اللقاء اليساري العربي

 ثقافة وفنون

المرأة والطفل

الطلبة والشباب

 شهداء الحرية‎

المقالات

التيار اليساري

هيئة التحرير

الأرشيف

مكتبة اليسار

ملفات اليسار

النقابات العمالية

 

 


 

سلام عبود

من يرسم حدود العراق ج2

 

2
الحدود الاسرائيلية تتقدم شرقا
لعل وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي " آفي ديختر" أكثر دراية من سواه في فهم ما يجري على أرض العراق من تبدلات سياسية وحدودية: "سيظل صراعنا على هذه الساحة فاعلا طالما بقيت القوات الأمريكية التى توفر لنا مظلة وفرصة لكى تحبط أية سياقات لعودة العراق الى سابق قوته ووحدته. نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسى والأمني. نريد أن نخلق ضمانات وكوابح ليس فى شمال العراق بل فى العاصمة بغداد"
لا يُعرف إذا كان تعبير "مظلة" جاء سهوا، وتسرب الى النص تحت ضغط نفسي لا شعوري، أم أنه مقصود وموجه. فالمظلة الأميركية هي السر الأكبر في جزء أساسي مما يحدث في العراق: التعجيل باسقاط النظام الديكتاتوري عسكريا بأيد أميركية. التعجيل، عسكريا، بأيد أميركية. أربع كلمات لا يمكن فصلها عن بعضها، هي المغزى الأساسي لما حدث في العراق، وهي السر التفاوضي، الذي تشترطه أميركا على الحاكم العراقي، الذي يريد البقاء في السلطة، والذي يتحاور معها حول صيغ تخريج هذا الشرط دعائيا، من خلال ما يعرف بالاتفاقيات الأمنية، واتفاقيات التدريب والتأهيل، وغيرها من التخريجات الدعائية.
إن "المظلة" الأميركية، في معناها الظاهري تعني أن أميركا ستكون غطاء سياسيا وعسكريا يحمي إسرائيل من أي إمكانية محتملة لعودة بناء جيش عراقي وطني، وبناء منظومة حكم وطنية، يمكن أن تكون موضع خطر في حال قيام تكتل عربي ما، يهدف الى الضغط على إسرائيل عسكريا أو سياسيا. بيد أن كلمة "مظلة " تعني، في التفسير الحسي، أن القوات الأميركية تشكل حاجزا وقائيا مباشرا ضد أي اختراق جوي محتمل لا يقوم به العراق، وإنما يتم القيام به من قبل دول لها تماس جوي مع العراق. ولهذا يحتفظ الأميركان، سواء في الاتفاقية السابقة أو اللاحقة، بحق السيطرة المطلقة على السماء العراقية، بما فيها الطيران المدني، وشفرات التحليق ومسارات الحركة الجوية.
حينما نعود الى البيانات العسكرية الأميركية لما بعد حرب الكويت، نجد أن إحصائياتها حددت حجم القوات الجوية العراقية قبل الحرب- عدا قوات المدفعية ذات القدرة النارية الضاربة، وزهاء 3800- 5500 دبابة، اختفت عن بكرة أبيها بسحر ساحر- يقدر بـ 780- 1100 طائرة مختلفة الأنواع والأعمار والتأهيل والصلاحية. وهي جميعها تحت الخدمة، وبعضها لم يدخل الخدمة ولم يستخدم قط. أين اختفى هذا الأسطول الجوي العملاق؟ أين ذهب كادره ومؤسساته؟ أين ذهب منجم الحديد هذا؟ لماذا لم تتم الإفادة منه، على تخلفه المفترض، باعتباره قوة يمكن لها أن تسهم في حماية الحدود وتنفيذ العمليات المحدودة، خاصة أن هذه القوات لا تقوم بمهمة منازلة دولة متفوقة كأميركا أو إسرائيل؟ ألم يكن الاحتفاظ ببعض هذه القوة "التدميرية الشاملة" والتغيير التدريجي لها، مصحوبا بخطة تطويرية منهجية، هو الحل الآني، العملي والاقتصادي والسيادي، البديل والمنطقي؟
يسخر البعض من تبريرات الحكومة قائلين: أما كان بمقدور الحكام الجدد الاحتفاظ ببعض صنوف قواتنا الجوية لمكافحة الجراد ورش المبيدات الحشرية، إذا كنا نخشى منها في المنازلات العسكرية؟ أين ذهبت؟ من تحاصصها؟ لمن تعود ملكية الجيش المهزوم؟ لماذا يحدث هذا؟ إن الجواب الوحيد على هذه التساؤلات يكمن في ما نطق به الوزير الإسرائيلي: المظلة! وهي عينها المظلة التي تشترطها الاتفاقيات الأمنية أو اتفاقيات التدريب قصيرة أو طويلة الأجل. هنا يكمن أحد أهم أسرار الصراع بين الكتل السياسية العراقية. في هذه المظلة، وفي سبل تقبلها، وأساليب التعامل معها، وليس كما يظن الواهمون في من يتولى ويحتكر مناصب وزارات الدفاع والداخلية والأمن. إنه صراع موت وحياة لمن يبقى تحت المظلة، ولمن يخرج منها.
إن الحقيقة التاريخية القاسية، التي يتجاهلها الجميع، تكمن في كلمات "ديختر". كان تغييير موازين القوى العالمية وثبات النظام الإيراني وتطور قدراته العسكرية الصاروخية والنووية تحديدا، وتعاظم علاقته بسوريا، وثبات حركة المقاومة في جنوب لبنان، وتعثر جهود الفلسطينيين في ايجاد تسويات مع إسرائيل من جانب، يقابلها ضعف النظام العراقي وعدم مقدرته على الوقوف أمام ذلك الواقع الضاغط، واحتمال قيام حركة عسكرية تطيح النظام وتدفع المنطقة الى توازن جديد أو تديره الى وجهة مجهولة من جانب آخر، قاد الى نشوء حالة أمنية وعسكرية قلقة، مملوءة بالاحتمالات والممكنات، جعلت الإسرائيليين، ومن خلفهم الأميركان، يعجلون في مهمة التفرد باسقاط نظام صدام عسكريا، وبتكوين خط جبهة عسكرية وسياسية متقدم، يقف في وجه أي تمدد أو تهديد أو إقلاق، جدي أو محتمل، لأمن إسرائيل. وخلف هذا الأمر تقف كل الاتفاقيات الأمنية السرية والعلنية بين السياسيين العراقيين الحاكمين والأميركان. ومن هنا نلاحظ أن المحتلين تجاهلوا تماما مهمة إعادة تأهيل العراق جويا وبحريا، حتى تكون ذريعة بقائهم مبررة وعملية: المحتل يحمي السيادة. بهذه المعادلة المختلة الأطراف يُحاصر المسؤول العراقي الذي يحاجج الأميركان قائلا بانتفاء الحاجة الى وجودهم العسكري بما أن الدول المجاورة لا تملك رغبة جدية في احتلال عسكري مباشر للعراق.
من يضمن المجال الجوي العراقي من احتمالات اختراق جوي باتجاه الحدود الغربية للعراق، أو من هجمة صاروخية بعيدة المدى تعبر حدود العراق الغربية؟ بهذا السؤال - الجواب يصوغ المعترض الأميركي فرضية بقائه مهاجما أو حاميا أو مدربا.
إن الوضع العسكري هو العنصر المركزي - إضافة الى النفط وتغيير واقع المنطقة- في الستراتيجية العسكرية والسياسية الأميركية في المنطقة. وفي ظل فقدان السيادة الجوية العراقية تظل السيادة في هذا المجال للطيران الجوي المشترك الأميركي الإسرائيلي.
هوية وطن يرسمها الآخرون
إذا تركنا المناورات السياسية والمؤامرات والتحركات السرية والعلاقات السياسية والخفية جانبا وذهبنا الى الصورة القائمة على السطح، وتحت ضوء الشمس، نكتشف حقيقة الهوية العراقية واضحة صريحة.
بعد موجات متلاحقة من المحتلين: مغول، فرس، أتراك، إختتمت الجيوش البريطانية تقاسمها الاستعماري لأراضي الدولة العثمانية باحتلال العراق مرتين، الأولى عام 1914، والثانية عقب فشل حركة نيسان 1941. وبعد استقلال وجيز ومرتبك ومتعثر، عاد العراق فوقع في كماشة الاحتلال، الأميركي هذه المرة.
عدا الخلاف حول مجرى شط العرب لم تفلح الحكومات العراقية المتعاقبة، حكومة البعث خاصة، في إيجاد مشكلات حدودية جدية مع إيران. لكن اضطراب الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية في العراق، وضعف السلطة المركزية ووجود قوات أجنبية، قد يعجل بظهور غير مشكلة حدودية وبيئية، وربما تتم صناعة واختلاق مشكلات محتملة لأسباب سياسية أو عسكرية أو بيئة أو حتى دعائية.(تكررت رواية قتل "الرعاة" وأغنامهم في كل الحروب الحدودية مع إيران! كما لو أن السلطات حافظت على كل مواطنيها وممتلكاتهم، ولم يتبق سوى الرعاة وأغنامهم!)
إن أخطارا خارجية كثيرة، مرتبطة بذرائع سياسية داخلية ارتاباطا مباشرا، لم تزل قائمة بسبب وجود حزب العمال التركي، المختلف ايديولوجيا عن فكر القيادات الكردية الحاكمة في العراق، ووجود مجاهدي خلق، وحزب الحياة الحرة الكردي الإيراني، ووجود شروط دولية على العراق لصالح الكويت، ووجود حركة دائمة للقوات التركية في شمال العراق، ووجود ممرات مفتوحة، كويتية وسورية وأردنية وسعودية، للسلاح والإرهاب. إن ما هو موجود على الأرض ليس سوى الصيغة الواقعية الممكنة لإدارة المنطقة، وهو هويتها الراهنة. أي إن انتهاك سيادة العراق وضع قانوني معترف به دوليا، وحق شرعي تتمتع به دول الجوار كافة.
إن المشكلات السياسية والعسكرية المتعلقة بالحدود مرآة صادقة تعكس طبيعة تصور العالم لنا، وتعكس صورتنا التي يرانا بها الآخرون، وصورتنا التي نريدها نحن لأنفسنا: تشتت الإرادة والتكالب الأناني على الأدوار الاجتماعية.
لذلك يبدوالعنف في العراق ملمحا من ملامح التمزق التاريخي للهوية الوطنية، وما شذوذه وتطرفه سوى تعبير فني عن شذوذ وتطرف الصورة المتدنية، التي رسمها الناس في بلادنا لأنفسهم، واعتادوا على العيش فيها. أي صورتهم الشخصية وهم في وضع الاستباحة أفرادا أو كتلا أو مجتمعا.
لقد أباحت الهيئات الدولية المنبثقة عن عمليات التقاسم الاستعماري وضع البلدان المحتلة تحت الهيمنة الاجنبية كغنيمة شرعية. فعصبة الأمم المتحدة وضعت مستعمراتها تحت "الانتداب" حقبا طويلة. بيد أن ما يعرف بالمجتمع الدولي- الصيغة المموهة لارادة القوة دوليا- وضعت بلدا مستقلا تحت عنوان يتنافى مع مبادئ العدالة الدولية ومع مبادئ حقوق الانسان، ومع التشريعات البشرية الحديثة: الاحتلال. ولم يكن هذا التطرف في انتهاك الحق الدولي سوى استجابة لمبادئ الكولونيل البريطاني بلفور، وانعكاس صادق للصورة التي يحملها الآخرون عن العراق، والأهم من هذا إنه انعكاس واقعي لما يحمله مواطنو العراق من تصور عن ذاتهم ووطنهم ورأى الآخرين فيهم. في مذكرات جورج بوش المراجعة والمفحوصة بعناية تسربت عبارات كثيرة، لا إرادية، تشي بمكانة العراق لدى اليمين الأميركي. فلو تناسينا عباراته السابقة:" أحيلهم دخانا"، وعبارات شوارتزكوف عن الاستئصال الجراحي والعودة الى العصر الحجري، فان جورج بوش يصف حالة الكدر والذهول التي وقع فيها عقب النطق بقرار بدء الحرب على العراق، قائلا: إنه كان حسن الحظ ، لأن كلابه استقبلته بباب البيت الأبيض، فانسته مؤقتا تلك اللحظة البشعة، التي ستهوي فيها النيران على رؤوس البشر في العراق. كان بوش يجد في كلابه ترضية عاطفية تمسح من ذاكرته شدة الدمار الذي تلحقه جيوشه بالشعب العراقي. أما العراقيون فكانوا يتلذذون بتعذيب أنفسهم في تلك اللحظات القاسية. ففي العراق لا يوجد أدنى إحساس بالمواطنة أو الوطنية، لدى الغالبية العظمى من السياسيين. أما الارتباط اللفظي المبالغ فيه بعراق الحضارات والعراق العظيم والغيرة العراقية و"حتى الظلام هناك أجمل"، "ما تسوه الدنيا بدونك"، وغيرها من المبالغات الخيالية اللفظية، فلا تعدو أن تكون مجرد ردود أفعال تضليلية، تعكس ازدواج المفاهيم، وانسحاق بنية الشخصية واضطراب الهوية، وتمزقها بين التطرف اللفظي الكاذب في التعبير عن التلاحم العاطفي، وبين الممارسة الواقعية المبالغ في درجة انسحاقها وإذلالها وأنانيتها الفردية.
إن الاحتلال الأميركي للعراق هو نسخة مكررة، ولكن مطورة، من الاحتلال البريطاني، بأبعاده الحسية والتكوينه الأساسي. فالاحتلان يتضمنان عنصر إبدال قوة طغيانية بأخرى، ويتضمنان رفع شعار محررين لا فاتحين. ويتضمن الاحتلالان فكرة إعادة رسم التركيبة الاجتماعية والسياسية وفق مخطط معد في الخارج، ويتضمنان فكرة صناعة قوة سياسية داخلية حليفة مجلوبة في معضمها من الخارج، وسياسة صناعة نخب من بقايا القوى المهزومة أو الوافدة، ويتضمن الاحتلالان إدارة أجنبية مباشرة، تعقبها إدارة تحت رعاية المستشارين، ثم حكومة قوامها وزاراء بلا وزارات (وزراء الدولة)، ترافقها صيغة نيابية مرتبة ترتيبا حسابيا، على ضوء دستور مركب تركيبا صناعيا. وقد تصل التماثلات حدودا مثيرة للدهشة، كأن يقوم رئيس وزراء بتشكيل حكومة من دون وزارة دفاع، لكي يتسنى له ممارسة تلك الوظيفة بالنيابة، كما حدث في ظل حكومة الهاشمي الأولى، وكذريعة اتفاقية الاحتلال وصلتها بالجاهزية العسكرية، وعلى وجه التحديد صلتها بالسلاح الجوي. تلك أمور تدل دلالة قاطعة على أن البعض درس التاريخ جيدا وحفظه عن ظهر قلب. بيد أن ما يميز الاحتلال الأميركي عن أصله البريطاني هو وجود عنصرين إضافيين، يحملان البصمة الأميركية الخاصة: الأول، تطعيم النسخة البريطانية بالنموذج الأفغاني وما رافقه من حرب ذرائعية ضد الإرهاب، واستخدام التكفير المذهبي سلاحا لتسيير معادلات السلطة والحكم. وقد انيطت مهمة وضع تلك البصمة بالأميركي الأفغاني الأصل زلماي خليل زاد، الذي تولى رسم معالم الطريق منذ الخطوات الأولى لما عرف بـ "قانون تحرير العراق". أما الأمرالثاني، فهو إحراق المراحل، واستعجال النصر، باستخدام القوة النارية الهائلة والعنف المنفلت العقال، واستثمار طاقات المجتمع العراقي العنفية الثأرية العظيمة، والاصرار على التمتع عراقيا بنشوة النصر على القطب المنافس: الاتحاد السوفيتي، والنموذج الاشتراكي. ولهذا السبب لم يتمكن المشروع الأميركي من حرق المراحل بيسر، بل قاد هذا الحرق السريع الى إشعال بنية المجتمع العراقي كلها، أو كما قال جورج بوش أوشك أن يقود الى" كسر العراق بصورة لا يصلح بعدها أبدا"، لولا الوعد الذي قطعه المالكي لبوش بإثبات أنه أقدر من علاوي على "ضرب الشيعة والسنة" في الموقع الذي تقرره القيادة الأميركية.
لقد أفاد الأميركيون، بايدن مثلا، والجمهوريون، من الخبرات البريطانية، أفكار بلفور حصريا، ولهذا لم يكن عبثا أن تقوم أميركا، التي تمتلك حلفاء أقوياء وقدماء في المنطقة، باتخاذ العراق نقطة ارتكاز لانطلاق مشروعها السياسي الحربي: الشرق الأوسط الجديد، ولم يكن فتح ممرات سرية وعلنية للمرتزقة الدوليين وللإرهابيين يقع خارج هذا السياق.

التاريخ مرجعية العراقي المهدورة
حينما يجري الحديث عن ضغط الجوار العسكري يغيب عن البال دائما ضغط آخر، لا يقل عنه خطورة، هو الضغط التاريخي، أو الضغط المعنوي. فالضغط الخارجي في العراق يرتبط ارتباطا وثيقا بضغط آخر، أبعد غورا، هو الضغط المرجعي، المكون للمشاعر والأفكار والأخيلة والخزين العاطفي، أي الضغط المعنوي والثقافي. إن الإعلام التسويقي الرثّ، الذي قاد الحملة الأميركية العرقية والطائفية، جعل من العامل التاريخي، باعتباره الضاغط المعنوي الكبير، والذي هو أعظم مكونات العراق الثقافية والعاطفية، هدفا أساسيا للتهديم، من طريق التبشير بمشروع سياسي داخلي مفرّغ الهوية، قوامه "عراق لا عربي ولا مسلم"، وعلم إسرائيلي الملامح. وكان ذلك الغطاء هو الجزء النظري من المشروع التطبيقي المتمم لعملية التهديم الفعلي للدولة والجيش ومؤسسات المجتمع ومكونات الذات الاجتماعية وامتداداتها الثقافية التاريخية. إن الضغط التاريخي على العراق، حاله كحال الضغط الجغرافي والتنوع الاجتماعي الثقافي الداخلي، مصدر نقمة ومصدر نعمة، ولكن بمقدار حسن أو سوء استخدامه. فالذين يرون أن الزرقاوي جاء الى العراق ليقاتل الأميركان ولم يقاتلهم أو يقاتل الإسرائيليين في الزرقاء أو عمان على حق تماما في وجهة نظرهم. لكنهم يتناسون أن الممر الطائفي الآمن الذي سلكه الزرقاوي الى العراق شُقّ ومُهّد رُصف وعُـبّد ثم سدّ من قبل القوى نفسها التي تدعي محاربتها له ومحاربته لها، وأن نقل ملاكاته الوظيفية إرهابيا الى العراق يحمل الأسباب عينها التي دُمّر العراق بسببها من قبل الأميركان. ان نغروبونتي ومايكل فيكرز موظف وكالة المخابرات الأميركية ، شعبة الاتصال بالجماعات "المجاهدة"، ورفيق دربهما زلماي خليل زاد، يعرفون جيدا أسرار تلك الطرقات ومنافذها الداخلية والخارجية. لكن العراق ليس جيبوتي، وبغداد ليست الزرقاء. إن العراق عنصر جذب تاريخي عظيم، لأنه يشكل الذاكرة التاريخية لأمة كاملة. إن هذه القوة الروحية والعاطفية السحرية الهائلة لم تستخدم يوما لأغراضها الحقيقية في جعل العراق مركزا عربيا متقدما وجامعا حضاريا وإنسانيا، بل على العكس أضحت هذه المركزية العاطفية وسيلة من وسائل الجذب السلبي، المرتبطة بالعنف، رسميا وشعبيا، لدى الأفراد والجماعات، ولدى الحكومات والأحزاب. فحينما سيق العراقيون الى جبهات الموت في قادسيات صدام، استوردت السلطة الحاكمة الرصيد العربي لتدعم به أركان البيت العراقي اليتيم والخرب من الداخل. ولكن هذا الاستثمار الخاطئ لا يمنح الحق لأحد بأن يلغي ويسلب العراق ثقله التاريخي العظيم، الذي هو أحد أسرار جعله موضعا للصراع والتطاحن والعنف. إن تهديم هذه المركزية العاطفية الفريدة، جزء من المشروع الرامي الى تصغير العراق، تمهيدا لإعادة تفصيله في هيئة دويلات قزمة. إن تحطيم الدولة العراقية وتحطيم الجيش وتخريب البنى الاجتماعية رافقه تخريب منظم دعائي وإعلامي للعمق التاريخي، قاده إسلاميون وعرقيون وطائفيون وبعثيون وشيوعيون وملكيون وجمهوريون، جمعتهم قبضة أجنبية واحدة. إن مجيء إرهابي ما الى العراق لا يتم تحت ضغط العامل السياسي والطائفي وحده، بل يتم أيضا تحت ضغط الإغراء القومي الذي يحمله العراق، وتحت ضغط القوة التاريخية العاطفية للعراق، التي يجب أن تكون موضع فخر، وأن لا تستخدم من قبل أحد - إرهابي أو محتل أو مقسّم أو انفصالي - من أجل ضرب الوجود التاريخ للمجتمع العراقي. إن الاستشهاد أو الانتحار في العراق، في بغداد تحديدا، لا يشبه الاستشهاد أو الانتحار في الدوحة أو في فحيحيل. إن بغداد أقرب الى الجنة من مقاديشو في حسابات الاستشهادي السعودي واليمني والمغربي. وإذا كانت أرض الحرمين أقصر وأقرب من بغداد الى الجنة بحكم القرب والبعد من الكعبة، فان هذه الأرض قد زودت بممرات سرية، بفعل العامل السياسي والطائفي والجغرافي، قادت الى جعل أرض الحرمين أبعد من بغداد الى الجنة. في هذا المثال الإجرامي، الذي ساهم جميع ممزقي وحدة العراق في صنعه، نجد صورة حية على شدة ضغط المحيط التاريخي واتحاده بالعوامل الجغرافية والسياسية وتداخلها الى حد يجعل التفريق بين صالحها وطالحها، بين الاستشهاد والجريمة، بين المقاومة والإجرام السافر أمرا محيرا، عظيم التركيب والمزج والاختلاط. لأن العراق، وطنا وأفرادا، بطبيعة تكوينه الجغرافي والعرقي والديني والتاريخي، منطقة التداخل والاختلاط. وما العنف في العراق إلا سلسلة من التداخل التاريخي، يدار خارجيا من قبل قوى شريرة، لكن أدواته محلية خالصة، تتم بأيد عراقية خالصة، ممهورة بالدم وبالأحقاد والجهل والانسحاق النفسي العنيف.

هي الجحيم يا سيدي الرئيس
"هي الجحيم يا سيدي الرئيس!" بهذه الكلمات لخصت الأكاديمية الأميركية ميغان أوسوليفان الوضع في العراق، حينما سألها بوش عن الصورة في العراق. جاء جوابها بعد معايشة على الأرض دامت عاما كاملا عملت فيه الى جوار بريمر، ودرست عن قرب شخصيات كبار السياسيين العراقيين.
ما سر احتفاظ القيادات الكردية "الحكيمة"، صاحبة مبادرات حل المشاكل، بمقاتلي حزب تركي في الأراضي العراقية، في مرحلة تتميز بالاضطراب الكبير، والجميع يعلم مقدار كره القيادات الكردية العراقية لعناصر هذا الحزب العنيد، المناضل ضد التسلط القومي والطبقي والعشائري؟ ما سر وجود قواعد عسكرية لحزب الحباة الإيراني على الأراضي العراقية؟ ما سر سكوت أميركا على هذا السلوك السياسي، رغم صداقتها لتركيا وتبجحها بالعداء للارهاب المسلح، وسعيها لتحقيق الديموقراطية في العراق وبناء دولة المؤسسات والقانون؟ ألا ترغب أميركا في أن تكون الأرض العراقية المحتلة هادئة ومثلا أعلى في الأمن والاستقرار؟ ( أميركا تسرب أخبارا عن صلات سفيرها في العراق بحزب العمال الكردي التركي، وفضائية الحزب تبث إرسالها من قمر تهيمن عليه إرادة أميركية!) وهل سيغتفر البنتاغون والغرب هذا النشاط " الثوري"، لو أن القادة الكرد في العراق ساروا في اتجاه معاكس لإرادة البنتاغون سياسيا؟ هل كان لأميركا أن تتردد لحظة واحدة في حملهم موثوقي الأيدي، معصوبي الأعين، الى لاهاي، أو الى غوانتانمو بتهمة إيواء "الارهاب" العالمي؟ كم عدد الصور والأفلام "الإرهابية البشعة"، "المعادية للانسانية"، و"المزعزعة للأمن العالمي" ستظهر خلال يوم واحد لو أن أميركا غيرت موقفها من حلفاء اليوم؟ الأمثلة عينها تنطق تماما على مأساة عناصر"مجاهدي خلق"، العالقين في كماشة شركات القتل التجاري السياسية، وتنطبق على معضلة معسكر أشرف الإنسانية الخطيرة، التي يريد الجميع اللعب بها كورقة ضغط سياسي على حساب الشعب العراقي وعلى حساب معارضين سياسيين وقعوا في كماشة العنف الدولي.
هذه الأسئلة البديهية لا تُسأل في مجلس النواب العراقي، ولا تشغل بال سياسييه ومثقفيه البتة. لأنها مادة للبيع والشراء العلني، صنعها الطوق البيئي، فغدت منهجا سياسيا تقليديا مملا لدى الجميع، حتى بات الشعب عامة لا يأبه بها، أو لا يجد فيها مساسا باستقلاله وأمنه ووجوده.
إن استيراد وتصدير العنف بضاعة سياسية تقليدية في السياسة الكردية خاصة وسياسية القوى الطائفية والعرقية العربية وغير العربية. وهي بضاعة استخدمت في الحقب كافة ضد إرادة ومستقبل المجتمع العراقي. إن هذه القيادات، لطول إدمانها وتوارثها لعب دور البائع لمشاريع العنف في العراق، ومعها القوى الاقليمية والدولية، والسياسيون المحليون الصغار، صاغوا بمرور الأيام نهجا ثابتا، وسلوكا سياسيا محدد المعالم، قوامه الاتجار العنفي العلني بمصالح الوطن. استخدموه وهم في أشد لحظات ضعفهم تحت ذريعة الحقوق القومية، واستخدموه، كما هي الحال الآن، وهم في أوج قوتهم الموهومة، التي تقاس سهوا بضعف الآخرين، لا بالمقدرة الذاتية الحقيقية على امتلاك شروط القوة. لقد غدت قضية الإتجار بـ"الحقوق القومية المشروعة" مارجوانا المافيات العراقية والاقليمية والدولية الطامعة بالأرض العراقية. وفي أوقات الاضطراب السياسي وضعف الدولة المركزية يبرز بوضوح سافر تأثير هذا الدور على سلوك القادة الكرد. وهذا ما رأيناه عقب احتلال العراق، حيث راهن الجميع على الورقة الكردية " الجوكر". ومن جانبهم يصر السياسيون الأكراد، بفخر، على أنهم يرفضون رفضا قاطعا أن يكونوا يوما ما في المعارضة النيابية. ويعللون ذلك بأنهم قاسم مشترك للجميع. وهو تعليل صحيح تماما، إذا فهم القول بأنهم يريدون أن يحتكروا وظيفة البائع الجوال، الذي لا أهداف وطنية محددة وصريحه له،والذي يمكن أن يبيع بضاعة سياسية لكل مشتر حسب الطلب. إن هذا الدور السياسي النفعي الرابح، بصرف النظر عن تأويله الأخلاقي والسياسي وطنيا، لم يكن رغبة ذاتية محضة ابتدعت من فراغ، بسبب ضعف الإرادة وخمول مكونات الضمير الوطني فحسب. بل هو أيضا نتاج مباشر لضغط العامل البيئي، الذي أرغم القيادة الكردية والسياسيين العراقيين على حد سواء على تقبل نهج المقايضة والاتجار بالمواطن والأهداف الوطنية. وعلى الرغم من أن المواطن العراقي يدرك جيدا طبيعة وأهداف هذا النهج، وهو يرى اللعبة السياسية تمارس أمامه مستترة مرة ومكشوفة بابتذال تام مرة أخرى ، إلا أنه لا يجد حلا يخرجه من شراكها. لأنها في بعض الأحوال تكون مخرجا آنيا مقبولا لحل بعض أزمات الحكم المستعصية، في لحظة طاحنة، من لحظات تطور الصراعات السياسية وتعقدها الشديد. إن المواطن الباحث عن حلول يومية، والذي أنهكته الأزمات، لا يرى أبعد من يومه، ولا يهتم كثيرا بمعضلة ربط الأزمات ببعضها، ولا يتمكن من إدراك أن الأزمات عبارة حلقات مترابطة في سلسلة واحدة تكون تاريخ المحتمع، وترسم ملامح وجوده وخصائصه الفردية أيضا. إن سوء الإدراك، المبرر حياتيا لدى المواطن، يقابله سوء في بناء المبادئ السياسية والأخلاقية، التي يحملها المثقف والسياسي صاحب المسؤولية الأولى في مهمة تنوير وتبصير المجتمع، وفي قيادة وعيه في الاتجاه الصحيح. باتحاد هذه العوامل، نشأ وفاق ضمني، بين المواطن والسياسي والمثقف، على قاعدة مشتركة: تبجح مجاني بحب الوطن وكره جنوني لمبدأ المواطنة. شعارات براقة منافقة وكاذبة تشبه الفردوس، وحياة حقيقية تشبه الجحيم. في هذا المفصل القاتل يقف العراق اليوم.
خلاصة
سواء كان التأثير القوي للمحيط الخارجي سببا أم نتيجة، وسواء كان بسبب تهاون وتقبل العراقييين للأمر واستخدامه طوعا، أو كان مفروضا بقوة قوانين خارجية قاهرة، فإنه يشير الى أمر واحد: شدة تأثير الضغط الخارجي على تكوين الشخصية المحلية، وضعف مكونات الشخصية الوطنية، الذي أضحى لطول مزاولته وممارسته سلوكا أخلاقيا مألوفا لا يثير الاستغراب، ولا يشعر صاحبه بالحرج أو الإحساس بالمسؤولية الشخصية والاجتماعية.
ومن جانب آخر بنت القوى السياسية الأجنيبة علاقاتها مع المجتمع العراقي على هدي من فعالية هذا الإشكال البنيوي الإجتماعي، وجعلته هذه القوى إحدى الوسائل الأساسية في بناء سلطتها أو نفوذها داخل العراق. يقول حاكم بغداد العسكري الكولونيل بلفور في 22 -1- 1919 "العراق قد تعود على حكم الأجانب منذ قديم الزمان، فقد حكمه المغول والاتراك والإيرانيون لأنه لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه، ولهذا على العراقيين أن يختاروا الإنكليز أوصياء عليهم أو تحت انتدابهم او حمايتهم". (خالد التميمي- الصفوة العراقية - ص64، وهو نص تم تدعيمه بعد آخر من الأمثلة والأسانيد في ج5 من دراسة علي الوردي دراسات في المجتمع العراقي)
ولعل الكولونيل بلفور، أحد مؤسسي هويتنا القطرية، كان مثالا ملهما للسياسيين والعسكريين الأميركان. ومن المؤكد أن يكون حلفاؤهم العراقيون يشاطرونهم الرأي أيضا.
وربما يكون هذا الأمر سببا من الأسباب العديدة لانفجار ثورة تموز في العراق. فقد قامت هذه الحركة على أكتاف جيل ثالث من العسكريين والحكام، تميز عن الجيل الأول بالقطيعة عن الانتماء "المباشر" في العمل والخبرة مع جهات أجنبية (عثمانية – بريطانية)، وتميز عن الجيل الثاني في أنه يحمل رغبات أكثر خلوصا في توجهاتها العراقية، وأكثر مهنية عسكريا، وأكثر ميلا الى الوضوح في صناعة قيادة سياسية حاكمة ذات أصول عسكرية علنية. أي الحكم المباشر باسم الزعيم والعقيد والمشير والمهيب، بدلا من الحكم تحت جلباب نوري السعيد العسكري المدني، أو رشيد عاالي المدني المسنود من قبل العسكر. في تموز اتحدت العسكرة مهنة باستقلال الإرادة دافعا، في ظل نزوع عالمي الى الاستقلال، ونهوض عربي امتزج فيه المشروع القومي بالعسكري، وفي طل أزمة حكم داخلية عميقة وتحرك إجتماعي واسع. كانت حركة الجيش في تموز، في بعض وجوهها، رد فعل ذاتي وداخلي، سلبي في مضمونه التاريخي، أراد إثبات فرضية سلوكية ايجابية، هي بطلان الصفة المزمنة المفروضة بقوة من الخارج، التي وصمت المجتمع العراقي بفقدان المقدرة على انجاب حكام قادرين على إدارة السلطة من دون وصاية أجنبية.
حقا، لقد أثبت الجيش مقدرته على تمزيق تلك الصفحة التاريخية المذلة. لكنه من جانب آخر أثبت أنه لم يكن قادرا على الإجابة عن السؤال الأساسي والبديهي: وماذا بعد؟ ولم تكن آنذاك قد وجدت بعد قوة قادرة على الجميع بين الأمرين - استقلال الإرادة والبرنامج المدني الدستوري للتغيير الاجتماعي والسياسي - مما قاد الى انفتاح أبواب الجحيم كلها، دفعة واحدة.

