه فهد دائماً: الحكومة قوية يا أبو يعكوب.. سيشلعها ويبدلها» هكذا كان يجيبه.
وكي يقرب فهد الأمر من ذهن الفلاح، قال له: ألم تسمع بالمثل الشعبي الذي يقول: «كثر الطك يفك اللحيم؟» واقتاده إلى خيمة نصبها أحد السجناء. وكان من عادة السجناء الفرادى الذين لا يعثرون على محل يناسبهم، أن ينصبوا لهم خيمة في طرف ساحة السجن، يصنعها من إحدى بطانياته ويرفعها على عصا من الوسط، ويثبت أطرافها بأوتاد يغرسها قوية في الأرض. أخذه فهد إلى أحد الأوتاد وطلب منه أن يقلع الوتد بيده. هزه الفلاح عدة مرات لكنه لم يتزحزح. قال له اتركه وواصلا السير، وكان يتعمد وهو يمشي أن يركله كلما مر به، وكان الفلاح يلحظ ذلك. بعد أيام قاد صاحبه الفلاح إلى حيث الوتد، وقال له: إلا تجرب حظك مع الوتد؟ انحنى هذا عليه، وهزه يميناً وشمالاً فجاء بيده.. أرأيت هذا شأننا مع الحكم. سنظل نركز الضغط عليه في نقطة معينة، ونظل نركله حتى تنهد قواه في اللحظة المواتية. إذاك نقلعه من الأساس!! «ونذكر هنا أن هذا الفلاح وجماعته غدوا من مناصري الحزب الثابتين في أرياف الكوت بعد انتهاء محكوميتهم» عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ج1.
إن متاجرة الحركة القومية العربية بكل أجنحتها بالقضية الفلسطينية على مدى نصف قرن من الزمان، كانت محصلته ضياع فلسطين بالكامل، وكان لتكالب هذه الحركة على مختلف تسمياتها (البعثية، الناصرية، القوميون العرب..إلخ) على ثورة 14 تموز 1958 المجيدة بحجة عدم قيام الوحدة العربية الفورية وضرورة القضاء على المد الشيوعي في العراق الدور الأساسي بما آلت إليه أوضاع العراق منذ انقلاب 8 شباط 1963 الأسود حتى تسليمها العراق للاحتلال الأمريكي – البريطاني المباشر. وجرى كل ذلك تحت يافطة تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. فأين موقف الشهيد فهد من القضية الفلسطينية؟ وألم يكن موقفه هذا السبب الرئيسي الثاني لإعدامه؟ فلنطالع الوثيقة التاريخية التالية التي صيغت من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في ضوء ملاحظات فهد بشأن القضية الفلسطينية، ووزعت في رسالة داخلية إلى أعضاء الحزب في كانون الأول 1947 والتي أعلنت رفض الحزب القاطع لتقسيم فلسطين.
أولاً: إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية، ومزيفة بالنسبة إلى الجماهير اليهودية.
ثانياً: إن الهجرة اليهودية لا تحل مشكلات اليهود المقتلعين من أوروبا، بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية، واستمرارها بشكلها الحالي يهدد السكان الأصليين في حياتهم وحريتهم.
ثالثاً: إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم، يستند إلى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب.
رابعاً: إن شكل حكومة فلسطين لا يمكنه أن يتحدد إلا من قبل الشعب الفلسطيني، الذي يعيش في فلسطين فعلاً، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أية منظمة أو دولة أو مجموعة أخرى.
خامساً: إن التقسيم سيؤدي إلى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.
سادساً: إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جدياً على آمال السلام في الشرق الأوسط.
ولكل هذه الأسباب، فإن الحزب الشيوعي العراقي يرفض بشكل قاطع خطة تقسيم فلسطين. (حنا بطاطو: العراق والطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، الكتاب الثاني، ص256- 257).
إن رؤية فهد الثورية لطبيعة المشروع الإمبريالي – الصهيوني، سجلت سابقة تاريخية على صعيد استقلال القرار الوطني القومي المستقل عن المركز العالمي للحركة الشيوعية آنذاك. نعني به الاتحاد السوفييتي، ويوثق لرؤية تاريخية مبكرة لاتجاهات هذا الصراع، والذي ترى صورته الحاضرة المأساوية التي حذر منها الشهيد الخالد فهد في نهاية الأربعينيات.
لقد واصل فهد تأكيده هذا الموقف المبدئي من سجنه خصوصاً حين وردت معلومات مدسوسة تشير إلى تغير موقف الحزب هذا، في تقرير باسم (ضوء على القضية الفلسطينية) نشر في آب 1948 بطريقة غامضة. (ويذكر الذين زاملوا فهد في سجن الكوت، أنه حين تسلم التقرير طلب إلى أحد رفاقه أن يقرأه بصوت عال ليسمعه السجناء السياسيون في تنظيم الشيوعيين كما في العادة في التعامل مع أدبيات الحزب التي تصل السجن، -ولم يكن قد اطلع على محتواه بعد – ولكن ما أن بدأ القارئ بتلاوة الفقرات الأولى من التقرير حتى بادر إلى إيقافه من دون أن يخفي استياءه، ولم يقرأ التقرير بعدها. وقد أكد هذه الواقعة أيضاً الشخصية السياسية والقانونية المعروف في العراق سالم عبيد النعمان، الذي كان سجيناً مع فهد يومذاك في حديث له مع بطاطو. (عزيز سباهي، المصدر السابق).
قام الشهيد سلام عادل في حسم أمر التقرير في الكونفرنس الثاني للحزب في عام 1956 الذي زيف حقائق الوضع في فلسطين وتستر على بشاعة الصهيونية وعدوانيتها، وأساء إلى فكر الماركسية اللينينية – تقرير اللجنة المركزية إلى الكونفرنس الثاني.. خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي، ص31.
اما على الجانب الآخر، أعني به القوى القومجية العربية، فقد واصلت سياسة التشويه والدعاية الكاذبة، ورفع الشعارات الرنانة عن الوحدة والحرية والاشتراكية، لتترجمها بأبشع انقلاب دموي على ثورة 14 تموز 1958 الوطنية، ولتتوجها باغتصاب الحكم في العراق على يد بلطجي اسمه صدام حسين ليمثل خير صورة عن هذا المشروع القومجي لتحرير فلسطين، وإذا به يختم مسيرة أربعين عاماً من السياسة التدميرية تحت شعار (لا صوت يرتفع على صوت المعركة المركزية) ليلقي بالعراق قلب الأمة العربية والشرق الأوسط في فم الاحتلال الأمريكي، بعد حروب بالنيابة كلها في الاتجاه المعاكس لمعركة تحرير فلسطين.
وفي العودة إلى صفة الشهيد الخالدج فهد في الاحتكاك المباشر بالكادحين، والاستناد إلى حس الجماهير في رسم سياسة الحزب، التي واصلها وطورها الشهيد الخالد سلام عادل، فقد أوصلت الشعب العراقي إلى انتصار ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، بعد أن تحول الحزب الشيوعي العراقي إلى أكبر قوة يسارية في المنطقة، وخوض الشعب العراقي سلسلة كبيرة من المعارك الوطنية المشرفة.
غير أن استشهاد سلام عادل في انقلاب 8 شباط 1963 الأسود ورفاقه الآخرين، أدى في المحصلة إلى بروز قيادة نخبوية ارتهنت للسياسة السوفييتية، لتدخل الحزب في حلقة مفرغة من السياسة الذيلية للبرجوازية الصغيرة تحت يافطات متعددة، بدءاً بخط آب الذي دعا إلى حلّ الحزب الشيوعي والانخراط في حزب عبد السلام عارف، مروراً بأطروحة التطور اللارأسمالي والانخراط في التحالف المشؤوم مع البعث، ورفع شعار الوصول سوية مع البعث للاشتراكية لتتوج بالضربة القاضية في الارتماء في أحضان الاحتلال الأمريكي للعراق، ولتحول الحزب الشيوعي العراقي من أقوى حزب يساري في الشرق الأوسط إلى حزب بمقعدين في أول جمعية عراقية منتخبة.
بغداد المحتلة
21/2/ 2005
(2)

توجت ثورة 14 تموز 1958 المجيدة كفاح الشعب العراقي المديد من أجل التحرر من الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني. وحين انتصرت الثورة، أجبرت على الدخول في صراع مع الإمبريالية الأمريكية التي أنزلت قواتها في الأردن ولبنان من أجل الإطاحة بحكومة الثورة الفتية. وتسارعت عملية اصطفاف القوى في خضم صراع عنيف تمثل القطب الأول بتحالف الحزب الشيوعي العراقي مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وهو تحالف غير مرتب له ولم يعلن رسمياً، بل نشأ في مجرى الصراع مع قوى الردة السوداء التي تكالبت على الثورة، قوى قومية رجعية عربية وكردية مدعومة على الصعيد العربي من دولة الوحدة المصرية السورية، وعلى الصعيد العالمي من الإمبريالية الأمريكية والصين في خضم صراعهما مع الاتحاد السوفييتي.
مسيرة الأول من أيار 1959 المليونية
في الأول من أيار 1959 خرجت مظاهرة جماهيرية ضخمة، عرفت بمسيرة المليون من شعب تعداده السكاني آنذاك ثمانية ملايين، مما أرعب القوى الإمبريالية العالمية والقوى الرجعية في المنطقة والعراق، خصوصاً حين رفعت المسيرة شعار(عاش الزعيم عبد الكريم، حزب شيوعي بالحكم، مطلب عظيم). إن الشعار هذا لم يكن مفاجئاً للقوى الرجعية فحسب، بل فاجأ قيادة الحزب الشيوعي المشرفة على المسيرة أيضاً، مما استدعى الاتصال السريع بالشهيد سلام عادل قائد الحزب، الذي كان يشرف على هذا النشاط من موقع قريب هو مقر الاتحاد العام لنقابات العمال القريب من الباب الشرقي. علماً أن المسيرة كانت قد انطلقت من الباب الشرقي، فلم يرفع هذا الشعار حتى اقترابها من سينما روكسي في شارع الرشيد، حيث بدأت الجماهير بإطلاق هذا الشعار وترديده، وبعد تفكير قليل أعطى الشهيد سلام عادل موافقته على الاستمرار في رفع الشعار.
