|
|

عدنان الضاهر
( إلى فَنِسْ بغداد الأسيرة )
كسر ظهرها فتركت وظيفتها وغدت قعيدة الدار . لم تَهُنْ ولم تستسلمْ . بقيت شامخة الرأس عالية القامة . صار يعذّبها جسدياً يومياً ... يذّلها ويجبرها أنْ تركع وتقبّل حذاءه القذر . كانت تركع لأنها عاجزة عنْ أنْ تقاوم . كانت شبه مشلولة . كانت تركع لكنها ترفض تقبيل حذاء زوجها الوحشي . كان يضغط بقوة على رأسها لكي ترضخ وتستجيب . ترفضُ فيضع حذاءه على رأسها حتى يمسَّ فمُها ترابَ البيت. أجاعها وأطفالها . حرمها من أبسط حقوقها ومتطلباتها الإنسانية . حاصرها وراقب تلفونها الشخصي والحاسوب . أحصى أنفاسها وأمر الأطفال أنْ يتجسسوا عليها ويرصدوا حركاتها فأبوا ولم ينصاعوا . كان تعلّقهم الطبيعي بوالدتهم التي حملتهم وهْناً على وهنٍ وأنجبتهم وأرضعتهم مما يدرُّ صدرها الأمومي حتى كبروا ودخلوا المدارس تباعاً حسب تسلسل أعمارهم . لم يطقْ الوحش ما يرى من صمود نادر وثبات أمام المصيبة وتشبث بكبرياء المرأة ورفعة مكانتها في سلّم الوجود فهي أم الأنبياء ووالدة عظام الرجال فكيف تهون وكيف تقبل الذل ! ما هانت الأسيرة ولا ذلّت فجُنَّ جنونهُ وطفق يهددها تارة بكسر رقبتها أو جدع أرنبة أنفها الرائع التكوين أو حتى قص قطعة من شفتها السفلى ! ولمّا ألفاها لا تأبه بتهديداته الساديّة صار يهددها بالخنق ليلاً أو قتلها بكاتم الصوت أو تسميمها . لم ينفّذْ أياً من تهديداته لا رحمة بها إنما شفقةً على أطفالهم ولتبقى خادمة لهم تعتني بهم بما يتيسر لديها من قوة وطاقة ضئيلة باقية في جسدها وهذا كثير على سيدة مظلومة كسيرة الظهر شبه مشلولة وشبه جائعة تأكل ما يجود به زوجها عليهم من أطعمة شحيحة وبعض المعلّبات الرخيصة . تكيّفتْ وطوّعتْ واعتادت أنْ تجد نفسها محرومة من أبسط طعام للعديد من الأيام . كانت كالصائمة وكل شهورها رمضان ! إكتشفته يخونها مع كل مّن هبّت ودبّت من النساء.
صارحته رافعة الرأس فاعترف كالذي أخذته العِزّةُ بالإثم ولم يُنكر . كيف تتقبلين هذا الهوان والبلاء يا سيّدة ؟ قالت إنه يرفض طلبي الطلاق ، فضلاً عن تعلّقي الطبيعي بأطفالي وخوفي على مصائرهم وهم ما زالوا قُصّراً . سوف لن ترحمهم زوجة أبيهم الأخرى ولن تكونَ لهم أمّاً . وما موقف والديك وباقي أهلك من هذه الكارثة ؟ صمتت بلا دموع . كررتُ سؤالي فرفعت رأسها عالياً ثم قالت : والدي شيخٌ كبير مصابٌ بالسرطان . لي شقيق واحد فقط ترك العراق منذ عقود ولا أعرف عنه شيئاً . ترك العراق غاضباً عليَّ لأني رفضتُ طلبه مني أنْ أتحجّبَ من رأسي حتى أخامص قدميَّ . ثم تضاعف غضبه مني حين علم بقراري أنْ أترك وظيفتي وأغادر العراق للعمل في بلد عربي بالزواج من هذا الرجل ـ الوحش في ملابس بشر . غادرنا العراق على عجل خوفاً من بطش نظام صدام حسين لأنه أُتّهم بالمشاركة في إنتفاضة آذار 1991 . ثمَّ ؟ قالت : عدنا للعراق بعد سقوط نظام البعث فعمل هو متعاوناً مع قوات الإحتلال الأمريكي وانصرفتُ لتربية وتنشئة الأطفال إذْ كانوا مازالوا صغيري السن . والحل ؟ لا أدري . أجابت فَنِسْ ( فينوسْ ) ، آلهة الجمال البغدادية التي لم يخلقْ ربُّها مثلُها في البلاد والعباد .