 
 
 
 
 
من يرسم حدود العراق؟

 

 

تنويه: لا يهدف هذا النص الى دراسة مشكلة الحدود تاريخيا، وإنما يستخدم التاريخ لغرض رسم صورة مصغرة لمشكلة الحدود وانعكاس هذه المشكلة على صياغة شكل وسلوك الحاكم والسياسي العراقي مقارنة بجيرانه من غير العراقيين، وتاليا انعكاس هذه المشكلة على مشاعر المواطن العراقي وعلى ردود أفعاله المضطربة والمشتتة. إن دراسة الحاكم والمحكوم من خلال مشكلة الحدود، تمنح القارئ زاوية نظر جيدة تتيح له معرفة قوة تأثير الخارج في صناعة الصورة المرسومة عن العراق والعراقي في وعي الجميع: المجتمع العراقي، والغزاة، وسالبي حقوقه، ومراقبيهم. إن هذه العجالة البحثية لا تستقيم من دون إسهام جدي من قبل القارئ بالنقد والتصحيح والتعديل والإضافة، لأن الجانب السلوكي والاجتماعي من موضوع الحدود، وصلته بردود الأفعال الاجتماعية والسياسية، مادة لم تدرس على نحو معمق من قبل.

الجزء الأول
العراق ومشكلة الجوار
أثر الموقع الجغرافي في تطور مسارات العنف في العراق
1

تناقضات الذات وتناقضات الوطن
بالغ البعض في تحميل العوامل البيئية مسؤولية بناء التكوين العام للشخصية العراقية، ومن جانب آخر تجاهل الجميع بحث هذا الموضوع علميا، وجنحوا الى طرق سلبية في التعامل مع المشكلة، تمثلت في رفض الفكرة من أساسها، أو قبولها باستسلام من دون تمحيص؛ ولجأ البعض الآخر الى تعويم المشكلة، من طريق إهمال وجودها بحثيا والاكتفاء بنتائجها الحسيّة.
إن دراسة تاريخ القلق السياسي في العراق، الناشئ بسبب مشاكل الحدود، تكشف بيسر بالغ ارتباط هذا القلق بالعنف، وبتطور آليات وأشكال ظهور العنف هدفا ووسيلة ونهجا.
شكل المحيط الجغرافي الضاغط على العراق عاملا إضافيا مؤثرا، ساهم في صناعة أسباب الاضطرابات السياسية والاختناقات الاجتماعية، وما يرافقها من أشكال عنيفة مستخدمة لحل المشكلات الملازمة للأزمات. ولا غرابة إذاً أن نجد أحد أكثر الحكام ارتباطا بمشاكل العالم الرئيسية في مطلع القرن العشرين، السلطان عبدالحميد، الذي عاش فترة الحروب الأوروبية الكبيرة، وعاصر التقاسم الاستعماري، ورسم فكرة الاتصال والترابط الأرضي (السكة الحديد) للمنطقة باعتبارها رابطا وحدويا، والذي شهد الفصول الأخيرة لانهيار السلطنة العثمانية (جرد من الحكم عام 1909 وتوفي 1918)، يصور حوض دجلة والفرات على أنه مفتاح الدخول الى منطقة الشرق، ويرى أن وقوع وادي الرافدين فريسة بيد الانكليز يعني حصولهم على نقطة تفوّق تمكنهم من السيطرة على المنطقة بأسرها.
يحيط بالعراق طوق جغرافي متعدد اللغات والأعراق والمذاهب والتضاريس. ودول هذا الطوق متباينة الخصائص: قديمة ومستحدثة، غنية وفقيرة، ملكية وجمهورية، عصرية وتقليدية؛ سلطاتها تداولية ووراثية، دينية ومدنية، حزبية وعائلية، بعضها يشبه العراق دينيا ويختلف عنه قوميا، ومنها ما يشبه العراق دينيا وقوميا ويختلف عنه طائفيا. بيد أن العراق ليس البلد الوحيد الذي تحيط به دول عديدة، متنوعة التكوين. فتركيا على سبيل المثال محاطة بطوق عظيم التنوع الديني والعرقي والجغرافي والسياسي، مصحوب بتأريخ طويل من الصراعات الدولية المسلحة. ولكن، على الرغم من ذلك، ظلت علاقات تركيا الحديثة بمحيطها على درجة عالية من الانتظام والدقة، حتى في حالاتها الخلافية. والأهم من هذا، ان ردود فعل المجتمع التركي على نشاط المحيط الجغرافي، محسوبة حسابا دقيقا، لا يسمح بانتهاك هوية الشخصية التركية أو سيادتها وخصوصية بنائها، ولا يسهّل عملية إدامة الأحقاد وتحولها الى سلوك ثأري متصاعد ودائم النزف.
ما يميز الطوق الاقليمي العراقي أنه يحمل في ثناياه امتدادات عرقية ودينية ومذهبية واقتصادية وبيئية حيّة ونشيطة ومتفاعلة. وهي امتدادات إشكالية، للعنف السافر فيها نصيب كبير. بعض هذا العنف يتم إنتاجه محليا بشكل خالص، وبعضه الآخر مُستورد أو مشترك الإنتاج. وفي أحوال كثيرة هو عنف مُرحّل تاريخيا، لم تنزع فتائلة الدائمة الاشتعال. لذلك يرتبط حلّ الأزمات المصاحبة لهذه الامتدادات، إقليميا ومحليا، بالسلاح وحده. وفي الأعم يتجه هذا العنف داخليا، فيكون مادة محركة للصراعات المحلية، وأداة لحسم التناقضات السياسية والاجتماعية عنفيا. وربما يقترب العراق من السودان في معضلات أزمة الطوق، ولكن على نحو أكثر تعقيدا.
إن أهم ما يميز العراق أنه منطقة اللقاء المذهبي المشترك للسنة والشيعة العرب ذوي الأغلبية السكانية. لذلك هو منطقة الصدام الأولى، بحكم التكوين والطوق البيئي الطائفي: إيران ذات الأغلبية الشيعية والمحيط العربي - التركي - الكردي بأغلبيته السنية.
وفي المجال العرقي ينال العراق حصة الأسد من موضوع القلق المسلح الناشئ جراء الصراع القومي والسياسي مع القوى الكردية. والقضية الكردية مشكلة لها طابعها العنيف دائما، وجدت بحجم أكبر في إيران وتركيا، وحجم أقل في سوريا. لكنها، لسوء الحظ، حالها كحال الإشكال الطائفي، اتخذت من العراق، جغرافيا، نقطة التقاء، فصارت محطة عمل مسلح، ومشغلا سياسيا وعسكريا مشتركا للجميع، عدا سوريا، التي اتخذتها القوى السياسية في أوقات عديدة معبرا لتسريب السلاح والمقاتلين الى العراق، من دون أن تكون منطقة رد فعل معاكس على نحو جدي، كمناطق التماس التركية الإيرانية. ولكن، بعد سقوط نظام صدام حسين، تسارعت وتائرعمل القوى الكردية، بكل السبل السياسية والعسكرية، من أجل جعل الحدود السورية العراقية نقطة لقاء، ورقعة متصلة، مرتبطة بطوق عنفي وعرقي جغرافيا وسياسيا، تتمم عملية أسر العراق أسرا تاما وأبديا.

الكويت الشقيقة شوكة العراق السامة
حتى أضعف حلقات الطوق وأصغرها: دولة الكويت، تشكل عبئا عنفيّا تاريخيّا كببرا، يقف خلف تغذية مشاعر ونوازع ومكونات الصراع السياسي داخل العراق وخارجه. وفي أحوال كثيرة يقف الخلاف مع الكويت خلف خطط رفع سقف الصراع الإقليمي دوليا، وخلف تغذية الصراع الداخلي وصناعة معادلات الربط بين الداخل والخارج في وحدة عنفية فاعلة وحاسمة. مثل هذا السلوك ظهر منذ وقت مبكر حتى قبل استقلال الكويت. فقد قامت بريطانيا بمنح الشيخ مبارك هدايا - أهدى من لا يملك من لا يستحق- في هيئة أراض ومزارع وممتلكات داخل الحدود العراقية مكافأة على الثقة التي أبداها مع ال سعود في اسناد الجهد الحربي والسياسي البريطاني. وبناء على تلك الثقة أيضا قامت بريطانيا، من خلال المقيم السياسي في الخليج آنذاك بيرسي كوكس، باعلان الكويت مشيخة "مستقلة!" تحت الحماية البريطانية عام 1914. كما قدم شيوخ الكويت الدعم المسلح للفئات السنية ذات الميول البريطانية، ممثلة بنشاطات طالب النقيب في البصرة، الذي أبدى لاحقا طموحات سياسية، أكبر من الحجم المسموح له به، أغضبت السلطات البريطانية عليه، على الرغم من شدة ولائه للسياسة اليريطانية. ومن المعروف أن آل النقيب يرتبطون بعلاقات جيدة وقديمة مع آل الصباح. ففي الخلاف بين الشيخ مبارك ووالي البصرة العثماني حمدي باشا، انحاز السيد رجب النقيب الى مبارك وأرسل ابنه طالب النقيب عام 1899الى اسطنبول لغرض تأليب القيادة التركية على الوالي وتمّ لهم ذلك بعزله. وكان لطالب مطامع مبكرة، معادية لوحدة الأرض العراقية، تدعو الى فصل البصرة عن ولايتي بغداد والموصل والاتجاه بها جنوبا في تحالف خليجي.
تردد ظهور اسم الكويت كثيرا، بشكل مباشر أو غير مباشر، مرافقا لأحداث عراقية كبيرة: مقتل الملك غازي 1939، حركة مايس 1941(يستحسن تسميتها حركة نيسان)، الاتحاد الهاشمي 1957، ثورة تموز 1958، انقلاب 14 رمضان 1963، الحرب العراقية الإيرانية 1980 -1988، غزو الكويت وحرب تحريرها 1990 – 1991، حرب التعويضات والحصار 1991- ...، الاحتلال الأميركي 2003؛ وفي كل الأحداث السالفة كانت الكويت هي المنتصر في النزال، أما المجتمع العراقي فقد كان، ولم يزل، هو الخاسر النموذجي الأكبر. وحينما تلتقي مصالح الكويت الخاصة مع الطموحات الأنانية للسياسيين القوميين الأكراد والعرب أيضا، وحينما تتطابق هذه السياسة في لحظة تاريخية معينة مع نشاطات القوى الكبرى العدوانية، تتصاعد الكوارث العراقية الى ذرى تدميرية تفوق حدود الخيال، حينئذ يصبح العراق وطنا وشعبا فريسة علنية مشاعة.
لقد جرى استخدام العنف ضد الكويت بوسائل التهديد اللفظي أو الاستعراضي من قبل السياسيين العراقيين لعقود في أوقات مختلفة، حدث ذلك في ظل حكم الملك غازي، الذي وضع عام 1938أمام السفير البريطاني السير موريس باترسن مطالب عراقية، كان أحدها "عدم ممانعة بريطانية بإلحاق الكويت بالعراق" ( ورد هذا في مذكرات عبد الحميد الهلالي عن حركة مايس)، وفي ظل حكومة رشيد عالي الكيلاني، حينما طالب الكيلاني بجزيرتي وربة وبوبيان واعترض على صيغة ترسيم الحدود في معاهدة 1932 ( اعترفت الحكومة العراقية باستقلال وسيادة الكويت في 21-7-1932، وفي عام 1963جددت الحكومة العراقية اعترافها باتفاقية الحدود لعام 1932. ومن المفارقات المأسوية أن تكون الكويت نفسها قد سهلت لصدام مهمة استخدام الجزيرتين في الحرب مع إيران). كما ظهرت تفسيرات مليئة بالشك في نيّات الطرف العراقي من مشروع "الاتحاد العربي الهاشمي"، الذي رأت فيه أوساط سياسية معينة تهديدا ممكنا لمصالح الكويت، وورقة للضغط عليها في حال رفضها الدخول في الاتحاد. عاد الخلاف العراقي الكويتي الى الواجهة ابان حكم عبد الكريم قاسم، ثم وصل الخلاف الى ذروته العنفية السافرة على يد صدام حسين، أكبر المستفيدين على مدار التاريخ العراقي من تغذية المجتمع العراقي بالعنف كويتيا، سواء بتنشيط العنف الداخلي ومده بالمساعدات المباشرة وغير المباشرة، أو ينقل العنف الداخلي الى الخارج: الحرب مع إيران وغزو الكويت والاحتلال الأميركي.
إن القانون الأساسي الذي يتحكم بالمشكلتين الكويتية والكردية يقوم على معادلة واحدة، واضحة وثابتة ونمطية: إربك السلطة العراقية المركزية واشغل المواطن العراقي بالعنف تربح الأمان وتكسب معونات القوى الأجنبية! ومن المؤكد ان هذا المبدأ النافع، ولكن الشرير واللاأخلاقي، لعب دورا أساسيا في تغذية وتأصيل ميول العداء للعراق وطنا وشعبا في نفوس القادة الكويتيين والكثير من السياسيين الأكراد لأجيال عديدة، حتى غدا فنا سلوكيا احترافيا متوارثا، ونهجا لا يقاوم. وتحوّل، مع مرور الأيام، الى ضرورة سياسية وتجارية تشبه المسلمات البديهية والبضاعة الرائجة. ولم تنحصر أضرار هذا السلوك الثأري على السياسيين الكويتيين والأكراد فحسب، بل امتدت لتشمل السياسيين العراقيين كافة. فقد لعب التعاطي و"اللعب" بموضوع الصراع الحدودي والقومي الدور الأعظم في تغذية ميول الصدام والخلاف بين السياسيين العراقيين أنفسهم، المحترفين منهم والهواة على حد سواء، ومدهم بزخم عال من الجرأة على التحرك العنفي النزق وغير المسؤول اجتماعيا وسياسيا ضد بعضهم، تحت ذرائع شتى، تختفي تحتها أحيانا ميول الاستجابة للحقوق الكردية والسيادة الوطنية، أو العكس مواجهة الأطماع والأخطار، وما يرافقها من صلات قومية وذرائع متنوعة، مفضوحة الدوافع. ولم يزل موضوع اللعب بالعواطف القومية المرتبطة بالطوق الحدودي وسيلة دعائية مفضلة لدى القوى التي تناوئ حكومة المالكي وقبله الجعفري. فلا يخفي الإعلام التعبوي رفع شعار البعث التقليدي، الجاهز: الاحتلال الإيراني، كذريعة لإعلاء صوت العداء السياسي للسلطة القائمة. على الرغم من أن النفوذ الإيراني حقيقة لا تقبل النقاش، وهو جزء من معادلة الواقع الهش، الناشئ بفعل فقدان السيادة الوطنية وضعف وتآكل لحمة المجتمع العراقي والدولة العراقية.

الاحتلال: مسميّات كثيرة ونمط سلوكي واحد
إن استعراض ودراسة العلاقات الخلافية العراقية مع دول الجوار، وربطها بموجات الاحتلال وبالصراعات العرقية والمذهبية الداخلية، تكشف لنا أمورا خاصة تميز الواقع العراقي، وتشكل المحتوى الداخلي للسلوك السياسي والعسكري إقليميا ودوليا ضد العراق، وهو سلوك نمطي جدا، يتصف بالتكرارية والثبات.
أولا، الخلافات الحدودية: تختلف علاقات البلدان المتنازعة حدوديا عن علاقات العراق بجيرانه في ناحية أساسية، هي الطابع الثأري المتصاعد، طويل الأمد، المصحوب بالعنف، والمقرون بحق افتراضي إجنبي يبيح اختراق كيان المجتمع العراقي، لأسباب طائفية أو عرقية أو سياسية، وتمتـّع المخترقين بحصانة دولية تجيز أو تجوز أو تتناسى الحق الوطني العراقي في السيادة على أرضه. وفي المقابل نشأت ميول عدوانية داخلية، تستلهم هذا الحق وتعيده معكوسا في صيغة امتلاك حق افتراضي مقابل يبيح غزو الآخرين قولا أو فعلا. وفي الأحوال جميعها يستند الاعتداء الأجنبي الخارجي على ذرائع حسية داخلية حقيقية: الأتراك يهاجمون بسبب حزب العمال التركي، والايرانيون يتدخلون بسبب معسكر أشرف ومعسكرات "بيجاك " حزب الحياة، وغزو العراق أميركيا بسبب ديكتاتورية لا يريد مدللو السياسة إسقاطها بأنفسهم بالاعتماد على الشعب، بل لا بد من أن تسقط على يد محتل. أي لا بد من زرع خطيئة جديدة تعينهم على الاستمرار في الحكم كمعاونين ومأمورين، وليسوا كقادة مستقلين. ولهذا نشأ تلازم عضوي بين الشعور بضمور الإحساس الوطني وبين مشاعر فقدان الاستقلال الشخصي؛ فهما عنصران متلازمان سياسيا ونفسيا، يعضّد أحدهما الآخر. وهذه الظاهرة هي التي شكلت محتوى القيادة السياسية العراقية في بدء تكوين المملكة العراقية أيضا. إن االتاريخ يعيد نفسه، ولكن بأدوار طائفية وعرقية مقلوبة.
ثانيا، الاحتلال: تختلف أساليب الاحتلال من محتل الى آخر. بيد أن محتلي العراق جميعا اشتركوا في عادة سيئة واحدة، هي السعي الى تفكيك وإعادة تركيب العراق على مقاساتهم، وامتلاكهم حقا غير مشكوك فيه يبيح لهم حرية إعادة تأسيسه، بما يتناسب مع مشاريعهم. ولهذا السبب - تضاف اليه عوامل كثيرة هامة- اتخذ الأميركيون من العراق، وليس من حلفائهم الثابتين في مصر والأردن والخليج، مختبرا عمليا لتنفيذ فكرة "الشرق الأوسط الجديد". لأن العراق في نظرهم عجينة سكانية وجغرافية واجتماعية وسياسية وثقافية مطاوعة أكثر من غيرها، تبيح لهم حرية تجريب واختبار والتدرب على تنفيذ المشروع الدولي: السير بالحرب شرقا أو غربا أو الى أي مقصد تحدده خرائط الطريق.
ثالثا، رد الفعل الداخلي: في ظروف العراق عامة تتفاوت وتتعارض وتتناقض في أحيان كثيرة ردود الفعل الاجتماعية (الشعبية) الداخلية مع مواقف النخب القائدة والحاكمة فيما يتعلق بموضوعي الاحتلال والخلافات مع دول الجوار. لكنها في النهاية تصل الى نتيجة واحدة، هي الاستجابة بالقهر أو القبول الاستسلامي للنتائج العامة المتحققة على أرض الواقع. ومن هنا نشأ الصراع النفسي الاجتماعي، الذي يحاول الإجابة عن السؤال المثير القائل: أيهما يخلق الآخر، أرض الواقع هي التي تخلق مزاج ونفسية المجتمع، أم أن ميول ومزاج القبول بالنتائج، التي يتمتع بها المجتمع، طائعا أو مرغما، والتي يتخذها سلوكا يوميا، هي التي تصنع الواقع العنفي، وتاليا هي التي تحدد نوايا وعلاقات وسبل حل المشكلات من قبل الآخرين المختصمين مع المجتمع العراقي أو القادمين اليه كمحتلين؟ من يحدد من؟ إن دراسة الواقع العراقي باعتباره كلا موحدا، وليس مجرد عينات استعراضية مقتطعة من سياق، يقود الى نتيجة واحدة: لا أهمية كبيرة لإشكالية تحديد الأولوية هنا. لأن الأفعال والممارسة الاجتماعية طويلة الأمد تخلق سلوكها الخاص، الذي يؤثر بدوره في مواقف الآخرين (الخصم أو المحتل أو الطامع). وبسبب هذا ينشأ ضرب من الاتفاق والتداخل في تأثير الدوافع، يجعل من المتعذر فك عقدة المسبب الأول والثاني. إن إلقاء نظرة على تأثير وطريقة فعل طوق الجوار على المجتمع العراقي، وأسلوب تعامل المجتمع العراقي وردود فعله تجاه السلوك القادم من خارج الطوق، تمنحنا فرصة مقبولة لرؤية طبيعة التفاعل والانسجام في مجرى تنفيذ الأفعال داخليا، التي صنعت في المحصلة النهائية ورسمت الصورة السلوكية للداخل والخارج معا، وكونت تاريخيا أشكال تنفيذ الأفعال والردود المحتملة على فعل معين، سواء جاءت في هيئة احتلال أو خلاف حدودي أو انقلاب داخلي.
رابعا، الاستقلال وضعف الإحساس بالمواطنة: إن هشاشة الأوطان متأتية من هشاشة روابط الذات الاجتماعية. إن ما يميز السياسي التركي عن العراقي مثلا هو أن الأول تعلم فن إدارة الصراع، ولم يسمح للآخرين من خارج المجتمع التركي، بأن يقودوا الصراع الى الوجهة التي يريدونها، كما يشاؤون وأنّا يشاؤون، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي والمتفاعل السلبي مع الحدث، كما هي حال السياسي والمثقف العراقي. على الضد تماما من الشخصية العراقية، تخصص الأتراك في فن ولعبة التناقضات، وأضحوا خبراء دوليين في موهبة الوقوف النفعي والمحايد ظاهريا بين أشد الأطراف المتصارعة: إسرائيل والعرب، أميركا والعراق، إيران والعراق، الأكراد والعرب، التركمان والأكراد، أوروبا والإسلام، السنة والشيعة، سوريا وأميركا، أميركا والمفاعل النووي الإيراني، المعارضة السورية والحكومة السورية، المعارضة الليبية والحكومة الليبية. حتى أنهم أضحوا عنصرا ايجابيا مرنا يسهم في تنفيس وحل بعض التعقيدات السياسية والأزمات العميقة، ومنها أزمات إخفاق العراق في إدارة نفسه داخليا وإقليميا ودوليا. وإذا كان السياسي التركي يستفيد من الأزمة بتحويلها الى مادة للنفع وتبادل المصالح، وتحوّله الى وسيط نشيط وفعال، فإن السياسي العراقي يغرق في الأزمة، ويصبح هو نفسه مادة لفعل الآخرين، حينما تتحول الأزمة على يديه مادة مغلفة بتعبيرات فارغة مبالغ في جانبها اللفظي الى حد الهوس، لكي يستر بها فقدان الإرادة الواقعية، الموضوعية، المتحققة على الأرض فعليا. وهذا يعيدنا مجددا الى إشكالية التناقض الداخلي في تركيبة المجتمع، والى ما عرف بازدواج الشخصية: التفريط في السيادة عمليا والمبالغة المتطرفة بها لفظيا.
يفشل السياسي العراقي أيضا عند المقارنة مع السياسي الإيراني في فن التعامل مع الأزمات الخطيرة. إن الثبات والوضوح المقرونين بالمرونة الذكية يجعلان مقدرة الإيراني على المناورة السياسية، تصعيدا أو تلينا، ذات قيمة سياسية فعالة ومنتجة عمليا، تستحق الاحترام والتأمل.
ويفشل السياسي العراقي عند المقارنة بحكام يديرون دولا أقل حجما من بلادهم ، كحكام الكويت، ناهيك عن السوريين، الذين يجيدون فن إدارة الأزمات الخارجية الصعبة أيضا.

