اللقاء اليساري العربي

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية‎

المقالات

التيار اليساري

هيئة التحرير

الأرشيف

مكتبة اليسار

ملفات اليسار

النقابات العمالية

 

 

 

صفحات سياسية -صفحة الكاتب حسقيل قوجمان

حسقيل قوجمان

نحتاج الى شطف ادمغتنا ١

 


منذ نشوء الطبقة العاملة وتبلورها وظهور نظريتها وبداية تنظيمها في احزاب او منظمات مختلفة كان ابرزها نشوء الاممية الاولى تحت قيادة ماركس وانجلز نشأت داخل منظماتها وخارج منظماتها اراء معادية لاراء الطبقة العاملة تهدف الى حرفها عن طريق نضالها الحقيقي وعن هدفها الاستراتيجي، هدف الاطاحة بالنظام الراسمالي وتحقيق النظام الاشتراكي. ولكن القيادات الثورية، القيادات التي تهدف حقا الى توعية وتنظيم الطبقة العاملة ودفعها وقيادتها في طريق تحقيق اهدافها التكتيكية وهدفها الاستراتيجي، كانت تفضح هذه الاراء الانتهازية والتحريفية التي تهدف الى حرف الطبقة العاملة عن طريق نضالها الحقيقي.
ولكن الامر تغير حين انحرفت قيادات الاممية الثانية عن الطريق الماركسي الثوري، الطريق البروليتاري، وانضم كل حزب من احزابها الى برجوازيته في الحرب العالمية الاولى تحت شعار الدفاع عن الوطن. ولم يشذ عن ذلك سوى الحزب البلشفي بقيادة لينين وبعض العناصر الثورية التي حافظت على مواقفها الثورية مما ادى الى اعدام العديد منهم. وقف الحزب البلشفي وقفة ثورية حقيقية فحقق ثورة اكتوبر الاشتراكية ونشأت على اثر ذلك الاممية الثالثة، الاممية الشيوعية. وكان بناء المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي منارا للطبقة العاملة يهديها الى الطريق الثوري الصحيح في سبيل تحقيق ما حققته شعوب الاتحاد السوفييتي.
ولكن الامر تغير تغيرا جوهريا حين استولت الطغمة الخروشوفية على قيادة الحزب والدولة في الاتحاد السوفييتي. اخذت القيادة التحريفية السوفييتية اضافة الى الخطوات الاقتصادية في سبيل تدمير النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي ضحت شعوب الاتحاد السوفييتي بالكثير من اجل بنائه والمحافظة عليه، تخلق اراء تحريفية انتهازية تحشوها في ادمغة الطبقة العاملة والكادحين لحرفهم عن طريق النضال الثوري ضد الانظمة الراسمالية. وصورت هذه الاراء التحريفية الانتهازية على انها اراء ماركسية، اراء لينينية حقيقية، اراء ماركسية خلاقة اشتراكية ذات طابع انساني وغير ذلك من التفاهات لاخفاء حقيقتها المحرفة لنضالات الطبقة العاملة الثورية الحقيقية. وحشيت ادمغة الطبقة العاملة والكادحين في ارجاء العالم بمثل هذه الاراء التي اعتقدوا انها تطوير للماركسية وفقا لظروف النضالات المتغيرة في العالم بعد نشوء وتطور النظام الاشتراكي. وهذه الاراء لا حصر لها ولا يمكن تعدادها ومناقشتها في مقال كهذا بل تتطلب فضحا وتفنيدا مستمرا على نطاق عالمي يغسل ادمغتنا، ادمغة جميع الثوريين في العالم، من هذه الاراء الانتهازية التحريفية ومن اجل اعادة النضال الثوري البروليتاري الى طريقه الصحيح. وفي هذا المقال اود ان اناقش موضوعا واحدا من المواضيع الهامة التي يجب مناقشتها لتحقيق شطف ادمغتنا من هذا اللوث الذي اصابها. موضوع هذا المقال هو تمسك الشيوعيين الثوريين الحقيقيين باحزابهم التي اصبحت احزابا انتهازية تحريفية.
لنأخذ على سبيل المثال ابرز هذه الاحزاب، الحزب الشيوعي الروسي، حزب لينين. يعلم العالم كله عن انجازات هذا الحزب العظيمة من اصراره على التمسك بالنظرية الماركسية واتخاذها دليل عمله في جميع نضالاته وانجازاته من ثورة اكتوبر والدفاع عن الثورة اثناء حرب التدخل والنضالات العظيمة التي قادها من اجل تحقيق اول مجتمع اشتراكي في تاريخ البشرية وفي الدفاع عن هذا النظام ضد جحافل الجيوش النازية وتحرير العالم من لوث النازية الهتلرية واعادة بناء ما دمرته الحرب. يعلم العالم ان الحزب ضحى باوعى واثقف واخلص اعضائه في سبيل قيادة هذه النضالات. كل هذا تاريخ لا يستطيع انكاره الا اعدى اعداء الطبقة العاملة و الحركة الشيوعية.
ولكن هذا الحزب اصبح حزبا تحريفيا انتهازيا حين استولت على قيادته زمرة انتهازية تحريفية هدفها الاستراتيجي اعادة النظام الراسمالي الى المجتمع الاشتراكي. وطبيعة اي حزب تتحدد بسياسة قيادته ولذلك فان هذا الحزب اصبح من حيث سياسته بكامله حزبا تحريفيا انتهازيا. ولكن هذا الحزب لم يتجرد من اعضاء ثوريين حقيقيين بقوا متمسكين بسياسة الحزب البلشفي وباهدافه. فما هو الموقف الماركسي الصحيح لهؤلاء الشيوعيين البلاشفة الحقيقيين؟ هل عليهم ان يتمسكوا بهذا الحزب التحريفي الانتهازي على اساس نضالاته التاريخية الثورية؟ اذا تمسك هؤلاء الاعضاء البلاشفة بالحزب على انه حزب لينين منتظرين ابعاد قياداته التحريفية واعادته الى نضالاته الثورية الحقيقية فانهم بذلك يكونون عاملا هاما في استمرار وجود هذا الحزب في اعماله الانتهازية والتحريفية ويكونون جزءا منه ومن نشاطاته التحريفية الانتهازية رغم انهم يتغنون بنضالاته وتضحياته وانجازاته حين كان حزبا حقيقيا للطبقة العاملة. ان تمسك هؤلاء الشيوعيين البلاشفة بالحزب بعد تحوله الى حزب تحريفي عامل حاسم في استمرار بقاء هذا الحزب التحريفي واستمرار خدع الطبقة العاملة بوجود حزبها الذي اصبح حزبا انتهازيا تحريفيا. واضح ان موقف هؤلاء الشيوعيين الحقيقيين موقف خاطئ تثبته الحقائق التاريخية. فرغم وجودهم وتمسكهم بهذا الحزب على انه حزب لينين لم يغير ذلك من حقيقة نجاح قيادته التحريفية الانتهازية في تمزيق المجتمع الاشتراكي وتحويل الاتحاد السوفييتي الى عدد من الدول الراسمالية وقيام سكرتيره العام بحله وجعله حزبا غير شرعي. ان تمسك هؤلاء الشيوعيين الثوريين لم يغير من مسيرة القيادة التحريفية للحزب. فقيادة الحزب هي التي تعين طبيعة الحزب وليس اعضاؤه.
اين يكمن خطأ هؤلاء الشيوعيين الثوريين؟ الخطأ الاساسي هو فصل الحزب عن الطبقة العاملة واعتباره كيانا مستقلا له تنظيمه الخاص. ينسى هؤلاء الشيوعيون ان الحزب ليس كيانا بحد ذاته وانما هو جزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة. ينسون ان الحزب الثوري هو جزء طليعي من الطبقة العاملة يقودها في طريق تحقيق اهدافها وخصوصا هدفها الاستراتيجي. ينسون ان نضالات الحزب وانجازاته وتضحياته تعود الى الطبقة العاملة لانه جزء لا يتجزأ منها وليست انجازات وتضحيات تخص الحزب ككيان منفصل عن الطبقة العاملة. ينسون ان انجازات الحزب لا يمكن تحقيقها الا بنضال الطبقة العاملة وحلفائها من الكادحين. ولكن الحقيقة هي ان نضالات الحزب الشيوعي الحقيقي هي نضالات وتضحيات وانجازات الطبقة العاملة التي هو جزء منها.
لماذا تشكل نظرة التمسك بالحزب خطأ فادحا يقترفه هؤلاء الشيوعيون الثوريون الحقيقيون؟ الخطأ الفادح هو ان هؤلاء الشيوعيين يعتبرون ان الحزب هو كيان منفصل عن الطبقة العاملة. انهم يعتبرون ان الحزب هو حزب لينين سواء حين كان الحزب الشيوعي الحقيقي جزءا لا يتجزأ من الطبقة العاملة او حين اصبح الحزب حزبا تحريفيا انتهازيا معاديا للطبقة العاملة ولاهدافها.
الحقيقة التي ينساها هؤلاء الشيوعيون هي ان الحزب المنحرف لا يبقى جزءا من الطبقة العاملة بل يصبح عميلا برجوازيا في صفوف الطبقة العاملة. لذلك ينسبون نضالات وانجازات الحزب حين كان حزبا للطبقة العاملة الى هذا الحزب الذي اصبح عدوا لدودا للطبقة العاملة. ينسون ان نضالات وانجازات الحزب حين كان حزبا للطبقة العاملة هي انجازات ونضالات وتضحيات الطبقة العاملة وليست نضالات وانجازات وتضحيات الحزب بالانفصال عن الطبقة العاملة. والحقيقة هي ان هذه النضالات والانجازات والتضحيات لا تخص الحزب بصورة مستقلة بل هي نضالات وانجازات وتضحيات الطبقة العاملة حين كان الحزب جزءا منها. الخطأ الفاحش هو نسبة هذه النضالات والمنجزات والتضحيات الى هذا الحزب الذي اصبح حزبا معاديا للطبقة العاملة. الخطأ هو انهم يعتبرون تاريخ الحزب الشيوعي الحقيقي جزءا من تاريخ هذا الحزب التحريفي الانتهازي وهو بريء من هذه الانجازات والتضحيات براءة الذئب من دم يوسف. ان تاريخ هذا الحزب ليس تاريخا واحدا بل هو تاريخان. تاريخ هو جزء من تاريخ نضال الطبقة العاملة، وتاريخ هو جزء من تاريخ معاداة الطبقة العاملة، وهما تاريخان متناقضان لا يمكن جمعهما في تاريخ واحد.
ما الذي كان سيحدث لو ان لينين تمسك بالاممية الثانية بعد انحرافها وافلاسها على انها اممية انجلز منتظرا ازاحة قياداتها التحريفية واعادتها الى الطريق الثوري الحقيقي؟ لبقي لينين متمسكا بهذه الاممية حتى يومنا هذا انتظارا لاعادتها الى الطريق الثوري الصحيح. بينما الحقيقة التي ادركها لينين هي ان هذه الاممية لم تعد جزءا من الطبقة العاملة بل اصبحت عدوا للطبقة العاملة ينبغي الانفصال عنه ومعاداته والنضال ضده من اجل تحقيق اهداف الطبقة العاملة. ولولا موقف لينين الصحيح بالانفصال نهائيا عن الاممية الثانية والنضال ضدها وفضحها ودعوة كافة الثوريين الحقيقيين الى الانفصال عنها لما تحققت الثورة الاشتراكية، ثورة اكتوبر، ولما شاهد العالم لاول مرة في التاريخ مجتمعا اشتراكيا.
كان من نتائج تحول الحزب البلشفي الى حزب تحريفي تحول جميع الاحزاب الشيوعية العالمية تقريبا الى احزاب انتهازية تحريفية. وقام الحزب السوفييتي ببرجزة جميع الاحزاب السائرة في ركابه وجعلها تركض وراء النقود مهما كان مصدرها. ولكن الشيوعيين الثوريين الحقيقيين بقوا يتغنون بماضي احزابهم ومنجزاتها. حزب توريز وتوغلياتي وباسيوناريا وديمتروف وراكوشي وهوشي منه وماو تسي تونغ. وفي البلدان العربية حزب بكداش وحزب فهد وحزب نصار وغيرها.
ان مهمة الثوريين الحقيقيين هي الابتعاد عن جميع الاحزاب التي اصبحت احزابا تحريفية انتهازية ومحاربتها على انها احزاب معادية للطبقة العاملة. عليهم ان يعودوا الى صفوف الطبقة العاملة يناضلون معها وفي صفوفها ويكرسون كافة طاقاتهم وتجاربهم الثورية في سبيل اعادة النشاط الثوري الحقيقي للطبقة العاملة واعادة تشكيل احزابها الطليعية الحقيقية.عليهم ان يغسلوا ادمغتهم من فكرة التمسك بالحزب التحريفي على انه حزبهم. عليهم ان يفصلوا تاريخ حزبهم الى تاريخين وليس تاريخا واحدا. تاريخ كون الحزب حزب الطبقة العاملة، وتاريخ كون الحزب حزبا معاديا للطبقة العاملة.
في العالم اليوم الكثير من هؤلاء الثوريين الذين انفصلوا عن الاحزاب التحريفية وعادوا الى النضال في صفوف الطبقة العاملة وعملوا على تاسيس احزاب حقيقية للطبقة العاملة تتمسك بنظرية الطبقة العاملة، نظرية ماركس انجلز لينين ستالين، وهذه الاحزاب الناشئة تناضل اليوم من اجل تأسيس اممية شبيهة بالاممية الثالثة. ونشأت في دول الاتحاد السوفييتي السابق احزاب كهذه وهي تناضل نضالا مشتركا من اجل اعادة الاشتراكية الى دول الاتحاد السوفييتي واعادة تشكيل اتحاد كالاتحاد السوفييتي عن طريق الثورات الاشتراكية. انهم يحملون شعار اعادة اشتراكية لينين ستالين. والشعوب العربية وثوريوها بحاجة هي الاخرى الى غسيل ادمغتها من مفهوم التمسك بالاحزاب التحريفية على انها احزابها التاريخية وعلى اساس تاريخ هذه الاحزاب المشرف حين كانت احزابا للطبقة العاملة. على الثوريين الحقيقيين في هذه البلدان اللحاق بركب الشعوب الاخرى في السير في هذا الاتجاه.