ودّعتها وفي رأسيَ المصدوع ألف سؤال وسؤال . ما تفسير وأسباب ما حصل وما زال يحصل لهذه السيدة التُحفة ؟ لا بدَّ من سبب إذْ ليس من المعقول أنَّ زوجها يكرهها ويعذّبُها لأنها فاتنة في جمالها ولأنها تحمل شهادة جامعية أعلى من تحصيله الدراسي . باصروني يا ناسي لعلي وإياكم نهتدي ونصل إلى سر أسرار محنة هذه السيدة التي مزّقتني قصتها بل وحرّمتني نوم بعض لياليَّ الشتائية الطويلة . كيف أساعدك يا سيّدة ؟ لا تستطيع ! أجابت . طوق حديديٌّ مضروب حولي بإحكام . نجح في جعل بعض الجيران مخبرين ينقلون له عني الصغيرة والكبيرة بما يُغدق عليهم من إكراميات تأتيه مما يقبض من أموال فإنه أحد مُدلّلي الأمريكان وحلفائهم . يشتري مُخبرين وجواسيس لكنه يُجيع أولاده ووالدتهم شبه الكسيحة . كان إنساناً سويّاً قبل تعاونه مع قوات الإحتلال ، لكنه إنقلب وتغيّرَ بعد ذلك فقد أفسده المال فتكبّرَ وطغى وتجبّر وفقد صوابه . أنا واحدة من ضحايا الإحتلال ، أنا وأطفالي حتى أني أتمنى أحياناً لو كنتُ إحدى قتلاهم برصاص قنّاصاتهم أوحراسات أمنهم أو دبابات سيطراتهم كما حصل لمئات المئات قبلُ وبعدُ . قتيلة أفضل من شِبه قعيدة لا تتحرك إلاّ بمشقة ثم جائعة وتحت التهديدات اليومية المستمرة . لمن أرفعُ شكواي ، لمن ؟
للرئاسات الثلاث ... أجبتها ومضيتُ رافعاً رأسي وعينيَّ صوب سماء غائمة داكنة باردة ولا من مطر .
بين صحوتي ونومتي القلقة رأيت أمراً عَجَباً : رأيتُ أو خيّلَ لي أني أرى شاشة عملاقة يسطع ضؤها في سماء عالية عليها كتابة باللون الأزرق الجميل الغامق . فركتُ بكلتا يديَّ عينيَّ غير مُصدّقٍ ما أرى . قرأت وليتني ما قرأتُ :
:
[[ وضعوا مع اسمي وصورتي فلماً جنسياً كاملاً
يدور الان في الفيسبوك . أحدسُ أنه من تصميم استاذ جامعي اختصاص حاسوب حاول مراراً ان يقيم علاقة معي ورفضت .
انقطعت الكهرباء ونمت حتى الصباح
عند الظهيرة وجدت صفحتي مليئة بالتعليقات والدنيا مقلوبة
فتحت البريد واذا بالعالم امامي كله غرفة نوم ...
اريد ان اهرب الى دنيا ليس فيها رائحة الرجل
ظلم في الطفولة وفي الشباب وحتى وأنا في الأربعينيات
اليوم حيلي مهدود
متعبة سيدي
بحاجة ان اذرف دموعي على صدرك
واشعر بالامان ويبدو ان لا امان مع وجودي .
سامحني . أعتذرُ .