إمتدادات جغرافية ومعضلات مُرحّلة
يحمل الامتداد التركي في العراق طابعا استثنائيا، بسبب البعد التاريخي الناشئ من وقوع العراق قرونا عديدة تحت السيطرة العثمانية، وبسبب تحدّر معظم النخب السياسية العليا من البيئة التركية، ووجود سلسلة من المؤثرات العميقة الداخلية، طائفية وعرقية وبيئية. إن تعبير "وادي دجلة والفرات"، المتداول في اللغة السياسية العثمانية، يحمل وحدة ضمنية بين العراق وتركيا بيئيا، بصرف النظر عن التقسيم السياسي. كما أن ضيق إطلالة العراق على المنفذ البحري وارتباط تركيا بأوروبا جغرافيا، واضطراب علاقة العراق بمحيطه العربي (سوريا والكويت خاصة)، والثبات النسبي للأوضاع السياسية في تركيا، وحسن تطورها السياسي والاجتماعي قياسا بالعراق، منح تركيا سلطات واسعة على الواقع العراقي.
وعلى الرغم من خسارة الدولة العثمانية الحرب وهزيمة قواتها على يد بريطانيا في العراق، وإقرارها بنتائج الحرب، إلا أن تركيا لم توقف نشاطاتها العسكرية ضد الأراضي العراقية تماما، حتى بعد احتلال العراق عسكريا من قبل القوات البريطانية ووقوعه تحت الانتداب. فقد قامت القوات التركية باقتحام مناطق زاخو والعمادية مع بدء تكون المملكة العراقية، لكنها انسحبت بعد تدخل الحكومة البريطانية. وهي المنطقة عينها التي اعتادت القوات التركية التغلغل فيها باتفاق مع حكومة البعث. وقد لعب رؤساء وزارء العراق الأوائل دورا في ترسيم الحدود مع تركيا، فقد كان لعبدالمحسن السعدون دور مهم في تثبيت الحدود مع تركيا، فيما يتعلق بولاية الموصل والمناطق المتنازع عليها. وأرسل طه الهاشمي، رئيس الأركان في حكومة أخيه ياسين، الى اسطنبول ممثلا عن العراق لإجراء مذكرات مؤتمر الحدود، على الرغم من أن السبب الحقيقي كان منع سيطرة الأخوين على مقدرات الجيش، ولفسح المجال أمام نوري السعيد لكي يكون مشاركا عسكريا في الحكم. وقد أبرمت الحكومة العراقية اتفاقية سرية في 25 اب 1978 تسمح للقوات التركية بالتوغل داخل الأراضي العراقية. ولم يزل هذا الأمر ساريا، ولكن باتفاق ضمني، غير معلن، حتى بعد سقوط صدام.
لهذا السبب، نعتقد أن السياسيين الأتراك لم يرفضوا دخول القوات الأميركية من جنوب تركيا الى العراق لأسباب سياسية وتاريخية تتعلق بالمصالح العميقة القومية والدينية والتجارية التي تفيد منها تركيا فحسب، بل أيضا بسبب اعتقاد السياسيين الأتراك أن دخول قواتهم الحكومية حق شرعي لهم وحدهم، لا يرغبون أن يختلط أو يتم تقاسمه مع شريك آخر. بهذا التدبير الحاذق والمزدوج، الطيب والشرير، تستمر تركيا في سيطرتها - رعاية مصالحها- المبررة خارجيا، والمقبولة من قبل ما يعرف بالمجتمع الدولي. وفي الوقت نفسه يبدو النشاط العسكري التركي في عين العراقيين خاليا من العدوانية المباشرة، وتبدو تركيا في نظرهم معنية بمحاربة أعداء داخليين لها، وجدوا خطأ أو اتفاقا على الأرض العراقية. هذا التواطؤ السياسي، إقليميا ودوليا ومحليا، لعبة يشترك فيها خصوم ومتنافسون وأعداء وأصدقاء، لكل واحد منهم دور محدد يتقرر بموجبه تحديد مكانته في أعين المقيّم الأميركي. وإذا كان الجانب السياسي يخضع للعبة تقاسم النفوذ والسلطة، فإن الجانب القانوني من اللعبة هو واحد من أغرب التجويزات الحقوقية، التي تضفى الشرعية على انتهاكات عدوانية لسيادة شعب ما في القوانين كافة، الدولية والمحلية. لكن شذوذ هذا التجويز القانوني، واستثنائيته المتعارضة مع المواثيق الدولية، لا يعكس سوى أمر واحد: صورة المجتمع العراقي في أعين الآخرين، باعتباره وطنا مخترقا، لا يملك هوية قانونية معترفا بها. أي إنه وطن بهوية مفصلة على مقاسات الجنرال مود، وعلى يد من سبقوه ولحقوه من الغزاة. إن هذه الحالة الوطنية الشاذة، لطول ممارستها، غدت هوية ثابتة، تكاد أن تكون قانونية، والأهم من هذا أنها أضحت مسلمة مقبولة عند الجميع، وأولهم المواطن العراقي، سواء جهر بهذا أو كتمه، أو عارضه.
علاقة الأردن بالعراق علاقة فريدة، ذات أبعاد دفينة. إن العراق الحديث هو ابن العم، في منظومة الحكم العائلية الهاشمية. تحمل هذه العمومة قدرا كبيرا من المشتركات السياسية من خلال الراعي الأكبر، السياسة البريطانية، التي دفعت الى خلق وحدة سياسية بين البلدين، تحت هواجس واقعية: الخشية من انفلات العراق من القبضة البريطانية. وقد جرت محاولات جدية لقيام مثل هذه الوحدة في المحيط العربي بين العراق والأردن وسوريا تحديدا، لولا المنافسة السعودية الشديدة والحذر الدائم. وقد لعب الصراع في إطار العائلة الهاشمية الكبيرة دورا في إبعاد الشريف شرف عن الوصاية على عرش العراق، الذي فرضه التغيير الذي قادته كتلة رشيد عالي الكيلاني في العاشر من نيسان 1941، والذي لم يدم طويلا، فقد تم إعادة تنصيب الأمير عبد الإله، الوصي السياسي، المكروه شعبيا، بعد القضاء على حركة نيسان 1941. وقد تم تدعيم تلك العودة بتأييد من أفراد العائلة المالكة، وبإقرار مباشر من الملكة نفيسة، التي تذكرت، بعد مرور عامين على مصرع ابنها الشاب، الملك غازي، الذي تفترض الرواية العائلية أنه شعر بموته مبكرا، فـ "أوصى" بعبد الإله قيّما على عرش العراق في حال غيابه، المتوقع! إن سقوط أبناء العم المباغت والعنيف في العراق، ترك أثرا عميقا سياسيا وعاطفيا على القيادات السياسية الأردنية، لا يمكن التخلص منه أبدا. كان مقتل العائلة المالكة المفاجئ، وسقوط رمزيها الأساسيين في لحظة واحدة: الملك والوصي السابق، قد شل حركة القوات الأردنية ومنع القوات الاجنبية من التحرك لنجدة العائلة المالكة. كان سلوك عبد الإله في ساعات التحرك العسكري الأولى يشير الى أمل ما (نجدة متفق عليها) قد يأتي عبر الحدود العراقية الأردنية.
لذلك لا يجوز استبعاد عامل التجربة عند الحديث عن نجاح خطة التحرك العسكري في تموز 1958 وما رافقها من عنف. فإصرار عسكريي تموز على عدم إعطاء عبد الإله فرصة للهروب، واستعدادهم لمواجهة خطر التدخل من منفذي البصرة والحدود الأردنية، كان عاملا حاسما في نجاح مخطط إسقاط السلطة الملكية. بهذا التدبير القاسي ربما أرادوا أن يصححوا الأخطاء التي وقع فيها عسكريو حركة نيسان 1941، الذين لم يتنبهوا الى خطر فرارعبدالإله، ولم يستعدوا جيدا لمواجهة خطر القوات البريطانية، التي قامت بعملية إنزال في البصرة، بينما تقدمت قوات غلوب باشا على رأس بعض الوحدات الأردنية من الحدود الغربية، ساندها يعض الدعم الداخلي (قوات الليفي). وبذلك تم تطويق العراق من جبهتين، مما أربك قيادة الجيش العراقي وعجل في هزيمتها.
في تلك الأحداث هرب عبدالإله عام ليلة 1-2 نيسان 1941 بملابس النوم، ونقل الى قاعدة الحبانية بواسطة الوزير الأميركي المفوض في بغداد، الذي اصطحبه بسيارته، ثم نُقل الى البصرة جوا، وتوجه بعد ذلك الى الأردن، ومن هناك بدأ الانكليز والوصي بترتيب الموقف، فأعيد احتلال العراق عسكريا للمرة الثانية.
وإذا كانت المملكة الأردنية هي الشريك العائلي، فإن السعودية هي الخصم العائلي التاريخي. وهي خصم مزدوج. بيد أن الأيام تمكنت من تخدير مشاعر المنافسة القوية، المصيرية، بين القوى المتصارعة في الجزيرة العربية، حينما أقرّ آل سعود رسميا بحكم الهاشميين في العراق والأردن، واعتبروا تلك القسمة نتيجة مقبولة منحتهم السيادة شبه الكاملة على الجزيرة العربية، ومنحت خصومهم ربحا ملموسا أيضا، سيادة وأرضا، ولكن خارج منطقة النزاع الأصلية. وبموجب ذلك تم إعلان عبد العزيز آل سعود ملكا على الحجاز عام 1926، وتم اعلان استقلال نجد والحجاز بعد عامين، ثم أعلن رسميا تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1933، مما جعل آل سعود يعودون الى التنسيق مع منافسيهم الهاشميين بحذر، ولكن من دون عداوات كبيرة، تحت المظلة البريطانية، وبعد حين تحت الهيمنة الأميركية. بيد أن الخصام الطائفي وتحديد من يشغل الدور الريادي في المنطقة، وطبيعة توجهات أنظمة الحكم، كانت وستظل نقطة تنافس كبيرة، ليس لكون السعودية تنافس العراق مذهبيا من خلال الطائفة السنية فحسب، بل لكون البلدين يعتبران مركزا تاريخيا لوجود الرموز الدينية الإسلامية العليا ومحاجها، وما تتضمنه هذه الرموز من خلاف في التفسير العقائدي للرمز الشيعي تحديدا، الذي يرى فيه الوهابيون وامتداداتهم من التيارات السلفية التكفيرية ضربا من "الشرك". يضاف الى ذلك التنافس على الدور السياسي والاقتصادي ( لعب الدور القيادي، والتحكم بالتصدير والاحتياطي النفطي، والتنافس على سبل تحريك اتجاهات المنظمة النفطية الدولية). إن السعودية نموذجا للحكم وبناء ثقافيا، وليس سلطة فحسب، قطب أساسي في معادلة التطور التاريخي للمجتمعات العربية كافة. وهي العنصرالسلبي الفاعل في عملية جر حركة الشعوب العربية الى الوراء، من طريق أسر حركتها وتكبيلها بروابط التخلف الاجتماعي والثقافي، باسم نظام عائلي كهنوتي مغلق، متحدر من بقايا ثقافات بائدة مختلطة بمظاهر قشرية، استهلاكية وتزينيّة، مجلوبة من الغرب، مسنود بإرادة الرأسمال العالمي وأجهزة القوة العالمية. إن تفكيك بنية نظام الحكم السعودي هو الحلقة الأساسية الضرورية في حلقات فتح مغاليق العجز التاريخي، الكابح لعنصر التطور الاجتماعي العربي عامة. إن إزاحة بنية ثقافية سياسية اجتماعية صنمية، رمزا وواقعا، ذات تأثير وثقل مادي وروحي كبيرين إقليميا وعربيا، خطوة قومية أكثر أهمية من تحرير فلسطين، لأنها تقود الى ذلك والى ما هو أبعد.
لقد تعرضت مدن وحواضر العراق الى اعتداءات وغارات الوهابيين في أوقات عديدة. ففي عام 1801 تعرض العراق الى هجمات عنيفة وغزوات قادمة من مناطق نجد تهدف الى تخريب واستباحة المناطق الجنوبية الغربية للعراق، وإلحاق الدمار بها. وفي 12 آذار 1922 تجددت الهجمات على نحو مكثف وعنيف. فقد هوجمت مناطق في الناصرية وأوقعت سبعمئة قتيل من العراقيين، ونُهب أكثر من سبعمئة بيت. كان وقع تلك الهجمات مثيرا للدهشة، بسبب كون العراق يقع آنذاك تحت الاحتلال البريطاني المباشر، وبسبب الصلة المعروفة التي تربط المندوب السامي البريطاني في العراق بيرسي كوكس بآل سعود. قام الطيران البريطاني بتعقب المغيرين، لكن الرد البريطاني - سياسيا وعسكريا- لم يكن جديا. وقد أثار هذا الحدث شكوك الملك فيصل في نوايا بيرسي كوكس. وسرعان ما اكتشف الملك أن بعض القادة العراقيين يؤيدون رأي كوكس القاضي بأن بريطانيا غير مسؤولة عن حماية حدود العراق الغربية إلا من خلال الإسناد الجوي، وهي اللعبة عينها التي يلعبها السياسيون العراقيون الآن ضد شعبهم في موضوع الاتفاقية الأمنية.
ورغم أن ابن سعود أنكر علمه بالغارات وتوقيت تنفيذها، إلا مباحثاته مع بيرسي كوكس أوضحت أنه كان ذا أطماع جدية في الأراضي العراقية. فقد اشترط أن تكون حدود مملكته ممتدة حتى نهر الفرات. وهي عين المنطقة التي تعرضت للغارات. اجتمع كوكس وابن سعود في منطقة العقير، على ساحل الخليج العربي مقابل البحرين في 27 تشرين الثاني 1922 ، وتم الاتفاق على إنشاء حدود وهمية باسم منطقة الحياد "قطعة البقلاوة!". وقال كوكس أنه منح ابن سعود بعضا من أراضي الكويت. (علي الوردي- لمحات من تاريخ المجتمع العراقي- ج6 ص 158)
كثرت التفسيرات المتعلقة بالتساهل البريطاني في مواجهة الغارات السعودية، وكثرت التفسيرات حول التعارض بين بيرسي كوكس والملك فيصل الأول، الذي واجه بتلك الغارات امتحانات متعددة شخصية ورسمية، محلية وإقليمية، كما واجه امتحان الثقة بينه وبين الشعب، وبينه وبين من نصبوه، وبينه وبين الجماعات السياسية المقربة من مواقع الحكم والقرار. بيد أن التفسير الأكثر جدية، الذي يراه الدارس واضحا الآن، بعد ما يقرب من قرن، حينما اقتربت مواعيد انتهاء اتفاقيات الاحتلال الأميركي للعراق، ربما يمنحنا بصيصا جديدا من الضوء لفهم هذا الإشكال المعقد. كان بيرسي كوكس يحاول امتحان إرادة العراقيين، من طريقين، أولا: التأكد من أن سياسة تعديل مجرى التحالفات قد تم لصالح مشروعه، الذي أرسل من أجل تنفيذه، وهو إعادة بناء الأدوار الاجتماعية بطريقة جديدة بعد ثورة العشرين، من طريق شراء القبيلة سياسيا، وبدء تحويل ولاءها طبقيا واجتماعيا وعقائديا من خلال عقود الأرض والملكية والسلطة، أي اتحاد المال بالسلطة. فقد أضحى شيخ قبلي مثل حبيب الخيزران من معارض وجل الى "متعاون مؤتمن" تحت تأثير هذا الميل الجديد. وهذا التغيير انعكس أيضا على اصطفاف الجماعات السياسية المتسيدة للمراكز العليا - إعادة توزيع الأدوار بين السياسيين الشريفيين وبين الذين لم يلتحقوا بقوات الشريف حسين من مختلف الإتجاهات – وإعادة توزيع الأدوار بين المؤسسة الدينية (المرجعيات) والعشائرية، وبين العرش والمجتمع (ضبط التوازن بين العرش العربي كرمز للاستقلال لدى المواطن العراقي، وكرمز للولاء التام لولي النعمة، واهب العرش، في نظر بريطانيا)، وفي الأخير إعادة توزيع الأدوار إقليميا وفق معادلات القوة، التي يتم توزيع منسوباتها بريطانيّاً. ثانيا: على المستوى العسكري، كانت جاهزية وفعالية وطريقة بناء الجيش العراقي وعقيدته القتالية، هي الصورة الأساسية التي أرد كوكس إظهار عيوبها ونواقصها علنا، وحسيا، بأمثلة دموية ، لكي تظل القوات البريطانية مصدر الثقة الرئيس في تحقيق الأمن الاقليمي والداخلي العراقي. علما أن هذه القوات بنيت على أيدي البريطانيين أنفسهم، أي إنهم هم من يؤسس ويضع معايير الفعالية والصلاحية ومداها. باختصار كانت لعبة الوهابيين مرتبطة أشد ارتباط بمعاهدة الحماية البريطانية، كما أن لعبة الإرهاب والتفجيرات والخلافات الحزبية المتصاعدة الآن، هي عنوان مرحلة توقيع الاتفاقية الأمنية العراقية الأميركية، وسبيل من سبل إعادة التوزيع الطائفي والعرقي والمناطقي سياسيا، على ضوء حجم وطبيعة الوجود الأميركي.
كانت غارات الوهابيين أبرز اختبار وطني للعراقيين أعقب ثورة العشرين ذات الشعارات الوطنية الجامعة. وبصرف النظر عن كون بريطانيا على دراية مسبقة بهذه الهجمات أم لا، فإنها كانت المستفيد الأكبر، لأن الهجمات أعطت الانكليز فرصة لوضع الملك الجديد في الاختبار الأول الخارجي والداخلي معا. فآل سعود يمثلون تهديدا مزدوجا للملك الجديد. فإذا كانت الغارات الوهابية تمثل تهديدا خارجيا خطيرا فحسب، في حسابات المواطن العراقي، إلا أنها تمثل تنازعا عائليا قديما على السلطة في حسابات العائلة المالكة، وتمثل تهديدا خارجيا راهنا يستهدف المكانة السياسية، وحدود الحكم الهاشمي. وربما كان الاختبار البريطاني أبعد غورا من هذا. فقد كان مؤشرا جديا أثبتوا فيه صواب خططهم الرامية الى تمزيق المجتمع العراقي من الداخل. وقد أثبت الموقف من الاعتداءات تحقق هذه السياسة. فللمرة الأولى يكتشف علماء الدين والمراجع أن سيطرتهم التقليدية على العشائر قد تزعزعت لصالح التدبير الجديد للمحتل البريطاني. وقد لعبت العشائر لعبة ماكرة بادعائها الحياد السياسي، وعدم رغبتها في الزج بأبنائها في المعارك السياسية. (خالد التميمي- الصفوة العراقية بين الفشل والنجاح - ص313 ) أي أنها جيّرت ولاءها بشكل صريح لصالح الإدارة البريطانية، ولكن باسم شعار صحيح من حيث المبدأ: الحياد السياسي، وهو هدف أساسي من أهداف السياسية البريطانية، تم تدعيمه بعامل آخر هو فصل قبائل العرب السنية عن الشيعية، وإحكام السيطرة على ولاء قبائل الدليم وما يحيط بها. لقد ترافق هذا كله مع وظيفة الدولة الجديدة، التي انيطت بها مسؤولية بناء جيش جديد يتولى مهام القمع الجماعي ضد الكتل الكببرة: كردية، عربية، تركمانية، آشورية، باسم الدولة. إن هذا التغير في المواقف ورود الأفعال، الذي بدا للبعض تطورا باتجاه مدنية الدولة، أغفل الجانب السلبي من هذا النهج، ونعني به ارتباط هذا المسعى بمراحل الصراع العسكري السياسي من أجل إحكام سيطرة البريطانيين على مقاليد الحكم من الداخل، وهو عين ما حدث عقب الاحتلال الأميركي: استخدام التناقضات الطائفية والقبلية والعرقية، لتحقيق مصالح سياسية، بصرف النظر عن أثر هذه المحركات في استقرار وتطور بنية المجتمع.
تولت السعودية مهمة التحضير الأرضي للقوات الأجنبية في عملية عاصفة الصحراء، وتولت قواتهم العسكرية قيادة العمليات الحربية للوحدات العربية الداعمة،أما إسهامها المالي في نفقات عاصفة الصحراء فقد بلغ 13 مليار دولار. وفي حرب احتلال العراق عام 2003 قامت السعودية مجددا، كما يقول جورج بوش في مذكراته، بإعداد ترتيبات المعركة إقليميا وعربيا تمهيدا للغزو. وقد لعبت السعودية أدوارا لا تقل ضررا على الشعب العراقي، ولكن في الخفاء، منها ما ذكره الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف، وهو يفسر سبب انقلاب عبدالرزاق النايف، مدير الاستخبارات العسكرية، المقرب من الرئيس، الى عدو متآمر، قاد الانقلاب الذي غير مصير الشعب العراقي بأكمله: " اشتروه –الشركات الاجنبية- من خلال العربية السعودية وبواسطة الوسيط بشير طالب، الملحق العسكري في بيروت والقائد السابق للحرس الجمهوري، وناصر الحاني، السفير العراقي في لبنان" ( العراق- حنا بطاطو- الكتاب الثالث- ص 390)
اما الامتداد السوري فهو على درجة عالية من العمق والتعقيد والتداخل، لأنه امتداد مباشر للسياسة العراقية وللحياة الحزبية وروابطها المشتركة. وفي أحوال كثيرة اعتبر البعد السوري جزءا من الصراع الداخلي بخيره وشرّه، وإن كان شرّه أعظم بروزا على الجانبين، العراقي على نحو أكبر. لم ينجح مشروع الملكية الهاشمية في سوريا، لأسباب عديدة، هي ما يميز سوريا عن العراق. كان الرفض الداخلي لحكم الهاشميين واضحا قياسا بالقبول العراقي الواضح. وكان شعار "سوريا للسورين" أكثر عمقا وأقرب الى الواقع من شعار "العراق للعراقيين"، الذي رفعه أشهر الموالين لسياسة الاحتلال من العراقيين: طالب النقيب، الذي نجح مؤقتا في خداع واستمالة بعض العراقيين، الذين أغراهم بريق الشعار، كالشاعر العراقي معروف الرصافي، الذي استدرج للعمل في صحيفة ممولة من قبل النقيب لهذا الغرض. كما أن وجود سوريا تحت النفوذ الفرنسي، لم يشجع على قيام ملكية، لأن النظم الاستعمارية تقيم مستعمراتها، في الأعم، على نمط نظام حكمها، كلما كانت الأمور مؤاتية، وكانت سوريا من حصة فرنسا طبقا لنصوص معاهدة سان ريمو. كانت سوريا مصدرا أساسيا للعنف القائم في كيان المجتمع العراقي بشكل مباشر، أو من طريق امتدادات العنف الحزبي بعثيا، في صفوف الفرع العراقي للبعث، وفي صفوف الفصائل القومية، الذي حُلّ في الغالب بطرق دموية وقاسية: تصدير واستيراد مشروع الوحدة، انقلاب 14 رمضان 1963، صراع جناح علي صالح السعدي ضد جناح حازم جواد، الخلاف داخل البيت العارفي، تقييد ثم إنهاء وجود فؤاد الركابي، وتدجين ما عرف بالبعث اليساري المرتبط دعائيا بصلاح عمر العلي، وتصفية ما عرف بالخط السوري: عبد الكريم مصطفى نصرت، والمؤامرة السورية: مجموعة محمد عايش، وقتل عبدالخالق السامرائي، البديل العراقي للارادة الحزبية القومية. وفي الحقب المحتدمة من الصراع السياسي في العراق أخذ التدخل السياسي والعسكري صفة مباشرة في بعض الأحيان. حدث هذا في انقلاب الشواف 8 اذار 1959. فقد نشطت الاستعدادات في القامشلي وحلب ودمشق لتهيئة مقدمات الانقلاب، وجرى تخزين السلاح في (تل كوجك) في سوريا على الحدود العراقية، كما كان البث الاذاعي للانقلابيين يصدر من سوريا. وعبر الوسيلة ذاتها تم شراء نفوذ بعض الزعامات القبلية وتجنيدها ضد الحكومة المركزية، مثل شراء ولاء الشيخ عجيل الياور(هذا سبب مكافأة العائلة من قبل الأميركان عقب الاحتلال). وقد تولى مسؤولية أعمال التعاون بين الانقلابيين والقيادة العامة في الجمهورية العربية المتحدة المقدم (برهان أدهم)، قائد المنطقة العسكرية الشمالية في سوريا ( أوريان دان – العراق في عهد قاسم- ص 217- 214)
وربما تكون إيران هي النقطة الأكثر سخونة تاريخيا في علاقات الجوار. فإيران والعراق لا يملكان خطا حدوديا طويلا حسب، بل يملكان عمقا وتداخلا تاريخيا طويلا أيضا، يمتد لآلاف السنين، يقوم على تداخل الشأن السياسي بالجغرافي والعرقي والمذهبي والثقافي. كان العراق لفترات طويلة قبل الإسلام وبعد ضعف الدولة العباسية، ثم بعد انهيارها، منطقة نفوذ إيرانية مباشرة، خضع المجتمع العراقي فيها للسيطرة الإيرانية الفعلية. بيد أن هذا الصراع كان يغلف دائما، بصيغة قومية (الفرس)، ويُدفع من قبل الاتجاهات القومية العربية المتعصبة الى صيغة بدائية سابقة للإسلام (المجوسية)، وهو أمر لم نره في الصراع مع تركيا. وهنا، نرى أن العامل الطائفي، ممزوجا بالأوهام القومية (عربستان) - رأى الشيخ خزعل أنه أحق الناس بتولي مملكة العراق ، بسبب ولائه لبريطانيا، وبسبب كونه ولد على ضفاف شط العرب!- كانت عنصرا حاسما في تلوين الخطاب السياسي العراقي الحاكم بألوان عرقية وعقائدية، وربما كانت سببا إغرائيا مضاعفا، قاد الى اهتبال النظام العراقي لحظة الضعف العسكرية عقب سقوط الشاه، فعجّل بغزو الأراضي الإيرانية، ليجعل من نفسه البديل الإقليمي، بتأييد من الخصم الأكبر لإيران الاسلامية: الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن هذا الوضع ازداد تعقيدا عقب سقوط صدام. فقد أضحى الأميركيون يديرون الشؤون السياسية والمناورات العسكرية الإقليمية من بغداد مباشرة، ولكن بوجود قوى سياسية عراقية حاكمة تُتهم بمولاة إيران. هذا التعقيد الجديد جعل معضلة العراق الجديد لا حل لها، من دون إجراء تسوية إقليمية متكاملة. أي إنه جعل العراق الممزق ورقة من أوراق صراع جديد أوسع من حدود المجتمع العراقي، وأعقد من أن يتمكن العراق بمفرده تعديله أو تغيير مساراته. باحتلال العراق أضحى العراق أسيرا كامل الأسر بيد قوى المنطقة كلها، صغيرها وكبيرها، وبدرجة أولى بيد القوة الأعظم: المحتل الأميركي.
لكن المحيط الخارجي المتنوع، حاله كحال التكوين الداخلي المتنوع، الذي يتميز به العراق، يكون مصدر خير ومصدر نقمة، على ضوء الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الظاهرة، وعلى ضوء الطرق التي يدير بها نفسه. فهو دليل تنوع وعمق وثراء وتلاقح خلاق مبدع وحيوي في الأوقات السلمية والهادئة وعند الاستثمار الايجابي لعناصر الواقع المتنوعة. لكنه يغدو نقمة عند اضطراب البنيان الأساسي للمجتمع، وفي ظروف الاضطراب السياسي. وهنا تكمن الجريمة المحورية والقاتلة وطنيا، التي "اقترحتها" وارتضتها المعارضة العراقية: حل الجيش العراقي وتحطيم أسس الدولة العراقية. أي وضع المجتمع العراقي بتكوينه المضطرب في وجه العاصفة، وتجريده من أسواره الخارجية، بصرف النظر عن كون هذه الأسوار صالحة أو طالحة، سيئة أو حسنة البناء. بهذا الهدم المدروس، الربحي والانتقامي الدوافع، غدا المجتمع العراقي كله، الضعيف والمفكك أصلا، مكشوف اللحم، ومادة سهلة للنهش والافتراس المجاني، العلني.
يليه الجزء الثاني

 
 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (699)   26/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
باربي ربّانية!