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (706) 06/09/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

الجيش المصري والمجلس العسكري الاعلى

 

كتبت في اول مقال كتبته حول الثورتين المصرية والتونسية ان هاتين الثورتين حتى لو حققتا جميع مطالبهما على اكمل وجه فانهما لن تستطيعا احقاق ما يريده الشعبان من عدالة وحل مشاكل الشعبين حلا حقيقيا. وبينت ان سبب ذلك هو ان الثورة لم تعلن ضد النظام القائم وانما هما ثورتان ضد الدكتاتورية الاستبدادية الفاسدة رغبة في احقاق حكم اقل فسادا وتحقيق دولتين اكثر استقلالا واقل خضوعا لاوامر الامبريالية الاميركية واكثر اهتماما في رعاية الشعبين ومصالحهما. ولكنهما لا تستطيعان انهاء الاستغلال الاقتصادي والبطالة والفقر وكل ما عاناه ويعانيه الشعبان من استغلال وفساد.
ان السبب الحقيقي لفقر الشعب ومعاناته وبطالته هو وجود النظام الراسمالي. فالراسمالية فاسدة كانت ام غير فاسدة، ظالمة كانت ام غير ظالمة، لا تستطيع العيش يوما واحدا بدون استغلال الطبقة العاملة والكادحين لان هذا الاستغلال هو مصدر ربحها الوحيد ومصدر حياتها . وهاتان الثورتان لم تعلنا من اجل القضاء على النظام الراسمالي. قد تتحقق للشعبين ظروف اقل قسوة واقل استغلالا واقل خضوعا للسياسات الامبريالية نتيجة للثورة ولكنهما لا تستطيعان ان تقضيا على معاناة الشعبين وعلى استغلالهما.
ان ما نسميه ثورة في تونس وفي مصر ليس ثورة في المفهوم العلمي للثورة بل هي انتفاضة سلمية عارمة تهدف الى تحسين الاوضاع التي عانى الشعبان منها خلال عشرات السنين من حكم ابن على او حسني مبارك. في هذا المقال اود ان اناقش ظاهرة شائعة في هاتين الثورتين وخصوصا في الثورة المصرية.
واضح خصوصا في مصر ان الجيش المصري وقف موقفا مشرفا من انتفاضة الشعب المصري. كان واضحا ان هذا الجيش هو جزء من الشعب المصري وحام لانتفاضته بحيث انه لم يطلق النار على الشعب المنتفض بل عمل على حمايته وصيانة انتفاضته او ثورته. وقف الى جانب الشعب ضد سلطة حسني مبارك ورهطه.
اي جزء من الجيش هو الذي وقف هذا الموقف المشرف العظيم تجاه الشعب المصري وتجاه ثورته؟ يبدو لي ان هذا الجزء من الجيش هو الجنود الافراد الذين هم ابناء العمال والفلاحين والكادحين المعرضين لظلم واستغلال السلطة القائمة. هذا الجزء من الجيش هو الضباط الصغار الشباب الذين لم يكونوا على استعداد لاطلاق النار وتحطيم وتشتيت وتفريق الشعب المنتفض. ان الجزء الذي وقف هذا الموقف المشرف من الانتفاضة الشعبية ومن الشعب المصري هو ابناء الشعب المجندين في هذا الجيش. ليست قيادة الجيش العليا هي التي وقفت هذا الموقف المشرف بل ضباط الجيش الصغار وافراد الجيش ابناء العمال والفلاحين هم الذين وقفوا هذا الموقف المشرف من الثورة ومن الشعب.
ولكن يبدو لي ان هناك خلطا بين الجيش وبين قيادته العليا. يبدو لي ان شعب الثورة او شعب الانتفاضة يخلط بين الجيش وقيادته العليا اما جهلا او تحاشيا للتصادم بين الجيش والثورة. ولكني ارى ان هذا الخلط يشكل خطرا داهما على الثورة ومنجزاتها. فمن هي قيادة الجيش العليا؟
كان مبارك القائد العام للجيش المصري بصفته رئيس الجمهورية. ومن الطبيعي ان يقوم بقيادة وتربية الجيش من اجل الحفاظ على نظامه ضد اية معارضة تبدو من الشعب المصري لسلطته. فقد نظم وربى وسلح وثقف هذا الجيش لكي يكون اداته الفعالة في قمع اية معارضة مهما كان نوعها سواء اكانت مطالبها شعبية مشروعة ام لم تكن. كان حسني مبارك رئيسا للمجلس العسكري الاعلى واختار لهذا المجلس اخلص واطوع الضباط لارادته ولسلطته. وقد كان هذا المجلس اداته الطيعة طوال الثلاثين عاما من حكمه.
ما الفرق بين ابن علي في تونس وحمني مبارك في مصر والقذافي في ليبيا وصالح في اليمن؟ الفرق الوحيد في رايي هو ان القذافي وجد من الجيش او المرتزقة من يطيعه في عملية ابادة الشعب من اجل الحفاظ على سلطته بينما لم يستطع ابن علي او مبارك وقيادتاه العسكريتان ان يجدا جيشا يخضع لهما في عملية ابادة الشعب المنتفض وتحطيم انتفاضته. فالجيش الذي ربياه وثقفاه وسلحاه من اجل الحفاظ على نظامهما لم يخضع لاوامرهما في تحطيم الانتفاضة عن طريق تمزيقها بقوة السلاح. ولو خضعت قواعد الجيش المصري مثلا لقيادة حسني مبارك في ضرب الشعب المنتفض لما تخلى عن سلطته ولما تواني عن ان يستخدم الجيش بنفس الطريقة التي يستخدم القذافي جيشه ومرتزقته للحفاظ على سلطته.
اعلن نائب الرئيس مبارك المعين قبل ايام عن تخلي مبارك عن مهام رئاسة الجمهورية. ولكنه لم يعلن عن تخلية عن رئاسة المجلس العسكري. فهل ما زال مبارك رئيسا للمجلس العسكري لا يحضر اجتماعاته بسبب توعكه الصحي؟ اعلن نائبه انه طلب من المجلس العسكري ادارة شؤون البلاد. فهل يحق لرئيس جمهورية قانونيا ان يعين من يدير شؤون البلاد بعده عند تخليه عن مهامه او الاطاحة به؟
اعلن حسني مبارك في خطابه الاخير قبل تخليه عن مهام رئاسة الجمهورية عن برنامج وعد بتنفيذه في الفترة المتبقية من ولايته الاخيرة مع التأكيد على عدم ترشيح نفسه للرئاسة هذه المرة. واعلن انه لا يورث ابنه جمال للرئاسة. وهذا لا يعني ان جمال ليس من حقه باعتباره زعيما لحزب ان يرشح نفسه للرئاسة من اجل انتخابه انتخابا شرعيا. ولكن حسني مبارك اعلن في هذا البرنامج الخطوات التي يزمع تحقيقها في بقية ولايته كانتخاب رئيس للجمهورية واجراء انتخابات ديمقراطية للبرلمان واخرها التفكير في انهاء حكم الطوارئ الذي عاني منه الشعب المصري طيلة حكم مبارك ولم يعش الشعب المصري ولو يوما واحدا في ظل حكم القوانين لان قانون الطوارئ يعني الغاء او تجميد كافة القوانين وابقاء قانون الطوارئ وحده نافذا في البلاد. ولكي يقدر الشعب المصري، شعب الثورة او الانتفاضة، موقف المجلس العسكري من الانتفاضة عليه ان يرى مقدار تخلي هذا المجلس عن البرنامج الذي وضعه له مبارك قبل ايام من تخليه. السؤال هو هل حاد المجلس العسكري ولو قيد شعرة عن هذا البرنامج؟ يبدو لي ان المجلس العسكري لم يحد عن هذا البرنامج خلال هذه الشهور من الثورة. وعلى سبيل المثال لماذا يبقى قانون الطوارئ الى ما بعد انتخاب المجلسين ورئيس الجمهورية؟ لماذا لم يلغ المجلس قانون الطوارئ الذي عانى منه الشعب المصري كل يوم من ايام حكم حسني مبارك؟
والموضوع الاكثر حساسية هو هل المجلس العسكري اليوم يمارس مهمته كقائد للجيش المصري؟ واضح ان المجلس العسكري بعيد كل البعد عن مهمته الاساسية، مهمة قيادة الجيش المصري. انه اليوم يمارس مهام رئيس الجمهورية. انه يقود سياسة البلاد في هذه الفترة الانتقالية. وقد كان هذا المجلس طوال مدة حكم حسني مبارك مجلسا طيعا ومنفذا لمصالح حسني مبارك وخاضعا لارادته ولاوامره. فما الذي تغير بين عشية وضحاها؟ كيف تحول هذا المجلس فجأة وعلى حين غرة من مجلس حسني مبارك الى مجلس الثورة على حكم حسني مبارك؟
يبدو لي ان مهمة المجلس الاعلى الاساسية هي كسب الوقت وتهدئة الثورة لابقاء حكم حسني مبارك بدون حسني مبارك ومن ثم الانقضاض على قيادات الثورة واشخاصها البارزين والتنكيل بهم بنفس طريقة حسني مبارك.

 

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (675)    30 /07/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

حول دكتاتورية البروليتاريا

 

ارسل لي قارئ عزيز رسالة مطولة جاءت فيها الاسئلة التالية:

"لي سؤال احب ان اعرفه  1 - حول دكتاتورية البروليتاري ولماذا اغلب الاحزاب الشيوعية العربية قدالغتها من برنامها الداخلي2- حول فلسفة الماركسية اللينينية وقد حذفت بعضالاحزاب العربية مصطلح اللينية بينما الذي اعرفه منذ تعرفي على الفلسفةالمارسية ايام السبعينات ان المصطلحين مطملان للأخر وشكراً"

من المعروف ان ماركس بين ان حكومة الدولة الاشتراكية لابد ان تكون دكتاتورية البروليتاريا. وتسميتها دكتاتورية البرولياريا ليس لانها تختلف عن الحكومات التي سبقتها في الانظمة الطبقية الاخرى. فماركس وانجلز اعتبرا ان كل دولة منذ نشوء اول دولة في التاريخ وحتى زوال الدولة في المجتمع الشيوعي هي في الاساس دكتاتورية مهمتها اخضاع الطبقة او الطبقات المحكومة للطبقة الحاكمة وتحقيق الديمقراطية لهذه الطبقة الحاكمة. فالدكتاتورية هي الصفة الاساسية للدولة لان الديمقراطية التي تتمتع بها الطبقات الحاكمة لا يمكن تحقيقها بدون فرض الدكتاتورية على الطبقات المحكومة. ولهذا اطلقا اسم الدكتاتورية على الحكومة العمالية في النظام الاشتراكي تعبيرا عن الصفة الاساسية الحقيقية لكافة الدول في التاريخ. وقد عبر لينين عن ذلك ادق تعبير حين قال ما معناه ان دكتاتورية البروليتاريا هي مليون مرة اكثر ديمقراطية من اية دولة ديمقراطية في العالم. اذ انها دكتاتورية شعب كامل ضد طبقة حاكمة سابقة تشكل اقلية هي الطبقة الراسمالية المطاح بها او بقاياها.

كانت تجربة كومونة باريس اول دكتاتورية بروليتارية لم تدم اكثر من شهرين وقد بين ذلك كارل ماركس صراحة حين كتب عن كومونة باريس. وكانت اول دكتاتورية بروليتارية تحققت ونجحت حكومة الاتحاد السوفييتي فور نجاح ثورة اكتوبر العظمى. وحين تأسست الاممية الثالثة كان احد شروط قبول اي حزب شيوعي في الاممية ان يضع في برنامجه هدف تحقيق دكتاتورية البروليتاريا. وحتى بعد حل الاممية الثالثة اثناء الحرب العالمية الثانية بقيت الاحزاب الشيوعية كلها متقيدة بشرط الاممية الثالثة تضع شعار دكتاتورية البروليتاريا في برامجها.

بدأت حركة التخلي عن شعار دكتاتورية البروليتاريا في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. اعلن في هذا المؤتمر انه اصبح بالامكان تحقيق الاشتراكية بطريقة سلمية. وهذا كان الاساس الذي استندت الاحزاب اليه في الغاء شعارالثورة ودكتاتورية البروليتاريا من برامجها. وكان لخطاب خروشوف "السري" العلني ضد ستالين دور تحطيم وحدة الحركة الشيوعية في العالم كله وهذا ساعد بصورة جدية على حركة الغاء شعار دكتاتورية البروليتاريا من برامج الاحزاب الشيوعية التي سارت وراء الحزب "الشيوعي" اللا شيوعي في الاتحاد السوفييتي الخروشوفي.

ترى من هذا عزيزي القارئ ان الغاء شعار دكتاتورية البروليتاريا من برامج الاحزاب الشيوعية لم يكن مقصورا على الاحزاب الشيوعية العربية بل كان ظاهرة شملت جميع الاحزاب الشيوعية التي اعتبرت الحزب الشيوعي الخروشوفي الحزب القائد. وكانت جميع الاحزاب الشيوعية العربية ضمن هذه المجموعة من الاحزاب الشيوعية العالمية التي الغت شعار دكتاتورية البروليتاريا من برامجها وكان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي على راس الاحزاب التي الغت دكتاتورية البروليتاريا التي نشأ تحت قيادتها اول مجتمع اشتراكي في التاريخ. فالحكومات الخروشوفية في الاتحاد السوفييتي لم تقتصر على اعادة الراسمالية وتحطيم الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي بل حطمت وحدة الحركة الشيوعية العالمية ايضا وكان الغاء شعار دكتاتورية البروليتاريا احد مظاهر تحطيم وحدة الحركة الشيوعية العالمية.

ان تحطيم وحدة الحركة الشيوعية العالمية لم يقتصر على الغاء شعار دكتاتورية البروليتاريا من برامج الاحزاب الشيوعية وانما اتخذ كذلك شكل الدعاية ضد كلمة الدكتاتورية. فقد نسيت هذه الاحزاب الشيوعية او تناست نظرية ماركس انجلز بالازدواجية الحتمية لطبيعة الدولة وبان الدولة، كل دولة بما في ذلك دكتاتورية البروليتاريا، هي بالضرورة وحدة نقيضين، دكتاتورية وديمقراطية ولا يمكن ازالة الدكتاتورية بدون ازالة الديمقراطية او العكس واخذت تثقف ضد كلمة الدكتاتورية وكأن الدول الراسمالية العالمية هي فعلا دول ديمقراطية لا دكتاتورية. ونحن شهود اليوم على ديمقراطية الدول الامبريالية وعلى راسها الولايات المتحدة الاميركية سواء في سياساتها الداخلية ضد شعوبها ام في سياساتها الخارجية ضد شعوب العالم قاطبة.

نشأت في العالم بعد خطاب خروشوف وسياسة الاتحاد السوفييتي الخروشوفي الهادفة الى اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي حركات عديدة تسمي نفسها شيوعية. فقد نشأت في اوروبا الغربية مثلا شيوعية جديدة سميت الشيوعية الاوروبية او الاوروشيوعية اوجدتها احزاب شيوعية قديمة كبيرة مثل الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الشيوعي الاسباني والحزب الشيوعي البريطاني. وقد تخلت احزاب هذه الشيوعية الجديدة عن شعار دكتاتورية البروليتاريا كما تخلت رسميا عن الماركسية كدليل لعملها. فما المانع غدا من ان نسمع عن شيوعية اسيوية وشيوعية اميركية لاتينية وشيوعية افريفية واسترالية؟ ففي كافة هذه القارات توجد حركات شيوعية.

واذا اخذنا العراق مثلا نجد اسماء مضحكة للشيوعية. شيوعية عربية وشيوعية كردية فما المانع غدا من ان نجد شيوعية تركمانية وشيوعية فيلية واثورية وصابئية مندائية وشيوعية شيعية وشيوعية سنية وغيرها. اليس في هذه القوميات والطوائف شيوعية وشيوعيون؟ ونجد في العراق شيوعية عمالية وشيوعية عمالية يسارية وشيوعية لجنة مركزية وشيوعية قيادة مركزية وشيوعية كادر وشيوعية حكمتية وتجمع الشيوعيين العراقيين وشيوعيات ماوية ويسارية ثورية الى اخره من الشيوعيات. ونرى هناك يساريات متنوعة ايضا فيسارية وطنية كأن هناك يسارية لا وطنية ويسارية ثورية الخ الخ.

في كل هذه الاحزاب والمنظمات شباب ثوري حقيقي يريد بكل اخلاص انقاذ المجتمع من الاستغلال والاضطهاد والفقر والجوع ويحلم ببناء المجتمع الاشتراكي ولكنه مقتنع بان المنظمة التي ينتمي اليها هي المنظمة السائرة حقا في هذا الاتجاه وهذا هو الذي يخلق التشرذم والتفرق وعدم الوحدة في الحركة الشيوعية.

المصيبة الكبرى في مثل هذا الوضع طالت الطبقة العاملة والكادحين والطلاب الثوريين والفلاحين والمراتب المتوسطة الدنيا. لا يعرف اعضاء هذه الطبقات والمراتب اين يديرون اوجههم. فكل هذه الحركات "الشيوعية" و"اليسارية" تدعي تمثيل الطبقة العاملة والفلاحين والكادحين فلا يدري هؤلاء الى اين يلفتون راسهم والى اي حزب او اية منظمة يتجهون وبذلك يتحقق تشتيت الطبقة العاملة وكافة الحركات الثورية تشتيتا كاملا.

يتحدث الكثيرون عن اشتراكية القرن الحادي والعشرين وعن شيوعية القرن الحادي والعشرين وعن ماركسية القرن الحادي والعشرين وماركسية ما بعد الحداثة وغير ذلك من الاصطلاحات والتسميات. ولكن ليس بين هؤلاء من كل الكتابات التي قرأتها من يشرح ما الذي حصل لاشتراكية القرن التاسع عشر واشتراكية القرن العشرين من تغير في اشتراكية القرن الحادي والعشرين. يكتفي كل هؤلاء الاشتراكيين وماركسيي القرن الحادي والعشرين بالتثقيف بان الماركسية نظرية متطورة وانها لابد ان تتغير في القرن الحادي والعشرين عما كانت عليه في القرن العشرين. انهم يتحدثون عن تطور الماركسية والاشتراكية والشيوعية بدون ان يشرحوا لنا ما هو التطور وما هي الشروط الجديدة لتحقيق الاشتراكية وما هي صفات الاشتراكية الجديدة المختلفة عن اشتراكية القرن التاسع عشر التي كتب عنها كارل ماركس او اشتراكية القرن العشرين التي كتب عنها لينين. لا نسمع شيئا عن كيفية تحقيق اشتراكية القرن الحادي والعشرين وهل ينبغي لتحقيقها الاطاحة بالنظام الراسمالي ام يمكن تحقيقها مع بقاء النظام الراسمالي الامبريالي. هل يمكن تحقيق اشتراكية القرن الحادي والعشرين بدون ثورة انتقالا سلميا عن طريق صناديق الاقتراع؟ هل اصبح من الممكن تحقيق اشتراكية القرن الحادي والعشرين بدون معارضة الطبقات الراسمالية المطاح بها وضرورة الدكتاتورية لكسر معارضتها؟

في العالم اليوم حركة عالمية تدعو الى تأسيس اممية شيوعية جديدة شبيهة بالاممية الثالثة. وهذه الحركة منتشرة اليوم في ارجاء العالم ويكتب عنها وتبحث في اجتماعات ومؤتمرات وكل الداعين اليها يؤكدون على ضرورتها القصوى الملحة في عالمنا اليوم، عالم القرن الحادي والعشرين. وهناك حركة واسعة النطاق في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق تدعو الى اعادة تشكيل الاتحاد السوفييتي على اساس اشتراكية لينين ستالين. وقد توحدت الاحزاب الشيوعية المؤمنة بهذا في حزب واحد موحد بين احزاب شيوعية في اغلب هذه البلدان على هذا الاساس.