إن قرار سلام عادل التاريخي هذا سيغير مجرى تطور الأحداث بما فيها على صعيد استمرار قيادته للحزب، حيث سيتم إبعاده إلى موسكو هو ورفيقه الشهيد جمال الحيدري، وسيحل قرار سلام عادل بالموافقة على الاستمرار في رفع الشعار في المسيرة المليونية (عاش الزعيم عبد الكريم، حزب شيوعي بالحكم، مطلب عظيمي) بداية الانعطافة التاريخية في استراتيجية سلام عادل من أجل تطوير ثورة 14 تموز الوطنية، إلى ثورة وطنية ديمقراطية اعتماداً على كفاح الجماهير الشعبية. وقد كتبت الرفيقة ثمينة ناجي يوسف، زوجة ورفيقة الشهيد سلام عادل بهذا الشأن: «إن أوسع اشتراك للجماهير وخاصة العمال والفلاحين وهم الغالبية الساحقة، كان عاملاً رئيسياً في إفشال خطط الاستعمار وعملائه في إجهاض الثورة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القوى المعادية للثورة تمتلك ركائز هامة جداً داخل أجهزة السلطة وبالأخص في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والإدارية وانحياز عناصر من القوى اليمينية لأسباب مختلفة وفي ظروف متفاوتة وفي جميع المؤامرات الأربع الرئيسية إلى جانب قوى الردة، ومنهم من شغل مناصب مرموقة في السلطة كعبد السلام عارف ورفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وعشرات غيرهم». كتاب سلام عادل، سيرة مناضل، الجزء الثاني ص15.
لقد برهن انقلاب 8 شباط الأسود وقبله مؤامرة الشواف مدى أهمية أفكار الشهيد سلام عادل على أهمية مشاركة الحزب في الحكم كعامل ضروري في صيانة الاستقلال الوطني في أهمية استلام الحكم لقطع الطريق على مؤامرة القوى الرجعية ومن أجل إنقاذ الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم نفسه من التصفية، بعد أن اتخذ قرار إسقاط الحكومة الوطنية في الدوائر الاستخباراتية الأمريكية. ولعل المحادثة التلفونية الأخيرة، التي جرت أثناء مقاومة انقلاب 8 شباط الأسود بين الشهيدين الزعيم عبد الكريم قاسم وسلام عادل، تعطي معنى مؤثراً للإمكانية الواقعية في إفشال مخططات الإمبريالية والرجعية في الإطاحة بالنظام الوطني في حالة تسليح الجماهير والاعتماد عليها في التصدي للمؤامرة وفق برنامج وطني ديمقراطي. «واستمر سلام عادل بالاتصال تلفونياً بوزارة الدفاع بين فترة وأخرى، مستفسراً عن وضع الموجودين فيها، مقدماً اقتراحاته لهم. وقد ردّ عبد الكريم قاسم على أحد الاتصالات التلفونية التي أجراها سلام عادل مع وزارة الدفاع، وقال له بأننا أخطأنا مع الشيوعيين، وقدّم له الاعتذار قائلاً له إنه سيضعهم في المكان المناسب، واعداً بمعالجة الأخطاء التي ارتكبت بحق الحزب. لكن سلام عادل قطع حديثه بلباقة موضحاً له بأن الوضع حرج ويحتاج العمل السريع وعدم مناقشة الماضي، وطلب منه إذاعة بيان موجه إلى القوات المسلحة بصوته من الإذاعة السرية التي كان الحزب يعتقد بوجودها في وزارة الدفاع، يدعو فيها الجماهير إلى مقاومة الانقلاب وتسليم السلاح للجماهير». المصدر نفسه، ص339.
إن تراجع قيادة الحزب الشيوعي عن استراتيجية سلام عادل في تطوير الثورة ومن ثم اتخاذها قرار إبعاده مع رفيقه جمال الحيدري، مهد الطريق لانتصار قوى الردة، وهذا ما عبر عنه الشهيد سلام عادل في حوار مع الشهيد جمال الحيدري في خضم قيادتهما المقاومة الشعبية للانقلاب الفاشي. «قال جمال الحيدري إن الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح. فعلق سلام عادل قائلاً: كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959، وسهلت الكتلة مروره». المصدر نفسه السابق، ص337.
ومن مفارقات القدر هي بقاء جميع أعضاء الكتلة هذه أحياء، رغم التصفية الدموية لسلام عادل ورفاقه والمئات من المناضلين، لتهيمن هذه الكتلة على قيادة الحزب، فتقود الحزب من انتكاسة إلى أخرى، بدأ بمصافحتها أيادي قتلة سلام عادل وإقامة التحالف معهم، مروراً بالسياسات الانتهازية المتواصلة حتى حولت الحزب من حزب جماهيري تخرج مسيرة مليونية في عراق تعداد سكانه ثمانية ملايين إلى حزب ضعيف معزول غير قادر على خوض منافسة حقيقية في أول انتخابات ديمقراطية في عراق 25 مليون مواطن. فالنتائج الأولية للانتخابات تشير إلى عدم تخطي الحزب الحد الأدنى من الأصوات لدخول الجمعية الوطنية.
لقد سقط نظام 8 شباط الأسود، بعد أن دمر العراق، وأسقطه في قبضة المحتل الأمريكي، الذي طالما حلم وعمل من أجل هذا الهدف. إن نظام البعث الفاشي، بعد أن قتل الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، بحجة رفضه إقامة الوحدة الفورية مع مصر، فإن هذا الحزب وزعيمه العميل صدام حسين، أوصل العراق إلى الاحتلال وخطر التقسيم بعد 40 عاماً من الحكم الدموي.
بغداد المحتلة
8/2/ 2005
(3)

يقترن عيد العمال العالمي في الأول من أيار بشكل لا فكاك منه بالتظاهرة المليونية في عراق ثورة 14 تموز 1958 في أول عيد للعمال، بعد إسقاط العهد الملكي واستقلال العراق من الاستعمار البريطاني، خصوصاً وأن العام الأول من الثورة شهد انتصارات كبرى معروفة للجميع. يمكن القول بحق إن المظاهرة العمالية في الأول من أيار 1959 قد هزت العالم، ولا زال العراق يعاني من هذا الاهتزاز، ممثلاً بالاحتلال الاستعماري الجديد على يد ذات القوى الإمبريالية التي ارتعبت من المظاهرة المليونية، وبالتعاون مع ذات القوى الإقطاعية والقومية والرجعية التي حاربت ثورة 14 تموز المجيدة.
إذاً، فإنه لا يمكن على الإطلاق الفصل بين الأول من أيار ودور حزب الطبقة العاملة العراقية من جهة، ومصير العراق ككل من جهة أخرى. ولعل الاستعراض التاريخي المتواضع المقدم في هذه المساهمة لمناسبة عيد العمال العالمي 2005، يوصل إلى البرهنة على هذا الاستنتاج.
إن انتكاسة القيادة الثورية للحركة العمالية الثورية عبر إبعاد قائدها الشهيد سلام عادل ورفيقه جمال الحيدري إلى المنفى السوفييتي، ومن ثم هيمنة الكتلة الانتهازية على قيادة حزب الطبقة العاملة، كان في أساس توفير الفرصة لقوى الردة مدعومة من الإمبريالية الأمريكية، في قطع الطريق على تطور الثورة العراقية على يد الحزب الشيوعي العراقي من أجل إقامة نظام العدالة الاجتماعية.
وها نحن نشهد اليوم التحالف الأسود الاحتلالي – الطائفي – العنصري – الرجعي، يقطف ثمار تدمير العراق واحتلاله. وفي المقابل تعيش الطبقات الكادحة في أردأ حالات البؤس الإنساني، ومن جهتها، أي بقايا وتلاميذ الكتلة الانتهازية، رمت بنفسها في أحضان المشروع الإمبريالي تحت "بدعة التحرير" كعادتها بعيد العمال الخاص بها عيد "الصالونات" في مصير تراجيدي، بعد أن أدت سياستها الانتهازية المتواصلة، إلى تحويل حزب المسيرة المليونية إلى عصبة المقعدين اليتيمين.
إن العودة إلى الماضي يستهدف في الدرجة الأولى الأساسية التواصل على صعيد الذاكرة الحزبية من بين أجيال الشيوعيين المتعاقبة، والذاكرة الوطنية العراقية، والكشف عن رموز وقوى الحاضر على صعيد الصراع الطبقي والوطني وامتداداتها الوطنية، أي أصولها الطبقية، ودورها في القضاء على الحلم العمالي، بإسقاطها حلم ثورة 14 تموز المجيدة في إقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية.
كتبت الرفيقة ثمينة ناجي يوسف رفيقة وزوجة الشهيد سلام عادل، تصف التظاهرة المليونية، من موقع المساهم فيها، حيث كانت في الصفوف الأمامية للتظاهرة، كتبت: «لقد كتب الكثير عن تلك المظاهرة وملابساتها ومضاعفاتها، ونود الإشارة إلى أهم أحداثها ما لم يذكر في الكتب أو المذكرات التي نشرت إلى الآن حسب المعلومات المتوفرة. لأول مرة يرفع شعار مشاركة الحزب في الحكم في مظاهرات صاخبة أخذت تردد من الصباح إلى المساء شعار: عاش الزعيم عبد الكريم، حزب شيوعي بالحكم، مطلب عظيم.. لم تدرج قيادة الحزب، قبل المظاهرة شعار إشراك الحزب بالحكم ضمن الشعارات الأساسية للمظاهرة. وقد كان ظهوره بتلك الحدة والإلحاح مفاجأة للمسؤولين عن قيادتها أعضاء المكتب السياسي. إن عدم إدراج الشعار بين الشعارات الرئيسية التي حددها المكتب السياسي قبيل المظاهرة مباشرة طالباً من قيادة المظاهرة الالتزام بها كشعارات للحزب، يعني بالضرورة أن المطالبة بتلك الصورة، لم تكن أسلوباً من تكتيكات الحزب آنئذ في عمله لإزالة التناقض القائم بين تركيبة سلطة الثورة وقواها الأساسية» (ثمينة ناجي يوسف، سلام عادل.. سيرة مناضل، ج2، ص14).