 

"احذر مسيلمان!"


يقول أبي الكادح البسيط، شبه الأمي، الذي لم يعرف من العالم سوى التحرك في مثلث الموت الذهبي: البيت، العمل، المسجد. هو يسمّيه مثلث الحياة. أنا وفرويد وفولتير نسمّيه مثلث الهروب من الحياة: بستان كانديد، وألهية فرويد التخديرية، والغرق القدري في لجج الحياة، كما عشته ورأيته بنفسي.

"احذر مسيلمان!" يختتم أبي نصائحه الثمينة بهذا القول، الذي يشبه الحكمة البسيطة، العامية، البليغة، ولكن المحيّرة. كان يستخدم حكمته، بعد أن يكسيها قدرا مميزا من الدعابة والمحسنات البديعية اللفظية، السجع غالبا، لكي يجعل رنينها مخالفا لوقع الجملة اليومية المستهلكة. كان يستخدم حكمته تلك في المواقف الحاسمة كافة: البيع والشراء، المواثيق، عقود الأمان، التعامل اليومي، وحتى الخلافات العائلية، وأحيانا يطبّقها على الأحداث السياسية والأحداث الدولية، عدا الخلافات مع النظم الشيوعية. في هذه الجبهة تحديدا يتوقف مفعول الحكمة السحري. فالشيوعية، العدو الوحيد والأخير في قائمة أعداء أبي القصيرة جدا، كانت خصما لا يقبل المساومة، لا تسري عليها قوانين الحكم والأمثال، الصالحة والطالحة.
كنا نحن، أبناء الزمن العراقي المريب والدائري، المتوازن ظاهريا، المشحون بالريبة والعداوات داخليا، ننظر الى تلك الحكمة "الغريبة المتناقضة"، نظرة "غريبة متناقضة"، فيها قبول استسلامي وتساؤل فكاهي غريب ومتناقض. فيها تلذذ وراثي، ودهشة مكررة تكرارا دائم التشويق. حتى أننا كنا، في نهاية الأمر، نتركها تذوب في المحيط الاجتماعي "الغريب والمتناقض" الذي أنجبها، ولسان حالنا يقول: منه أتت واليه تعود.
"دير بالك من مسيلمان!".
نتساءل ببراءة: "ماذا نحذر من مسيلمان؟"، فيأتينا الجواب عن هذه البراءة المشاغبة مطلقا وباترا، لا يقبل التأويل: "كل شيء. وكل شيء تعني كل شيء، أي كل شيء".
"لماذا؟".
هنا يحضر الجواب التاريخي الأعظم. الجواب الأكثر وضوحا وصراحة، الذي فسر للبشرية عبر العصور معضلاتها الكبرى: صمت مقرون بابتسامة غائمة.
الابتسامة تأتي محيّرة، غريبة ومتناقضة أيضا، لا يعرف المرء إن كانت ابتسامة حكمة أم كانت مكرا ودهاء، أم شفقة، أم جهلا! أمّا الصمت فهو لحن فطري، يكاد يشبه مؤامرة تنسج ضد ضجيج الخطايا، لا يسمع فحواه سوى المعصومين.
ليس يسيرا على طفل أن يرى أباه يخطئ، حتى لو كان هذا الأب جاهلا، وحتى لو كان الخطأ تعبيريّا محضا. لأن الخطأ يحمل في جوهره ما يتعارض مع الأبوة، موقعا، وصفة، وعنوانا. في "الأخوة كارامازوف" جعله دوستويفسكي يتعارض مع منطق الحياة. حين أهين الأب أمام أبنائه، صعدت الإهانة في أعين الأبناء الى مستوى تدميري جبار يزلزل الوجود العاطفي الفردي، ويكاد يلغي معه معنى الوجود الإنساني العام.
"دير بالك من مسيلمان!".
التشكيك في الإسلام والمسلمين، الذي علق في ذهني لم يستمر طويلا. في منتصف مرحلة الدراسة الابتدائية، وفي درس حروب الردة، في معركة عقرباء، أو حديقة الشهداء تحديدا، سقط النبي الزائف مسيلمة، فعرفت أن هناك فرقا كبيرا بين نبي ونبي، بين نبي مسلم ونبي متأسلم، بين الصادق الأمين والداعية الكذاب. منذ تلك اللحظة تصححت صورة أبي المختلة دينيا وتعبيريا: إطلاقه تعبير "مسيلمان" على المزور واللص وعديم الوفاء وفاسد الضمير. لكن ذلك الإيضاح الضروري لم يصحح في وعيي صورة المسلم المختلة، بل زادها اختلالا. فسرعان ما قرأت أن كتاب الله، وليس حكم أبي الساذجة، يقول في سورة الحجرات: "قالت الآعراب آمنا قل لم لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان قلوبكم". ثم جاءت الطعنة اليقينيّة النجلاء في سورة التوبة: "الأعراب أشد كفرا ونفاقا". فكرتان حضريتان، أو حضاريتان، تعبّران عن جوهر الثورة الإسلامية المديني، في مواجهة الجهل الروحي والثقافي، تعبّران عن الاختلاف بين سفيف الرمل وثقافة "إقرأ!". الله، فاطر الكون، يضع إشهار الدين في مرتبة أوطأ من الإيمان.
في حروب الردة استعادت مفردة مسيلمان معناها الوظيفي والعائلي، واستعاد أبي معها انسجامه الديني المفقود في مخيلتي. ولكن، بهذه الخطوة التصحيحية الكبيرة، دُمّرت معادلة التساوي بين الإسلام والإيمان، وتفتقت بذرة التوأمة الأزلية القائمة بين الثقة المطلقة بالحقيقة وبين الشك المطلق في حقائق الواقع.
هكذا علّمنا الله.
كان التناقض بين أبي، المديني، شبه الأمي، وأمي الفلاحة، الأمية الخالصة، عجيبا. ففي غضون ثلاثة عقود انتقل كل منهما الى جهة معاكسة. هي انتقلت من فلاحة الى ابنة مدينة، بينما تضاءل هو وانتقل من ابن مدينة الى ابن قرية. كانت الأم بحكم مدنيتها المستحدثة ترى أن ماركس مبشّر ورع، موثوق الجانب، لولا بعض الخصال الضعيفة فيه: أنه لم يسلم بعد، ولم يُكرّم لحيته الكثيفة، التي تشبه لحى الصابئة؛ بينما كان أبي يرى فيه يهوديا، ولا يتردد كثيرا في منحه لقبا تضاريسيا رنـّانا: "ابن صهيون". ربما لذلك كنا طوال الوقت نتنقل روحيا بين أفكار المدينة والقرية، بين المسلم والمؤمن، بين علي وماركس. بيد أن الثابت فينا هو أننا لم نعثر في ثقافتنا العامية الفطرية على مفرده لغوية اسمها "عُمر". فقد كنا نملك كلمة أكثر تفكيكية هي "عمير"، ولم نكن نملك تصورا ثابتا لوجود رجل اسمه "أبو بكر"، فقد كان اسمه التاريخي في سجلات نفوسنا: "ابن أبي قحافة"! كان الخيار صارما. إما علي وإما معاوية، إما الحسين الشهيد وإما شمر بن ذي الجوشن الذبّاح، الذي جعله المختار الثقفي طعاما للكلاب (بعد سنين اكتشفت أن شمر بن ذي الجوشن قاتل في صف الإمام علي في معركة صفين). ربما لهذه الأسباب مجتمعة، دُفعنا بقوة التناقض العجيب بين المسلم والمؤمن، بين مسيلمة ومحمد، بين علي ومعاوية، بين الحسين والشمر، بين الذابح والمذبوح، الى الانخراط المبكر والعاطفي في فرق الخوارج. لقد رفعنا بيان ماركس الشيوعي على رؤوس الحراب، واعتزلنا الفريقين.
بعدما هُجّر اليهود من حي التورات، لم يتبق في مدينتنا من غير المسلمين سوى الصابئة والمسيحيين. يعيش المسيحيون غالبا في حي التوراة، في المنطقة المحيطة بكنيسة "أم الأحزان"، ومنهم من ينتشر من دون حساب ديني بين المسلمين. أما الصابئة فكانوا يحيطون ببيوتنا، نحن سكان المدينة الأوائل، الذين نعيش حول قصر المتصرف والسرايا الحكومية، في قلب المدينة القديم، المحصور بين ثلاثة أنهار، نهر دجلة الأم، وابنيه المدللين، فرعي الكحلاء والمشرّح. كان الصابئة يحيطون بنا، في سكنهم ومحلات عملهم: صياغة الحلى. أمّا حرفيو القوارب وصنّاع الأدوات الزراعية فكانوا يتركزون في أطراف سوق النجارين وفي القرى السومرية النائية.
حينما يتحدث أبي عن مسيلمان تحضر الى أذهاننا فورا صورة المسيحي والصابئي، وصورة آخر يهودي ميساني، تحتفظ به ذاكرة المدينة قديسا عابرا لخريطة الأديان: الطبيب داوود كباي، مساعد الفقراء، الذي استضافه جلاد البعث ناظم كزار في مسلخه الاسطوري "قصر النهاية"، بتهمة ملفقة عام 1969. وكانت تلك سنة تعليق اليهود في ساحة التحرير، وعام انقراض وجودهم في أرض البابليين. في ذلك الزمن، قبل أن تسحقهم السياسة وتجعلهم مثلنا أبناء مسيلمان، أو أسوأ منا في بعض الحالات، لم نعتد نحن على رؤية هؤلاء سوى لعب جميلة، إلهيات ربانية، أو لُعَب إلهية، صنعها الرحمان وبثّها حولنا، لتذكّرنا بالرحمة والألفة والطهارة، التي يفتقدها أبناء مسيلمان، السادرون في لجج الحياة اليومية القاسية. هكذا كانوا في أعيننا ووجداننا. ولو كنا أطفالا من هذا العصر لاتخذناهم لعب "باربي" أنيسة، نضعها قرب وسائدنا الصغيرة، قبل أن نغمض عيوننا. فقد اعتاد مجتمعنا أن يحتفظ بالأديان الأخرى، بالمسيحية على وجه خاص، لعبة جميلة، من أعلى طراز: باربي ربانيّة!
وحينما كبرنا، عرفنا أن أول قرار سياسي اتخذه المحتلون البريطانيون لغرض الحصول على تأييد "ديموقراطي" لوجودهم العسكري في العراق، هو استمالة كبار ممثلي المسيحيين واليهود، ورفع درجة تمثيلهم الى حدود خيالية، لجعلهم يعدّلون الموقف الوطني العام، الرافض لمعاهدة الحماية أو الصداقة أو الاحتلال، التي سمّيت آنذاك بـ "الانتداب". كان المحتلون، منذ اللحظة الأولى لوجودهم الحربي، يستخدمون الشر في أعلى صوره لتدمير الألهية التاريخية الربانية، وتخريب هذا الإرث العاطفي وصوره الجميلة. لم يكونوا يعملون على إزالة تناقضات الواقع الداخلية، من طريق رفع الحيف عن المغبون، بل كانوا يفعلون العكس، يرفعون التناقضات الى أعلى مستوياتها، بجعلها مادة استفزازية، مثيرة للصراع الوطني القاتل، زارعين في أحشاء البراءة الشعبية شيطان الفتنة والانقسام. ومن خبائث الانكليز، أنهم في الوقت الذي رفعوا درجة تمثيل اليهود والمسيحيين، قاموا بتناسي وجود تكوينات دينية أصيلة كالصابئة، لأنهم لا يملكون امتدادا سياسيا خارجيا، يصلح أن يكون ذريعة دعائية لفرض المواقف! ولم يكن حصر قوات الليفي بالآشورين غالبا، بعد تأسيس الجيش العراقي حصريا، برغم ما تناوش هذا الحدث من إضافات ومبالغات كثيرة، سوى محاولة ماكرة أخرى لتدمير هذه الصورة الطفلية الجميلة، من طريق وضع الآشوريين في مواجهة التكوينات الاجتماعية المتعايشة وتحويلهم الى عدو مسلح، رديف للمحتل. وهذا ما حدث بالفعل في المواجهات الدموية مع التركمان، وفي حركة نيسان 1941. الأرمن العراقيون كانوا ضحايا الاستبداد العثماني، تقبلهم المجتمع العراقي كأبناء أصلاء، بينما كان البريطانيون يعيدون اصطفاف الأحقاد، ويعيدون جدولتها وبرمجتها. بيد أن الحياة فعلت فعلها المعاكس لإرادة المحتلين. سرعان ما تصدّر أبناء الديانات غير الإسلامية، قيادة التيارات السياسية التجديدية، الثورية خاصة، التي تحمل طابع العداء الجذري للمحتلين. قاد بعض أولئك الوطنيين النضال المعادي للاستعمار والصهيونية، فاضطرت السلطات الموالية للسياسة البريطانية الى تعليق عدد من ممثليهم، في شوارع بغداد، ليكونوا عبرة تاريخية خالدة.
اليوم يحاول تكفيريو المسلمين والمسيحيين واليهود والعلمانيين، ويحاول العرقيون العصبويون وممثلو قوى الاحتلال، سحق آخر ما تبقى من تلك العرائس الإلهيّة الجميلة.
جفّ نهر المشرح، اختفت مساحات واسعة من محمية الله السحرية، مسطحات الأهوار، واختفت معها أساطير الماء. اختفت طيور الخصيري، واختفى "صليل لكع"، غطاس الماء الحوّام. انقرض "الرفش" الغيلم العراقي، وكليب الماء الفريد، واختفت أسماك الكطان والجصان وأبو السلمبح. قرى أهوار السلام وإيشاناتها داستها سرفات الدبابات، أشجار التين الأسود والسدر صارت حطبا أسود. كل شيء ذهب الى العدم. في العراق الجديد، ظهر على أنقاض تلك المخلوقات والحيوات الأسطورية حيوان "القرطة" البشع، نابش القبور وآكل جثث الموتى، الذي شوهد في غير مكان يُبعث الى الحياة مجددا، وظهر العنكبوت الصحراوي العملاق، وفي قرى الفرات الأوسط ظهرت قطعان الأفاعي السامة، وفي الرميثة ظهرت حيوانات عدوانية مجهولة الهوية، ظهر النيص العملاق (الدعلج)، وتناسل الشيب (مزيج وحشي من الذئب والضبع)، واستأسد جرذ بغداد العملاق، عاشق القطط. إنه زمن العمالقة. المرتزقة العمالقة، والطائفيون العمالقة، والعرقيون العمالقة، والفاسدون العمالقة، والأغبياء العمالقة، وغيرهم من المخلوقات الكريهة العملاقة.
ذهب اليهود، سحقتهم انتصاراتنا القومية الدائمة. ذهب الصابئة المندائيون، بددت شملهم مباهجنا الدينية القاتلة. كاد المسيحيون أن يختفوا، عصف بهم العراق الجديد، عراق اللاهوية، العراق الذي لم أعد أعرفه، والذي أنا على يقين تام أنه لن يعرفني البتة.
¶¶¶

من المؤكد أننا سنخلد الى النوم هذه الليلة، بحكم عادات الحياة ووظائفها. لكننا سننام وجفوننا تطبق على خيال بعيد، على ضفيرة ربّانية رائعة البهاء، كانت يوما ما تظلل بسحر ألقها، وجه وطننا القديم، المندثر.
سننام ونحن نحتضن ألهيتنا السحرية الضائعة، في وطن يبحث حافيا في المنافي عن ملامحه المبعثرة في طرقات التيه.
النهار

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (395)   21/08/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
 
 
الشروط الأخلاقية للحرية

 

إذا كانت الحرية هي الشرط الأساسي لتحقق إنسانية الفرد، باعتبارها خاصيّة من خصائص الإرادة العاقلة وحدها، فإن الثقافة الحرّة هي الشرط الرئيسي لتحقيق إنسانية الثقافة. لكن الحرية بقدر ما هي مسؤولية اجتماعية، هي قضية فردية أولاً.

إن الخطوة الضرورية، التي تقرّبنا من ضفاف الحرية الثقافية، أن يؤمن الفرد إيماناً تاماً بحرّيته كفرد وكإنسان، ويُخلص لها ويصونها ويحصّنها. إن الإخلاص للذات والضمير، هو الشرط الداخلي الأول لامتلاك الحرية الثقافيّة. أما الشرط الثاني فهو ارتباط الحرية الفردية بالحدود الأخلاقية لممارسة الحرية، وهو الشرط العام، الإنساني. هذ المطلب، كمضمون اجتماعي، ليس مقياسا كميّا لعدد الأفراد، بل هو معيار نوعي، فلسفي، تشترطه قوانين استقلال الإرادة وصلتها بالإرادة الخيّرة. لأن الاستقلال الذاتي للإرادة هو المبدأ الأعلى للأخلاق. إن مفهوم الحرية، في صيغتيه المثالية الذاتية، كما عبّر عنه ايمانويل كانط، أو في صيغته المادية الجدلية، لا يوجد خارج فكرة "الاستقلال عن عِلّية العالم المحسوس"، أو خارج شروط "وعي الضرورة وإدراكها". بدون هذين الشرطين لا توجد حرية ثقافية. بفقدان هذين الشرطين أو أحدهما، لا يملك المرء إمكاناً واقعياً للانفلات من سيطرة الواقع الخارجي. فبدون تلك الحرية ينقلب الفرد الى مجرد ذيل تابع للطبيعة وللمؤسسة الإدارية والسياسية والحزبية والعرقية والمذهبية.
إن امتلاك الحرية الثقافية، كشرط للاستقلال الذاتي، لا يعني مساواة البشر في المزاج والسلوك والمسؤوليات الأخلاقية، أو تجريدهم من تلك المسؤوليات، كما يظن البعض. بل تعني الانعتاق من تأثير الضغط الخارجي، الكلّي الجبروت، المسلّط على الذات في هيئة سلطة أو مؤثر مادي ومعنوي، والتحرر من أبوّته وعبوديته وإغرائه. إن التوازن الدقيق بين الحرية الفردية وسلطة المؤسسة، بين السياسي والثقافي، نجده في قول الحسن البصري في الواقفين على أبواب الحكام من طلاب العلم: "والله لو زهدتم في ما عندهم، لرغبوا في ما عندكم، ولكنكم رغبتم في ما عندهم، فزهدوا فيكم".
إن هذه الدعوة المبكرة، التي رافقت نشوء الدولة العربية الإسلامية، تدلّ على أن معادلة السلطة - الثقافة، الحاكم - المثقف، قديمة وعميقة ومحسوسة الأثر منذ أزمان بعيدة في الثقافة العربية.
ربما يقول البعض: لكل تابع متبوع. نعم، هذه سنّة الحياة، ومن ينكرها يكون بحكم الأعمى. ولكن، ما حدود هذه التبعية وطبيعتها؟ ذلك أمر يختلف الناس فيه. فالمديح مثلاً يكون صفة مذمومة أو مقبولة ليس لذاتها، وإنما لدرجة انطباقها على واقع الممدوح. حتى المديح التكسبيّ، أو المديح الكاذب- وهو مرذول - لا يحمل خطورات جسيمة، كالمديح الذي يقوم به "جيش الوشاة"، الذين يتولّون في كل العصور مسايرة مشاريع القوة والسلطة (ديكتاتور، احتلال، مؤسسة حكم، صاحب نفوذ). فممجّدو القوة يمجّدون خصالاً رذيلة في المقاييس الإنسانية كافة. إن تمجيد العنف والقتل وشعارات الحرب والتعبئة العسكرية والبطش والغزو والاحتلال والإرهاب التكفيري والجمود العقائدي لا يدخل ضمن مصطلح المديح، لأنه يحتوي على مغزى اجتماعي - سياسي يتجاوز حدود الممدوح، ويتعدّاه الى حياة البشر عموماً، الذين هم ضحايا لشرور هذه الخصال موضع المدح. أي أنه يتعارض مع جوهر الحرية الفردية والجماعية، ويتعارض مع قوانين الأخلاق. إن تمجيد العنف والقوة ثقافيا، يتحول، في الحياة الاجتماعيّة، مع طول ممارسته، الى بنية ثقافية داخلية حيّة، تظل تفعل فعلها، تحت طبقات اللاوعي الجمعي، حتى حينما تزول مسبباته. وهنا تكمن خطورة الممارسة الثقافية، في الصفة التاريخية والإجتماعية للوعي، التي تغدو نسيجا ثقافيا، أو مزاجا ثقافيا، كامنا، يمكنه أن ينهض، ويصحو من غفوته، حالما يجد الظروف العامة التي تبيح له ذلك. لذلك ينشأ استعداد دائم عند الفرد للتحول الى مصانع، جاهز الإعداد. وحالما يجد النفاق الفكري والسياسي تأييدا اجتماعيا أو حكوميا يمنح المثقف الحصانة القانونية والأخلاقية، التي تبيح له الولوغ في دم الآخرين، تصبح مسايرة المؤسسة الثقافية خطرا اجتماعيا حقيقيا، وتغدو جزءا عضويا متمما لمؤسسة العنف، وهذا ما سمّيته بـ "ثقافة العنف". أي تحول القوة (الحرب، القوانين العسكرية والأمنية، الصراعات الداخلية العنيفة، قوانين الطوارئ، الحالة الاستثنائية) الى آليّة تنظيمية لتسيير الأفراد والجماعات.
ولكن، هل حقا أن كل أديب وفنان هو أداة جاهزة للمصانعة والكذب، في ظروف الاستبداد؟ وكل شاعر هو مشروع طبيعي للنفاق السياسي؟
إذا أردنا صياغة السؤال من منظور الحرية، نقول: هل الحرية الداخلية للفرد خاضعة خضوعا شرطيا تاما للحرية العامة، أو حرية القطيع؟
هذا ما يروّجه دعاة العنف الثقافي والعبودية الثقافية. فالإذلال الثقافي هو الوجه الآخر للعنف الثقافي ولفقدان شروط الحرية. فلا عنف من غير إذلال، ولا إذلال من غير عنف. هذا قانون شامل يسري على الثقافة وعلى المجتمع بفروعه كافة.
إن المشكلة العقلية والأخلاقية الكبرى التي تعاني منها ثقافتنا تكمن في أننا نعلي من شأن الجوانب الرديئة في تاريخ البشر. فثقافتنا رفعت تناقضات المتنبي مثلاً، وهو أعظم شعراء العرب، الى مستوى المثل الأعلى، من دون تمييز بين صالحها وطالحها، وكادت تجعل من بعض جوانب الضعف في سلوكه المتناقض وسقطاته، صورة ايجابية، نموذجية، باسم التنزيه الكاذب للنموذج الأعلى.
فما انفككنا نلقّن أبناءنا الحكمة العنصرية "لا تشتر العبد إلا والعصا معه"، ذات الوجه التربوي الوحشي، والمحتوى النفاقي، على أنها واحدة من درر تاريخنا الشعري، وغبي علينا أننا جميعا يمكن أن نكون، في لحظة غير سارة، عبيدا عند التأويل.
إن مواجهة الذات مواجهة ناقدة هي الأداة الضرورية الوحيدة الممكنة لخلق ثقافة حرّة، معادية للعنف. وكلما كبرت موهبة الفنان والأديب، وعظمت المشكلة الثقافية التي يواجهها، ازدادت المسؤوليات الأخلاقية، نظرا الى ازدياد حجم الحرية الشخصية التي يتمتع بها المثقف حقيقةً أو افتراضاً. في هذا الموضع لا يوجد مَن هو فوق النقد، أو مَن هو مستثنى منه. لا أحد فوق النقد، من امرئ القيس الى البيّاتي، ومن المتنبي الى الجواهري وأدونيس ومحفوظ. لا أحد على الإطلاق. على العكس، إن الخلاّق الثقافي الفاعل يستحق من النقد أكثر من غيره حينما يسيء استخدام حريته، ولذلك يجب عليه أن يتحمّل أكثر من غيره وزر المساءلة التاريخية فنياً وأخلاقياً.
أسوق هذه الأمثلة، لأنّ بعض الذين ارتبطت بأذهانهم مدائح المتنبي وهجائياته لكافور مثلاً، مدمني المديح والجوائز والتكسب، يجهلون شخصاً، على قدر عظيم من الشجاعة، تخزي كثيرين لفرط استقلالها وقوة فرديتها، اسمه الفرزدق. وهو شاعر يجب على كل من يريد السير في درب الثقافة الحرّة أن يبدأ حياته بتعلم سيرته، قبل أن يكتب حرفاً واحداً.
الفرزدق، همام بن غالب بن صعصعة التميمي (641-732)، شاعر مولود في البصرة. أمضى حياته كلها في المدح والهجاء. وخلّده تاريخنا كأكبر الهجّائين.
اعتاد دارسو الأدب والمربّون أن ينقلوا عن هذا الشاعر "نقائضه" مع خصمه جرير، كنموذج فتّان لفنّ الهجاء. لكنهم قلّما تحدثوا عن شجاعته الفريدة، التي تخرس الألسن. ففي روايات متواترة، ثبت لنا التاريخ واقعة وقوفه في وجه الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك، حينما رأى الأخير جمعاً يتدافعون ويتزاحمون قرب الكعبة، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له إنهم يتزاحمون لرؤية علي بن الحسين (زين العابدين)، خصم الأمويين التقليدي. فما كان من الخليفة إلاّ أن تجاهل مكانته، فأجابه الفرزدق شعرا:
وليس بقولك من هذا بضائره/ العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذا الذي أحمد المختار والده/ صلى عليه إلهي ما جرى القلم
فغضب هشام من قول الفرزدق، ثم طلب منه أن يمدحه بمثل الذي قاله في زين العابدين: "ألا قلت فينا مثلها!".
فردّ عليه الفرزدق: "هات جدّاً كجدّه، وأباً كأبيه، وأمّاً كأمّه، حتى أقول فيكم مثلها!".
فأمر الخليفة بحبسه. وحينما بلغ ذلك علي بن الحسين (زين العابدين) بعث اليه بإثني عشر الف درهم، لكن الفرزدق ردّها اليه وأصرّ على عدم قبولها، لأنه لم يقل كلمته مقابل مال!
لم يكن ذلك غريباً على رجل، كالفرزدق، لم يكن يجلس لوجبة طعام وحده البتة، ورث الشهامة عن جدّه صعصعة محيي الموؤودات في الجاهلية.
في هذه الواقعة، التي يجيد تاريخنا العربي إهمالها، أو تأويلها وتشويهها طائفياً، نكتشف أن شاعراً مادحاً، هجّاءً، كالفرزدق، يستطيع أن يقف منفرداً في مواجهة حاكم متكبر كهشام بن عبد الملك، من دون خوف، ويصرّ على مقارنته بخصمه، لصالح خصمه، ويتقبل العقوبة بإباء. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يبالغ في تأكيد حريته المطلقة حينما يرفض المكافأة (الجائزة)، سواء أجاءته من حاكم ظالم أم من ممدوح مظلوم. هذا تاريخ شعري أيضاً. تاريخ مهمل عن قصد. إنه الجزء المحتجب من ثقافتنا.
إذا كان المتنبي يهجو بعض ممدوحيه، بعد أن يفرغ من مدحهم، فإن الفرزدق يمتدح خصوم ممدوحه وهو مقيم على المدح. في هذا الحد الفاصل بين المدح تكسباً ووظيفة، وبين التشبث بالموقف الصارم، غير القابل للمساومة، تكمن جمرة الحرية، الخبيئة، الحارقة، ولكن الخالدة.
ذلك درس من التاريخ أيضاً، لكنه درس في الحرية وجرعة من استقلال الإرادة واحترام الذات والترفع. إنها الحرية الشخصية، حرية الضمير كعلّة تبرر ذاتها بذاتها، وتتمرد على جور السلطة وعنف المؤسسة وإفسادها، فلا يقوى المال أو السوط على أن يفرّغ من أعماقها شحنة الكبرياء والسمو، التي تختزنها.
ذلك هو الدرس الأول في معادلة الحرية والعبودية، وهو درس عربي خالص.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                              العدد (663) 19/07/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 

فوضى الحرية تسلب المثقفين العراقيين المستقلين بكارتهم 

لم يترك مشروع الاحتلال، وتنفيذه العملي بالغزو والإدارة المباشرة وغير المباشرة، أثراً قاتلاً على الشيوعيين العراقيين وأنصارهم وحدهم فحسب، بل سرى بالقدر نفسه على مجمل التيار الديموقراطي والشرائح المستقلة، منها شريحة من الأدباء والمثقفين، صُنِّفوا سياسيا ضمن الاتجاه الديموقراطي في الحركة الثقافية العراقية، أو بدقة أكبر ضمن شريحة عرفت بـ"المستقلين".