لا اعرف متى يتحقق تاسيس هذه الاممية الشيوعية الجديدة. وكل الحركات الداعية لها تعتبر ان النظرية الموجهة لها هي النظرية الماركسية، نظرية ماركس انجلز لينين ستالين. وكل هذه الحركات تؤمن بضرورة الثورة الاشتراكية على نفس الاسس التي حددتها هذه الماركسية.  واذا تحقق تأسيس مثل هذه الاممية فسيكون لها تأثير كبير على الحركة الشيوعية العالمية وعلى اعادة توحيدها بعد هذا التشتت.

فالاممية الجديدة اذا تأسست لابد ان تضع لها نظاما داخليا يحدد صفات الحزب الذي يقبل للانتماء في عضويتها. اذ ليس من المعقول ان تقبل هذه الاممية في صفوفها كل هذه الحركات التي تسمي نفسها احزابا شيوعية بمختلف المسميات. ان تأسيس مثل هذه الاممية يستند الى نظرية ماركس بان الطبقة العاملة العالمية طبقة واحدة وان الاممية تمثل هذه الطبقة العاملة العالمية. فالاممية في حقيقتها تكون بمثابة حزب الطبقة العاملة العالمية. لذا فان النظام الداخلي لهذه الاممية يجب ان يحدد الشروط التي تتوفر في الحزب الذي يطلب الانضمام اليها. واذا كانت الاممية هي حزب الطبقة العاملة العالمية فمن الطبيعي ان يكون الحزب الذي ينتمي اليها حزب جزء الطبقة العاملة العالمية في بلد معين وان يعتنق المبادئ الاساسية التي تعتنقها الاممية لكي يقبل عضوا فيها. وعلى هذا الاساس لا يكون في اي بلد اكثر من حزب واحد ينتمي الى هذه الاممية.

ان وجود مثل هذه الاممية وشروط قبول الاحزاب الشيوعية في عضويتها سيكون لها تأثير كبير على اعادة توحيد الحركة الشيوعية العالمية وتوحيد الحركة الشيوعية في كل بلد بان يلجأ جميع الشيوعيين الحقيقيين الى الحزب الشيوعي المنتمي الى الاممية لان قبوله عضوا في الاممية شهادة على انه الحزب الشيوعي الحقيقي في ذلك البلد.

قد يبدو عزيزي القارئ ان هذه الكلمات عبارة عن احلام طوباوية او خيالية اوغير ذلك. ولا شك ان الكثير من التعليقات ستوجه اليها على هذا الاساس. ولكن اساسها قائم فعلا في حركات شيوعية في ارجاء العالم وهي تدعو الى تحقيقها تحقيقا فوريا. وليست هذه الكلمات من اختلاقي او ضمن احلامي الشخصية ولكن يبدو ان الحديث عنها نادر باللغة العربية. وكل هذه الحركات لا تؤمن باختلاف الاشتراكية القديمة عن اشتراكية القرن الحادي والعشرين ولا اختلاف الماركسية اللينينية عن ماركسية القرن الحادي والعشرين ولا تؤمن بامكان تحقيق الاشتراكية في العالم بالطريقة السلمية ولا بتنازل الطبقات الامبريالية الحاكمة عن انظمتها ومستعمراتها عن طريق صناديق الاقتراع. وفي حالة تحقيق هذه الاممية الجديدة لابد ان يكون شعارها تحقيق دكتاتورية البرنوليتاريا لان البروليتاريا لا تستطيع تحقيق ديمقراطية الطبقة العاملة وسائر الكادحين بدون الدكتاتورية ضد الطبقات المطاح بها او ضد بقاياها.

اترك الجواب على سؤالك حول اللينينية الى مقال اخر.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                    العدد (570)    08/04/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

30/01/2011

قانون ازمة فيض الانتاج في النظام الراسمالي

حسقيل قوجمان

وعدت القراء في المقال السابق ان اكتب شيئا عن قانون ازمات فيض الانتاج في النظام الراسمالي وساحاول في هذا المقال كتابة شيء عن هذا القانون. قانون ازمات فيض الانتاج شأنه شأن القوانين الاقتصادية الاخرى هو قانون موضوعي طبيعي بمعنى انه قانون يسري مستقلا عن ارادة الانسان ولا يستطيع الانسان منعه او تحاشيه او تغييره او استبداله. كل ما يستطيعه الانسان هو ان يقلل من مفعوله السلبي بعض الشيء.

يبدأ قانون ازمة فيض الانتاج مفعوله من قانون فائض القيمة. ففائض القيمة كما يعرفه كل من عرف شيئا عن الاقتصاد السياسي الماركسي هو استغلال الراسمالي للعامل. كيف يجري هذا الاستغلال؟ هو ان يشتري الراسمالي قوة عمل العامل بقيمتها في السوق ويستخدمها في الانتاج حيث يقدم العامل للراسمالي بعمله قيمة تفوق القيمة التي باع بها قوة عمله الى الراسمالي. هذه الزيادة هي فائض القيمة.

لكي نفهم هذه العملية نفترض ان الراسمالي يشتري قوة العمل بقيمتها الحقيقية. ومن المعروف ان موضوع قيمة شراء قوة العمل هو صراع طبقي دائم يجري بين الطبقة العاملة والطبقة الراسمالية باستمرار وبدون هوادة لان الراسمالي يحاول بكل ما اوتي من نفوذ وقوة وسلطة ان يشتري قوة العمل باقل من قيمتها بينما يناضل العامل دائما من اجل تحسين قيمة قوة عمله. ان زيادة او نقصان قيمة شراء قوة العمل من شأنه ان يزيد او ينقص نسبة فائض القيمة ولكنه لا يؤثر على طبيعة العملية ذاتها. على هذا الاساس يمكن الافتراض ان فائض القيمة هو ان يشتري الراسمالي سلعة قوة العمل بقيمتها الحقيقية ويستخدمها وفقا لحقه في استعمالها يوم عمل كامل اختلف طوله باختلاف مراحل تطور النظام الراسمالي. ١٦ ساعة او ٨ساعات وما بينها او ما يتجاوزها. ويمكن القول ان فائض القيمة هو الفرق بين قيمة سلعة قوة العمل التبادلية وقيمتها الاستعمالية.

ان سلعة قوة العمل شأنها شأن كل سلعة اخرى لها قيمة تبادلية وقيمة استعمالية. القيمة التبادلية يحددها مقدار العمل الاجتماعي المبذول في انتاجها. والقيمة الاستعمالية هي الفائدة الاستعمالية التي يحصل عليها الانسان عند استعمالها. فعند شراء الانسان سلعة في السوق يدفع قيمتها وفقا لمقدار العمل المبذول في انتاجها. وقيمة العمل المبذول في انتاج سلعة قوة العمل تتمثل بمستلزمات حياة العامل من غذاء وكساء ومسكن وبعض الكماليات ان صح التعبير التي تتغير بتغير الظروف الاجتماعية والمناخية وكذلك الواجبات العائلية. هذه المواد تشكل قيمة قوة العمل التبادلية. ولكن هذه القيمة لا تظهر في السلعة ذاتها في النظام الراسمالي. فالمشتري لا يرى مقدار العمل المبذول في انتاج السلعة في السلعة ذاتها عند شرائها بل يرى القيمة كما نرى الاشياء في المرآة، يراها في انعكاسها، في قيمة السلعة المستخدمة في شرائها، في النقود. فكأن النقود هي قيمة السلعة وليس العمل المبذول بداخلها. والواقع هو ان النقود تعكس قيمة السلعة لانها قيمة تبادلية معادلة لقيمة السلعة التي تبادل معها.

ما يراه مشتري السلعة فيها هو الفائدة التي يستطيع ان يكتسبها من استعمالها، قيمتها الاستعمالية. حين يشتري الانسان قميصا او سيارة او حذاء فانه يرى مقدار الفائدة التي يستطيع الحصول عليها من استعمالها وهذا يصح على السلع المدمرة، الاسلحة على انواعها. فحين يشتري الانسان صاروخا يرى مقدار القتل والتدمير الذي يستطيع هذا الصاروخ احداثه عند القائه وتفجيره. حين يشتري الراسمالي سلعة قوة العمل كذلك لا يرى قيمتها التبادلية في السلعة ذاتها بل يراها في ثمنها الذي يدفعه لشرائها ولكنه يرى مقدار الفائدة التي يستطيع الحصول عليها من استخدامها. على هذا الاساس نستطيع ان نعرف فائض القيمة بانه الفرق بين قمية قوة العمل وقيمتها الاستعمالية، الفرق بين ما يدفعه الراسمالي في شراء قوة العمل وما يكسبه الراسمالي من استعمالها بالعمل في مصنعه.

ليس في هذا اي جديد لانه معروف لدى كل من يعرف الف باء الاقتصاد السياسي. عملية انتاج فائض القيمة تجري خارج السوق في المصنع. اما عملية شراء سلعة قوة العمل وبيع ما ينتجه العمل فتجري في السوق. وفائض الانتاج يظهر في السوق في قيم بيع السلع التي انتجها العامل مقابل قيمة شراء قوة عمله. والعامل استلم من الراسمالي قيمة قوة عمله التي هي اقل من قيمة السلع التي انتجها اثناء عمله. لذلك لا يستطيع العامل ان يشتري كل السلع التي انتجها لا لعدم حاجته اليها بل لان النقود التي استلمها من الراسمالي لا تكفي لشراء جميع السلع التي انتجها. والراسمالي لا يستخدم السلع التي انتجها له العامل بنفسه بل يريد تحويلها الى نقود، اي بيعها. وبما ان النقود التي استلمها العمال من الراسماليين لا تكفي لشراء كل السلع التي انتجوها فان على الراسمالي ان يجد مشترين اخرين من اجل بيعها. جزء من هذه البقية التي لا يستطيع العمال شراءها يجري تبادله بين الطبقة الراسمالية على شكل ادوات انتاج او على شكل كماليات ومع مستخدميها من مهندسين ومدراء وغيرهم. ولكن هؤلاء لا يستطيعون ان يستهلكوا كل السلع التي انتجها العمال في يوم عملهم. هذا يعني ان من المحتم بقاء بعض السلع المنتجة خلال يوم العمل مخزونة في مخازن الراسماليين او في متاجرهم.

نرى من هذا ان كميات من السلع المنتجة كل يوم يصعب بيعها نظرا لعدم وجود النقود الكافية لشرائها عند العمال الذين انتجوها وعدم امكان تصريفها كلها بين الطبقة الراسمالية ذاتها. تكون هذه الكميات غير محسوسة في البداية ولكنها تشكل تغيرات كمية تتراكم يوما بعد يوم الى ان يحدث التغير النوعي، ازمة فيض الانتاج. وازمة فيض الانتاج تعني تجمع النقود والسلع في الجانب الراسمالي وتجمع الفاقة والحاجة في الجانب العمالي.

وازمة فيض الانتاج اشارة الى ضرورة انهاء النظام الراسمالي وبناء نظام اخر لا يحصل فيه هذا التراكم الكمي الذي يؤدي حتما الى التغير النوعي، الى ازمة فيض الانتاج. وهذا التغيير يجب ان يجري عن طريق ثورة العمال على النظام الراسمالي وبناء المجتمع الاشتراكي. ولكن حدوث الازمة برهان على ان الطبقة العاملة عاجزة سياسيا وتنظيميا في الحال الحاضر عن تحقيق مهمتها التاريخية في اسقاط النظام الراسمالي.

عند الازمة يظهر مفعول قانون فناء الضدين الذي يطرب يعقوب ابراهامي لسماعه. وهو قانون فناء الضدين وليس قانون فناء الثلاثة او الاربعة او الخمسة اضداد الخ كما يتساءل يعقوب. هو قانون فناء الضدين. وسبب ذلك هو انه منذ نشوء المجتمع الطبقي كانت في كل مرحلة من مراحله طبقتان رئيسيتان، عبيد واسياد، فلاحون واقطاعيون، عمال وراسماليون. وقانون فناء الضدين في النظام الراسمالي يسري على هاتين الطبقتين، الطبقة الراسمالية والطبقة العاملة وسائر الكادحين معها.

ونحن نرى امام اعيننا اليوم قانون فناء الضدين يعمل بابشع صوره. فالازمة والانهيارات المالية حيث تعلن اعداد كبيرة من البنوك افلاسها وتقدم الدول العظمى المبالغ الهائلة من دافعي ضرائبها لكي تنقذ بنوكها الكبيرة من الافلاس وتحافظ على مستوى ارباح مالكيها او تزيدها رغم الازمة. ونرى الدول العظمى تختزن كل انواع الاسلحة الفتاكة واسلحة الدمار الشامل وتشن الحروب من اجل استهلاكها لتخفيف حدة الازمة. ونرى الشركات الكبرى تلتهم وتبتلع الشركات الصغرى باسعار جزئية كتعويض لها عن جزء من خسائرها نتيجة الازمة. ونرى المنتجات المدنية متراكمة في مخازن الراسماليين يحاولون تصريفها باية طريقة ممكنة ولكن ملايين السيارات مثلا تبقى في المعامل الى ان تصبح خردة لا قيمة لها الا في المعادن التي تتضمنها. هذا هو شكل الفناء في الطبقة الراسمالية.

من الناحية الثانية نرى فناء الطبقة العاملة والكادحين حين تفقد ملايين العائلات في الولايات المتحدة بيوتها لعدم امكانيتها دفع الاقساط عن القروض التي اقترضتها من اجل شرائها. ونرى ازدياد الفقر حسب الاحصاءات الرسمية بمئات الملايين ونرى فقدان الخدمات الاجتماعية في جميع الدول الراسمالية ونرى سياسة التقشف التي تعني اجاعة الطبقة العاملة من اجل زيادة ارباح الطبقة الراسمالية ونرى الملايين من البشرية تموت جوعا ومرضا وفقرا. وهذا فناء للطبقة العاملة والكادحين.

ولكني احاول ان اتحدث قليلا عن البطالة كمثال رائع على الفناء الذي يصيب الطبقة العاملة عند الازمة. العامل العاطل ينتج قوة عمله اليوم لكي تكون له القدرة على العمل في اليوم التالي عن طريق الصدقات الحكومية ان وجدت وعن طريق كونه عالة على عائلته وعلى الطبقة العاملة كلها او حتى عن طريق التفتيش في القمامة عن فضلات طعام الاغنياء. ومن المفروض ان يكون في مقدوره ان يستعمل قوة العمل التي انتجها اليوم بالعمل غدا. ولكنه عاجز عن استعمالها لانه يحتاج الى بيعها من اجل الوصول الى ادوات الانتاج اللازمة لاستعمالها. ولذلك فان قوة العمل التي انتجها اليوم تفنى في الغد لكي يقوم بانتاج قوة عمله لليوم التالي ليكون لها نفس المصير. اننا نرى ان البطالة حتى بموجب احصاءات هذه الدول العظمى تزداد بالملايين وعشرات الملايين وهذا فناء هائل لقوة عمل الطبقة العاملة وخسارة كبرى لما كان بالامكان ان تنتجه للمجتمع لولا البطالة. ولم يعد النظام الراسمالي قادرا حتى بعد انتهاء الازمة على استيعاب ملايين العاطلين للعمل كما كان الامر في بداية الثورة الصناعية بل ان ملايين العاطلين يبقون عاطلين حتى عند انفراج الازمة وهذا احد مظاهر الازمة العامة للنظام الراسمالي.