توقيع : فينوس بغداد الأسيرة
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (702) 29/08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي
ساحاتُ التحريرِ مقالعُ أحجارٍ من ماسِ
تهتزُّ الدنيا إنْ قَلَبتْ عيناً أو هزّتْ رأسا
تتكلمُ بالدارجِ والفُصحى
تتهاوى قاماتٌ ذلّتْ
هرباً من يومِ حسابٍ قاسِ
الساحة تبقى غضبى حتى ساعةِ يومِ الحَشْرِ
يومَ يقومُ الموتى صفّاً صفّا
تكشفُ مَنْ أعطى الأمرَ بإطلاقِ النارِ ومَنْ أسرفَ قتلا
مَنْ قادَ الخيلَ ومَنْ عربدَ فوقَ النوقِ الحمقى
مَنْ سار وراءَ مواكبَ من حُمْرِ الوحشِ
جرّتها عَرَباتُ الجنِّ بِغالاً وخيولا ؟
درعٌ بشريٌّ صدَّ الريحَ وسدَّ المجرى ثقباً ثقبا
البرقُ الخاطفُ يحميهِ
نجمُ الركنِ الأقصى يهديهِ
ومُثارُ تُرابِ الساحةِ في عينِ الأبرصِ والأعمى
عَرباتُ الخيلِ حديداً
حملتْ يقدحُ نارا
سقطتْ فانهارَ الحزبُ الحاكمُ وانهارتْ قُضبانُ
الساحةُ حرفٌ في اللوحِ المحفوظِ
نجمُ في الضوءِ الثاقبِ خطّافاً يأتيها
من حِقبٍ تتراكمُ جيلاً جيلا
يخترقُ الأقطابَ وأبراجَ نزولِ ـ صعودِ الأقمارِ
يقظى في مركزِ ميدانِ التحريرِ
النسوةُ من حورِ العينِ يطفُنَ خفافا
مَلكاتٍ للنحلِ طعاما
عَصَبُ الرؤيا مُمتدُّ
الجنّةُ منّي قوسانِ وأدنى قابا .
بغدادُ التحريرِ مساحتها
تنتظرُ الإعصارَ يُدمّرُ جذرَ التسويسِ
الجسرُ قصيرٌ درْبا
الجسرُ قريبُ
الجسرُ رهيبٌ يربطُ أضدادا
الساحةُ ما زالتْ يقظى :
تونسُ قامتْ قبلا
ميدانُ التحريرِ تجاوبَ فورا
( عُمرُ المختارُ ) يُصوِّرُ في بنغازي فيلما
بردى أصغى
السيلُ طغى وتعدّى
بغدادُ متى ؟
عمّانُ متى والدارُ السوداءُ ؟
الرأسُ العالي يبقى مرفوعا
يصرخُ كلاّ
لمطاحنِ جرشِ عظامِ الموتى أحياءَ
الخيمةُ مجمعُ نادينا
نسهرُ فيها حتى تأتينا بُشرى أخبارِ الفجرِ
نقبَ الضبُّ السدَّ ففاضتْ صنعاءُ
النسوةُ في عَدَنٍ قحطانُ
ترفو ثقباً في جَسَدِ السدَّ العالي
سَبأتْ في مأربَ ( إبرهةً حَبَشيّا )
أسَرَتْ فيلاً نَفَقتْ في تَعِزٍ أفيالُ
ذَنَبُ الضبِّ اليمنيِّ قصيرٌ عُمرا
بترتهُ النسوةُ في ميدانِ التغييرِ
الضبُّ المحروقُ يُعاني عِلاّتٍ شتّى
يعبدُ خلفَ يهودِ قُريشٍ عِجْلاً ذَهَبيّا
يزحفُ بطناً ظهراً يستجدي ( قاتا ) !
