
|
|

أحمد الناصري
الثورات العربية وطبيعة المرحلة الانتقالية
الانتفاضات والثورات العربية مستمرة ومتصاعدة، بعضها أنتصر وبعضها الآخر يسير نحو الانتصار على السلطات الاستبدادية الفاشلة، لينهي الشكل المأزوم السابق، الذي أستمر لعقود طويلة عبر تكريس القمع الشامل وإدارة الصراع الداخلي من أجل البقاء في السلطة كهدف أساسي والفشل العلني في قضايا التنمية والبناء والديمقراطية والعدالة الاجتماعية أو رسم سياسة وطنية عامة والمشاركة المطلوبة في القضايا العربية الملحة وتنفيذ الدور الوظيفي المطلوب خارجياً، دولياً وإقليمياً، ودمج الدولة بالسلطة والحزب الحاكم والدكتاتور الهارب والمطرود وسقوط الدولة والسلطة وانشطارهما معاً في إشكالية فريدة تفاقمت في منطقتنا ودولنا (الوطنية) الفاشلة والفاسدة.
هناك مقدمات وأسباب كثيرة للحال المأساوي والغريب الذي وصلته شعوبنا ومجتمعاتنا وهو في معظمه من صناعة السلطات الاستبدادية الفاشلة وسياساتها الخاطئة في جميع المجالات ودورها الوظيفي المكلفة به دولياً، ودور الخارج في خلق وتكريس الحالة الراهنة لحماية مصالحه الكبيرة في بلداننا.
نحن إزاء حالة سياسية واجتماعية عربية معقدة ومثقلة بآثار وتقاليد الماضي البعيد والقريب التي اختلطت بالمشاكل الجديدة التي من أبرزها الانفصال عن التطور التاريخي العام وعن سياقاته ومساراته الطبيعية، بسبب عدم قيام وإنجاز حركة نهضة فكرية وعلمية تدريجية تتوزع بين المجتمع والدولة الحديثة الصاعدة، والاكتفاء بتعزيز شكل السلطة الاستبدادية الفاسدة ومؤسساتها القمعية الشرسة وإعلامها الواحدي البائس وترك المجتمع يغرق في أوحاله.
لقد أطاحت بعض الثورات العربية بالدكتاتوريين الطغاة وعزلتهم عن رأس مؤسسة السلطة، لكنها لم تطح بعد وتفكك المؤسسة القديمة بعناصرها وعقلها وإمكانياتها واحتياطياتها المعروفة، ولم تطرح البدائل السياسية المطلوبة، وهذه القضية من مشاكل ونواقص الثورات والانتفاضات العربية الجديدة.
لأسباب اجتماعية وسياسية وعملية وتاريخية فأن الثورات العربية الحالية لا تشبه الثورات الكلاسيكية التي قامت في مناطق وبلدان كثيرة من العالم، والتي كانت لها أحزاب وقيادات وبرامج وشعارات معروفة ومحددة حتى قبل قيام ونجاح الثورة. أما التجارب الحالية فهي بلا أحزاب وقيادات مؤثرة وفعالة، بسبب غياب الحريات والعمل السياسي والفكري خارج أطار السلطة وأغراضها في ظل الدكتاتوريات العربية، والإنهاك والتفكك الذي أصاب تلك الأحزاب بسبب القمع المنظم والشرس الذي تعرضت له لعقود طويلة، ومنع الحياة السياسية، والتغييرات العالمية والمحلية التي طرأت على الحياة العامة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتبدل أساليب ولغة العمل الحالي، ووجود ثغرة وقطيعة حقيقية بين الجيل القديم والجيل الجديد الشاب الذي قاد التحركات الجماهيرية السلمية الجديدة، بعد إن سأم من حالته وفقد الأمل بالعيش الطبيعي وضمان المستقبل. كل هذه الأمور أحدثت تغييرات بنيوية كبيرة، سلبية وايجابية.
استطاعت طاقة الشباب العقلية والجسدية الخلاقة واستخدام أساليب ووسائل العمل الجديدة أن تهز وتسقط عدد من عروش الطغاة وأن توقف استمرار الدكتاتور الفاسد في الاستمرار بتدمير ما تبقى من عناصر الحياة الإنسانية والطبيعية. لكن الثورات و(الشباب) بدت من دون برامج وشعارات وخطوات محددة ومطلوبة لتحقيق القطيعة مع الماضي والبدء بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التدريجية المطلوبة لكي تعالج مشاكل وكوارث الماضي. من هنا تبدأ المشكلة وندخل في نفق ما يسمى ب (المرحلة الانتقالية) الطويل والغامض، وصعود وسقوط قوى كثيرة، وتدافع قوى أخرى لخطف الشارع والسيطرة عليه، وتحرك القوى القديمة والتقليدية للعودة الى ميدان التأثير من جديد، وذلك باستخدام كل الأساليب والإمكانيات والثغرات التي يجيدون التسلل منها.
يبدو إن ما يسمى بالمرحلة الانتقالية الحالية لا تشبه التجارب السابقة التي جرى تطبيقها في أكثر من ثورة وبلد، حيث أن الأمور حالياً متشابكة ومختلطة الى أبعد الحدود، ولا يمكن لنا تمييز الشعارات والبرامج السليمة والمطلوبة ولا آليات وزمن تطبيقها للانتقال الى شعارات وخطوات أخرى. في ظل هذا التشوش والتسويف المقصود وغير المقصود تطل مخاطر نجاح الثورة المضادة التدريجي أو السريع، أو صعود قوى غير ديمقراطية تزحف بقوة نحو السلطة كهدف أساسي ونهائي، مثلما كان يحصل بالانقلاب العسكرية القديمة، وهي لا تملك رؤى وبرامج لحل مشاكل المجتمع، كما إن خطر التدخل والتسلسل الخارجي يزيد من حظوظه وخطورته.
نحن أمام أطول فترة انتقالية تتسم بالتشوش والغموض، بسبب طبيعة وإمكانيات القوى التي ساهمت بالثورات والقوى الجديدة التي تكونت بعدها وتوجهاتها وصراعاتها واختلافاتها الكثيرة والحادة.
الثورات والتجارب العربية الحالية بحاجة الى المزيد من الدراسة والفحص لدرء خطر فشل تلك التحركات والثورات وإيقاف عملية التحول الديمقراطي المطلوب. وأن يساهم الجميع من الشباب والمفكرين والسياسيين وعموم المجتمع، لتجاوز نشوة وسكرة انتصار الثورة اللذيذة والمؤقتة الى فكرة تحديد ملامح ومهمات المرحلة الانتقالية، كمرحلة يمكن إنجازها وعبورها الى الوضع الدائمي الطبيعي، ومعرفة الفرق الحقيقي بين ما قبل نجاح الثورة وما بعدها من خلال الربط الدقيق والعميق بين العمل في شبكة الانترنيت والعمل بين الجماهير في الشارع ومعرفة مطالبها وحاجاتها.
في الختام لابد من ربط النجاح بإنجاز المرحلة الانتقالية بتثبيت أسس التوجه الوطني الديمقراطي، وفي حالة البلدان المحتلة بإنجاز مهام التحرر الوطني بأفقه الديمقراطي.
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (710) 10/09/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي
أوراق من التجربة والذاكرة
بعد حوالي سنة من الاعتقال في بلد شرق أوسطي، حيث وضعت في زنزانة انفرادية كان شباكها الوحيد من الأعلى في السطح، مما غير عاداتي اليومية وجعلني أتمدد على ظهري لكي أرى النور، والإنسان يكره العتمة والظلام بطبعه ويتجه نحو النور تلقائياً. بعدها نقلوني الى الزنزانة الانفرادية رقم 425، وحملت الرقم نفسه بدلاً من الاسم الحقيقي أو الوهمي، في سجن شهير ورهيب، كان يحتوي على ثلاث آلاف زنزانة انفرادية مليئة بالمعتقلين على مدار السنة، الى جانب العنابر الجماعية الكبيرة. كنت في عزلة تامة ومطبقة، وعلاقتي بالعالم والمحيط الخارجي تتم من خلال كوة الزنزانة الصغيرة التي يرمى منها طعام السجين الشحيح، بعد أن يعصب عينيه بالغمامة ويستدير نحو الحائط، كأجراء وقائي، لمنع السجين من التعرف على سجانيه وجلاديه، أو أسمع صوت جاري السجين أو (جارتي السجينة) في الزنزانة الملاصقة لزنزانتي، وهو يغسل يديه أو وجهه من خلال فتحة صنبور الماء (الحنفية) وشبكة الأنابيب المتصلة، أو أسمع صوت السعال الشديد، والأنين المكتوم للمعذبين والمرضى، أو صفير الحراس وهم يتبادلون الإشارات من غير كلام. في عزلتي التامة والموحشة تلك كنت احن وأشتاق لأي صوت، بشري أو طبيعي، أو حتى لو كان صوتاً صناعياً يأتيني من الراديو مثلاً، لئلا تتعطل الأذن وتنسى وظيفتها. كما كان يثقلني ويحاصرني اللون الكابي الكئيب (الممزوج بالرطوبة والعفن والظلمة الدائمة) للزنزانة وكل الزنازين التي مررت بها وهي كثيرة، وهذا اللون أعد خصيصاً من قبل خبراء التخريب لتدمير روح وبصر وجسد السجين مع الوقت. وقد اعتقلت بتهمة النشاط الشيوعي وأطلق سراحي لعدم ثبوت التهمة رغم إنها صحيحة وكنت انسق مع عدد كبير من المنظمات الماركسية واليسارية الشرق أوسطية.