ولمداعبة يعقوب اود ان اشرح حركة الانتاج وبيان كيفية انطباق القوانين الديالكتيكية على هذه العملية واسميها ديالكتيك الانتاج لكي امنح يعقوب الفرصة ليطبل ويزمر بصاحب ديالكتيك الانتاج كما طبل وزمر بصاحب قانون فناء الضدين.

حين حاول معلمونا الكبار شرح ديالكتيك الصراع الطبقي كانوا اولا يتخذون امثلة بسيطة شائعة الحدوث يستطيع فهمها كل انسان بسيط لكي ينتقلوا الى الحركة الاكثر تعقيدا، حركة الصراع الطبقي وضرورة الثورة ونتائجها.

بين انجلز ان القوانين الديالكتيكية تسري على كل علوم زمانه التي درسها في كتابه ديالكتيك الطبيعة ولكنه حين اراد ان يشرح للجماهير البسيطة عملية الصراع الطبقي استخدم مثلا شائعا يراه كل الناس يوميا هو مثل البيضة الذي يسميه بعض الجهلة للسخرية البيضة والدجاجة او البيضة قبل الدجاجة ام الدجاجة قبل البيضة. فشرح عملية نمو الجنين في داخل البيضة من بويضة مخصبة الى فرخ كامل النمو في داخل البيضة التي تصونه وتحافظ عليه طيلة عملية نموه وتأثير الظروف الخارجية مثل الحضانة والمحافظة على درجة الحرارة اللازمة لمواصلة نموه وبلوغ المرحلة التي تصبح القشرة التي صانته وحافظت عليه عائقا في سبيل مواصلة نموه والحاجة الى الثورة على هذه القشرة وتحطيمها من اجل مواصلة حياته وان على منقار هذا الفرخ ان يكون من القوة بحيث يحطم هذه القشرة السميكة. وبين انه في حالة عجز المنقار عن ان يحقق هذه الثورة على القشرة وان يحطمها يموت الفرخ وبتعبير انجلز لا يبقى الفرخ فرخا ولا تبقى البيضة بيضة وانا اسميتها فناء الضدين.

وحين اراد ستالين شرح نفس الشيء في ديالكتيكه "المبطوح على بطنه" استخدم مثل وحدة النقيضين في حركة جزيئات الماء وتاثير العوامل الخارجية كالحرارة مثلا على هذه الحركة وبلوغ الماء السائل الى درجة حرارة الغليان والطاقة اللازمة لتحقيق التحول النوعي من الحالة السائلة بدرجة الغليان الى الحالة الغازية بدرجة الغليان. وقد حاولت شرح ذلك بنفس الطريقة مما اوحى ليعقوب ان حسقيل يعتبر غليان الماء قيادة الطبقة العاملة.

احاول في هذه السطور ان اناقش حركة اخرى، عملية الانتاج، بنفس الطريقة. فبما ان الانتاج هو عملية، هو حركة، فتسري عليه القوانين الديالكتيكية كما تسري على كل حركة. فعملية الانتاج في المجتمع الراسمالي هي وحدة نقيضين، العمل وادوات الانتاج. وليلاحظ القارئ الكريم انني هنا لا اقول قوة العمل بل اؤكد انه العمل وذلك لان موضوع قوة العمل وقيمة قوة العمل لا علاقة له بعملية الانتاج نفسها. انها عملية تجري في السوق، عملية بيع وشراء، فالعامل يبيع قوة عمله والراسمالي يشتري قوة عمل العامل ويدفع قيمتها بشكل الاجور. اما عملية الانتاج فتجري خارج السوق حين يتحد العمل بادوات الانتاج اذ بدون هذا الاتحاد لا وجود للانتاج. وهذا الاتحاد هو وحدة نقيضين في المجتمع الراسمالي نظرا الى ان العمل ينبغي ان يصل الى ادوات الانتاج لكي يحقق الانتاج وادوات الانتاج هي ملكية خاصة للراسمالي. ودور الراسمالي في بداية العملية اي بداية النظام الراسمال في الانتاج كانت محافظة على عملية الانتاج وتطويرا لها مما أدى الى تغيرات كمية في طبيعة ادوات الانتاج وطبيعة العمل عن طريق التطورات التي تحصل يوما بعد يوم. ولكن هذه الملكية الخاصة لادوات الانتاج تتحول بمجرى التطور من عامل مساعد على تطور الانتاج الى عائق في سبيل تطوره مما يحتم احداث التغيير النوعي في هذه العملية. وهذا يتطلب طاقة عظيمة من جانب العمل لكي يحطم الملكية الخاصة لادوات الانتاج بالثورة عليها وتحطيمها واذ ذاك تتحقق الوحدة الطبيعية للعمل وادوات الانتاج بدون وجود الملكية الخاصة، الوحدة الاشتراكية في عملية الانتاج.

كثيرا ما نقرأ ان الولايات المتحدة قد انتهت او هي على وشك الانهيار نتيجة الازمة المالية او ازمة فيض الانتاج او غير ذلك مما يوحي بان النظام الراسمالي يمكن ان يزول عن طريق الازمات الاقتصادية. وهذا في اعتقادي رأي خاطئ. ان النظام الراسمالي قادر على تخفيف وطأة الازمات بوسائل عديدة وقادر على استعادة قواه بعد انفراج الازمات باشد مما كانت عليه قبل الازمات. وتاريخ الراسمالية حافل بالامثلة على ذلك.  ونحن نعيش اليوم حربا عالمية منذ ٢٠٠١ دعيت حربا عالمية ضد الارهاب. وكل مقاومة لسياسة الولايات المتحدة للاستيلاء على العالم كله تعتبر ارهابا. ونرى ان الولايات المتحدة قد انفقت في حربيها في افغانستان والعراق حسب الاحصاءات الراسمالية اكثر من تريليون دولار كانت كلها ارباحا للشركات الراسمالية الكبرى. ونرى صفقات بيع الاسلحة في العالم كله تقدر بالمليارات وليس بالملايين كما كان الامر سابقا. واضافة الى الاسلحة والحروب يوجد مشروع غزو الفضاء وتسليحه وهذا يتطلب نفقات ربما تزيد احيانا على نفقات الحروب. ونرى حتى في المناطق الخالية في الظاهر من الحرب مناورات وتحشدات عسكرية متكررة ودائمة تتطلب المليارات من الدولارات التي تشكل ارباحا للشركات المنتجة للاسلحة والمعدات اللازمة لذلك. كل هذه العمليات تشكل تخفيفا للازمة الحالية. ولكن انفراج الازمة يكون بداية لتحولات كمية من شأنها ان تؤدي من جديد الى الازمة القادمة. ليس بمقدور الازمات الاقتصادية ان تزيل النظام الراسمالي ولا يزيل النظام الراسمالي سوى الثورة العمالية التي تطيح بالنظام الراسمالي وتبني نظاما اشتراكيا لا وجود للاستغلال الطبقي فيه. وكانت تجربة ثورة اكتوبر والمجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي حتى يوم وفاة ستالين تجربة عظمى هائلة تستطيع الثورات البروليتارية القادمة الاستفادة من نجاحاتها الهائلة وحتى من اخطائها الطفيفة ايضا.

ان ازمة فيض الانتاج الحالية واية ازمة فيض انتاج اخرى او الازمات المالية لن تؤدي الى انتهاء النظام الراسمالي وقيام نظام اخر غيره لا اليوم ولا في المستقبل ايضا. ان ما يؤدي الى انتهاء النظام الراسمالي هو الثورة عليه والاطاحة به وبناء نظام اقتصادي لا وجود للاستغلال فيه وهذا هو المهمة التي وضعها التاريخ على عاتق الطبقة العاملة. فهي الطبقة الوحيدة القادرة على القيام بالثورة البروليتارية وقيادتها للاطاحة بالنظام الراسمالي وبناء النظام الاشتراكي على انقاضه.

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                  العدد  (503)  30/01/2011                                                                  موقع التيار اليساري الوطني العراقي


 

ذكريات شخصية 1

حسقيل قوجمان

2010 / 4 / 18

ذكريات شخصية ١
بعد تلبية جميع طلبات القراء الاعزاء حول ذكرياتي عن حياة السجون بشتى جوانبها واستعدادي لتقديم ما استطيع تقديمه اذا وجدت طلبات اخرى اود في هذا المقال ان اسرد ذكريات اخرى، ذكريات شخصية، قد تكون مؤلمة وقد لا يصدقها البعض او قد يكذبها على انها غير معقولة. انا لا اقسم لاني لا اؤمن بالقسم ولكني اؤكد ان كل كلمة اكتبها في هذا المقال هي حقيقية وصحيحة ودقيقة وليس فيها اية مبالغة او تشويه او تزييف. وكل حقيقة هي تاريخ شئنا ام ابينا.
كتبت في مقالي الاخير عن حميد عثمان عن بداية نشاطي الثقافي في فترة قيادة حميد عثمان وكيف ادى ذلك الى جعلي احد المثقفين الاربعة في المنظمة رغم اني لم اكن عضوا قياديا او حتى كادرا حزبيا. ولا اود ان اعيد سرد ما جاء في ذلك المقال. في الفترة القصيرة من وجودنا في سجن الكوت بعد الاضراب قبل الهروب انتقل ابراهام شاؤول الى سجن بغداد وكان زكي خيري وعزيز الحاج بين الهاربين في الهروب الفاشل من سجن الكوت ومنذ كانون الاول ١٩٥١ بقيت المثقف الوحيد في المنظمة وقد قمت بهذا الواجب بكل اخلاص فنظمت دورات في شتى المواضيع السياسية والنظرية مثل الاقتصاد السياسي والديالكتيك واسس اللينينية والتعايش السلمي وحركة السلام العالمية اضافة الى دراسة الميثاق الوطني، برنامج الحزب الذي وضعه فهد وصادق عليه المؤتمر الحزبي والربط بين السياسة الوطنية والحركة الشيوعية في العراق. وفي الايام القليلة قبل المجزرة وصلتنا ترجمة كراس ستالين حول القضايا الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي ودرّسته في حلقة خاصة سريعة لمجموعة من السجناء الذين كانوا على وشك اطلاق سراحهم وانتهاء محكومياتهم. وبقيت المثقف الوحيد في سجن الكوت حتى المجزرة في صيف ١٩٥٣ رغم قدوم وجبات جديدة عديدة من السجناء بعد مظاهرات او انتفاضة ١٩٥٣بينهم اعضاء قياديون في الحزب. وفي هذه الفترة القيت العديد من الخطابات في الحفلات والمناسبات وكذلك كتبت كراسين احدهما عن تاريخ الازمات الراسمالية وتطورها من ١٨٢٥ وحتى ازمة ١٩٣٠بالاستعانة بكتاب لاستاذ شيوعي بريطاني. وضع هذا الكراس في مكتبة المنظمة حيث يستطيع كل سجين ان يقرأه. وكراسا حول الديمقراطيات الشعبية، طبيعتها الطبقية، وكيفية تطورها الى الاشتراكية من ١٢٠ صفحة. ولم ينشر هذا الكراس لقراءة السجناء ولا لتدريسه في دورة سجنية ولكن اللجنة القيادية للمنظمة طلبت مني تدريسهم له في دورة ليلية. وكان مصير هذا الكراس الاختفاء عند المجزرة. وقد استمر وضعي كمثقف اول حتى لدى عودة المثقفين الاخرين زكي خيري وعزيز الحاج الى منظمة نقرة السلمان. وحتى حين كلف زكي خيري بادارة دورة حول القضية الزراعية وجدوا من الضروري ان اكون معه لتناول الجانب النظري في الموضوع. وكانت الرسالة التي كتبها زكي خيري الى لجنة وضع قانون الاصلاح الزراعي واعتبرها البعض برنامج الحزب الشيوعي للاصلاح الزراعي عبارة عن تلخيص مشوه لما دار في تلك الدورة.
من المعروف ان موضوع اليهود في الحركة الشيوعية كان نقطة خلاف بين فهد وخالد بكداش منذ الثلاثينات من القرن الماضي. كان فهد يعتبر اليهود مواطنين عراقيين شأنهم في ذلك شأن المسلمين والمسيحيين والارمن والصابئة والاثوريين سواء من العرب او الاكراد او التركمان. ان مقياس الشيوعي هو اخلاصه للحركة واستعداده للتضحية في سبيلها واعتناقه للماركسية كدليل للعمل والى اخر ذلك من صفات الشيوعي. ولذلك اندفع الشباب اليهودي ككل الشباب الاخرين الى الحزب وكان اليهود يشكلون جزءا كبيرا من اعضاء الحزب سواء بين القواعد او القيادة.
وكان خالد بكداش مختلفا تمام الاختلاف مع فهد بهذا الخصوص. فخالد بكداش كان يعتقد ان اليهودي خائن بطبعه ولا يمكن ان يكون شيوعيا. بل كان يتهم ماركس بهذا الاعتقاد. واخذ مقالا لماركس كتبه قبل البيان الشيوعي عن القضية اليهودية في المانيا برهانا على ذلك. وقد ترجموا هذا المقال الى العربية ونشروه ككراس للدراسة النظرية في الحزب. انا لم اقرأ هذا المقال حتى يومنا هذا ولا اعرف ما جاء فيه ليدل على ان اليهودي لا يمكن ان يكون شيوعيا. وحتى لو قرأته فانه يعالج موضوع المشكلة اليهودية في المانيا في منتصف القرن التاسع عشر حسبما فهمها كارل ماركس في حينه. وليس بامكاني اتخاذ موقف منها اليوم بعد قرن ونصف وبعد التغيرات التي طرأت على القضية اليهودية ليس في المانيا وحسب بل في ارجاء العالم وخصوصا بعد نشوء دولة اسرائيل في فلسطين. ومعروف ان خالد بكداش اطلق اشكالا من الاتهامات بحق فهد وكان يطلق عليه حتى بعد اعدامه مثلا اسم "العكروت الذي ادخل الصهيونية الى الحزب الشيوعي" وقد جاءت في مذكرات زكي خيري اشارات الى هذا الموضوع وادعاء زكي خيري انه ناقش الموضوع مع خالد بكداش وربما اقنعه بخطئه. ولكن الحزب الشيوعي السوري لم يقبل عضوا يهوديا طيلة تاريخه.
في حياتنا الحزبية في عهد قيادة الرفيق فهد لم نشعر باي تمييز بين اليهودي والمسلم والمسيحي والعربي والكردي والفيلي والاثوري والتركماني. فهذه كلها مصطلحات لم يكن لها ذكر في عهد فهد واستمر هذا الاتجاه حتى بعد اغتيال فهد لذا لم نشعر في حياتنا السجنية في نقرة السلمان حيث كان عدد السجناء اليهود في المنظمة الشيوعية يشكل ٦٠ % من عدد اعضاء المنظمة باي تمييز سلبي او ايجابي بيننا وبين سائر السجناء. ولم يتغير هذا الاتجاه حتى فصلت الحكومة السجناء اليهود عن غير اليهود في مجزرتي سجن بغداد وسجن الكوت ونقلتهم الى سجن نقرة السلمان.
لم نبق نحن الشيوعيين اليهود وحدنا في سجن نقرة السلمان اكثر من يوم واحد. فحال وصولنا الى نقرة السلمان علمنا ان القادة الاربعة برئاسة باسم سكرتير الحزب موجودون في غرفة بجوار القلعة ومضربون عن الطعام فاخبرناهم عن طريق الجدار بالمجزرة وعن رأينا بان الاضراب لا ينتج عن شيء وان الحكومة لن تعير اضرابهم اي اهتمام. فانهوا الاضراب ونقلتهم الادارة الى السجن واجتمعنا فكانت منظمتنا تضم اربعة مسلمين اضافة الى اليهود. كان من الطبيعي ان يكون بهاء الدين نوري (باسم) مسؤولا تنظيميا لهذه المنظمة الصغيرة التي لا يزيد اعضاؤها على عشرين او ما يقرب من ذلك. وكان اعضاء اللجنة القيادية الاخرون صادق جعفر الفلاحي وكامل وكذلك موشي قوجمان. واصبح كامل ممثل المنظمة لدى ادارة السجن ودام هذا الوضع حتى مجيء وجبة كبيرة من سجناء بعقوبة الى نقرة السلمان بعد اكثرمن سنة.
في سجن الكوت سمعنا الكثير عن باسم وعظمته وقيادته وثقافته وهذا جعلنا ننتظر ان نرى كل هذه الصفات التي سمعنا عنها ولكننا اصبنا بالذهول من هذه الشخصية التي رايناها في بهاء الدين نوري. راينا به شخصا عاديا غريب السلوك في حياته اليومية جاهل في النظرية الماركسية الدليل الضروري للقيادة الشيوعية وجاهل في التاريخ الوطني للشعب العراقي. وبعد مدة وجيزة اصبحت انتقده بصورة دائمة على سلوكه وعلى اشياء اخرى. وكان اول انتقاد شديد وجهته اليه هو عدم اعترافه بزوجته وابنه المولود في السجن. كان بهاء يكاتب زوجته بدون ان يعترف بها او بابنه. كان يملي رسائله على احد السجناء، منشي يعقوب عبدالله، لان خطه جميل ويوقعها منشي على انها قريبته. لم يظهر على بهاء اي شعور ضد اليهود في هذه الفترة ولكننا كنا نشعر بانه دائم الانزعاج من وجوده مع اليهود وكان يريد ان يجد اول فرصة للانتقال الى بعقوبة مع سائر السجناء. ومن الوسائل التي استخدمها لهذا الغرض اعلان الاضرابات عن الطعام. فقد اعلن الاضراب العام عن الطعام ست مرات ولكني ابطلتها جميعا على انها خاطئة وغير مفيدة لانها تجري بدون معرفة الحزب وتاييده لها. وقد ابطلت احد هذه الاضرابات في اليوم الثالث وليس في جعله اضرابا ليوم واحد كما في الحالات الاخرى.
لم تكن لدينا في هذه الفترة اية ادبيات ثورية او نظرية نستخدمها للتثقيف ولذلك فكرت ان انشئ جريدة اسبوعية اسميتها صوت السجين الثوري اكتب فيها مواضيع تثقيفية ويساهم السجناء الاخرون بكتابة ما يستطيعون كتابته كوسيلة تثقيفية تعوض بعض الشيء عن الحاجة الى الادبيات الثورية والنظرية. وكانت افتتاحية هذه الجريدة مقالا متسلسلا حول الحرب والسلام لم يكتمل عند مجيء وجبة السجناء الكبيرة من بعقوبة. لا اتذكر عدد نشرات هذه الجريدة ولكني اظن انه بلغ عشرة اعداد. كان اول تعليق على الجريدة من عزيز الحاج اذ قال بعد قراءتها انتم اقرب الى الحزب منا ونحن في بعقوبة.
في ١٩٥٤او ١٩٥٥ حدث اضراب لعمال النفط في البصرة فجلبوا عددا من السجناء المضربين الى سجن القلعة القديم ولم يجلبوهم معنا في السجن الجديد. وانتهز بهاء الدين هذه الفرصة لفرض اضراب طويل الامد عن الطعام هدفه الانتقال الى بعقوبة. ولكي يتحاشى ابطالي للاضراب كما جرى في الاضرابات السابقة اعلن ان الاضراب الجديد هو بامر من الحزب وعلينا ان نعلنه في تاريخ محدد مع جميع السجناء في السجون الاخرى. كنت اشعر منذ البداية بان هذا الاضراب كالاضرابات السابقة لا فائدة ترجى منه ولكني لم استطع ابطاله لانه حسب ادعاء بهاء اضراب مقرر من الحزب. فابطال الاضراب يعني تحديا لقرار حزبي وخذلانا لاضراب السجون الاخرى.
جرى الاضراب واشترك به عمال النفط الموجودون في سجن القلعة القديم. ودام الاضراب سبعة وعشرين يوما. منذ اليوم الحادي والعشرين اصبت باضطرابات شديدة كالقيء المتكرر والحاجة الى الذهاب الى المراحيض مرات عديدة كل يوم بحيث كان يبدو كأني على وشك الموت. كنت اشك في ان السجون الاخرى مشتركة في الاضراب ولذلك كنت رغم كوني طريح الفراش اسأل ممثلنا كامل عما اذا كان الاضراب مستمرا في السجون الاخرى وحتى اليوم السابع والعشرين حين جاء بعض الاقرباء للمواجهة اكد لي كامل بان الاضراب مستمر في السجون الاخرى. وفي اجتماع للجنة القيادية في احد هذه الايام الاخيرة من الاضراب وبحضور موشي اخي كعضو فيها قال بهاء عبارته العظيمة "مع الاسف ان تكون اول جنازة مال يهودي ردناها من عمال النفط". ولا اريد التعليق على هذه العبارة لانها لا تحتاج الى شرح وتفسير. ويبدو ان الزوار الذين جاؤوا في اليوم السابع والعشرين من الاضراب نصحوا بانهاء الاضراب او حتى جاؤوا بامر من الحزب بذلك. فانهينا الاضراب حتى بدون ان تتنازل الادارة بمفاوضتنا على انهائه. وقد تبين في اسرائيل ان الحالات التي قاسيت منها لم تكن من الاضراب بل كانت لتقلص المعدة واختراقها للحجاب الحاجز مما سبب لي الكثير من المشاكل والصعوبات في اسرائيل الى ان اجروا لي عملية جراحية لمعالجة ذلك. تحدثت بالتفاصيل عن جريدة صوت السجين الثوري وعن الاضراب لان لهذين الموضوعين تفاصيل اخرى جرت بعد نقل السجناء من بعقوبة وانضمامهم الينا.