هم شريحة حقّ لها زمناً طويلاً أن تتفاخر بعذريتها السياسية، باعتبارها امتيازاً خاصاً بها. كانت جماعة المستقلين أشبه ما تكون عجينة ثقافية اسفنجية التكوين، قادرة، بمهارة وضمير مستريح، على امتصاص عصارات الضعف والنقص والتوتر وبعض أعراض الرهاب العدواني المزروع في نفوس الخصوم الحزبيين المتصارعين، من دون أن تقحم نفسها إقحاماً مباشراً في الشؤون الحزبية الخاصة، العقائدية والتنظيمية تحديداً. فقد لبثت هذه الشريحة تراقب من شرفة الاستقلال العالية، معارك الأحزاب وصراعاتها الدائمة بحذر وريبة، ومنفعة محسوسة أحياناً، وحرية نسبية في أحيان كثيرة.
كانت شريحة المستقلين واحة ظليلة، خاصة ومحببة، في الثقافة العراقية. أسباب هذا التحبيب عديدة، منها ما هو منطقي وواقعي، ومنها ما هو مقحم على الحقيقة بحكم تناقضات الواقع العراقي القاسية وتشوهاته العميقة. لكن، بصرف النظر عن البعد والقرب من الحقيقة، ظل هذا التيار ردحاً طويلاً رافداً فنياً ونفسياً واجتماعياً بيّن الخصوصية، عظيم الألفة والوداعة والمنفعة، في مجتمع قائم على العنف والصراع الحزبي الكيدي الانتقامي الشرس.
لم تكن فضائل واحة الاستقلال الثقافي تنحصر في المساحة - الهامش - الفنية الواسعة الممنوحة لهذا الفريق كرشوة سياسية، جرى التواطؤ حولها من الجميع، الذين نظروا الى هذه الشريحة على أنها مادة وهدف اساسي من أهداف التنافس الحزبي والكسب الثقافي السهل. لقد أراد الجميع، من دون استثناء، الإفادة من حسن مظهر جماعة المستقلّين، وحسن سيرتها وسلوكها، ومن "طهارة" أعضائها العقائدية والتنظيمية، و"براءتهم"، لمصالح حزبية خاصة، أهمّها تجميل صورة الأحزاب السياسية القبيحة. وقد منح الصراع العنيف، المستعر في المجتمع العراقي منذ عقود، تيار المستقلين فرصاً واسعة للحركة، نشراً وتجوالاً وكسباً للرزق، لم تمنح لغيرهم من الأدباء والفنانين المتهمين ظلماً بالولاء الحزبي أو المشاركين فعلياً في المعارك الحزبية. من فضائل هذا الهامش أنه جعل المنتسبين الى التيار يجيدون السباحة في لجج المتخاصمين وفي بركهم الآسنة، من دون أن يغرقوا أو يصابوا بدنس الخيانة أو العمالة، كما هو شائع في الثقافة العراقية. لقد أهّلهم هذا المران الصعب تأهيلاً مقبولاً، جعلهم يجيدون إدارة لعبة التوازن النفسي بين المتناقضات، حتى فنياً. بذلك مكّنتهم خبراتهم الحسية المتوارثة أن ينتجوا، تحت تأثير هذه الحرية النسبية، ثمرات فنية مرموقة، عُدّت من الناحية التاريخية فلتات نادرة في الثقافة العراقية. وعلى الرغم من أن الشعراء المستقلين كانوا أكثر شهرة وصخبا من غيرهم إلا أن هذه الفلتات لم تكن محسوسة في الشعر، على نحو واضح ومؤثر، لأسباب فنية، عدا ما أشاعه هذا التيار من مشاريع شعرية، في هيئة أطروحات أو بيانات تجديدية، غير مسنودة في الغالب بمنتج إبداعي منجز، في الممارسة التطبيقية، يوازي تنظيراتهم الشعرية. ولما كان التمايز في الموقف السياسي يبدو جلياً بقوة في الفن التشكيلي والنثر، وعلى وجه التحديد في السرد، منحنا هذا التيار أبرز الأعمال الفنية الوطنية أصالةً وصدقاً (نصب الحرية، جدارية فائق حسن)، ومنحنا أبرز نصوص السرد الروائي والقصصي، الراصدة لواقع الحقب الخلافية الحادة والقاتلة: "الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي، "المملكة السوداء" لمحمد خضير، و"القلعة الخامسة" لفاضل العزاوي، و"الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي. في هذا الإطار يمكننا أن نفسر بيسر بعض الفلتات الفردية المثيرة، غير المتوقعة، أو العسيرة على التفسير، وهي كثيرة جداً في الفن التشكيلي، أما في النثر فنجدها مثلا في قصة "سيدنا الخليفة" لعبد الستار ناصر، المنشورة في مجلة "الموقف الأدبي" السورية، وهي قصة منحها الاستقلال جرأة وتفرداً مميزاً، وأكسبها مساحة للبوح غير مسموح بها لدى جهاز الرقابة الحزبي والشعبي في العراق. بيد أن الحرب على الحرية، والحرب على الاستقلال، انتصرت على جرأة النص، فكسرت إرادة كاتبه بقوة قانون العنف الحزبي، وقانون الإغراء الحكومي، وبقوة جيش الوشاة، الذين مثّلهم اتحاد الأدباء العراقيين، الذي تماهى، وما انفكّ يتماهى، مع قسوة السلطة في مواجهة أديب مستضعف. مثل هذا الميل الفردي ظهر أيضاً، على نحو خجول، في مرحلة الحصار تحت تأثير عوامل مشابهة، حينما ضعفت سلطة الحزب والحرب، فامتلك البعض هامشاً محدوداً نسبياً للاستقلال الفني. لقد انعكس التمرد في الفن التشكيلي العراقي أسلوبياً، أما في مجال الشعر فكانت حركة التمرد الاجتماعي والنفسي، وليس المضمون الشعري أو الفني،  المظهر الأبرز للاستقلال. وهذا يشمل جماعات المشرّدين من أمثال الحصيري وجان دمو وغيرهما، أو من أمثال المعتكفين كمحمود البريكان. وأحسب أن أغلب الشعراء العراقيين الجادّين والصبورين ذوي العطاء المميز، مالوا الى الاعتكاف، وأن أكثرالشعراء صخباً من الناحية الاجتماعية هم أكثرهم فشلاً، كمنتجين للقيم التعبيرية فنياً ومضمونياً. ففي ظل التحكم الاجتماعي والسياسي العنيف، يكون الانعكاس ورد الفعل العاطفي التشكيلي تفرداً أسلوبياً، والشعري سلوكياً، أكثر منه نصياً، في حين أن السرد يدفع نحو الانضباط الاجتماعي سلوكياً، يصاحبه انضباط تعبيري تتطلبه لحظة التعبير السردية الطويلة والعقلية، وما تفرضه من شروط ومقاييس لا تتوقف على لحظة خلق النص، بل تسري أيضاً على شروط النشر والطباعة والتداول.

لا استقلال بلا حرية ضمير

كانت هذه المساحة المشغولة بعناية الاستقلال الروحي والفني هبة الاستقلال إبداعاً ورؤيةً وتعبيراً، لم تتوافر إلا للمستقلين، الذين استطاعوا اقتناصها بفضل جهاز التنفس الصناعي الذي مُنِحوه أو صنعوه، ومكّنهم من استنشاق قدر مقبول من الهواء المختلف. فللاستقلال فضيلة التمتع برؤية استشرافية، من منظور الطير؛ قد يحسبها البعض مائعة وتَرَفيّة، لكنها في جوهر الأمر رؤية متحركة، مغايرة لنظرة القطيع الجمعية الجامدة والضيقة والملتبسة، والمشبعة بالمسبقات. ففي تجارب عدة أضحت هذه الرؤية، الأقل تماثلاً مع عين القطيع الزجاجية، منطلقاً فنياً لافتاً، حينما توافرت لها الشروط الابداعية الملائمة. وتلك فضيلة كبرى.
لم تنحصر فضيلة هذا التيار في أنه كان يجد استقلاله وسيلة لتجديد الرؤية الفنية والتعبير، كما لو كان الاستقلال شرفة خاصة للنظر، منفصلة الى حد ما عن مقصورات الأحزاب، وسجونها وخلاياها وأقبيتها، سرية وعلنية. بل كان هو، بذاته، ككيان، محطة استراحة للمحاربين أجمع، من كل الأنواع والأشكال، للبعثيين والشيوعيين والقوميين وحتى الإسلاميين. كان محطة لاستراحات المحاربين عند الانكسارات الجماعية أو الفردية، ومحطة موقتة للتنفيس الوقتي عن الهموم المتراكمة في الأعماق المرهقة المثقلة بالتخوين والتجريم والأحقاد الدموية. ففي هذه الشرفة كان متاحاً لشيوعي أو بعثي متعب أن يجد صديقاً، طيب القلب، هو في الضرورة "ضعيف الشخصية"، في نظر الزوّار، لأنه جبان و"غير حديدي"، يخاف من سلطة الأحزاب والحكومة، يمكن الاطمئنان اليه، ومساررته همساً بحجم الخراب الذي يخلّفه كابوس الحزب في أرواح منتسبيه. وربما وجد فيه البعض قناة اتصال شرعية، أو غير شرعية، للتحاور الخفي مع الخصوم العلنيين، أو للمقايضة وتبادل المنافع السريّة والعلنية. كان الاستقلال غرفة جانبية صغيرة في  بيت الدم العراقي، تأوي فيها مجموعة خائفة، ليّنة الميول، محفوفة بالعشرة الطيبة، مأمونة، تتحلى بقدر ضيئل من التحفظ غير الضار، المسموح به حزبياً. كانت تلك أعظم مآثر هذا التيار. بيد أن شدة تقاطب الواقع السياسي العراقي، وطول فترات الاستبداد الحكومي والحزبي، وعمق الجراح وقسوة المشاعر، تمكنت، كلها مجتمعة، من تلويث أخلاق هذا التيار - ككتلة جماعية ونسق خاص وليس كأفراد أو حالات- وحرف سلوكه ومقاصده، وجعلت مساحة حركته المستقلة روحياً في الواقع العملي واليومي، تغدو، شيئاً فشيئاً، مساحة للمصانعة، ومتجراً للمقايضة، وفي النهاية غدت ساحة للمران والتدريب على انتهاز الفرص واهتبالها. حتى أضحى بعض رموز المستقلين محترفين دوليين في مجال اصطياد ما لا يمكن، وما لا يجوز، اصطياده من منافع ثقافية ومادية. ثم تحوّل هذا الميل لدى البعض علامة "تجارية" فارقة، معترفاً بها اجتماعياً ورسمياً؛ وفي النهاية غدا احتكاراً ووظيفة أو مهنة. ترافق تطور هذا الميل المَرَضي الداخلي مع تطور مرض سياسي وطني عام، تمثل في أن المعارضة الرخيصة وطنياً، والسلطة الاستبدادية الظالمة وطنياً، دوّلتا الأزمة العراقية. من هذا الطريق توجهت مهارات بعض أعضاء هذا الفريق الى مساحة جديدة، أوسع من حدودها المحلية، التقليدية. فجأةً، أضحت شجرة الاستقلال تورق أنماطاً متعددة من تعبويي احتلال، وقمّامين محترفين من طراز رفيع. أمام امتحان الحرب والاحتلال، اضطرت هذه الشريحة الى البحث عن ثقوب ضيقة تتسلل منها الى عالم لا يقبل بتعدد الخيارات. فكانت هذه الشريحة المميزة ضحية من ضحايا الكارثة الكبرى. لقد عكس فقدان العذرية (الاستقلال)، الصادقة أو المزعومة، جانباً من جوانب ضياع الأفق الديموقراطي في الحركة الوطنية العراقية كاملاً، وكان مؤشراً جدياً إلى انسداد المشروع الوطني كله انسداداً تاما.

الشعراء يحرسون مملكة الشر

بيد أن الواقع العراقي المرّ، ينبئ بأن تياراً مستقلاً استقلالاً حقيقياً وناجزاً في سبيله الى الظهور ببطء وعسر، مصدره الأساسي منبعان: التجربة القاسية للجيل القديم من المثقفين الحزبيين والديموقراطيين والمستقلين، الذين لم تنضب في نفوسهم طاقات حب الوطن والخير والعدالة والحرية الحقيقية. وهو جيل يتجه نحو الانقراض، جلّه ممّن تعلّموا الدرس جيداً من خلال المعارك اليومية المباشرة. أما المنبع الثاني فهو جيل جديد، ولد في الأرض الحرام، ولا بد له من أن يترعرع خارج دائرة التجربة القديمة، لكي يغدو متحرراً من الإرث المباشر لأمراض الصراع السياسي المعروفة والمتداولة.
إن دراسة الهامش الضيّق المتاح لحركة المستقلين من الأدباء أمر ضروري، يكشف لنا جانباً مهماً من جوانب تجلّي الفاعلية الفنية والعقلية للمجتمع، وصيرورتها، وإن يكن حجم هذه الفئة محدوداً دائماً، وطبيعتها متنوعة. منها من جاء من أصول حزبية، ومنها من كان خالص الاستقلال، على الرغم من كونهم، في الأعم، ارتبطوا بالفئات الشمولية المتصارعة، أو انحدروا منها انحداراً مباشراً. لم يفقد هذا الاتجاه جوهره المستقل بفعل عوامل خارجية فحسب، بل فقدها بفعل عوامل داخلية أيضاً، تتعلق بجوهر تكوينه الخاص. فهذا التيار يختلف عن التيارات الفكرية والفنية والاجتماعية الأوروبية المستقلة، التي تصنع هامشها، بقوة حرية الإرادة وفق قوانين الحقوق المدنية، وليس من طريق البحث عن فجوات في خنادق الالتحام بين القوى المتقاتلة حتى الموت. أي إن حرية التيارات الأوروبية أقل عرضة للإرغام والقسرية، وأكثر عمقاً من زاوية حرية الإرادة وحق الاختيار، وسبل محاكمة الضمير، والاستقلال الشخصي والذاتي، وليس السياسي أو الحزبي فحسب. إن واحدة من أبرز خصائص هذا الاتجاه لدينا، أنه يقيس حركته الذاتية على ضوء التقاطب السياسي الأساسي في المجتمع. أي أنه يحدد مساحته الممكنة على ضوء حركة الكتل وتصادمها. فهو، في المحصلة النهائية، حصيلة إجبارية ناتجة من تكسرات الكتل المتصادمة عنفياً، أكثر مما هو فاعلية ذاتية تصنع ذاتها بقوة خصوصيتها وبفعل محركاتها الداخلية. فهذا التيار يتخذ من حدة الصراع مقياساً ومعياراً يحدد به مسارات حريته في الحياة اليومية وفي المنجز الإبداعي الى حد أبعد قليلاً. بيد أنه كان وسيظل موضع صراع وغزو، ومادة للاستحواذ، كلما اشتدّت حدة التقاطب السياسي. ومن سوء حظ هذا التيار أنه وجد نفسه، في ظل فوضى الحرية، محوّماً في الفضاء مثل غيمة دائخة، في سبيلها الى التبخر، لا تعرف الى أين تسير، وكيف تستر جسدها العاري. لذلك لم يتمكن جزء كبير من هذا التيار من العثور على نفسه إلا مرتمياً تحت حوافر الأقوياء، أو ظلالهم، بصرف النظر عن طبيعتهم السياسية والاجتماعية. فقد كسرت فوضى الحرية العادة الدائمة، التي كان هذا الفريق يقيس بها خطواته: الوقوف بين كتلتين. حينما تشظى الواقع السياسي، وتداخلت مزقه بعضها ببعض، بفعل فوضى الحرية، ضاعت بوصلة المستقلين التقليدية، ولم يجد كثيرون منهم إلا أباً واحداً يلتجئون اليه: المحتل الغازي أو السلطة الحاكمة، باعتبارهما المرجعية العليا الممثلة للقوة والثروة، المهيمنة على معادلات الصراع اليومي.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                           العدد (629) 15/06/2011                      موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

المثقف العراقي المستقل تحت ظلال الاحتلال

 

 

 

فوضى الحرية تسلب المثقفين العراقيين المستقلين بكارتهم
لم يترك مشروع الاحتلال، وتنفيذه العملي بالغزو والإدارة المباشرة وغير المباشرة، أثراً قاتلاً على الشيوعيين العراقيين وأنصارهم وحدهم فحسب، بل سرى بالقدر نفسه على مجمل التيار الديموقراطي والشرائح المستقلة، منها شريحة من الأدباء والمثقفين، صُنِّفوا سياسيا ضمن الاتجاه الديموقراطي في الحركة الثقافية العراقية، أو بدقة أكبر ضمن شريحة عرفت بـ"المستقلين".

هم شريحة حقّ لها زمناً طويلاً أن تتفاخر بعذريتها السياسية، باعتبارها امتيازاً خاصاً بها. كانت جماعة المستقلين أشبه ما تكون عجينة ثقافية اسفنجية التكوين، قادرة، بمهارة وضمير مستريح، على امتصاص عصارات الضعف والنقص والتوتر وبعض أعراض الرهاب العدواني المزروع في نفوس الخصوم الحزبيين المتصارعين، من دون أن تقحم نفسها إقحاماً مباشراً في الشؤون الحزبية الخاصة، العقائدية والتنظيمية تحديداً. فقد لبثت هذه الشريحة تراقب من شرفة الاستقلال العالية، معارك الأحزاب وصراعاتها الدائمة بحذر وريبة، ومنفعة محسوسة أحياناً، وحرية نسبية في أحيان كثيرة.
كانت شريحة المستقلين واحة ظليلة، خاصة ومحببة، في الثقافة العراقية. أسباب هذا التحبيب عديدة، منها ما هو منطقي وواقعي، ومنها ما هو مقحم على الحقيقة بحكم تناقضات الواقع العراقي القاسية وتشوهاته العميقة. لكن، بصرف النظر عن البعد والقرب من الحقيقة، ظل هذا التيار ردحاً طويلاً رافداً فنياً ونفسياً واجتماعياً بيّن الخصوصية، عظيم الألفة والوداعة والمنفعة، في مجتمع قائم على العنف والصراع الحزبي الكيدي الانتقامي الشرس.
لم تكن فضائل واحة الاستقلال الثقافي تنحصر في المساحة - الهامش - الفنية الواسعة الممنوحة لهذا الفريق كرشوة سياسية، جرى التواطؤ حولها من الجميع، الذين نظروا الى هذه الشريحة على أنها مادة وهدف اساسي من أهداف التنافس الحزبي والكسب الثقافي السهل. لقد أراد الجميع، من دون استثناء، الإفادة من حسن مظهر جماعة المستقلّين، وحسن سيرتها وسلوكها، ومن "طهارة" أعضائها العقائدية والتنظيمية، و"براءتهم"، لمصالح حزبية خاصة، أهمّها تجميل صورة الأحزاب السياسية القبيحة. وقد منح الصراع العنيف، المستعر في المجتمع العراقي منذ عقود، تيار المستقلين فرصاً واسعة للحركة، نشراً وتجوالاً وكسباً للرزق، لم تمنح لغيرهم من الأدباء والفنانين المتهمين ظلماً بالولاء الحزبي أو المشاركين فعلياً في المعارك الحزبية. من فضائل هذا الهامش أنه جعل المنتسبين الى التيار يجيدون السباحة في لجج المتخاصمين وفي بركهم الآسنة، من دون أن يغرقوا أو يصابوا بدنس الخيانة أو العمالة، كما هو شائع في الثقافة العراقية. لقد أهّلهم هذا المران الصعب تأهيلاً مقبولاً، جعلهم يجيدون إدارة لعبة التوازن النفسي بين المتناقضات، حتى فنياً. بذلك مكّنتهم خبراتهم الحسية المتوارثة أن ينتجوا، تحت تأثير هذه الحرية النسبية، ثمرات فنية مرموقة، عُدّت من الناحية التاريخية فلتات نادرة في الثقافة العراقية. وعلى الرغم من أن الشعراء المستقلين كانوا أكثر شهرة وصخبا من غيرهم إلا أن هذه الفلتات لم تكن محسوسة في الشعر، على نحو واضح ومؤثر، لأسباب فنية، عدا ما أشاعه هذا التيار من مشاريع شعرية، في هيئة أطروحات أو بيانات تجديدية، غير مسنودة في الغالب بمنتج إبداعي منجز، في الممارسة التطبيقية، يوازي تنظيراتهم الشعرية. ولما كان التمايز في الموقف السياسي يبدو جلياً بقوة في الفن التشكيلي والنثر، وعلى وجه التحديد في السرد، منحنا هذا التيار أبرز الأعمال الفنية الوطنية أصالةً وصدقاً (نصب الحرية، جدارية فائق حسن)، ومنحنا أبرز نصوص السرد الروائي والقصصي، الراصدة لواقع الحقب الخلافية الحادة والقاتلة: "الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي، "المملكة السوداء" لمحمد خضير، و"القلعة الخامسة" لفاضل العزاوي، و"الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي. في هذا الإطار يمكننا أن نفسر بيسر بعض الفلتات الفردية المثيرة، غير المتوقعة، أو العسيرة على التفسير، وهي كثيرة جداً في الفن التشكيلي، أما في النثر فنجدها مثلا في قصة "سيدنا الخليفة" لعبد الستار ناصر، المنشورة في مجلة "الموقف الأدبي" السورية، وهي قصة منحها الاستقلال جرأة وتفرداً مميزاً، وأكسبها مساحة للبوح غير مسموح بها لدى جهاز الرقابة الحزبي والشعبي في العراق. بيد أن الحرب على الحرية، والحرب على الاستقلال، انتصرت على جرأة النص، فكسرت إرادة كاتبه بقوة قانون العنف الحزبي، وقانون الإغراء الحكومي، وبقوة جيش الوشاة، الذين مثّلهم اتحاد الأدباء العراقيين، الذي تماهى، وما انفكّ يتماهى، مع قسوة السلطة في مواجهة أديب مستضعف. مثل هذا الميل الفردي ظهر أيضاً، على نحو خجول، في مرحلة الحصار تحت تأثير عوامل مشابهة، حينما ضعفت سلطة الحزب والحرب، فامتلك البعض هامشاً محدوداً نسبياً للاستقلال الفني. لقد انعكس التمرد في الفن التشكيلي العراقي أسلوبياً، أما في مجال الشعر فكانت حركة التمرد الاجتماعي والنفسي، وليس المضمون الشعري أو الفني، المظهر الأبرز للاستقلال. وهذا يشمل جماعات المشرّدين من أمثال الحصيري وجان دمو وغيرهما، أو من أمثال المعتكفين كمحمود البريكان. وأحسب أن أغلب الشعراء العراقيين الجادّين والصبورين ذوي العطاء المميز، مالوا الى الاعتكاف، وأن أكثرالشعراء صخباً من الناحية الاجتماعية هم أكثرهم فشلاً، كمنتجين للقيم التعبيرية فنياً ومضمونياً. ففي ظل التحكم الاجتماعي والسياسي العنيف، يكون الانعكاس ورد الفعل العاطفي التشكيلي تفرداً أسلوبياً، والشعري سلوكياً، أكثر منه نصياً، في حين أن السرد يدفع نحو الانضباط الاجتماعي سلوكياً، يصاحبه انضباط تعبيري تتطلبه لحظة التعبير السردية الطويلة والعقلية، وما تفرضه من شروط ومقاييس لا تتوقف على لحظة خلق النص، بل تسري أيضاً على شروط النشر والطباعة والتداول.
لا استقلال بلا حرية ضمير
كانت هذه المساحة المشغولة بعناية الاستقلال الروحي والفني هبة الاستقلال إبداعاً ورؤيةً وتعبيراً، لم تتوافر إلا للمستقلين، الذين استطاعوا اقتناصها بفضل جهاز التنفس الصناعي الذي مُنِحوه أو صنعوه، ومكّنهم من استنشاق قدر مقبول من الهواء المختلف. فللاستقلال فضيلة التمتع برؤية استشرافية، من منظور الطير؛ قد يحسبها البعض مائعة وتَرَفيّة، لكنها في جوهر الأمر رؤية متحركة، مغايرة لنظرة القطيع الجمعية الجامدة والضيقة والملتبسة، والمشبعة بالمسبقات. ففي تجارب عدة أضحت هذه الرؤية، الأقل تماثلاً مع عين القطيع الزجاجية، منطلقاً فنياً لافتاً، حينما توافرت لها الشروط الابداعية الملائمة. وتلك فضيلة كبرى.
لم تنحصر فضيلة هذا التيار في أنه كان يجد استقلاله وسيلة لتجديد الرؤية الفنية والتعبير، كما لو كان الاستقلال شرفة خاصة للنظر، منفصلة الى حد ما عن مقصورات الأحزاب، وسجونها وخلاياها وأقبيتها، سرية وعلنية. بل كان هو، بذاته، ككيان، محطة استراحة للمحاربين أجمع، من كل الأنواع والأشكال، للبعثيين والشيوعيين والقوميين وحتى الإسلاميين. كان محطة لاستراحات المحاربين عند الانكسارات الجماعية أو الفردية، ومحطة موقتة للتنفيس الوقتي عن الهموم المتراكمة في الأعماق المرهقة المثقلة بالتخوين والتجريم والأحقاد الدموية. ففي هذه الشرفة كان متاحاً لشيوعي أو بعثي متعب أن يجد صديقاً، طيب القلب، هو في الضرورة "ضعيف الشخصية"، في نظر الزوّار، لأنه جبان و"غير حديدي"، يخاف من سلطة الأحزاب والحكومة، يمكن الاطمئنان اليه، ومساررته همساً بحجم الخراب الذي يخلّفه كابوس الحزب في أرواح منتسبيه. وربما وجد فيه البعض قناة اتصال شرعية، أو غير شرعية، للتحاور الخفي مع الخصوم العلنيين، أو للمقايضة وتبادل المنافع السريّة والعلنية. كان الاستقلال غرفة جانبية صغيرة في بيت الدم العراقي، تأوي فيها مجموعة خائفة، ليّنة الميول، محفوفة بالعشرة الطيبة، مأمونة، تتحلى بقدر ضيئل من التحفظ غير الضار، المسموح به حزبياً. كانت تلك أعظم مآثر هذا التيار. بيد أن شدة تقاطب الواقع السياسي العراقي، وطول فترات الاستبداد الحكومي والحزبي، وعمق الجراح وقسوة المشاعر، تمكنت، كلها مجتمعة، من تلويث أخلاق هذا التيار - ككتلة جماعية ونسق خاص وليس كأفراد أو حالات- وحرف سلوكه ومقاصده، وجعلت مساحة حركته المستقلة روحياً في الواقع العملي واليومي، تغدو، شيئاً فشيئاً، مساحة للمصانعة، ومتجراً للمقايضة، وفي النهاية غدت ساحة للمران والتدريب على انتهاز الفرص واهتبالها. حتى أضحى بعض رموز المستقلين محترفين دوليين في مجال اصطياد ما لا يمكن، وما لا يجوز، اصطياده من منافع ثقافية ومادية. ثم تحوّل هذا الميل لدى البعض علامة "تجارية" فارقة، معترفاً بها اجتماعياً ورسمياً؛ وفي النهاية غدا احتكاراً ووظيفة أو مهنة. ترافق تطور هذا الميل المَرَضي الداخلي مع تطور مرض سياسي وطني عام، تمثل في أن المعارضة الرخيصة وطنياً، والسلطة الاستبدادية الظالمة وطنياً، دوّلتا الأزمة العراقية. من هذا الطريق توجهت مهارات بعض أعضاء هذا الفريق الى مساحة جديدة، أوسع من حدودها المحلية، التقليدية. فجأةً، أضحت شجرة الاستقلال تورق أنماطاً متعددة من تعبويي احتلال، وقمّامين محترفين من طراز رفيع. أمام امتحان الحرب والاحتلال، اضطرت هذه الشريحة الى البحث عن ثقوب ضيقة تتسلل منها الى عالم لا يقبل بتعدد الخيارات. فكانت هذه الشريحة المميزة ضحية من ضحايا الكارثة الكبرى. لقد عكس فقدان العذرية (الاستقلال)، الصادقة أو المزعومة، جانباً من جوانب ضياع الأفق الديموقراطي في الحركة الوطنية العراقية كاملاً، وكان مؤشراً جدياً إلى انسداد المشروع الوطني كله انسداداً تاما.
الشعراء يحرسون مملكة الشر
بيد أن الواقع العراقي المرّ، ينبئ بأن تياراً مستقلاً استقلالاً حقيقياً وناجزاً في سبيله الى الظهور ببطء وعسر، مصدره الأساسي منبعان: التجربة القاسية للجيل القديم من المثقفين الحزبيين والديموقراطيين والمستقلين، الذين لم تنضب في نفوسهم طاقات حب الوطن والخير والعدالة والحرية الحقيقية. وهو جيل يتجه نحو الانقراض، جلّه ممّن تعلّموا الدرس جيداً من خلال المعارك اليومية المباشرة. أما المنبع الثاني فهو جيل جديد، ولد في الأرض الحرام، ولا بد له من أن يترعرع خارج دائرة التجربة القديمة، لكي يغدو متحرراً من الإرث المباشر لأمراض الصراع السياسي المعروفة والمتداولة.
إن دراسة الهامش الضيّق المتاح لحركة المستقلين من الأدباء أمر ضروري، يكشف لنا جانباً مهماً من جوانب تجلّي الفاعلية الفنية والعقلية للمجتمع، وصيرورتها، وإن يكن حجم هذه الفئة محدوداً دائماً، وطبيعتها متنوعة. منها من جاء من أصول حزبية، ومنها من كان خالص الاستقلال، على الرغم من كونهم، في الأعم، ارتبطوا بالفئات الشمولية المتصارعة، أو انحدروا منها انحداراً مباشراً. لم يفقد هذا الاتجاه جوهره المستقل بفعل عوامل خارجية فحسب، بل فقدها بفعل عوامل داخلية أيضاً، تتعلق بجوهر تكوينه الخاص. فهذا التيار يختلف عن التيارات الفكرية والفنية والاجتماعية الأوروبية المستقلة، التي تصنع هامشها، بقوة حرية الإرادة وفق قوانين الحقوق المدنية، وليس من طريق البحث عن فجوات في خنادق الالتحام بين القوى المتقاتلة حتى الموت. أي إن حرية التيارات الأوروبية أقل عرضة للإرغام والقسرية، وأكثر عمقاً من زاوية حرية الإرادة وحق الاختيار، وسبل محاكمة الضمير، والاستقلال الشخصي والذاتي، وليس السياسي أو الحزبي فحسب. إن واحدة من أبرز خصائص هذا الاتجاه لدينا، أنه يقيس حركته الذاتية على ضوء التقاطب السياسي الأساسي في المجتمع. أي أنه يحدد مساحته الممكنة على ضوء حركة الكتل وتصادمها. فهو، في المحصلة النهائية، حصيلة إجبارية ناتجة من تكسرات الكتل المتصادمة عنفياً، أكثر مما هو فاعلية ذاتية تصنع ذاتها بقوة خصوصيتها وبفعل محركاتها الداخلية. فهذا التيار يتخذ من حدة الصراع مقياساً ومعياراً يحدد به مسارات حريته في الحياة اليومية وفي المنجز الإبداعي الى حد أبعد قليلاً. بيد أنه كان وسيظل موضع صراع وغزو، ومادة للاستحواذ، كلما اشتدّت حدة التقاطب السياسي. ومن سوء حظ هذا التيار أنه وجد نفسه، في ظل فوضى الحرية، محوّماً في الفضاء مثل غيمة دائخة، في سبيلها الى التبخر، لا تعرف الى أين تسير، وكيف تستر جسدها العاري. لذلك لم يتمكن جزء كبير من هذا التيار من العثور على نفسه إلا مرتمياً تحت حوافر الأقوياء، أو ظلالهم، بصرف النظر عن طبيعتهم السياسية والاجتماعية. فقد كسرت فوضى الحرية العادة الدائمة، التي كان هذا الفريق يقيس بها خطواته: الوقوف بين كتلتين. حينما تشظى الواقع السياسي، وتداخلت مزقه بعضها ببعض، بفعل فوضى الحرية، ضاعت بوصلة المستقلين التقليدية، ولم يجد كثيرون منهم إلا أباً واحداً يلتجئون اليه: المحتل الغازي أو السلطة الحاكمة، باعتبارهما المرجعية العليا الممثلة للقوة والثروة، المهيمنة على معادلات الصراع اليومي.