سافرت على مراحل من جديد، ثم سلكت نفس الطرق والمسالك الطويلة والوعرة والمحطات التقليدية التي لا تخلو من الخطر والمفاجئات، وبمساعدة عدد من الرفاق والأصدقاء وصلت الى كردستان وبالتحديد الى المقر العام للحزب الاشتراكي الكردستاني (حسك)، والتقيت برفاقي وأصدقائي في المقر الواقع في قرية (كاولان) وتعني بالعربية (الخربة)، وهي تشبه قرية عادل إمام عندما سألوه في أحد أفلامه وهو ضائع وتائه في زحمة وضجيج القاهرة.. من أين أنت؟؟ أجابهم بلهجة صعيدية صافية من (خربته) قرية حتى الحكومة لم تسمع بها!! كذلك حال قريتنا (كاولان) أو الخربة التي تقع في الجانب الإيراني من جبل قنديل الرهيب، حيث لا يعرفها أحد غير عريف المدفعية الدقيق في كلا الجانبين، الذي يتباهى بأنه يستطيع أن ينزل قنابله حيثما ينزل المطر. وقد لجأنا أليها عدة مرات، ففي المرة الأولى وصلنا إليها بعد مذبحة بشتآشان التي نفذها جلال الطالباني ضد أنصار الحزب الشيوعي العراقي والحزب الاشتراكي الكردستاني في 1 أيار 83، ثم انطلقنا منها الى بشتآشان الثانية في تموز من نفس العام، أي بعد شهرين من الكارثة، بردة فعل متسرعة وغير مدروسة وبضغط من البارت الذي كان يشارك في الهجوم الإيراني الواسع على منطقة حاج عمران، حيث فشلنا من جديد وعدنا الى (كاولان) نحمل فشل آخر وخيبة أخرى، بعد إن تركنا عدد آخر من الشهداء والذكريات المريرة في تلك الشعاب القاسية. وها أنا ضيف على أصدقائي في (حسك) وفي قرية (كاولان) ربيع عام 86 وأستعد لعبور سلسلة جبل قنديل مرة أخرى!! وآخر مرة زرت فيها مقر (حسك) في (كاولان) عام 89 مع الشهيد سامي بعد عمليات الأنفال العسكرية القذرة، قبل أن نعود ونتجمع في منطقة نوكان الحدودية.
تحركت مع مفرزة كبيرة من الحزب الاشتراكي الكردستاني (حسك) بقيادة سيد كاكه، عضو المكتب السياسي والمسؤول العسكري للحزب، وهو قائد فلاحي وجبلي مخضرم ومن الطراز الفريد والنادر، وهذه أول مفرزة علنية وكبيرة لحسك تعود الى الداخل بعد مجزرة بشتآشان وتصفية الوجود العسكري للأحزاب الكردية الأخرى، بعد المصالحة مع الاتحاد الوطني الكردستاني. انطلقنا يوم 15 ابريل عام 1986، وهو نفس اليوم الذي قصفت فيه أمريكا ليبيا ومقرات القذافي في طرابلس وبنغازي وسرت، بعد اتهام القذافي بتفجر ملهى لابيل الليلي ببرلين ومقتل عدد من الجنود الأمريكان. وكان معي راديو صغير أتابع به الأخبار العامة وأخبار الحرب العراقية الإيرانية التي كانت مشتعلة وأستمع الى الأغاني العراقية والعربية الجميلة. استمعت الى خبر قصف الطائرات الأمريكية بيت القذافي في باب العزيزية، وقيل إن ابنة القذافي بالتبني قد قتلت الى جانب عدد كبير من الليبيين، فلعنت أمريكا والقذافي المجنون. وقد قرأت خبراً جديداً هذه الأيام يكذب مقتل الطفلة، ويقول إنها موجودة وقد غير القذافي أسمها وهويتها وهي تسافر معه وتعمل ضمن حمايته!!
في تلك اللحظات كنت معلقاً فوق سقف جبل قنديل الرهيب، أستعيد ذكريات مريرة دامية، وأشم عبق وعطر الشهداء ممن سقطوا لنا وتركناهم في هذه الشعاب والمجاهل الموحشة وسط الذهول والخيبة. مررت بنفس الحجارة التي استرحنا فوقها وتركنا عليها آمالنا وأخطائنا في عبورنا الرهيب بعد المذبحة، وشربت ماءً من نفس العيون والينابيع، وشممت ذاك الهواء المعفر بالتراب ورائحة البارود وآثار المعركة الخاسرة. لقد عبرت جبل قنديل عدة مرات ومن نفس الأمكنة والممرات الطويلة، وكانت بشتآشان تتراءى تحتنا من بعيد، أكاد اسمع أصوات وضحكات الشهداء وآخر كلماتهم ونداءاتهم الأخيرة وأمانيهم ووصاياهم المقتولة تضج بها قعور الوديان.
كنا نسير على طول الجبل وقد مررنا بقمة (كاني كوتر)، تلك القمة المنفردة والبارزة والحصينة في سلسلة جبال قنديل، وقد استطاعت قوات (أوك) التسلل إليها فجراً والسيطرة على موقع رشاش الدوشكا والهجوم على موقع البارت وقتل وتصفية 49 مقاتل من بينهم حسو ميرخان القائد العسكري وعضو اللجنة المركزية للبارت، ثم مهاجمة مواقعنا التي سقط فيها 8 شهداء بينهم ملازم حسان (جبار شهد) والدكتور عادل ونزار ناجي (أبو ليلى)، وانسحبنا ليلاً انسحاباً طويلاً وصعباً، وفي اليوم الثاني كنا نمر على (كاولان) نجر أذيال الخيبة ونتجه نحو الخراب، فكانت معركة بشتآشان الثانية، الخاطئة والمنسية.
أثناء المسيرة والعودة الجديدة حاولت أن أرى بعض مقراتنا القديمة في (بولي) التي اقتربت منها كثيراً، أو أي مكان يبدو من خلال الوديان والمنعطفات الطويلة والسحيقة أو تحديد الاتجاه على الأقل، وهي نفس المناطق التي يتواجد فيها حزب العمال الكردستاني - التركي حالياً والتي يقصفها الجيش التركي الآن بالطائرات الحربية. بعدها توجهنا نحو مناطق (ورته) والقرى المحيطة بها، وعبرنا جبل كاروخ وقراه الجميلة والكثيرة التي كانت تنتشر فيها مقراتنا ومفارزنا قبل مذبحة بشتآشان. كانت المفرزة تسير بشكل بطيء، وهي تحاول المرور بأكبر عدد من القرى على سبيل الدعاية والاستعراض وتوزيع المنشورات بعد انقطاع طويل وتام دام سنوات، ووصلنا الى جبل كورك بمرصده الفلكي العملاق والمعطل بسبب القصف الإيراني، ونمنا في قرية أسفل الجبل وفي الصباح اكتشفنا أن أثنين من البيشمركة هربا بسلاحيهما من المفرزة الى أقرب نقطة حكومية وقد أخدا معهما السلاح المتوسط والوحيد للمفرزة المكون من الآر بي جي 7 وسلاح البي كي سي، ولم يبق معنا غير البنادق ورشاش آر بي كي الخفيف، وساد الحزن والقلق في صفوف المقاتلين، وسألتهم ماذا لو قاما بعمل تخريبي ضدنا أثناء نوبة حراستهما؟؟ استمرت مسيرتنا لأيام، حيث واصلنا سيرنا في مناطق راوندوز ثم انعطفنا نحو كويسنجق.