ذكريات شخصية 2

حسقيل قوجمان

2010 / 4 / 24

ذكريات شخصية ٢

نقل سجناء من بعقوبة الى نقرة السلمان
في اواخر ١٩٥٤ على ما اتذكر نقلوا عددا كبيرا من السجناء من بعقوبة الى نقرة السلمان فاصبحت منظمتنا الشيوعية كبيرة مرة اخرى. مباشرة بعد مجيء السجناء من بعقوبة الى نقرة السلمان سحبوا جريدة صوت السجين الثوري ولم يسمحوا لاحد عدا القيادة بقراءتها. وصدرت بعض الانتقادات غير المباشرة عن مواضيع الجريدة. فقد نشر زكي خيري بيانا بتوقيعه الشخصي من صفحة واحدة علقه على شباك احدى غرف السجن عن انكار لبعض ما كتبته عن موقف الاتحاد السوفييتي من الحرب ضد النازية بدون ان يشير الى جريدة صوت السجين الثوري او الى كاتبها. ولم تكن كتابة اعلان كهذا بتوقيع شخصي مألوفة في منظمة السجن بل كانت هذه الحادثة الوحيدة من نوعها طيلة حياتنا السجنية.
بعد اسبوع او اسبوعين شكلت محكمة لمحاكمتنا على اخطائنا قبل قدوم السجناء من بعقوبة ودعتنا للمحاكمة او المحاسبة عن الاخطاء التي اقترفناها في فترة وجودنا السابقة. تألفت المحكمة من مهدي حميد المسؤول الاول رئيسا وعضوية زكي خيري وعزيز الحاج والسجين الذي كان مدمنا على الكنين ونسيت اسمه واسميه للسهولة (المنسي). حاسبونا على الاخطاء كما تصوروها فأجبنا على بعض منها واعترفنا ببعضها الاخر. ومن الغريب ان بهاء وصادق جعفر تصرفا كما لو كانا في التحقيقات الجنائية وليس في محكمة شيوعية اذ انكرا كل شيء يخصهما ويعرفان انه حقيقة كما نفعل عادة في التحقيقات الجنائية.
كنت احد المتعرضين لاشد الاتهامات وانصب الاتهام على التثقيف والجريدة والاضراب. فاعتبروا الجريدة تثقيفا خاطئا وانا المسؤول عن هذا الخطأ. وعند طلبي منهم احضار الجريدة واعطاء امثلة على التثقيف الخاطئ فيها قالوا انهم احرقوها وكان هذا كذبا لان الذين كتبوا عن الحزب لاحقا من المقربين الى التحقيقات الجنائية وجدوا المجلة وكتبوا عنها وحتى زعم بعضهم انه وجد مذكرات حسقيل قوجمان. وقد اشار الى جريدة صوت السجين الثوري عزيز سباهي في كتابه عن تاريخ الحزب على انها صدرت باسم صوت السجين الثوري في بعقوبة وليس في نقرة السلمان. وهذا كذب مقصود. فلم تكن ظروف سجن بعقوبة تسمح باصدار جريدة اذ حتى الورق والاقلام كانت ممنوعة في هذا السجن الاميركي التصميم. ولو كان بامكان اي من هؤلاء اصدار جريدة بالمستوى الثقافي لجريدتنا لواصلوا نشرها بدون اخطاء حسقيل قوجمان بدلا من منعها واخفائها وايقاف اصدارها.
والانتقاد الثاني غير المنطقي هو اعتبارهم اياي المسؤول عن خطأ الاضراب الطويل عن الطعام. ورغم انني شرحت لهم انني رغم اني لم اكن من اللجنة القيادية ابطلت ستة اضرابات ولم استطع ابطال الاضراب الاخير نظرا الى ادعاء بهاء الدين نوري كذبا بان الاضراب جاء تلبية لامر الحزب، كان جوابهم انك المثقف وكان عليك مع ذلك ان تعرف ان الاضراب خاطئ. ولم يوجهوا كلمة عتاب او اتهام واحدة الى بهاء الدين نوري حول كذبته وادعائه بان الاضراب كان امرا من الحزب. وحين سالتهم ماذا كان يحدث لو ابطلت الاضراب وكان حقيقة بامر الحزب وكيف كان بامكاني ابطاله مع اصرار بهاء على الاستمرار فيه لم يستطيعوا الجواب. كان قرار المحكمة حرمان الاربعة من مراكزهم الحزبية القيادية واعتبار تثقيف حسقيل قوجمان خاطئا ومضرا للمنظمة وحرمانه من التثقيف اذ لم يكن له مركز حزبي يحرمونه منه.
كانت في تلك الفترة علاقة صداقة وثيقة بين ارا خاجادور وموشي قوجمان وشعر ارا بان المحكمة كانت اقسى على اليهود منها على غير اليهود فسأل زكي خيري لماذا كنتم اقسى على اليهود؟ فاجابه حسبما سمعته من موشي "هؤلاء على الاقل ابناء الحزب" اي ان اليهود ليسوا ابناء الحزب. واذا لم يكونوا ابناء الحزب ينبغي ان يقسوا عليهم اكثر من ابنائه. وفي مناسبة كنت اتناقش مع عزيز الحاج نقاشا وديا وفجأة قال "باي حق تكتب باسم الحزب؟" فقلت له اولا انا لم اكتب شيئا بدون علم المسؤولين او بطلب منهم. ثانيا ان من حق كل عضو في الحزب ان يكتب باسم الحزب والمقياس هو محتوى الكتابة وصحة او خطأ الافكار الواردة في الكتابة وان الانتقاد يجب ان ينصب على هذا المحتوى وتركته غاضبا. وبعد يومين دعيت الى اجتماع حضره جميع افراد اللجنة القيادية عدا عزيز الحاج واعتذروا واظهروا اسفهم على ما قاله عزيز الحاج. فشكرتهم على اعتذارهم وقلت لهم ان هذا الاعتذار لا يسوى فلسا لانه اعتذار بالنيابة والاعتذار الصحيح هو ان يقوم المخطئ بالاعتذار. فيما عدا ذلك لم نشعر بسياسة عامة ضد اليهود الا باشارات خفيفة في تلك الفترة.
بعد اسبوعين او ثلاثة اسابيع من المحاكمة جاءني مهدي حميد المسؤول الاول وطلب مني البدء بدورة اقتصاد سياسي لكافة السجناء. يبدو ان انتقادات واسعة النطاق كانت تجري في المنظمة حول سياسة الحزب خارج السجن كانت مزعجة لقيادة المنظمة ففكروا بالهاء السجناء بشيء ما. وقد كان ذلك واضحا في طلب مهدي حميد الشديد الغرابة. فقد علل طلب البدء بدورة اقتصاد سياسي بانتشار الانتقادات في المنظمة وانه يريد من دورة الاقتصاد السياسي الهاء السجناء عن الانتقادات. اذن فالهدف ليس تثقيف السجناء ورفع مستواهم الثقافي والنظري بل الهاؤهم عن الانتقادات. وطبيعي اني رفضت البدء بدورة كهذه نظرا الى ان تثقيفي حسب قرار المحكمة خاطئ ومضر بالمنظمة. وقلت له لديكم مثقفون يجيدون التثقيف تثقيفا صحيحا فليقوموا هم بالتثقيف. ولكنه اصر على اني انا الذي ينبغي ان اقوم بالمهمة. فقلت له اعترفوا بخطأ قراركم والغوا منعي من التثقيف. فاصر على ابقاء قرار المنع ومع ذلك علي ان اثقف. فرفضت. وقد تناوب اعضاء اللجنة القيادية بمحاولة اقناعي فلم اوافق. وصادف ان سجينا جاء حديثا وانضم راسا الى اللجنة القيادية جاءني لاقناعي بضرورة البدء بالدورة. فسألته هل تعلم ان هناك قرار من المحكمة بان تثقيفي مضر للمنظمة ومنعي من التثقيف؟ واذا كان تثقيفي خاطئا فكيف توافقون على ان اقوم انا بالتثقيف؟ فاجابني هذا المسكين "احنا نراقبك". فقلت له اذا كنت تستطيع مراقبتي ومنعي من التثقيف الخاطئ فلماذا لا تقوم انت بالتثقيف؟ وقلت له لو اردت تثقيف السجناء تثقيفا خاطئا فلا انت ولا ربك يستطيع مراقبتي. ولكني بعد يوم او يومين فكرت بان التثقيف هو لمصلحة السجناء ورفع مستواهم وان امتناعي عن التثقيف مضر ولا نفع فيه. فبدأت وواصلت التثقيف رغم وجود مثقفين مزعومين مثل زكي خيري وعزيز الحاج، ورغم ان حكم المحكمة بحرماني من التثقيف بقي قائما حتى ثورة تموز.
في تلك الفترة كانت محكومية موشي قوجمان على وشك الانتهاء فقرروا البدء بدورة ليلية ثقافية خاصة بهذه المناسبة تضم مهدي حميد وارا خاجادور وموشي قوجمان فقط. لم تدم هذه الدورة طويلا اذ بدأ الهجوم علينا وايداعنا جميعا تقريبا في الرياضة اي الحجز الانفرادي.

