|
|
مع الحقيقة /النداء 169

سميردياب *
ثورة وعي في مواجهة فكر واعلام الثورات المضادة
ليست خيارات الشعوب العربية مقننة أو محصورة في أن تختار بين السيئ والأسوأ، أو بين تأييد أنظمة قمعية فاسدة سيئة، أو بين تأييد احتلال إمبريالي رأسمالي متوحش اسوأ، بمعنى محاصرتها في التعبير والتغيير، وتخييرها بين الموت والموت. اما الحياة – الثورة الاجتماعية فيتم الباسها وجه غير وجهها الطبقي، بالصورة والصوت، لإخفاء الازمة الحقيقية، والتناقضات الطبقية، بحيث يتم تُزييف الوقائع والحقائق، بتحويل الثورة الشعبية الى مؤامرة وهمية، فيما المؤامرة الحقيقية لتحالف قوى الإمبريالية الاستعمارية الجديدة تتحول الى حامية عسكرية للثورات، والى مظلة " للديمقراطية " بقوة طائرات الموت، وبقوة القرارات الدولية لإمتلاك حق التصرف بثوراتنا وثرواتنا. وبهذا يتم طبقيا تشويه الرؤية ، والتشويش على الفكر والنظر معا، لشل حركتهما، وحركة الفعل، وتنميط ما يجري وفق مصالح وإمتيازات هذا الطرف المسيطر أو ذاك، وكل طرف ممعن في عرض جبروته بقوة النار والحديد، لتبقى الشعوب التواقة الى الحرية والديمقراطية والتغيير الحقيقي عرضة لكل أنواع التجاذبات والقتل والمنع، وضحية لصراع هو بالأساس خارج إطار مرمى صراعها الاساسي القائم ، ضد الإمبريالية الأميركية ومشروعها الأوسطي الجديد من جهة، وضد أنظمة الاستبداد والتسلط المتسيدة منذ عقود على عروشها والمرتبطة بالاولى، من جهة ثانية.
انه الصراع الطبقي، الحاضر بقوة في الميادين، ولكل ميدان خاصيته في حقل هذا الصراع، ربطاً بتقنيات العصر ورقمياته وتوجيه صورته. وتبعاً لموازين القوى فيه، بحيث تنغلق إمكانيات المعرفة الموضوعية والمعلوماتية، وبحيث تُروى الأحداث كما ُيراد لها، لا كما هي، لأن ما يحدث من ثورات شعبية لا تعّبر في واقع حقيقتها عن مصالح الراسمالية العالمية، ولا عن مصالح برجوازياتها التبعية في المنطقة.
لهذا، فإن عالم خداع الطبقة الرأسمالية المسيطرة، لا يعرف حدوداً في نقل الوعي المزيف للصراع الطبقي، والتلاعب بمصائر الشعوب. ولا هو سيوفر جهدا في البحث عن أسواق للتهرب من أزمته، وتسويق ما يمكن تسويقة وتبضيعة وتسليعه وفق مقتضيات مصالحه، بما في ذلك محاولة توظيف وإستثمار الثورات العربية كأسواق للربح والنهب والتفتيت.. لتكريس السيطرة الايديولوجية والاقتصادية والامنية والثقافية لإمبريالية العصر.
فبينما تنتفض الشعوب العربية على انظمتها القائمة، تستنفر الإمبريالية وتشحذ الهمم لإنقاذ أتباعها هنا اوهناك، وفي حال الفشل تتقدم الصفوف الأمامية للدفاع عن "الديمقراطية" و"الحقوق الإنسانية" لإثبات حضورها الدائم سلبا وسلبا، لأنه لا مكان لإيجابية واحدة، لا في منطلقاتها ولا في أهدافها، ومشروع الشرق الاوسط الجديد نموذجا.
هو المشروع الاستعماري القديم - الجديد، الذي يحاول ضخ نظريات فاسدة جديدة، بعد ان حاصرته مقاومتنا في لبنان وفلسطين والعراق، وبعد ان صعقته ثورات شعوبنا العظيمة واقتنصت على غفلة منه ومن أتباعه موقعين أساسيين في تونس ومصر. لكنه سرعان ما استفاق منها على وقع أنظمة عربية ميتة متحكمة بالاحياء، لإستعادة خسارته، وإعتماد خطة هجوم مركزة ومتعددة الاوجه، وتحديد نقاط قوة أو ضعف كل ساحة وميدان من ميادين الثورة المنتشرة، لفرملة هذه اليقظة الثورية، ولتحديد نوع الثورة المطلوب النفخ فيها وتوجيه مسارها وتسليحها للالتفاف عليها، وعلى أهدافها التي قامت من أجلها ، أو من الثورة المطلوب القضاء عليها وذبحها بدرع الجزيرة (البحرين) أو بالاحتلال ( ليبيا). أو تحديد نوع النظام المطلوب للطاعة ضمن دفتر شروط مشروع الشرق الاوسط الجديد. والنتيجة محاولة تضييع الإنتصارات الشعبية التي تحققت، وطمس جوهر الصراع، ومحاولة إظهار ثورات الشعوب لتصبح، من منظور الفكر والاعلام المسيس والموجه الإمبريالي والرسمي العربي، ترفاً فكرياً، والنضال عبثاً، والمقاومة إرهاباً، والظلم قانوناً دولياً مقروناً بمذكرات جلب بحقِّ المظلوم والضحية، ويتم إستخدام عدة الشغل الطائفية والمذهبية والقبلية والاثنية لفلشها بقوّة الطائرات وقرارات مجلس الامن.
*****
الإعلام الإمبريالي المضلل ينتشر فينا، وبيننا، يبث سمومه كما يشاء، ويمنع عنا ما يريد، بهدف خلق عالم آخر إرهابي وهمي لتبرير تدخله المباشر أو غير مباشر، أو لتسويق خطابه أو مشروعه التفتيتي، تحت مسمّيات الدفاع عن حقوق الإنسان. وإن كان هذا التكتيك مفهوما ومكشوفا، لكن من غير المفهوم إطلاقا، وفي ظل تجدد الهجمة الاميركية –الاطلسية في المنطقة، يكمن تحديدا، ( ولو تناقضنا مع ذاتنا في التحليل الطبقي، تبعا لدور ووظيفة البرجوازيات العربية- وأزمتها)، هو في " إنعدام" مبادرة نظام عربي ما، من مشرقة لمغربه، وعلى تنوع أشكال النظم الحاكمة في المنطقة العربية جمعاء، الى مطابقة ولو جزئيا الأقوال بالافعال، وقلب موازين القوى لمصلحتها ومصلحة شعبها في توفير الإصلاحات الديمقراطية الضرورية والملحة ليس للشعب وحده، إنما لمواجهة خطر المشروع الاستعماري الجديد، الماضي قدما في هجومه المستجد من نوافذ أزماتنا القومية والوطنية بعد خروجه من باب مقاومتنا.
الصراع الطبقي، وتناقضاته الرئيسية والثانوية تتمظهر بأوجه مختلفة. تارة يتقدم فيها الرئيسي، وطورا الثانوي. اليوم، وفي ظل ما افرزته الثورات الشعبية الديمقراطية العربية، فإن أهمية المرحلة تكمن في وعي خوض المعركة الطبقية ضد الإمبريالية الرأسمالية وإفرازات أزماتها، وضد الانظمة المتخلفة الملتحقة بها، أو أنظمة البرجوازيات التبعية المأزومة.. وعلى كافة قوى التحرير والتغيير الديمقراطي الثورية قاطبة، أن تخرج معركة الصراع من مفهومه التضليلي، وخياراته التفضيلية الجنائزية بين خيار الموت بلغة الاميركي وحلف النيتو، أو الموت بلغة الأمن الوطني، هنا او هناك.
والخيار الحقيقي، يكمن في روح منطلقات الثورات العربية، ويكمن من تعب ووجع وألم الشعوب العربية، التي هي ذاتها قضية شعوب العالم المضطهدة والمفقرة والمنزوعة من الحرية والديمقراطية والكرامة. وبالاساس، هي قضية الإنسان.
*****
الصراع إذن، واضح، وقضايا الشعوب أوضح، غير ملتبسة، والملتبس فيها هو من يتهرب من مسؤولياته الثورية التاريخية، لضعف أو لتردد ، أو ربما، لمساومة ما... لإن وجعنا مزمن يعود لزمن إنتظاري طويل، هو زمن طموح شعبنا العربي للتحرير والاستقلال والسيادة الوطنيين(وإن شئتم القوميين)، والى حماية وتوظيف الثروات الوطنية والقومية.. والى طموح الخبز والعلم والحرية، والى رفع كأس الإضطهاد والظلم والتهميش والتمييز والفقر والبطالة عن الشعوب، والى طموح الافراج عن العمل النقابي والسياسي والمدني دون خوف او سرية او تخوين... والى طموح نشر الثقافة الوطنية الديمقراطية السياسية والاجتماعية.