 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                   العدد (627)  13/06/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 
الأسرار النفسية لهزائم صدام العسكرية

 

عند تحليل شخصية صدام حسين السياسية وربطها بموضوع الدوافع والتصعيد النفسي نعثر على حقائق مثيرة، لكنها مؤذية في الوقت عينه. يقودنا تحليل سلوك صدام السياسي بواسطة أدوات علم النفس، وليس من طريق التكهنات السياسية والجمل الانشائية العاطفية، الى نتائج ربما استهجنها الفرد العراقي ووقف منها موقف المتشكك، وعلى وجه التحديد الأسئلة التي تربط الفردي بالاجتماعي، والأسئلة التي تجيب عن السؤال الممل والمكرر: من يصنع الديكتاتور؟
إن الفترة النموذجية لدراسة شخصية صدام حسين سريريا تقع في الحقبة التي ظهر فيها صدام رئيسا وقائدا وحيدا بلا منازع. ففي هذه المرحلة غدا الديكتاتور مادة مكتملة النضج داخليا كحالة للمعاينة، قائمة بذاتها وبمكوناتها الشخصية، بصرف النظر عن علاقاتها وصلتها بالمحيط الاجتماعي والخارجي: العائلة، العشيرة، الحزب، الدولة، المنطقة، الوطن، دول الجوار، العالم.

بين الداخل والخارج
ينقسم سلوك صدام حسين السياسي ذو الطبيعة العنفية والعدوانية قسمين رئيسيين متمايزين تمايزا نوعيا بينا وكبيرا: النشاط العدواني الموجه الى الداخل، والنشاط العدواني الموجه الى الخارج. تميز نشاطه الداخلي بحسن الإدارة، وبالتخطيط المنظم، الهادئ، المتكتم، الذي يُعنى عناية تامة بالتفاصيل الصغيرة، وحتى بالمساحيق الإضافية، والأهم من ذلك كله عنايته الشخصية والمباشرة بالضربة الحاسمة. في دراسات سابقة بينّا وجود ظاهرة سلوكية غريبة هنا، هي أن صدام حسين كان يخطط للنقلة الأخيرة أفضل من التخطيط للأسباب، وتستحوذ عليه النهايات أكثر من المقدمات، فيخطط للضربة الأخيرة بمهارة قبل تخطيط سبل تحقيق الخطوات التمهيدية. سبب هذا التناقض يعود الى تناقض دوافعه، الظاهرة، التي تبرز لنا في العلن سافرة ومرئية، ودوافعه المستبطنة التي لا ترى. هذا الأمر يسري على نواحي سلوكه كلها. لذلك اعتقد جميع من كتب عنه أنه كان مستمعا جيدا، بينما يجد الدارس المتفحص عكس ذلك تماما، فقد كان أعظم الطرشان، وما كان أصغاؤه سوى تمثيل حاذق ومصانعة. فلم يصغ صدام الى أحد قط. كان يصغي الى نفسه فحسب، وكان يتمعن في قراره النهائي الحاسم المتخذ سلفا وهو يتظاهر بالإصغاء. لذلك أوهم الجميع بمقدرته الفريدة على الاستماع. كان صدام مستمعا فاشلا. كان عظيم الشرود شعوريا. إن التناقض بين الظاهر والباطن، والتناقض بين البداية والنهاية، نجدها مرسومة بوضوح على أفعال صدام حين يتخذ قرارا بوضع نهاية ما لخصم، أو تيار، أو موضوع ما. كان يعود الى ترتيب الأوراق، ويبدأ بوضع لمساته عليها بعناية، وهذا ما يظهره بمظهر الصبور والمتأني، لكنه كان يستعجل النهاية في داخله، لذلك نراه يسرع، وربما يهمل بعض خطوات التنفيذ طمعا في الوصول النهاية الحاسمة. إن الخلاصة النفسية التي نصل اليها هنا، هي أن صدام كان يجيد التحكم والانضباط، الى حد كبير، حينما يمارس نشاطه داخليا. وما الاخفاقات أو الهنات في هذا النشاط سوى جمل اعتراضية محتملة ملازمة للفعل البشري، تحدث تحت تأثير عوامل كثيرة. أما الثابت في معادلة التحكم بالسلوك والنشاط العدواني فهو جودة النتائج على الصعد كافة، الشخصية والعامة. نعني بالجودة هنا، تطابق المثيرات والمشبعات، تطابق المحفزات والتطمينات والترضيات. كانت نشاطات صدام جميعها تتم لصالح صدام الفرد. إن إتمام هذه الترضية لا صلة له بمقدار ما يفقده الآخر: عائلة، حزب، مجتمع. لأن ذلك كله يقع خارج محمية المستبد الفرد الذاتية.

العنف من الداخل الى الخارج
أما نشاطه السياسي العنفي الخارجي فمختلف تماما. مما لا شك فيه أنه يشبه النشاط الداخلي في عدوانيته وشراسته، لكنه يختلف عنه اختلافا جذريا في نتائجه. كان نجاح صدام حسين الداخلي يقابله دائما إخفاق خارجي. وكانت ضرباته الحاسمة الداخلية الموفقة الموجهة للأفراد والجماعات وحتى الكتل القومية والدينية الكبيرة تتسم بالنجاح، بينما كانت كل خطواته المتدفقة الى الخارج فاشلة، حتى خطواته العسكرية الاستعراضية: أحداث ايلول الأسود في الأردن عام 1971 مثلا. كان صدام يجيد تحقيق الفشل العنفي خارجيا بقدر ما كان يجيد اقتطاف النجاح داخليا. ولا يستبعد أن يكون أحد أهم مواضع مقتله هو الفشل في لعبة إدارة لعبة الخارج. لقد ظل صدام، حتى وهو في أعلى مراتب قوته السياسية، أقرب الى عقل النشّال المحلي منه الى اللص الدولي. سارق يجيد التخطيط لسرقة متجر أو مسكن أو حتى مصرف محلي كبير، لكنه يفشل في تبييض العملة المسروقة حينما ينقلها الى الخارج، ويفشل في سبل استثمار مسروقاته، لأنه لا يعرف نظام "البورصة"، ولا حركة العملات وتقلباتها ومن يقوم بها وكيف. تلك أمور معقدة لا يهتم بها صدام كثيرا، لذلك كان يتركها للمقربين منه، وفي أحيان كثيرة يتركها بيد غرباء، مجهولين، يثق بهم، لأنهم طوع بنانه. وكان هؤلاء الغرباء والمجهولون الموثوق بهم عينا مزدوجة، له وعليه. كان صدام على معرفة تامة بهذا الاحتمال، وكان يجيد المخاطرة واللعب به، حتى أضحى أحد أسباب مقتله المباشرة عند احتلال العراق. كان صدام يعرف جيدا الطبيعة المزدوجة لأعوانه الشخصيين المجهولين من تجار سلاح، وعاقدي صفقات، وبائعي معلومات وأسرار، ومبيّضي عملة. لكنه، ككل سياسي مصاب بالعزلة الداخلية، كان مرغما على القبول بالأمر، لدوافع نفعية وحسابات ربحية واعتبارات شخصية ومزاجية، وربما لوساوس نفسية أيضا. ولما كانت هذه الصفقات مخاطرة غير مضمونة الحساب، كان نصيبها النجاح أحيانا والفشل أحيانا كثيرة. لم تظهر هذه النشاطات على السطح إلا نادرا، حينما يتم انهاء بعض خيوطها بطريقة الداخل: التصفية الجسدية التي تعرض لها ذوو ارتباطات مالية وأمنية خفية بهذه الصفقات الخاصة.
لقد لجأ صدام حسين الى لعبة حاذقة – ظنها ناجحة – عند التعامل مع العامل الخارجي، قوامها الجمع بين قوانين اللعبة الخارجية والسلوك الداخلي إجرائيا: التخطيط الهادئ، الخفي، وإدارة التفاصيل وتنظيمها، ثم تحقيق الضربة النهائية الحاسمة والمفاجئة، المخطط لها سلفا، التي تبدو للعيان كما لو أنها وليدة اللحظة الراهنة. لكن الفشل كان حليفه دائما. لماذا؟ لأن قانون اللعبة الخارجية، الذي مارسه صدام، كان يقوم على افتراضات إجرائية خاطئة، قوامها نظرية تصعيد الدوافع العدوانية، ولكن في الموقع الخطأ، وضمن الشروط الخاطئة. لقد خطط صدام لغزو الكويت جيدا، لكنه لم يطرح على نفسه السؤال الجوهري: كيف ستختتم لعبة ما بعد الاقتحام العسكري الناجح؟ ومن صاحب النقلة الأخيرة في هذه اللعبة الكبيرة؟ كان صدام يدرك أن التعويل على طريقة الحسم الداخلي وحدها إجراء خاطئ تماما، لأن الخارج له ردود فعل مغايرة تماما، وما يصح تطبيقه على العراقي لن يواجه بالطريقة عينها في إيران أو الكويت، أو في مواجهة أميركا. فحالما تخرج الجيوش من حدودها الوطنية تتغير حسابات القوة تغيّرا جذريا. هنا يتطلب الأمر إعادة ترتيب للخطوات. كانت ضربات صدام الخارجية مذهلة في حجم النجاح الذي تحققه في خطواتها الأولى، وكان بعضها يشبه المعجزات العسكرية: احتلال المحمرة واحتلال الكويت الصاعقان، الخياليان، خير مثال. بيد أن النتائج كانت كارثية، ومذهلة أيضا: استسلام القوات الجماعي في المحمرة، والتدمير الجماعي في طريق الموت الكويتي، وسقوط بغداد المدهش.

من حافة الهاوية الى الهاوية
لغرض حل هذا الاشكال المعقد لجأ صدام الى نظرية ما يعرف بحافة الهاوية، التي تعني تصعيد النزاع الى أقصى سقوفه، والاحتفاظ بورقة أخيرة، تتيح له تغيير الموقف جذريا لصالح بقائه والحفاظ على وجوده في حالة الفشل، مع الاحتفاظ بشرف المواجهة، وشرف الصراع بمستويات عالمية، والتنافس المخيف في حده الأعلى، والضغط على الخصم حتى آخر لحظة، وانتزاع أقصى ما يمكن انتزاعه مقابل استسلام، يشبه النصر يمزج العنف بالخضوع، ويمزج العدوانية العالية الاستعراضية بالانكسار الداخلي المبطن.
إن دراسة الاختبارات التي دخلها صدام خارجيا تعلن بصراحة مطلقة فشله التام فيها جميعها، وأنه لم يحقق منها سوى الجانب المتعلق باستمرار بقائه ضعيفا، مفككا، مرتبكا. إن التصلف والغطرسة في المواجهة الخارجية تتضمن لديه - جوهريا - إحساسا دونيا بالقبول بالحد الأدنى: البقاء، ولا شيء غير البقاء، مهما كان الثمن، حتى لو كان البقاء على عرش محترق، أو في حفرة مظلمة. ومن أبلغ آراء صدام حسين العسكرية المعلنة حول موضوع القوة والبقاء، ما صرح به في الأشهر السابقة للغزو الأميركي، حينما أجاب عن السؤال المتعلق بالسبل التي ينوي أن يسلكها لمواجهة التفوق الجوي والصاروخي الأميركي. أجاب ضاحكا بثقة مطلقة: التفوق الجوي الأميركي لم ينجح في فيتنام. وحينما أحس بهشاشة المقارنة، أضاف: الطائرات تدمر المنشآت وتقتل الناس، لكنها لا تسقط نظما. تلك هي قاعدة صدام العقلية، والحجر الأساسي في بناء نشاطه النفسي العدواني الموجه الى الخارج. لذلك قام صدام بتهجير طائراته كلها الى الخارج أو دفنها في الرمال، وأرسل بعضها الى عدوّه اللدود إيران، ولم يقم باستخدامها ولو استعراضا، أو انتحارا كما فعل اليابانيون في الحرب العالمية الثانية. كان صدام يفكر في أمر واحد: السلطة، والبقاء. وهذا يعني أن خلف كل ذلك الصلف والتحدي والعنجهية الشكلية توجد ذات استسلامية منكسرة، على معرفة تامة بحجم ضعفها ومهانتها، لا تنشط وهي تصعد العنف الى أقصاه إلا لغرض واحد هو النزول الى القعر: نقطة البقاء. من صنع الديكتاتور إذاً، إذا كانت صفات العنف والخضوع وازدواج المشاعر العدوانية، مزروعة بهذا العمق في كيان الرجل المسير للعنف الاجتماعي؟ إن صدام صورة من صور تطور الازدواج السلوكي الذي نراه مطبوعا على نشاط الفرد النفسي، ولكن بطريقة مصعّدة ونموذجية.
إن نظرية حافة الهاوية، أي تصعيد المواجهة العدوانية الى أقصاها، لا تجوز في الحالة العراقية. لأسباب أهمها أن اللعب بسياسة حافة الهاوية، ممكن في حالة الصدام بين الاتحاد السوفياتي وأميركا حول قضية الصواريخ الكوبية مثلا، لكنه غير جائز في المجتمعات الضعيفة دوليا، لأن هذه المجتمعات لا تسيطر سيطرة تامة على قوانين إدارة اللعبة السياسية، جانبها الإقليمي والعالمي تحديدا. إن بعض أوراق اللعبة موجود لدى أطراف آخرين، ربما تكون هي الأقدر على لعبها في اللحظة المناسبة، والأقدر على الوصول بها الى نتيجة لا يتوقعها أحد، وعلى رأسهم من يغرق في وهم صناعة عملية التصعيد. ربما تكون نيات المُصعّد المتواضعة الرامية الى ابتزاز الخصم، لا تتضمن السقوط في الهاوية، لكنها ستكون كذلك حينما لا تكون يد المُصعّد ممسكة بالأوراق كلها بإحكام مطلق. وإمساك الأوراق مطلب خيالي وعسير في كثير من الحالات. لهذا السبب فشلت ورقة بريماكوف الأخيرة في مفاوضات الانسحاب من الكويت. لأن الاتحاد السوفياتي حينذاك كان ورقة خاسرة، إن لم يكن ورقة فارغة تماما، وظلت النقلة الأخيرة في رقعة الشطرنج السياسي محصورة بيد اللاعب الأكثر مهارة.
لهذا السبب فشلت أيضا المساعي الرامية الى استسلام صدام خلال ثمان وأربعين ساعة، بناء على الشرط الذي وضعته أميركا قبل لحظة الغزو، الذي فهمه خطأ صدام أيضا. كان قرار بوش واضحا لا لبس فيه، يخلو من تعدد القراءات، وفق منطقه اللغوي والنفسي ذاته: "الاستسلام بدون قيد أو شرط، ومغادرة صدام وابنيه العراق، خلال ثمان وأربعين ساعة". كيف فهم صدام الساعات الثماني والأربعين الحاسمة؟
لقد فهمها إنطلاقا من شروط تصعيد الدوافع الموجودة في كيانه، في ذاته، في شخصه. وهي الشروط التي عرفها وخبرها ومارسها ونجح فيها نجاحا باهرا على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد داخليا. لكنه نسي أن يقرأها على ضوء الدوافع التي أملتها ذات من كتبها. هنا مكمن الخطأ: خلط الدوافع العدوانية، وقراءة الخارج بعيون داخلية. لم تكن أميركا هذه المرة تريد لطائراتها أن تهدم جسورا وبيوتا وبنايات فحسب، كانت تريد أبعد من ذلك. كانت تريد وطنا كاملا، غير منقوص. كانت النقلة الأخيرة، بيد القادمين من وراء الحدود وليست بيد من دفع العراق الى حافة الهاوية.

تنشيط الدوافع وتصعيدها عدوانيا
في الرابع عشر من آذار 2003 أوعزت أميركا الى سفيرها جون نغروبونتي سحب القرار الثاني، المتعلق بطلب الإذن من الأمم المتحدة لغرض القيام بعمل عسكري ضد العراق. سبب ذلك فشل بوش في إقناع بعض روساء العالم: بوتين وشرويدر وشيراك، كما أنه فشل في الحصول على إسناد من رئيسي المكسيك وتشيلي. لذلك وجدت إدارة بوش أن السير في هذا الدرب لا يوصل الى نتيجة سريعة، وأن مراهنة صدام على سياسة حافة الهاوية، ستنجح في ظل تعنت أميركا، ورفضها البديل الأوروبي القاضي بالاسقاط المتدرج للسلطة من الداخل، من طريق الإشراك المباشر للأمم المتحدة، بما في ذلك إشراك القوات الدولية في تقرير مصير الحكم باتفاق تام مع القوى العراقية المعارضة. كانت أميركا وصدام في سباق محموم، يُحسب بالدقائق وليس بالساعات. كانت أميركا ترى أن تفويت الفرصة التاريخية المتاحة بالاستيلاء التام على العراق عسكريا لن تكون ممكنة غدا، وما عليها سوى تنفيذها الآن، في هذه اللحظة، سواء أكانت بقرار دولي أم من دونه. غدا سيكون متأخرا، هكذا قال خبراء البنتاغون الذين رأوا تزايد حجم المعارضة العالمية للحرب، التي وصلت الى القارة الأميركية نفسها، الى درجة أن رئيسي تشيلي والمكسيك الحليفين، أضطرا الى رفض دعوة بوش الى إمرار قرار الحرب. كان التصويت في الأمم المتحدة على الصيغة الثانية قد حُسم برفض هذين الرئيسين. وكان لا بد من العمل بانفراد. من المثير هنا أن يكون صدام حسين نفسه، من طرفه، هو من كان يجر الحبل الى آخره، غابيا عليه أنه كان يلفه حول رقبته لمصلحة الاحتلال. كانت أميركا أمام لحظة لا تريد لها أن تفلت من يدها، وكان صدام ومعه المعارضة العراقية يعملان باتحاد تام، واستماتة، من أجل تحقيق الهدف الأميركي. كانت الإدارة الأميركية تعرف جيدا مفاتيح صدام حسين النفسية، وقد اختبرتها في غزو إيران، ومارستها السفيرة غلاسبي في غزو الكويت، ومارستها بواسطة غورباتشيوف في موضوع الانسحاب العراقي من الكويت والاستسلام، وهي تريد ممارستها الآن، بالطريقة ذاتها: الإفادة من التصلف والعنجهية الدعائية البطولية الفارغة، وجرّه الى التصعيد، ثم سحب الورقة الأخيرة منه فجأة، والقيام بالنقلة الأخيرة.
في مساء اليوم نفسه توجه جورج بوش الى قاعة "الصليب"- نلاحظ هنا الدلالة الرمزية للاسم - وألقى خطابه التأريخي القائل: "لقد عجز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن النهوض بمسؤولياته، فوجب علينا أن ننهض نحن بمسؤولياتنا... على صدام حسين وولديه أن يغادروا العراق في ثمان وأربعين ساعة وإن رفضهم القيام بذلك ستكون نتيجته مواجهة عسكرية نختار نحن توقيتها".
"نختار نحن توقيتها"! ثلاث كلمات حاذقة، ماهرة، مصممة تصميما دقيقا للتعامل الشعوري الفعّال والفوري مع النشاط الداخلي النفسي والانفعالي والعقلي لصدام حسين. "نختار نحن توقيتها" هي الرسالة النفسية ذاتها، التي منحتها السفيرة غلاسبي لصدام حينما عرض عليها فكرة العمل على انتزاع الحقوق بالطرق المناسبة، فأجابته بأنها ذاهبة فى إجازة. الديكتاتور الذي يملك أكبر ترسانة دمار شامل في التاريخ (!) يعرض علنا قرار غزو بلد صغير، على سفيرة الدولة المسؤولة الأولى والأخيرة عن حماية الكويت المهددة، فيكون جوابها: اسمح لي يا سيادة الرئيس بأن أتمتع بإجازتي المستحقة مع عائلتي! كيف فهم صدام تلك الإشارة على ضوء آليّاته النفسية والعقلية والشعورية؟ قالت له: نعم، افعل أيها الديكتاتور الأحمق، إذهب فورا الى المصيدة! هذا هو جواب غلاسبي، الذي فهمه صدام كالآتي: أنت بطل المنطقة، بما أنك تفعل بمشورتنا. ولم تخرج على هذا الحساب خطة غزو إيران، التي قامت على معطيات عسكرية محددة: الجيش الإيراني في أضعف حالاته، والمجتمع الإيراني في أحرج فترات انتقاله، والتكوينات العرقية في أعلى درجات تململها. لا توجد لحظة مثالية أفضل من هذه أمام إرادة عدوانية طامعة، تجيد خلط العنف بالخضوع: أي استخدام القوة لمسح لطخة معاهدة الجزائر، التي طأطأ فيها صدام رأسه للشاه صاغرا. هنا، في الخارج، لا تكون النتائج السياسية البعيدة لدى صدام هي الحكم على النجاح والفشل، كما اعتاد أن يراها وهو ينكّل بعراقيي الداخل، بل كان يرى النجاح في حسن استخدام الوسائل. لقد اندفع صدام في العمق الإيراني فوجد أن العرب في "عربستان" يواجهونه من بيت الى بيت كإيرانيين وطنيين، ووجد نفسه عدوا محتلا ممقوتا، حتى في شوارع المحمرة. هكذا يستقبل صدام الإشارات ويعيد صياغتها في مجرى النشاط العام، وبهذه الطريقة يقود الآخرون، اللاعبون بالورقة الأخيرة، عملية تصعيد الدوافع الصدامية المرضيّة، المستفزة.
فهم صدام جيدا أنه مطالب خلال ثمان وأربعين ساعة (لا أكثر) بأن يغادر العراق (تحديدا) هو وابناه (حصريا). الأمر واضح لا لبس فيه، مصوغ صياغة تنبيهية غير قابلة للتأويل على الإطلاق. ولكن. حينما نتأمل العبارة الأخيرة "نختار نحن توقيتها"، نكتشف أن البناء الصارم للزمن والمكان والأشخاص قد نسف من أساسه. في هذه العبارة كمن موت صدام. إن وجود تأويل مبيّت مقصود في الجملة الأخيرة هو الذي سمح لصدام بأن يستخدم مخيلته وخبراته العاطفية وتقاليده الشعورية والعقلية المعتادة، وبأن يستخدم أخطاءه القاتلة وهو يعيد قراءءة عبارة بوش الأخيرة مرة تلو الأخرى. فهذه العبارة تتيح لقارئها إمكان تفسيرها بأكثر من وجه، وهنا تكمن رسالة غلاسبي: متى يتم اختيار المواجهة؟ لقد واجهت أميركا العراق عام 1991 ووصلت جيوشها الى الفرات، وانتهت المواجهة بقمع الانتفاضة الشعبية أمام أنظار قادة المواجهة الدولية: الجنرال شوارتزكوف. واليوم تبدأ مواجهة جديدة: كيف تنتهي هذه المواجهة، وأين؟ يقول صدام لولديه ولنفسه: الطائرات لا تسقط نظما. ذلك اليقين هو أول خيط مكشوف في النشاط العقلي المضطرب، أما الخيط الثاني، الأهم، فهو السؤال القدري الكبير: متى تبدأ المواجهة؟ هذا أمر في علم الغيب، يستطيع المرء اللعب به على هواه. على تلك الإشارات يستند صدام في بناء نشاطاته السلوكية، التي لا تعني لديه سوى: المحافظة على وجوده، حتى لو كان من طريق الاختباء في حفرة تحت الأرض.
كانت الإدارة الأميركية قد حددت بدقة بالغة صيغة تهدبدها بإشاراته الرمزية، وتوقيتاته الميدانية: يبدأ التنفيذ منذ اللحظة التي يُلقى فيها الخطاب، بينما فهم صدام الأمر على أنه تهديد مؤجل. كان صدام يقرأ نفسه، ولم يقرأ خطاب بوش الموجه اليه قط.
بهذه الطريقة كان صدام يقوم بإدارة نشاطاته النفسية والعقلية، ويحولها نشاطات سياسية واجتماعية، تخرجها من طبيعتها الفردية العصابية، الى صيغة اجتماعية ودولية تقرر بها مصير شعب كامل، وشعوب كاملة في أحيان أخرى.
حكام كثر، صغار وكبار، يحملون جرثومة التصعيد العدواني الممزوج بالخضوع المذلّ: القذافي، علي عبدالله صالح، محمود عباس، المالكي، علاوي، القيادات الكردية في العراق وغيرهم.
إن العلاقة بين الخضوع والعنف معقدة ومركبّة، لا تُرى بسهولة، وقد يظنها كثيرون مجرد ألفاظ يصنعها كتّاب مترفون، لكنها حقيقة جارحة موجودة في الواقع اليومي، الواقع الذي أنتج الديكتاتور وأنتجنا.
النهار

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                                                    العدد (565) 03/04/2011                                                                     موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

 


 

نناضل من أجل عراق حر وإقامة دولة القانون والعدالة الأجتماعية                                  العدد  (545) 14/03/2011                                                                  موقع التيار اليساري الوطني العراقي

 

ظاهرة العراقيّ الصغير: حقيقة أم خيال!
 