فترة السجن في بعقوبة
في ١٩٥٦ نقل جميع السجناء غير اليهود الى سجن بعقوبة. وقبل النقل شنت الادارة علينا هجوما قاسيا فعزلت اغلبية السجناء عن بعضهم وربطت بعضهم بالحديد في شبابيك قاعات السجن ونقلت البعض الاخر الى سجن القلعة القديم وعزلتهم. ولم يتركوا من السجناء مطلقي السراح غير العدد اللازم لاعداد الطعام والخبز. كنت بين السجناء الذين نقلوا الى سجن القلعة القديم وادخلت الى قلعة صغيرة كالسرداب في وسط السجن مع ثلاثة سجناء اخرين هم المنسي ونافع يونس واكرم حسين. بقينا نحن الاربعة في هذا الوكر طيلة مدة الرياضة لم يسمح لنا خلالها بالاستحمام او تغيير ملابسنا او النوم في فراش. كانوا فقط يسمحون لنا صباحا بالخروج لقضاء الحاجة نصف ساعة او ما يقرب من ذلك.
في صباح احد الايام ونحن نتناوب الدخول الى المراحيض جاء المنسي الذي كان المسؤول عنا في هذه الرياضة واخبرني ان الحزب قد نجح في توحيد كافة المنظمات الشيوعية مثل منظمة عزيز شريف ومنظمة عزيز محمد وجمال الحيدري. فقلت له من السهل على الحزب ابتلاع مثل هذه الوجبة الكبيرة ولكن المشكلة كيف سيهضمها. فاثار هذا الجواب المنسي واخذ يرعد ويزبد الى درجة الهذيان. ومن جملة ما قاله هو "اذا تريد تعرف ان اللجنة المركزية الحالية لحزبنا هي اكفأ من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي." ثم قال "ان درس الديالكتيك الذي جرى مؤخرا لم يجر مثله ولن يجري مثله".
ومسألة دورة الديالكتيك هذه هي ان محمد عبد اللطيف اجرى دورة للديالكتيك يساعده يعقوب ابراهامي الذي ترجم كراس ماوتسي تونغ "حول التناقض" كوثيقة مساعدة للدورة. ولدى الانتهاء من الدورة جرى الاحتفال بختمتها في اجتماع عام وقدمت لمحمد عبد اللطيف جائزة فخرية. انا قمت بعشرات الدورات ولم يجر في اي منها احتفال بختمتها. كان واضحا ان الهدف من الدورة كان البرهان على انني لست الوحيد الذي يستطيع التثقيف وان في المنظمة من هو ابرع مني في تثقيف الديالكتيك. ولكني لم اعر اهتماما لهذا وقد القيت في نفس هذا الاجتماع العام كلمة بينت فيها ان هذه الدورة تبرهن على ان الحزب بحاجة الى المزيد والمزيد من المثقفين الماركسيين. وبعد فترة وجيزة سفر محمد عبد اللطيف الى الديوانية للمعالجة وهناك وقع وثيقة نبذ الشيوعية واطلق سراحه. وقد اشار المنسي الى هذه الدورة للتنديد بالدورات التي اجريتها في هذا الموضوع. فقلت للمنسي افتهمنا انه لم يجر في السابق دورة مماثلة اخرى للديالكتيك. ولكن كيف تقرر انه لن تكون دورة اخرى مماثلة؟ ان محمد عبد اللطيف قد نبذ الشيوعية فهل تعتقد بان الحزب لن ينجب شخصا يعرف الديالكتيك بعد هذا؟ وكان هذا اللقاء اخر لقاء بيني وبين المنسي. ولكني اعلم كما ذكرت سابقا انه اصبح رئيسا للجمعيات الفلاحية في لواء العمارة بعد ثورة تموز.
بعد ذلك بايام قليلة سفروا السجناء غير اليهود الى سجن بعقوبة ونقلونا نحن اليهود الى سجن القلعة القديم لان عددنا كان قليلا. وبقينا وحدنا في نقرة السلمان مدة وجيزة ربما اسبوعين او ثلاثة اسابيع ثم نقلونا الى سجن بعقوبة حيث وضعونا كل اربعة في غرفة من غرف الجناح المغلق. وفي مقالي السابق عن حميد عثمان ذكرت تفاصيل الاحداث في هذه الفترة حتى ثورة تموز ولا ارى فائدة من تكرارها. هناك حادث واحد لابد من ذكره هو ان نفس السجين الذي كان يعاني من اكزيما في يده اليمنى والذي ذكرته في مقال سابق عاد الى السجن بعد اطلاق سراحه وجاء يوما ليسلم علي في ساعة التمشي في الممر. وقد فاجأني هذا الشخص بقوله "ان كنت مخلصا حقا في حبك للحزب لازم تفرح لانه يطردك لان ذلك في مصلحة الحزب". فتركته بدون ان اسلم عليه.
في فترة وجودنا في بعقوبة نجح الاتحاد السوفييتي باطلاق سبوتنيك. وكان هذا مفاجأة لكل العالم وكذلك بالنسبة لنا في سجن بعقوبة. وقصة الاقمار الصناعية لها تاريخ في حياتي السجنية. حينما اصبحت منظمتنا السجنية في نقرة السلمان كبيرة بعد مجيء السجناء من بعقوبة اصبح بامكان المنظمة ان تقدم بعض المساعدات وان تعمل على حل المشاكل التي يعاني منها السجناء الاخرون مثل السجناء المحكومين على الشيوعية ولم يعيشوا في المنظمة والسجناء الصهاينة. وقد كلفتني المنظمة بان اكون حلقة الوصل بينهم وبين المنظمة وان اعمل على حل مشاكلهم وتوفير المساعدة لهم عند الحاجة. كان بين السجناء الصهاينة شخص اسرائيلي كان مبعوثا الى العراق من اجل تنظيم الهجرة الى اسرائيل قبض عليه بجواز ايراني باسم صالحون واسمه الحقيقي يهودا تاجر. وكان من الطبيعي ان يحصل اتصال بيني وبينه لدى تنفيذ المهمة التي كلفت بها. وقد تكونت علاقة ودية بين هذا الشخص وبين المنظمة الى درجة دعوته الى احدى الحفلات العامة في احد الاعياد الثورية. نحج اهل هذا السجين في تسجيل اشتراك له في مجلتي نيوز ويك وتايمز الاميركيتين ووافقت ادارة السجون على ادخالهما له في نقرة السلمان. كنت استعير هاتين المجلتين منه واقرأ المقالات العلمية فيهما. كان العالم انذاك يتهيأ لما سمي السنة الجيؤوفيزيكية. وكانت اهم المواضيع في هاتين المجلتين حول الاستعدادات لاطلاق الاقمار الصناعية. كانت الابحاث كما لو ان الولايات المتحدة كانت مستعدة لاطلاق الاقمار الصناعية وهي تؤجل ذلك الى بداية السنة الجيؤوفيزيكية. وقد تعلمت الكثير من هذه المقالات عن الاقمار الصناعية. لذلك عند اطلاق سبوتنيك لم يكن لدى السجناء من يسألونه عنها غيري. فجاء القادة الاربعة من غرفة القيادة كل على حدة حسب الترتيب الحزبي. وحاولت ان اشرح لهم ما اعرفه عن الاقمار الصناعية وعن مشاكلها. وحين جاء دور بهاء الدين نوري في اليوم الرابع بدأت في شرح ما استطيع شرحه في الموضوع. وحين قلت له عن موضوع فقدان الوزن وضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لذلك عند ارسال الانسان الى الفضاء اعترض وقال هذا خطأ وغير ممكن. فقلت له ان العلماء في العالم كله اثبتوا ذلك وحتى اوجدوا على الارض ظروفا شبيهة بالظروف في الاقمار الصناعية من اجل تدريب رواد الفضاء على ذلك. قال ان هذا مستحيل وغير صحيح. فسألته هل تستطيع ان تخطئ جميع العلماء في العالم وانت هنا في سجن بعقوبة؟ اجاب "الشيوعي يگدر". وبهذا انتهى حديثنا معه عن الاقمار الصناعية ولم يواصل سماع ما اقوله له.
في غرفتنا الانفرادية كنا اربعة هم مئير كوهين ومنشي يعقوب وحسقيل درويش وانا. وكان السجناء من الغرف الاخرى يسألوننا عن انسجامنا والمنازعات او المشاحنات التي تحدث اثناء وجودنا في الغرفة المغلقة. كانوا يعجبون حين نقول لهم لم يحدث اي نزاع او مشاحنة بيننا. وسر الانسجام في غرفتنا كان اقتراحي على السجناء الثلاثة ان يوجهوا لي اسئلة سياسية او نظرية نكتبها بالملعقة على الجدار واقوم انا بالاجابة عليها الواحد بعد الاخر. وكنا بهذه الطريقة نقضي كل يوم عدة ساعات في مناقشة تلك الاسئلة ولم يكن لدينا من الوقت ما يسمح لنا بالنزاع او المشاحنة. وكان اثنان من السجناء يقومان بالحراسة من باب الغرفة ومن الشباك اثناء كتابتي للاجابة على الاسئلة التي كان عزيز الحاج يوجهها من الجناح الثاني للسجن.
في اليوم الثاني بعد الثورة فتحت الابواب وازيلت السلاسل عنا واجتمعنا ثانية بملابسنا المدنية. وقد ارسل السجناء جميعا رسالة تهنئة وتأييد لحكومة الثورة وقعناها جميعنا بالطبع. ولكن القيادة شطبت جميع تواقيع السجناء اليهود بدون ان يخبرونا بذلك رغم انهم ابقوا تواقيع سجناء اشتركوا مع الحكومة في اهانتهم وتعذيبهم قبل الثورة. ولكننا علمنا بعد فترة ان القيادة حذفت تواقيعنا بدون ان تخبرنا. وفي المرحمة الاولى التي اعلنتها الحكومة بعد الثورة باعفاء جميع السجناء من نصف محكومياتهم اي بعد ايام قليلة من الثورة خرج جميع السجناء اليهود الذين كانت محكومياتهم من عشر سنوات وما دون. وكانت نصيحة المسؤولين القياديين في المنظمة لهم بان لا يعترضوا على تسفيرهم الى اسرائيل لكي لا يحرجوا حكومة الثورة. وفي هذه الايام القليلة لاحظنا ان سجناء قضوا سنوات عديدة معنا وشاركناهم في كل شيء اخذوا يرفضون الاكل في سفرة اذا كان فيها يهودي.
بقينا في هذه الفترة ثلاثة شيوعيين ورابع كان عضوا في الحزب الشيوعي قبل سجنه ولكنه لم يعش في المنظمة طيلة فترة السجن لاسباب لا اعرفها. شعرنا بهذه المواقف ضدنا فطلبنا عقد اجتماع مع اللجنة القيادية لبحث الموضوع. انعقدت اللجنة برئاسة هادي هاشم المسؤول الاول وعضوية مهدي حميد وزكي خيري وبهاء الدين نوري وربما عزيز الحاج ايضا. وكنا نحن الثلاثة يعقوب مصري ومئير كوهين وانا. فشكونا من المواقف المعادية لنا. فاعترفوا بان الحزب يتحيز ضد اليهود رغم انهم ضد ذلك. وفي هذا الاجتماع كنت المتحدث الرئيسي فقلت لهم اذا شئتم نلبس عمامة ونذهب الى النجف لكي نبقى في الحزب فاجابني هادي هاشم انذاك لا نقبلكم في الحزب. وقلت لهم اننا سنواجه وضعا نحاول فيه الاتصال بالحزب فلا نستطيع ذلك. فاجابني هادي هاشم بانه يتعهد شخصيا في توصيل اي شيء نرغب في توصبله للحزب. وانتهى الاجتماع بهذا القدر.
رغم اني يهودي لا يمكن ان اكون شيوعيا جاءني بعض السجناء قبل اطلاق سراحهم لاستشارتي حول السياسة التي ينبغي ان يسلكوها لدى خروجهم. اتذكر منهم اثنين مهمين هما هادي هاشم وعزيز الحاج. انا اعرف ان من اهم المهام التي سيكلف بها هادي هاشم هي مهمة العمل النقابي. ولذلك كانت نصيحتي له "لا تحتكروا العمل النقابي لان احتكار العمل النقابي يحطم النقابات ويضر بسياسة الحزب." فما الذي حدث بعد الثورة؟ كان احتكار الحزب للعمل النقابي اسوأ احتكار في تاريخ الحركة النقابية. فقد كان ما سمي اتحاد نقابات العمال عبارة عن لجنة حزبية لا علاقة لها بالعمال. وهذا يفسر عدم اهتمام العمال بالغاء اتحادهم بعد المؤتمر الذي انعقد بعد انتخابهم لاعضائه باغلبية ٩٠ % او اكثر من اصوات العمال والذي افتتحه عبد الكريم قاسم بخطاب رائع. الغت حكومة عبد الكريم قاسم اتحاد العمال بعد تشكيله بعدة ايام واعتقلت كافة اعضاء الاتحاد وربما صادرت ممتلكاته ووثائقه فلم يعر العمال ذلك اي اهتمام.
اما عزيز الحاج فقد كان شيئا اخر. كان دوره محصورا في العمل السياسي وفي الكتابة. وكان موضوع الوحدة او الاتحاد مع وحدة مصر وسوريا الموضوع اللاهب انذاك وقد استشارني فعلا في هذا الموضوع. فقلت له ان الوحدة يجب ان تكون بين قطرين متكافئين من الناحية الاقتصادية والا فان ما يسمى وحدة لا يكون الا استغلالا. ولذلك اعتبر ان شعار الحزب يجب ان يكون ضد الوحدة المباشرة الان.



 