إن الطبقة العاملة العراقية والجماهير المؤيدة لها، وبحسها الطبقي، رفعت الشعار، شعار المطالبة بحزب شيوعي في الحكم، متجاوزة بذلك تردد الكتلة الانتهازية في قيادة الحزب الشيوعي في دفع عملية الثورة الوطنية إلى ثورة وطنية ديمقراطية. تصف الرفيقة ثمينة ناجي يوسف مجرى تطور المظاهرة: «عندما انطلقت المظاهرة من الباب الشرقي لم يكن الشعار مرفوعاً، وعند بداية شارع الرشيد قرب سينما روكسي بدأت الجماهير بترديد الشعار. كنت وقتها ضمن موكب منظمة بغداد الذي يلي موكب قيادة الحزب، وفي مقدمتهم أغلب أعضاء المكتب السياسي.. كان سلام عادل في ذلك الوقت في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال القريب من باب الشرقي ولكونه بعيداً عن المكان، عندما بدئ بترديد الشعار، فقد جاءت معرفته بذلك متأخرة، ونقل إليه الخبر محمد حسين أبو العيس المكلف من قبل المكتب السياسي بمسؤولية إدارة شؤون المظاهرة وضمان مسيرتها وفقاً لتوجيهات الحزب المقررة وبضمنها الشعارات. كان قد مضى وقت طويل على رفع الشعار، وأصبح أحد الشعارات السائدة عند اقتراب المظاهرة من مقر الاتحاد وعندها صعد أبو العيس لإخبار سلام عادل وأخذ رأيه في مواصلة ترديد الشعار. بعد تفكير قليل سأله عن رأي أعضاء المكتب السياسي وهم في مقدمة المظاهرة وعن رأيه شخصياً، فأكد له موافقتهم على مجريات الأحداث، وبعدها أعطى سلام عادل موافقته على الاستمرار فيه» (المصدر السابق، ص15-16).
يقيّم الرفيق سلام عادل الوضع داخل قيادة الحزب في هذه الفترة بالتالي: «يقول سلام عادل إن أخطاء الحزب عام 1959، التي هي في جوهرها ترتكز على الفهم الخاطئ لطبيعة البرجوازية الوطنية بما في ذلك عدائها للشعب.. لقد عانى الحزب منذ ذلك التاريخ ضغطاً خارجياً هائلاً. فتحت شعار مكافحة "الفوضوية" و"الحزبية الضيقة" و"مكافحة الإجرام" التأمت تدريجياً جبهة واسعة ضد الحزب وضد القوى الديمقراطية الثابتة من مختلف فئات وعناصر الرجعيين والإقطاعيين وأعوان العهد المباد وسائر عملاء الاستعمار وحلف السنتو، ومختلف الزمر القومية اليمينية والسلطة بأجهزتها وإمكانياتها، ومختلف أحزاب البرجوازية، بما في ذلك بعض الفئات البرجوازية التي تحمل عدة شعارات ديمقراطية كالوطني الديمقراطي والبارتي.. لقد استخدمت هذه الجبهة كل ما هو معروف لديها من الأساليب الدنيئة، وكل ما استطاعت القيام به ضد الحزب والحركة الديمقراطية وضد الجماهير الشعبية المخلصة.. أساليب خبيثة وملتوية للتسلل بأفكارها وشعاراًتها وعناصرها إلى داخل الحزب نفسه بغية فلّ وحدته وتفتيته، وعلى أمل القضاء عليه، وبوجه خاص تركزت هذه الجهود على قيادة الحزب نفسها. ونكثاً للأمانة الحزبية عمل بعض الرفاق على إعطاء صورة مشوهة عن الوضع في قيادة الحزب للأحزاب الشقيقة. كما عمل بعض الرفاق في جبهة تكتلية حاولت التنصل من الأخطاء التي ساهمت هي في مسؤوليتها، بينما هولت من تلك الأخطاء وحاولت تركيزها على ما دعته بـ "الجبهة المقابلة" وحاولت بمختلف السبل اللامبدئية فرض التذبذب والاستسلامية وإجراء تغيير في تركيبة قيادة الحزب» (مطالعة عمار - سلام عادل - في 2 سبتمبر 1962).
لقد أصدر الحزب بياناً على أعتاب الردة بتاريخ 25 كانون الثاني 1962، يوضح بجلاء أفكار وتوجهات سلام عادل بعد ما يقارب الستة شهور على عودته إلى الوطن من الإبعاد على يد الكتلة الانتهازية، بيان الحزب الشيوعي العراقي 25 كانون الثاني 1963، المصدر السابق ص184.
إن التظاهرة المليونية هذه عبرت عن مدى قوة ونفوذ الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل في صفوف الشعب العراقي عامة والطبقة العاملة والفلاحين والشغيلة خاصة. إن التقديرات المتواضعة عن هذه القوة تشير إلى التالي: «وصل توزيع صحيفتهم المركزية "اتحاد الشعب" إلى 23 ألف نسخة يومياً، مع أنه لم تكن هناك في العراق صحيفة تبيع أكثر من ألفي نسخة يومياً قبل ذلك بسنة واحدة.. وتضاعفت خلاياهم كذلك مرات عديدة. واستناداً إلى شيوعي مخضرم ورفيق لفهد، فإن الحزب صار يعد في ذروة الموجة 20 ألف عضو مسجل ومرشح. وهذا ما يتفق مع تقديرات البعثيين على العموم. وتنامت المنظمات المساعدة للحزب أو الجمعيات التي كانت تتحرك في مداره بإيقاع أسرع من ذلك. وكانت "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة" تضم في 8 آذار، وباعترافها 25 ألف عضو. واستناداً إلى إحدى قياداتها فقد وصل العدد إلى 40 ألف عضو في منتصف عام 1959. وفي منتصف حزيران ادعى "اتحاد الشباب الديمقراطي العراقي" الذي رخص له في 29 آذار، قوة تصل إلى 84 ألف عضو. وقيل إن "المؤتمر الوطني للجمعيات الفلاحية" الذي عقد في يوم 16 نيسان في بغداد كان يمثل حوالي 2000 جمعية تضم أعضاء مجموعهم 250 ألفاً. وأعلن "الاتحاد العام للنقابات" في 8 تموز أنه يتحدث باسم 51 منظمة نقابية تضم 275 ألف عامل وحرفي من الأنواع كافة. إن الذين عاشوا تلك الفترة ما زالوا يتذكرون بشيء من الرهبة البحر اللامتناهي من الرجال الذين كان باستطاعة الحزب أن يجمعه خلال لحظات» (المصدر السابق استناداً إلى المصادر التالية: حنا بطاطو، الكتاب الثالث ص208، العراق "ثورة تموز في سنيها الأول" ص254، حديث مع سليم عبيد النعمان، شباط 1964، حديث أجري مع هاني الفكيكي، عضو القيادة البعثية عام 1963، حديث مع الدكتورة روز خدوري شباط 1964، تصريح زكي خيري عضو المكتب السياسي في 11 تموز 1959، اتحاد الطلاب العالمي).
إن وصول الحركة الثورية للطبقة العاملة العراقية ممثلة بالحزب الشيوعي العراقي بقيادة الشهيد الخالد سلام عادل، إلى هذه الذروة الجماهيرية، لم يكن أمامها إلا خيارين لا ثالث لهما، أولهما: التقدم إلى أمام واستلام السلطة، ومن ثم الانتقال بالثورة الوطنية العراقية إلى مرحلتها الأعلى الثورة الوطنية الديمقراطية، وثانيهما: التوقف والانكفاء والتراجع، الذي يوصل إلى الانهيار الشامل للحركة، ومن ثم العزلة عن الجماهير، وبالتالي توفير الفرصة للقوة المضادة للثورة لجر الأنفاس والانقضاض على النظام الوطني الجمهورية بقيادة الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم، وهذا ما تم بالضبط في انقلاب 8 شباط الأسود 1963.
إن تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي العسكرية ونفوذه في القوات المسلحة، وصلت هي الأخرى إلى الذروة، وحسب المعطيات التي أوردها حنا بطاطو كانت كالتالي:
«رتبة زعيم 3، رتبة عقيد 18، رتبة مقدم 27، رتبة رئيس أول 37، رتبة ملازم أول 52، رتبة ملازم ثان 64» (حنا بطاطو، الكتاب الثالث، ص210).
هذا إضافة إلى قوة المقاومة الشعبية التي وصلت إلى 25 ألف رجل في عام 1959 حسب المصدر السابق. وعشرات الآلاف من الجنود وضباط الصف الذين تنحدر غالبيتهم من أصول عمالية كادحة.
ولا بد هنا من التذكير بأن المظاهرة المليونية خرجت في وقت كان فيه تعداد الشعب العراقي لا يتجاوز الـ 8 مليون نسمة.
إن انتصار الكتلة اليمينية في قيادة الحزب الشيوعي العراقي والتي كان من أولى قراراتها إبعاد الشهيد سلام عادل إلى الاتحاد السوفييتي، مثل نقلة جوهرية في ترجيح الخيار الثاني في سياسة الحزب، خيار التراجع وانكفاء، ومن ثم كبح التحرك الجماهيري وإعاقة تطوره نحو الفعل الثوري المباشر. إن الفترة الممتدة بين أواخر آب 1961 وأواسط حزيران 1962، فترة إبعاد الشهيد سلام عادل، هي الفترة ذاتها التي شهد فيها الوضع السياسي العراقي تدهوراً نوعياً لصالح القوى المضادة للثورة.
لقد واصلت قوى الردة هذه عملها للإطاحة بثورة 14 تموز المجيدة، وبالتالي توجيه ضربة قاصمة للحركة الثورية للطبقة العاملة العراقية، وهذا ما تم في انقلاب 8 شباط الأسود 1963، الذي علق على حدوثه الشهيد سلام عادل بالقول: «قال جمال إن الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح، فعلق سلام قائلاً: كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره» (ثمينة ناجي يوسف، المصدر السابق، ص337).
إن قائد الحركة الثورية للطبقة العاملة الشهيد سلام عادل، كان قد قيّم الانقلاب قبل أيام معدودة من وقوعه في قبضة الفاشيست واستشهاده مرفوع الرأس تحت التعذيب الهمجي. هذا التعذيب الذي تواصل لاحقاً بحق الشعب العراقي على مدى العقود الأربعة اللاحقة، على يد القوى الرجعية والبعثية الفاشية، ويتواصل اليوم على يد أسيادهم الأمريكان، بعد إسقاطهم للنظام الصدامي الفاشي واحتلال بلادنا في 9 نيسان 2003.