الكمين المسلح باعتباره إعدام سياسي جماعي وفوري في الشارع!!
في كردستان كانت المفارز الليلية تتعرض باستمرار الى خطر الكمائن المسلحة القاتلة. والكمين هو أبشع عملية إعدام سياسي جماعي فوري من دون محاكمة على الشارع، وهو تعبير بالغ عن ذروة الصراع القاسي والعنيف بين الأطراف المتصارعة، بالإضافة الى القصف الشامل وسياسة الأرض المحروقة والاجتياحات، حيث يقتل فيه المسلح وغير المسلح من المدنيين والمهربين ومن ضمنهم النساء والأطفال الذين يضطرون أحياناً للانتقال والعبور ليلاً الى مناطق أخرى، وتصادر وتخطف الجثث أو تقطع الرؤوس في عمل بربري بشع وتقدم كإثبات عيني ومادي على ما حصل، أو تترك في العراء من دون مراسم أو دفن، وتقتل أو تصادر فيه البغال وما عليها من أحمال وسلاح وأسرار.
من مناطق كويسنجق قررنا العبور الى مناطق السليمانية مع مفرزة كبيرة مشتركة بين أوك وحسك، وبعد مسير طويل وشاق، اجتزنا فيه مناطق وعرة ثم حقول زراعية طينية موحلة، وكنا نسير تحت المطر الغزير، وقد أخذ منا التعب والإرهاق مأخذه، وصعدنا الى الطريق العام المعبد (وهذا من الأخطاء الشائعة والمتكررة الذي تقع فيه المفارز الليلية)، وهو سهل ومريح في المسير الطويل بعد المناطق الوعرة والبعيدة خوفاً من الربايا والمعسكرات والكمائن، لكنه خطير وغير آمن، بعد مسير لمدة 20 دقيقة حصلت المفاجئة القاتلة، فقد وقعنا بكمين محكم وقاتل ونحن مكشوفين فوق الطريق العام، وصاح صوت من طرف الكمين قف من أنتم؟؟ فرد عليه أول مقاتل يسير في مقدمة المفرزة.. بيشمركة!! فأنفتح علينا الجحيم الحقيقي حيث لا مفر ولا ساتر يحمينا من الرصاص الكثيف. لقد وقعنا في كمين غادر وقاتل أعده المجرم الشرس (قاسم جوير) أي قاسم الأعور وهو مرتزق (جحش) معروف في منطقة كويسنجق، كان يلاحق ويتعقب المفارز، ولا اعرف وضعه ومصيره الآن، فربما أصبح قائداً عسكرياً أو سياسياً كبيراً في أحد الحزبين الكرديين أو رجل أعمال بارز.. لا أدري؟؟!!
كانت القرى والمناطق الكردية مليئة بالعيون وشبكات الجواسيس التي زرعها النظام بكثافة ملفتة، من الذين يرسلون بمعلوماتهم الى السلطة بسرعة ومباشرةً، مقابل أموال محددة لهم حسب قيمة الإخبارية والمعلومات المقدمة ونتائجها أيضاً، والمرتزق كائن رخيص بطبعه، حيث لا يمكن أخفاء واختفاء مفرزة كبيرة بهذا الحجم عن عيون الجواسيس، وكانوا يذهبون بأنفسهم في النهار لأخبار وتبليغ الجحوش أو الربايا العسكرية، أو إرسال المعلومات بواسطة السيارات التي تنتقل بين مناطق البيشمركة ومناطق السلطة، أو الاتفاق على أشارات بسيطة خاصة في الليل، منها أشارات بواسطة المصابيح اليدوية أو الطلقات المضيئة، كما كانت كلاب القرى تفضح المفارز المتسللة أو العابرة ليلاً، حيث تضج بنباح وحشي متواصل لا ينقطع، وتبدأ الربايا بالقصف العشوائي، كما تتابع السلطة الاتصالات وتعرف حركة وتنقل المفارز بواسطة عمليات الإنصات، بالإضافة الى وجود حالات كثيرة لعناصر مندسة تابعة للسلطة داخل المقرات وفي المفارز نفسها، وتقوم السلطة والمرتزقة بزرع الألغام بطرق وممرات سير المفارز، ويسقط من جراء ذلك ضحايا من المدنيين وعرباتهم وحيواناتهم، وكذلك تلغم عيون الماء التي يشرب منها الأنصار. والمفارز الليلية حذرة ومتيقظة بطبعها، لكن الخطر يلاحقها ويحيط بها من كل ناحية، وهي تقع بأخطاء كثيرة أيضاً نتيجة للتراخي والإهمال والاستسهال.
بعد فتح النيران الكثيفة علينا نزلنا بسرعة الى حافة الشارع واحتمينا بها، ووجدنا أنفسنا أمام فتحة كبيرة لتصريف مياه الثلوج والأمطار الكثيرة، وبقينا للحظات ثم تحركنا الى الجانب الآخر من خلال النهر الجاف الذي صنعته السيول، وحاولنا الخروج من منطقة الكمين والقتل المباشر، وقد واجهتنا صخور ضخمة كنا ننزلق فوقها ونسقط في الجانب الآخر، بعد ابتعادنا لأمتار قليلة أحس المرتزقة بذلك وخرجوا من مواقعهم ولاحقونا بالرمي الكثيف والمباشر علينا بالرشاشات والبنادق وقاذفات الآر بي جي 7 والهاونات مع قنابل التنوير، التي تحول الليل البهيم الى نهار ساطع تتحرك فيه أشباحنا المطاردة. في هذه اللحظات الحرجة امسك بي شاب جريح أسمه أزين ب (الزاي الكردية المثلثة)، ومعنى أسمه بالعربية (يحيى أو يعيش)، وكان لا بد لي من أن أعمل على إنقاذه وأن يعيش رغم جرحه البليغ. وهو من الكوادر السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، وكان جرحه خطيراً وينزف بغزارة، وسرواله يصدر صوت القماش المبلل بسائل الدم الكثيف، وقال لي أعرف أن الشيوعيين لا يتركون الجرحى يسقطون بيد العدو فلا تتركني أموت أو أؤسر وأعدم، فقلت له أطمأن ولا تخف سوف أساعدك وأنقذك ولن أتركك حتى لو كلفني ذلك حياتي، ثم طلب مني طلباً غاية في الصعوبة وشبة مستحيل، وهو أن احمله وأسير به لأنه لم يعد قادراً على الحركة والسير، كنت مريضاً ومتعباً بسبب السجن الانفرادي حيث أن الحركة محدودة والتغذية سيئة، ثم جاءت تلك المسيرة الطويلة والشاقة لأيام، بعدها التعب الشديد قبل الكمين المسلح وأثنائه، فقلت له طيب وحملته وسرت به لعدة أمتار ثم أنزلته وسحبته بقوة وركضت به حتى كاد أن ينهار، ثم حملته من جديد ومشيت به لمسافة أخرى وأزلته وكدت أن انهار من التعب والإرهاق التام، وسحبته من جديد حتى أخرجته تماماً من دائرة الخطر وناديت على جماعته من البيشمركة كي يساعدوني في إسعافه ونقله وقد أوصلناه الى قرية قريبة وأجرينا له الإسعافات الأولية لإيقاف النزيف الحاد وإنقاذ حياته، بعدها استعرنا بغالاً لنقله ونقل جريح آخر، كان حاملاً لجهاز الاتصال، وقد سقط بطريقة غريبة والتوت يده الى الخلف وانخلعت من مفصل الكتف وتمزقت روابطها وتحولت الى خرقة متدلية، وكان يصرخ من الألم الفظيع ولا يوجد أي دواء لمساعدته وما كان عليه إلا أن يتحمل الألم!! تركنا الجرحى في مناطق البيشمركة الآمنة وواصلت السير الى مناطق السليمانية البعيدة والخطيرة أيضاً، حيث الصعوبات والقصف والملاحقات والجواسيس والجوع والكمائن الجديدة والمرور الاضطراري بمحاذاة المعسكرات والربايا وقطع الطرق الرئيسية. بعد عدة أيام شاقة وصلت الى منطقة قره داغ حيث كان ينتظرني الرفاق سامي وجابر وعدد آخر من الرفاق الرائعين القدماء والجدد لنكمل المحاولة والتجربة في ظروف قاسية!!