هذا، كان هو طموح شعبنا، لمدى عقود طويلة، وهذا ما قاموا من أجله، وانتفضوا علبه، فهل القضايا المطروحة تشكل جرما، أو خيانة وطنية او قومية ، أو ما شابه ذلك.؟ّ!.
الجواب الحقيقي لا يأتي من المأزوم الذي يدعي الإجابة عنها، ولا تأتي من الرأسمالية العالمية المأزومة، مع أنظمتها المتأزمة من أزمة الاولى والمنبطحة أمامها، والمأوزمة أكثر منها، ولا تأتي من الاعلام الإمبريالي، أو النفطي، او الطبقي المأزوم. لإن الجواب وعلى مدى عقود طويلة لم يأت منها.
وحده الجواب يأتي من صًناع الثورة- الثورات، وأصحابها، من دماء أطفالها وعمالها وفلاحيها وشبابها، ومن وجع الطبقة العاملة التي تلملم جراحها بعد أن تم تقسيمها وتشويهها وشرذمتها، وباعوا قضيتها وحقوقها بحفنة من المقاعد الرسمية الشكلية، ليبقى القرار عند اصحاب القرار الحقيقيين.
من هذه الاسباب الموجبة كلها، قامت الثورة العربية وطرحت القضية في الميادين، ففلسطين وتحريرها وحقوق شعبها قضية، ومقاومة الاحتلال لتحرير مزارع شبعا والجولان والعراق وليبيا قضية، والغاء المعاهدات المذلة مع الكيان الصهيوني قضية، وتحرير أسرى ومعتقلي المقاومة والنضال وسجناء الرأي والفكر والكتابة والتعبير من السجون قضية.. وإلغاء الأحكام العرفية قضية، والتنمية الشاملة والمشاركة السياسية قضية، والغاء كافة أنواع التمييز الطائفي والمذهبي والقبلي والقومي قضية... وكلها قضايا متصلة وجوهرية يتشعّب عن كل واحدة منها قضايا لا تعد ولا تحصى . المهم فيها هو من يحمل لواء رايتها التحريرية والتغييرية، ويبقى على تماس مع نبض الفقراء - الثورة – المقاومة، للقيام بمهمة التحرير ضد مشروع إمبريالية العصر، وبمهمة التغيير ضد أنظمة البؤس والتبعية والتخلف في بيتنا العربي.
*****
من هذا الوعي الطبقي للصراع ، تولد حركة تحرر وطني عربية وقومية ثورية.
* عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (722) 22/09/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية فخر تاريخنا والشهداء.. والتغيير الديمقراطي مهمة الرفاق
لم تنطلق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من فراغ في 16 أيلول 1982 مع دخول أول دبابة صهيونية تخوم بيروت. ولم يكن قرار الحزب الشيوعي الذي أطلق نداء مقاومة المحتل عفويا، أو ظرفيا، في ظرف عربي متأمرك. بل كان النداء قرارا ثوريا واعيا عن حزب زرع من شهداء النضال النقابي والديمقراطي والمقاومة ما يغطي مساحة الوطن بطوله وعرضه. وهو القرار الصادر عن حزب لم تتعب اجياله المناضلة من خوض المعارك الوطنية والديمقراطية والنقابية والاستقلالية من أجل وطن حر وشعب سعيد.
منذ مقاومة الاستعمار الفرنسي وتحقيق الاستقلال الوطني، ومنذأن تشكل النظام السياسي الطائفي اللبناني، ومنذ أن وضع هذا النظام البرجوازي التبعي، سدا طبقيا وطائفيا، أمام أي إصلاح سياسي واجتماعي.. وجعل من شعار" قوة لبنان في ضعفه"، ومن "حياده" عن مجرى الصراع العربي – الصهيوني، مقتلا، أصاب صميم موقعه وكيانه وعروبته.ما ادى الى تغييب موقع لبنان الوطني والقومي العروبي، وتحويله بفعل هذه السياسة اليمينية الرجعية الى ساحة اختبار للتدخلات والصراعات العربية والاقليمية والدولية، بدليل ما عاشه لبنان وشعبه منذ استقلاله، ولم يزل، تبعات جميع المراحل العاصفة التي حاول التهرب منها اساسا. وأكثر من ذلك، تحول الى " حقل رماية " يرمي فيه الجميع، كًل حسب اهدافه وغاياته بالتكافل والتضامن مع فرقاء او شركاء من النظام الطبقي المسيطر الذين يديرون دفة السفينة مع الخارج لمكاسب ولحسابات فئوية ضيقة على حساب الوطن والدولة والشعب.
وإذا عدنا الى خمسينيات القرن الماضي، حيث كانت بيروت تنمو وتنتفخ، وتتربع على عرش تسميات فنية نموذجية، "درة الشرق" و"سويسرا الشرق"، وعاصمة المال والثقافة والصحافة والحرية والخدمات..هذا التحول القسري المدروس والملغوم، لم يكن وليد التغيير السياسي، أو وليد الانتاج الوطني الاقتصادي، أو وليد التطورالطبيعي المرافق. بل كان بفعل هذا الحياد السياسي المشبوه، المترافق مع نمط الاقتصاد الحر،والسرية المصرفية، وسوق الخدمات السياحية والتجارية.. بمعنى شكل لبنان مركزا لودائع وتهريب رؤوس الاموال العربية النفطية والمسروقة،واحتل موقعا في قلب المنطقة بوصفه " الصندوق الاستثماري المربح" دون محاسبة ولا رقابة، كما شكل الساحة الخلفية الهامشية لصراع الديوك. بحيث تحولت بيروت بعد أحداث عام 1958 الى عاصمة سياسية لسواها، بفعل توازنات المنطقة لتحولات ما بعد الملكية والاقطاعية والليبرالية والاحلاف السياسية. في موازاة ذلك، تنامى وبرز نضال الحركة الشيوعية واليسارية والناصرية والقومية.. الى جانب نضال الحركة العمالية والطلابية والثقافية.. في مواجهة ما راح يتكون ويتراكم في لبنان من تناقضات طبقية، بفعل التحولات التي تجري من خارج السياق اللبناني،بدعم، أو بغض نظر من بعض ما يسمى حراس السيادة والاستقلال الوطنيين.
ومع هزيمة عام 1967 تحول لبنان الى ساحة مفتوحة على شتى الصراعات والتناقضات، وتبلور معها الفرز السياسي والاجتماعي والبرنامجي، حيث إنتظمت الساحة النضالية بصورة متماسكة أكثر، وشكل الحزب الشيوعي اللبناني مقدمة النضال الطبقي التحرري، بأشكال وادوات نقابية ديمقراطية واجتماعية.وجاء مؤتمره الوطني الثاني عام 1968 بعد إنقطاع قسري مزمن، ليشكل قاعدة إنطلاق لمعركة التحرر الوطني والاجتماعي، حيث شكل "الحرس الشعبي" عام 1969 بدايات المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني وخطره المحدق على لبنان والمنطقة. ومع تنامي أزمة ما يسمى قيادة حركة التحرر الوطني العربية بعد هزيمة الحرب، وبعد إتساع فجوة التناقضات الطبقية على المستوى الوطني والاجتماعي، وتعمق الشرخ في بنية النظام السياسي –الطائفي اللبناني، إشتد اكثر فأكثر خطر المشروع الإمبريالي الاميركي- الصهيوني –الرجعي العربي، وقد عبرت المرحلة عن نفسها في مستويين :
المستوى الاول: دخول الساحة اللبنانية مرحلة الدخول على وتر تجييش الاضطرابات الداخلية، والتحضير لتوظيفها عند الضرورة وفق مقتضيات المرحلة. لمنع تغيير موقع لبنان في معادلة المنطقة.
المستوى الثاني: تنامي دورحركة ثورية سياسية ديمقراطية شعبية واسعة، لعب الحزب الشيوعي وقوى اليسار والديمقراطية دوراً متقدماً في قيادتها. حملت هذه الحركة بذور المقاومة والاصلاح الوطني من خلال برنامج مرحلي للتغيير الديمقراطي عبر الحركة الوطنية اللبنانية، لحل الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،وأزمات: العمل والاجور والتعليم والسكن والطبابة والضمان الاجتماعي والصحي والتنمية...وشكلت الحركة النقابية العمالية عامودها الاساسي، والحركة النقابية الطلابية قلبها النابض، فيما شكلت الحركة الثقافية عصبها الابداعي الفكري الوطني، واتسمت المرحلة بنضال عمالها وفلاحيها ونسائها وشبابها ومثقفيها الثوريين،كحركة ديمقراطية معارضة،وبقيادة سياسية ثورية خاضت معركة المصير من أجل التحرر الوطني.