سلام عبود

 

ربّما تكون حسنة الثورة العربيّة الوحيدة أنّها وضعتنا أمام أنفسنا وجها لوجه. بمعنى أدقّ أنّها مكنتنا من العثور على وسيلة حسيّة للمقارنة، ولمعرفة الذات، وإدراك حقيقة من نكون، وما موقعنا في سلـّم البشريّة.
الأردنيّ، الذي اتخذ مئات الآلاف من العراقيين من وطنه جنّة ومهربا، ينادي بإصلاح دستوريّ، عدته السلطة انقلابا وكفرا سياسيّا.
البحرينيّ، الذي يمتلك خدمات تفوق ما يملكه العراقيّ بمئات المرات، لم يتوقف عند استجداء حقوقه الخدميّة، بل ذهب طالبا تغيير قمّة المنظومة السياسيّة.
المصريّ، الذي يتمتع بالهدوء وبحكومة شرعيّة منتخبة، لم يُطعن إلا في ثمانين حالة منها، باعتراف المعارضة، لم يرض بأقل من الوقوف على جثـّة النظام.
المواطن التونسيّ، الذي يذهب اليه البشر من أصقاع العالم كلّها للتمتع بخضرة بلاده- المحروم هو منها طبعا- أبى إلاّ أن يرتقي منصّة الكرامة باعتزاز وشموخ.
المواطن اليمنيّ، الذي تمتع بانتخابات مقبولة باعتراف المعارضة نفسها، لا يريد أقلّ من رأس النظام.
الشعب الليبيّ يريد أن يذهب أبعد من هذا، وربّما سيجبره الديكتاتور المخبول على ذلك.
العراقيّ الكرديّ، الذي ينعم بخدمات وأمان هي حلم الأحلام بالنسبة للعراقيّ العربيّ، لم توقفه حواجز الأسايش أو القوات الخاصة، ولم يقبل بأقلّ من إصلاح قيادة النظام السياسيّ الفاسد.
المفارقة الاحتجاجيّة الكبرى، أو المفارقة الثوريّة كانت مفاجأة كردستان. إنّها العبرة الأعظم التي نستخلصها من الزلزال الكبير. مفاجأة كردستان غير المتوقعة من قبل القيادات الكرديّة الحاكمة. لقد ظنّت هذه القيادة أنّ المواطن العراقيّ، الذي اعتاد استجداء الخدمات، سوف لن يفعل أكثر من أن يحلم بفردوس كردستان السحريّ، ويتخذ منه مطلبا وغاية قصوى، وبذلك يتلقـّى المعارض الكرديّ لطمة قاسية على وجهه، يوجهها اليه أخوه العربيّ الغارق في دياجير الظلمات وتفكـّك الإرادة. إلاّ أنّ المواطن الكرديّ، أعني جيل الغضب الكرديّ، مزّق هذا التصور الخادع، حينما تجاوز هذا الحلم الكسيح، ولطم وجه المؤسسة القمعيّة الوراثيّة الفاسدة بكلتا يديه، وأثبت أنّه مواطن لا يقبل بأقلّ من حدود المواطنة الكاملة، المواطنة التي تنتزع انتزاعا ولا يتمّ الحصول عليها بالاستجداء واستعراض العاهات.
تلك هي العبرة الأساسيّة المستخلصة من الحدث الكبير.
لماذا إذاً يحدث هذا للعراقيّ العربيّ، الذي تنخر مجتمعه أمراض الاحتلال وعصابات المرتزقة وحروب التكفيرين والعرقيين والطائفيين واللصوص العلنيين والفاسدين والمفسدين والدستور التلفيقيّ الملغـّم؟ لماذا يحدث هذا للعراقيّ الذي أجرى ثلاثة انتخابات، قبل أن يجري إحصاءه السكاني الضروري، رغم مرور سبع سنوات عجاف من الفوضى التنظيميّة والنهب الفاضح؟ لماذا يحدث للعراقيّ الذي انتخب أقل من أربعة بالمئة من نوابه المعينين بالجملة طائفيّا وعرقيّا ؟ لماذا يجب أن يكون ابن وطننا أدنى طموحا، وأضعف إرادة، وأقلّ إيمانا بنفسه، وبوطنه وبمواطنته وبحقوقه الدستوريّة والإنسانيّة، قياسا بغيره من بني البشر؟
هل هو قدر؟ هل هو مرض؟ هل هو لغز لا يقبل الحلّ؟
هذه التساؤلات القاسية ستبعث النشوة في نفوس الحاكم الجاهل، وتجعله ينام مطمئنّا سعيدا، كما نام زين العابدين بن علي وحسني مبارك والطالبانيّ والبارزانيّ.
هذه الكلمات المقتضبة الصادقة الى حدّ جارح ما هي إلا محاولة أوليّة للإجابة عن بعض تلك التساؤلات، لكنّها محاولة تحتاج الى من يساعدها لكي تكون أفكارا معلّّّّّلة وصائبة، لا مجرد انفعال عابر تصنعه جسامة الأحداث.
# # # #
تختصّ السلطة الشموليّة عادة بصناعة عوامل الازدواج النفسيّ والسلوكيّ في نفس المواطن. يحدث هذا حينما تنتج السلطة مواطنا مخصيّا حزبيّا في مواجهة جبروت المؤسسة القمعيّة وجهاز القوّة وسلطة القائد الأوحد، لكنّه في عين الوقت مواطن حزبيّ متجبّر سلوكيّا في مواجهة المواطن الأعزل. ويحدث هذا أيضا حينما تقوم السلطة بتقزيم وتصغير حجم المواطن الى الحدّ الذي تضمر فيه ذاته، ويتوارى أناه، ويختفي وجوده الإنسانيّ تحت شعارات وأوامر ومشاريع المؤسسة القمعيّة وقائدها الضروريّ. بيد أنّ طبيعة النظم الشموليّة القائمة دائما على الشعارات الكبيرة، الحربيّة أو السلميّة: الدولة الكبرى والأمة العظمى ومهد الحضارات وغيرها من الهلوسات، تجبر المواطن الصغير على حمل تلك الشعارات كرها أو الامتثال الاجباريّ لها خوفا، فتصيب ذات المواطن بالانقسام الحاد. فهو صغير إراديّا في مواجهة الطبيعة الشموليّة للمؤسسة التي تحكمه، وهو حامل لشعارات العظمة، المبالغ فيها الى حدّ التهريج، التي تقتضي ذاتا عظيمة وإرادة صلبة تمّ انتزاعها منه من قبل صنـّاع شعارات العظمة أنفسهم.
إنّ سقوط الديكتاتور الكبير، وتفكّك مركزيته، أدى الى سقوط العوامل الموضوعيّة المؤسسة لذلك الازدواج. ولكنّ وقوع الوطن في براثن الاحتلال والاحتراب الطائفيّ والعرقيّ قاد الى الاحتفاظ بمبادئ العنف والقوّة الموروثة والمتراكمة، ودفع الى ظهور قادة ميليشيات وقادة مناطق وأعراق، ليحلـّوا محلّ الديكتاتور المركزيّ ويتحاصصوا جسد السلطة والقوّة، وجسد الثروة الوطنيّة، وجسد البعث سياسيّا وحزبيّا. لقد انعكس تغيير البناء الرأسيّ هذا انعكاسا إجباريّا سريعا على قاعدة الهرم الاجتماعيّ كلـّها، بسبب تفكّك البناء الاجتماعيّ المفاجئ والقسريّ الذي أعقب انهيار النظام الديكتاتوريّ، فعجـّل وسارع في فرص نشوء المواطن الصغير، الذي صنعت عجينته الأوليّة حقبة النظام الشموليّ، ولكن مجردا من طموحات العظمة هذه المرّة. إنّ الحقبة الجديدة، المفرّغة من شعارات العظمة، أعادت الذات الى توافقها الظاهريّ الممكن: صغر الإرادة وصغر الأهداف. نقول توافقها ولا نقولن انسجامها. لأنّ الانسجام فعاليّة مثمرة ومنتجة، في حين أنّ التوافق بين صغر الإرادة وضآلة الهدف، صيغة سلبيّة اجتماعيّا ونفسيّا وإنسانيّا، لا تستطع أن تخلق مواطنا فاعلا، بل تصنع كائنا صغيرا، ضئيلا، غير قادر على حلّ مهمّات وطنيّة كبرى، وغير قادر على حمل واجبات عقليّة وإبداعيّة وثقافيّة وحضاريّة عالية. وهو في أحسن الأحوال مجرد ذات بشريّة صغيرة ومتواضعة تدار من قبل جماعات من المتحكمين الجهلة، الذين لا يريدون أكثر أو أقل من وجود هذا النمط من المواطن، لكي تسهل قيادته. ويغبى على هؤلاء أنّهم بهذا المواطن لا يستطيعون صناعة وطن وحضارة- هم غير معنيين بهذه السفاسف- مهما كانت ثروة الوطن عظيمة، لأنّ هذا المواطن غير جدير بالائتمان على وطن، وغير جدير بالمحافظة عليه، وغير مؤهـّل لإدارته وتفعليه وتطويره وتثويره، وغير قادر، بحكم وضعه المتدنيّ نفسيّا وإراديّا، على القيام بدور الحامل للقيم الكبرى: الكرامة، الضمير، الحقّ، والاستقلال، التي هي بعيدة تماما عن اهتماماته المباشرة.
حينما نتأمل اللوحة السياسية الماثلة أمامنا في العراق نكتشف أنّ صناعة هذا المواطن الصغير لم تكن خطأ في الحسابات، لا في حسابات المحتلين أو في حسابات القوى التي جاءت مع الاحتلال. إنّ صناعة المواطن القزم فقرة أساسيّة في منهج القيادات السياسيّة الحاكمة الآن؛ لأنّ هذه القيادات، كلّها، من دون استثناء، لم تكن سوى مواطن صغير، ضئيل الحجم في مشروع سياسيّ أدير من قبل طرفين قويين معاديين للحريّة ولمشروع المواطنة الفاعلة: النظام الديكتاتوريّ كقوّة ضاغطة من جهة ومؤسسات المخابرات الأجنبيّة، كقوّة حامية ومتبنيّة ومشرفة على القرار الداخليّ.
إنّ المواطن الصغير- ومعه المثقف الصغير والمفكـّر الصغيروالإعلاميّ الصغير والأستاذ الصغير والمؤرّخ الصغير والمرجع الأعلى الصغير والمثل الأعلى الصغير والبرلمانيّ الصغير والرئيس الصغير- هو الصيغة المثلى، التي تتوافق وتنسجم مع محتوى الحاكم الصغير، الضئيل، الذي يستطيع بحرّيّة تامة أن يسوس قطيعا من المواطنين الصغار، الذين تتركز جلّ طموحاتهم في التسول العلنيّ بحثا عن تطمينات شخصيّة في هيئة لقمة عيش أو وظيفة أو فرصة عمل، وفي أحسن الأحوال البحث "المترف!" عن شارع خال من الأوساخ والعبّوات الناسفة يمكن له السير فيه بسلام من البيت الى العمل.
هذا المواطن، والدولة التي تنتجه، ما هما سوى مخلوق بيولوجيّ مختصر، مخلوق لا يختلف في جوهره عن أحطّ الحيوانات السفلى من حيث الفعاليّة المجتمعيّة والنشاط التنظيميّ الغائيّ.
النملّ يصنع مملكته الفاعلة والمنتجة المقاومة لتقلّبات الدهر، النحلّ يصنع هذا أيضا، الديدان تصنع الأمر عينه، لكنّ المواطن القزم، المواطن الوجيز المحدود الإرادة والمبادرة والوظيفة، الذي تصنعه وتنتفع به إرادات لا تقل ضآلة عنه، هو مجرد مرحلة عابرة، مرحلة لا تقود إلاّ الى طريقين مظلمين: الانفجار الانتقاميّ البشع ثأرا للكرامة والمواطنة والحقوق المسروقة، أو الذهاب الى التمزّق الاجتماعيّ والروحيّ والجغرافيّ.
هناك ما هو أخطر من الفساد وتزوير الشهادات ومن البطالة ومن خطّ الفقر ومن مجلس النواب ومجلس الوزارء. هناك أفق تاريخيّ لكلّ وطن. حينما يضيع هذا الأفق، وحينما تتعطل بوصلة التقدم الاجتماعيّ، وحينما تقود المجتمع إرادات سوقيّة، ضئيلة الحجم، منهوشة الضمير، فلن نكون سوى مواطنين صغار، صغار جدا.
في المجتمعات المتحضّرة يتمّ تدريب المواطن ، منذ الولادة، على سبل اكتساب المهارات العمليّة المتعلقة بامتلاك شروط الحرّيّة الفرديّة والعامّة والاستقلال والإرادة والمبادرة والحقّ والضمير. أما لدينا فيقوم غازي الياور بتعليمنا فنون صناعة الوطن الحرّ الجديد، ويقوم كمال الساعديّ برصد حدود رغبات المواطن وسقف احتياجاته البشريّة، وتقوم صفيّة السهيل بتلقينه فنون الكرامة الوطنيّة، ويعلّمه صابر العيساوي جماليات توسيخ وتقبيح العواصم، ويعلـّمه قاسم عطا حدود احتجاجاته ومواسمها والطريق التي يسلكها من البيت الى موقع الاحتجاج. ما أكثر المعلّمين الصغار في بلادنا !
هذا الضرب من الحاكم الصغير لا يصنع مجتمعا بشريّا، بل يصنع مجتمعا للشحّاذين. لا يصنع مواطنا سويّا، بل يصنع مكديّا لا يجيد سوى مدّ يده المرتجفة لالتقاط أوّل كسرة خبز تلقى اليه، وفي النهاية يصنع وطنا مسخا، يستطيع أحقر طامع أن يلهو به كما يشاء. (جددت الكويت بحزم يوم أمس رفضها إخراج العراق من الفصل السابع والنظر في تعويضات حرب عام 1991)
أيّها العراقيّ: اختر حجمك البشريّ، وحدّد مقاسك كإنسان وكمواطن في هذا العالم الثائر على العبوديّة، فأنت تقف في أدنى درجات السلـّم!

 

                                  العدد  (540) 08/03/2011                                                                 

المستبد عاريا

سلام عبود

النفاق هو الوليد المدلل للاستبداد
حينما تصبح القوة مسيّرا أساسيا للحياة (قوانين الطوارئ، الظروف الاستثنائية، كل شيء من أجل المعركة، كل شيء من أجل النصر، خندق واحد لا خندقان، الحرب على الإرهاب، وغيرها من التخريجات اللفظية)، وحينما تكون بديلا من الحق والمسؤولية الاجتماعية والضمير، يغدو العنف نسيجا بنيويا منظِّما للعلاقات الاجتماعية والروحية. فالقانون يصبح تابعا لمبادئ القوة، يكيف نفسه على ضوء متطلباتها وشروطها؛ أمّا المسؤولية الشخصية والاجتماعية للأفراد والجماعات فتصبح أداة، مرغمة أو مختارة، لتنفيذ مشروع القوة. بهذا تكتمل دورة ولادة ونمو وتناسل فعل القوة، وتُنجَز دورة عبور السلوك العنفي من الخارج الى الداخل، ثم العودة الى الخارج لإغنائه، والعودة مجددا الى الذات لتطوير مهاراتها في مجال ارسال واستقبال إشارات العنف، حتى تصبح الذات جهازا انفعاليا حساسا وطيّعا يأتلف، بتناغم فعال، مع القوة المجتمعية، الموجودة خارج الأنا. وحينما تكتمل الشروط الاجتماعية العامة الضرورية الملائمة لاستخدام العنف، تكون الذات قد استحالت صورة مصغرة وفردية من صور إرادة العنف العامة. إن الخضوع المزمن لسلطان العنف يصيب الذات بانقسام حاد وعنيف، ويجعلها متناقضة التكوين: مستعبدة من قبل قوانين وتقاليد وأعراف العنف من جهة، وحرّة حرية فريدة في ممارسة ردود الفعل العنفية والعدائية من جهة أخرى؛ على عكس الذات المتحررة من نوازع العنف، التي تزداد خشيتها الفردية ويتعمق ترددها عند اندلاع العنف. في هذا الطور تغدو الذات الفردية خلية مستنفرة وجاهزة لتنفيذ الأوامر العدائية في الممارسة الحسية اليومية بحرية ظاهرية خالصة، من دون وعي أو تبصر، ومن دون الحاجة الى منطق عقلي أو أخلاقي أو سياسي تستند اليه. في هذه المرحلة المتطورة من مراحل استخدام العنف يصبح العنف وأدواته العدوانية مرجعية خاصة، مستقلة، مكتفية بذاتها، تنتج منطقها وأخلاقها وقوانيها وشروطها السياسية، أي يصبح ثقافة شخصية واجتماعية. مثل هذا التحول المتبادل، النفسي- الاجتماعي، لا تسري قوانينه على السياسيين حسب، بل يشمل الجميع، الحاكم والمحكوم، الظالم والمظلوم، المتعلم وغير المتعلم، الأنثى والذكر، ربة البيت والعامل. مثل هذه العوارض المرضية يجدها المرء بيسر مطبوعة على صفحة المجتمعات إبان الحروب الأهلية. لذلك أرى أن المجتمعات العراقية واللبنانية والجزائرية والسودانية والمغربية واليمنية والفلسطينية مثلا تخوض حروبها الأهلية الطويلة الأمد منذ عقود، وربما منذ زمن أبعد، ولم تزل تمارسها ثقافيا بكل أنواع السلاح: الأبيض والأسود والرمادي.
حينما يجري الحديث عن العنف تذهب المخيلة مباشرة الى السلاحين الأبيض والأسود: الدم وغرف التعذيب والإعدام شنقا أو رميا بالرصاص والحروب. وهذا التصور الحسي، التبسيطي للعنف، أحد أبرز مظاهر الخطر في فهم ظاهرة العنف، لأنه يُخفي جزءا حيويا وأساسيا من أشكال التعبير الاجتماعي، ويتستر على السلاح الأكثر خطورة، السلاح الرمادي، السلاح السلوكي والثقافي. إن العنف منظومة متكاملة، لا يكوّن السلاح والأذى الحسي سوى أداتها المادية، العيانية الجارحة. أما جوهرها الاجتماعي فيكمن في سبل تنظيم العلاقات الاجتماعية، وسبل إدارة الحياة، وسبل مراقبة سيرها وتنفيذ خططها، التي لا تكتمل إلا بتوفر عناصر ثقافية لازمة وضرورية أهمها: أساليب إشاعة الأفكار، والطرق والمبادئ التربوية والفنية ومبادئ الحق، واستثمار الموروث الشعبي والتاريخي والتقاليد، بما في ذلك المزاج العام في لحظة تاريخية محددة، وتطويعها جميعها في خدمة مشروع العنف. إن السلاح هو الشكل الأدنى، وليس الأعلى في منظومة العنف، لأنه الأداة الأقل مكرا، والأقل خفاء، والأوهى تبريرا. إن السلاح لا يعدو أن يكون الوسيلة الجرمية السافرة لتنفيذ مبادئ العنف والعدوانية الاجتماعية. إن تجريد العدوانية والعنف من كيانها التنظيمي وبنيتها الثقافية والقانونية والأخلاقية وحصرها بالسلاح والعنف الحسي المباشر جزء من بناء العقل والفكر المصابين بالشلل العنفي تاريخيا، الناشئ بفعل سيادة وتغليب ثقافة وقوانين القوة على قوانين التبادل السلمي للأدوار الاجتماعية. إن العنف يمارس حريته بمكر أشد، ويستخدم عدوانيته بدهاء أكبر، حينما يكون مجردا من السلاح المباشر.

الديكتاتور يستأنس بأصنامه الباسمة
شيئا فشيئا يمسى الديكتاتور مشحون الأعماق بمشاعر الوحدة والسوداوية والإنغلاق العاطفي. وتغدو التطمينات التضليلية، الكاذبة، التي ينسجها جيش الوشاة فيه وعنه، إسهاما عاطفيا، تعويضيا، دوائيا، يخفف من حدة أزمته النفسية. فالحقيقة القاهرة تؤكد يوميا أن الديكتاتور ليس أكثر سعادة من تماثيله المبتسمة، المنتشرة في الطرقات. شيئا فشيئا تغدو صور المستبد الأوحد الباسمة، التي تحتل نيابة عنه، فضاء الوطن، استفزازا عاطفيا جارحا، يهدد بافتضاح أعماقه المحترقة بنيران الكآبة، والهزائم المتكررة، والإذلال الدولي الدائم. حتى أنه يدمن النظر الى انتصارات تماثيله وتماسكها وحريتها بحسد ومساومة، متوهما أنه يستطيع أن يستعيد من خلالها ابتسامته المقتولة. وفي لحظات نادرة الحدوث، حينما يتم تآلفه مع ذاته، يستجمع ثقته بنفسه ويعترف لنفسه أنه مستبد مخذول، يستمد عظمته من حجم الإهانات التي يلحقها الأقوياء الغرباء به، وحجم الإهانات التي يلحقها هو بمن هم أدنى منه سلطة. يقف الديكتاتور بهلع وخجل وارتباك الوثني أمام آلهته الجميلة، وهو يعترف لعدوه وخصمه اللامرئي اللابد في أعماقه، بأنه أكبر المستصغـَرين، الذين يمارسون شقاءهم العدواني بكبرياء وإصرار وصلف، لا يضاهيه سوى انسحاق راسمي لوحاته وصانعي تماثيله وناسجي مدائحه الشعرية والنثرية والتلفزيونية. لا أحد مثله من بني البشر تدرب في مدرسة الشارع تدريبا بارعا على صناعة أوهام المجد الملطخ بالدم، ولا أحد يضاهيه في مقدرته على تعليم نفسه جيدا سبل الاحتيال بمهارة وفطنة على ذاته، موهما إياها، قبل أن يوهم رعاياه، بامتلاكه بهجة القوة المؤكدة، المرسومة على شفاه الصور الشامخة في الساحات. يظل الديكتاتورغارقا في طقسه الوثني، غاطسا في بئر تفرده الاستثنائي، ولا أحد يتنبه الى ذلك، حتى هو نفسه. لأن الجميع مثله، يراقبون الثقة المطلقة بالنفس المنحوتة على وجوه التماثيل والنصب، التي تفسد هواء الوطن بزفيرها الموبوء. لا يمتلك المستبد قناعة تامة من أنه تعيس ومرتبك الأعماق، لأنه يعيش ويحلم، ينام ويصحو، وهو يحمل على كتفيه هودج الديكتاتور الضروري المرصع بنجوم الانكسارات المتلاحقة، الدكتاتور- القدر المكلف من قبل قوى غامضة، بحمل تيجان الاستبداد الاستثنائية القاتلة. يملك الجميع، حتى أصغر خدمه، حقا طبيعيا في إجازة قصيرة أو طويلة. الديكتاتور وحده من لا إجازة له. لأنه عبد أبدي للخوف من الخوف، اعتاد أن يرى نفسه سجينا داخل أسوار معابده الخاصة، السرية والعلنية: طغيانه. معارك الخارجية والداخلية لها نهاية وتخللتها هدنات عديدة، لكن حربه الشخصية لا نهاية لها، ولا هدنات ممكنة فيها. لقد فرض "القائد الأوحد" على نفسه أن يحمل عبودية الديكتاتور الأبدية حتى وهو ذاهب الى قدره المؤكد: قبره.
أي قدر خرافيّ يصنع المستبد لنفسه، وأي قدر انتقامي تصنعه سلالة القتلة للآخرين؟
يبنى الديكتاتور سلطته القيادية على أساس مبدأ القوة، أي مبدأ العنف، ليس في طريقة أخذ السلطة فحسب، وإنما أيضا من طريق تحصين شخصه تحصينا عسكريا تاما، وهو يناضل من أجل الاحتفاظ بهيبة القوة والغطرسة. إن هاجس الديكتاتور فردا وقائدا لجماعة حزبية يرتبط ارتباطا قسريا وضروريا بالقوة، أي بالعنف، وبالخوف الى حد الهلع من فقدان هذه القوة. فليس امتلاك القوة وممارستها هو هاجس وشاغل الديكتاتور، كما نظن جميعا. إن هاجسه الجنوني الأعظم يكمن في خوفه الهستيري من فقدان هذه القوة وإضاعة مصادر صناعتها وإدامتها. كم ليلة كابوسية سوداء مرت في مخيلة الديكتاتور، نائما أو يقظا، وهو يرى نفسه مطوقا بآلاف الموتى الزاحفين نحوه وهو يحاول عبثا العثور على سيفه الأسطوري المهيب، المعلق في سماء الوطن، كرمز أبدي لقوة الخوف وجنون مقاومة الخوف. ومن سخريات القدر الأرعن أن يحاول خصوم الديكتاتورالاقتداء بهذه الخبرة العدوانية، جانبها الفني تحديدا، ولكن بحرية ناقصة، ومسؤولية مضطربة. لذلك يظل الديكتاتور المثل الملهم والعبقري للجميع، حتى لمنافسيه وخصومه وأعدائه من السياسيين الحالمين بالسطة.
بعد أن يحسم المستبد معركة امتلاك مصادر القوة لمصلحته: السلطة، يحيط نفسه بمجموعة كبيرة، رثة، من المساعدين. ويكون هذا الاختيار مبنيا على المبدأ الأوحد ذاته: القوة العارية، القوة المدججة بالخوف من القوة، والمشحونة برهاب فقدان القوة. فهؤلاء، حتى لو قتلوه، لن يستطيعوا أن يديروا منظماته الزاعقة ككيان حزبي موحد، وأن يديروا دفة السلطة كقوة تنظيمية وطنية تقود الدولة. يبنى الديكتاتور الجاهل تحصيناته الشخصية من طريق المبدأ الوحيد الذي يعرفه، ويجيد استخدامه: حسابات القوة وفق مبدأ العنف المـُنتج، العنف المتناسل، المجرد من أي محتوى أخلاقي أو سببي أو سياسي، والقوة باعتبارها قدرا وجوديا. لذلك يمتلك الديكتاتور حساسية مفرطة ضد أيّ مصدر للقوة، خارجي أو داخلي، يرى فيه تهديدا شخصيا، مباشرا. ولا يتوقف الأمر على ذلك، فقد يجد المستبد أن مركزة السلطة، وفق مبدأ القوة، هي الطريقة المثلى والأنجع لإدارة المجتمع؛ فتتحول العسكرة الى شكل لإدارة السلطة والحياة معا.
الوطن - شعبا وأرضا - لدى السياسي الرث وفي مشاعره وأحاسيسه، ولدى المثقف المصاب بالرخاوة والعفونة الضميرية ليس سوى تجمع سكاني، يخلو من العلائق المجتمعية. إنه إطار حسابي وجغرافي، أقل مرتبة من القطيع البري، تربط أفراده وكتله صلات تنظيمية خارجية وعددية، أقل منزلة من الروابط المجتمعية الوطنية للفئات، وروابط المواطنة للأفراد. فالوطن في نظرهم اتحاد مزيف لجماعات متناحرة، نسيجه الناظم قانون القوة والتوازنات الخارجية الإجبارية. فهم جميعا يؤمنون بإن التمزق الداخلي هو الشكل الوحيد الثابت والمتماسك والحي في بنية الواقع التضليلية المترابطة ظاهرا، الراسخة التجزئة مضمونا. وما وحدة الوطن الظاهرية، الشكلية، سوى تجميع مصطنع، تمليه ضرورات خارجية قاهرة.