كانت الخسائر الناتجة عن الكمين بسيطة ولا تذكر، وقد نجونا جميعاً بالصدفة وبأعجوبة، عدا الجريحين، ربما لأن الكمين تسرع في المناداة على المفرزة وفتح النار ولم ينتظر لكي يضرب المفرزة من المنتصف ويقصم ظهرها ويبيد الجميع!! وهو ما لم يصدقه النظام، حيث جاءت قوات كبيرة من الجيش والمرتزقة (الجحوش) في الصباح الباكر، وفتشت الوديان والأدغال والقرى، وكانوا ينادون بمكبرات الصوت على من تبقى من المقاتلين الأنصار (البيشمركة) الجرحى أو المختفين أن يسلموا أنفسهم للسلطة، لكنهم لم يجدوا لنا أي أثر عدا دم الجريح الوحيد الذي سال على الإسفلت، فقد تسربت وتلاشت المفرزة المستهدفة تحت جنح الظلام الكثيف!!
وصلتني رسائل وكلمات شكر من أزين (الذي لا أعرف عنه شيء منذ التسعينات) كذلك من (ماموستا عبد الله) عضو المكتب السياسي ل (أوك) والذي كان معنا أثناء وقوع الكمين، وربما كان هو المستهدف كهدف وصيد ثمين بالنسبة للمرتزق قاسم جوير، لكي يقدم رأسه للنظام ويقبض الثمن!!
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (701) 28/08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
التحرك الشعبي العربي وطبيعة ودور التدخل الخارجي
تشهد البلدان العربية ثورات وانتفاضات وتحركات وتململات شعبية واسعة وعميقة، شملت جميع البلدان والعواصم والمدن العربية، وهي تهز أعماق المجتمعات العربية الراكدة، وتخرج بها من الجمود والركود ومن سبات تاريخي طويل الى ضوء الشمس والحرية، مر عليه أكثر من 1000 عام ملتوي وملتبس ومرتكس، وهي تطرح أسئلة أساسية عن الحاضر وآفاق المستقبل وكيفية العودة الى التاريخ والمساهمة في صناعته وتسييره!!
جاءت التحركات الشعبية الحالية نتيجة مباشرة وطبيعية للأزمة التاريخية العامة التي تمر بها المجتمعات العربية وتعيشها شعوبنا العربية وانسداد الأفق وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وخراب كل ما يتعلق بالحكم وإدارة الحياة اليومية والمعيشية والخدمات الأساسية، يغطيه غطاء سميك من الاستبداد والقمع الشاملين، وضعف أو انعدام الحريات الأساسية والبسيطة، وفشل الدولة في حالات عديدة معروفة، وانعكاس الأزمة الإقتصادية العالمية الراهنة. لذلك كان قيام التحرك الشعبي أمراً لابد من حصوله كنتيجة سياسية لكل هذه العوامل مجتمعة.
إن الأسباب الرئيسية والموضوعية لقيام التحرك الشعبي العربي كثيرة وعديدة، قديمة وجديدة، وهي كافية لتغيير الأنظمة العربية الفاشلة والمعادية والمتناقضة مع المجتمع والحقوق البسيطة للناس، والتي أصبحت خارج الزمن. لذلك كان تفجر الأوضاع عملية داخلية موضوعية لا بد منها لإحداث تغيير، أي تغيير، بسبب انتهاء أية إمكانية لاستمرار الأوضاع السابقة وانتهاء ونفاذ أية إمكانية للتعايش معها. كما إن الأنظمة فقدت قدراتها السابقة في السيطرة والمناورة وإدارة الأوضاع لصالحها بواسطة الأساليب التقليدية القديمة، بسبب تهالكها وتخلفها وتكرارها وفظاظتها وبدائيتها، وهذا ينسحب على الخطاب السياسي والإعلام والدعاية، المستند والمسنود بالقمع والاستبداد الشاملين، الذي هو تكرار مطور لأساليب الحكم والقمع في العصور الوسطى مع تعديلات حديثة شكلية تتعلق بالقصور والمراسيم والمظاهر.
لا نريد أن نعود الى التاريخ القديم والمتوسط رغم أهميتها البالغة لمتابعة التسلسل والمسار التاريخي لطبيعة أنظمة الحكم وطبيعة نمط الاستبداد الشرقي السائد الى اليوم، متمثلاً بالدولة (الحديثة) الهشة والمشوهة، وسلطة ما بعد الاستقلال، وقيام ما سمي أحياناً بالدولة القطرية التي أنتجتها انقلابات ثورات (عسكرية) في الغالب، انتهت في العموم بيد أحزاب وشخصيات قومية تقليدية متخلفة، جاءت من العسكر في أغلب الأحيان، لتتقلص التجربة وتنتقل بيد دكتاتور واحد تحيط به عائلته التي تقود الاقتصاد والسياسة وأجهزة الأمن المرعبة وتلعب بالثقافة والصحافة والرياضة والسياحة والجمعيات الخيرية والتنموية، بل وصولوا الى قيادة حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني.
عاش الدكتاتوريون، هم وحواشيهم، حياة الأباطرة والملوك الذين سادوا وطغوا في العصور الغابرة، وانعزلوا عن الناس من خلال تراتبية مقيتة، ناتجة عن أوهام ومفاهيم دينية ودنيوية وقبلية مصطنعة!! ووصلت تلك الأوهام السخيفة باعتبار الدكتاتور لنفسه أنه من جنس آخر(فوق بشري)، أو نوع مصنع وهجين من الأنبياء وإن كانوا ليسوا سماويين، وهم في جميع الأحوال والظروف أرقي من البشر الطبيعيين والناس العاديين كثيراً أو قليلاً، رغم صفاتهم التافهة والمتخلفة، ورغم مصائرهم المفجعة والبائسة والمهينة، مع نمط مشوه من الملابس والإكسسوارات والشارات والصور المحسنة والألقاب والخطب المكررة والسقيمة وبعض الكتب المنسوخة والتاريخ المزور والوهمي. أنه الوهم القاتل والعيش في كبسولة العزلة خارج الزمن، مع حاشية جاهلة ومتسلقة من المستشارين والكتاب، تقول للدكتاتور ما يريد أن يسمعه فقط!!
الدكتاتورية تتهاوى وتسقط بسبب تعارضها مع الحياة الراهنة ومع طبيعة الأشياء، والشعوب تتحرك في أكثر من مكان وتطالب بحقوقها الأساسية والطبيعية، لكن بين التحركات وتحقيق الأهداف الشعبية السياسية والاقتصادية مرحلة وربما مراحل عديدة، أو ما يمكن أن نسميه بالمرحلة الانتقالية، وهنا تكمن المصاعب والأخطار، وتتصارع الأطراف والقوى، ويحصل كل شيء وتتقرر النتائج. لذلك تبرز وتتأكد أهمية دراسة المرحلة الانتقالية وخطواتها وإجراءاتها وقواها المحركة وبرامجها وتوجهاتها. إن دراسة ذلك يساعد في فهم الوضع ومساره اللاحق ويسهل طرح الشعارات المناسبة.
لقد خربت وشوهت التجارب الدكتاتورية المجتمعات العربية ونخرت وحطمت الإنسان لتسهيل عملية السيطرة عليه، كما خربت الاقتصاد والثقافة والتعليم وفشلت في المجالات الخدمية الأساسية والبسيطة، وكان القمع الطويل والمكثف كافياً لتصفية وعزل الحركات السياسية وفرض نمط أحادي ووحيد من سياسة السلطة مهما كان شكلها وطبيعتها، مما يعرقل المساهمة الفعالة والنشيطة في تسير ودفع المرحلة الانتقالية نحو نهايتها السليمة والسعيدة، ومحاولة عودة عناصر الأنظمة السابقة للسيطرة على الوضع الجديد بواسطة العسكر أو مؤسسات الدولة القديمة والقوى صاحبه المال والمؤسسات الاقتصادية، وبواسطة الفساد العميق والشامل أفسدوا وفسد كل شيء. كما إن خطر القوى الدينية وجماعات الإسلام السياسي بكافة صنوفه التي تحاول القفز الى السلطة مباشرة ومنع التحولات الديمقراطية الحقيقية والجذرية، بتمويل هائل من السعودية ومن جهات تجارية مالية مرتبطة تقليدياً وتاريخياً بالحركات الإسلامية، وهذا الخطر يزداد بصورة واضحة في جميع التجارب التي تم إنجازها في البلدان العربية.