ذكريات شخصية 3

حسقيل قوجمان

2010 / 4 / 30

بعد ثورة تموز
خلال اسبوع او اسبوعين خلا السجن من جميع السجناء عدا الاربعة يهود وبعض السجناء المحكومين على الصهيونية اتذكر منهم صالحون المبعوث الاسرائيلي الذي قبض عليه بجواز سفر ايراني. وفي احد الايام جاءت حماتي لزيارتي واخبرتني بان النساء اليهوديات السجينات في سجن بغداد قد اسلمن وان علينا نحن ايضا ان نسلم. فأجبتها نحن لا نفعل ذلك. كان الى جانبي في هذه المواجهة يعقوب مصري فقال لي انت لا تستطيع ان تقرر ذلك بنفسك تعال نجتمع لبحث الموضوع. فقلت له انا لا اجتمع لبحث مثل هذا الموضوع وانني باق مع حماتي.
في هذا اليوم تذكر الحزب وجود ثلاثة سجناء "شيوعيين" يهود في السجن وارسل هادي هاشم لمواجهتنا رغم انشغال الحزب في نشاطاته واعماله بعد الثورة التي كانت تستغرق كل وقت قادته. وترأس هادي هاشم اجتماع يعقوب مصري ومئير كوهين ويوسف زلوف وتوصلوا جميعا الى قرار الاسلام. وجاءني يعقوب مصري واخبرني انهم جميعا اتخذوا القرار وان علي ان اخضع للاغلبية. فقلت له هذا موضوع مبدئي وليس هناك اغلبية واقلية في المواضيع المبدئية. فجاءني هادي هاشم يحاول اقناعي بان هذا الاجراء مجرد امر شكلي ولا يعني اي شيء. ونسي قوله قبل اسبوعين باننا لو اسلمنا لا يقبلنا في الحزب. فقلت له "انا علمتكم الديالكتيك ما تتفل (تبصق) بوجهي اذا وقعت وثيقة تقول انني امنت بان الدين الاسلامي خير الاديان واشهد الا اله الا الله وان محمدا رسول الله؟" فسكت خجلا ولم يفه بكلمة وترك السجن.
بعد مدة قصيرة في سجن بعقوبة صدر امر الافراج عني وعن يعقوب مصري وعن سعيدة مشعل وعمومة مصري لاننا حوكمنا في وجبة واحدة. ونقلونا الى سجن بغداد قبل اطلاق سراحنا. بقينا عدة ايام في سجن بغداد زرت خلالها سعيدة (سعاد خيري) اخت زوجتي. وفي هذه الزيارة حاولت عمومة مصري اقناعي بان علي ان اسلم كما فعلت لان ذلك في مصلحتنا. ومن سخرية القدر كانت في ذلك اليوم زكية الخليفة في زيارة السجينات بعد اطلاق سراحها. فقالت لعمومة للتنكيت بعد ان علمت بانها اصبحت سنية "امداچ لو باقية يهودية چان احسلچ" .
بعد يومين ذهب يعقوب مصري بعد الغداء بدون ان يقول لي الى اين ذهب وبعد ساعة او ما يقرب من ذلك عاد وقال لي بالحرف الواحد "هاي هم خلصنا منها" وعلمت انه ذهب لاعلان اسلامه. وبعد اقل من ساعتين نقلونا الى مركز شرطة البتاويين لاطلاق سراحنا. ولكن اطلاق سراح السجين اليهودي كان يتطلب كفيلا. وانتظرنا كفيلا يكفلنا لكي نخرج من السجن. فجاء الكفيل من الحزب وكفل يعقوب مصري وتركني في مركز الشرطة بدون كفيل. يبدو ان يعقوب مصري اطلق سراحه كيهودي في نظر الحكومة اذ لو كان مسلما لما احتاج الى كفيل وكمسلم في نظر الحزب. اذ يبدو ان الله ورسوله منحا يعقوب مصري فور اسلامه اهلية ان يكون شيوعيا وهي ما حرمنا الله اليهودي منها.
كل تضحياتي العائلية وكل الخدمات التي قدمتها في السجون لم تؤهلني لكي يقوم الحزب بكفالتي من اجل اطلاق سراحي او يزودني بسروال وحذاء وقميص والحزب يعلم ان عائلتي كلها قد سفرت قسرا الى اسرائيل عند انتهاء محكومياتهم واني لا املك فلسا واحدا اعيش منه لدى خروجي من السجن. وقد قررت الا اكتب عن هذا الموضوع الى الحزب قبل ان احصل على مورد للعيش.
بقيت في مركز الشرطة مدة الى ان افلحت حماتي باقناع شخص يهودي لتكفلي. ولم يوافق هذا اليهودي على تكفلي الا تعبيرا عن شكره لي لاني كنت قدوة لابن عمه مئير كوهين للعدول عن قرار اعتناق الاسلام اذ ان مئير كوهين ويوسف زلوف لم يعلنا اسلامهما حين تبرر لهما اني خرجت من السجن يهوديا واعيدت لي جنسيتي التي اسقطت عني ولم يكن للاسلام اي دور في ذلك.
خرجت من السجن الصغير الى السجن الكبير. اذ لم استطع شراء بنطلون او قميص او حذاء وبقيت بنفس الملابس البالية المهلهلة التي لبستها في السجن. وعشت عالة على حماتي في الشقة التي كانت تعيش فيها. وكان من حقها لو كرهتني اشد الكره لاني كنت في نظرها السبب في سجن اثنتين من بناتها وابنها واختها اذ كنت انا الذي وجهتهم نحو الحزب. ولانها حين كانت ابنتها سعيدة في السجن كانت تزورها في كل يوم يسمح به للمواجهة وعند اطلاق سراحها لم يسمح لها برؤية ابنتها حتى حين جاءت الى لندن مرتين وكانت الام اثناء ذلك في لندن ولم يسمح لها برؤيتها فماتت بحسرة رؤية ابنتها.
في الايام الاولى بعد اطلاق سراحي ذهبت مساء الى مقهى في البتاويين قرب الشقة التي عشت فيها مع حماتي حيث كان عدد من السجناء الذين عشنا معهم في السجن وبينهم يعقوب مصري الذي اصبح عادل منير فجلست معهم وهم يلعبون الدومنة. وفي الليلة الثانية تكرر جلوسي معهم في المقهى فاسمعوني كلاما جارحا يدل على اني شخص غير مرغوب فيه حتى في الجلوس مع شيوعيين يلعبون الدومنة فلم اكرر الذهاب الى هذا المقهى.
كان وضعي بعد اطلاق سراحي مختلفا عن وضع السجينين الاخرين. كانت عائلة مئير كوهين موجودة في العراق فسكن عندهم وكان ابن عمه وزوج اخته محاسبا فوجد له عملا وراتبا منذ الايام الاولى فلم تكن له اية مشاكل اقتصادية. وعاد يوسف زلوف الى نفس الشركة التي كان يعمل بها قبل اعتقاله فلم تكن له مشكلة اقتصادية. ولكني كنت الوحيد الذي عانى اقتصاديا بصورة قاسية. كنت امام اليهود شيوعيا وامام غير اليهود يهوديا فلم استطع الحصول على عمل احصل منه على ما يمكنني من العيش. وبعد مدة سمعت عن شاغر في شركة لاستيراد السيارات فقدمت طلبا اليه وكان من حسن حظي ان الفريد سمعان كان الشخص الذي قابلني ليقرر قبولي او عدم قبولي فقبلني رغم علمه بجهلي التام فيما يتعلق بالمحاسبة. ومازلت هذه الايام احاول الاتصال بالفريد سمعان فلم افلح في ذلك.
كل هذه الظروف القاسية لم تثنني عن التفكير في الحزب وفي مستقبله. بعد ٤٨ ساعة من اطلاق سراحي ارسلت اول رسالة الى اللجنة المركزية. كانت هذه الرسالة مقسمة الى موضوعين. الموضوع الاول هو سياسة الحزب. كتبت ان الحزب يواجه الان مهمة في غاية الاهمية هي تحديد الشعار الاستراتيجي الذي نشأ نتيجة للثورة. والمهمة الثانية البالغة الاهمية هي دراسة الاخطاء التي وقعت في سياسة الحزب منذ اعتقال الرفيق فهد حتى الثورة. اقترحت في الرسالة استغلال الظروف شبه العلنية السائدة في العراق لعقد مؤتمر يعالج هاتين المهمتين، مهمة تقرير الشعار الاستراتيجي الجديد، ومهمة دراسة الاخطاء وكيفية تصحيحها وربما محاسبة القائمين بها. ولكن الحزب بقي حتى اليوم من دون شعار استراتيجي للمرحلة او المراحل التي مر بها.
والجزء الثاني من الرسالة ناقشت به بصورة مفصلة وضعي وابعادي عن الحزب بسبب يهوديتي. كان هذا الموضوع طويلا ومما قلته في الرسالة "انكم حاكمتموني على جريمة قام بها احد اجدادي قبل خمسة الاف سنة وحكمتم علي بالاعدام ونفذت الحكم لان ابعاد الشيوعي عن حزبه هو حكم بالاعدام." لم استلم اي جواب على هذه الرسالة. وبعدها ارسلت ثلاث رسائل اخرى كلها انتقادات لسياسة الحزب ولم استلم اي جواب عنها. وحين وجدت الوظيفة التي ذكرتها واصبح لي راتب يكفيني لكي اعيش على الاقل من حيث الطعام واللباس مستقلا عن حماتي كتبت الرسالة الخامسة وفيها عاتبتهم بقولي هل فكرتم بعد كل التضحيات والسجن من اين اعيش وماذا اكل وماذا البس وانتم تعلمون ان عائلتي قد سفرت قسرا الى اسرائيل؟ وكانت هذه الرسالة الوحيدة التي استلمت جوابا عنها.
زارني جورج تلو بعد كتابة هذه الرسالة الخامسة في شقتي واول كلمة قالها هي "الحزب ينطيك فلوس". ضحكت وقلت له انا لا آخذ نقود الحزب ولذلك لم اكتب عن وضعي هذا الا بعد ان اصبح لي راتب خوفا من ان يغريني ما تدفعونه لي من نقود, "ردت اراويكم ليا ساف وصلتوا". والعراقيون يعرفون ما معنى هذه العبارة.
بهذا انتهى امر النقود والرسالة وبدأ نقاش دام اكثر من ساعتين حول سياسة الحزب والاخطاء الجارية فيها. ولم يكن لديه ما يجيب على تلك الانتقادات. وفي خلال هذه النقاشات قلت له "هل تتصورون انكم تخدعون البرجوازية بالكذب عليها؟ ان من يتصور انه يخدع البرجوازية بالكذب لا يخدع غير الطبقة العاملة" . فكان جوابه غريبا لا يمكن تصور انه يصدر عن شيوعي عريق مثل جورج تلو. قال ان لينين هو الذي علمنا "ان نكذب على البرجوازية". وانتهت المقابلة بعد اكثر من ساعتين. وكانت رسالتي الخامسة الى اللجنة المركزية اخر رسالة بيني وبين الحزب.
حين ترك الفريد سمعان العمل في الشركة اصبح من السخف البقاء في الوظيفة لاني لم استطع القيام بالعمل الذي اكلف به فتركت العمل في الشركة. بعد تركي العمل في شركة استيراد السيارات لجأت الى الترجمة كمصدر للعيش. ترجمت لاربعة ناشرين لقاء اجور طفيفة. ترجمت لمكتب الترجمة للحزب الوطني الديمقراطي ولكنهم لم يدفعوا لي فلسا واحدا عن الترجمة وترجمت لناشر اخر لا اتذكر من هو وهو الاخر لم يدفع لي شيئا من الاجور المتفق عليها. وكان الناشران الاخران شخص اسمه رسول كان سجينا معنا واصبح ناشرا بعد الثورة ويعرب البراك اخو عدنان البراك ايضا وكانا يدفعان الاجور الطفيفة المتفق عليها فكانت مصدر معيشتي طيلة الفترة التي كنت فيها طليقا في العراق. كان الدخل الذي حصلت عليه من الترجمة شحيحا الى درجة اني لم استطع حتى مساعدة حماتي في ايجار الشقة التي كنا نسكنها. والمرة الوحيدة التي سمحت لنفسي ان اشتري بطاقة لحضور حفلة تسلية كانت في ذكرى الثورة اذ كان من المفروض ان تحضر فرقة روسية وفرقة صينية لاحياء حفلة بهذه المناسبة وتبرع صديق له سيارة بتوصيلي ذهابا وايابا الى موقع المسرح الذي كان بعيدا في المنصور. ولكن الفرقة الروسية لم تحضر وكانت الحفلة صينية بحتة وجميلة جدا.
ترجمت في فترة سنة ثلاثين كراسا وكتابا لمختلف المؤلفين اذ كانت الكتب الماركسية رائجة في تلك الفترة. وحين اعتقلت مرة ثانية في تشرين الاول ١٩٥٩ تم نشر ٢٢ من هذه التراجم ولا اعرف ماذا كان مصير الكتب والكراريس التي لم تنشر. وطبيعي ان اسم المترجم لم يظهر في تلك الكتب.
لم يكن بامكاني حتى ان افكر بالحصول على ترجمة من الحزب. كان للحزب مكتب للترجمة يديره عزيز سباهي. وصداقتي مع عزيز سباهي تمتد الى زمن عصبة مكافحة الصهيونية وحتى قبله. واستمرت خلال سنوات السجن وحتى التقينا مرارا بعد الثورة. فزرت مكتب الترجمة مرة والتقيت بمدير المكتب عزيز سباهي وكان استقباله لي عاديا ووديا. وبعد اسبوع زرته مرة ثانية فقال لي بالحرف الواحد "ارجو ان لا تأتي الى المكتب مرة اخرى اخاف يشوفك بعثي تدخل الى المكتب" فلم ازر المكتب مرة اخرى.
لم يكن لي نشاط ثقافي في هذه الفترة لاني كنت معزولا تماما عن كل نشاط سياسي. وقد زارني مرة شخص لا اعرفه ولا اعرف كيف عرف بي وبعنواني. قال لي هذا الشخص ان له جريدة اسبوعية وانه يود ان اكتب موضوعا لهذه الجريدة. قلت له انا مستعد للكتابة على شرط ان لا يجري تغيير ولو كلمة واحدة مما اكتبه. وافق هذا الشخص على الشرط وبدأت في كتابة موضوع متسلسل حول المسألة الزراعية في العراق. خصصت صفحة كاملة من كل عدد من الجريدة لهذا الموضوع الذي نشر تحت اسم مستعار "ابو قيس". وبعد نشر عدة حلقات جاءني هذا الشخص وقال لي ان الحزب طلب من زكي خيري ان يرد على المقال. فسألته ان كان مستعدا لنشر جوابي على الانتقاد في حالة حدوثه فقال نعم. فطمنته وقلت له اذن لا تهتم بذلك. ولكن لم يظهر اي انتقاد او اي تعليق على مقال ابو قيس. نشرت منه قبل اعتقالي عشر حلقات ولم استطع مواصلة الكتابة وتكملة الموضوع نظرا لاعتقالي الذي سيأتي ذكره ادناه. والموضوع الاخر الوحيد الذي كتبته هو مقدمة لمقال المسألة الزراعية في فرنسا الذي كتبه انجلز قبل وفاته. كتبت له مقدمة عند ترجمته نظرا الى ان المقال كان مشابها نوعما للاوضاع السائدة في المسألة الزراعية في العراق.
لم تسنح لي فرصة تكوين حياة اجتماعية مع شيوعيين سابقين ممن عشت معهم في السجن. ولكن حدثت لقاءات يجدر الاشارة اليها في هذا الخصوص. كان عدنان البراك يزورني احيانا لانه كان يشعر ببعض اخطاء الحزب. وجاءني يوما ليدعوني الى العشاء في بيت عزيز الحاج في الكرخ. قبلت الدعوة وذهبت مساء الى بيت عزيز الحاج الذي كان قصرا مع حديقة واسعة. عند تناول العشاء تعرفت لاول مرة على الموسيقار الكبير سلمان شكر ابن عم عزيز الحاج وبعدها التقينا في لندن فكانت لنا صداقة وثيقة وجميلة طيلة بقائه في لندن.
بعد العشاء وانصراف الضيوف ودخول اهل البيت الى داخل الدار بقينا في الحديقة. كان هناك عزيز الحاج وشامل النهر وعدنان البراك. وتبين ان الدعوة كانت لانهم كانوا يقومون بكتابة بحث لجريدة الحزب وكانوا بحاجة الى معلومات دقيقة فلم يجدوا في الحزب من يستطيعون الاستعانة به ولذا تذكروا وجود يهودي "لا شيوعي" حرمه الله ورسوله من ان يكون شيوعيا. فدعوني الى هذه السهرة وبقينا الى الصبح في الحديقة تقريبا لكي اجيب على اسئلتهم التي وجهوها الي. ولم تتح لي فرصة قراءة ما كتبوه في هذا البحث او المقال. وكانت هذه اخر مرة التقيت بها مع عزيز الحاج اذ كان يتحاشاني حين يراني في الاجتماعات العامة.
والحادث الثاني هو لقاء بالصدفة بيني وبين محمد حسين ابو العيس في شباط ١٩٥٩ فسنحت لي فرصة نقاش معه. تحدثت معه عن ضرورة تحديد الشعار الاستراتيجي لما بعد الثورة وقلت له لنفرض ان انقلابا بعثيا يجري الان فماذا يكون شعاركم الاستراتيحي وانتم لم تفكروا بوضع الشعار حتى الان؟ فقال لي "هل ترى الوضع الان وضع انقلاب بعثي؟" اننا منهمكون في العمل وليس لدينا الوقت لبحث موضوع الشعار الاستراتيجي.
وفي ذكرى اعدام الرفيق فهد، ١٤ شباط ١٩٥٩ كانت افتتاحية طريق الشعب حول حياة السجون. وقد تذكر كاتب المقال وجود سجناء صابئة، عزيز سباهي، وسجناء ارمن وسجناء اشوريين وسجناء عرب واكراد وفيليين ولكن الكاتب نسي، وسبحان الذي لا ينسى، انه كان في السجن سجناء يهود كانوا قبل تسفير اليهود الى اسرائيل يشكلون ٦٠% من سجناء منظمة نقرة السلمان.
والحادث الثالث كان في اواخر تموز او في أب ١٩٥٩ حين التقيت بالصدفة مع اربعة من قادة الحزب هم نافع يونس ومهدي حميد وعزيز محمد وعمر علي الشيخ على بعد خطوات من الشقة التي كنت ساكنا فيها. فتعجبت لوجودهم معا في بغداد وكل منهم كان المسؤول الحزبي في لواء من الالوية الشمالية. فقلت لهم كيف اجتمعتم كلكم في بغداد هل جئتم لتدرسوا الاخطاء؟ ودعوتهم لشرب القهوة في شقتي ولكنهم رفضوا ذلك. وفي صباح اليوم التالي جاء عدنان البراك لزيارتي مبتهجا يحمل نسخة من الجريدة التي صدر فيها بيان اللجنة المركزية الذي اعتبره عدنان انتقادا للاخطاء. ولكني ابتسمت وقلت له ليس في هذا البيان اي انتقاد للاخطاء وانما هو تأكيد عليها وتعميق لها. فتعجب عدنان من ذلك اشد العجب.
وليلة قبل الاحتفال بذكرى ثورة تموز لاحظت عشرات من اعضاء الحزب يتمددون في المنطقة المزروعة في وسط شارع البتاويين فدعوت عددا منهم الى شقتي وقدمت لهم ما توفر لدي من قهوة وشاي وبعض البسكويت. ودار نقاش بيني وبينهم. جرت تلك الليلة تجربة للاستعراض العسكري الذي سيجري يوم الذكرى. وقد شاع ان البعثيين قد يقومون بانقلاب خلال هذه التجربة. اعلن الحزب النفير العام ودعا جميع اعضائه (حسب قول هؤلاء الضيوف) للاستعداد لمقاومة الانقلاب. ولهذا كانوا متجمعين حتى الصباح في هذه الاماكن. سألتهم "اذا قام البعثيون بالانقلاب فانهم سيقومون بذلك بالدبابات والمدافع فكيف ستقومون بمقاومتهم؟ هل لديكم سلاح تقاومون به هذه الدبابات؟ وهل لديكم خطة للتصرف في حالة وقوعه؟ وطبيعي كانت اسئلة لا يعرفون جوابا لها.
والحادث الاخر الذي جرى ليلة المظاهرة المليونية او المهرجان العمالي الذي جرى ليلة الاول من ايار وظهر فيه شعار "عاش زعيمي عبد الكريمي حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي". كنت في هذه الليلة متفرجا على الرصيف مع صديق يهودي سأتحدث عنه ادناه. والتقيت بشخص اعرفه مقربا جدا الى اللجنة المركزية. فقال لي متحمسا اننا سنجبر عبد الكريم قاسم على تلبية الطلب والا فاننا سنطيح به. فقلت له بحضور صديقي الذي دهش كل الدهشة من جوابي "سلملي على الجماعة وقل لهم الينطح راسه بصخرة گرونه تطير".