جريمة إنكار العنف والتستر عليه

هذا البناء المتكامل هو بناء ثقافي، له آليات عمل، وطرق وأساليب تسيير وإدامة وتجديد. أي إنه نظام متكامل بمعارفه وخبراته وطرق تعبيره وترجمته لخطط ومشاريع المجتمع القائمة على أرض الواقع والمستقبلية، وطرق تعبيره وترجمته لمشاعرالمشاركة في إدارة الحياة وأنماط تقبلها. إنه نظام روحي للقوة الحسية، أي أنه نظام للعنف الثقافي. من هنا يجد المرء أن فصل الثقافة عن العنف هي محاولة لتبرئة العنف من جرائمه، وبمعنى أدق محاولة تخديرية لكبح مشاعر تأنيب الضمير الناشئة جراء الانخراط في مشروع العنف أو التماهي مع مكوناته. وهو شعور كريه حتما، لكنه شعور واقعي، لا يتم القضاء عليه من طريق تناسيه، ولا من طريق الاعتقاد بعدم وجوده، أو بعدم وجود مركباته وتجسيداته الواقعية (الموضوع)، أو إنكار أوالاته، الكامنة في الداخل. إن الطريق الوحيد لمواجهة مشكلة العنف السياسي والثقافي، الفردي والمجتمعي، هو الاعتراف أولا بوجوده، وتشخيص مكامن ومواقع هذا الوجود، وأشكال ظهوره الفردي والجماعي، وإدراك أنه فعالية كامنة، لا يمكن محوها، لأنها جزء من جوهر بناء الإنسان نفسه. أما مقاومة ظهور وتحول العنف الى موضوع، أي الى ثقافة: مادية أو فكرية، مشنقة أودبابة، أو بدلة زيتوني، أو سيارة بدفع رباعي، أو قصيدة تحريضية، أو تربية قائمة على الوشاية، أو نظرية حزبية بكل ألوانها وتفسيراتها، فهي الحلقة التربوية والحقوقية الأولى في منظومة مقاومة العنف. لا يمكن تعديل فعل الغرائز والدوافع الداخلية من دون وضع برنامج شامل لتصحيح مسارات تحققها في الواقع، وتحويل وتغيير منابع إثارتها، قبل تحولها الى موضوع والى ممارسة يومية، أي الى سلوك وفعل. لأن الغرائز ثابتة، وهي تنشط حينما تجد التحفيز النفسي ( نشاط ذاتي فردي) ، مدعوما بالمنشط والمسوغ التاريخي والاجتماعي ( الوسط الاجتماعي)، الذي يجعل من هذا النشاط قوة قد تعبر من حدود الانفعال الشعوري الغريزي، باحثة عن موضوع خارجي للتحقق، أي للتحول الى فعل في الخارج (اجتماعي)، أي الى "لا ثقافة"، كما يعتقد فرويد، وهو يعني هنا الى قوة هدم. إن توجيه الغرائز باتجاه حضاري، باتجاه ثقافة الحياة تتطلب وتشترط معرفة ممرات ومكامن نشاط مشاعر الهدم وبواعثها، وصياغة منهاج يعدل الدوافع ويصحح ما انحرف منها، ويمحو آثار ما ظهر منها في الممارسة. هنا تخطو الثقافة باتجاه الحضارة، أي تخطو خطوات إنسانية واثقة الى الأمام. على الرغم من أن هذه الخطوات لا تعني أن المجتمع تخلص من ثقافة الموت والقوة والعنف، وأحلّ محلها ثقافة الخير والسلام والعقل والعدالة والحرية. سيظل هذا المسعى نسبيا، وبعيدا، لكنه غاية سامية، سيتم الاقتراب منها حضاريا خطوة خطوة، من طريق تغليب عناصر الخير وكبح وترويض نوازع الشر.


حطّموا متاريس دولة اللاقانون!

سلام عبود

 

أنقل اليكم وصفا دقيقا لأحداث محافظة واسط كما روتها صحيفة الصباح العراقيّة على صفحتها الأولى يوم 17 شباط:
1- مصدر أمنيّ يقول إنّ المدينة شهدت مظاهرات للمطالبة بتحسين الوضع الخدميّ. 2- حمل المتظاهرون نعشا كتب عليه "الخدمات" .3- طاف المتظاهرون بمبنى المحافظة وهم يحملون النعش. 4- رشق المتظاهرون المبنى بالحجارة والعصيّ والأحذية. 5- هشّم المتظاهرون الزّجاج. 6- أحرق المتظاهرون غرفة الاستعلامات . 7- منعوا وصول سيارة الإطفاء وأجبروا سائقها على الفرار. 8- أطلقوا شعارات تندّد بالمحافظ. 9- وقف المتظاهرون الغاضبون أكثر من ساعة ونصف الساعة دون أن يخرج لهم أيّ مسؤول لسماع مطالبهم. 10 – توجهوا بعد ذلك الى منزل المحافظ وأضرموا النار فيه. (انتهى الخبر الرسميّ)
بهذا الوصف المحايد والوطني، النزيه والمهنيّ طبعا، تدوّن صحيفة الصباح أوّل مواجهة واسعة بين قطاع من الشعب الغاضب والسلطة المحليّة. وهذا الوصف يعكس حقيقة هويّة هؤلاء الذين يحكمون وطبيعتهم الإجرامية الظلاميّة ، ويكوّن صورة نمطيّة مجسّمة لصحفيي هذا النظام الجاهل والبهيميّ وكلّ نظام فاسد وأصم وأعمى مثله.
بعد هذا الوصف التفصيلي كلـّه، الذي لم ينس الأحذية والسائق المطرود والزجاج المهشّم ونعش الخدمات وبيت المحافظ، اختتمت الصحيفة تقريرها الشريف بسطر عجيب، لا صلة له بالحدث على الإطلاق، لا من قريب أو من بعيد. يقول السطر المنحرف:" ومن جهتها أكدت مصادر صحيّة في واسط أنّ الاشتباكات جرّاء التظاهرات أودت بحياة 3 أشخاص وجرحت نحو 50 آخرين وأنّ الحصيلة قابلة للزيادة بسبب خطورة بعض الإصابات"
المصادر الصحيّة تؤكد - ليس حملة المكانس ووكلاء الأمن- قتل ثلاثة مواطنين وجرح أكثر من خمسين مواطنا! من قتل وجرح هؤلاء وكيف؟ ألا يملك هؤلاء الجرحى والقتلى أسماء وعناوين وصورا وأهلا وسجلّ مواطنة؟ هل أحرقوا أنفسهم؟ هل قتلوا بعضهم؟ هل ما توا بمفخخة إرهابيّ؟
هنا لا بدّ أن نسأل محمد عبد الجبار الشبوط - صحافيّ إسلاميّ ّشريف الى حدّ اللـّعنة - وهو محرّر الخبر نيابة عن ما يعرف بشبكة الإعلام العراقيّ،عن سرّ شفافية إعلامه الأخلاقيّة، وعن سرّ إعادة تعيينه قائدا جديدا للاعلام الحكوميّ بعد إبعاده المؤقت.
الشبوط لا يجيب. الشبوط يلبط ثقافيّا فقط. صحيفة الشبوط غير معنية بهذه الأسئلة غير الشريفة، لأنه كما قال أحد كتـّاب الصحيفة قبل يومين: "لا آبه بما يقوله الآخرون"، أي لا يأبه بما يقوله الشعب، أو كما قال قمّام ثان: "لماذا نخجل مما نفعل؟" أي لماذا نخجل من الانحطاط الأخلاقيّ ومن الوقوف في صفّ القتلة.
عودة الشبوط، رافقتها عودة لمجمل الرعيل الطليعيّ الذي واكب الاحتلال "التحرير"، وهذا يعني أنّ السلطة والاحتلال يعدّان العدّة لعملية تحرير جديدة للشعب العراقيّ، يعدّانّ لمرحلة أسماها صحفيو السلطة "التحرير الثاني".
إذاً، لم يتمّ اختيار الشبوط ورهطه عبثا، ولم يتمّ استدعاء فريق الاحتلال عبثا أيضا. فالتحرير الثاني ليس شعارا، بل هو خطّة محكمة ومحاولة دنيئة لقتل آخر ما يملكه هذا الشعب من إحساس بالكرامة، وليس هناك من هو أجدر من الإعلام المأجور للقيام بهذا الدور. موت الضمير، كره العراق، كره الشعب، الإتجار بالدين وبالطائفيّة السياسيّة، وانمساخ الإرادة الشخصيّة. تلك هي خصائص قمّامي الثقافة من إعلاميي مرحلة التحرير الثاني.
وإذا كان التحرير الأوّل دفع أكثر من ثلاثة ملايين عراقيّ الى الخارج، وهدم بنية المؤسسات المدنيّة، وسحق الكرامة والهويّة الوطنيّة سحقا لا رحمة فيه، فماذا سيفعل التحرير الثاني؟ من أيّ شيء سيحرر ما تبقى من العراقيين؟ وهل تبقى شيء لم يتمّ تحرير المواطن منه، بعد أن حرّروه من أرضه، وحقوقه، وكرامته، وصبره؟
عودة جهاز الإعلام الذي رافق الاحتلال الأوّل دفع الى واجهة الحدث وجوها مستهلكة وأفكارا أكثر استهلاكا ورخصا.
فجأة عاد الى الواجهة المزيج العفلقيّ الأميركي الطائفيّ العرقيّ التجاريّ: ابراهيم الزبيدي واسماعيل زاير، ألمع شرطة الاحتلال.
فجأة يكتشف أحد أولاد الحكومة الفاسدة المدللين، الذي يعمل مأجورا منذ سبع سنوات في ثقافة الاحتلال الطائفيّ والعرقيّ والأميركيّ، يكتشف وجود بركة ماء آسنة أمام مقر صحيفته، ويعلن أمام الشعب الثائر عن سرّه الخطير بشجاعة وثوريّة ملهمتين.
حصيف كاكه مسعود! يقول أحد زبّالي الاحتلال والنظام الطائفيّ العرقيّ إنّه نصح إحدى العوائل بإنزال صورة ابنها المعتقل ، لكي لا يُساء استخدام "طهارة التغيير" و"تحريف أهداف الاحتجاج!". وطلب من الأهل أن يرفعوا مكنسة بدلا من صورة ابنهم العراقيّ المعتقل في سجون النظام! لأنّ الشعب - في نظره - يقدّس المكانس عاليا، ولا يقدّر شهداءه أو معتقليه جيّدا!
مستعجل ملا عليوي! أحد "فروخ السلطة" بدأ بكتابة ونشر مذكراته، التي تسجل مشاركته البطوليّة في تفجير وقيادته الثورة ضد الفساد "الخدميّ"، ولكن قبل بدء الثورة! هؤلاء لم يعبثوا بحياتنا فحسب، بل يريدون العبث حتـّى بموتنا وغضبنا وآلامنا.
لقد بدأت أجهزة المخابرات تزرع وسط المنتفضين أوقح صحافييها وإعلامييها وشرطتها من خدم الاحتلال والطغمة الفاسدة - كما زرع حسني بلطجيته- لكي يقودوا المنتفضين الى فخاخ منصوبة سلفا من قبل جهاز الشرطة السريّة. سيتحمل هؤلاء، اسما اسما، مسؤولية شخصيّة مباشرة عن كلّ صدام دمويّ وتخريبيّ يهدف الى "تحريف أهداف الاحتجاج!".
فجأة ظهر سيار الجميل وراح يفتش في دفاتره العتيقة المهلهلة مكتشفا أن : العراق " بأمسّ الحاجة الى كلّ من المسؤولين والمواطنين معا"، من دون أن يخبرنا أيّ مسؤول وأيّ مواطن يعني!
وصحا فجأة، بالعبقريّة ذاتها، القضاء العراقيّ النزيه، مكتشفا جريمة جهاد الجابري، مدير مكافحة المتفجرات، التي فـُضحت منذ زمن ليس بالقصير في صحف العالم أجمع. بهذا الاستدعاء المزدوج – صحافة الاحتلال والمسيئين الصغار- يريد اللص الكبير إخفاء حلقات اللصوص والمجرمين، الذين عيّنوا وحموا ووقـّعوا على صفقة شراء أجهزة مكافحة المتفجرات الفاسدة، التي حصدت نفوس آلاف العراقيين، كما يريد لصوص البرلمان العراقيّ الكبار التضحية بلصوص المجالس المحليّة الصغار وحرقهم في أتون الغضب الشعبيّ العارم، ومثلهم يريد لصوص الإعلام سرقة وتدنيس لحظة الوعيّ المجتمعيّ التاريخيّة لدى المواطن المبتلى بالظلم على مرّ العصور.
أيها المقهورون: اكنسوا وكلاء الأمن، حملة نظرية "التحرير الثاني"، وابعثوا بهم الى أسيادهم مع مكانسهم وضمائرهم المتقيحة. لا تسمحوا لهم بتدنيس براءة الغضب العراقيّ وطهارة الألم الذي عشناها جراء فساد رؤسائهم!
هذه اللعبة المنحطـّة لن تنطلي على أحد. عقود النفط أعلى وأغلى من عقود تبليط الشوارع، وتخطيط سياسة الدولة العليا مسؤوليّة أعلى جهاز حكوميّ، وليست مسؤوليّة الزبّالين والمنظفين البلديين. اتفاقيّات بيع الوطن، أمنيّا وسياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا، مسؤوليّة الجهاز الحزبيّ الحاكم وليست مسؤوليّة حرّاس مبنى المحافظ.
المعركة التي يريد اللص الكبير نقلها الى ساحة اللصوص الصغار لن توقف أو "تحرف" إرادة الشعب، لأنها معركة مغشوشة ومكشوفة، معركة لا تجيب عن أسئلة الوطن، وعن حقوق المواطنة، وعن الكرامة المنتهكة.
ربّما ستجيب عن سبب فساد تبليط الشوارع في بعض أزقـّة قضاء عفك؛ هذا ممكن إذا تمّ التضحية مؤقتا ببعض "الحرامية" الصغار، لكنّها لن تجيب عن فساد الحكم وضحالة النظام السياسيّ وتعفـّنه.
هذا الشعب الغاضب لن يخدعه صحافيّ ميّت الضمير أو سياسيّ ميّت الأخلاق. هذا الشعب الذي صبر طويلا لن يقع في لعبة اللصوص الكبار، لصوص المنطقة الخضراء، المسؤولين الرئيسيين عن الفساد والمشرّعين الرئيسيين له.
أيّها السياسيّون الفاسدون: حصّنوا حدود المنطقة الخضراء جيّدا بالمتاريس والألغام الأرضيّة! لأنـّها ستكون حدود دولتكم الأخيرة. وإذا واصلتم دوس كرامة الشعب ربّما ستكون حدود مقبرتكم الأخيرة.
حصّنوا حدود دولة اللاقانون بالأسلاك الشائكة، فقد كفر الآباء والأمهات بذلك اليوم التعيس الذي ولدتهم فيه أمهاتهم وجعلتهم يرون قانونكم الفاسد.
أيّها السياسيّون الفاسدون: خذوا أقوالي على محمل الجدّ. ما أقوله هو أصدق أنواع النصح، لأنـّه نصح كاره غاضب، وليس نصح واش أو نمّام

 

 

نعم يا طغاة الفساد العراقي: نحن متضرّرون!

                                                   

سلام عبود

 

لقد شهد العالم أجمع، بالصوت والصورة، عمى وصمم فاسد تونس، وشهد بعد ذلك غلاظة وعمى وصمم وسوقيّة "الرئيس" اللامبارك مبارك. واليوم يأتي الفريق الحاكم في العراق وإعلاميّوه عارضين عوراتهم وتشوهاتهم الخلقيّة والسياسيّة أمام الملإ بطريقة فاقت طرق سابقيهم. وصل العمى العراقيّ حدودا عظيمة الشذوذ حينما جعل الإعلام الأميّ ثورة مصر الشعبيّة البيضاء جزءا من "كهرباء الديمقراطيّة العراقيّة"، وجعل بعضهم ثورة فقراء العراق " مجرد خدمات"، وجعلها آخرون تخديشا أجنبيّا  "حسودا" (؟؟!!) لصورة "العهد الديمقراطيّ" الذهبيّ.

ولأنـّهم عميّ وصمّ وبكم بامتياز وجدارة نطالبهم بالرحيل عن الحكم. لأنـّهم غير مؤهـّلين عضويّا (جسمانيّا) للحكم، وليس سياسيّا فحسب. إن السياسيّ الجاهل ومعه إعلاميّه الأكثر جهلا لا يدركان أنّ الحقّ الانتخابيّ ليس مزيّة خاصّة استثنائيّة، بقدر ما هو حلقة صغيرة  من سلسلة واسعة من حقوق المجتمع المدنيّ، التي لا يصح إهدارها كلـّها باسم حقّ يتيم، هو أكثرها شكليّة، حق تمتع بمزاياه أكثر حكـّام العالم ضحالة وحمقا، من أمثال قرضاي في أفغانستان، والقذافي والبشير وعلي عبد الله صالح ومبارك وعباس وابن علي وغيرهم. وأن هذا الحقّ لا يفعل فعله بنفسه، بل يعمل باتحاد تام مع منظومة متجانسة من الحقوق المدنيّة، أهمها وأعلاها حقّ مراقبة ومحاسبة وتقويم الحاكم، وحقّ المواطنة الذي يعلو على أيّ حق آخر سواه.

اليوم طلعت علينا صحيفة "الصباح" الحكوميّة بتقسيم جديد للشعب العراقيّ يقول: إن أسباب غضب أبناء الشعب العراقيّ عائد الى أمرين: إمّا أن يكونوا معترضين على الخدمات، أي هم أناس شعروا بأنّ حُفر الشوارع أصبحت كثيرة فراحوا يطالبون الحكومة بتحسين تبليط الشوارع. أو أنـّهم - وهذا هو بيت القصيد- من " المتضرّرين".

وبما أننـّي أحد هؤلاء، وبما أننـّي أعيش في بلد خال من الحفر  ومشاكل المجاري ولا أريد تبليط شارع، بل أريد تبليط نظام مدنيّ كامل للحقوق الاجتماعيّة، فأقول بملء الفم: نعم، أنا أحد المتضرّرين، وهذا الوطن كلـّه: الحجر، والشجر، والماء، والهواء، والهوام،  وحتـّى الكلاب السود الضّالة فيه،  تضرّرت  جرّاء ظلمكم وجهلكم وعمى ضمائركم.

نعم،  نحن متضرّرون! نعم، ألحقتم بنا ضررا  فادحا، ضررا مميتا، إذا قورن بأضرار مبارك في مصر وأضرار زين العابدين في تونس. وأنتم  تعترفون من طريق معارضكم وسفراتكم المكّوكيّة الى النظام المصريّ المقبور ومهرجاناتكم العظيمة واتفاقياتكم التجاريّة والأمنيّة، التي أقمتموها، بتفضيل خاصّ جدّا ومميّز، مع نظام منحطّ ساقط هو نظام حسني مبارك، تعترفون، من طريق هذه العلاقة الوطيدة، أنّ نظام حسني مبارك كان جنـّة وواحة للديموقراطيّة وعرين الثقافة الحرّة، قياسا بجحيم دولتكم المظلمة، الفاسدة، البشعة.

سيأتي من يقول لنا: والإرهاب؟ هل نسيتم الزرقاوي وابن لادن ووو...!؟ وأنا أقول لهم: هؤلاء مخلوقات سيّدكم، الذي جاء بكم الى الحكم. لقد فتح، ربكم الأعلى (لا ربّ لهم سوى القوى الأجنبيّة)، للإرهابيين ممرات آمنة، لكي يعيد بهم تنظيم عمليّة الفرز والفصل الطائفيّ والعرقيّ عسكريّا وميدانيّا على الأرض،  في ظلّ حلّ المؤسسة العسكريّة وتهديم قواعد الدولة المدنيّة. أما استمرارهم وتناميهم  فكان بفضل سوء إدارتكم للسلطة وتقاتلكم العبثيّ والمخجل والكافر (أنتم كفرة بكل معنى الكلمة بكل القيم، حتـّى بالقيم السمويّة) على الحكم والسلطة والنهب العلنيّ وشهوة القتل والانتقام.

سيقول قائل منكم: البعث إذن! هل نسيت البعث؟ وأنا أقول لأمييكم جميعا: لا أحد يزايد على الشعب والمواطن في هذا، فأنتم جميعا لا ترقون الى مرتبة بعثيّ واحد من حيث الإدارة والتنظيم. لأنكم جميعا لم تكونوا سوى أسوإ ملحقات الجهاز البعثيّ. كنتم جزءا من جيش الوشاة، من نمّامي البعث، وبائعي المعلومات والأوساخ الثقافيّة والسياسيّة. أنتم تعرفون هذا اسما اسما، ونستطيع تقديمه لكم بالقوائم المفصّلة، المملـّة، وفي مقدمتهم جهاز إعلام الرئاستين والإعلام الحكوميّ وصحيفتكم المركزية وكلّ المؤسسات الأخرى. فدعوا خدعة البعث. أنتم الآن تواجهون بعثيـّتكم المشينة الخاصّة، ذواتكم الفاسدة.

نعم، بعثيـّتكم الخاصّة، أقولها علنا وليعذرني الشعب العراقيّ كلـّه: بعثيـّتهم الخاصّة. لأنّ البعثيّ في نظركم، الذي تسمونه البعثيّ الشريف، هو البعثيّ الأميركيّ الذي يطبّل للاحتلال، والبعثيّ الايجابيّ هو المرتشي والفاسد أو قائد فرق التعذيب في سجن الجادرية. هؤلاء بعثيّون محترمون، شرفاء، و"ذهبيّون" و"ديمقراطيّون". إنـّكم أسوأ من أسوإ بعثيّ فاسد.

لهذا أقول بجرأة وإخلاص: على البعثيّ غير المموه والمزوّر، البعثيّ مواطنا وليس حاكما، البعثيّ فردا إجتماعياّ وليس عضوا حزبيّا، البعثي الذي تورط في بعثيّته الحزبيّة والسلطويّة السابقة، لظروف أقرّ الدستور (الزائف والمشين) اغتفارها وقبولها، أن يبرهن الآن على وطنيته. وإذا كان الأميركان والطائفيّون والعرقيّون قطعوا عليه إمكانيّة المراجعة سابقا، فعليه أن يراجع نفسه الآن، وأن يقدّم لشعبه وجهه الآخر، العراقيّ، الوطنيّ، ووجه الشخصيّ المسالم والسويّ.

لقد سقط مبارك وابن علي، ولكنّ حكـّام المدن الدول الاستبداديّة الكرديّة، الذين يقفون خلف جرائم التاريخ العراقيّ كلـّه: الحاكم العائليّ، الاستئثاريّ، القبليّ، الفاسد حتـّى النخاع، الذي يتربع على عرش المدن الدول لكرديّة، هو الخطوة الأساسيّة الأولى التي يجب أن تدكّ وتزول الى الأبد، من غير رجعة. فلا يعقل أن توجد في القرن الواحد والعشرين ممالك عرقيّة في قلب دولة جمهوريّة، وأن توجد دولة جمهوريّة اتحاديّة ومملكة إقطاعيّة فدراليّة في اتحاد خرافيّ واحد. تلك هي مهزلة الزمان كلـّه! هذا الفساد العقليّ والسياسيّ هو الذي يحكم العراق الآن ويقف وقوفا مباشرا خلف كلّ جريمة حدثت وتحدث فيه.

إنّ الشعب العراقيّ الطيّب مسالم ومبتلى بالكوارث والآلام،  ولا يريد سوى العيش بكرامة، فلا توغلوا في الدوس على روحه، لم يعد قادرا على احتمال شروركم. كفـّوا أذاكم عنه! أنتم تتساءلون لماذا سُحل نوري السعيد وعبدالإله بتلك الطرق البهيميّة البشعة واللا أخلاقيّة؟ لأنـّهما مثلكم، كانا  أعميين، أصمّين، أطرشين، لا يريان ولا يسمعان صراخ وعويل  وبؤس المواطن.

اليوم لا يريد الشعب أن يسحلكم، يريد منكم أن ترفعوا سوط طغيانكم وفسادكم وجهلكم عنه؛ يريد بالحسنى، بالكلمة الطيّبة، بالموعظة، بالرجاء والدعاء الصادقين، أن تقلـّلوا حجم أذاكم. فهل هذا مطلب كبير؟

نعم كبير، وأكثر من كبير! هكذا ستردّ ضمائركم وهي تصحو من غفوة موتها المؤكـّد. لأنّ رفع الأذى والحيف والظلم وإعادة الحياة الى مجراها السلميّ الطبيعيّ سيكون يوم الحشر لكم، يوم كشف الحسابات. أنتم تريدون الحشر سمويّا، وهذا حقكم الطبيعيّ، تصرّفوا به على هواكم ومسؤوليتكم، لكنّ حسابات الخبز اليوميّ، وتربيّة الأبناء، ولقمة العيش، والكرامة الشخصيّة تتطلب قيامات أرضيّة، قيامات أرضيّة خالصة للأسف الشديد.

ستكون غضبة الشعب متحضّرة، رغم أنـّكم لستم متحضّرين. ستكون غضبة الشعب سلميّة، رغم أنـّكم مجموعة من العصابات المحليّة المسنودة بعصابات أجنبيّة زنخة. ستكون غضبة الشعب عادلة، رغم أنـّكم طغاة جهلة مستهترون وصلفون بكلّ معنى الكلمة.

لذلك أقترح على جميع مدونيّ الانترنيت  وضع جدول رقميّ في أعلى صفحاتهم، يشير برقم كبير بارز الى عدد القتلى والجرحى والمعتقلين، الذين سيلحق بهم الأذى من قبل السلطة، على أن يتغيّر الرقم مع كلّ حدث، وأن يتمّ تسجيل الأعداد بدءا من انتفاضة الكهرباء في البصرة وانتفاضة الخبز في الديوانيّة وصاعدا (سننسى مؤقتا المليون قتيل والسجون الجماهيريّة).

بهذه الطريقة سنوثق باسم الحاكم شخصيّا، وليس باسم شرطيّ مجهول، كلّ قطرة دم تسيل من أجل معركة استرداد الكرامة الشخصيّة المنتهكة والثروة الاجتماعيّة المنهوبة ومن أجل بناء النظام المدنيّ والسيادة وإعادة الهوية الوطنيّة العراقيّة المستلبة.

وعلى الحاكم (سلطة محليّة أو مركزيّة) أن يعي أنـّه ليس أقوى من حسني مبارك، مهما كانت عصاباته مدجّجة بالسلاح. لأنّ ضمير الشعب أقوى من ظلم الطغاة.

أنتم تسألون المنتفضين: هل أنتم من المتضررين؟ وأنا أعيد الجواب على أسماعكم واضحا صريحا، وبالعاميّة العراقيّة: أي نعم، نحن متضرّرون، وهذه ثورة المواطن المتضرر، المواطن الباحث عن حق دستوريّ يكفل كرامته، ويكفل بناء مؤسساته المدنيّة على أساس المواطنة، لا على أساس الطائفة أو العرق أو الحزب.

تستطيعون مؤقتا - سيسمح لكم الشعب بهذا -  إعلان استقلال دولتكم: "دولة المنطقة الخضراء"، وبذلك يكون لكم دولتكم وللشعب العراقي دولته، لكم دينكم ولنا دين. ويستطيع أتباعكم "غير المتضرّرين" في المحافظات طلب اللجوء الى مملكتكم أيضا، بضمان خطيّ من الشعب العراقيّ المتضرّر.

وإذا لم ترحلوا الى دولتكم المحرّرة، دولة "غير المتضرّرين" نقول لكم:  ليس لدى المواطن المتضرّر أكرم من هذا العرض السخي.

فارحلوا سريعا أيّها الصمّ العمي، الفاسدون!