لقد قيّم الشهيد سلام عادل الانقلاب الفاشي في آخر رسالة كتبها: «إن الديكتاتورية السوداء الجديدة لم تأتِ للقضاء على الديكتاتورية كما تزعم، ولم تأتِ من أجل الوحدة والحرية والاشتراكية أو "العدالة الاجتماعية"، بل جاءت لتطعن شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية. إن طبيعة الديكتاتورية السوداء الجديدة لا أن تسترها بغربال من الديماغوجية والتهويش. إنها طبيعة رجعية قومية يمينية شوفينية عنصرية طائفية. وبطبيعتها هذه تخدم بالدرجة الأولى الاستعمار والرجعية والإقطاع، إنها تمثل حركة ردة سوداء للنكوص لبقايا مكتسبات ثورة 14 تموز. إنها تحمل راية مهادنة الاستعمار الأمريكي والإنكليزي وشركاتهما النفطية. إنها تحمل راية تخريب الإصلاح الزراعي. إنها تحمل راية تخريب البقية الباقية من النزر اليسير من حريات الشعب ومنظماته ونقاباته وجمعياته المهنية والثقافية والاجتماعية، أنها تحمل راية تخريب المقاييس الوطنية وتشويه أهداف الحركة الشعبية وحرفها لصالح الاستعمار والإقطاع، أنه تحمل راية معاداة الشيوعية والديمقراطية والوطنية. راية ميثاق بغداد غلاة دعاة الاستعمار والعدوان والحرب، وفرض أبشع أساليب الحكم البوليسية الفاشية على بلادنا، إنها تحمل راية تدمير جيشنا الوطني جيش 14 تموز وتصفية عناصره الوطنية الأشد إخلاصاً للشعب والوطن. إنها سلطة معادية للقوميات والأقليات التي يتألف منه شعبنا، تحمل راية العداء القومي والطائفي وضد الشعب الكردي وضد الأقليات القومية والدينية والطائفية، إنها تحمل راية معاداة العمال والفلاحين، معاداة المثقفين والثقافة والعلم». (المصدر السابق ص 356).
وحمل الشهيد سلام عادل القيادة القومية الكردية المسؤولية أيضاً: «إن القوميين الأكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء وطلبوا العون والمساندة من أية جهة لإسقاطه، وغازلوا القوميين العرب اليمينيين وتعاونوا معهم وتصوروا بان انقلاب 8 شباط 1963 كما لو انه انتصار لهم. ان هذه السياسة تنم عن ضيق الأفق القومي وقصر النظر البرجوازي. إنهم يجابهون عدوا أشرس من قاسم. ان مطامح الشعب الكردي تتعارض مع أهداف الانقلاب على خط مستقيم تماماً. ان قادة الانقلاب أذاعوا بعض الأقوال التخديرية ولكن حتى الأطفال باستطاعتهم ان يدركوا ان هذه الأقوال لا هدف لها سوى التخدير وكسب الوقت لتركيز سلطتهم ….ان القوميين الأكراد يتحملون مسؤولية خاصة من بين الحركة الوطنية في تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب الرجعي الفاشي. (المصدر السابق، ص353).
كان للقوى الإقطاعية التي تعرضت مصالحها الطبقية الضيقة إلى ضربة كبيرة بإصدار حكومة ثورة 14 تموز 1958 قانون الإصلاح الزراعي، فعملت بكل الوسائل لإسقاط حكومة الثورة، وتوافق ذلك مع العقلية المعادية للديمقراطية لقيادة الجمهورية العربية المتحدة ليتكون حلف غير مقدس،ضم القوى القومية العربية والكردية المتعصبة في العراق، والقوى الإقطاعية والرجعية وبقايا النظام الملكي البائد، بإشراف ودعم مباشرين من قبل الإمبريالية الأمريكية، إذ يسجل إسماعيل عارف التالي: «ويحضرني الآن ما جرى في لقائي بالملحق الجوي الأمريكي بواشنطن في أواخر خريف 1985. فبعد حديث قصير أدخلت في روعه إنني متذمر من الوضع في العراق لكي اكتشف ما لديه من معلومات طازجة عن الأوضاع في المنطقة العربية إذ أنه قد عاد لتوه من سوريا فقال إن الوضع في العراق سينتهي قريباً». (إسماعيل عارف، أسرار ثورة تموز، ص286).
وكانت الجمهورية العربية المتحدة على علاقة وثيقة بما كان يجري من تآمر. وقلت له كيف تتعاون مع الرئيس عبد الناصر والولايات المتحدة في خصومة شديدة معه، فقال إن الأمور تبدلت، لأن الخطر الشيوعي في العراق قد استفحل وأصبح القضاء عليه من مصلحة الطرفين. (المصدر السابق ص 280).
وجاء على نفس الصعيد في تقييم لحنا بطاطو «وسبب معارضة شيوخ عشائر شمر من آل الياور الذين يعيشون في لواء الموصل لثورة 14 تموز ومشاركتهم في المؤامرة لإسقاطها هو صدور قانون الإصلاح الزراعي في الثلاثين من شهر أيلول 1958 الذي صادر معظم أراضيهم الزراعية في المنطقة. ويعتبر هذا القانون أحد الأسباب الرئيسية للتحرك المعادي للثورة. وكان أحمد عجيل الياور على علاقة وثيقة برجال العهد المباد فقد كانت عشيرة شمر تسكن في الصحراء على امتداد أنابيب النفط، أي أنهم حرس لشركات النفط ولحفظ الأمن في الصحراء للحكم الاستعماري في العهد المباد. وارتبط احمد عجيل الياور بعلاقة صداقة مع الوصي عبد الإله فقد كانا يدرسان معاً في كلية فكتوريا في الإسكندرية، وقبيل ثورة 14 تموز كان يجتمع به وبغيره من شيوخ العشائر. وكما أن أحمد عجيل الذي كان يخدم مصالح الإنكليز بالوراثة عن والده عجيل باشا الياور من أكبر رجال العشائر أي شيخ من شيوخ العشائر الذين اعتمد عليهم الانكليز واعتزوا بهم وحضر حفلات تتويج لملوك بريطانيا في لندن». (حنا بطاطو، الكتاب الثالث ص 183).
ومن جهته اعترف السيد عزيز محمد الذي تسلم قيادة الحزب بعد استشهاد سلام عادل ممثلاً عن الكتلة، التي لم يتعرض أي من أعضاؤها إلى الاعتقال أو التصفية، اعترف قبل ستة شهور من وقوع انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، في اجتماع المكتب السياسي الذي عقد في 13 أيلول 1962 بعد عودة الشهيد سلام عادل من الإبعاد إلى موسكو، هذا الاجتماع المكرس لدراسة سياسة الحزب منذ 14 تموز 1958 حتى عودة قائد الحزب من الإبعاد، اعترف السيد عزيز بقوله: «إن عدم تلمسي لوجود هذه الكتلة يعود لأسباب كثيرة أهمها: ضعف يقظتي إزاء المفاهيم والتسلكات الانتهازية، وبكلمة أخرى ضعف وعيي الطبقي إزاء مفاهيم وأساليب العدو الطبقي … إنني أقلكم مواكبة وانغمار في عمل الحزب القيادي ….أن لدي آثار ضعيفة نسبية تجاه الرفيق عمار "سلام عادل" أي بقايا انطباع خاطئ بأنه متشدد أو متسرع في أحكامه أو تؤثر فيه بعض الظروف الطارئة. ويتضح لي الآن أكثر خطأ تلك الانطباعات التي ربما كانت ناجمة كآثار لنشاط كتلة المعارضة في قيادة الحزب. كل هذه المشاكل مجتمعة كانت ذا تأثير سلبي علي بحيث ضعفت يقظتي إزاء المفاهيم والتسلكات الغريبة وليس غريباً في هذه الحالة أن أفسر الأمور تفسيراً سطحياً وساذجاً كما ليس غريباً أن أتأثر في بعض المواقف دونما وعي، بالآراء التي يقدمها أحد أعضاء المعارضة "الكتلة الانتهازية". مثال ذلك مسألة تسفير الرفيق السكرتير التي تحمست لها وبقيت كذلك حتى النهاية، حتى إنني لم أقتنع بالنقد الذي توجهت به اللجنة المركزية إلى الذين طرحوا المسألة واستغربت من الحساسية التي أخذت ترافق أي مسألة متعلقة بدراسة الرفيق السكرتير أو تسفيره لأغراض الصيانة». (المصدر السابق ص 316).
ان مراجعة عامة لتركيبة القوى التي تعاقبت على الحكم منذ انقلاب 8 شباط 1963 حتى سقوط النظام البعثي الفاشي في 9 نيسان2003 واحتلال العراق، تثبت أنها ذات القوى الإقطاعية والرجعية والقومية اليمينية عربية وكردية، التي ارتمت في أحضان الاحتلال الأمريكي الذي أشار الشهيد سلام عادل إلى مؤامراته المتواصلة من أجل ضرب العراق وحركته الثورية، وتثبت المراجعة أيضاً على صعيد الحزب الشيوعي العراقي، بأن سياسة الانكفاء والذيلية الانتهازية للأنظمة المتعاقبة منذ ذلك التاريخ، تمت بقياد ة السيد عزيز محمد والكتلة الانتهازية ذاتها وبكل رموزها، والتي أوصلت الحزب إلى مرحلة التخلي الكامل عن الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي أنشئ من أجل تحقيقها، ولم يبق من حركة الطبقة العاملة إلا التمسك الديماغوجي باسم الحزب الشيوعي. إن 1 أيار تحول في عرف قيادة ما بعد الشهيد القائد العمالي الخالد سلام عادل إلى مناسبة للاحتفالات في القاعات المغلقة بعيداً عن الطبقة العاملة نفسها، احتفالات برعاية زعيمة الرأسمالية العالمية في أعلى مراحلها الإمبريالية الأمريكية، باعتبارها "محررة" لا محتلة.
إنه الوهم بعينه حين يتصور البعض بأن مجرى حركة التاريخ ستنقلب رأساً على عقب، فالإمبريالية وليبراليوها الجدد سوف لن يغيروا من حركة التاريخ السائرة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري.
إن كلمات سلام عادل قبل أكثر من أربعين عاماً، نرى فيها واقع اليوم المرير، لكن الثقة بالشعب، تلك التي اعتمدها الشهيد سلام عادل في حربه الطبقية ستبقى الأقوى. إنها قراءة الشهيد سلام عادل قائد أكبر حزب عمالي في الشرق الأوسط، كلمة ترجع ساسة اليوم المنخرطين في عملية احتلال وتدمير العراق إلى أصولهم الفكرية والطبقية.
بغداد المحتلة
1/5/ 2005
كان انقلابيو 8 شباط الأسود 1963 في لحظات النشوة الواهمة، وكانت قطعانهم لم تزل تجوب المدن وتقتحم البيوت بحثاً عن الشيوعيين، وزاد من وهم النصر المزيف وقوع قائد الحزب البطل سلام عادل في قبضة الفاشست واستشهاده مرفوع الرأس، هو ورفاقه الأبطال تحت التعذيب البعثي الوحشي. وزاد من اغتباط قطعان الحرس اللاقومي هروب العناصر اليمينية الانتهازية، وعليه استنتج قادة القطعان الفاشية بأن الأمر قد استتب للنظام الفاشي المدعوم أمريكياً وناصرياً وعشائرياً عربياً و كردياً.