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (698) 25/08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
نداء إلى قيادة الثورة في جمهورية ميدان التحرير في القاهرة
عدنان الضاهر
نداء إلى قيادة الثورة في جمهورية ميدان التحرير في القاهرة
أذهلتم العالمَ يا شبابُ ويا كلَّ الأمل . يُطاطئ أحرارُ العرب والعالم رؤوسهم أمام تضحياتكم وصمودكم الأسطوري وثباتكم على المواقف والأهداف . غدوتم وميدان التحرير كعبةً للحج وقِبلةً للصلاة والدعاء . أنتم مصرُ ومصرُ أنتم لكنكم القلب في المركز وشعبُ مصرٍ محيطُكم وجدارُكم الحارسُ والحامي والنيلُ والأهرامُ. أمهاتكم معكم يسهرن ليلاً ويرفعن شعاراتكم ليلاً ونهاراً
فإنهنَّ كريمات أرض الكنانة ووالدات الجيل الثائر . قلوبنا معكم لكنَّ أيدينا عليها خشية أنْ يستدرجكم العدو ويفتت وحدتكم فإنه خبيث مراوغ لئيم وجبان وكما قال الشاعر المتنبي ( ولا مثلَ العداوةِ في اللئيمِ ) . وفي هذا المقام لا بدَّ لي من التنبيه إلى عدة أمور أدرجها كما يلي :
1ـ الجيش
لا بدَّ من التمييّز بين الشعب والجيش فلكلٍ أهدافه الخاصة ولكلٍ ستراتيجياته الخاصة . قد يكون وقد يظلّ الجيشُ اليومَ مُحايداً في واقع سياسات وتوازنات الظرف الراهن ولكنْ ربما يأتي ظرفٌ دقيق حرجٌ ينحاز الجيشُ فيه إلى جهة الحكومة والنظام الذي أقامت لعقود . بل وحتى لو إلتزم الحياد فلربما يكون حياده قاتلاً تحت ظرف معين تفيد منه الحكومة خاصة وإنها ، الحكومة ، هي في جوهرها حكومة عسكرية في غالبية عناصرها المؤثّرة ووزاراتها السيادية. وليس عبثاً ما تُشيع بعض العناصر أنَّ لحسني مبارك مكانة خاصة في صفوف القوات المسلحة وتعتبره أحد أبطال العبور في حرب السادس من أكتوبر 1973 . الذي عبرَ هو الشعبُ المصريُّ وجيشُه في طليعتهِ . ولا يغيبنَّ عن البال أنَّ الرئيسَ عسكريٌّ أصلاً وهو اليوم الحاكم العسكري ، ونائبه لواء مخابرات ، ورئيس الوزراء فريق في سلاح الجو ووزير للطيران سابقاً ، وربما غيرهم الكثير ممن لا أعرف . لا يمكن الركون إلى الجيش بشكل مُطلق ولا التعويل عليه فخياراته محدودة معروفة في حين أنَّ الشعبَ متحرّكٌ ويمكنه التحرك في كافة الإتجاهات وحسب تغيّر الظروف .
2 ـ النظام ورأس النظام
كل ما يقوم به السيد عمر سليمان اليوم من تحركات هي من حيث الجوهر والتفاصيل مفروضة عليه من قبل جهات شتى داخلية وخارجية . يقف حسني مبارك على رأس العامل الداخلي مُحاطاً بببعض قادة الجيش المصري الكبار من العناصر الموالية لمعسكر كامب ديفيد الساداتي ـ المُباركي وطبقة فاشحة الثراء من المضاربين والتجّار وأساطين المال يقف هو نفسه وولداه في قمة هذا الهرم السارق والجشع والمفرّط بمال وحقوق الشعب المصري. أما دائرة الضغوط والعوامل الخارجية التي تؤثّر وتحرّك السيد عمر سليمان فإنها إسرائيل وأمريكا ثم حلف الناتو. الهدف المركزي لمبارك وسليمان ورئيس الوزراء وأمريكا هو الحفاظ على النظام القائم في إطار معاهدة كامب ديفيد والإتفاقيات العسكرية والأمنية المعقودة مع كل من إسرائيل وأمريكا . خلاف ذلك لا يرى هؤلاء من بأس في إجراء عمليات ترقيعية وأخرى تجميلية سيليكونية تبدو للناظر دمقراطية وقد لا يخلو بعضها من جوهر الدمقراطية الحقيقية ما دامت لا تمس ولا تقترب من تابو وعقيدة الإلتزام ببنود إتفاقية كامب ديفيد . أي أنَّ المطلوب اليوم من مصر أنْ تكونَ في أفضل أحوالها نموذجاً شبيهاً بالنموذج التركي أو اليوناني أو الكوري : دمقراطية كما تريدها أمريكا وإسرائيل لا تلك التي يطمح إليها الشعب المصري . دمقراطية عصر العولمة المنفلتة الهائجة . دمقراطية أنْ يُثري مَنْ يُثري وأنْ يجوعَ ويموتَ مَنْ يجوعُ ويموتُ فهذه أقدارهم وأقدارهم بقدر سعيهم ولكل إمرئ ما سعى . هكذا يزعمون .