*****
لقد ُهزم "حياد" لبنان عام 1967 من دون حرب. لكن الرد الثوري جاء من خلال برنامج الحركة اليسارية والوطنية، ومن خلفها التفاف الجماهير الشعبية حول المقاومة الفلسطينية لحمايتها، ولدعم مسارها ومسيرتها التحريرية، في حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الوطنية على فلسطين كل فلسطين. وقد تلازم هذ الرد الثوري مع اتساع المد الجماهيري المعتمد على بناء القدرات الذاتية، مقابل الجزر الرسمي العربي الذي اعاد إختيار بناء ادواته المهزومة ذاتها، وبالاسلوب ذاته ، لتعويم نظامه، وتلميع صورته، والتهرب من أزماته ومسؤولياته تجاه شعوبه المظلومة والمأسورة بالحديد والنار..
من هذا التناقض الجوهري، ولدت خيارات ناقصة بين ضفتين متباعدتين في المنطق والمنهج والاسلوب. ضفة تمثل الطبقة البرجوازية الحاكمة، تحاول تغييب منطق حسم الصراع، وتعتمد الهجوم الداخلي ضد شعوبها لاظهار قوة وهمية مأزومة بهدف البحث عن تسويات خفية، أوعن انصاف حلول مرحلية مع الإمبريالي والصهيوني.. وفي طريق إظهار قوتها الوهمية بأدوات سلطاتها الامنية والقمعية.. تتم مصادرة الديمقراطية، وتعتقل الحرية، وتنام القوانين الدستورية عند اقدام قوانين الطوارئ والاحكام العرفية، وتتحول الى محاكم ميدانية حربية تطال كل من تسول له نفسه، أن يكتب شعرأ، أو مقالة، او يعبر عن رأيه الديمقراطي المغاير لبلاط الحكم.. أكان فرداً أو جماعة، أو حزباً، أو حتى شعباً، لا فرق..المهم، في كيفية البحث عن ادوات قمعية قهرية لتأبيد سيطرة الحكم، وتعميم فلسفة تبرير الازمة. وإذا تعذر ذلك، ٌتباح كل الممنوعات وتفرض إرادة الاقلية المتسّيدة بقوة النار والحديد والعتمة، ومعها رشقات من الشعارات القومية الثورية من العيار الثقيل، وهي رشقات خُلبية- وهمية.
في المقابل، ضفة طبقية نقيضة، تحمل لواء التحرير والتغيير تعبيراً عن وعيها لعمق الازمة القومية والوطنية، وتداعياتها السلبية على حركة التحرر الوطني العربية، وعلى فلسطين. لذلك، ربطت مشروعها موضوعياً وعضوياً بمسألة الانتماء الوطني والقومي،وبمشروع التحرير والتغيير الديمقراطي.
في ظل هذه المناخات المعقدة، عاش لبنان أوّج هذه التناقضات.نضالات سياسية ونقابية ديمقراطية تتحول الى قوة فاعلة ووازنة. في مقابل، نظام سياسي طائفي يحاول التملص من أزمته والالتفاف على حركة النهوض الشعبي خوفاً من أي تغيير يطال امتيازاته السياسية والطائفية، حيث لجأت البرجوازية التبعية الى اعتماد خيار التأزيم بدل المعالجة، والى المناورة بدل اقرار حق المشاركة، وإغراق الجيش في مهمة قمع الحركة الديمقراطية السياسية والشعبية، وزجه في حرب المخيمات الفلسطينية عام 1973. وتسلحت القوى اليمينية الطائفية بغرض ضرب الحركة اليسارية والتقدمية والقضاء على مشروعها التغييري الديمقراطي. و شكلت الحرب الاهلية عام 1975التي عبّرت في مرحلتها الاولى عن أزمة النظام السياسي- الطائفي، وعن عمق تناقض الخيارات الناقصة، وعن عمق أزمة النظام العربي، بعد أن تفرق أخوة السلاح القومي في حرب تشرين/اكتوبر1973، وإنتقال "السادات" الى موقع الخيانة الوطنية والقومية واسر الشعب المصري، وتحويل مصر الموقع والتاريخ الى قاعدة متقدمة للامبريالية والصهيونية باسم عملية "السلام".
*****
إنتهت ما عرف بحرب السنتين، على خلاف ما ُاريد لها أن تكون من إصلاح وتغيير في بنية النظام السياسي اللبناني. ودخل لبنان بعدها في عين التناقضات والتحولات، وفي شبكة حروب متداخلة ومعقدة وطنياً واقليمياً ودولياً، لا تخدم مصلحة لبنان الوطنية، ولا تستطيع ترميم الوجه القبيح للنظام العربي المأزوم. فالدخول الاسرائيلي بقوة على ساحة الصراع اللبنانية في اجتياح جنوب لبنان عام 1978 خطة مدروسة لتغطية مشروع كامب ديفيد الخياني، بعد أن عجزت قوات الردع العربية عن حل النزاع الاهلي المسلح، لا بل فاقمت الازمة بتدخلها، وإنحياز بعضها الى جانب طرف طائفي لصالح هذا أو ذاك، على حساب الحل الوطني، ولحسابات طبقية، واقليمية سياسية بحتة..وهكذا نجحت الساحة اللبنانية في اختبارها كساحة مفتوحة للصراع، وراحت تترنح تحت ثقل انهيار النظام العربي الواقع تحت وهم" عملية السلام" باسم القضية، وتحت وهم تحويل الهزائم الى انتصارات، باسم القضية القومية ذاتها.
وقاوم لبنان الوطني السياسي والشعبي الاحتلال الصهيوني، وكل أشكال التفتيت والتقسيم والفدرلة الطائفية، وكل مشاريع سلخه عن إنتمائه الوطني وهويته العربية وعن تطوره الديمقراطي. وعندما سقطت بيروت تحت نيران العدو الصهيوني، كان سقوطها " اعلان وفاة " النظام اللبناني والعربي، و"إعلان ولادة جًمول" جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية " في الوقت عينه.
وهكذا، في أيلول 1982، وبعد حصار طويل لبيروت دام صيفاً كاملاً، حمل كل روائح الجوع والدمار والموت ، سقطت بيروت الصمود، بعد ان سافرت " فلسطين" بحراً من بيروت بعيداً عن فلسطين. وبعد أن أباح الصهيوني وحليفه الفاشي اللبناني ذبح أطفال ونساء فلسطين في صبرا وشاتيلا. سقطت القضية في العباءة العربية المهترئة، وصارالمقاوم إرهابياً ومطلوباً حياً أو ميتاً للاحتلال وخدمه ومقنعيه.. هذا الاحتلال الذي حاول نزع كرامة بيروت، وتشويه تاريخ صمودها، هذا العدو وقع بدوره في وهم "قوته التي لا تقهر"، بعد أن اضطرت قواته المحتلة مناداة أهالي بيروت "لا تطلقوا النار علينا فنحن منسحبون"، كان هذا النداء بمكبرات الصوت ينتشر في شوارع بيروت، بعد عشرة أيام فقط، من إعلان الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي من منزل الشهيد كمال جنبلاط بيان "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" في 16 ايلول من العام 1982، وجاء هذا القرار الصهيوني كنتيجة للعمليات النوعية لأبطال مقاومة "جمول" الذين صنعوا من الارادة والعزيمة قوة لا تقهر، وجعلوا من شوارع بيروت جواباً ثورياً جذرياً، تجسدت فعلا مقاوما في صيدلية بسترس، محطة أيوب، مقهى الويمبي، كورنيش المزرعة.. وفي كل مكان يدنسه العدو..) ليكبر حلم "جمول" في التحرير بإرادة الشيوعيين وكل الوطنيين الشرفاء الذين مزقوا صمت ليل بيروت المحتلة، وأعادوا ظهور قمر تحريرها، ورفعوا من جديد شمس حريتها، ورسموا معالم مرحلة ثورية جديدة في فعل مقاومة وطنية وعربية من أجل التحرير.
وكبرت المقاومة، وكبر الحلم، فتم تحرير بيروت والضاحية والاقليم والجبل وصيدا والنبطية وقسم من البقاع والجنوب، أي تحرير اكثر من 80% من الاراضي اللبنانية المحتلة، حتى ما عرف لاحقاً بالشريط المحتل. وقد أثبتت جبهة المقاومة الوطنية وهي تقاوم عارية إلا من سلاح الوعي والإرادة الوطنيتين، بأنها ليست مقاومة ظرفية أو فئوية، او أنها مجرد حالة إعتراضية. إنما هي مقاومة تاريخية تحمل مشروعاً وطنياً تحريرياً، وتمثل مرحلة ثورية أرقى في النضال الوطني والقومي ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية، وتقودها قوى يسارية وتقدمية يتقدمها حزب الشعب والنضال الطبقي، الحزب الشيوعي اللبناني.