صحا عدد من قادة الانقلاب ووزرائه من حلم النشوة هذا ليجدوا أنفسهم في قبضة العريف حسن سريع الابن الأصيل للشعب والحزب، الذي اقتحم السماء في الإقدام على حركة عسكرية جريئة، استهدفت إنقاذ ثورة 14 تموز المجيدة ’ لا أحد يعلم ما دار في رأس القائد الجندي لحظة اتخاذ قراره الشجاع هذا، لكن الأمر المؤكد، أن الجندي القائد أراد أن يرد الاعتبار للجيش العراقي الباسل، وأن ينقذ حزبه من الإبادة. حين سمع حسن سريع حكم الإعدام بحقه ورفاقه الأبطال، لم يرمش له جفن، ليستشهد باسم العراق والشعب العراقي.
لقد ظلت القيادة اليمينية التصفوية تتجاهل ذكر وتمجيد حركة حسن سريع، لأن الحركة تقدم البرهان على إقدام القاعدة الثوري، وانهزامية المؤسسة اليمينية التي اغتصبت قيادة الحزب بعد فقدانه لقيادته الثورية.
لقد تجنبت المؤسسة الانتهازية الإشارة، مجرد الإشارة إلى الاستشهاد البطولي لقائد الحزب الشهيد سلام عادل، طيلة فترة التحالف الذيلي مع البعث، وينسحب الأمر ذاته على حركة الجندي القائد حسن سريع شهيد الجيش العراقي من أجل عراق حر ديمقراطي…شهيد الحزب الشيوعي العراق من أجل إقامة نظام العدالة الاجتماعية...، شهيد الشعب العراقي من أجل الكرامة الوطنية.
إننا ندعو كل من يمتلك معطيات عن حركة الشهيد حسن سريع ورفاقه، المساهمة في تمجيد هذا الفعل الثوري العظيم في تاريخ شعبنا وحركتنا الثورية وجيشنا العراقي الباسل.
حين نعود إلى عام 1979، والحملة الإرهابية التي شنها نظام صدام حسين الفاشي ضد الحزب الشيوعي العراقي، سنلاحظ هروب ذات القيادة اليمنية الانتهازية من جديد، وترك القاعدة والكادر الحزبي فريسة لآلة القتل الإرهابية لطغمة صدام، تحت شعار (دبر نفسك رفيق!!). لم تكن مفارقة أن يغادر أعضاء المؤسسة اليمينية الانتهازية عبر المطار ونقاط الحدود بجوازات سفر عراقية رسمية ممنوحة من النظام الفاشي نفسه، فقد حرصت زمرة صدام على إبقاء أعضاء القيادة على قيد الحياة للاستفادة منهم مجدداً حين تتطلب الضرورة.
في أجواء الحملة الإرهابية هذه كان هناك رفاق، يعملون من أجل وقف تدهور وضع الحزب، رفاق قرروا تحدي الطغمة الفاشية والقيادة الهاربة معاً. وبعد لقاءات في ظروف أمنية في غاية الخطورة خصوصاً الاجتماعات المحصورة بين 3 تموز و8 تموز 1979، كان الانبثاق الشيوعي الأصيل، الوريث الشرعي لحزب فهد وسلام عادل وحسن سريع ورفاقهم الأبرار. حيث أعلن عن تأسيس منظمة سلام عادل في الحزب الشيوعي العراقي على أرض بغداد في 8 تموز 1979، ويوزع البيان رغم انف النظام الفاشي وأجهزته القمعية، في وقت توهموا فيه بأنهم قد قضوا على رفاق فهد وسلام عادل، معلنة بأنها ليست بانشقاق، أو تكتل داخل الحزب، بل هي منظمة ضغط تحل نفسها بانتهاء مهمتها، تعمل على الجمع بين أسلوبي الكفاح الثوري من داخل الحزب وخارجه للإطاحة بالقيادة الانتهازية الهاربة، تمهيدا لإعادة بناء حزب فهد - سلام عادل، ليكون قادراً على قيادة كفاح الشعب العراقي من أجل إسقاط النظام البعثي الفاشي.
لقد أعلن عن تأسيس المنظمة في بيان مؤرخ في 8 تموز، يوم ميلاد مؤسس وقائد الحزب الشيوعي العراقي الرفيق الخالد يوسف سلمان يوسف - فهد- الذي استشهد في 14 شباط 1949 على يد الحكم الملكي العميل للاستعمار البريطاني هاتفا (الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق) تاركاً وصيته التاريخية (قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية)، مسجلاً كلماته المعبرة الشهيرة (لقد انغمرت في النضال الوطني قبل أن أكون شيوعياً، وبعد أن صرت شيوعيا، لم أجد في الحقيقة ما ينافي أو يتمايز مع معتقدي الوطني قبل أن أكون شيوعياً وبعد أن صرت شيوعياً، سوى أنني صرت أشعر بمسؤولية أكبر إزاء وطني وأنا شيوعي). وتسمى المنظمة م. سلام عادل لتشكل امتداداً للتاريخ النضالي المشرف لقائد الحزب الشهيد سلام عادل، ولقطع أية صلة بتاريخ القيادة الانتهازية اللاحقة ودورها في تدمير حزب فهد - سلام عادل.
ملاحظة: سينشر نص البيان في سلسلة مقالات - أوراق أمام مؤتمر اليسار الوطني الديمقراطي، كما ستنشر وثيقة توسل قيادة عزيز محمد لقبول صدام وزمرته استمرارهم في التحالف الذيلي رغم المذابح في عام 1979.
بغداد المحتلة
2005 / 7 / 2
23/12/ 2007
في 8 آذار "مارس" 1959 أعلن عبد الوهاب الشواف قائد حامية الموصل في شمال العراق (وهي محافظة حدودية مع سوريا) عن تمرده على السلطة المركزية في بغداد.عن أهداف وقوى ودوافع هذه المؤامرة تحدث سلام عادل في مقابلة صحفية أجرتها جريدة " اتحاد الشعب" الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي ونشرتها في 30/3/1959. جاء فيها*:
سؤال- من المعلوم أن مؤامرة الخائن الشواف كانت حلقة من سلسلة المؤامرات الاستعمارية التي حيكت ولسوف تحاك ضد جمهوريتنا . فما هو - برأيكم - المخطط العام لتلك المؤامرات؟
جواب- إذا استعرضنا الأحداث الماضية منذ 14 تموز الخالد، نرى أن خطة المستعمرين كانت تعتمد في البدء على محاولة تدخل أنكلو أمريكي مكشوف لإسقاط الحكم الجمهوري الوطني في العراق. وقد فشلت تلك المحاولات لأن ثورة 14 تموز جاءت محكمة خاطفة ساحقة رؤوس النظام البائد، وحازت مساندة ومشاركة أوسع جماهير الشعب منذ لحظاتها الأولى. وكان العامل المساعد الحاسم في إحباط تلك المحاولات هو الموقف الحازم الصلب الذي وقفه صديق شعبنا العراقي والأمة العربية الاتحاد السوفياتي وإنذاره للمستعمرين، ومساندة سائر قوى الحرية والسلم في العالم.
وعلى اثر فشل خطة التدخل الخارجي، اتجه الاستعمار إلى العمل من الداخل، ولذا فان القوى الرجعية الداخلية دأبت على عرقلة سير الثورة الذي يستلزم تعبئة الشعب وتنظيمه وتسليحه، وتطهير أجهزة الدولة (المدنية والعسكرية...) بغية الحفاظ على مواقعها فيها. وعملت على تجميع قواها وتنظيم صفوفها، هي نفسها، تمهيدا للقيام بعمل تآمري موحد يستند إلى الضغط الخارجي والتهديد الاستعماري، السياسي والعسكري، ولكن سياسة القوى الوطنية التي استهدفت تعبئة الشعب وتطهير أجهزة الدولة ومنع الرجعية من تنظيم نفسها، والمحافظة على يقظة الشعب والجيش، والمواقف الصائبة لسيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، كل ذلك أحبط سلسة من المؤامرات، دلت الوقائع بوضوح على أنها كانت بتدبير ومشاركة الأمريكان وسائر المستعمرين وعملائهم وأيتام العهد البائد والإقطاعيين وبعض الأوساط الرجعية العربية، وبوجه خاص، بعض حكام العربية المتحدة، فضلاً عن الارتباطات الصهيونية بهذه الشبكات التآمرية، تلك التي وضعت عليها اليد في حينه، وكشفت عنها مؤخراً جلسات محكمة الشعب.
إن تطور الأحداث، على هذا الشكل، أدى بأعداء الجمهورية مرة أخرى إلى إعداد خطط التدخل السافر والعدوان الخارجي على أسس جديدة من التعاون الأوثق بين كل القوى المعادية للجمهورية العراقية ولسياستها التحررية الديمقراطية، وإعطاء التآمر والعدوان صفة نزاع "عربي داخلي" أو "محلي إقليمي" على خلاف محاولات التدخل الاستعماري الأنكلو أمريكي المكشوف التي حدثت غداة 14 تموز . وكان أعداء الجمهورية يأملون من هذا الاتجاه الجديد - الاتجاه الاستعماري "المستعرب" - أن يؤدي أولاً: إلى شق الصفوف الوطنية داخل العراق. وثانياً: التمويه على الشعوب العربية وعلى القوى "المحايدة". ثالثاً: كما كانوا يأملون أنهم بذلك يستطيعون أن يخلقوا ظروفاً متلابسة تؤدي إلى إحراج الدول الصديقة وخاصة الاتحاد السوفييتي، ولوضع العقبات في طريق إبداء معونتها الحازمة للحفاظ على استقلال الجمهورية العراقية عندما تقتضي الضرورة مثل هذا العون.
ومن السهل أن يربط المرء بين نشاطات حلف بغداد العدواني (في دورتي كراجي وأنقرة) والتحشيدات العسكرية على الحدود الإيرانية والتركية وحركة الأساطيل الأمريكية والإنكليزية وزيارات راونتري وغيره، والمعاهدات الثنائية الأمريكية، بين هذا كله من جهة، ومن الجهة الأخرى النشاط المحموم الذي جاء على شكل حملة صليبية من قبل بض حكام الجمهورية العربية المتحدة ضد العراق وضد الشيوعية وضد الاتحاد السوفييتي.