القسم الثاني من العنوان يرتبط بمحاولة فهم وتشخيص طبيعة ودور العامل الخارجي وعلاقته فيما يحصل. لقد قلت منذ البداية واشدد على أن ما يحصل في بلداننا العربية تطورات سياسية واجتماعية داخلية، وهي حتمية وضرورية وطبيعية، قامت نتيجة فشل النموذج السياسي الحالي وتصادمه مع الحياة الطبيعية للناس في العيش والخبر والكرامة والحرية. وقد كانت جميع الأنظمة السياسية العربية تابعة وسابحة ضمن المنظومة الرأسمالية العالمية وأسواقها، بأشكال ودرجات متعددة ومعقدة من التخادم والتبعية التامة في بعض الحالات، التي تصل الى درجة التعاقد على حماية وإبقاء الأنظمة مقابل تامين ما يسمى المصالح الحيوية والاستراتيجية للخارج، التي تتمثل بالنفط ومنع الحركات السياسية من الوصول الى السلطة، وعدم اشتراط تطبيق الديمقراطية في هذه البلدان في مفارقة ملفتة!!
كما هو معروف فأن التواجد والنفوذ الخارجي في أطراف العالم وفي منطقتنا بالتحديد بدء مع عصر الاستكشافات التي قادت الى الاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، منذ تحرك السفن البدائية البرتغالية والأسبانية والهولندية نحو أمريكا الشمالية ونحو الهند والخليج العربي، ثم ومع القفزات الكبيرة للرأسمالية وحاجتها للمواد الأولية والأسواق وتنافسها الشرس على مناطق النفوذ كمصدر كبير وحاسم في تراكم الدورة الرأسمالية العالمية الكبيرة، تحركت فرنسا على مصر وأوقفت تجربة محمد علي باشا عن طريق القوة والاحتلال، ثم جاء الاستعمار البريطاني وسيطر على مصر، وتمددت بريطانيا نحو الهند ودمرت صناعاتها النسيجية الكبيرة واستدارت نحو الخليج العربي، ثم جرى تقاسم المنطقة العربية بواسطة أتفاق سايكس بيكو، بين بريطانيا وفرنسا، وجاء الفصل الجديد مع صعود أمريكا الرئيسي والحاسم بعد الحرب العالمية الثانية الى جانب الترميم السريع للمركز الأوربي التقليدي وعودة اليابان من خلال أعادة اقتصادها العملاق، وهكذا أصبح المحور الثلاثي (حسب سمير أمين) يقود العالم ويتلاعب بمصيره، كل ذلك حصل وتعزز مع وصول الرأسمالية الى الإمبريالية، ثم سيادة العولمة الرأسمالية كتطوير هام للشكل الإمبريالي القديم.
ما يتعلق بمنطقتنا فالخارج الرأسمالي كان مسؤولاً عن دعم وبقاء الأنظمة الدكتاتورية للقيام بوظائفها الداخلية والعربية والإقليمية المكلفة بها، كما شجع ونفذ وساهم في انقلابات فاشية دموية. ومع بداية التحرك الجماهيري العربي دعمت بعض البلدان الخارجية الأنظمة التابعة لها، على الأقل دبلوماسياً وإعلاميا، وكان موقفاً منتظراً ومتردداً وانتهازياً في أغلب الحالات، وعندما تيقنت من سقوط تلك الأنظمة المتهاوية تخلت عنها لتلاقي مصيرها الأكيد وتستدير وتتعامل مع الوضع الجديد لضمان مصالحها الكبيرة والمتشعبة في بلداننا.
لذلك فمشاكلنا التاريخية المزمنة ناتجة عن الترابط والتداخل بين الوضع الداخلي الفاشل والمتوقف والدور الخارجي المهيمن.
نصل الى استنتاجنا بصدد العامل والتدخل الخارجي، ونقول بأنه قديم وموجود بأشكال ودرجات مختلفة ومتعددة، ويحاول أن يستغل الأوضاع والنتائج الحالية لصالحه، عبر نشاط متعدد الوجوه، لكنه لا يشكل عاملاً حاسماً أو مسبباً ومحركاً للانتفاضات الشعبية العربية (عدا الحالة الليبية السافرة) التي قامت وانطلقت لأسباب داخلية معروفة وواضحة، ولا بد من إعادة طرح موضوع التحرر الوطني والاستقلال (المهام الوطنية) وربطه بالديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية بصورة جديدة (البرنامج الديمقراطي)، في ضوء الواقع المحدد وخصائص الثورات والتحركات العربية الحديثة ودروسها ونواقصها وأخطائها والمخاطر الجدية التي تحيط بها والتي من أبرزها محاولة القوى الدينية الرجعية السيطرة على المجتمع والسلطة.
رغم نجاح عدد من الثورات في إسقاط الأنظمة القديمة الفاشلة، وطبيعة الثورات السلمية والشبابية، فأن الأفق والمستقبل لم يتضحا بعد، والطريق لا يزال طويلاً وملتبساً للوصول الى نظام ديمقراطي وطني يقوم على أسس مدنية حديثة!! هذه المسألة بحاجة الى المزيد من المتابعة والدراسة الموضوعية وعدم التسرع في إطلاق الأمنيات والتوقعات السريعة والمتسرعة حول سير الأحداث ونتائجها.
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (699) 26/08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
حول الوضع السياسي الحقيقي في بلادنا وليس الوهمي أو الافتراضي
تفجر الوضع الأمني من جديد بطريقة مفجعة ومرعبة، ونجحت القوى الإرهابية الفاشية في تنفيذ مذابح جماعية مروعة للمدنيين العزل في عدد كبير من المدن، وهي تحمل رسائل عديدة من عدة جهات متداخلة ومتقاطعة، لا تزال تلعب وتعبث بالوضع العراقي. بينما تستمر حياة الناس المعيشية في التدهور على جميع المستويات، مما يشكل فشل تام ومبين للإدارة المحلية ولتجربة العلمية السياسية التي فرضها الاحتلال. ويستمر الوضع السياسي المتدهور المأزوم على حاله في اتجاهه العام، وكما هو، رغم كل الجهود والمحاولات الترقيعية التي صارت جزء منه ومن طبيعته المأزومة، وهو يسير من سيء الى أسوء من حيث الأسس والتأسيس والوظيفة، وليس كما يدعي من يريد أن يدعي بلغو فارغ وبتمتمة عقيمة عن العراق الجديد والديمقراطية وإعادة الأعمار وغيرها من الادعاءات التي أطلقها الاحتلال ومن تعاون معه وفق صفقة (تاريخية) معروفة بضجيج إعلامي فارغ (يشبه صوت العربات الفارغة حسب تعبير واحد منهم) تهاوى على صخرة الواقع القاسي ومرارته.
وكنا من المجموعة الوطنية التي رفضت الحرب والاحتلال ونتائجهما، وقلنا إن هذه المقدمات والخطط الرهيبة سوف تقود الى استمرار وتكريس الخراب الشامل الذي قادته الفاشية البغيضة، ولن تؤدي الى حل ومشروع وطني. وقد طالبونا بإعطاء فرصة ووقت، لكن الوقت والوقت الإضافي قد مرا، وتبين حجم وعمق الكارثة، وصمت من صمت، وتراجع من تراجع، وأستمر من ينافح ويدافع عن المشروع الأمريكي الوهمي في الحديث بواسطة وسائل الإعلام المحلية المعزولة والمنسية، والتي يعتبر بعضها مشاريع تجارية صرفة تجري من خلالها الصفقات والحفلات الداخلية الممتعة!!
لا نريد أن ندخل في دوامة و(خباطة) التقسيم والمحاصصة ومجلس الحكم والانتخابات والتحالفات والصفقات وبدعة مجلس السياسات العليا ومؤتمر أربيل وحكاية الأقاليم ومناقشات ما يسمى بالبرلمان و(الصقور والحمائم) واللغو والضجيج المكرر على الفضائيات الذي يشبه المسلسلات الهابطة، فذلك ما قرره خليل زاده في لقاء لندن وفي مطابخ الدوائر الأمريكية وشركات النفط الكبرى.
لقد جادلنا ورددنا على من توهم أو انزلق نحو قناعة خاطئة تقول بأن الوضع سوف يتحسن تدريجياً بواسطة تكتل طائفي معين أو تجمع ديني آخر أو رئيس وزراء طائفي متخلف، وقلنا لهم كفوا عن هذه الأوهام وفندنا أسسها، وها نحن نعود الى الوضع المتفاقم ومخاطره المباشرة على حياة الناس ومستقبل ووجود الوطن برمته، في ظل استمرار الاحتلال وانهيار الدولة وتعاظم الفساد والإرهاب المنظم و(الغامض) الذي تقوده القاعدة وبقايا النظام السابق وفرق الموت الطائفية وأطراف ودول عديدة متشابكة ومتداخلة، ذكرناها بالأسماء في مناسبات عديدة سابقة.