وكلما كانت هذه المقاومة الوطنية تكبر وتتجذر في الارض، وتتوسع افقياً في طول البلاد وعرضها. كلما كانت تكبر وتتوسع معها دائرة استهدافها داخلياً واقليمياً ودولياً، بصفتها رافعة ثورية لحركة التحرر الوطني العربية، وتشكل خطراً حقيقياً على اعداء الانسان وحقوقه... وكلما كان نهج المقاومة الوطنية يتقدم، كلما كشر التحالف الطبقي السياسي عن أنيابه الطائفية، وعن نزعات ورغبات اطرافه بالنزوع نحو إنشاء عقد سياسي- طائفي جديد، لإستبدال هيمنة طائفية بأخرى،أو لإعادة توزيع المحاصصات الطائفية مجدداً، خصوصاً بعد طرد المارينز واسقاط اتفاق 17 أيار، ليتكرس تباعاً هذا الخيار الطائفي الفئوي بفعل سياسة قوى الامر الواقع وقهره الامني وتدخلاته السياسية "الشقيقة" في الشؤون الداخلية اللبنانية. وبفعل زلزال المتغيرات الدولية وسقوط جدار برلين والتجربة الاشتراكية المحققة، وحرب الخليج الثانية، وإعلان الامبريالية الاميركية انتصارها التاريخي بقيام نظام العالم الجديد. ليتوج إتفاق الطائف عام 1989 تكريس مرحلة إنعاش دولة " الطوائف" في لبنان، ولتتراجع موضوعياً وذاتياً مرحلة المقاومة الوطنية على حساب تقدم مرحلة المقاومة الاسلامية، ولتبدأ مرحلة جديدة في المنطقة عشية مؤتمر مدريد، وما تلى ذلك من اتفاقات اوسلو، ووادي عربة .... ووسط هذه المتغيرات والمناخات والتحالفات الجديدة، أقفل القرن الماضي على إنتفاضتين شعبيتين في فلسطين، وعن هزيمة العدو الاسرائيلي، واستكمال تحرير ما تبقى من الجنوب والبقاع الغربي من رجس الاحتلال الصهيوني ( باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر، وبعض جثامين شهداء الحزب الشيوعي اللبناني والمقاومة)دون قيد او شرط في 25 أيار عام 2000، وانتصار نهج المقاومة لا المساومة كسبيل وحيد للتحرير.
وتكرر تكريس الانتصار بإنجاز تاريخي آخر للمقاومة الاسلامية والوطنية إثر عدوان تموز 2006 ، وسقط الجيش الذي لايقهر في أزقة الجنوب، وفي ملاحم البطولة والصمود. ورغم أن هذين الانتصارين شكلا قوة لبنان في مقاومته وصموده ووحدته، وليس في ضعفه. إلا ان رياح التغيير الديمقراطي الوطني لم تتقدم قيد إنملة. بل تعقد الوضع أكثر، وتأزم أكثر، بفعل عدة عوامل منها، الهجوم الامبريالي الاميركي ومشروعه الشرق الاوسطي الجديد،، وحروبه الارهابية الاستعمارية في المنطقة، واحتلال العراق، بالاضافة الى طبيعة التحالف الطبقي السياسي اللبناني الذي لم يكن يوماً سيادياً ولا مستقلاً، ورغبته الدائمة في تأبيد سيطرته وحماية نظام دولته الطائفية، ولو اقتضى الامر الغاء دور الدولة، وتعليق الدستور، والاستقواء بالخارج، وتوليد الازمات السياسية والاقتصادية وإغراق البلاد في الديون والفقر والفساد... بما في ذلك تحويل الشعب اللبناني الى وحدات طائفية ومذهبية متنابذة ومتباعدة منعاً للحمته ووحدته للدفاع عن حقوقه ومستقبله.. وآخر ما تفتقت به إبداعات الطبقة البرجوازية المسيطرة هو إنجاز " إتفاق الدوحة" وقانونه الانتخابي الذي اعاد الوطن والمواطن الى عصر "طوطم" ما قبل ولادة الدولة الحديثة.
*****
ما بعد ثلاثة عقود من المقاومة الوطنية والاسلامية، وما بعد تحقيق إنجازين تاريخيين، يعيش المقاوم والمحرر والعامل والمزارع والمثقف والطالب والموظف والمرأة والمتقاعد ... حالة إنتفاء العدالة في بلد يتقدم فيه الظالم على المظلوم، والقاتل على المقتول، والمذهب على الطائفة، والطائفة على الوطن، والمحاصصة على الدولة، وفق معادلة طائفية مكررة ومكرسة من رأس هرم الدستور الى أسفله، وسط " عفكات التعايش الطائفي" و" حفلات المصالحات الفوقية الحبية" تحت مسميات " ديمقراطية توافقية" هي أبعد ما تكون عن رائحة الوطنية، وعن روح الانتماء والبناء الوطنيين، وعن مجرى الاصلاح والتغيير.
لذلك ، ما لم يتحول الحوار حقاً وطنياً، ومرتبطاً بحق المشاركة السياسية في وضع خطة إنقاذ وطنية، بما فيها إستراتيجية الدفاع الوطنية، وما لم يرتبط فعل وقوة المقاومة بإستراتيجية مشروع التغيير الديمقراطي الوطني، فإن عوامل تقويض انتصارات المقاومة المحققة، وتقويض الصمود الوطني، تبقى خطراً قائماً، ليس خوفاً من المقاومة، بل خوفاً عليها من لعبة الطائفية والمذهبية القاتلة، لأنها لعبة الاستعمار القديم بحلته الاميركية ومشروعه الشرق الاوسط الجديد، ونتائج أهدافه في العراق وفي ليبيا التي دخلت نادي الاحتلال الاميركي والاطلسي..حاضرة في اللعبة الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية والاثنية والعرقية، وحاضرة في تغييب وجه فلسطين، وفي التفرغ لنهب وشفط ثرواتنا، والالتفاف على ثوراتنا ومقاوماتنا وصمودنا.
*****
في العيد التاسع والعشرين لإنطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ، تحية لأهل المقاومة كل المقاومة، ووردة على قامات الشهداء، وقبلة على جبين الامهات، ورسالة دعم ووفاء تعانق المقاومة الوطنية من اجل تحرير فلسطين والعراق وليبيا والجولان ومزارع شبعا.. وتحية ثورية لكل ميدان عربي يقاوم اليوم، وينتفض في ثورات شعبية ديمقراطية تاريخية ليكنس بقايا انظمة استبدادية، ورسم خارطة طريق نحو الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.
الأمل يكبر كما التحدي، والعبرة تتمثل في تأكيد حضور اليساراللبناني والعربي، والشيوعي في مقدمه، لخوض المعركة الوطنية والقومية للمقاومة والنضال الطبقي، بوصفها معركة إحتمال تجديد جذري لمشروع حركة التحرر الوطني العربية من أجل التحرير والتحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإقامة المشروع الطبقي البديل.
* عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
*المقال منشور في العدد 8 مجلة "جًمول" على موقع جمول. نت/ عدد خاص بالعيد ال29 لإنطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (717) 17/09/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي
سمير دياب
مع الحقيقة / النداء 166
ما يجري في الشارع العربي كبير وعميق، الحرية تتكلم، والكرامة الإنسانية تتألق، والديمقراطية تثبت بصمتها بالقتل والدم والاعتقال لقطع هوية الإصلاح والتغيير.
إنها ثورة الاصلاح المستندة الى رغبة تقدم الإنسان على حقد وتخلف النظام، وعلى نيل الحرية ضد العبودية، وعلى مقاومة الموت من أجل الحياة، وعلى التعددية الديمقراطية ضد الفردية العائلية او الحزبية، وعلى حب التغيير ضد التحجر التخوين والتكفير.
ليست الثورة العربية سريعة العطب كما يحلو للبعض أن يوشمها بهذا الوشم، وليست الثورة الشعبية العربية تحت الشبهات، لأنها ثورة شعب، وشعبنا ليس تابعا ولا مرتهنا، بعكس حكامه، الذين جربوا كل شيء حتى العمالة المكشوفة، دون خوف او خجل من شعوبهم الذين دفعوا دماء على مدى أجيال متعاقبة، كانت كافية لتحرير فلسطين كل فلسطين عدة مرات.
الثورة حقيقة واقعية وليست خيالية، ومن لم يصدق أن "الشعب يريد إسقاط النظام" واستهتر بإرادة سواعد البناء والمستقبل، أي العمال والشباب، وقع في حبائل كبريائه وفوقيته، وقبل أن تطاله يد الثورة في تونس هرب "حامي الدولة والخزينة" بالجمل وما حمل. ولما لم يصدق "قائد الامن والامة " في مصر وتمادى في عنجهيته وفي قساوة معركة جماله في ميدان التحرير، فرضت عليه الثورة الرحيل ثم المحاكمة. والثورتان المنتصرتان في تونس ومصر تكتبان برنامج كل ثورة وسيرورتها بأحرف من وعي طبقي ودم وطني ضد كل مكونات الثورات المضادة وتجارها وادواتها وأقنعتها في الداخل والخارج، لتؤكد كل منهما مجددا، أنها ثورة شعبية ديمقراطية وطنية.
ليست مسألة الإصلاح والتغيير لدى شعبنا العربي أكذوبة، ولا هي لعبة من أجل الموت فقط، بل هي معركة طبقية بإمتياز، بين طبقة مجروحة ومكلومة وفقيرة ومعدمة من جهة ، وبين قلة معدودة استحوذت على النار والماء والهواء ومعهم مال الدولة والشعب من جهة ثانية. هي معركة بدأت للتو، ومستمرة، ومن انتظر وصبر نصف قرن من الزمن على أنظمة رعناء وجوفاء، لن يسد رمق جوعه الى الحرية والاصلاح والديمقراطية الكلام الإنشائي، ولا الوعود المنبرية. فالشعب يريد حقوقه في المواطنة والعدالة والمساواة والتنمية والتقدم.. واول الطريق الى ذلك حرية الرأي والتعبير والتعددية والتمثيل الديمقراطي الحر.. ويبدو أن الانظمة وعناترها وبلطجيتها وشبيحتها لم يصدقوا بعد، رواية الثورة الشعبية الإصلاحية الديمقراطية العربية. ولن يصدقوا طالما عقلية الحاكم المتسيّد المستبد هي التي تتحكم، وليست عقلية المؤتمن على الارض والشعب والمؤسسات، وعلى الدولة والجيش والوحدة الوطنية.
ولأن الثورة جاءت من وسط خط الفقر وما دونه، يعني أن ناسها اختبروا وتجاوزا كل الخطوط وبجميع ألوان القمع والمنع والقتل والاعتقال والبطالة والغربة.. قبل حصولها. فالتناقضات الاجتماعية قياسية، والفروقات بين اباطرة السلطة والمال وبين فقراء الشعب، هي مسافة الناظر من السماء الى الارض. لكن على أرض الواقع يعيش شعب، يأس من الانتظار،ومن الموت المجاني، فإنتفض على خوفه أولا، وإنفجر غضبا يحمل بذور الثورة ضد سجانيه، وتناغم الشارع الشعبي في جمع قوته، وتحولت القوة الى ثورة- ثورات نعيش فصولها التاريخية، فصلا وراء فصل، ومطلبا وراء مطلب، ولكل ثورة خصوصياتها، وإشكالياتها.. لكن الاساس والثابت في هذه الثورات الشعبية هو الإصلاح والتغيير الديمقراطي. لذا، لا يحاول احدا التذاكي على احد، وإقناع الجماهير بأن تقبل التراجع مقابل إصلاح أتٍ على ورق وعود هذا النظام او ذاك، أو من على ظهر درع الجزيرة، او طائرات النيتو – الأميركية..
الثورات الشعبية فجرت هذا الساكن القاتل في مزارع أنظمة عربية منها الملتحق بالمشروع الاميركي كليا، وهذا الصنف لا إحراج البته في تخوينه طبقيا ووطنيا وقوميا. أما المربك فهو من الصنف الممانع، وربما الممانع الوحيد، كنظام عربي معادي للإمبريالية الاميركية والصهيونية، والمقصود سوريا، التي تحتل موقعا قوميا متقدما في المنطقة، والتي تعلم أنها مستهدفة مباشرة من دوائر القرار الدولي لحثها على تغيير مواقفها القومية تجاه فلسطين والصراع العربي –الإسرائيلي، والتخلي عن دعم المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، لالحاقها في ركاب المشروع الاستعماري الامبريالي الجديد.
*****
في سوريا ثورة شعبية ديمقراطية، ونحن مع الثورة الوطنية الشعبية الديمقراطية، ومع الإصلاح والتغيير، ولن نزايد ونقول بأكثر ما خرج به لقاء المعارضة في "سميراميس" أو نشذ عن قاعدة بنود البيان النهائي والاخير للقاء التشاوري في دمشق.
في سوريا ثورة، وعلى كل وطني عربي في سوريا حريص على سوريا، الدولة الوطنية الموحدة والقوية من رأس النظام الى آخر معني ومسؤول في الدولة ، أن يسارع للدفع بمسؤولية وحكمة وطنية إلى ملاقاة الثورة الشعبية بأكثر ما تطلب من إصلاحات وحرية وديمقراطية وتعددية والغاء للمادة الثامنة من الدستور.. لضمان تشكيل جدران وطنية شعبية وحزبية وثقافية وأهلية لإزالة وإجتثاث خطر التدخل الإمبريالي الاميركي ، وخطر أدواته الاقليمية أو الداخلية. ولوأد الفتنة الطائفية والمذهبية المحدقة بسوريا، ولوقف وإدانة كل أشكال القتل والاعتقال والقمع والمنع. وأكثر من ذلك، إقرار السلطة السورية بحق التظاهرات الشعبية السلمية وتوفير الحماية السلمية لها، ما يضمن حق التعبير الشعبي . وما يضمن تاليا، بداية فعلية وعملية لمسيرة الإصلاح المفترضة. وما يضمن ثالثا، تقييد وشل لحركة المندسين المسلحين من عملاء وإرهابيين وشبيحة الذين يستغلون الحراك الشعبي السلمي، ويدفعون به قدما باتجاه التجييش الطائفي والمذهبي ونشر الفوضى، لطمس طبيعة الصراع الطبقي وإرادة التغيير، والعبث بمصير الثورة والدولة والشعب والوحدة الوطنية.
الخوف على سوريا حقيقي، فبدلا من تسويف الوقت والمماطلة في تضييع فرص الإصلاح والتغيير المطلوبين، وقبل أن تقع سوريا ضحية فتنة داخلية تسّهل الطريق امام ذئاب الإمبريالية والرجعية الجاهزة للإنقضاض عليها من الداخل، وتحديدا من البوابة الطائفية و المذهبية التي هي بالنهاية هدف مشروع الشرق الاوسط الجديد. فإن مصلحة الشعب وثورته، ومصلحة سوريا الوطنية والقومية تقتضي تبديد هذا الخوف المشروع، والسير نحو خطوات جدية وفعلية في مسيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجذرية. وبتكريس خط الممانعة بتعزيز المقاومة الوطنية والصمود مع الشعب وقواه الوطنية الديمقراطية الاهلية والسياسية.
*****
الثورات العربية تؤكد حضورها النوعي والتاريخي، ولا خوف منها، او عليها. طالما مكوناتها من الشعب، وحَمَلة مشروع إرادة الشعب في الإصلاح والتغيير،هم ديمقراطيون حقيقيون مؤمنون بالإصلاح الديمقراطي بالمعني الطبقي ، وهم ثوريون يؤمنون بالتغيير الثوري بالمعنى الوطني.
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (681) 05 /08/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
الثورة العربية والوعي الطبقي للصراع
مع الحقيقة / النداء 164: سمير دياب
يكاد قدر الفرح الآن، يوازي قدر القلق، على مجرى الثورات الشعبية العربية، رغم الميل الثابت عندنا على قدرة وإرادة الشعب العربي على تحقيق خطوات نوعية تقدمية، بعد اجتياز البعض في ( تونس ومصر) القفزة الإنعطافية – النوعية الأولى لهما. كون هذه الأيقونات الشبابية والشعبية في حراكها اليومي بالشوارع والساحات، والمسلحة بشعاراتها الجذرية للإصلاح، وأصواتها الهادرة للتغيير، والأهم من ذلك إرادتها الصلبة التي تكبر يوماً بعد يوم في الميادين المتنقلة من بلد الى بلد عربي آخر، تطرح الواقع العربي المرير كما هو، في زمانه ومكانه، وكأنه- وهذا صحيح- نسخة طبق الأصل، غير مقلدة، أو مزورة في صدقها ومصداقيتها، والممهورة بخاتم " الشعب يريد إسقاط النظام".
الفرح، الأمل، الذي ارتسم على وجوهنا، والنابع من أعماق أعماقنا، كياننا، وجودنا، كبشر، كمواطنين متساوين في الظلم في دنيا العرب، صنعه صناع الثورات دائما، الشعب. وهو أمل للمستقبل رسمه الملايين في الشوارع متحدين أنظمة البؤس القابضة لعقود على لحظة الفرح هذه، التي تم الإفراج عنها بقوة الإرادة الشعبية، كمدخل للتغيير الديمقراطي الجذري. أي للتحرر السياسي- الاجتماعي.
اما مصدر- مصادر القلق المشروع عندنا، فيعود واقعاً إلى عدة إعتبارات:
أول وأخطر هذه الاعتبارات دون نقاش فيها، من وجهة نظرنا الفكرية والسياسية، هو الجديد في ألاعيب مشروع الشرق الأوسط الجديد، وأساليبه، وأقنعته المعلنة والمخفية لتقويض روح الثورة، وتنفيس أسسها ومنطلقاتها. بسبب أن المصلحة الحقيقية للإمبريالية الأميركية لا تكمن في إنتصار أي ثورة عربية، لأنها نقيض مشروعها الأوسطي المشغول عليه في المنطقة منذ عقود طويلة. هذا المشروع بقوته وعظمة قيادته وتخطيطه ٌأربك قبل بدء الثورة، بمقاومة في لبنان والعراق وفلسطين لم يكن يتوقعها أبدا، وبمناخ شعبي عربي ضده بالمطلق. ثم ٌ صعق أصحاب هذا المشروع من سرعة وقدرة الشعب العربي على التوالد كالفطر في الشوارع وإسقاط عامودين أساسيين من عواميد أنظمة المشروع الأميركي- الصهيوني في المنطقة، رغم كل القدرات التقنية والمادية، وكل الوسائل المخابراتية التقليدية من كتاب تقارير، وعيون، ولصوص، ودبلوماسية مقنعة، ومؤسسات دولية أو وطنية مموهة، لم تكن ترسل ولو إشارة من إشارات حواس الإنسان الخمس التي تنذر بقدوم هذه الثورة المفخرة.
لذلك فإن موقع الإمبريالية الطبيعي أن يكون معاديا لثوراتنا، بهدف ثرواتنا. وكل تمويه على خلاف ذلك مثل دعم ثورة هنا، أو التأكيد على الحقوق الديمقراطية هناك، عليه أن يجعلنا ، ويجعل شعبنا العربي في موقع المستنفر والمتيقظ أكثر لسيرورة الثورة ولأهدافها التحررية.
إما ثاني هذه الاعتبارات، هو طبيعة وبنية أنظمة الحكم الاستبدادية – الإشكالية القائمة، التي ابتعدت تباعاً عن أهدافها المعلنة التي كانت وسيلتها إلى كسب تأييد الجماهير أو قسم منهم، بحيث بدا التعارض بين الشعارات التي تحملها والممارسات التي تقوم بها، الأمر الذي جعلها انطلاقا من مصالحها الطبقية، أن تنظم الدستور- الدولة – المجتمع بكامله، وفق أهواء مصالحها أو مصالح حزبها الحاكم. دون أن ننسى للحظة أنها وقفت تاريخياً، وما تزال، ضد مصالح الطبقة العاملة والفئات الكادحة، ومشكلتها الرئيسية هي موقفها من الديمقراطية أو الحريات الديمقراطية، رغم زعمها خلال عقود أنها تسعى الى تكريسها، لكن ما حمله الجانب السياسي، في الظاهر، من التفرد والاستقلال هو، في الواقع، تبعي للجانب الاقتصادي الذي يحدد مجمل المنظومة الاجتماعية ، وإن تحرير الإنسان ، بالقياس الى هذا البعد الاقتصادي، من وجهة نظرها، سيسمح باستعادة جوهره السياسي. هذه المعادلة – الكذبة سقطت بالبرهان. وتبين أن حقيقة هذا "اللغو" في منظومة هذه الطبقة الحاكمة، هو عجزها عن تأمين الحريات السياسية والاجتماعية، لأنها عجزت بالأساس عن تأمين مجتمع الكرامة والكفاية، ولو بالحدود الدنيا، ما وسّع الفجوة- الوادي السحيق بين كثرة كثيرة شعبية منتجة لكنها تعيش دون خط الفقر، وبين قلة – ندرة تظلل هيمنتها السياسية والاقتصادية والأمنية على العباد باسم الشعب، مع ما رافق ذلك، من ضرورة، لجشع وفساد وقمع وتخوين.. وأمام إعتماد هذه الانظمة سياسة ربط حل مشكلات تداول السلطة، والحزب الواحد، والحريات العامة والخاصة من خلال حل المشكلات الاقتصادية، فقد أوصلتنا الى معادلة رياضية مؤشراتها واضحة في مستوى التخلف والفقر، وفي عدم قدرتها على توفير الحاجات المادية، كما الحاجات المعنوية ومنها الحاجة الى الحريات السياسية أو الديمقراطية. وبقيت كل تعهداتها تجاه شعبها تعادل صفراً مكعباً، ما جعل العلاقة بينها وبين الطبقة العاملة والفئات الكادحة متوترة وقلقة وغير مستقرة، رغم أن هذه العلاقة تخضع لمبدأ التحالف والصراع، لكن مع انتفاء شروط وجود الحريات السياسية والديمقراطية، فلا مناص عندها ووفقاً لقوانين الصراع الطبقي من أن يصبح الصراع الطبقي القائم صراعاً متنافياً.
وما تعبر عنه ثورات شعبنا العربي اليوم، هو في جوهر هذا الصراع مهما حاول البعض تبسيطه، أو القفز فوقه. وكما حاولت أنظمة الحكم القائمة التكاذب ، أو التأجيل في دفع المستحقات المتوجبة عليها بحق شعوبها - مواطنيها في الحرية والكرامة والديمقراطية . ستحاول مجدداً بواسطة أدواتها المحلية، أو بواسطة الخارج، أن تدافع عن مصالحها الطبقية ضد الثورة، وضد أهدافها التغييرية الجذرية، ولو بأشكال وأطر تقليدية وجديدة. أو بتقديم وعود إصلاحية جديدة هي بالأساس مؤجلة منذ عقود زمنية عمرها من عمر قيام هذه الأنظمة المأزومة على كافة المستويات.
أما ثالث هذه الاعتبارات، وهو ما يحاول البعض إدعاء البديل للنظم السياسية القائمة، من خلال السيطرة على الشارع بقوة الأميركي وشريكه حلف النيتو، أو بدرع الجزيرة العربية، أو بقوة الدعم الإمبريالي الخارجي المادي والسياسي ومن ضمنه السلاح ، متقدمة على الحراك الشعبي الديمقراطي السلمي بافتعال أحداث إرهابية تضعف لحمة الشعب الوطنية، وتفضي الى القضاء على أهداف الثورة، وتفسح في المجال أمام صراعات من نوع آخر، هي صراعات إثنية وطائفية ومذهبية وقبلية وحتى عرقية، مقصودة أو غير مقصودة لا فرق، طالما، تقدم خدماتها المطلوبة مباشرة للمشروع الإمبريالي الأوسطي - التفتيتي، كما تقدم خدماتها ربما، المباشرة وغير المباشرة لأنظمة الاستبداد القائمة ذرائع قد تستفيد منها الى حدود التملص من ضغط الشارع وحراكه ومطالبه الاصلاحية وهي العارفة من صميم قلبها أنها إصلاحات محقة وضرورية وملحة، ولا مفر منها، ولو بعد حين.
*****
هي اعتبارات مقلقة دون شك، وعامل الوقت ليس محايداً، وعلى الثورة العربية، بقواها الشعبية، ومكوناتها السياسية والاهلية الديمقراطية والتقدمية، حفر هذا الوعي لمضمون صراع "الثورة" الطبقي في سيرورتها، من أجل اكتمال فرحة صيرورتها في التحرر الوطني والاجتماعي.
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (646) 02/07/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي
أموات الفكر الحي وأحياء الفكر الذي لا يموت

مع الحقيقة/النداء 163/ بقلم سمير دياب
كثيرون تغيروا وتبدلوا، بعد أن أصيبوا بلوثة المال و" ذهانية"السلطة من جمهور المثقفين الذين تلطوا بانعطافاتهم نحو اليمين وراء مفاهيم أعتبروا انها أضحت بالية. وتحولوا من النضال بالشأن العام الى الشغل بالشأن الخاص، ثم الخاص جدا، وفقا لمقتضيات السوق الرأسمالي الحاضر الذي حاول ان يعمم مفاهيمه بعد سقوط النقيض المنافس. هؤلاء هُزموا مرتين: مرة حين خانوا جمهورهم. ومرة أخرى حين اثبتت حركة التاريخ أن هذه المفاهيم الإنسانية ليست حية في يوميات عشرات ملايين العمال والفئات الكادحة المظلومة والمقهورة في وطننا العربي، بل هي حية وترزق ثورات شعبية ديمقراطية تحررية أيضا.
كثيرون، في المقابل، صمدوا ولم ييأسوا من الدفاع عن هذه المفاهيم المرتبطة بحرية وكرامة وديمقراطية الإنسان، التي لا بد من أن تسلك طريقها نحو أهدافها. ليس بسبب التعنت أو الجمود الفكري أو لإن القضية قضية مبدأ فقط، . بل بسبب الالتزام بقضايا الجماهير، وبالدفاع عن مصالحها الطبقية، وبسبب فهم ضرورة تناقض الصراع الطبقي الذي على نحو ما، يفجر "الضغط" المحكم الاغلاق. ولو جاء هذا الانفجار من خارج المفاهيم الكلاسيكية في التاريخ المعاصر لطليعة الثورة. خصوصا، بعد تفرد القطب الامبريالي الاميركي، وتوحش اقتصاد السوق النيوليبرالي، وعسكرة الاستثمارات الاقتصادية والسياسية المموهة تحت مشروع شرق أوسط جديد يحاول السيطرة على المنطقة بالكامل بما فيها وما عليها.
*****
الثورة في عصرنا العربي، هي نتاج الذين صمدوا وصبروا وضحوا في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية، وفي سبيل حق الوجود السياسي والاجتماعي، وفي تكريس حق المشاركة في صنع القرار على قدر المساواة والعدالة، والعيش الكريمن والحياة الحرة، ضمن مناخ من الديمقراطية، والتأسيس لغد أفضل في الدولة والمجتمع.
والثورة العربية الذي نشهد تفجرها، هي بهذا المعنى، بركان غضب يقذف آهات سنوات طويلة من العذابات المعلنة والمخفية لشعوب وصلت الى حد الخوف من الإعلان عن حلمها حتى لا يأتيها حراس الدولة – السلطة – الحزب الحاكم ويحول حلمها الوردي في التعبير أو مجرد التفكير بالتغيير الى مضبطة إتهامات من الوزن ما فوق الثقيل، ويدخل معها الحالم بالحرية بين متاهات تبدأ بالقوانين العرفية ومحاكم الطوارئ وتنتهي في غياهب أحد أقبية السجون المنسية.
الثورة الشعبية، هي انتفاضة وجوه وأجساد عارية نحيلة مسالمة، نهش عظمها الظلم والفساد والجور والقهر وقررت أن تقول "لا" ولو على كفنها، بعد أن فاض بها الوجع والفقر والجوع الى حد مواجهة الموت بشكل مكشوف وعلني.
هي ثورة شعب ضد أنظمة غير شعبية وغير ديمقراطية. أنظمة التزمت بكامل نمط اقتصاد السوق وشروطه، وحصرت قوتها بسوطها الامني، وبفسادها المالي والاداري، وأبقت على احتكار فلسفتها لحكم الحزب الواحد الذي يملك قرارات الحل والربط في كافة مناحي حياة الفرد والمجتمع الخاصة والعامة.
صًناع الثورة العربية طليعيون بإمتياز. ولو لم يتبعوا الطقوس التقليدية المعروفة لثورات القرن العشرين.
إنتفضوا من اجلهم، ومن أجل هذا المد البشري العربي التواق الى "حج خلاص" من سلطة أنظمة عربية عتيقة ومجنزرة، لا روح عندها، ولا حياة يرتجي منها، لهذا في مقابل تشابه أنظمة الحكم في تأبيد سيطرتها، توحد الشعب العربي في شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام".
*****
كل ثورة ستواجه بثورة مضادة، لإن هذا من صلب قانون الصراع. ولإن الامل في التغيير يكبر، فإن أعداء الثورة لن يعدموا وسيلة متاحة في نطاق الاستخدام والتوظيف لمصلحة القضاء على الثورة ولو بأدوات وأساليب غير معروفة. انه أمل يتعلق بجوهر النضال امام القوى السياسية ذات المصلحة في التغيير بالتكافل مع العمال والكادحين والفئات الشعبية لتعلن عن نضالها الاجتماعي والسياسي الديمقراطي والسلمي لإجل مجتمع العدالة والمساواة، ضمن دولة وطنية مدنية ديمقراطية. نحن نقصد هنا الثورة الشعبية الوطنية الديمقراطية المدنية، وليس أعداء الثورة أو أدواتهم المحليين الذين يحاولون حرف الثورة عن اهدافها تارة بالتدخل المباشر كما في ليبيا عبر النيتو، ومرة اخرى عبر تسليح بعض العصابات المشبوهه كما في سوريا، لخلق بؤر توتر صراعية دموية تأخذ أبعادها الطائفية والمذهبية لتصب في خدمة المشروع الاميركي- الصهيوني التفتيتي، بخلاف أسس ومنطلقات الحراك الشعبي السلمي المطالب بسلة إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية مطلوبة وملحة، وبحقوقه المشروعة في الحرية والديمقراطية تحت سقف الدولة الوطنية الممانعة لدفتر الشروط الاميركية، والداعمة للمقاومة ضد المشروع الاميركي –الصهيوني، وهذا هو أمتياز سوريا الذي يتطلع اليه بصدق وحرص كل المقاومين والتغييريين في سوريا والوطن العربي الى أن توضع الإصلاحات المطلوبة موضع التنفيذ بعيدا من الممارسات القمعية والامنية للسلطة، بالتكافل والتضامن مع الشعب السوري وقواه الوطنية والديمقراطية والتقدمية لوقف القتل والنزيف الدموي الحاصل والمستمر، والعمل على وأد الفتنة الداخلية على مختلف أنواعها ، التي يسعي اليها أعداء سوريا، وأعداء امتنا العربية، من إمبرياليين ورجعيين المتربصين بوحدة شعبنا، وبصمودنا ومقاومتنا وانجازات شعبنا التواق الى التحرير والتغيير الديمقراطي.
هذا هو التحدي الاكبر، وعلينا أن نفرق جيدا بين مطالب بإسقاط نظام عربي مأزوم، وبين ثورة شعبية تقوم مطالبها على إصلاحات وطنية جذرية لتحديث الدولة/ الدول ومؤسساتها. ووعي الشعب العربي وقواه ومكوناته الشبابية والعمالية والثقافية والاهلية والمدنية للتفريق بين ما هو وطني وقومي ونقيضه المتمثل بالمشروع الاستعماري الإمبريالي واضح وجلي في الحراك الديمقراطي والسلمي. لكن هذا التمييز أو التفريق لا يعفي أي نظام عربي قائم من مسؤولياته تجاه شعبه في بناء دولة القانون.
وفلسفة دولة القانون تعبير لا يعني شيئا على الاطلاق، ما لم تستند الى الحقوق الإنسانية، أكانت سياسية او اجتماعية. وكل كلام خارج هذا الإطار يعد في غير موضعه التغييري الثوري، ويحاول ان يطمس فكرة التناقض – أي فكرة الصراع الطبقي، وهو خطاب يقع في حقل الفلسفة الايديولوجية النقيضة لحياة الشعوب، المنتفضة لنظرية التحرر والديمقراطية والتقدم ضد نظرية الظلم والتخلف والتبعية.
*****
الثورة العربية إجتازت محطتها الاولى ، والنزاع على خلق بدائل شكلية أو فوضوية ودموية أو سلفية هو من صلب الصراع الطبقي.
فالثورة الديمقراطية هي سيرورة، والمعركة من أجل الدفاع عنها وعن صيرورتها هي مهمة القوى السياسية والشعبية المعنية بهذه الصيرورة. وميدان الثورة، والمقاومة، هي حلم شعبنا في ربط قضية فلسطين، بالقضية القومية العربية الشاملة من أجل التحرير، بقوة النضال من أجل التغيير الديمقراطي.
هي مهمة صعبة ومكلفة لكنها ضريبة الشعوب بإعادة احياء الفكر الذي لا يموت، بعد محاولة دفنه من أموات الفكر من ذات اليمين، وربما من كان يوما من ذات اليسار.
لتعليقاتكم samirdiab@hotmail.com
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (632) 18/06/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |
النداء 162 مع الحقيقية
التحرير والتحرر وأزمة المشروع البديل
د.سمير دياب
عيد التحرير، هو حدث تاريخي عظيم لشعب لبنان. وهو ثمرة نضال شجرة المقاومة الوطنية والاسلامية على مدى ربع قرنٍ من تاريخ الصراع المباشر مع عدو صهيوني هو جزء من مخطط استعماري إمبريالي جديد مكمل لقديمه، بأشكال قديمة وحديثة.
زرعنا مقاومة وطنية في 16 أيلول من العام 1982، وأسقيناها شهداء من كل الوطن، فأعطتنا في 25 أيار من العام 2000، إنتصارا تاريخيا لكل الوطن.
كبرنا بالمقاومة، وكبرت هي بشعبها. وأنجبت أطفال فلسطين في فلسطين، وشباب ثورة الحياة والكرامة والديمقراطية في الوطن العربي.
مرحلة إستذكار التاريخ النضالي المقاوم ، والاحتفال بالمناسبة، هي مرحلة التفكير بتحديات ما بعد الانتصار، لتوكيد هذا الانتصار، وتوليد قوة مناعته وحصانته ومداه التحرري الوطني والاجتماعي، ليس على مدى الساحة اللبنانية فحسب، بل على المدى العربي ككل .
الغائب في هذه المعادلة، هو المشروع التحرري العربي الثوري بأبعاده وقواه الوطنية والقومية. وأقول "ثوري"، لأن المشهد الآتي على المنطقة العربية بعد تغيير معادلات غير محسوبة، في مقاومة إمبريالية العصر، وفي مواجهة أعوانها وأذيالها ومرشديها في المنطقة، سيكون جافا ًوقاسياً جداً، ليس على فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وايران فحسب، بل على تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والسودان والاردن وكل بقعة من بقاع هذا الوطن العربي، المنتفض شعبه في مشرقه ومغربه، لإنتزاع حريته وكرامته وديمقراطيته.
مشروع الشرق الاوسط الجديد، ليس مشروعاً تحررياً ولا تنموياً ولا ديمقراطياً. هو مشروع إستعماري إمبريالي بإمتياز، غرضه تفتيتنا كيانات وأجزاء طائفية ومذهبية واثنية وعرقية، لضرب مقاومتنا وصمودنا، وتقسيم أرضنا، ونهب رزقنا وثرواتنا. هو مشروع يبحث دائماً عن نقاط ضعفنا وتناقضاتنا ليدخل منها، وفيها، لتحقيق مصالحه وأهدافه. هذه وظيفته، وهو يقوم بوظيفته الطبيعية على أكمل وجه. يحمّلنا دائما أوجه أزمته، وحكامنا متواطؤن في اللعبة ، وشعبنا يقاوم ثم يقاوم وينتفض ثم ينتفض، والدائرة تدور مرة ثم مرات لا نهاية لها.
نحن، أهل المقاومة والانتفاضة والثورة الشعبية، أهل الشهادة والصمود، أهل من تحمل الجوع والظلم والبطالة والغربة والاغتراب في بلاده. من عليه أن يشق طريقه الى الامام ويتابع مسيرة المقاومة والتحرير الى جانب مسيرة التغيير الديمقراطي. ومن يعًول عليه أن يبحث عن نقاط قوته ويوظفها في خدمة أهداف شعبه ووطنه العربي، في إستنهاض مشروع وطني وقومي تحرري نقيض لما هو قائم منذ عقود ما بعد الاستقلال الوطني، وما بعد التحرير، خوفاً من ضياع ما تحقق، بعد أن تحولت مسألة القومية الى قطرية، والقطرية الى أشلاء طائفية ومذهبية وقبلية وعشائرية وإثنية وعرقية.. وهذا بالتحديد هو غرض المشروع الاميركي الذي يحاول جاهدا إستلحاق ما خسره في تونس ومصر، وحماية أنظمته ومصالحه،عبر ركوب موجه المتغيرات الثورية من داخل ثورات شعبنا العربي.
اليوم بالتحديد، لا يكفي تمجيد الإنتصارات، والتهليل للثورات التي تتعرض لثورات مضادة حاقدة، بل علينا التيقظ والتقاط اللحظة الثورية التاريخية، وهي لحظة تعبّر عن ذاتها في الساحات العربية، قبل فوات الآوان، وقبل أن يستغل الغول الاميركي لحظة إنشغال أهل المقاومة والممانعة والثورة بحسابات سلطوية أو طائفية أو مصلحية ضيقة لا تقدم لشعبنا الثائر خطوات باتجاه تحرير فلسطين والجولان ومزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا، وباتجاه تحرره السياسي والاجتماعي.
في هذه اللحظات التاريخية، علينا إستنفار الفكر والثقافة الوطنيين، في مواجهة الفكر البرجوازي- التبعي، وثقافته، الذي يحاول تأبيد سيطرته بالتحايل على نضال الشعوب، والتفريق بين النضال الوطني والنضال الطبقي، كما يحاول اعطاء مسألة القومية محتوى غير طبقي، وكأنها مسألة معزولة ومجردة عن مصالح وقضايا الطبقات والفئات الاجتماعية. هذا الفكر يسعى اليوم الى تحطيم ما تحقق، وتجنيد الجماهير للدفاع عن موقعه الطبقي من خلال الدفاع عن موقفه من القضية القومية، وهو في الحقيقة موقف ناجم عن موقعه الطبقي في المجتمع.
إننا في لبنان أمام مفترق حاسم، فإما أن يضيع في متاهات الفتنة والصراعات الداخلية، أو المساومة الطائفية، ونغرق في المزيد من الفرقة والانقسام والتقسيم للمجتمع اللبناني، وهي ثغرة تمكن المشروع الاميركي – الصهيوني من التسلل مجدداً الى داخل بيتنا، لضرب مقاومتنا، وصمودنا، وانتصارنا؛ أو أن نسعى مع قوى المقاومة والديمقراطية في خلق مناخ وطني نقيض، يدعم مقاومتنا ويحميها، ويحصن قوة مواجهتنا من خلال إنجاز إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، وأولها الغاء الطائفية، لتغذية عوامل وحدة لبنان وعروبته وتطوره الديمقراطي.
في لحظة الانتصار والحراك هذه، على اليسار العربي أن يبذل جهداً أكبر في الفكر الثوري وفي الممارسة الثورية. وأن يواجه دون تردد او خوف أزمة الفكر البرجوازي العربي، وأزمة قيادته الطبقية لحركة التحرر الوطني العربية. كي يشكل هذا التحدي أساساً للنضال في سبيل إخراج حركة التحرر العربية من أزمتها، بدلاً من تحليلها والغرق في توصيفها فقط، والوقوع بأفخاخ أزمتها، فيعاني هو ذاته، ولو من خارج دائرة الحكم والسلطة، من أزمة تقعده عن لعب دوره بشكل يتوافق والمرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة برمتها. وبالتالي ينعكس هذا سلباً على فرصة النهوض الثوري، ما يتيح لهذه الانظمة الطبقية ذاتها ان تجدد نفسها، بأشكال وطرابيش أخرى، بحيث لا تقدم جديداً نوعياً في مسار مهام التحرر الوطني الكاملة.
إن الصراع في المنطقة في مرحلة مخاض كبير، إما ان تولد حركة تحررية تعي دورها وموقعها في مواجهة تعقيدات المرحلة، دون الانزلاق الى فخ المشروع الاميركي التفتيتي الذي يدفع بالتناقضات الى اقصاها لإعادة الوقوف على مسرح المنطقة بعد تعثر وارباك، وإما ان تبقى الجماهير مكشوفة ومتروكة بيد قوى تحاول التحدث بأسم الثورة لتمرير صفقات خاصة لا تمت بصلة لاهداف الثورة الشعبية الديمقراطية العربية، ولا لطموحات شبابها وعمالها وشيبها.
مرحلة المخاض تمر في ذروة أزمة الفكر البرجوازي، وفي لحظة ذروة نضوج الظروف الموضوعية للتغيير. من هنا، فإن المطلوب من فكر وثقافة وممارسة اليسار أن يتجلى في ذروة نضاله الوطني الطبقي، لأن القصور والتراخي عن المهام المنوطة به، سيعمق من أزمته، ومن أزمة البديل الثوري لشعوب قاومت وحررت، وانتفضت وصنعت ثورات شعبية ديمقراطية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
******
من كان من جلدة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ومن أبنائها وأحفادها، لن يقف حائراً عن القيام بمهام ما العمل الآن، ولا ينتظر من القوى البرجوازية أو الطائفية أن تقوم بمهام التغيير الديمقراطي، فهذه ليست مهمتها ولا وظيفتها، بل هي مهمة ومسؤولية قوى اليسار والديمقراطية مجتمعة، المتوجب عليها التقاط اللحظة التاريخية، والقيام بدورها الفكري والعملي - الميداني مع الناس، مع الفقراء، مع العمال، مع الفلاحين، مع الفئات الشعبية... أما كيف ؟ فهذا منوط بتظهير فكر وفعل وثقافة وحركة تنظيم وحدة اليسار، وبمدى إنخراطه في معركة المصير الوطني والقومي، على قاعدة المشروع الثوري البديل
|
نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية العدد (618) 05/06/2011 موقع التيار اليساري الوطني العراقي |