ولقد كانت مؤامرة الشواف حصيلة هذا المخطط. وتدل المعلومات الكثيرة المتوفرة -قبل وبعد حوادث التمرد - أن المؤامرة كانت واسعة وتمتد خيوطها ومجال تنفيذها إلى مناطق أخرى غير الموصل. ولكن بفضل يقظة القوى الوطنية وتأهبها واتحادها تحت زعامة ابن الشعب البار عبد الكريم قاسم تم عزل المؤامرة وإجهاضها وإحباطها. وخرجت الجمهورية وهي أشد مراسا وأقوى ساعدا في مقارعة المستعمرين والمعتدين.
ولا شك أن محاولات التخريب والتآمر الاستعماري والعدوان ستستمر ما دامت جمهوريتنا تواصل السير في نهجها الوطني المستقل، وما دامت تعتمد على إطلاق قوى الشعب الخلاقة. وكما كان في الماضي، فان وعي الشعب ويقظته وتضامنه التام مع الجيش والحكومة، والتدابير الحازمة والسريعة، كل ذلك سيؤدي دون شك إلى تخطي العقبات مهما كانت والخروج منها برأس مرفوع وقدم ثابتة لا تتزعزع في طريق الحرية والتقدم والرفاه.
سؤال- كشفت مؤامرة الشواف الأخيرة عن أن بعض العناصر المنضوية تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، قد اشتركت بالمؤامرة، فما هو الموقف من هذه العناصر؟
جواب - إن هذه المسالة تمتد جذورها إلى الأيام الأولى لثورة 14 تموز. فقد ظهر بجلاء منذ تلك الأيام أن بعض القوى كانت سائرة في طريق تجاهل أهداف جبهة الاتحاد الوطني والتنكر لها ولمستلزمات التعاون مع القوى المؤتلفة فيها . فقد حاول البعثيون مثلاً الاستئثار بالحكم وتوجيهه وجهة حزبية ضيقة والاستئثار بالحريات العامة وتضييقها على القوى الأخرى . وذلك بغية حرف اتجاه الثورة وعرقلة مسيرتها في الاعتماد على أوسع الجماهير وضمان مصالحها. ونظراً لعمق وسعة الوعي الشعبي الوطني الذي كشفت عنه ثورة 14 تموز، وقوة الحركة الديمقراطية، فإنهم قدروا أن الاستعجال في ضم العراق للجمهورية العربية المتحدة يمكن أن يحقق لهم أغراضهم تلك. وعملوا بنشاط مفتعل محموم وفق هذا الاتجاه جاذبين حولهم، لا العناصر القومية اليمينية وحسب، بل أيضاً مختلف فئات الرجعيين الذين نظروا بهلع إلى مستقبل تطور الثورة في طريقها الوطني الديمقراطي.
وليس ببعيد عن الذاكرة الفعاليات والظواهر الرجعية التي مارسها وشجعها المرتد عبد السلام عارف ومن ورائه عملاء العهد البائد والإقطاعيون وغيرهم. ولما عجزوا عن تحقيق أهدافهم بأساليب العمل السياسي الصحيحة في ظل حكم وطني ديمقراطي وعجزوا عن كسب تأييد الجماهير لآرائهم وشعاراتهم - برغم أن كل الإمكانيات كانت متوفرة لهم، أكثر من توفرها لغيرهم - انزلقوا شيئا فشيئا في طريق التآمر والعنف لتحقيق أغراضهم ورغم إرادة الشعب ومن خلف ظهر جبهة الاتحاد الوطني وقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم . وكان من نتيجة ذلك أنهم كلما أوغلوا في السير في هذا السبيل، انعزلوا عن الشعب أكثر فأكثر، وانحدروا إلى درك العداء الصريح للجمهورية وخيانتها.
أما بالنسبة لنا، نحن الشيوعيين، فقد أكدنا منذ فجر 14 تموز على ضرورة تنشيط جبهة الاتحاد الوطني، وتعزيز وحدة القوى الوطنية على أساس صيانة الجمهورية والسير بها قدماً في طريق أهداف الثورة، وعملنا بكل ما كان في وسعنا لتعزيز هذه الوحدة برغم نظرة التمييز التي كنا ضحيتها، ونبهنا إلى الأخطار الناجمة من السياسات والمواقف الانقسامية، وأكدنا على ضرورة تآخي كل القوى المعادية للاستعمار والإقطاع استنادا إلى ضمان تكافؤ الفرص أمام كل القوى الوطنية في ما يتعلق بحقها في التمتع بالحريات والمشاركة في مسؤولية الحكم، وكنا ولا نزال - نبني رأينا هذا لا على أساس المغانم الحزبية الضيقة أو غير المشروعة، بل على أساس وعينا العميق لمستلزمات وحدة الصفوف الوطنية، ومن أجل صيانة الجمهورية ضد جبهة أعدائها المتربصين. وبالرغم من تنكر هذه العناصر لميثاق جبهة الاتحاد الوطني وتجاهلها لهذه الأسس السليمة لوحدة الصفوف، فإننا واصلنا بثبات وأمانة مهمة الشرف في الحفاظ على وحدة الصفوف ومساندة الجمهورية ولف الجماهير حول زعامة عبد الكريم قاسم . ووضعنا كل إمكانياتنا وطاقاتنا في هذا السبيل السليم. واليوم إذ تمر أكثر من ثمانية أشهر على ثورتنا الخالدة، يمكن لكل منصف مخلص أن يستعيد في ذاكرته الأحداث ليستخلص حقيقة أننا حافظنا بثبات على العهد الذي قطعناه حينئذ ولم ننحرف عنه قيد شعرة، ورغم الظروف المعقدة والأعاصير المتبدلة الاتجاه. وأكثر من ذلك أننا كنا نحذر تلك العناصر بالذات من مغبة الانزلاق في طريق التآمر ومعاداة الجمهورية، وننصحها بضرورة التمسك بالأساليب الديمقراطية السليمة في الدعاية لشعاراتها، وبأن الشعب العراقي الذي يتمتع بتجربة سياسية زاخرة ستكون له الكلمة الأخيرة في اختيار أو نبذ هذا أو ذاك. وقلنا، آنئذ لتلك العناصر بصراحة بأنها أمام مفترق طريق، أمام منزلق خطر قد يؤدي بها إلى أن تتحول من قوى سياسية وطنية إلى عصابات استفزازية لن يكون نشاطها نافعا لغير الاستعمار وعملاء الاستعمار.
ومع الأسف فإن عدداً كبيراً من تلك العناصر أنساق وراء توجيهات المغامرة الصادرة من وراء الحدود من جهات لم تقدر مسؤولياتها، ولم تبد الحرص اللازم على سمعتها الوطنية والقومية وانساقت وراء دوافعها الضيقة وخضعت لخداع المستعمرين وأضاليلهم. أقول مع الأسف ان تلك العناصر اندفعت أكثر فأكثر في طريق التآمر والتخريب والعداء للجمهورية، وبذلك وضعت نفسها خارج القوى الوطنية المخلصة، واستحقت غضب الشعب والجمهورية.
وبالطبع ينبغي أن لا يعني ذلك أن جميع المنتمين إلى حزبي البعث والاستقلال أو سواهم من الأفراد الذين يصطلح على تسميتهم "القوميين" قد انزلقوا إلى طريق التآمر والعداء للجمهورية. فهناك دون شك عدد من العناصر وخصوصا من الشباب الذين عملوا مع هذه الجماعات بدوافع الإخلاص التام للشعب والأمة العربية. منهم من كان لديه الوعي الكافي فلم ينسق أو يتلوث بأساليب التآمر والتخريب، ومنهم من سار شوطاً أو ساهم إلى حد ما في هذه الأساليب، ولكنه تنبه إلى مخاطر هذا السبيل المعادي للجمهورية والضار بالتضامن العربي والقومية العربية، فأظهر استعداده المخلص للتراجع وتصحيح موقفه.
وعلى هذا ينبغي ألا ينظر إلى جميع القوميين والمدعين "القومية" نظرة واحدة، وأن يفسح المجال في صفوف القوى الوطنية، لأولئك الذين يستطيعون أن يبرهنوا عملياً للجماهير على إخلاصهم لنظامنا الجمهوري المتجاوب مع قضيتنا القومية على أساس تحرري ديمقراطي سليم وشجبهم كل متآمر على هذا النظام . وهؤلاء الأخوان مدعوون من جانبهم إلى مساعدة الجمهورية في فعالياتها لكشف المتآمرين والمتربصين ومحاربتهم وإنزال العقاب الصارم العادل بهم .كما أن الجماهير مدعوة لمساعدتهم وجذبهم ثانية إلى صفوفها. إذ ليس في صالح الجمهورية التفريط بأولئك الصادقين في إخلاصهم، ومعاداتهم ومعاملتهم كغيرهم من المتآمرين والمخربين.
سؤال- كيف يمكن - في رأيكم - تنشيط جبهة الاتحاد الوطني وزيادة فعالياتها إلى مستوى ما يتطلبه الوضع الراهن؟
جواب - ان حزبنا انتهج على الدوام وبثبات سياسة الجبهة الوطنية. وأن الشعب العراقي، نتيجة لتجربته الطويلة في الكفاح الوطني، قد أدرك جيداً أهمية وحدة القوى الوطنية في النضال ضد الاستعمار.
وكانت كل الأحزاب والقوى الوطنية مقتنعة، قبل ثورة 14 تموز، بأن ليس باستطاعة أي حزب بمفرده أو أي جهة وطنية أن تأخذ على عاتقها مهمة تحرير البلاد وتحقيق الاستقلال الوطني. وغداة 14 تموز، عندما أصبحت الحلقة المركزية في النضال الوطني، هي صيانة الجمهورية، أعلن حزبنا بصراحة أن هذه المهمة هي الأخرى، لا يمكن تحقيقها بجهود حزب معين أو قوة معينة، وأن السبيل الوحيد لصيانة الجمهورية واستقلالها الوطني هو سبيل تظافر جهود كل الأحزاب والقوى الوطنية. وقد استرشد حزبنا بأمانة تامة وتمسك بقوة بهذه السياسة الوطنية. ورغم التطورات التي حدثت منذ 14 تموز حتى الآن، فإن هذا الاستنتاج ما يزال صائبا كل الصواب. ومن الواجب أن يتم الإقرار بصوابه والعمل بموجبه من جانب كل الأطراف وكل القوى الوطنية من الشعب والجيش على السواء.
إن جبهة الاتحاد الوطني مدعوة الآن إلى إعادة النظر جدية في بنائها وأسلوب عملها. فقد كانت جبهة الاتحاد الوطني - كما هو معلوم - قد تأسست في ظروف استعمارية قمعية بغيضة، وانتهجت سبل العمل السري الضيق. واكتفت بارتباطات ممثلي القوى الوطنية من الأعلى دون أن يكون لها مجال الاعتماد على المنظمات الجماهيرية التي هي الأخرى تجابه ظروف القمع والتضييق.