 

 


 

ذكريات شخصية (اخيرة)

حسقيل قوجمان

2010 / 5 / 8

حياتي الاجتماعية في هذه الفترة
انتقل الان الى الحياة الاجتماعية خلال هذه الفترة العصيبة من حياتي. لم تكن لي اية فرصة لتكوين حياة اجتماعية مع رفاق السجون ولذلك كان علي ان اجد علاقات اجتماعية اخرى. لا اتحدث عن العلاقات الاجتماعية للسجينين الاخرين مئير كوهين ويوسف زلوف رغم اننا كنا نلتقي احيانا. تكونت لي علاقات اجتماعية مع عائلتين يهوديتين كان ابناهما سجينين معنا وكنا نلتقيهما عند زيارة ابنيهما في السجن.
العائلة الاولى هي عائلة يعقوب ابراهامي. فهذه العائلة عائلة عالية الثقافة. وقد استقبلتني كأحد ابناء العائلة. كانت ام العائلة اما ملؤها الحنان وعاملتني كما لو اكون ابنا لها وكنت اشعر عند وجودي معها كانني موجود مع والدتي. انا لن انسى هذه الام العظيمة مدى الحياة. وكنت اقضي ليلتين في الاسبوع على الاقل مع الطبيبة اخت يعقوب، بيرتا ، ومع زوجها الطبيب نجلس عدة ساعات نتحدث فيها عن مختلف المواضيع وحتى المواضيع السياسية احيانا. وكانت علاقتي بالاخ الدكتور جميل ايضا علاقة ودية ولكن ليست كعلاقتي بالدكتورة وزوجها. كانت ليعقوب اخت صغيرة كانت قد انهت الدراسة الثانوية لتوها وكانت تغني لنا عند زيارتها لاخيها في السجن. عاملت اخت يعقوب الشابة معاملة اخت صغيرة مدللة. اطمأنت الي وكانت تحدثني عن مشاكلها ونناقش ذلك بكل جد واحترام. وبقيت هذه العلاقة حتى سافرت الى لندن لاكمال دراستها والحصول على الدكتوراه فكانت تكاتبني وانا في اسرائيل وتشاورني وابدي لها ما استطيع من اراء. والتقيت معها عندما جاءت الى اسرائيل مرتين فقط مرة زارتني مع خطيبها في بيتي ومرة زرتها لابارك لها على ولادة اول اطفالها. ولكن حبنا وصداقتنا لم تتغير. فحين زارت لندن قبل شهرين او ثلاثة اشهر زارتني في بيتي وكان لقاء عاطفيا مليئا بالحب والاحترام والذكريات.
والعائلة الثانية كانت عائلة حسقيل درويش. وكانت معاملة هذه العائلة بكل افرادها مشابهة لعلاقتي بعائلة يعقوب. وما زالت العلاقة باخوي حسقيل درويش حتى اليوم حين هاجرا الى لندن ونحن نلتقي احيانا حتى في هذه الايام.
وقد التقيت مع صديق لاخي يعقوب كان يذكرني لاني ساعدت يعقوب واصدقاءه اثناء امتحانات الدراسة الثانوية في الرياضيات واللغة العربية. وقد تكونت من هذا اللقاء صداقة عائلية وثيقة كانت الام فيها تعاملني معاملة ابنها وكان الاخوان الاخران يعاملانني كصديق ولكن علاقتي الوثيقة كانت مع الاخ الاصغر اسحق. اصبحت صداقتنا متينة الى درجة كنا نلتقي كل يوم تقريبا. كان هذا الصديق مرفها اقتصاديا بعض الشيء ولم اكن قادرا على مجاراته في النفقات اثناء تنزهنا سوية ولكن عدم مشاركتي له بالمصاريف لم تمنعه عن مواصلة صداقتنا. وكان هذا الصديق هو الذي كان معي على الرصيف ليلة الاول من ايار وعجب من الجواب المشار اليه اعلاه. وهذا الصديق يعيش الان في لندن وما زلنا صديقين رغم عدم التقائنا كثيرا لاختلاف ظروفنا العائلية ولبعد المسافة بيني وبينه. نلتقي فقط في المناسبات التي نحضرها.
وبالصدفة تعرفت على شخص كان سكرتيرا في السفارة السودانية في بغداد وتكونت بيننا علاقات صداقة متينة وكنا نلتقي احيانا في اماكن عامة او في بيته. كان هذا الشخص يحاول ان يحصل لي على اللجوء السياسي. وفي اليوم الذي قبضوا علي كنت على موعد معه لكي يبلغني بنتيجة محاولته. وحتى اليوم اعتز بتلك الصداقة الخالية من الاغراض والتي تستند فقط الى التقارب الذهني بيننا.

فترة الحجز في سجن العمارة
في بداية تشرين الاول سنة ١٩٥٩ القي القبض علي حين جاء اثنان من الشرطة بالملابس المدنية وقاداني الى مركز شرطة الميدان حيث سفروني في اليوم التالي الى سجن العمارة بدون محاكمة ولا تهمة ولا تحقيق. هذا النوع من الاعتقال يسمى الحجز.
يتكون سجن العمارة في تلك الفترة من السجن الرئيسي وكان مليئا بالسجناء السياسيين اذ كان فيه حسب تقديري ما لا يقل عن خمسمائة سجين سياسي. وهناك جناحان صغيران كان في احدهما خليط من سجناء عاديين اكثرهم من الفلاحين المسجونين على قضايا زراعية وعدد من السجناء السياسيين لا ادري لماذا عزلوهم هناك. وهناك جناح اخر لم اعرف به الا قبل اطلاق سراحي بثلاثة اشهر. وكانت هناك عدة غرف في السور تستخدم للحبس الانفرادي الذي يسمى رياضة. وهناك غرف كبيرة بجانب الادارة استخدمت للمحجوزين.
وضعوني في البداية مع السجناء الموجودين في الجناح لمدة قصيرة. وقد عشت في هذه الفترة مدة قصيرة مع السجناء السياسيين ولكني فوجئت صباح يوم بانهم لا يرغبون في بقائي معهم فتحولت للعيش بين السجناء العاديين وقد كانت علاقتي بهم ودية وساعدتهم في كتابة الرسائل والعرائض وكانوا يشاورونني في امورهم ويحترمونني كل الاحترام ولم يحصل بيني وبينهم اية مشاكل خلال فترة عيشي بينهم. كانت مواد الطعام المخصصة لي في هذه الفترة تعطى لي ناشفة فاقوم بطبخ طعامي بنفسي. دام هذا الوضع حوالى اسبوعين حين اخرجوني من هذا الجناح ووضعوني في احدى غرف السور بسجن انفرادي كنت فيه في اغلب الاحيان وحيدا في الغرفة واحيانا كان معي واحد او اثنين من المريضين لاسباب مختلفة. ولدى وجودي في السجن الانفرادي في السور كان المحجوزون يقبضون مخصصاتي ويقدمون لي الطعام ينقله لي احد السجانين.
مرة نقلوني مع المحجوزين لمدة يومين. كان المسؤول تنظيميا عن المحجوزين وهم لا يتجاوز عددهم العشرين ستار القيسي مركب الاسنان الذي كان سجينا معنا في نقرة السلمان. لاحظت ان ستار القيسي يجلس من الصباح حتى المساء مع بعثيين اثنين كانا مع المحجوزين ليلعب القمار. وحتى حين كان احد المحجوزين يحتاج الى استشارته كان يتوجه اليه وهو يلعب القمار لكي يسأله. فانتقدته وقلت له ان واجبك هو ان تثقف هؤلاء وتشجعهم لكي يخرجوا من السجن لمواصلة النضال. وليس من المعقول ان تلعب القمار كل اليوم مع هذين البعثيين. فاجابني انني اقوم بذلك بموجب اوامر اللجنة المركزية للحزب لاخفاء شخصيتي السياسية. فقلت له لم تخلق بعد مثل هذه اللجنة المركزية. لم يدم بقائي مع المحجوزين اكثر من يومين فاعادوني الى السجن الانفرادي.
جرت في السجن الانفرادي بعض الاحداث التي تستحق الذكر. اهمها كان وجود شخصين من العمارة احدهما استاذ كان موقوفا بدون محاكمة في انتظار المحاكمة والثاني كان من متطوعي الحزب في الاصلاح الزراعي كان موقوفا بتهمة سرقة اموال الدولة. فقد كان هذا الشخص كغيره من اعضاء الحزب يعمل متطوعا في جمع الضرائب المفروضة على الفلاحين الذين حصلوا على قطعة ارض ليدفعوها كل شهر الى السلطات. كان هذا الوضع مقبولا لدى السلطات لفترة طويلة لانهم وجدوا في هؤلاء المتطوعين موظفين في الاصلاح الزراعي بدون رواتب. ولكن السلطة هاجمت مواقعهم فجأة عند تغيير سياستها ووجدت في حوزتهم اموالا لم يسلموها بعد الى السلطة واعتبرت ذلك نهبا لاموال الدولة. تكونت بيني وبين هذين الموقوفين علاقات صداقة متينة ولكنها لم تدم الا فترة قصيرة حيث فصلوني عنهما.
ومرة كان في الغرفة عدة اشخاص يختلف بعضهم عن بعض. كان الى جانبي تاجر عراقي اشتغل عدة سنوات في الكويت وكان يقص لي عن حياته في الكويت وكيف كان العاملون غير الكويتيين يحتاجون الى ان يسجلوا اعمالهم باسم شخص كويتي يتقاضى ارباحهم ويقتطع منها نسبة متفق عليها وقصص اخرى عن حياة اغنياء الكويت. وكان مقابلي سجين عادي كان كثير المشاغبات مما جعل الادارة تحجزه في غرفة الرياضة وكان معنا سجين او محجوز سياسي اخر اعرفه من سجن نقرة السلمان واصبح رئيس نقابة عمال الميناء في البصرة بعد ثورة تموز. كان هذا الشخص انسانا تافها وقد سمعت منه وعنه قبل سجني اشياء عجيبة بصفته رئيس النقابة. ولكنه في الحجز كان يتخاصم كل يوم تقريبا مع السجين العادي الى درجة السب والشتم وتبادل اللكمات. دام هذا الوضع فترة قصيرة نقلوني بعدها الى غرفة انفرادية.
مرة اعلن المحجوزون اضرابا عن الطعام احتجاجا على بقائهم في الحجز او على معاملتهم فادخلوهم جميعا الى الغرف الانفرادية في السور بدون اغلاق الغرف. وعند دخولهم غرف الرياضة قرر قادتهم اعلان الاضراب عن الطعام حتى الموت. طلب مني هؤلاء المحجوزون التوقيع على اعلان الاضراب والاشتراك في الاضراب. ورغم علمي بان هذا الاضراب لا معنى له ولا فائدة فيه وقعت الاعلان كما طلبوا. وبعد ذلك ناقشت هؤلاء المسؤولين ان كانوا يعتقدون ان نوعية هؤلاء المحجوزين تسمح بالصمود في اضراب طويل عن الطعام واقنعتهم بان الاضراب لا فائدة فيه مما جعلهم يبطلونه ويجعلونه اضرابا ليوم واحد. وفعلا في اليوم الثاني وزع جميع هؤلاء المحجوزين في سجون اخرى او اطلق سراحهم ولم يبق منهم في السور سواي.
حادث اخر جدير بالذكر. في احد الايام جلبوا محجوزا اخر في نفس غرفتي الانفرادية. كان هذا المحجوز شابا سوريا هرب من الاضطهاد في سورية ولجأ الى العراق ولكن الحكومة العراقية حجزته لفترة قبل تسفيره الى سوريا. كان هذا الشخص السوري شيوعيا وعضوا قياديا في الحزب الشيوعي السوري. سرعان ما تكونت بيني وبينه صداقة متينة واطمأن احدنا الى الاخر وجرت بيننا احاديث كثيرة ومتنوعة اكثرها في السياسة. قص لي هذا الشخص قصة حدثت له اثناء نضالاته. كان هذا الشخص قياديا في احدى المظاهرات في مدينة قامشلي. وعند تفريق المظاهرة اخذوا يبحثون عن هذا الشخص بالذات وكانت له علامة فارقة. كان احد كفيه بثلاث اصابع واخذوا يبحثون عن ذي الثلاث اصابع. كان لهذا الشخص صديق يهودي فلجأ اليه في بيته عدة ايام الى ان هدأت الاوضاع. فعوقب هذا الشخص بتجميده من عضوية الحزب ثلاثة اشهر للجوئه الى يهودي.
في فترة من فترات السجن كانوا يدخلونني بعد الغداء كل جمعة للحمام في السجن الكبير ويعيدونني الى السور بعد ثلاث ساعات. وطبيعي ان الحمام لم يستغرق سوى دقائق وكنت في الوقت المتبقي اتجول في الساحة. كان احد السجناء يدعوني الى فنجان قهوة يصنعه من ماء وقليل من النيسكافيه. وحين كنت اجلس الى جانبه لشرب القهوة كان يتجمع ما لا يقل عن مائة سجين وتبدأ اسئلة وتتحول الجلسة الى محاضرة سياسية. وكان هذا الامر يكرر بحيث ان دخولي الى السجن كل جمعة كان يتحول الى ثلاث محاضرات سياسية تثقيفية طوعية بدون تنظيم. ولكن السجناء كانوا يتجمعون لانهم كانوا يشعرون بالحاجة الى مثل هذه المحاضرات التي كانوا محرومين منها.
في احد الجمع التقيت بالمسؤول الحزبي في سجن العمارة. كنت التقيه كل جمعة ولكني لم اكن اعلم انه هو المسؤول الحزبي. وفي احد الجمع صارحني بانه هو المسؤول وان لديه اوامر من الحزب بعدم الاتصال بي او التحدث الي. وسبب ذلك كما قال لي هو ان ستار القيسي كتب الى اللجنة المركزية ان لدى حسقيل اراء صهيونية. وقص لي قصة اخرى طريفة هي ان ستار القيسي قال له انه اهم اختصاصي في القضية الزراعية في الحزب وانه كتب بحثا كبيرا تحت توقيع ايو قيس لان اسم ابنه قيس. فضحكت وتعجب المسؤول عن سبب ضحكي. فقلت له بالصدفة انا كاتب هذا البحث باسم ابو قيس لاني لا استطيع الكتابة باسمي الصريح.
قضيت في السجن الانفرادي حوالى ١٨ شهرا. وفجأة قررت الادارة ادخالي في الجناح الثاني من السجن وفيه ثلاثون كرديا. لا ادري ان كانت الادارة فعلت ذلك كعقوبة ام لا. ولكن هذه الاشهر الثلاثة كانت افضل ايامي لاني عشت حياة اجتماعية مع اناس طيبين. تعلمت منهم اللغة الكردية وجلبوا لي كتب تعلم اللغة الكردية من السليمانية. وبعد ثلاثة اشهر القيت خطابا باللغة الكردية. وقد نظمت دورات تثقيفية بقدر المستطاع وحتى علموني حياكة الجزادين من النمنم فحكت ثلاثة جزادين ما زالت لدي حتى اليوم. كان عدد كبير منهم يحوك هذه الجزادين ويعطيها لاقاربه عند الزيارة لبيعها كوسيلة للعيش.
في اواخر شهر كانون الاول سنة ١٩٦١ اطلق سراح جميع المحجوزين في العراق وشملني هذا فاطلق سراحي مع الاخرين. ولحسن الحظ كان مأمور مركز الشرطة في بيته فلم يعتقلني لتسفيري الى اسرائيل. فقد اطلق سراح يوسف زلوف في نفس اليوم ولكنهم اعتقلوه وسفروه الى اسرائيل.
سافرت مع بقية المحجوزين الى بغداد وهناك لم يكن لدي اي مكان الجأ اليه. جاءت حماتي وقريبها من السليمانية حيث كان يعمل مهندسا ونزلا في فندق ونمت ليلة مع حماتي في الفندق بدون تسجيل. عائلة شيوعية واحدة لا اود ذكر الاسم لان صديقي ما زال موجودا واحتاج الى موافقته على ذكر اسمه. فتح هذا الصديق بيته امامي واستضافني وعاملني كفرد من افراد العائلة. وقد عاملتني نساء العائلة كاحد ابنائها بحيث انهن لم يتحجبن اثناء وجودي في بيتهن. وهذا جميل لا يمكنني ان انساه مدى الحياة.
بعد ثلاثة اواربعة ايام رافقتني حماتي الى البصرة وهناك رتب لي بعض معارفها تهريبا الى ايران. وفي ايران بقيت عشرين يوما حيث انفقت النقود التي تبرع احد الاصدقاء لي بها. ولم تكن لي اية وسيلة للخلاص سوى اللجوء الى منظمة صهيونية كانت في طهران تسفر اليهود الهاربين من العراق على حسابها الى اسرائيل بصورة رسمية. وفي شهر كانون الثاني ١٩٦٢ سفروني الى اسرائيل.
بهذا انتهت اربعون عاما من حياتي في العراق ولكن ثقافتي ومشاعري وطعامي وتقاليدي واخلاقي وعواطفي بقيت عراقية حتى اليوم حين بلغت التسعين وستبقى خلال الايام او الاشهر او السنين الباقية من حياتي.