من جديد نعود الى مراجعة ما حصل ويحصل في الوضع السياسي في بلادنا، وفي ضوء نتائجه الحالية، ونطرح أسئلة أساسية تساهم في تحديد طبيعة الوضع الحالي. لا أدري ما هي الأسس السياسية والفكرية التي جرى على أساسها تأييد الاحتلال الأمريكي والقبول بعمليته السياسية التي بنيت على أسس طائفية وقومية قبلت بها جميع الأطراف المشاركة؟؟ هل كانت هناك خطط وبرامج سياسية واقتصادية مطروحة من الأساس كي نؤيدها أو نرفضها؟؟ ما هي الشروط والمقدمات التي جعلت البعض يحلم بتجربة ديمقراطية قائمة على أسس طائفية (غير وطنية)؟؟ وما الذي تغير الآن لكي تطرح هنا وهناك انتقادات بسيطة وسطحية للمحاصصة والتقاسم والصراع على المكاسب الضيقة، وهي لا تدخل ولا تلامس الواقع الحقيقي؟؟ فجردة سريعة تؤكد إن الوضع يسير وفق المخطط الأصلي ووفق استراتيجية الاحتلال والقوى الطائفية والقومية التي شاركته، ولم يحصل توقف أو تراجع أو انتكاسة أو ارتداد عن توجه وطني مزعوم كما قيل في تجارب ومرات سابقة وبسذاجة بالغة. مع هذا يستمر البعض في تدبيج المقالات السريعة حول (كيفية دعم وتطوير العملية السياسية وتوسيع آفاقها الديمقراطية) حسب زعمهم.
في علم وأسس السياسة الوطنية التي تتبنى الفكر الوطني ووفق المنهج الماركسي، فإن تحليل طبيعة وعمل وتوجهات السلطة والنظام السياسي القائم يؤدي الى اتخاذ موقف المؤيد أو المعارض منه، وهذا الموقف ليس رغبة ذاتية أو أمنيات حزبية ضيقة. فما هي الأسس التي جرى وفقها تأييد نظام ما يسمى (العملية السياسية) بكافة مراحلها وتطبيقاته؟؟
باختصار شديد الوضع يسير نحو:-
- تكريس الاحتلال العسكري والسياسي من خلال فرض بقاء قوات أمريكية كافية لحماية الوضع القائم، الى جانب الشركات الأمنية الكبيرة، أو من خلال الاحتلال التعاقدي بواسطة ما يسمى بالاتفاقية الاستراتيجية وتعديلاتها. مع مطالبة الاحتلال بدفع تكاليف الحرب العدوانية على بلادنا وتعويض قتلى الاحتلال!!
- استمرار هشاشة وضعف الدولة وتشوهها البالغ. واتساع التدخل والتلاعب الإقليمي الواسع بالشؤون الداخلية لبلادنا، خاصة النفوذ الإيراني السياسي والطائفي والمخابراتي والتجاري.
- تكريس المحاصصة الطائفية بنسختها البائسة بالتوازي والترابط مع الدور الخطير الذي تلعبه الأحزاب القومية الكردية بالتعاون مع الاحتلال والاحتماء به لفرض نموذج غريب وهجين من الفيدرالية، لا يحل المسألة الكردية ولا يلبي مصالح الشعب الكردي، بل يخلق جملة من التوترات والأزمات والمفاجئات التي يديرها ويستفيد منها المحتل.
- استمرار الأزمة السياسية بين الأطراف المتصارعة وهشاشة وفشل الوضع الأمني.
- غياب الخطط والتخطيط الاقتصادي (تخريب الصناعة والزراعة والتجارة).
- تسليم النفط والثروة المعدنية للشركات العملاقة بشروط تعاقدية مختلة ومذلة.
- تفاقم معدلات الفساد الى مستويات مدمرة.
- الفشل التام في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وتفاقم مشكلة الكهرباء.
- تخريب الحياة الثقافية الى جانب تخريب وتشويه التعليم بكافة مستويات.
- مصادرة حقوق المرأة، من خلال التشريعات أو تحريك التقاليد والأعراف البالية والمتخلفة التي تقود حتماً الى سحق المرأة ومصادرة حقوقها الإنسانية البسيطة.
بعد هذا العرض المكثف للوضع السياسي وتركيبه واتجاهاته ونتائجه الرهيبة، لا نستغرب لمن يريد أن يدافع عنه ويفتش عن ايجابيات وهمية وافتراضية أتى بها الاحتلال وعمليته السياسية رغم الكارثة الوطنية التي يعيشها الشعب والوطن. ولا نستغرب أيضاً ممن كان يؤيد صدام تحت شعارات وتبريرات رثة، ثم انقلب وأيد وتمنى أن تجتاح القوات الإيرانية بلادنا، ثم (يمكن لنا أن نتعامل معها ونقاومها)، وفق منطق مقلوب وكاذب، وهو نفس الشخص الذي كان يتمنى أن تتفوق إيران في حرب المدن القذرة كي لا يميل ميزان القوى لصالح صدام فلا يسقط!! هل سمعتم بهكذا عبقرية خالصة قادته اليوم بيسر واطمئنان الى تأييد وتمجيد الاحتلال والمطالبة ببقائه كضمانه لاحتمال التطور الديمقراطي المرتجى والمزعوم، وهو غاضب وزعلان اليوم من (القوى) التي عرقلت وخربت خطط الاحتلال الديمقراطية والتنموية. يا سلام!!
هذا نموذج واحد من نماذج كثيرة تعاونت وتعاقدت مع الاحتلال أو توهمت وانزلقت ب(سذاجة وطنية) بالغة،أو من الذين بدلوا قناعتهم (الماركسية) السابقة، حسب متطلبات السوق والعولمة والليبرالية الجديدة. وقد تراجع قسم من هؤلاء بينما ظل يتردد ويتأرجح قسم آخر بين المنزلتين. إنها أوهام العجز والتخبط والقصور المزمن واللف والدوران في دائرة مغلقة تؤدي الى استمرار تدفق انهار الدم في بلادنا والى تفاقم المأساة الوطنية الرهيبة، وهي لا ترى بوضوح وعمق الاستراتيجية الأمريكية الكونية وتطبيقاتها في بلادنا وفي عموم المنطقة ولا تصدق عقم وخطر المشروع الطائفي والديني السياسي.
أخيراً فأن حقيقة الوضع السياسي البائس والمغلق في بلادنا وليس الوهمي أو الافتراضي، تقوم وتدور بين المهزلة والمأساة والفشل، لأسباب بنيوية واضحة، لا يمكن حلها بالأساليب والصفقات المتبعة في معزل المنطقة الخضراء وكواليسه. وتنعكس الأوضاع السياسية المتردية مباشرة على حياة الناس والمجتمع والاقتصاد وكافة المجالات الأخرى، ولا يفلت شيء من هذا الانعكاس والتأثير، ويشمل تأثير الأوضاع الصعبة والشاذة الجميع، لكنه يسحق ويدمر الطبقات الكادحة والفقيرة أكثر من الآخرين.
* أكد مصدر مطلع وموثوق احتمال تحرك قوات البيشمركة الكردية نحو ما يسمى ب (المناطق المتنازع عليها) للسيطرة عليها بالقوة وتطبيق المادة 140 وفرض أمر واقع، ويقول المصدر إن العملية سوف تتم بعلم وتأييد الاحتلال الأمريكي لأحداث خضة وهزة بالوضع السياسي وفرض أمور أخرى لاحقاً.
أنقل لكم لعبة واحدة، وناقل الكفر ليس بكافر.