ولكن الأوضاع الراهنة تختلف اختلافاً جوهرياً - وخصوصاً بعد الانسحاب من حلف بغداد - في ظل جمهورية وطنية تعتمد على تنظيم الشعب وإرادته إلى حد بعيد. وهذا يستوجب أن تجري إعادة النظر في بناء الجبهة وأسلوب عملها، على أساس السياسة الديمقراطية التي عبرت عنها الغالبية الساحقة من جماهير الشعب والتي تحدد المعالم العامة لسياسة جمهوريتنا البطلة تحت زعامة ابن الشعب البار عبد الكريم قاسم.
إذاً هكذا كانت هي صورة البارحة، كما عبر عنها قائد وطني ثوري برؤية وطنية مسؤولة، زعيم ثوري قدم حياته جنباً إلى جنب مع الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقهما وأخوتهما من قادة الحزب الشيوعي العراقي وقادة الجيش العراقي والآلاف من الشهداء من الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين دفاعا عن ثورة 14 تموز المجيدة، في مقاومة انقلاب 8 شباط 1963 الفاشي، هذا الانقلاب الذي أشرفت على رعايته وتنظيمه المخابرات الأمريكية، ونفذته القوى القومية الشوفينية والعنصرية والقوى الدينية الرجعية المتحالفة مع بقايا الإقطاع.
ومر العراق بمرحلة طويلة بين صورة ثورة 14 تموز 1958 وصورة اليوم في مرحلة سقوط النظام البعثي الفاشي الثاني واحتلال العراق.
فما بين الانقلاب الفاشي الأول في 8 شباط 1963 واحتلال العراق في 9 نيسان 2003،استخدم حزب البعث الفاشي كرأس حربة بيد القوى الامبريالية العالمية، إذ رفع الشعارات اليسارية المزيفة لمواجهة المد اليساري الثوري المتصاعد في فترة الستينيات والسبعينيات، ضمن استراتيجية أمريكية لقطع الطريق على صعود اليسار الثوري الحقيقي من الوصول إلى الحكم.
ولما بدأ المد الديني في الصعود على حساب القوى القومية واليسارية معاً، خصوصاً بعد سقوط الشاه وخطف الثورة الشعبية الإيرانية من يد الطبقة العاملة والقوى الثورية لصالح القوى الإسلاموية، شن نظام البعث الفاشي بدفع من السيد الأمريكي أيضاً، حربه على إيران وتبرقع زعيمه ببرقع الدين عبر حملته الإيمانية سيئة الصيت، التي أضاع فيها المشيتين، فهو لم يعد يسارياً "مزيفاً" حسب المودة القديمة، ولا إسلاموياً "مزيفاً" وفق المودة الجديدة.
كان العراق وشعبه في مطحنة الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية على مدى تلك العقود الأربعة، الممتدة من الانقلاب الأمريكي الأول في 1963، مرورا بالانقلاب الأمريكي الثاني في 1968 حتى الاحتلال المباشر للبلاد في 2003.
لقد امتطت الإمبريالية الأمريكية القوى القومية العربية (البعث) والقوى القومية الكردية (البارزاني والطالباني) والقوى الإسلاموية الشيعية (آل الحكيم، بحر العلوم، والدعوة) والسنية (الحزب الإسلامي) والقوى الإقطاعية( على مستوى العراق كله)، امتطاء جماعياً كما في انقلاب 1963 أو امتطاء جزئياً كما في انقلاب 1968، وامتطاءً شاملاً متعدد الأوجه، معقد، لكنه مكشوف في 9 نيسان 2003.
إن صورة اليوم تعلن عن هويتها بالإبادة الجارية للشعب العراقي، التطهير العرقي والطائفي، التهجير المليوني للسكان، التدمير الشامل للبنية التحتية للبلد، النهب الشامل للثروات، وصولاً إلى الهدف النهائي، تقطيع أوصال الوطن إلى إقطاعيات طائفية عنصرية.
ان الطبقة العاملة العراقية المتحالفة مع الفلاحين وسائر الكادحين، ممثلة بحزبها الثوري، الحزب الشيوعي العراقي، هي القادرة بالتعاون مع كل القوى الوطنية المعادية للاستعمار والاحتلال، على مواجهة هذا المشروع الإمبريالي الجهنمي، وبالتالي إنقاذ الوطن من التقسيم وتحريره وإقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية.
الجمهورية العراقية الحرة الديمقراطية هي الهدف التي كافح من أجلها بنات وأبناء العراق الأبرار جيل تلو الجيل الآخر، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى يومنا هذا، مسيرة معمدة بدماء الشهداء الزكية من أجل وطن حر وشعب سعيد.
إن كلمات الشهيد سلام عادل التي نستعيدها اليوم بعد أربعة عقود من استشهاده، هي ذاتها التي صرخ بها بوجه الجلادين الذين أذاقوه أهوال العذاب حتى استشهاده مرفوع الهامة، مؤمن بالشعب العراقي واثق من النصر، إننا إذ نخوض المعركة التاريخية الكبرى، معركة وجود أو عدم وجود بلادنا، معركة الحرية في مواجهة العبودية، نجدد العهد للشهداء بأن دمائهم لن تذهب هدراً، ويم حرية الوطن والشعب لقريب، وما مصير الغزاة وعملائهم إلا مزبلة التاريخ.
* ثمينة ناجي يوسف - سلام عادل سيرة مناضل، الجزء الأول، ص266.
24/12/ 2007
تقع كركوك، وهي مركز نفطي، على بعد 180 ميلاً (280 كيلومتراً) إلى الشمال من بغداد. وكانت مدينة تركية بكل ما في الكلمة من معنى حتى ماض غير بعيد. وانتقل الأكراد تدريجيا من القرى القريبة إلى هذه المدينة. وتكثفت هجرتهم إليها مع نمو صناعة النفط. وبحلول العام 1959 كان الأكراد قد أصبحوا يشكلون حوالي ثلث السكان، بينما انخفض عدد التركمان إلى ما يزيد قليلاً عن النصف… وشهدت مدن تركية أخرى، مثل أربيل، عملية مشابهة. ولقد تكردت (أصبحت كردية) أربيل نفسها إلى حد كبير وحصل التغيير سلماً. أما أهل كركوك، فكانوا أصلب عوداً وحافظوا على روابط ثقافية حميمة مع تركيا وتوحدوا من خلال شعور أعمق بالهوية العرقية1.
وكان بطاطو قد تطرق إلى التوزيع الجغرافي للمجموعات العرقية-الدينية الأساسية ويقول في ذلك: "هناك على امتداد طريق البريد القديمة بغداد -الموصل- اسطنبول شريط من المستوطنات التركمانية منها تلعفر وداقوق وطوز خورماتو وقرة تبة، وهي شيعية، وآلتون كوبري وكركوك وكفري، وهي سنية".2
إن العودة إلى التاريخ في قضية كركوك قد تساعدنا على الوصول إلى حلول وطنية عراقية، بطابع إنساني أممي لمسألة كركوك، على خلاف الحلول المطروحة اليوم، خصوصاً الخيار الوارد في المادة 140، هذا الخيار المودي حتما إلى بلقنة كركوك، ومن ثم العراق كله.
أحداث كركوك 14 - 16 تموز 1959
لم يكن غريباً أن تستعيد القوى المعادية للحزب مجريات أحداث يوم الاستعراض التمهيدي.
في 5 تموز وفشلها في تحقيق هدفها في توجيه ضربة مباشرة للحزب وما تمخضت عنها تلك الأحداث من نتائج عكسية، وأن تستفيد من تجربتها وتحاول استعادة المبادرة التي فقدتها في "لحظة تاريخية" معينة ولمنع القوى التقدمية والحزب من امتلاك زمام المبادرة.
وقد شهدت تلك الفترة تلاقياً في الأهداف رغم اختلافها، بين القوى المعادية للثورة ككل وبين قوى اليمين البرجوازي وحدتها مؤقتا معادة الحزب والقوى الثورية التقدمية. وكان من نتائج ذلك التلاقي المؤقت افتعال أحداث كركوك في الذكرى الأولى لثورة تموز وهي من قبل تلك "الأعمال المدمرة" والتي "ستلقي مسؤوليتها على كاهل الشيوعيين"!! والـ "وشيكة الوقوع" كما حذرت جريدة الحزب "اتحاد الشعب" في أعدادها الصادرة في 16 و17 و22/ حزيران 1959 وقد وجدت السلطة في تلك الأحداث فرصتها المواتية لتوجيه ضربة عنيفة للحزب وحلفائه من خلال الإجراءات المبيتة التي اتخذتها بعد الأحداث مباشرة3.
ومن شهود العيان الذين نشروا شهاداتهم حول أحداث كركوك عضو الحزب الشيوعي العراقي عادل مصري (أبو سرود) الذي كان وقتها عضوا في لجنة المحلية في كركوك، يقول فيه" تقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية مكان تجمع المشاركين في المسيرة. ومنها تنطلق عبر الشارع الرئيسي في - قوريه- ثم تمر أمام الثكنة العسكرية وتعبر الجسر قرب القلعة القديمة ثم الجسر الثاني وتتجه بعد ذلك عبر شارع أطلس حتى تنتهي قرب المدرسة الثانوية التي كانت قد انطلقت منها. وكذلك جرى تثبيت الشعارات والهتافات الرئيسية للمسيرة ووضعت قائمة بالمنظمات والهيئات التي ستشارك فيها وحدد موقع كل منها. وجرى التأكيد على تشديد الحراسة وعلى اليقظة إزاء محاولات التخريب التي قد تلجأ إليها الفئات المعادية خاصة من أوساط عملاء شركة النفط. وفي ما يتعلق بالطريق الذي اختير للمسيرة أرى من الواجب الإشارة إلى أن اللجنة المحلية قررت أن لا تعبر المسيرة الصوب الصغير إلى محلة -المصلى- التي يسكنها كثير من المواطنين التركمان وذلك تجنباً لأي احتكاك مع المتعصبين منهم الذين قد يندسون من خلال آلاف الناس في المسيرة. وبدأت المسيرة كما كان مقرراً.