كان النظامُ ورأس النظام في مصر منذ عهد السادات وحتى اليوم ملتحمين منصهرين فرأس النظام هو النظام وهذا هو ذاك : أنا أنطونيو وأنطونيو أنا . ذوبان الفرعون في قارونَ حيث يجتمع الدين والدنيا معاً ، ربُّ السياسة والدولة فرعونُ وربُّ المال قارون ومن شابهه . وهذا هو حسني مبارك ومعظم الحكام العرب كلهم فرعون وقارون أي فرعون القاروني أو قارون الفرعوني . في العالم المتحضر النظام شيء ورأسه شيء آخر . تتبدل الرؤوس وتزول وتبقى الأنظمة وأمامنا الدول الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا ودول أخرى في الشرق الأقصى كاليابان مثلاً . الرئيس في هذه الأقطار رمزٌ للنظام وممثله لا أكثر وهو بالطبع جزء منه يُدينُ بما يُدين ويتعهد ويقسم بالمحافظة عليه . بينما يعتقد حسني مبارك وورثته عمر سليمان وأحمد شفيق وباقي الرهط أنَّ النظام في مصر سيتزعزع وقد يزول بزوال مبارك متحججين بالشرعية والفراغ الدستوري وغير ذلك من الإدعاءات الفارغة التي لا تصمدُ أمام الحقائق فالشرعية هي الشرعية المستمدة من إرادة الشعب وقد أعرب عنها ثوّار الشعب وعبّروا وأفصحوا وأجادوا الخطاب بالدم والصمود . كذلك للثورة قوانينها الخاصة ودستورها الخاص وإلاّ لما هبَّ الشعب وثار فثورته جوهراً وشكلاً هي ضد قوانين ودساتير النظام المترنح المتفسخ التي كبّلت الشعب وضيَقت الخناق عليه وأجاعته وفتكت به وأفقرته . الثورة على النظام هي الثورة على رموزه وقادته وممثليه قبل كل شيء . ثورات الشعوب تبدأ بالقضاء على رؤوس البناء الهرمي للدولة المستبدة دولة البوليس وقوانين الطوارئ والأحكام العرفية ومنع التجول وحظر التظاهر والتعبير العلني عن الرأي الآخر المخالف لفلسفة وعقيدة الحكم وحكومته.
3 ـ يستتبع ذلك بالضرورة التحذير من الوقوع في خطر التركيز على تنحّي مبارك أو تخليه عن السلطة ثم رحيله . تنحّي ورحيل مبارك لا يعني التغيير الثوري للدولة والنظام . سيرحل هذا الجلاّد عاجلاً أو آجلاً لكنَّ النظامَ الذي أقامَ سيبقى وسيبقى لمن سيرث الدولة المصرية وفي مقدمتهم رجل المخابرات عمر سليمان . لا تطالبوا يا ثوّار برحيل أو تنحّي مُبارك فقط بل جاهدوا للقضاء على نظام مبارك بأكمله السياسي والإقتصادي ومنظومة القمع والقتل والنهب وتعدد أجهزة الشرطة والأمن والمخابرات . حلوا البرلمان المزوّر وسنوا دستوراً جديداً وحوّلوا نظامكم الجديد إلى نظام برلماني لا رئاسي وليكن وزير دفاعكم رجلاً مدنياً كما هو الحال في الكثير من الأمم المتحضرة وأمامكم فرنسا وأمريكا . ألغوا على الفور حالة الطوارئ فإنها مُصممة وموجّهة لكم وليس إلى عدوٍّ خارجي فالعدو الخارجي مرتبط بنظام مبارك بمعاهدات سلام وصداقة واتفاقات أمنية ومناورات مشتركة مع وحدات من الجيش الأمريكي وحين نقول الجيش الأمريكي نعني والإسرائيلي أيضاً لأنَّ إسرائيل هناك حيثما وُجدتْ أمريكا وشبكات أجهزة موسادها جزء من شبكات التجسس الأمريكية المسماة وكالة المخابرات المركزية سي آي أي
CIA
هذه مصادر قلقي على مصير ومستقبل الثورة في مصر اليوم . لذا رأيت من واجبي أنْ ألفت أنظار قادة هذه الثورة وطلائعها شباباً وكهولاً ، نساءً ورجالاً من كافة فئات وطبقات الشعب المصري .
08.02.2011
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (666)22/07/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
ثلاثة رموز لعبت أدواراً خطيرة في إشعال فتيل وتحديد مسارات الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر ثم الجماهيرية الليبية .
أولاً / إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياة ..
الحريق الذي بدأ ثم أجج حريق الثورة في تونس : شاب جامعي عاطل عن العمل تحول سلطات مدينة بني زيد بينه وبين محاولاته لتأسيس مشروع متواضع يساعده على تأمين مورد يوميٍّ متواضع كبائع خُضار متجول . تحمل الشهيد أبو عزيزي تعنت وحصار مسؤولي حكومة زين العابدين بن علي وخنقه ووأد مشروعه الكثير التواضع . تحمّل هذا القهر وهذا الظلم لكنَّه لم يتحمل صفعة إحدى عناصر شرطة النظام التونسي وشتمها لأبيه المتوفى . ما كان قادراً على صفع من صفعته فكيف انتقم منها ومن نظام الحكم الفاسد الجائر وكيف احتجَّ على سكوت وخنوع الشعب التونسي ورضوخه لكل هذا الظلم والإنحراف ؟ كيف ردَّ على عهر الحياة التي خانته ولم توفر له ولوالدته وسائل عيش بسيطة كريمة وما معنى حياة لا عزّة فيها ولا كرامة ؟ قال المتنبي :
واحتمالُ الأذى ورؤية جاني
هِ غِذاءٌ تًضوى به الأجسامُ
ذلَّ مِنْ يغبِطُ الذليلَ بعيشٍ
ربَّ عيشٍ أخفُ منهُ الحِمامُ
من يهنْ يسهل الهوانُ عليهِ
ما لجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ
أشعل بوعزيزي الحياةَ في جسده احتجاجاً من نارٍ صارخاً إنتقلت شراراته من مغرب الأرض حتى مشارقها مدّاً وجزراً . جعل من جسده وقوداً يضيءُ به الطريق أمام الشعوب لتراه واضحاً . أراد به أنْ يوقظ ضمائر الشعوب ثم حكّامها الظلمة الخونة السرّاق والمنبطحين أمام الأعداء على وجوههم وعلى جنوبهم وظهورهم.
جعل النار تتكلم نيابةً عن لسانه المُلجم بقوة شرطة النظام وعناصر قوّاتِ أمنه . حين تجد لسانك في لجام يتحرك جسدُكَ وفي حركته بركان وزلزال وهذا ما كان.
حين نطق جسد الشاب بوعزيزي تحرك الشارع التونسي ونضج السونامي وامتد وطغى موجه العاتي فأتى قصرَ بن علي واقتلعه إلى حيثُ وبئس المصير مشرّداً تلاحقه اللعنة والفضائح والشائعات ولم يجد مَن يؤويه غير حكام آل سعود . حريقٌ واحدٌ أقام الدنيا وأقعدها . حريق واحد أحرق كل ما قد كوّم الحكام الظالمون الدمويون المستبدون من أحطاب وأخشاب ومتاريس وقصور مشيّدة وحمايات وحرس جمهوري وقوات أمن وشرطة فتعالَ تفرّج يا نيرون روما . تعالَ تمتعْ واضحك واشمت بحكام العرب المغرمين بالسلطة والسلطان حتى الموت . أنت أحرقتَ عاصمتك روما لكن الشاب العاطل أحرق الشرق الأوسط . بوعزيزي أفضل منك وأرفع قدراً إذْ كنتَ إمبراطوراً أما بوعزيزي الحارق نفسه فكان يدفع عربةً تحمل الخضار صادرتها منه حكومة بن علي وحين صرخ محتجّاً لطمته شرطية على وجهه فاشتعلت النيران . هل يحرق حاكمٌ مستبدٌ نفسه ؟ كلا . أمر هتلر وقد خسر الحرب العالمية الثانية ... أمر مجموعة من ضباطه المقربين أنْ يحرقوه بعد موته . أطلق على نفسه الرصاص فمات ونفّذت مجموعة الضباط أمره فأحرقته . لم يحرق صدام حسين نفسه ولم ينتحر بل ولم يقاتل جيوش الغزاة وهو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة وأمين سر القيادة القطرية . هرب واختبأ في حفرة لا تصلح إلاّ لسكنى العناكب والثعالب والفئران . هل سيحرق القذافي نفسه يا عزيزي بوعزيزي وأنت المثال والقدوة وسيّد فلسفة النار ؟ قال كلاّ ، بل هو ماضٍ في سبيله لإحراق ليبيا تماماً كما فعل قبله نيرون . لقد كانت ليبيا ذات يوم مستعمرة رومانية وكان الليبي سبتيموس سافيروس أحد أباطرة روما وله تمثال في وسط العاصمة الليبية طرابلس .