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (392) 18/08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
التقيت بالرفيق الشهيد رياض جاسم (زهير) من جديد عام 89 في منطقة نوكان بكردستان على الحدود العراقية الإيرانية بعد حملات الأنفال العسكرية الواسعة والشاملة، سيئة الصيت، والتي انطلقت يوم 16 آب من عام 88، أي بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية بأسبوع واحد، وشملت جميع قرى ومناطق كردستان، وقد استخدم النظام الفاشي في هذه العمليات العسكرية الشرسة، كل قوته العسكرية الضاربة والمخيفة واستخدم الطيران والمدفعية الثقيلة والصواريخ والسلاح الكيماوي على نطاق واسع، وكانت النتائج مروعة، فقد تم اجتياح المناطق عسكرياً ودمرت مئات القرى وقتل المئات من السكان المدنيين والمقاتلين ونزوح وهجرة بشرية واسعة وانتهت بفاجعة خطف وإخفاء عشرات الآلاف من المدنيين الذين لم يعرف مصيرهم الى الآن!! وكان النظام الفاشي يستهدف تصفية الحركة المسلحة في كردستان، تصفية تامة ونهائية، وإحداث تحول استراتيجي يترتب عليه مكاسب سياسية كبيرة بعد توقف الحرب مع إيران. فقد جرى تدمير مقرات ومواقع الحركة المسلحة في كردستان بجميع فصائلها ودفع البقية الباقية منها الى خلف الحدود العراقية في إيران وتركيا. بعد تلك العمليات العسكرية الوحشية والواسعة عدنا من جديد الى نقطة الصفر ونقطة البداية، الى منطقة نوكان وناوزنك وما كان يسمى في بداية الثمانينات بوادي الأحزاب.
تجمعنا في منطقة نوكان من جديد وأقمنا مقرات جديدة، وكان المكان ضيقاً ومزدحماً بمقرات الأحزاب الكردية، حيث كان هناك المقر الرئيسي للحزب الاشتراكي الكردستاني بقيادة الراحل رسول مامند، ومقرات للاتحاد الوطني الكردستاني جماعة جلال الطالباني، ومنها مقر التنظيم (كوسرت رسول)، بينما كان المقر الرئيسي لجلال الطالباني في (قاسم رش)، والمقر الرئيسي لحزب (الباسوك) الكردي، ومقر صغير للحزب الشيوعي العراقي، وكان مقرنا الصغير أيضاً والذي شيدناه على بقايا بيت مام رسول أحد سكان القرية، يضم مجموعة سياسية ثقافية بأسم (مجموعة الشيوعيين العراقيين) كاسم مؤقت، ويوجد مقر لرفيقين هما سالم وزهير، من بقايا (تنظيم الشيوعيين الثوريين)، التي شكله سليم الفخري أواسط الستينات، وكانت المجموعة قد وصلت الى كردستان من بيروت عام 79، ولكن لم يتبق منها في النهاية (أي عام 89) غير هذين الرفيقين. وبالمناسبة قد تعرض احد أعضاء (تنظيم الشيوعيين الثوريين) للاغتيال والتصفية في منطقة (دولتو) الجبلية بعملية غادرة، حيث قام احد العناصر المندسة من استدراجه الى منطقة بعيدة عن المقرات لقطع الحطب، وقام بقتله وهرب الى مناطق النظام المتاخمة لمقراتنا.
كنت ألتقي وارى الشهيد رياض يومياً تقريباً في هذا المكان الضيق، وكان الشهيد يزورنا باستمرار في مقرنا أو بيتنا الصغير، وكنا نتحدث عن مدينة الناصرية والأصدقاء وإتحاد الطلبة وعن الماركسية والحركة الشيوعية العراقية وأوضاع الوطن والناس وعن الأخبار السياسية والثقافية والأخبار العامة ونتبادل الكتب والمنشورات التي تصدر بكثرة في المنطقة، وكنت أحياناً أحكي له نكات عن الناصرية ونضحك سويةً.
كنا نعرف ونقدر إن المنطقة مخترقة من قبل أجهزة النظام الأمنية والمخابراتية واذرعها القذرة بواسطة المرتزقة (الجحوش) وعناصر المخابرات المندسة على نطاق واسع بين الأحزاب الكردية، ومن خلال المهربين والمتسللين الى مناطق تواجدنا. وقد حاولنا اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية تحسباً لأعمال تخريب متوقعة.
في يوم 29 من شهر نوفمبر عام 89 اهتزت منطقة نوكان الهادئة والمعزولة خلف جبل مامند الشاهق بحدث رهيب وجلل، فقد استطاعت عناصر المخابرات المبثوثة في المنطقة والتي تعمل مع الأحزاب الكردية من قتل الرفيقين سالم وزهير بواسطة مسدسات كاتمة للصوت، وقد اكتشفنا الجريمة بعد أيام من وقوعها مع أدلة بسيطة على طريقة تنفيذ الجريمة، حيث ترك الجناة صحف تابعة للحزب الاشتراكي الكردستاني جلبوها معهم في زيارة اعتيادية، وربما طلبوا المبيت في المقر مع الرفاق، مثلما يحصل عادةً، ثم فاجئوهم بالمسدسات وفق خطة خسيسة لتصفية رفاق عزل من أية حراسة أو حماية، وتسللوا الى أماكنهم تحت جنح الظلام الدامس وضجيج النهر (الروبار) المحاذي لمقر الشهداء. ويبدو إن الرفيق زهير حاول أن يتصدى للقاتل ويصد الطلقات، فقد اخترقت رصاصة غادرة يده، بينما اخترقت رصاصة قاتلة أخرى جمجمته من خلف الأذن اليمنى، ووجهت الرصاصات الغادرة الى رأس الشهيد سالم مباشرةً. وقد شيعنا الرفيقين الشهيدين من نوكان الى مقبرة زلي في موكب بسيط وحزين شارك فيه بيشمركة الأحزاب الكردية وأهالي المنطقة حيث دفنا هناك. وشكلنا لجنة للتحقيق في الجريمة من الأحزاب الموجودة في المنطقة أكدت على وجود مندسين لصالح المخابرات العراقية، وإن المخابرات هي التي نفذت الجريمة بواسطة هذه العناصر التي هربت وعادت الى السلطة.
إن قبور الشهداء لا تزال موجودة في زلي، أي نفس المكان الذي دفنا فيه، ولم يتم تسليم الرفات الى أهلهم، بسبب قله المعلومات لديهم وبعد المكان وعدم وجود مساعدة وتسهيلات رسمية لهم. ويمكن لي تقديم كل المعلومات حول طريقة الاغتيال ومكان الاستشهاد والدفن. ويمكن أيضاً لعائلات الشهداء وبالتعاون مع الأحزاب الكردية فتح الملف القضائي وملاحقة الجناة القتلة وتقديمهم للقضاء لأن جريمة الاغتيال والقتل السياسي لا تسقط بالتقادم أو التناسي أو لأي سبب آخر مهما كان نوعه. كما إن السيدة هيرو إبراهيم أحمد زوجة جلال الطالباني تمتلك معلومات كاملة عن قبور الشهداء لأنها ساهمت في إعادة تشييد القبور.
كان الشهيد رياض جاسم إنساناً رائعاً ومؤدباً وهادئاً. وباستشهاده خسرنا إنساناً جميلاً وشاباً واعداً في بداية الثلاثين من عمره وفي قمة عطاءه. وكانت الجريمة واحدة من الجرائم الكبيرة والخطيرة التي نفذتها الأجهزة الأمنية القذرة، وربما عثر على ملفات وتفاصيل الجريمة في دوائر وأرشيف الأجهزة القمعية.
المجد لشهداء الحركة الوطنية واليسارية العراقية.
*بطاقة شخصية
الرفيق رياض جاسم جابر (زهير) من أهالي مدينة الناصرية شارع الحبوبي.
مواليد 1955
من أعضاء إتحاد الطلبة، سافر الى يوغسلافيا للدراسة، بسبب عدم قبوله هو ومجموعة كبيرة من زملائه الطلبة من الشيوعيين والديمقراطيين في الجامعات والمعاهد العراقية خلال حملة تبعيث التعليم.
بكالوريوس بولوجي وكان يعد للماجستير في جامعة برشتنة - يوغسلافيا.
انتقل الى بيروت مع المقاومة الفلسطينية ثم وصل الى كردستان مع (منظمة الشيوعيين الثوريين) التي كان مقرها في منطقة دولتو بعدها انتقلوا الى منطقة نوكان حيث تمت تصفيته الرفيقين على يد عناصر المخابرات العراقية.
*الشهيد سالم:- للأسف لا أملك أية معلومات عن بطاقة الشخصية، عدا اسمه الحركي (سالم) ويمكن لرفاقه ومعارفه تزويدي بالمعلومات الكاملة عنه أو الكتابة عن سيرته.
* لقد كتبت عدة مرات عن الشهيدين البطلين (زهير وسالم) وعن جريمة الاغتيال البشعة. وأنني أدعو رفاق وزملاء وأصدقاء الشهيد رياض في الناصرية ويوغسلافيا السابقة وبيروت وكردستان للكتابة عنه، خاصة صديقي عادل محمود الذي لا أعرف عن أخباره أي شيء منذ لقاءنا في كردستان بداية الثمانينات. وهذه الدعوة تنطبق أيضاً على الرفيق الشهيد سالم.