قبل الظهر شهدت المدينة عرضاً عسكرياً لقطعات الجيش والقوات المسلحة الأخرى و... انطلقت بصورة نظامية تعلوها الشعارات المقررة وليس غيرها واجتازت شارعا في - قوريه - ثم الثكنة العسكرية وحسب المقرر لم تعبر الصوب الصغير بل اتجهت في الطريق المؤدي إلى شارع أطلس.. ولم يحدث أي أشكال قبل دخولها مرحلتها الأخيرة. كانت تتقدم المسيرة مجموعة من الأطفال بملابس بيضاء وهم يحملون الأزهار وجاء بعدهم أنصار السلام ورجال الدين ثم عمال النفط وأعضاء النقابات الأخرى والشبيبة والطلبة والجمعيات الفلاحية ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة.. والتحق بالمسيرة جنود كثيرون وكان واضحاً، أن أبناء جميع القوميات المتعايشة في كركوك دون استثناء يشاركون فيها وكان هذا أكثر مما أثار حنق عملاء شركة النفط الذين فشلوا حتى اللحظة في القيام بأي عمل تخريبي ضد المسيرة. إلا أنهم وكما تبين فيما بعد، كانوا يبيتون لمجزرة ضد المواطنين العزل المشاركين في المسيرة السلمية فبعد دخول المسيرة شارع أطلس ومع وصولها كازينو الشباب وسينما أطلس انهالت عليها من السطوح الحجارة وقطع الآجر ثم سرعان ما انهمرت زخات الرصاص من سطح أحد المنازل المطلة على الشارع وفوجئ الناس بهذا العمل العدواني الغادر فتزاحموا متدافعين من الشارع الضيق وشق البعض طريقه مفتشاً عن مصدر النيران لإسكاته وفاض الشارع بالجموع التي راحت تزحف فوق بعضها في جو من الفزع والفوضى وتوالت المشاهد المفجعة خاصة منظر الأطفال الهلعين المولولين والأقدام تدوسهم.. وتطورت الأمور بسرعة ولم يمكن السيطرة عليها وانطلقت عناصر يبدو أنها مهيأة سلفاً من قبل عملاء شركة النفط تشيع وتؤجج الفوضى وتحرض الناس على كسر أبواب الدكاكين وعلى القتل والنهب وإشعال الحرائق خاصة من بعض المتاجر العائدة لمالكين من التركمان وغيرهم وبلغ هياج الناس حداً أصبح كل إنسان في الشارع أيا كان مهددا بالموت لمجرد أن يرتفع بوجهه إصبع اتهام مهما كان مصدره.
ولم ينجُ عدد من رفاقنا الشيوعيين وبعض التقدميين من محاولات القتل والسحل.. بيد أن العناصر المعادية لم تكف عن الاستفزاز والعدوان وبقي الرصاص يطلق من قلعة كركوك القديمة بصورة منقطعة طيلة ثلاثة أيام ولم يمكن إسكاته إلا بعد تمشيط القلعة من قبل الجيش والمقاومة الشعبية، وجاءت مشاركة المقاومة الشعبية في عملية التمشيط استجابة لطلب، تقدمت به قيادة الفرقة الثانية ولتوجيهات وصلت من بغداد بوضع حد لإجرام العناصر الرجعية المعدية للجمهورية.
إن ما حدث في كركوك وما تعرضت له مسيرة الذكرى الأولى لثورة تموز فيها، لم يكن غير عدوان آثم دبره عملاء شركة النفط وقوى الردة في المدينة4.
إذاً فإن الشهادة أعلاه وعشرات الشهادات الأخرى، وتطورات الأحداث السياسية لاحقاً، تثبت جميعاً دون أدنى شك، مسؤولية الشركات النفطية الاستعمارية عن أحداث كركوك، ومن جهته الباحث حنا بطاطو، قد خلص إلى استنتاج في دراسته الأكاديمية الموسوعية الحيادية لتأريخ العراق الحديث، يبرأ قيادة الحزب الشيوعي العراقي من أي مسؤولية عن أحداث كركوك فهو يقيم الأمر بـ "لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 -16 تموز- يوليو- ومع ذلك فقد أصبح مؤكداً الآن أن هذه الأحداث لم تكن من قبل زعمائهم ولا هم سمحوا بها5.
أما الشهيد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، فإنه بالرغم من استغلاله لأحداث كركوك ذريعة لاتخاذ إجراءات قاسية شاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي بهدف تحجيم دوره المتنامي، فقد أعترف بخطئه في الساعات الأخيرة قبل استشهاده، عبر الاتصال الهاتفي الذي كان قد أجراه معه الشهيد سلام عادل زعيم الحزب الشيوعي العراقي لحظة قيادته المقاومة الشعبية لانقلاب الفاشيست، وحينما كان الزعيم الشهيد يتصدى للانقلابيين من مقره في وزارة الدفاع "واستمر سلام عادل بالاتصال تلفونياً بوزارة الدفاع بين فترة وأخرى مستفسراً عن وضع الموجودين فيها مقدماً اقتراحاته لهم. وقد رد عبد الكريم قاسم على أحد الاتصالات التلفونية التي أجراها سلام عادل مع وزارة الدفاع، وقال له بأننا أخطأنا مع الشيوعيين، وقدم له الاعتذار قائلا بأنه سيضعهم في المكان المناسب واعدا بمعالجة الأخطاء التي ارتكبت بحق الحزب، لكن سلام عادل قطع حديثه بلباقة موضحا له بأن الوضع حرج يحتاج العمل السريع وعدم مناقشة الماضي وطلب منه إذاعة بيان موجه إلى القوات المسلحة بصوته من الإذاعة السرية التي كان الحزب يعتقد بوجودها في وزارة الدفاع يدعو فيها الجماهير إلى مقاومة الانقلاب وتسليم السلاح للجماهير"6.
وكان موقف الكتلة اليمينية الانتهازية في قيادة الحزب، هو استغلال أحداث كركوك استغلال انتهازياً بشعاً، بهدف تصفية الحساب مع قيادة سلام عادل للحزب، والعمل على إبعاده، وهو ما عبر عنه الشهيد سلام عادل بعد عودته للوطن من فترة الإبعاد تلك، بجملته الشهيرة حينما قال له الشهيد جمال الحيدري: "ان الانقلاب كما يبدو قد بدأ منذ الصباح . فعلق الشهيد سلام عادل: كلا. لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره6.
إن العدو الذي افتعل فتنة كركوك في تموز 1959، هو العدو ذاته الذي يبلقن كركوك بالمادة 140 سيئة الصيت، إنه الاستعمار والاحتلال والشركات النفطية الاحتكارية والعملاء المحليون.
فلم تتمكن صياغة المادة 140 الخادعة من إخفاء الهدف الحقيقي من وراء إصدارها، ألا وهو إثارة الفتن العصبية القومية المتخلفة في تقليد أعمى للسياسة البعثية القومية الشوفينية.
أن صناع فتنة كركوك الجديدة لا يتعلمون من التاريخ، فكركوك هي العراق المصغر المتآخي، وثروات كركوك النفطية، كثروات البصرة النفطية، وجميع الثروات العراقية، هي ملك للشعب العراقي، وما الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين وسائر الكادحين إلا حراس هذه الثروة وأصحاب الحق في توزيعها العادل.
إن تغير البنية الديموغرافية للمدن هو ظاهرة تاريخية موضوعية، والتبدل الذي طرأ على مدينة كركوك يدخل في هذا الباب، فالعامل الاقتصادي، وقبل أي عوامل أخرى، دينية أو اثنية، هو الأساس في حركة تطور مدينة كركوك في هذا الاتجاه أو ذاك، وفي صيرورتها التاريخية الراهنة.
إن نزوح فقراء الأكراد من الريف الكردي إلى كركوك، كان قد بدأ منذ لحظة اكتشاف النفط في مدينة كركوك، هذا الاكتشاف ( العامل الاقتصادي) الذي أعلن بأن مدينة كركوك تقع على أرض يكمن في باطنها ما يقدر بـ 6% من احتياطي البترول في العالم. وتزايدت هذه الهجرة الفلاحية الكردية هرباً من ظلم الأغوات الذين حولوا حياة الفلاحين إلى جحيم لا يطاق.
هذه الهجرة الفلاحية التي تعاظمت بعد ثورة 14 تموز 1958 وصدور قانون الإصلاح الزراعي، والتي لم تقتصر على الفلاحين الأكراد فحسب، بل شملت الفلاحين العرب في ريف الجنوب والفرات الأوسط، الذين نزحوا إلى البصرة (العامل النفطي أيضاً) والى بغداد العاصمة بحثا عن فرصة عمل، وهربا من جحيم الإقطاع أيضاً.
فإذا كانت هجرة الفلاحين الأكراد قد أثرت على التركيبة الديموغرافية من الناحية القومية (الأكراد – التركمان) لمدينة كركوك، فإن هجرة الفلاحين العرب إلى بغداد لعبت هي الأخرى دورا في تغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة بغداد من الناحية المذهبية (شيعة - سنة)8.
إن كركوك التآخي قادرة على أن تكون المفتاح لإخراج العراق من النفق المظلم، وبالتالي استعادته لوجهه الحضاري المشرق، وجه بلاد الرافدين منبع الحضارة الإنسانية قاطبة، دعونا نأمل ونعمل من أجل تحقيق هذا الهدف العظيم9.
فخيار الفتنة في تموز 1959 أدى إلى ضياع ثورة الشعب، ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، ومجيء نظام الردة والرجعية الفاشية، الذي ادخل العراق في دوامة القتل والتدمير على مدى أربعين عاماً، اختتمت باحتلال البلاد على يد أعتى قوى امبريالية استعمارية عرفها التاريخ الحديث.
أما الإصرار على تنفيذ خيار البلقنة في المادة 140 فسيمزق العراق إرباً إرباً، وتسيل انهار الدماء كما لم تجري من قبل، ولن يبقى من الثروات المتصارع عليها، إلا ما ينهب على يد الشركات الأمريكية الاحتكارية، وبعض الفتات الذي سيرمى بشكل سلاح لأمراء الإقطاع والطائفية والعنصرية.
***
المصادر
(1)حنا بطاطو "العراق – الكتاب الثالث، الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى – بيروت 1992 ص 224 .
(2)حنا بطاطو، العراق- الكتاب الأول، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية"، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت 1990، ص57-58.
(3) ثمينة ناجي يوسف، سلام عادل سيرة مناضل، الجزء الثاني، ص66.
(4)المصدر السابق، ص 68-69.
(5)حنا بطاطو. الكتاب الثالث، ص 223.
(6)ثمينة ناجي يوسف. سلام عادل سيرة مناضل، الجزء الثاني، وص 339.
(7)المصدر السابق .ص 337
(8)صباح زيارة الموسوي،الحوار المتمدن - العدد: 1837 - 2007 / 2 / 25 .
(9)المصدر السابق.