ثانياً / الشهيد المجهول الباسم الوجه / جسده البارد أشعل الهشيم
ركّزت وسائل الإعلام كافة على البسمة المرتسمة على وجه أحد شهداء الثورة المصرية المجهولي الهُويّة لكنها لم تلفت النظر إلى موضع الرصاصة التي اخترقت وجهه وربما نفذت من مؤخرّة رأسه . هي واحدة من رصاصات شرطة حسني مبارك وقوات أمنه المركزي . أفاد وزير داخليته السابق حبيب العادلي أنه تلقّى من مبارك أمراً بإطلاق النار على المتظاهرين خلال الأيام الأولى الثورة . هذا دليل يا مبارك ويا عادلي رآه الناس في كل حدب وصوب بشكل حفرة هي بوابة دخول الإطلاقة النارية التي اخترمت حياة شاب مجهول الأهل والجنسية والوطن إلتحق بصفوف الثوار وجاب شوارع القاهرة لا يحمل سلاحاً سوى رغبته في التغيير ، فالتغيير قانون وأس وأساس الطبيعة والحياة ، فقدّم روحه ونفسه وجسده قرباناً للثورة . برد جسده بعد أنْ أطفأ حسني مبارك وقوات شرطته جذوة وشعلة الحياة فيه فغدت برودة جسده النارَ التي أحرقت الهشيم وزلزلت الأرض تحت أقدام مبارك وحكومته وأركان حكمه فرضخ لإرادة الثورة والثائرين وتنحّى واعتزل الحياة مقيماً في المنتجع الرئاسي الخاص في مدينة ومصيف شرم الشيخ تلاحقه الفضائح وعار ما سرق هو وأولاده وما هرّب إلى خارج مصر من مليارات الدولارات .
من قال إنَّ البرودة لا تحرق ؟ الثلج حتى الثلج يحرق . النايتروجين المُسال يتسبب في إحداث حروق شديدة إذا وقعت قطراتٌ منه على الجلد .
ثالثاً / ثورة الدم / إيمان العبيدي / جان دارك ليبيا
(( لا يُنقذُ الوطنُ الجريحُ من الأذى ))
(( إلاّ إذا غطّى وعمّدهُ الدمُ ))
أحرق بوعزيزي نفسه ثأراً لكبريائه من صفعة وجهتها له شرطية من شرطة نظام بن علي في تونس فلماذ اُنتهكت حرمات الشابة الليبية إيمان العبيدي ؟ لماذا اغتصبتها كتائب القذافي وأولاده ؟ هل أرادوا كسر أَنَفة الضابط الشجاع المنشق وزير الداخلية اللواء السيد عبد الفتّاح يونس العبيدي ؟ هل انتقموا منه باغتصاب فتاة من قبيلته ؟ رأيتها على شاشة التلفزيون تبكي صارخةً فاضحة الجريمة كاشفة عن جروح ودم وكدمات في أعلى فخذها الأيمن متحدية رجال ونساء أمن النظام أمام كاميرات المصورين والمراسلين الأجانب . غطّت رأسها بعباءة سوداء واحدة من عناصر الأمن لكنَّ إيمان قاومت وحررت نفسها من قبضة ومن عباءة شرطية الأمن . هل تمتُّ إيمان بصلة قربى باللواء عبد الفتاح يونس العبيدي ؟ جائز . وا معتصماه ! وا بوعزيزاه ! ويا حُسيناه ! أهكذا يهين حكام العرب بناتهم وينتهكون شرفهنَّ ويستبيحون أعراضهنَّ ؟ حتى يزيد الطاغية المنحرف المشبوه والمطعون في دينه ... حتى هذا الذي سبى النساء في كربلاء لكنه لم يجرؤ ولم يأمر باغتصاب الحريم . ما الذي جرى لبعض المحسوبين على العرب ؟ هل من لجنة تحقيق عربية أو دولية تحقق في أمر الفتاة إيمان العبيدي وتكشف ما جرى لها وما فعلت بها ذئاب ووحوش الكتائب الليبية الأمنية ؟ يريد الناس معرفة أسباب ما جرى لها . تأييدها لثورة المعارضة لا يكفي ولا يبرر إغتصابها فالناس أحرار فيما يفكّرون ويعتقدون . إنها لم تحمل السلاح ولم تقاتل مع الثائرين . إذا كانت متعاطفة مع المعارضة أما كان كافياً أنْ يعتقلها النظام الليبي مؤقّتاً أو أنْ يتحفظَ عليها بفرض الإقامة الجبرية عليها أو أنْ يقدّمها للمحاكم لتفصلَ في موضوعها كما تقضي الأصول المعروفة ؟ ستظلُّ إيمان العبيدي الرمز الشامخ للمرأة الليبية الشجاعة حفيدة بطل المجاهدين الشهيد عمر المختار . ستصطبغُ سماء وتربة ليبيا بدم إيمان . سينقلبُ لونُ علم النظام الحالي الأخضرُ لوناً أحمرَ يُحرّك الضمائر ويُنير البصائر ويُذكّر الأجيال القادمة أنَّ الدمَ هو ضريبة الحياة والبقاء يجري في عروقهم ويسيل خارجها من رقاب المناضلين ومن أرحام البنات والأمهات . لا مفرَّ من الدم يجري فينا ويسيلُ من حولنا على أجسادنا وعلى أديم ترابنا . أمام أعيننا وفي خيالاتنا . في حاضرنا كما في الذكريات . الفضل في ذلك كله للمقدامة الجسورة إيمان العبيدي . أيها الناس حرروها . تحرّوا مصيرها واكشفوا مكان حبسها . ألا شاهت الوجوه وعميت الأبصار والبصائر . تذكّروا أيها الناس : تذكّروا البطلة الجزائرية جميلة بوحيرد سجنها وعذّبها المستعمرون الفرنسيون . لا تنسوا الفلسطينية البطلة دلال المغربي إعتقلها وعذّبها الصهاينةُ الإسرائيليون ولكن من أهان واعتدى على البطلة الليبية إيمان العبيدي ؟ أبناءُ جلدتها الليبيون من كتائب القذافي وأولاده . نعم ، ليبيون يتكلمون لغتها العربية ولهجتها الليبية الخاصة ويشاركونها تأريخ وتراث ليبيا وما ترك شيخ الشهداء عمر المُختار . أيُعقلُ هذا يا ناس ؟ أيمكن أنْ يحدث وعلى التراب الليبي وفي هذا الزمان ؟ خالفوا الشاعر المتنبي وصرخته الأخلاقية المدويّة المعروفة وقلبوها فوق رؤوسهم فسوّدوا بها تأريخهم إنْ كان لهم تأريخ يفخرون به . إنهم ، واخيبتاه ، واعاراه ، أسالوا دم شرفك الرفيع بخساً إغتصاباً أليست الضباع والذئاب أشرف من أشرفهم ؟ أليس كعب حذائك أكرم وأنبل من خُمُر وستر نسائهم ؟ بم نقارنهم وأية مخلوقات ممسوخة طلعت علينا اليوم من مغارات وجحور التأريخ السحيق وأزمنة قابيلَ وهابيلَ حيث دم الأخ حلال ودم الأخت يُراق حلالاً ؟ هل مجّدك شعراءُ العرب وكتّابهم يا إيمان وهل طالبوا بالقصاص ممن أهانوك وانتهكوا حرماتك ومقدساتك ؟ الحِداد الحِداد يا نساء العالم .
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (620) 07/06/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي