نوال السعداوي
هذا سؤال وارد فى بلادنا حتى اليوم، رغم أنه انقرض فى معظم بلاد العالم، سؤال متخلف ينتمى إلى العصور الحجرية، وأسئلة أخرى عنصرية من نوع: هل يصلح القبطى لرئاسة الدولة، هل يصلح الزنجى للرئاسة (قبل تولى أوباما فى الولايات المتحدة)، هل يصلح العامل أن يكون رئيس الدولة (قبل الرئيس لولا فى البرازيل)، فى العصور الحجرية كانت تطرح أسئلة أكثر عقلانية وإنسانية، لأن المجتمع الحجرى لم يكن تم تقسيمه سياسياً على أساس الجنس أو الدين أو الطبقة أو اللون، لو درسنا التاريخ البشرى (دون تحيز جنسى أو دينى أو طبقى) سوف ندرك أن الحضارات القديمة، قبل نشوء النظام الطبقى الأبوى الاستعمارى كانت أكثر عدالة وحرية وكرامة من المجتمعات المعاصرة الحديثة وما بعد الحديثة، لو قرأنا الحضارة المصرية القديمة لعرفنا كيف كانت أرقى إنسانيا من عصرنا الحديث، كيف كانت المرأة رئيسة الحكم ورئيسة القضاة وكبيرة الأطباء، وكانت أيضا الإلهة المعبودة.
العصور الحجرية لم تعرف الاستعمار، ولا أسلحة الدمار الشامل، النووية والذرية والكيماوية، وقنابل الليزر وطائرات الشبح، لم تكن دولة إسرائيل أو أمريكا موجودة بعد، ولا الآية فى كتاب التوراة، عن الأرض الموعودة، وهبها الإله يهوه لبنى إسرائيل مقابل ختان الذكور، لم يكن يهوه شرع للرجال قانون تعدد الزوجات فى الحياة وبعد الموت، وفرض العذرية على جميع النساء حتى الأمهات اللائى حملن وولدن.
لم تكن الفكرة موجودة، فكرة أن المرأة مخلوق ناقص، وما ينقصها هو الرأس، حسب قانون الإله يهوه، ثم بعد الزواج يصبح زوجها هو رأسها، لقد فرض يهوه على المرأة تغطية رأسها بحجاب لتخفى عارها (كونها جسداً بغير رأس)، وقع الإله يهوه هنا فى تناقض صارخ.
أولا: كيف تغطى المرأة رأساً غير موجود؟ ثانيا: كيف يعاقبها يهوه على ما فعله هو ( خلقها بغير رأس).
ورثت البشرية هذا القانون المقدس المتناقض، يعاقب القانون المرأة على ما يفعله الرجل، لأن الرجل مخلوق كامل مثل آدم، الذى لم يأكل الثمرة المحرمة لولا تحريض زوجته حواء الناقصة العقل ( الرأس).
كيف تكون المرأة رئيسة الدولة فى مصر؟ هل تطلق زوجها بعد أن تنجح فى الانتخابات؟ هل تصبح رئيسة لكل مصر ما عدا زوجها؟ هل يمكن أن تكون مرؤوسة داخل البيت ثم تخرج من باب بيتها لتصبح رئيسة الملايين فى الدولة؟؟
نشرت قصة قصيرة منذ عدة سنين عن رئيسة دولة فقدت الحكم وعادت إلى البيت، كان زوجها يعاملها كرئيسة الدولة، يكبت مشاعره السلطوية الذكورية خوفا من سلطتها الكبرى فى الدولة، ثلاثون عاما من حكمها وهو مكبوت مكتئب، يخشى الإفصاح عن حقيقته، يضحى ببعض سلطته كرجل لينعم بمزايا زوج الرئيسة، يضحى بوضعية الأعلى جنسياً ليحصل على منصب أعلى سياسياً، يتخفى فى الليل مع عشيقاته، ينتقم من زوجته بخيانتها فى السر، ترفعه الخيانة الجنسية إلى درجة أعلى من الرجولة، يعوض عن الإحساس بالنقص (فى حضور زوجته) بالإحساس بالعظمة بين النساء فى الليل، كانت زوجته (الرئيسة) تدرك ما يعانيه، فتجعله يمشى أمامها، أو تشيد بعبقريته أمام الآخرين، دون جدوى، كلما رفعته إلى أعلى زاد إحساسه بالنقص، زاد انتقامه منها فى الخفاء مع الأخريات،
كانت النساء يقعن فى حبه تقرباً من رئيسة الدولة وليس حباً فيه، كان يدرك ذلك فيزيد غضباً على زوجته ورغبة فى الانتقام منها، ثلاثون عاما مرت حتى فقدت زوجته العرش، وعادت إلى البيت لتواجه رجلاً غريباً عنها، يكنّ لها الكره والبغض المتراكم فى التاريخ منذ حواء ويهوه، حين أعلنت عن ترشيح اسمى ضد الرئيس السابق مبارك فى انتخابات ٢٠٠٥، لم أسلم من غضب جميع الرجال (ونساء تابعين لرجالهم)، من جميع الطوائف والحكومة والمعارضة والأحزاب (يسار ويمين ووسط)، والتيارات العلمانية والدينية إسلامية ومسيحية وبهائية وسلفية وصوفية وغيرها، كنت أدرك سبب هذا الغضب التاريخى المتراكم منذ حواء ويهوه، حتى فى البلاد الأخرى التى تسمى ديمقراطية، لا تزال فكرة حواء (الناقصة العقل) مدفونة فى اللاوعى الذكورى، وكم شهدت من مشاجرات بين الزوجة وزوجها (الأمريكى أو الأوروبى)، الموجوع من تفوقها عليه، فى العلم أو الأدب أو السياسة أو غيرها، وكم كان الرجل ينكر السبب الحقيقى للتوتر بينه وبين زوجته، يؤكد لى أنه لا يؤمن بالإله يهوه أو أى إله آخر، أنه ضد النظام الطبقى الرأسمالى، أنه اشتراكى ماركسى ملحد، أنه ضد النظام الأبوى البطريقى، وعضو نشط فى الحركة النسوية الثورية.
كيف تصبح المرأة رئيسة دولة فى الشرق أو الغرب؟ عليها أن تصرف النظر عن الزوج، تدرك أن الوحدة خير من رفيق يضمر البغض المتراكم والغيرة، قد يتهافت الكثيرون للزواج منها، تقربا من الرئيسة، وليس حبا فيها، المرأة ذات العقل فى عالمنا الحديث، عليها أن تدفع ثمن خرقها قانون يهوه، أو عليها أن تخفى رأسها، وتدعى أنها مخلوقة بدون رأس.
زعيم الإخوان المسلمين وزعيم الشيوعيين
ظاهرة البلهوانية فى الصحافة والسياسة شائعة فى كل البلاد، رغم تغير الحكومات واشتعال الثورات، فالنظام القائم على قوة البوليس والجيش والخداع، يفرض على الناس منذ الطفولة أن يكونوا بهلوانات بشكل أو بآخر، خوفا من العقاب أو طمعا فى الثواب، كنت أسمع أبى فى طفولتى يردد المثل الشعبى «السلطان من ابتعد عن السلطان»، رغم ابتعادى عنهم لم أسلم من ضرباتهم، لمجرد أننى أحمل قلماً يكتب، الكتابة تهز عروش الحكام وإن كانت قصصاً من خيال، فالخداع فى الحب لا ينفصل عن الخداع فى السياسة، وقد تؤدى قصة حب صادقة إلى الثورة وإسقاط النظام.
وأذكر أننى قلت ليوسف إدريس بعد أن نشر مقاله «أشكو منك إليك»: «يعنى مبارك هو ربنا عشان تشكو منه إليه يا يوسف؟»، ضحك كعادته مقهقها وقال «لأ.. يا نوال مبارك أكبر من ربنا».
كان الحوار يدور بينى وبين يوسف إدريس منذ الزمالة فى كلية الطب، يكبرنى بعدد من السنين لكن الهواية الأدبية والمظاهرات الوطنية ضد الملك والإنجليز، خلقتا بيننا حوارا فكريا امتد نصف قرن. كان يوسف إدريس أحد زعماء الطلبة، يقول عن نفسه شيوعى ماركسى، يكره النظام الطبقى الذى يقهر الفلاحين والعمال، لم يكن يعلم أن النظام الطبقى يرتبط فى التاريخ بالنظام الأبوى، كان يؤمن بالسلطة الأبوية المطلقة فى العائلة، وأن المرأة خلقها الله شيطانة بالطبيعة، وأن الرجل تطور حسب نظرية دارون، لكن المرأة خلقها الله من الطين، كان يوسف إدريس ملحداً بالعقل مؤمناً بالقلب، هذا الانفصام بين قلبه وعقله فرض عليه التناقض فى السياسة كما فى الحب.
بعد أن خرجت من سجن السادات زارنى يوسف إدريس، مع زملاء وزميلات، كانوا يشعرون بتأنيب الضمير، لم يكتبوا حرفا عن المعتقلين، كانت جريمتى مقالين كتبتهما عن زيف الديمقرطية.
من السجن أرسلت لتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، أطلب مندوبا من «اتحاد الكتاب» ليشهد سوء الزنزانة، لم يرد كلاهما، لم يكتب أحد حرفا واحدا ينقد السادات لاعتقاله المئات دون تحقيق، كان يوسف إدريس ينشر مقالاته فى الأهرام بانتظام، قرأت له مقالا كبيرا عن جيهان السادات العظيمة، بعد اغتيال السادات بشهرين أصدر حسنى مبارك قراره بالإفراج عنا، فإذا بيوسف إدريس ينشر بالأهرام برقية تهنئة لمبارك العظيم، أما سوزان مبارك فقد حظيت بمقالة كبيرة من يوسف إدريس عن منجزاتها العظيمة، كنت أنقده فيقول «لازم أنافقهم لأستمر فى الكتابة، لازم نغلبهم بكل الوسائل بما فيها النفاق وإلا غلبونا وسحلونا، دى تنازلات صغيرة يا نوال من أجل أهداف كبيرة، نسميها فى الشيوعية (تكتيك)، لكن الإخوان المسلمين يقولون عليها (الضرورات تبيح المحظورات)».
فى كلية الطب كنت ألحظ التشابه فى تفكير الزعماء من الطلبة، وخطبهم أيام المظاهرات والانتخابات والمواسم السياسية، لم تكن حماسة الإخوان المسلمين للفقراء واليتامى والمساكين تقل عن حماسة الشيوعيين للعمال والفلاحين الكادحين.
كما يحدث فى يومنا هذا، حلبة الصراع الانتخابى بين الأحزاب والجماعات حامية الوطيس، التجارة بالدين ومعاناة الفقراء هما عدة النصب للمرشحين يسار ويمين ووسط، كأنما الزمن متوقف منذ سبتمبر ١٩٥١ حتى اليوم سبتمبر ٢٠١١، ستون سنة كاملة مرت ونحن نشهد الصراع ذاته بالوسائل ذاتها واللغة ذاتها والملامح ذاتها مع اختلاف الوجوه والأسماء والأحزاب والعقائد.
فى سجن القناطر للنساء عام ١٩٨١ كانت الزعيمة الشيوعية، (فوقية) تشبه الزعيمة الإسلامية (بدور) فى الملامح ولهجة الكلام، رغم أن الأولى سافرة تؤمن بماركس وإنجلز والثانية منتقبة تؤمن بالله والرسول محمد. «التشابه بين الضدين وجهان لعملة واحدة»، قال يوسف إدريس يومها تفسيرا لذلك «أصلنا حيوانات سياسية يا نوال نأكل ونشرب سياسة، أنا تطورت قليلاً حسب نظرية دارون وأصبحت كاتب قصة، لكن السياسة مرض وإدمان زى الأفيون والماكستون، السياسة تشوه الشخصية وتدمر الإبداع، الرجل حيوان سياسى، الحيوان أرقى من الرجل بيولوجيا، الأسد ملك الغابة لا يهاجم إلا إذا جاع»، قلت له: ليس بيولوجيا الرجل يا يوسف ولكن النظام السياسى الثقافى الذى يربى الطفل الذكر على أن الرجولة تسلط واستبداد، والأنوثة خضوع وخنوع.