أحمد الناصري
أحمد الناصري
الشهيد مؤيد عبد الكريم (حجي حامد) من أهالي بغداد منطقة الطوبجي، كان مقاتلاً في صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وشارك في الثورة الفلسطينية، وحصل على دورات عسكرية في الخارج، وحاز على رتب ومواقع عسكرية في الجبهة، وقد أحبه أصدقائه ورفاقه في بيروت وتعلم لهجات وعادات وأكلات الفلسطينيين واللبنانيين، وكان صديقاً ومقرباً من الحزب الشيوعي العراقي.
بعد العدوان والاجتياح الصهيوني لبيروت في حزيران 82 وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان توجه عدد كبير من الرفاق الى دمشق ثم عبروا الى كردستان. وقد وصلت مفرزة كبيرة الى بشتآشان في شهر 11 عام 82 ووزعوا على الفصائل والقواعد، وتجمع القسم الأكبر منهم في فصيل أسميناه تندراً فصيل (تحت البطانية) لأن الفصيل جديد وصادف أن شتاء عام 82 كان قاسياً وتساقط فيه ثلج كثيف يصل الى ارتفاع مترين أحياناً والموقع جديد ولا يوجد فيه حطب للتدفئة وللطبخ (الذي يحَضر ويجمع من وقت مبكر وقبل سقوط الثلوج) ولا توجد غابة قريبة لقطع الحطب مما يجعل الرفاق يتغطون بالبطانيات ويحكون ويتناقشون ويضحكون، وكان الصديق حجي عباس سميسم يقص علينا حكاية واحدة لكل ليلة بلازمة نجفية شهيرة (أكو فد واحد...) ثم يكمل الحكاية. وقد أبعدت الى فصيل (تحت البطانية) بعد مطالبتي بالتحقيق في جريمة تسليمي الى الأمن العام في بغداد تموز 79، وقد تعرفت على المجموعة الجديدة وعشت معهم أوقاتً رائعة وحكوا لنا قصة الاحتياج الصهيوني لبيروت بالتفصيل، وفي المقر ساعدتهم على تخفيف الظروف المعيشية الصعبة، وتعرفت على الرفاق حجي حامد وجابر وعباس سميسم والشهيد أبو عباس إداري الفصيل والشهيد أبو وطفاء وعدد كبير من الرفاق.
ما إن بدأ الربيع وفي يوم 1 أيار الدامي اجتاحت قطعان جلال الطالباني وناوشيروان مصطفي بشتآشان ونفذت مجزرتها الرهيبة بحق رفاقنا الأبطال، بالتعاون والتنسيق المباشر مع النظام الفاشي، وكان حجي حامد يقاوم في أحد المواقع، ثم بدأت المواقع بالتساقط بيد المهاجمين، وتوجه حجي حامد مع الشهيد أبو سحر والرفيق والصديق خالد أبو عبلة الى مقر المكتب العسكري لكي يتعرفوا على الموقف والوضع والتطورات ويستلموا الأوامر والتوجيهات الجديدة، وكان الظلام بدأ يحل ولا يمكن لهم تميز الأشخاص من بعيد، بسبب الظلام والصخور والأشجار والبنايات، وقد نادى عليهم من هم بالمقر بأنه من رفاق الحزب وبأن يتقدموا وما أن اقتربوا حتى فتحوا عليهم النار وكانت عناصر جلال قد وصلت الى المقر واحتلته وأستشهد على الفور الرفيقين (حجي حامد وأبو سحر) وأسر فيما بعد الرفيق خالد، وكان يمكن أن يجري أسر الجميع لأنهم داخل الكمين والطوق المحكم، لكنها الأوامر الصريحة من قبل جلال وناوشيروان والهستريا الوحشية، الفاشية والقومية، بتصفية الرفاق الأبطال، الى جانب الفوضى وانعدام الاتصالات بين مواقعنا وانسحاب المكتب العسكري قبل يوم من انتهاء المعركة الى منطقة (آمنة)!!
كان الشهيد حجي حامد قائداً عسكرياً ونموذجاً شعبياً نادراً للعمل بين الناس فهو شجاع ومحبوب ومقنع في حضوره. وهو من الطراز العملي، وكان يستوعب كل المواقف السياسية ويميز بين المواقف السليمة والخاطئة بذكاء نادر وهو النموذج الذي تحتاجه الحركات الجماهيرية الشعبية، وكان ودوداً وبسيطاً، يحب النكتة والمرح مع رفاقه وأصدقاءه، لكننا فقدناه بسهولة وبعدوانية وغدر، في ذلك الربيع الدامي في بشتآشان عام 83!!
لا أدري إن كان الصديق خالد قد سجل شهادته وفاءً لصديقه حجي حامد وللشهيد الغالي أبو سحر، حيث عاش مع مؤيد في بيروت وكردستان وتعرض معه الى الكمين القاتل والغادر من قبل عناصر جلال؟؟
هذه ورقة من أوراق كثيرة دونتها في الجبل وأسميتها (على حافة الشعر) وهي رثاء للشهيد البطل مؤيد عبد الكريم (حجي حامد)
1-
زرقة العينين كالبحر
كالشذر المصفى في العيون
والرأس المشبع بالبديهة
كنت تحب رائحة الديناميت والتبغ المعتق والكحول
تحب قميصك الأول وأغنية المتاريس
وبيروت الصديقة والمخيم
روحك لا تألف الجبن لا تعرف الصفقات والتدوير
واضحاً كالمصير الأخير
دخلت في زمن لا يمنح بطاقة العودة
وأنت لا تنظر الى الخلف
لا تطلب أمانا من الأيام
في بيروت أقمت مأتماً للماء
واستذكرت بشتآشان والبصرة
وسرت إليها بهياً حاملاً شمعة
والشمعة الآن تبحث عن جسد لا يحويه قبر!!
2-
أكتب عن حامد الحاضر
حامد المنسي
حامد المتراس
حامد الميت والمتروك في الغفلة
(ماذا سيقول الإنشائيون عنك أأسطر من النسيان؟؟)
من حامد المقتول في الظل
الى حامد المتروك في الظل
نسياك!! نسيناكم!!
من كان يدري بأن الأرض تنسى من يصاحبها
ويمد روحه جناحاً كي يغطيها؟؟
من كان يدري بأن الوقت يمسح ذاكرة الإنسان؟؟
يا حامد الخالد
يا حامد الباقي
يا حامد الحي الجميل!!
ها أنت تقيم في وحدتك
تقيم في غيمة
تقيم في العتمة
تقيم في الضوء
ها أنت تدور في أنهار الوطن
وتقف مئذنة في بشتآشان
3-
لذاك الطفل أسميناه حامد
أزرق العينين جاء
أسلمناه في بيروت للبحر، شرب الملح، مسحناه باليود والزيت المقدس كي يقاوم دوار البحر
وسبحنا له بالمحبة والسلامة!!
البحر حماه من البوارج والقنابل والطائرات
والريح كللت رأسه بالموج
وطاردت الشظايا
سلم الطفل مؤيد
جاءنا كي يكمل الرحلة أو يحمل موعداً للموت
محاطاً بالشواجير
يحمل ورداً وأغاني ونكتة لاذعة
يرسم الآن نشيداً من جديد
ويشتهي وردة العطر القديمة
يلقي أقواله على أرصفة الدنيا
يلقي أسئلة كبرى ولا يطلب جوابا
يودع وصيته للريح وللقمر وللصخور
يضحك مما كان ومما صار
يعرف أنه ميت
لا يهرب من رحلته
لا يترك دقائقه الأخيرة
لا يترك موقعه الأخير ولا يلقي سلاحه!!
يزداد صوت الأسئلة قبل موته بعد موته
أنني أنتظر اليوم ذاك الطفل المقاتل
سيأتيني بسيطاً واضحاً كالحلم كالصيف العراقي
شاخصاً كالمصير
متأهباً كضابط متفجرات
بسيطاً كالكلام العراقي
طيباً مثل قلب بغداد
4-
أنت في بيروت حاصرت الحصار
وقاطعت المكاتب
حرساً في الناعمة
مقاتلاً في الدامور
لم تنس مقهى أو رصيف
لم تنس بيتاً في المخيم
لم تنس طفلاً أو صديق
5-
نم معنا في قبرنا البارد
أو لا تترك قبرك الخندق
لا تبقى بين بين
فقد متنا جميعاً يوم مت!!
صديقك أحمد الناصري (أمين)
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (674) 29 /07/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |